صفحات سوريةياسين الحاج صالح

من أجل ماذا سلام سوري إسرائيلي؟

null


ياسين الحاج صالح

عادت إلى التداول الإعلامي مؤخرا معلومات عن مسودة اتفاق سوري إسرائيلي تؤول بموجبه السيادة على مرتفعات الجولان إلى سورية بينما تصان السيادة الإسرائيلية على المياه، وتنزع الصفة العسكرية عن المنطقة التي يفترض أن تحول إلى منتزه دولي يسمى «منتزه السلام»، وسوف يجري تطبيع العلاقات بين سورية وإسرائيل، ويوضع جدول زمني لانسحاب المحتلين من الهضبة خلال مدة تتراوح بين 5 سنوات و15 عاماً.

ليست عادلة هذه «المعادلة البسيطة والجميلة» على نحو ما وصف إبراهيم سليمان، الأميركي السوري الأصل، الحل الذي توصل إليه مع مفاوضين إسرائيليين في تركيا وسويسرا. فسورية أكثر من إسرائيل تعاني من مشكلات مياه، والإنصاف يقتضي توزيع المياه إما وفقا لمبدأ السيادة المطلقة لكل بلد أو بصورة تراعي حاجات البلدين المعنيين، أو أقله بصورة تتفق والقوانين الدولية التي نفترض أنها لا تقر سيادة إسرائيلية مطلقة على المياه. وكانت «المجموعة الدولية لمقاربة الأزمات» (إنترناشنال كرايزز غروب) قدمت في نيسان (ابريل) 2007 تصورا أقل بساطة وأكثر رهافة من المعادلة «السليمانية» البسيطة والجميلة.

غير أنه يتعين تحكيم العقل في مشاعر العدالة والإنصاف التي قد تتملكنا. فربما يكون من مصلحة سورية عقد اتفاق غير منصف مع عدو قوي يستحسن تفادي مواجهته عسكريا إن كان من شأن الاتفاق معه أن يمكن البلاد من تحقيق مكاسب على مستويات أخرى. إن سلاما مع إسرائيل قد يتيح لسورية تفرغا اكبر لإصلاح اقتصادها ومؤسساتها ونظامها القانوني، وحريات وعدالة أكبر لمواطنيها ونزعا للصفة الاستثنائية لنظامها السياسي. ولا بأس بالتطبيع مع إسرائيل إن كان مدخلا لتطبيع الحياة السياسية للبلاد على الأسس المقررة عالميا. والحال إن الشيء الوحيد الذي قد يسوغ اتفاقا غير عادل مع إسرائيل هو هذا، أعني بناء إجماع وطني سوري جديد، ديموقراطي. بل إن من شأن إرساء إجماع وطني جديد أن يضفي شيئا من شرعية بَعدية على أزمنة أليمة قبل نحو ثلاثة عقود، لا نزال نجر أثقالها اليوم. فإن لم يتحقق ذلك، أي إن لم يندرج سلام مع إسرائيل في مسار يدرّ مزيدا من العدالة والسلم الأهلي في سورية، فسيتعذر تسويغ اتفاق لا يحمل تسويغه في ذاته لأنه لن يكون منصفا قطعا. وبينما قد يتقبل معارضون اتفاقا غير عادل مع إسرائيل إن اقترن هذا بإصلاح عميق في النظام السياسي، فإن طيف المعارض قد يتسع إن اجتمع حشف الاتفاق مع سوء كيلة النظام، ما يلغي أية ميزة للاتفاق، بل ما قد ينقل جبهة الصراع إلى الداخل السوري.

وعند هذه النقطة من النقاش قد يتساءل المرء عما إذا كان ثمة علاقة أصلا بين استثنائية النظام السياسي السوري وبين نوعية العلاقة مع إسرائيل. فإذا كان يمكن استنباط طبيعة النظام السوري من «حالة الحرب» المفترضة مع إسرائيل، على نحو ما توحي إيديولوجية النظام ذاته، كان من المنطقي أن يطالب من أنكرت حرياتهم وحقوقهم بسبب المواجهة تلك بتغيير أساسي في النظام بعد السلام المأمول. وأن يعتقل الناس في ظل حالة الاستثناء وقوانينها السارية اليوم هو ذاته ما يدعو إلى تحريرهم بعد الاتفاق مع إسرائيل وزوال الاستثناء. هذه «معادلة بسيطة وجميلة» فعلا، أليس كذلك؟

أما إذا كان لا علاقة بين نظام الاستثناء وبين حال الحرب مع عدو محتل، فعلى أي أساس عقلاني يقوم النظام السياسي؟ وكيف يمكن تبرير ممارسات ماضية وراهنة تخرج عن قواعد العدالة والحق؟ وإن لم نهتم بأساس عقلاني للنظام، ألا ينفتح الباب واسعا أمام حكم الاعتباط والقوة، الحكم الذي يمنح الحق للأقوى، لمن يستطيع تحطيم خصومه؟ وفي هذه الحالة هل يمكن تقديم قضية متسقة ضد احتلال إسرائيل للجولان وغير الجولان أصلا؟

وكيف، في هذه الحالة، نقمع الشبهة في أن مرتفعات الجولان ذريعة لشيء آخر؟

يقول آلون ليئيل، شريك سليمان في التفاوض: «لا يستطيع أولمرت توقيع اتفاقية سلام مع سورية ما لم تتضمن الاتفاقية خروج سورية من الحلف مع إيران». صح! ولا يستطيع صاحب القرار السوري أن يوقع اتفاقية مع إسرائيل دون تأمين نظامه. صح؟ هذا على الأرجح ما يدركه الطرف الإسرائيلي جيدا. وهو مصدر ممانعة الأميركيين للاتفاق حاليا. وهو قبل ذلك محرك مفاتحات السوريين السلمية في بضع السنوات الأخيرة. وهو كذلك ما يدفعهم إلى اشتراط مشاركة الأميركيين في المفاوضات: «فتوقيع السلام مع إسرائيل عليه أن يأتي ضمن سلة متكاملة (…) لذا، من أجل أن تنقل أحدا من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الغربي، على الولايات المتحدة أن تقرر ذلك» حسب السيد ليئيل. وأن تكفله. وتكفل في السلة ذاتها استمرار «الأحد» واستقراره. دمشق هي الرهان، وواشنطن هي الكفيل الممكن: هذا هو حجر الزاوية في الحل السليماني «البسيط والجميل»، حسبما توحي تصريحات ومواقف متواترة من مفاوضنا، في واشنطن وفي تل أبيب وحيثما سمع له صوت.

الأشياء الأخرى تفاصيل. وكذلك هضبة الجولان.

فإذا صحت التقديرات هذه، على ما نخشى، فلن يكون السلام نهاية للممانعة وبداية للسياسة، ولن يكون زوال الاحتلال نهاية «الصمود» وبداية التغيير. سوف نشهد على الأرجح طورا جديدا من الممانعة وأخواتها، وسوف تخترع مواجهات جديدة وجبهات جديدة. فالعدو من لوازم الممانعة، ليس إلا.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى