الرئيسية » صفحات مختارة » لماذا التفريق بين عدو وآخر ما دامت نتيجة الظلم واحدة؟

لماذا التفريق بين عدو وآخر ما دامت نتيجة الظلم واحدة؟

فاخر السلطان
حرب صيف عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله اللبناني اعتبرت مثالا بارزا بشأن ضرورة تحديد ماهية التوجه الديني الشعبي للعرب والمسلمين، وهو التوجه الذي أخذ مشروعيته في رفض الآخر الديني غير المسلم من المدرسة الدينية التقليدية وفرعها المتمثل في الإسلام السياسي، وانبرى يسير بقوة وتطرف خلف ممارسات وسياسات حزب الله بصورة عكست التعصّب والخضوع للفهم الديني بدلا من أن تعكس التعقّل والتنوع والتفكير المستقل. فهل التأييد الشعبي الجارف لحزب الله آنذاك كان تأييدا طبيعيا وواقعيا، أم جاء بسبب أن “العدو” كان دولة إسرائيل “الدينية اليهودية العنصرية”.. أم أن الأمر يتعلق بنهج المدرسة الدينية التقليدية بإسلامها السياسي ونظرتها إلى الآخر الديني وبالذات اليهودي الإسرائيلي؟ بالتالي هل يختلف الموقف الشعبي عام 2006 عن الموقف الشعبي الراهن في حرب غزة؟ لماذا هذا الاهتمام الجارف من قبل شعوب المجتمعات العربية والمسلمة بمصير الشعب اللبناني والفلسطيني، دون اهتمام مماثل بمصير شعوب عربية ومسلمة أخرى واجهت ظروفا عسكرية وإرهابية وقمعية أصعب بكثير، كظروف الشعب العراقي والشعب السوداني والشعب الأفغاني والشعب الصومالي.. وغيرها؟
إن مدرسة الفهم الديني التقليدي وطريقة التديّن المسيّسة، الكارهة للآخر الديني غير المسلم، حيث يتم إلقاء مسؤولية جميع الأزمات والمشاكل عليه، هي التي أوصلت الشعوب المسلمة إلى حالة التخبط تلك وصعّبت عليه توجيه رؤاها وعقلنتها، وجعلت التمييز الديني العنصري هو المحرّك والمغذي لهذا النوع من السلوك. فالفهم الديني التقليدي والمسيّس أضفى هالة دينية غيبية جمعية على أي صراع يكون الطرف الآخر فيه هم اليهود (أو دولة إسرائيل)، كما أضفي نرجسية على الذات العربية والمسلمة ما ألقى بجميع مسؤوليات التخلف والتقهقر والقتل على الآخر الأجنبي أو الآخر غير المسلم، وبالذات اليهودي. فالشعوب الأخرى، غير الشعبين الفلسطيني واللبناني، لا تواجه “العدو” الإسرائيلي بل تواجه “نفسها”، لذلك كان الاهتمام العربي والإسلامي بمصيرها لإخراجها من محنتها، خجولا، بل في كثير من الأحيان لا مباليا. في حين كانت مشاهد التدخل الأجنبي “الاستعماري” في شؤون بعض الشعوب المسلمة لإنقاذها من ويلاتها حفاظا على أمنها واستقرارها، وحفاظا على أمن النظام العالمي، وتأييدا للمصالح الدولية المشتركة، كالتدخل الأمريكي لإنقاذ الشعبين البوسني والكوسوفي، بارزا في هذا الإطار. وحينما غزا صدام حسين الكويت وابتلعها عام 1990، تعمّد إشراك العامل الفلسطيني الإسرائيلي في القضية، مدعيا أن طريق تحرير القدس يمر عبر الكويت، ومستهدفا بصواريخه “المجاهدة” تل أبيب، وذلك لقناعته بأن الحالة الدينية الشعبية الناتجة عن المدرسة الدينية التقليدية التاريخية تستند إلى مبدأ عقيدي مفرط في العداء لليهود ولدولة إسرائيل، ما جعله يستغلها أيّما استغلال.
إذن، هو فهم ديني مسيّر ومسيّس، ومنطلق من رؤية قائمة على ضرورة وجود عدو ديني (يهودي). لقد لعب التديّن الشعبي المصلحي الحاث على الصلاة والدعاء لنصرة من يقف ضد اليهود و”يستشهد” في هذا الطريق، دورا رئيسيا مساندا لصدام حسين. وقد نجح طاغية العراق المقبور في سياسته هذه، واستطاع أن يجيّر الشعوب العربية والمسلمة لصالحه، خاصة الجانب السني من جمهور مدرسة الفهم الديني التقليدي. لكنه في المقابل، ومن دون قصد، عرّى تلك المواقف. فقد إنفضح هذا النوع من الفهم الديني، وهذا التديّن المسيّس القائم على مبدأ “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، وبالذات إذا ما كان “العدو” هو دولة إسرائيل. لذا نجد لزاما طرح السؤال التالي: ما مصير الشعوب المسلمة المكتوية بنار القمع والإرهاب والاستبداد والتطرف الداخلي؟ لماذا لا تلقى نفس الدرجة من النصرة الشعبية والتأييد الديني لمواجهة دكتاتورياتها وظلماتها الداخلية؟
لماذا هذا الهجوم الإسلاموي الشعبوي ضد إسرائيل والولايات المتحدة فيما يخص سياساتهما وممارساتهما بحق الشعوب، ومنها الشعبين الفلسطيني واللبناني، فيما يظل السكوت سيد الموقف تجاه ظلمات التعذيب الوحشي الموجود في الغالبية العظمى من السجون العربية والمسلمة؟ لماذا السكوت المريب تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في كافة مجالات الحياة، بدءا من انتهاك حقوق المرأة والطفل، مرورا بانتهاك حقوق العامل الأجنبي، انتهاء بانتهاك الحقوق السياسية والاجتماعية للفرد والشعوب؟ لماذا انتهاك كرامة الإنسان العربي والمسلم تبدو “واضحة وجلية” حينما يعتدي عليه “الإجرام” الإسرائيلي؟ لماذا هذا التمييز العنصري في الدفاع عن حقوق البشر؟ ولماذا التفريق بين عدو وآخر ما دامت نتيجة الظلم واحدة؟ إن المسؤولية الرئيسية عن ذلك تقع على عاتق مدرسة الفهم الديني التقليدي بإسلامه المسيّس. فرجال الدين المؤسسين لهذا النوع من الفهم والتفسير يتحملون مسؤولية استمرار هذا التمييز، الذي يوصف في أبسط أوصافه بأنه عنصري وغير إنساني. فهو لا يهاجم الظالم والظلم بشتى أنواعه ومنطلقاته، بل يهاجمه فحسب حينما يكون دينيا يهوديا، لا لشيء إلا لأن ذلك يتماشى مع تفسيره، ويحقق له مصالح شعبوية كبيرة، ويدفع بمشروعه السياسي إلى الواجهة. فهذه المدرسة لا تجد غضاضة في أن تطبّل للمشروع الديني حينما تنشب أزمات في المنطقة، دون أي مراعاة للمصالح الوطنية للبلد الذي تعيش فيه ودون أن تحدد حسابات الأهداف القومية. فهي تجد في الصراع مع إسرائيل مرتعا خصبا للدفع بشعاراتها الدينية الشمولية المؤدلجة، ولا ترى في الأزمة – أي أزمة – سوى صراع بين حقها الديني المطلق ملزم التنفيذ، حيث من الواجب الشرعي الدفاع عنه ولو جاء ضد مصلحة الوطن والمجتمع وعلى حساب إزهاق أرواح الآلاف من البشر الأبرياء، وبين الباطل الديني المطلق. ولا يمكن للعقلية الدينية التقليدية والمسيّسة، المؤدلجة والمطلقة والشمولية، القريبة إلى الشوفينية والمتبنية للوصائية، إلا أن تقسّم أي صراع يكون أحد أطرافه دولة إسرائيل، إلى صراع بين نواب الله المؤمنين، ونواب الشيطان الخونة والعملاء والقريبين إلى الكفر والشرك. فتلك العقلية التي يسهل عليها تقسيم الصراع إلى صراع بين جبهة الحق مقابل جبهة الباطل، لا تتوانى عن استخدام عصا النص الديني لمنع أي فسحة أمل ناقدة تسعى لتوجيه اللوم للطرف الديني المسلم في عالم المواجهة الدينية الإسلامية – اليهودية المتقدة، الذي خلقته وأشعلته وصبت الزيت عليه بمساعدة أشقائها من اليهود المؤدلجين. لذا تفرض قوى هذا النوع من التديّن وأنصار المدرسة الدينية التقليدية وجمهور الإسلام السياسي، في العديد من الدول العربية وفي مجتمعات “الشعار الديني” و”الأحلام الغيبية”، مخرجا كلاسيكيا لأزماتها مع الجانب الديني غير المسلم، وبالذات مع اليهود، وهو أن تكون الجماهير المسلمة إمّا مع “الحق” الإسلامي وإما مع “الباطل” حيث لا مجال هنا لمنطقة رمادية. فإما أن يكون الإنسان عميلا وخائنا وصهيونيا، وإما أن يكون مسلما مؤمنا بالله وبمشروع الإسلام التقليدي والمسيّس، المؤمن بالحتمية الإلهية لانتصار الإسلام والقضاء على اليهود ودولتهم.
والأمور في ظل هذه الثقافة الشمولية الإقصائية لا يمكن حسمها استنادا إلى التفكير الحر والوعي المسؤول والإدراك غير المؤدلج وحساب الصواب والخطأ، بل استنادا إلى “الحتميات” المعلبة التي تبني سدا منيعا أمام ممارسة العقل لمهامه النقدية ولتحليله الموضوعي للقضايا. لذلك أي نقد هنا يمثل نقدا للحق الديني وتجاوزا على الإسلام ومعصية لله وخيانة للأمة وجماهيرها وقضاياها. فخطوة حزب الله اللبناني صيف 2006 في أسر الجنديين الإسرائيليين، وخطوة حركة حماس في استمرار إطلاق صواريخها الفاشلة، ألا يستحقان نقدا موضوعيا وشاملا، بل نقدا للحركتين وأفكارهما وشخوص زعمائهما؟ أيمكن مواجهة مثل هذا النوع من الأزمات الكبيرة والعنيفة بنقد سلوك الجانب الإسرائيلي فحسب، وعدم مساءلة سلوك وسياسات التجمعات الدينية التي تتبنى نهجا دينيا تقليديا ومسيسا، لاستناد تلك السياسات وذلك السلوك إلى منهجية دينية فوق بشرية غير قابلة للمساءلة، بسبب أنها تعبّر عن الجانب السماوي الحق والأصيل، وتمثل الموقف الإلهي مقابل الموقف الشيطاني؟
فاخر السلطان
كاتب كويتي
ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.