صفحات العالمصفحات سورية

مــاذا نريــد مــن أوبامــا؟

عباس بيضون
كلهم يريدون أوباما، العرب الاميركيون الذين رأيناهم على الشاشات، اللبنانيون وحدهم استثناء لكن هذه مسألة أخرى. هنا يريد الكل أوباما، الوطنيون، القوميون. الاسلامويون، الليبراليون، المسيحويون. لم تقل القاعدة كلمتها كما فعلت في السباق الرئاسي الماضي، لحكمة امتنعت، صمتها سيكون أكثر تأييداً لأوباما من دعمها العلني. الكل يريدون أوباما. يتحمسون له، انها معركة الولايات المتحدة لكنهم هذه المرة، بحسّ سليم، يعرفون أنها ايضا معركة العالم. يدركون، بحس استثنائي، ان الخيار الاميركي ليس واحداً، وأن بوسعهم هنا ان يفضلوا. ويوازنوا بين السيء والجيد، بين السيء والأسوأ إذا استكثروا على الاميركيين ان يكونوا جيدين. سيقدرون على أن يختاروا ويفاضلوا ومهما مهما كان اسم ذلك فان لهم مرشحهم الاميركي. اذا زدنا عليهم قلنا إن لكل واحد منهم اميركاه المفضلة. انه حس سليم فحين تكون اميركا مهيمنة فإن ظلها يصل الينا، وسنعاني، شئنا أم أبينا، شرها وخيرها، وستكون دائماً طرفاً في صراعاتنا، ستكون في الداخل مهما لوينا عنها، مهما ابتعدنا فإننا لن نبتعد. لا يكفي ان نقول الشيطان، لا يكفي ان نقول العدو. لنا في الانتخابات الاميركية ما لغيرنا. مثل الجميع نختار اميركا من اثنتين او ثلاث. هناك أميركا أبعد وأميركا أقرب. هناك أميركا سيئة وأميركا أسوأ. أميركا طيبة وأميركا سيئة، لكنها في النهاية ليست أميركا واحدة. لا يلبسها جميعاً وجه الشيطان والعدو الأكبر، لا بد أن هذا ليس تماماً وجه أوباما والا لماذا نريده. لا بد ان هناك ما يعجبنا في أوباما. ليس شراً كله، قد يكون نصفه او ثلثاه هكذا لكنه بلا شك اقل شراً من بوش، أقل شراً من ماكين. أيا كان سيكون أقل سوءاً. مهما كان فان اميركا معه ستكون أقل شيطانية. هل نكون خبثاء اذا قلنا إن هذا يعني أن ثمة أميركا وأمــيركا، يعنــي ان شيطانية اميركا ليست مؤبدة وان في الوسع نزع بعضها. أميركا بلا شــيطانية ستكون حلماً بعيداً، لكن أميركا شيــطانية اقل ستكون أمراً ممكناً. لا يعــني الاقــتراع لأوبــاما شيــئاً آخر. لا يعني الا ان أميركا قابــلة لتكــون أقل سوءاً. ســوى أننــا لا نزال نرتجي أن يتــغير شيء في أمــيركا، لا نــزال نعــتقد بأن ذلـك ممكن.
كلهم يريدون أوباما، بحس سليم او باندفاعة طبيعية، لكنهم لا يدركون أن لذلك تداعياته. إن اندفاعة طبيعية او مجرد خيار صوري، قد يكلفهم كثيراً. قد يؤدي بهم إلى كارثة نظرية، أو يوقعهم في تناقض حقيقي. القومويون والاسلامويون والوطنيون والمسيحويون، جميعهم سيصلون الى مأزق. اذا كان أوباما خيراً من بوش فإن ذلك يعني ان أميركا قد يكون فيها بعض الخير. اذا كان أوباما أقل شيطانية فهذا يعني ان اميركا قد تغدو أقل شيطانية. اذا كان أوباما أفضل فذلك يعني ان اميركا قد تصبح افضل. إنها بدون أن يدروا، مشكلة. ماذا تكون أميركا اذا أمكن أن تتغير برئيس. ماذا يكون الصراع معها اذا توقف على رئيس. ماذا يبقى من الصراع اذا كان ظرفياً وموقتاً وعابراً. انها اندفاعة غريزية، لنقل، لكن تداعياتها معقدة، اذا تتبعنا منطقها فستؤدي بنا الى المهالك. هل كان الصراع مع رئيس ليتعدل او يتغير برئيس، هل كان مع رئيس ام مع شر انطولوجي لا يمكن اقتلاعه الا بتدميره. اين باتت نظرية الامبريالية؟ اين باتت نظرية الشر الأكبر، نظرية الشيطان؟. هل ترتهن الامبريالية برئيس؟ هل يستأصل الشر بتغيير كهذا؟ هل يزول الشيطان في صناديق الاقتراع؟ هل هناك حقاً اميركا واميركا؟ هل يمكن لأميركا ان تغدو أقل سوءاً؟ هل نحارب رئيساً أم نحارب الجحيم والكفر والأبالسة؟. لم يفكر الاسلامويون والقومويون بأن اندفاعة غريزية، مجرد مجاملة، قادتهم إلى هذا الدهليز. كان الايرانيون أحكم حين لم يختاروا، لقد فهموا أن المعركة مع الشيطان الأكبر وليست مع البيت الأبيض، وأن الجحيم لا يزول بالانتخابات. انها معركة أقانيم، خير وشر، ليل ونهار ولا تنتهي في معركة رئاسية. الآخرون وقعوا لكنهم لن يلبثوا ان ينهضوا، منذ الصباح سيعاودون القول انها كلها أميركا، إن رؤساءها سواء. إنها الامبريالية او الشيطان والشر وجذور ذلك كله في الجحيم. انها معركة السماء مع الأرض، الملائكة والشياطين، المحرومين ومصاصي الدماء. من صباحهم سينتبهون لكن لات ساعة يقظة. لقد وقعوا ويقع عليهم تكفير نظري عظيم. ذلك انهم وهم يؤيدون أوباما، وأعيد القول، بغريزة وعفوية، مزقوا كتابهم. انها لحظة ضعف لم يعد فيها الشر جذريا والهيمنة والاستغلال جذريين. انها لحظة غاب فيها ان الصراع انطولوجي او الهي او تاريخي. غابت فيها نظرية الامبريالية والصليبية وخيبر أيضاً، وأخطر من ذلك غابت فيها عن الضمائر والعقول اسرائيل وأنسي اصحابها ما قاله أوباما في اسرائيل وارتضوا فحسب ما قاله عن المفاوضات احيانا مع ايران وسوريا. سينتبهون لكن ساعة التخلي صعبة. لقد أنكروا ايمانهم قبل صياح الديك، وربما انكروا وجودهم. لماذا هم اذا لم تكن اميركا شيطاناً او كانت شيطاناً أقل، لماذا هم اذا كان هناك اكثر من أميركا وكان ممكنا تحسين اميركا برئيس، لماذا هم اذا كان الصراع ليس مؤبداً وانطولوجياً، اذا لم يكن صراع أقانيم ومعركة فسطاطين، لماذا هم اذا كــانت الامــبريالية نظــرية بائدة، اذا لم يكن الشيطان حقيقيا. لماذا هــم اذا لم تكن اميركا سوى العدو، العدو فحسب.
اذا وضعنا ذلك جانبا سنسألهم ماذا تريدون من أوباما. ان يرحل بوش فحسب وهل باتت المعركة مع شخص. هل تريدون منه ان يعود مسلماً كأبيه، أم تحسبون انه لا يزال مسلماً والا جاز عليه حكم الردة. هل تريدونه ان يساهم بيده في تخصيب اليورانيوم وصناعة القنبلة النووية الايرانية، هل تريدونه ان يعيد القدس ويطرد اليهود من فلسطين. هل تريدونه أن يساهم في تسليح حماس وحزب الله، هل تريــدونه ان يدك الهيمنة الاميركية. هل تريدونه اشتراكيا كما اتهمته بالين وارهابياً كما أوعزت.
لن يعرف أحد ماذا تريدون من أوباما، انها اميركا وهو اميركي. اذا كان هذا بحد ذاته مجلبة للعداوة فلن يطول الأمر حتى تبدأ، ستكون سعادتكم به قصيرة.
أما خاتمة المضحكات فهو أن أنصار ١٤ آذار في اميركا أصدروا بياناً بتأييد ماكين، يصعب ان نعرف في النهاية أينا أكثر سخفا وكم ان السياسة حتى تلك التي تحملنا ونحملها الى أقاصي العالم، تظل بالنسبة لنا نعرة، ويصعب بدون ذلك ان نتحرى جذورها.
بعيداً عن الأبالسة والملائكة والعولمة والامبريالية والهيمنة وبوش.. مــن يستحق اعجابنا هو الشعب الاميركي، لقد اختار ملونا طارئاً ذا جــذور مسلمة رئيساً. هل نتوقف نحن الذين نتصارع طائفة ضد طائــفة وعرقــاً ضد عرق وعشيرة ضد عشيرة وغالــباً تحــت أسماء عظمى، هل نتوقف عن إلقاء دروس على الشعب الأميركي وأن نفكر حقيقة في أين يوجد الشر ومن أين يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى