صفحات سوريةما يحدث في لبنان

الطابع المشوّه لاقتصادي سوريا ولبنان

null
سمير سعيفان
شهدت سوريا ولبنان سوقاً اقتصادية واحدة خلال الانتداب الفرنسي 1920 ـ 1946، وتمت الوحدة الجمركية والوحدة النقدية 1920. ولكن بعد الاستقلال سرعان ما جرى الانفصال، وانتهت الوحدة النقدية عام 1948 والوحدة الجمركية عام 1950 حيث كان اللبنانيون يسيطرون على التجارة الخارجية لسوريا. وقامت سوريا ببناء ميناء اللاذقية لتستغني عن ميناء بيروت. وقد بدأت السياستان الاقتصاديتان تفترقان بين سياسة سورية إنمائية حمائية تستهدف تنمية الصناعة الوطنية والزراعة في ظل الحماية، وبين اقتصاد لبنان المنفتح والمتوجه لتنمية الخدمات. وبعد قدوم حزب البعث إلى السلطة واتباع سياسات اقتصادية راديكالية، ازدادت شقة التباين بين النظامين الاقتصاديين للبلدين.
منذ الوحدة السورية المصرية وتزايد تدخل الدولة في الاقتصاد وإجراءات التأميم المحدودة، أخذ لبنان بالتحول إلى البوابة الخلفية للاقتصاد السوري. وقد ازداد هذا الدور بعد إجراءات الستينيات في القرن العشرين. فعلى مدى عدة عقود كانت لبنان مصدر تهريب الكثير من السلع التي لم يكن استيرادها مسموحا من جهة، أو لتجنب دفع الرسوم الجمركية المرتفعة. وكانت شتورا وبيروت مركزين رئيسيين لسوق مبادلة الليرة السورية بالعملات الصعبة، وكانت التجارة السورية الخارجية تخدم من مصارف لبنان بمبالغ تقدر بـ4 مليارات دولار سنويا على شكل اعتمادات مستندية وتسهيلات دفع. وكانت البنوك اللبنانية مستودع مدخرات الكثير من السوريين. وإلى جانب هذا كانت بضع مئات الآلاف من العمالة السورية الرخيصة تعمل في لبنان في قطاعي البناء والمقاولات والزراعة بالدرجة الرئيسية، مقابل بضع عشرات من آلاف اللبنانيين الذين يعملون أو يقدمون خدماتهم في سوريا بأجور مرتفعة. وكانت مشافي لبنان تتقبل المرضى السوريين الأغنياء، وكانت جامعاتها تستقبل 7 ـ 8 آلاف من طلبتها. وكان أغنياء سوريا يذهبون للتسوق في المدن اللبنانية أو يمضون نهاية الأسبوع فيها، وخاصة بيروت. بينما كانت أعداد كبيرة من اللبنانيين تزيد عن 1,5 ـ 2 مليون لبناني سنويا تحضر إلى سوريا لغايات مختلفة وخاصة لشراء سلع سورية رخيصة، مثل الغذاء واللباس والمنظفات والأدوية. وكانت المبادلات غير الرسمية وبطرق غير مشروعة للسلع والخدمات بين سوريا ولبنان أكبر بعدة مرات من المبادلات الرسمية. وقد عزز الوجود العسكري السوري في لبنان منذ 1976 هذا الواقع.
بعد اتفاق الطائف أبرمت عدة اتفاقيات اقتصادية بين البلدين لتنضم إلى اتفاقيات سابقة لتبلغ بمجموعها العشرات. وأهم هذه الاتفاقيات هي معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق أيار 1991، وقد شكلت مجلسا أعلى وهيئة متابعة ولجانا وزارية. واتفاقية التعاون والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي أيلول 1993. وقد نصت على حرية انتقال الأشخاص وحرية الإقامة وحرية الاستثمار وحرية ممارسة النشاطات الاقتصادية وحرية التملك وحرية التجارة بين البلدين. وفي العام 1996 أبرمت اتفاقية تشجيع الاستثمار بين البلدين. وفي آب 1997 تم الاتفاق على تحرير تبادل السلع الصناعية.
لكن رغم كل هذه الاتفاقيات ورغم الضجيج حول العلاقات المميزة، فقد بقيت العلاقات الاقتصادية لا ترقى إلى مستوى هذه الاتفاقيات التي لم تجد ترجمتها الفعلية في أرض الواقع. وبقيت المبادلات التجارية الرسمية غير كبيرة.
أما على صعيد الاستثمارات المشتركة فلم تنشأ استثمارات مشتركة ومشروعات مشتركة تشكل وزنا في أي قطاع من القطاعات، رغم كل العوامل الموضوعية الموجبة على مدى ثلاثة عقود، وهذا مستغرب. ان هذا الواقع يظهر فشلا للقيادات الاقتصادية في البلدين في تنمية العلاقات الاقتصادية، وهذا يعكس أن القوى صاحبة المصلحة في تجميد هذا الواقع كانت هي الأقوى. وبقي الطابع المشوه للعلاقات الاقتصادية بين البلدين هو السائد. مثلا يقدر تهريب السلع من لبنان الى سوريا بأكثر من مليار دولار سنويا. وخارج الوثائق الرسمية فإن العلاقات أكثر تشعبا وتنوعا.
يعود هذا الوضع غير السليم للعلاقة الاقتصادية بين البلدين لأكثر من سبب:
1ـ سبب أول: ان اختلاف السياسة الاقتصادية بين البلدين يشكل عقبة أمام تطور العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فسوريا اقتصادها حمائي قائم على الصناعة والزراعة، ولبنان اقتصاده مفتوح قائم على الخدمات أساسا. ومن هنا فالإصلاح الاقتصادي في سوريا القائم على الانفتاح الاقتصادي واتباع اقتصاد السوق يساعد في تنمية العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
2ـ سبب ثان: ثمة مصالح على طرفي الحدود في بقاء الأوضاع على ما هي عليه. فعلى الجانب السوري خشية القطاع الخاص السوري من الإصلاح عموما، فإن فئات سورية كثيرة كانت ناشطة في نشاطات غير شرعية مثل نشاط تهريب السلع غير المسموح باستيرادها إلى سوريا أو التي تخضع لتعرفة جمركية مرتفعة وتهريب العملة السورية إلى شتورا وبيروت وغيرها من نشاطات غير مشروعة، تدر أرباحا كبيرة. كانت الفئات المستفيدة من هذا الوضع تقف ضد الإصلاح في سوريا كي يبقى لبنان حاجة غير شرعية لسوريا. وعلى الطرف الآخر اللبناني كان المنتفعون من نشاطات تهريب السلع وتهريب الأموال والذهب وعمليات السوريين المصرفية في لبنان وغيرها، كانوا غير مؤيدين للإصلاح في سوريا.
3ـ سبب ثالث: ثمة رغبة سياسية لدى بعض الأطراف اللبنانية أن تبقى العلاقة الاقتصادية غير متجذرة في الأرض وأن تبقى سطحية. وقد عارضت تنميتها.
غير أن الإصلاح الاقتصادي في سوريا بدأ يخلق واقعا جديدا ويخلق أرضية أفضل لتمتين العلاقات الاقتصادية السورية اللبنانية وتصحيح جوانبها المشوهة. فتحرير التجارة يجعل السلع تتدفق عبر الحدود بدلا من تهريبها، وفتح الاستثمار يشجع المستثمرين السوريين واللبنانيين للتشارك.
ان الفرصة متوافرة لتنمية التعاون الاقتصادي في قطاعات عدة أخرى، إضافة للمصارف والتأمين مثل: قطاع السياحة، وقطاع الصحة والمشافي، وقطاع التعليم، وقطاع صناعة البرمجيات، وقطاع التصاميم الهندسية، وقطاع إنتاج مواد فنية وإعلامية وتلفزيونية، وقطاع تجارة الترانزيت، قطاع النقل البري والبحري، التعاون ضمن اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التعاون ضمن فضاء اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية، التعاون ضمن اتفاقية الشراكة السورية التركية، وغيرها.
وهذه جميعها تحتاج إلى برامج خاصة فيها لتنميتها بما يخلق قيماً مضافة تعود بالنفع على جميع الشركاء.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى