دلور ميقريصفحات ثقافية

عمارة يعقوبيان : موضوع الجنس المحرّم في السينما

null
دلور ميقري
1
ثيمة الجنس ، كانت وما فتأتْ من مواضيع السينما المألوفة ، والأكثر إثارة للجدل في آن . وبما أنّ حديثنا يتناول فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ، فلا بدّ من التنويه ، ولو بشكل عابر ، بمعاناة أهل الفنّ السابع ، المصريّ ، سواءً مع الرقابة أو وسائل الإعلام . ترقى هذه المعاناة ، في واقع الأمر ، إلى عشرينات القرن المنصرم ؛ أيْ إلى بدايات السينما الناطقة في موطن النيل . ففي تلك الآونة ، لم تجز الرقابة إكمالَ تصوير فيلم ” غادة الصحراء ” لإستيفان روستي ، وذلك بسبب ما وصف بـ ” خلاعته المفرطة ” . وكذلك الأمر بالنسبة لفيلم فاطمة رشدي ” تحت سماء مصر ” ، الذي منع بعيدَ توقيف مساعد المخرج ، بتهمة الشذوذ الجنسي . في مستهلّ القرن الجديد ، الواحد والعشرين ، كادتْ هكذا تهمة ـ المثليةـ أن تمنع عرض فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ؛ حينما نهضَ نائبٌ برلمانيّ ، معارض ، للذود عن العقيدة والأخلاق الرشيدة ـ كذا . بيْدَ أنّ الرقابة ، وخصوصاً في المرحلة التالية لإنقلاب العسكر في عام 1952 ، راحتْ تولي إهتماماً بالأفلام الروائية ذات المواضيع الواقعية ، النقدية ، مُستهدفة ً بعضها بمقصّها الصارم ، ومنتهجة ً سبيل الإدعاء بالتهمة ذاتها : الجنس . المفارقة هنا ، أنه في حين أستخدِمَتْ هذه التهمة لحصار أفلام واقعية مهمّة ، تعدّ اليوم من مفاخر السينما العربية والعالمية ـ مثل ” شيء من الخوف ” لصلاح أبو سيف و ” المومياء ” لشادي عبد السلام و ” الظلال في الجانب الآخر ” لغالب شعث ـ فإنّ الرقابة نفسها قد غضتْ البصر عن أفلام تجارية بغاية الرداءة موضوعاً وإخراجاً ، وعلى الرغم من إحتوائها على مشاهد جنسية سافرة ، مبتذلة ـ كما في أفلام على شاكلة ” ذئاب لا تأكل اللحم ” ، ” سيّدة الأقمار السوداء ” و ” أعظم طفل في العالم ” .

2
رواية ” عمارة يعقوبيان ” ، المنشورة في نهاية القرن المنقضي ، كانت قد أثارتْ إهتمام الصحافة ، والتي أشادت عموماً بموهبة مؤلفها ، علاء الأسواني . على أنّ ثيمة الجنس المحرّم ، التي بُنيتْ عليها حكاية النصّ الروائيّ هذا ، لم تحظ بكثير من إلتفات تلك الصحف . موضوع المثلية ، ما كانَ للحقّ من تفرّدات ” عمارة يعقوبيان ” . إذ لطالما قرأنا أعمالاً أدبية عربية ، روائية وقصصية ، تمحورَ مضمونُ بعضها على الثيمة تلك ، أو على الأقل ، كانت معالجة خلل أحداثها ؛ مثلما نجده في ثلاثية نجيب محفوظ ” بين القصرين ” ، الصادرة في خمسينات القرن الماضي . لا بل أزعمُ ، من جهتي ، بأنّ الكاتب علاء الأسواني ، في روايته هذه ، كان متأثراً بشدّة بعمليْن روائيَيْن ، مهمَيْن ؛ وهما ” منزل الموت الأكيد ” لألبير قصيري ، و ” حارَة الزعفراني ” لجمال الغيطاني : في هذه الأخيرة ، نلحظ جرأة الكاتب في طرح تفاصيل الحياة الجنسية لأحد المثليين ، المُعتبَر إجتماعياً . أمّا رواية قصيري ، فإنّ تأثر الأسواني بها يبدو عياناً لناحية العمارة الكبيرة ، التي تتآلف فيها مصائر بشرية عديدة ، محكومة بالإنهيار الكليّ ، والمعبَّر عنها رمزياً بتداعي البناء وخطر تقوّضه على ساكنيه . إنّ ثيمة ” الإنهيار ” ، الموصوفة ـ وبحسب زعمنا دائماً ـ كانت أساسَ بنية الحكاية في ” عمارة يعقوبيان ” ؛ وهيَ الثيمة ، المتماهية بموضوع الجنس المحرّم . فمن خلال هذه العمارة القاهرية ، العريقة ، شاءَ الكاتبُ إستنفاضَ تاريخ مصر المعاصر ؛ وتحديداً ، عبرَ سيرورة حياة ” زكي الدسوقي ” ، أقدم مقيم فيها .

3
تلك السيرورة التاريخية ، التي ذكرناها آنفاً ، عَرَضها لنا ، ومذ مبتدأ المشهد الأول ، مبدعا فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ؛ المخرج مروان حامد والسيناريست وحيد حامد . هيَ ذي لقطاتٌ أرشيفية ، نادرة ، أخذتنا بالأبيض والأسود إلى قاهرة الثلاثينات والأربعينات ، قبل أن تؤوب بنا للزمن الراهن ، المُبتده به حكاية الفيلم وبالألوان الطبيعية . رمزياً ، نستشفّ لعبة الزمن وقد تماهتْ في الفيلم مع لعبة المكان : فهذه العمارة الكبرى ، الكلاسيكية الطراز ، تقع في مركز القاهرة ومطلة على الساحة التي يتوسطها تمثال المصلح طلعت باشا ؛ أحد أهم شخصيات ذلك الزمن الرومانسيّ . وكما كان ” عيسى الدباغ ” ، في فيلم ” السمّان والخريف ” ( المأخوذ عن رواية لمحفوظ ) ، ينفسُ إحتقانَ داخله بالتوقف كلّ مرة أمام تمثال ملهمه سعد باشا زغلول ؛ هنا أيضاً ، في فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ، نتابع بطله ” زكي الدسوقي ” ( النجم عادل إمام ) ، فيما هوَ يجولُ بذكرياته محلقة ً فوق تمثال ذلك المصلح الكبير . تحت هذا التمثال إذاً ، يقف بطلنا في أحد مشاهد الفيلم الأخيرة ، الأكثر روعة وتأثيراً وتعبيراً ، ليصرخ وهوَ ثملٌ ، محبط ، وبملء صوته : ” كانت مصر جزءاً من أوروبة ؛ كانت الموضة تظهر هنا أولاً ، قبل باريس .. أما الآن ، فقد زالَ كلّ هذا وما عدنا نعيش حاضرنا ونكاد لا نعرف شيئاً عن ماضينا ” . ثيمة الإنهيار ، تتجلى في هذه الصرخة المدوّية ؛ وهي الثيمة ، التي تعبّر عنها ” بثينة ” ( الممثلة هند صبري ) ، حينما تقول بمرارة : ” مصر صارت قاسية على أهلها ” . هذه الفتاة الفقيرة ، تقع المرة تلو الاخرى بين براثن الرجال المقتدرين ، المُنتهكين جسدها ، مدفوعة ً إليهم بفعل الحاجة والفاقة .

حينما تلتقي ” بثينة ” بإبن الباشوات المنقرضين ، ” زكي ” ، فإنها تعثر لديه ليسَ على العمل وحسب ، بل وعلى أمان روحها القلقة ، المعذبة . فارق السنّ بينهما ، كان شاسعاً ولا ريب ، إلا أنّ ذلك لم يَحُل دون توثق صلتهما وصولاً إلى القران أخيراً . كان ” زكي ” أساساً قد درس الهندسة المعمارية في باريس ، إلا أنه لم يُمارس عملياً هذه المهنة وعلى الرغم من إمتلاكه مكتباً في العمارة التي يقيم بها ؛ وهوَ المكتب ، الذي سيضطر إلى إستخدامه مسكناً بعدما طرد من شقته الفخمة . فهذا الرجل ، المكتهل ، كان يعيش حياة بوهيمية ، معتمداً على ما تبقى من ميراث أسرته الأرستقراطية . وإذ كانت ” بثينة ” ، بدورها ، تحلم بالسفر إلى عاصمة النور تلك ، فإنّ إمرأة اخرى ، فرنسية الأصل ، تدخل الحدَث هذه المرة وبوصفها صديقة قديمة للبطل . إنها ” كريستين ” ( الفنانة الرائعة يسرا ) ، التي تملك مطعماً راقياً في قلب القاهرة : إذ ذاك كان صوتُ هذه المرأة ، ( الخواجاية ) ، يصدحُ مترافقاً مع عزفها على البيانو ، مترنمة ً بإحدى أغنيات إديث بياف . صوتها الرخيم ، سيتردد في أحد مشاهد الفيلم الأخيرة ، المؤثرة ، حينما يتناهى بين الأزقة والجادات والشوارع ، منبئاً بتغرّبه عن هذه المدينة المتدهورة قيَماً وأعرافاً . كان مما له مغزاه حقاً ، أن يترافق ظهورُ ” كريستين ” ، الممثلة تاريخ القاهرة ، الذهبيّ ، جنباً لجنب مع ” عزام ” ( النجم نور الشريف ) ؛ هذا الممثل فئة محدثي النعمة ، الجشعين ، الذين لعبوا الدور الرئيس في تدهور البلد إلى دركٍ من الإنحطاط والرجعية . إنه هنا ، في أوج غناه ووجاهته ، يعذبه كابوس الماضي المترائي له في الحلم ، يُذكره بفقره ووضاعته ، حينما كان مجرّد ماسح أحذية ، قبل أن يحظى بمعرفة إمرأة فاحشة الثراء تتزوجه وتنجب منه الأولاد وتجعل منه رجل أعمال .

ولكي تتناهى الدلالة في فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ، فإننا نلحظ أيضاً ولوجاً أنثوياً ضافياً للحكاية ، بشخص الأرملة ( الممثلة سمية الخشاب ) ، مترافقاً مع شخصية المسؤول الرسميّ ، الخطير ( الممثل خالد صالح ) ؛ المجسّد فساد أهل السلطة . ففيما كان رجلُ الأعمال ، ” عزام ” ، يبدي إستعداده لرشوة هذا المسؤول ، بغية تسهيل إنتخابه لمجلس الشعب ، يتعرّف مصادفة ً على تلك الأرملة ، الجميلة ، خلال زيارة عمل له إلى الإسكندرية : ” إنّ زوجها ، على الأرجح ، أحد أولئك العمال المصريين ، الذين قتلهم صدّام حسين في العراق ” ، يُعلق رجل الأعمال على ما سمعه من أمر هذه الأرملة . هكذا يشتهيها ” عزام ” بشدة ويرغب بالتمتع بها ، فيستشير صديقاً له في الأمر . ” إنكَ رجل مؤمن ، والشرع الحنيف يبيح لك الإقتران بأربعة نساء ! ” ، يقول له صديقه . لا يلبث ” عزام ” أن يتزوج من المرأة سراً في ما يُشبه الصفقة ، ليعمد يومياً إلى إنتهاك جسدها . وقد تكرر مشهدُ الحمّام على نحو رمزيّ ، مدهش الإجادة ، في حالتيْ إمرأة ” عزام ” والفتاة ” بثينة ” : فكلاهما عمدَتْ إلى إزالة آثار الإغتصاب وهيَ باكية مشمئزة ؛ سواءً بسواء أكانت الممارسة الجنسية ، المنقضية ، حراماً أو حلالاً على سنة الله ورسوله ! من ناحية اخرى ، فإنّ ” عزام ” لن يتهاون مع إمرأته ، المسكينة ، طالما أنه يشكّ بكونها تتعمّد الإنجابَ لكي تحصل على جزء من ثروته ، فيطلقها بعدما يُجبرها على إجراء عملية إجهاض : المفارقة هنا ، أنّ رجل الأعمال هذا ، المؤمن الورع ، سيُجبَر بعدئذٍ على التنازل عن نصف أرباحه لذلك المسؤول المرتشي ، لقاء تخليصه من فضيحة الإتجار بالمخدرات !

ثيمة الجنس المحرّم ، في فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ، عرّجَتْ إلى زاوية أكثرَ حدّة ، حينما تناولت مسألة المثلية . ها هنا الصحفي ” حاتم ” ( الممثل خالد الصاوي ) ، الرجل الدمث الخلق وإبن الذوات ، المُشنّع بالمقابل من لدن قاطني العمارة بوصفه ” مرتكب الفاحشة ” . كان مما له دلالته أن يعمد الرجل إلى إغواء شابّ صعيديّ ، مجند في الأمن المركزيّ ، فينجح في جعله عشيقاً له ، مستغلاً فقره وحاجته . في الطرف المقابل ، يتعيّن على ” طه ” ( الممثل محمد إمام ) ، الشابّ الجامعيّ وخطيب ” بثينة ” السابق ، أن يخوضَ تجربة فظيعة ، حينما يقع في قبضة الأمن بعيدَ مظاهرة لجماعة أصولية ، كان يتعاطف معها . كلاهما ، الصحفي المتنوّر والجامعي الظلامي ، يتعرّض للإنتهاك الجسديّ : ” حاتم ” ، يستعيدُ ذكريات طفولته ، عندما كان بعهدة مربّ مسنّ ، يغتصبه بين حين وآخر ؛ و ” طه ” ، الذي يُغتصب بوحشية من قبل رجال الأمن ، بعدما رفض الإدلاء بالمعلومات المطلوبة . نهاية كلّ من هذين الشخصين ، كانت مُتشابهة إن كان لجهة مأسويتها أو رمزيتها . إذ يقتل ” حاتم ” خنقاً على يد عشيق آخر ، كان قد إقتنصه من أحد البارات . أما ” طه ” فيخرج من المعتقل وهوَ في غاية الحقد واليأس : ” لقد إنتهكوا عرضي ، يا مولانا ” ، يقول باكياً لزعيم الجماعة المتطرفة . ثمّ ما عتم الشابّ أن إنضمّ إلى مقاتلي الجماعة ، فيعمد لاحقاً إلى إغتيال ذلك الضابط ، الأمنيّ ، الذي سبق وأمر بإغتصابه ، وليسقط هوَ نفسه صريعاً بيد أفراد الحراسة . عطفاً على إشارتنا ، السالفة ، عن محاولة منع فيلم ” عمارة يعقوبيان ” ، إثر شكوى النائب البرلمانيّ ، المعارض ، مصطفى بكري ، والمتضمنة ما وصفه : ” إساءة الفيلم لسمعة مصر ؛ لأنه يبرر المعصية والشذوذ الجنسي ” ـ بحسب رسالته لوزير الثقافة المصريّ . على أنّ حقيقة الأمر ، برأينا ، كان غيظ النائب بكري من إشارة الفيلم إلى القتل المنهجيّ للعمال المصريين ، الذين كانوا يعملون في العراق ؛ وهوَ النائب ، المعروف بولائه الشديد للنظام الصدّامي البائد !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى