صفحات ثقافيةيوسف عبدلكي

أضحى التيار الحروفي في مكان ناء من التجربة التشكيلية، الفنان خالد الساعي يذهب إلى الحج والناس راجعة

null
يوسف عبدلكي
تمر الحياة التشكيلية العربية بحالة من الموات النقدي الذي يستمر منذ سنوات ويتفاقم مع مرور الوقت. وجُلّ ما نطالعه اليوم من رصد لاختبارات وإنجازات وفنانين هو تغطيات صحافية متسرعة لا تملك رؤية، ولا تحوز القدرة على إثارة حوار! وربما لا يستثنى من ذلك سوى اسمين أو ثلاثة غير أن كتاباتهم تغرق في طوفان من التسرع والاستهلاك الصحافي ليس إلا.
أثار ذلك لدي معرض للفنان الحروفي السوري »خالد الساعي« المقام حالياً في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق. هذا معرض يستحق وقفة إن لم يكن بسبب أهمية الأعمال، فعلى الأقل بسبب ما آل إليه التيار الحروفي برمته والذي يكاد يختفي من حياتنا التشكيلية العربية رغم أنه كان ملء السمع والبصر قبل ما يزيد عن ثلاثين عاماً.
معروف أن النهضة العربية حُكمت منذ بداياتها بمشاعر الفوات الحضاري تجاه المركز الأوروبي المتقدم عليها صناعياً وزراعياً وتقنياً وإداريا وفكرياً وثقافياً. راح العرب منذ رفاعة الطهطاوي يتلمسون لبلدانهم طرقاً للخروج من حالة التأخر هذه فأخذوا يحاولون امتلاك النظم الغربية في إدارة المجتمع والإنتاج المادي. والتجربة التشكيلية العربية ـ مثل بقية مناحي الثقافة ـ تقع في هذا المفصل وتحاول اللحاق بأوروبا واعتماد لوحة الحامل رمز اللوحة الغربية وفلسفتها وتسليعها. هكذا وعلى مدى عقود غزت تلك اللوحة أشكال الفن والحرف القديمة في بلادنا، من رسم للأيقونات إلى تزيينات جدران البيوت التقليدية إلى الزخارف الخشبية والجصية للمساجد، إلى طباعة الأقمشة، إلى الرسم على الزجاج، إلى الخطوط العربية… إلخ. غير أن ذلك الغزو اصطدم بممانعة واضحة، وحكم العملية تلك ميلان متناقضان: رغبة في التماهي مع التقدم الأوروبي، والخوف منه لما يشكله من زعزعة للبنيان الاجتماعي والقيمي للمجتمع. وقدم العديد من الرواد التشكيليين العرب والمصريين على وجه الخصوص تجارب بديعة من أخذ التقنيات والرؤى الغربية والاستلهام في آن معاً من المخزون الحضاري للمنطقة أمثال محمود مختار ومحمد ناجي ومحمود سعيد… إلخ. التيار الحروفي جاء في هذا السياق، سياق العلاقة الشائكة مع الغرب بما تحمله أحياناً كثيرة من ميل للانغلاق على الذات، وتمترس خلف جوهر قومي ـ ديني في مواجهة الغزو! وتنبه العديد من الفنانين في خمسينيات وستينيات القرن الفائت إلى أهمية الحرف العربي وإمكانية استخدامه في اللوحة ـ وربما تكون أعمال بول كلي وغيره دافعاً لانتباه كهذا ـ ومع نهاية الستينيات قامت جماعة البعد الواحد وعلى رأسها الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد كاتب نص بيانها التأسيسي… وسرعان ما انتشر التيار الحروفي خلال عقد السبعينيات بشكل واسع في كل البلاد العربية. وبعد زخم البدايات ـ ومع الأسف ـ انتشرت كتابات ومقولات تبسيطية اختصارية حول الجمع بين الأصالة والمعاصرة وكأن الأصالة معطىً جاهز ونهائي في الحرف العربي، وكأن المعاصرة وصفة لونية بسيطة قائمة على الشطارة!. وبشيء من التبصر ندرك اليوم أن انتشار هذا التيار لم يكن بسبب تعبيره عن هواجس حضارية مشروعة فقط، فلقد تلقى مساندة كبيرة من الإعلام الديماغوجي القومي ومن الثقل السعودي ـ الخليجي (الوهابي لاحقاً) في الحياة السياسية والثقافية العربية الذي وجد في الحروفية خياراً تشكيلياً يتوافق مع منظومته الذهنية المناوئة للتصوير والتشخيص. وهكذا اجتمعت لهذا التيار الأسباب الفلسفية ـ النفسية، والضخ المالي والإعلامي فانتعش كما لم ينتعش أي تيار فني عربي منذ قرن حتى الآن، وأصبحت مقولاته تتهادى في الصحف، وعلى رأس الصفحات الثقافية، بحيث تحولت في النهاية تعابير مثل »الأصالة والمعاصرة« إلى استبداد فكري وسماجة إعلامية. والحقيقة أن ظلماً فادحاً لحق بالأسماء المؤسسة والأسماء الموهوبة في هذا التيار أمثال: محمود حمّاد وشاكر حسن آل سعيد وأحمد شبرين وضياء العزاوي… إلخ، بسبب سيادة الغثاثة والتبسيط والانتهازية في عموم التيار.
التراجع
ولحسن الحظ فللأشياء منطقها وللمصائب خواتمها، فقد بدأت الحروفية بالتراجع مع أفول عقد السبعينيات، ومع نهاية عقد الثمانينيات لم نعد نرى لمقولاتها الأثيرة أثراً في الأدبيات التشكيلية العربية، وكأنها كانت »فص ملح وذاب«. وهكذا عاد شيء من التوازن إلى الحياة التشكيلية العربية وأصبحت حظوظ كافة التيارات في الوجود والحوار والاختبار أكثر توازناً.
بعد أربعين عاماً من انتشار التيار الحروفي، وثلاثين عاماً على خفوت صوته فإننا لا نزال نرى العديد من التجارب التي تعمل ضمنه، وما زالت تراهن على فهم قومي قاصر، وعلى معاداة التشخيص الأصولية، وعلى كرم أموال النفط. لكن التيار تلقى هبة من السماء الأوروبية، نفحة أوكسجين جديدة تتمثل باهتمام بعض الدوائر الغربية بالفنون العربية والعالمثالثية! والتي تستحلي استعراض تفوقها بادعاء تفهم الثقافات الأخرى البعيدة والبدائية، ولا تتردد في إقامة معارض لها بين الفينة والفينة. وما يلفت النظر في هذه النظرة الاستشراقية الاستعلائية هو جهلها بهذه الثقافات وفلسفاتها وتقنياتها. ومن هنا رأينا تجارب حروفية عربية متواضعة تحظى باهتمام غربي لافت، وليس أدلّ على هذا من الاهتمام الذي تلقته أعمال الفنان المسعودي والفنان أحمد مصطفى والفنان نجا المهداوي والفنان رشيد القريشي!.
هذا عن التيار، فماذا عن الفنان خالد الساعي وأعمال معرضه؟. تستعيد لوحات الساعي على العموم تجارب الحروفيين العرب، وتعيد إنتاجها بحماسة من اكتشف اميركا للتو!.. تحتشد في لوحاته خطوط بقياسات مختلفة وبألوان شفافة من الإكريليك والأحبار متراكبة ومتعاكسة ذات لون مختلف للخلفية. وهو يستخدم في أغلب اللوحات خط الثلث وخط الديواني الجلي.
يفرش الفنان الساعي لوناً أو أكثر على اتساع المساحة، ثم يخط بخطوط صغيرة وفاتحة اللون، بعدها يضيف خطوطاً أكبر وأكثر قتامة.. وهكذا حتى يصل إلى الحروف الكبيرة جداً، يعمد بعدها إلى إملاء الفراغات بين الأحرف بلون منسجم حريصاً على أن يترك حيّزاً ضيقاً بين حدود الحروف وحدود الإملاء (ذلك يبرز الحرف أكثر!). يفعل الساعي ذلك بخبرة تراكمت مئات المرات، يفعل ذلك بمهارة، ويصل أحياناً إلى نتائج حساسة مثل لوحته »قرطبة« ويصل غالباً إلى نتائج هزيلة مثل لوحته »فوضى في المجرّة«.. غير أن المنطق برمته منطق تبسيطي تم استهلاكه في العقود الماضية، ويلعب على مغازلة العين العادية وإبهار العين الجاهلة، فلا التكوينات فيها جديد يحسب له ولا الألوان تملك حساسية خاصة ولا المتانة الغرافيكية حاضرة ولا يشي الجو العام بما هو شخصي وعميق.
تتحالف مع منطق اللوحة الاستعراضي عناوين استعراضية للوحات مثل: مدينة الأولياء، حب طور التكوين، بلوز من شيكاغو، رمال متحركة، بين سمرقند وطشقند، ألف ليلة وليلة، ليل من مدينة زيوريخ، طريق النحل، نقاط وأصوات خارج المسار… إلخ. ويكتمل هذا الاستعراض بالرغبة الفجة في مغازلة الأوروبيين، ومن العناوين المرفقة بأسماء كتابها: شمسي الخريفية ـ شارل بودلير، لغة احتفالية ـ سان جون بيرس، ساعة رملية ـ أراغون، من البداية ـ كلايتون اشلمان، المركب النشوان ـ رامبو… إلخ.
أي مبرر للوحة حروفية
لا يوجد أي مبرر للوحة حروفية اليوم إلا إذا تجاوزت المتانة الغرافيكية لدى أحمد شبرين، أو الحسابات والحساسية اللونية لدى حمّاد، أو التدفق العاطفي لدى شاكر حسن آل سعيد، أو التقشف الصوفي لدى حامد عبد اللـه… وللأسف ليس هذا هو الحال مع لوحة الفنان خالد الساعي.
لقد أضحى التيار الحروفي بكليته في مكان ناءٍ من التجربة التشكيلية العربية المعاصرة، هذه التجربة تشهد الكثير من الإضافات الجديدة والقوية تطل منذ سنوات مقدمة بصماتها الأصيلة. ولا يضير الحركة حفنة من الفنانين أو أكثر ممن يصنعون أشياء بسيطة، بدائية وجذابة، غير أنه يتوجب على النقاد التشكيليين العرب أن يموضعوا تلك التجارب ومهاراتها التسويقية في مكانها الصحيح من الحركة العامة للفن التشكيلي العربي. ومبعث هذه الدعوة ينطلق من التشويه الذي يمكن أن تلحقه الدوائر الأوروبية بالتجربة التشكيلية العربية إذ تنظر إلى تجربتنا من خلال نماذج سهلة أو مسلية مثل أعمال بعض الحروفيين. وليس من حسن الصنيع لنا كنقاد وفنانين وإعلاميين أن نتحالف بصمتنا مع النظر الغربي المعاق واستشراقه المعاصر واستعلائيته الكولونيالية.
(دمشق)
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى