صفحات سوريةمحمد سيد رصاص

هل فشل المشروع الأميركي في العراق؟

null


محمّد سيّد رصاص *

من بين سلسلة الدعاوى الكبرى التي أطلقتها الإدارة الأميركية لتسويغ غزوها للعراق في عام 2003 (أسلحة الدمار الشامل، علاقة نظام صدام حسين مع تنظيم «القاعدة»، نشر الديموقراطية)، لا نجد خلال تجربة الغزو والاحتلال شيئاً من ذلك ذا صلة من حيث ارتباطه بالحركة الأميركية في بلاد الرافدين. بالمقابل،
فإنّ ما صرّح به وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أي كولن باول، الذي كان متحفّظاً على الغزو، قبيل أسابيع من بدء الحرب، يحوي الكثير من التفسير والتطابق مع الوقائع الأميركية التي جرت خلال السنوات الخمس الماضية: الهدف هو «إعادة صياغة المنطقة».

لم تظهر وثائق، أو تسرّبت معلومات، تشير إلى اقتداء واعٍ من الإدارة الأميركية في آذار 2003 بحركة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، عندما قرّر في شهر أيار 1941 إسقاط حكومة رشيد عالي الكيلاني، الموالية للألمان، في عاصمة بلاد الرافدين: كان سقوط بغداد بيد الإنكليز في يوم 30 أيار 1941 متبوعاً بسقوط دمشق بيد الجيش الإنكليزي (وقوات الجنرال ديغول) في21حزيران، الذي انطلق لغزو سوريا ولبنان، الواقعين تحت سيطرة قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان، يوم 8 حزيران، من العراق وفلسطين. كان ذلك الذي حدث في بلاد الرافدين وبلاد الشام، الأرضية المناسبة لحكومة لندن لإسقاط الشاه الإيراني رضا بهلوي في 26 أيلول 1941 وتعيين ابنه محمد مكانه، بعد أن أظهر ميولاً موالية لهتلر، ولإقناع تركيا بالحياد في الحرب، ثم لفرض حكومة موالية للإنكليز على الملك فاروق، المظهر أيضاً ميولاً نحو الألمان المتأهّبين، هم والإيطاليون، لغزو مصر من الغرب الليبي، برئاسة زعيم حزب الوفد النحاس باشا بعد أن اقتحمت الدبابات البريطانية قصر عابدين في يوم 4 شباط1942.

رغم ذلك، المؤشرات تدل على أنه كان هناك تفكير مماثل في واشنطن 2003 لما كان موجوداً في لندن 1941، وإلا لما وجدنا الوزير باول يأتي إلى دمشق، بعد ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد في يوم 9 نيسان 2003، حاملاً مطالب، منها إقليمي ومنها داخلي، يريد فرضها، وما أعقب الرفض السوري بعد ذلك من اتجاه العلاقات الأميركية ـ السورية نحو حالة التصادم، التي عبر عنها القرار 1559 في 2 أيلول 2004، ليؤسس بداية لنظرة أميركية جديدة للدور السوري في المنطقة تعارضت مع كل التاريخ السابق الذي بدأ بالمباركة الأميركية لدخول القوات السورية إلى لبنان في يوم 1 حزيران 1976.

من جهة أخرى، رغم أن طهران قد خرجت بحصيلة رابحة من غزو واشنطن لبغداد من خلال إسقاط غريم عراقي صعب، وعبر تولي الموالين العراقيين لها للمناصب الكبرى الأساسية في سلطة الإحتلال، إلا أن العين الأميركية قد ظلت متجهة نحو تحجيم النفوذ الإقليمي لطهران خلال فترة ما بعد مرحلة (9 نيسان 2003)، هذا إذا لم يكن الهدف الأميركي في اتجاه أبعد من ذلك، نحو إنشاء نظام موالٍ لواشنطن في طهران يكون عموداً رئيسيّاً في الاستراتيجية الأميركية المقبلة، بعد «إعادة صياغة المنطقة»، من أجل استخدام منطقة الشرق الأوسط، التي كان الجهد الأميركي مركزاً عليها أكثر من مناطق العالم الأخرى في مرحلة ما بعد هزيمة موسكو، لتطويق روسيا جنوباً (بعد أن أُحكم ذلك من وسط أوروبا وشرقها منذ عام 1989)، والصين من الغرب، ومن أجل استخدام حنفية النفط المسيطر عليها أميركياً ضد أوروبا الموحدة واليابان.

في هذا الإطار، أدّى الاتّجاه الأميركي لمواجهة سوريا (منذ أيلول 2004) وإيران (منذ صيف 2005) إلى نشوب صراع بين (الدولي)، أي واشنطن، و(الإقليمي)، أي طهران ودمشق، رسم حركة المنطقة واستقطاباتها وحروبها، وحدّد الأوضاع الداخلية في أكثر من بلد، مثل لبنان وفلسطين. هنا، لم تكن حصيلة الحركة الأميركية مثمرة بالنسبة لواشنطن، بل يمكن القول إن التوازنات في منطقة الشرق الأوسط تميل لصالح (الإقليمي) ضد (الدولي)، وبالذات بعد نتائج حرب تموز، وبعد حركة 14 حزيران 2007 التي قامت بها حركة حماس في غزة ضد سلطة الرئيس محمود عباس، والتي جعلت من الصعب إلى حد بعيد تكرار تجربة اتفاقية أوسلو، عندما استطاع الرئيس عرفات، وحركة فتح، الاستفراد بعملية التوقيع على اتفاق تسوية مع إسرائيل، بمعزل عن الفصائل الأخرى، وتنفيذه على الأرض رغماً عنها. أيضاً، فإن بعض الساحات المحلية، التي استخدمت من قبل طرفي الصراع في المنطقة، لا تميل توازناتها لصالح واشنطن، كما في لبنان، وإن كان هناك توازن هش وقلق يمنع الوصول لحل ويمنع الحسم أيضاً (وهو ما يدل على «استاتيكو» لبناني طويل)، فيما لم تستطع أميركا أن تستميل قوى محلية في العراق، تمثّل ولاءً خالصاً لواشنطن، باستثناء الأكراد الذين انقلبوا على حلفائهم القدامى في دمشق وطهران، بينما تتوزّع ولاءات قوى أخرى بين طهران وواشنطن، مثل حزب الدعوة وآل الحكيم، لتبقى قوى عديدة موالية إما لطهران أو لدمشق، أو هي ذات فعالية وقوة مرموقة (المقاومة العراقية)، ولم تضع بيضها في هذه السلة أو تلك.

هنا، نلاحظ أن الحراك الأميركي في المنطقة، خلال السنوات الخمس الماضية التي أعقبت غزو العراق، كان انطلاقاً من وقائع سقوط بلاد الرافدين وحقائقه، مثل النظرة الجديدة للدور السوري الإقليمي وما أعقب ذلك من صدامات سورية ـ أميركية كان ميدانها الرئيسي في لبنان، وكذلك محاولة تحجيم طهران بعد أن تضخم النفوذ الإيراني في المنطقة إلى حدود «غير ملائمة» لواشنطن، فيما كان الاتجاه الأميركي إلى تشجيع إسرائيل على خوض حرب 12 تموز ، في أيامها الأولى، نابعاً من إدراك واشنطن أن نجاح تل أبيب في تلك الحرب سيؤدي إلى خلق حقائق سياسية جديدة في المنطقة الممتدة بين كابول والشاطئ الشرقي للبحر المتوسط لتكون، وفق تعبير الوزيرة رايس آنذاك، «مخاضاً لولادة شرق أوسط جديد»، بعد أن فشلت واشنطن في توليده في السنوات الثلاث الأولى لسقوط بغداد. وهو ما يؤكد أن فشل تل أبيب في تلك الحرب قد ولّد استراتيجيات جديدة عند واشنطن، كان منها، منذ خريف 2006، «معتدلون ضد متطرفين في المنطقة»، ومحاولة إنعاش عملية (التسوية)، لتوليد حراك في المنطقة واستقطابات تساعد واشنطن على حسم صراع (الدولي) و(الإقليمي) على منطقة الشرق الأوسط لصالحها. كخلاصة، لا يمكن القول إن المشروع الأميركي، الهادف إلى «إعادة صياغة المنطقة»، قد فشل، بعد خمس سنوات من انطلاقه، بل تعثر واصطدم بألغام وقوى عديدة، أوصلته إلى شيء أقرب للحائط المسدود: من يراقب حركة الرئيس بوش، منذ رفضه(تقرير بيكر ـــ هاميلتون) (6كانون الأول 2006) الداعي إلى تسوية بين (الدولي) و(الإقليمي) لتمرير الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، يلاحظ اتجاهاً أميركياً متصاعداً إلى حرب مع إيران، وإن كان من غير الواضح سيناريوهاتها، إلا أنها على ما يبدو تنطلق نحو سياسة قلب الطاولة باتجاه شيء شبيه بما فكر به صدام حسين يوم 22 أيلول 1980 عندما شن حرباً على إيران لإبعاد تأثيراتها عن الداخل العراقي التي بانت منذ يوم 11 شباط 1979، مع إضافة تفكير أميركي إلى ذلك، بأن ضرب إيران وتحجيمها يساعدان على إنشاء مشهد إقليمي جديد في المنطقة، بعد أن أصبحت لاعباً كبيراً في الساحة الإقليمية الممتدة بين أفغانستان وشاطئ المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية. في هذا الصدد،لا يستبعد وجود تشجيع أميركي لتل أبيب على شن حرب جديدة على لبنان (وربما سوريا أيضاً، وكذلك حماس في غزة) منذ أن أصبحت إسرائيل بعد يوم 14 آب 2006 في وضعية محمد علي كلاي إثر هزيمته لأول مرة في حياته أمام جو فريزر عام1971حتى مباراة الرد، وأيضاً في وضعيتها نفسها إثر حرب 1956 لما هزمت عبد الناصر عسكرياً في سيناء، فيما خرج هو منتصراً سياسياً من تلك الحرب، بفعل عوامل تتعلق باتجاهات قطبي الحرب الباردة لإنهاء نفوذ لندن وباريس الدولي، حتى شنت تل أبيب تلك الحرب في يوم 5 حزيران 1967 لتنهي زعامة الرئيس المصري العربية.

هل سيحصل أي من ذلك؟ أم إن الفعل الرئيسي الحاسم ضد الأميركيين (وساحتهم) يبقى في بلاد الرافدين، وخاصة إذا استمرت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية (من دون تسوية ثنائية)، ووصلت إلى حدود كبرى، وهو ما يمكن أن يوسع القوى الاجتماعية المحلية للمقاومة العراقية لتصبح ذات قاعدة وطنية عريضة، ما سيجعل المقاومة العراقية في وضعية ممكنة الوصول لحالة «جبهة التحرير الجزائرية» يوم خروج الفرنسيين من الجزائر في 5 تموز 1962، أو جبهة «الفيتكونغ» التي، بالتحالف مع قوى إقليمية ودولية، هزمت الأميركيين وأخرجتهم من فيتنام في يوم 30 نيسان 1975؟

* كاتب سوري

الاخبار

عدد الاثنين ٣١ آذار ٢٠٠٨

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى