صفحات سوريةياسين الحاج صالح

البوشية وتحطيم الديموقراطية في الشرق الأوسط

null
ياسين الحاج صالح
في حين كانت الديموقراطية ونشرها الإيديولـوجية المشرعة لسياسة إدارة بوش في «الشرق الأوسط»، صغيرا أو جديدا أو واسعا، فإن الحصيلة العملية كانت إضعافا خطيرا للقوى الديموقراطية والفكرة الديموقراطية بالذات في العالم العربي، أعادها ثلاثة عقود إلى الوراء على الأقل، أي إلى أيام ما كانت تحاول إثبات شرعيتها في مواجهة سلطات ديكتاتورية وإيديولوجيات شمولية.
جرى ذلك بطريقتين. أولا عبر اتكالها الواسع على القوة الأميركية الخام وثقتها بالوسائل العسكرية لحل المشكلات السياسية المعقدة وانزلاقها إلى ضرب من العداء «الحضاري» للعالم الإسلامي…، ما تجلى في احتلالها للعراق وقبله أفغانستان ومثابرتها على دعم متطرف للكيان الإسرائيلي. عبر ذلك كله تسببت في حفز استنفار ثقافي وسياسي في مجتمعاتنا، مضاد للغرب أو مشكك فيه على الأقل وفي كل ما يأتي منه، وأضعفت بالحركة ذاتها نوازع النقد والإصلاح الذاتي فيها. وكمجمل عام، يمكن القول إن العدوانية الأميركية (والإسرائيلية في ركابها) دفعت «المسألة الوطنية» إلى الصدارة و»المسألة الديموقراطية» إلى الخلف. ولم يخفف توسل إدارة بوش للديموقراطية من هذا الأثر، بل إنه أساء إلى سمعة الفكرة ودعاتها، ودفع إلى المطابقة بين التسلطية والوطنية. وتسبب الوضع العراقي بعد الاحتلال الأميركي، وما مثله من اندلاع فاحش للعنف ومن نزاع طائفي متفجر، في إثارة خوف عام من التغيير في المشرق، وخشية منتشرة من أن تكون الديموقراطية بابا للفوضى وعدم الاستقرار. ولعل هذا المعطى يندرج ضمن «قانون عام» يزيد عمره على قرن ونصف القرن في المشرق، ويقضي بأن الحضور الكثيف لجرم سياسي خارجي كبير يتسبب في زلازل في بنى مجتمعاتنا، تتظاهر ترجيحا في انشقاقات طائفية قد تتفجر حروبا أهلية. وتمثلت أولى حصائل تظاهر هذا القانون في تغذية النزوع المحافظ السياسي والثقافي، وتعميم الخشية من أن يفضي التغيير إلى انقسام طائفي لبلداننا.
وفي المقام الثاني جنحت إدارة بوش في الداخل الأميركي بالذات نحو سياسات أمنية متشددة، تضعف الضمانات القانونية الحامية للمواطنين الأميركيين أنفسهم، فضلا عن المقيمين والزائرين. وانزلقت نحو ممارسات قمعية فظة لا تختلف كثيرا عما يؤخذ على أنظمة عربية موصوفة بحق بالديكتاتورية، مثل سجن غوانتانامو وسجون سرية للمخابرات الأميركية تمارَس فيها صنوف مروعة من التعذيب.
كل ذلك أتى على القيمة المعيارية للنموذج الديموقراطي، المتمثل في الولايات المتحدة أكثر من غيرها، فأضعف جاذبيته وقلل طاقته الهيمنية. والمفارقة أنه في الوقت الذي كانت إدارة بوش تعلن تعهدها بتصدير الديموقراطية كان ما لديها منها يتدنى إلى حضيض ربما ينحدر حتى عن أيام المكارثية قبل أكثر من خمسين عاما.
والواقع أنه قبل أن تعمل البوشية على فرض «التغيير من الخارج» في منطقتنـــا عملـــت بجد على فـــرض التغييـــر من الخارج في أميركا بالذات. أعنــي على إضعاف تماسك المؤسسات الديموقراطية الأميركية، وفرض منطق إيديولوجي وسياسي غريب عليها نسبيا (لكن له أصولا في بنية الثقافة والمجتمع الأميركيين)، منطق تيارات إيديولوجية متعصبة وانقلابية مثل «المحافظين الجدد» ومجموعات من المسيحيين الإنجيليين الأصوليين. لقد كانت المحافظة الجديدة تحديــدا بمثابــــة وعـــي منــقول من الخارج إلى المؤسسات الأميركية، مستفيـــدا مـــن تـــدني مناعتهـــا وزيادة حساسيتهــــا وهشاشتها إثر هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابيــة. كل ذلك أسهم في تحويل الديموقراطية إلى إيديولوجية بأتمّ معنى للكلمة، فكرة منفصلة عن العمليات الواقعية تموّه حقيقة ما يجري.
وما نريد ترتيبه على ذلك هو أن رئيسا سيئا للأميركيين أنفسهم يصعب أن يكون رئيسا جيدا لغيرهم. أو لنقل إنه إذا كان بوش كارثة علينا، فقد كان سيئا على بلده قبلنا.
لكن هل يعني ذلك أن رئيسا جيدا للأميركيين، قد يكونه أوباما، هو جيد لنا؟ هذا ليس ضروريا. ذلك أن الأمر «علائقي»، يتصل بضروب تفاعلنا مع السياسة الأميركية وضغوطنا عليها ومقاوماتنا لها. وكان يمكن للسياسات البوشية بالذات أن تكون أقل سوءا لو تطورت عندنا سياسات من شأنها أن تغرّم الأميركيين جزاء تجاوزهم أصولا نعتبرها أساسية. فلن يراعيك أحد إن كانت مراعاتك وعدمها سيان. وهذا المبدأ العام جدا ينطبق على إدارة أوباما طبعا.
لكن، من جهة أخرى، ثمة عداء أميركي للعرب، متعدد الطبقات والأصول، تشكل في بنى شعورية وثقافية راسخة، بحيث قد يقتضي الأمر سنوات طوالا، عقودا، لمعاكسة المفعول السياسي لهذه البنى حتى لو تطورت الآن سياسات عربية موفقة جدا. ويتعزز تأثير هذه البنى عبر الاعتناق الأميركي لإسرائيل، وجودا وأمنا وتفوقا وازدهارا، وقد أضحى بند إيمان ثابتا للسياسيين الأميركيين الطامحين. ونتكلم على اعتناق وعلى بنى ثقافية متأصلة للقول إن في العلاقة الأميركية الإسرائيلية عنصرا دينيا، مضادا للديموقراطية والعقلانية معا. فلا تكاد تؤثر عليه تقلبات الرأي العام ولا الحجج والبراهين العقلية. وهذا أيضا يقيد إدارة أوباما مثل غيرها.
على أنه لا شك أن استرخاء الأوضاع العالمية والتوقف عن القرع المثير للأعصاب لطبول الحرب وتراجع العناصر الإيديولوجية في توجيه السياسة الأميركية، قد يؤهل شروطا أنسب لتفاعلات سياسية سلمية، وربما لانكفاء الجيوسياسي (الذي يقترن صعوده دوما، عندنا وعند غيرنا، مع صعود التنظميات والإيديولوجيات الأمنية). ومع أن هذا لا يعني عودة تلقائية، وإن تدريجية، إلى أولوية الشأن الداخلي في بلداننا والذي قد نتذكر أنه كان ثانويا وهامشيا قبل بوش والبوشية، إلا أن الضرر الهائل الذي تسببت فيه البوشية هو دفع قطاعات مهمة من الجمهور الناشط إلى جانب سلطات وعقائد الأمن الوطني، وتسويغ المصادرة التامة للداخل على مذبح ما يفترض أنه «مسألة وطنية». هذا الضرر ربما يخف قليلا.
لا يفوتنا القول إن البوشية (وقد استخدمنا العبارة هنا بمعنى واسع، يحيل إلى جملة السياسات الأميركية في منطقتنا في ظل إدارة بوش) ربما تكون ساهمت في كشف فقر التفكير الديموقراطي في العالم العربي، وبالتحديد افتقاره إلى تصور نموذج ديموقراطي ممكن في مجتمعات متعددة الأديان والطوائف. هذه مسألة كبيرة تحتاج إلى مزيد من الوقت والتفكير.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى