صفحات الحوار

عباس بيضون: كلّنا مثقفون خائبون…

null
بيروت – منى سكرية
يرى الأديب اللبناني عباس بيضون «أن إستراتيجية المثقف مختلفة كلياً عن أي طرف سياسي»، كاشفاً عن انه يُحضَّر لعمل روائي «فيه مزيج من سياسي»، شارحا مواصفات «المثقف الخائب والمنتفع» ومستحضراً الشاعر الراحل محمود درويش على طريقته.
{ الشاعر والكاتب عباس بيضون لمن يكتب: لنفسه، لقلق في داخله، للناس؟ بعض قرائك يقولون إنهم لا يفهمون ما تقصد فيما تكتب.
-أولا أجد في الكلام عن أن المرء يكتب لنفسه نوعا من التعنت والحذلقة. لا بد أننا نكتب لقراء، ونكتب لنقرأ، فالكاتب لا يكتب لنفسه، والكتابة بهذا المعنى هي عمل أخلاقي، بمعنى أننا نكتب لكي نُسمع ونُقرأ. والكتابة هي حوار، وإذا لم يكن القارئ موجوداً أثناء الكتابة فهو موجود في ذهن الكاتب، هناك دائما قارئ افتراضي، لأنه حين نكتب أيا كان نوع الكتابة فنحن نحاور، وهذه الكتابة تراعي هذا القارئ، تحاول أن تتكيف معه.
{ هل من قارئ محدد تريد ان تتوجه إليه، هل هم من الذين يماثلونك في الوزن الثقافي ام أنهم من كل الشرائح؟
-حين نكتب فهناك قارئ افتراضي موجود في رؤوسنا، يعني نحن نكتب ونقرأ ما نكتبه في نفس الوقت. نحن قرّاء انفسنا اولا، وهناك باستمرار وجود هذا القارئ الافتراضي الذي لا يمكن تسميته وتحديده عمليا.
{ عند أي من الملاحظات يمكن ان تتوقف امامها؛ تلك الآتية من ناقد ادبي او زميل في الكتابة الثقافية،او من قارئ مثقّف؟
-طبقة الناقد والمعلّق لا تعنيني في شيء، لا اهتم كثيرا بأن يكون هذا القارئ من النخبة أو من العامة. الملاحظة هي التي تفرض نفسها، ولكن علينا ان نعترف شئنا ام أبينا بأننا لا نكتب للجميع، وأن الكتابة للجميع ليست شأن الكتاّب. الذين يكتبون للجميع هم الخطباء والسياسيون والذين يكتبون برامج عامة. نكتب لمن نجد أن بيننا وبينه تعاقدا ما، وبضعة مشتركات، وقاموسا مشترك ومجموعة ومصطلحات مشتركة، وبالتالي فالكلام مع هذا الوسط هو كلام سهل، وهناك ما يمهد له، وخلفه تربية وثقافة مشتركة.
{ هذا ما يسحب بنا الى السؤال المتكرر: ما دور المثقّف؟
-إنه بالدرجة الأولى هو أن يزرع أفكارا، وهو بالمعنى الفرنسي رجل ذو موقف. المثقّف بالمعنى الفرنسي ليس مجرد كاتب او قارئ، إنما هو صاحب موقف، وهو يدافع عن موقفه ورأيه.
{ … وماذا عن المثقّف العربي؟
-إنه ككل مثقّف يزرع افكارا، وهو لا ينتظر حصاد ونتائج هذه الأفكار، وهو لا يوظّفها في خدمة غرض محدد.
{ لاحظنا في السنوات الفائتة حصول انقسام حاد بين كتّاب ومثقفي لبنان، إذ بنوا مواقفهم وكتاباتهم تبعا للوقائع السياسية، أكثر من ان يكونوا حياديين؟
-لم نكن وليس مطلوباً ان نكون حياديين. أن نتكلم عن مثقّف نتكلم عن منحاز، في اللحظة الحرجة التي تتناول مصير ووجود لبنان. أنا شخصيا منحاز.
استراتيجية المثقف بعيدة عن السياسة
{ ولكن بعض المثقفين اللبنانيين هبط بمستوى كتاباته الى لغة الشارع؟
-علينا أن نميز بين التحزب والانحياز. أنا ضد التحزب، بمعنى أن المثقف يتقاطع مع طرف ما في لحظة ما على موقف ما، ولكنه لا يتطابق مع أي طرف كان ولا يندمج معه، عليه أن يبقى نقديا حتى مع الطرف الذي يتقاطع معه، وأن يوجهه، وان يفهم انه يتقاطع مع هذا الطرف ظرفيا، وأن بينهما مسافة طريق، وأنه لا وجود لإستراتيجيةت مشتركة، وأن إستراتيجية المثقف مختلفة كلياً عن أي طرف سياسي، لأن هذا الطرف السياسي يفعل ما تفعله السياسة، أي أنه في الغالب يقوم بحسابات سياسية، ويلجأ الى ديماغوجية، أو قد يلجأ الى أولويات قد لا نوافقه عليها، والسياسي في أي حال يحكّم النتائج لا القيم. أما المثقف العادي فيتصرف بمجموعة قيم محددة، فإذا شاء أن يكون عادلا وفي صف الضعفاء، والأكثر أقلية، والأكثر حاجة للدفاع عنهم، فهو لا يقوم بهذه الحسابات الجزئية واليومية.
{ كتبت في إحدى المرات تعليقا بعنوان «العار» وقلت فيه «ان العقل والمنطق والقانون لم نستحقه بعد»، وكان ذلك في فترة شهدت بعض تحولات في السياسة لبعض السياسيين بما لا يتوافق مع انحيازك لما كنت أنت تكتب عنه وتؤيده. هل كتبت عن مرارة ما؟
– ليست خيبة. من البداية شتّان ما بين سياسي ومثقف، خصوصا إذا كان السياسي عربياً أو لبنانيا. أنا لا أخفي على الإطلاق، إذا جاز التعبير، اشمئزازي من السياسي اللبناني لدى الفريقين والطرفين. إذا كنت أتقاطع فهو مع موقف عام وليس مع شخص وسيرته ومواقفه، إذا كنت أقف مع السلم على نحو ما فلأن هذا السلم يتناول مصير بلد، ولأنني أظن أن الحرب ستودي على نحو ما بالبلد والشعب والاقتصاد وبالدولة، وهذا لا يعني إذا كنت حاملا لهذا الموقف أنني أزكّي حامل هذه المواقف، أنا لا أخفي حتى ازدرائي الشخصي لكل السياسيين اللبنانيين. أنا أرى أن السياسيين اللبنانيين عديمو الكفاءة، وفي الغالب لا يملكون مقومات حقيقية قيادية وسياسية، وأنهم ليسوا على الإطلاق رجال دولة، أو أصحاب أفكار، وأنهم في غالب الأمر يثيرون خجلنا من أنفسنا ومنهم بضآلة معرفتهم، وبضآلتهم أخلاقياً وشخصياً. هذا ما أقوله بكل بساطة، ولكن أنا لا أقف ضد السياسيين وضد السياسة، أنا أظن أن الموقف ضد السياسة هو موقف خطر، لأنه ليس ضد السياسة سوى الانقلاب، وسوى الإرهاب، والاستبداد. بهذا المعنى أنا ادافع عن السياسة باعتبارها الإطار الذي يتبادل فيه الناس ويتحاورون حول شؤون مستقبلهم وحاضرهم.
فلسطين… «بروفة» لما يحدث في العالم العربي
{ هل عباس بيضون مثقف لبناني ونقطة على السطر في اهتماماته؟ بمعنى اوضح، أنكم في وقت تتعاطفون مع قضية أو كاتب ما تحجمون عن فعل الشيء في مكان آخر؟
-بالنسبة إلي ليس الأمر كذلك، فيما كتبته لم اميّز بين بلد وبلد، ما يواجهه المثقف العربي في أي بلد، أكون لبنانياً بالمقدار الذي لا أستطيع ان أتجاوزه. هناك نطاق سياسي لهذا المكان الذي اسمه لبنان ويملك كيانا وحدودا مستقلة. ما يسمى العروبة بالنسبة إلي هي شأن ثقافي ولغوي، وحين اكتب، أكتب كعربي، ولكن العروبة ليست هذا السديم الغامض الذي يتخطى الخصوصيات والحدود والقضايا الجزئية والدول، وليست هي أيضا هذا المستوى الافتراضي الذي لا نعرف أين يكون..
{ ولكن ألا يثير فيك شعور الكتابة والتعاطف مع شعوب تحت الظلم والاحتلال وما الى ذلك؟
-يعنيني كثيراً ما يجري في السودان ومأساة دارفور، وفي السعودية، وطبعاً فلسطين وهو ما تربينا عليه ولنا رأينا ومواقفنا ونحن مسوقون الى قول رأي تجاه فلسطين بمقدار يساوي ما يجري في بلدنا، لأن القضية الفلسطينية هي دائما محرك داخلي وليس خارجياً، ونعرف ان فلسطين تكاد تكون «البروفة» لما يجري في العالم العربي، وهي المرجع الأساسي لتقديراتنا السياسية ومقاييسنا السياسة.
{ نعرف أن بداياتك الحزبية كانت أممية الطابع، هل قلصت هذه الاهتمامات اليوم؟
-كان جزء كبير من جيلي يسارياً وأممياً وعروبياً بالدرجة نفسها، ولقد تعرضت بداياتي لنقد ذاتي لا مجال للخوض فيه، ورأيت نفسي في الحرب الأهلية لبنانياً ولكن من دون إحساس شوفيني. لم أغدُ لبنانياً لأتمدّح بلبنان، ولأغرق في وطنية عمياء وعقيمة، أو لأتحول الى فاشي لبناني، بمعنى انني باحث عن بطولة لبنانية، وعن بطل لبناني وعسكريتاريا لبنانية وعن قوة لبنانية. أنا غدوت لبنانياً لأن لبنان ضعيف، وإذا جاز التعبير، فهو يسقط ليس امام استبداد أبنائه وإنما استبداد جيرانه.
{ لا بد انك تتابع الأوضاع الأدبية في الوطن العربي، هل لك ان تعطي صورة عن مواقع ازدهارها مثلا؟
-لا أريد أن أخوض في سوسيولوجيا أدبية، وبالرغم من وجود حركة ثقافية وأدبية ناشطة فإن أول ما نلاحظه هو فقدان المركز.
{ يعني لا بيروت، لا قاهرة، لابغداد..؟
– لا مراكز على الإطلاق. لقد جرى تعميم واسع، ولم يعد بوسعنا أن نميز بلداً عن آخر. ثم إنه برغم هذا التاريخ الذي مر على الحركة الثقافية الحديثة فمايزال الأمر فرديا.
{ أين الخليج العربي من حركة أدبية ظاهرة؟
– في الواقع أنا كانت لي صلات بالواقع العربي منذ فترة طويلة جدا. وقد كنا نقع بين فترة وأخرى على إبداعات جميلة جداً وذات أهمية سواء على مستوى النقد الأدبي أو او البحث والتحليل والخلق الأدبي. لا أستطيع أن أفرز الخليج العربي عن الظاهرة العامة. وإذا كنت أقول أن المركز انتهى فلا أعني بذلك أن الخليج العربي هو من الأطراف. إنه يتحفنا بإبداعات حقيقية.
{ مثل من؟
-في الفترة الأخيرة لم أتابع بما يكفي وذلك لاعتبارات جغرافية ومكانية، ولكن فيما تسنى لي أرى ان الخليج العربي شأنه شأن بقية المناطق العربية، وهو مندمج في الظاهرة العامة، وأنا أتساءل أين ذهبت الخصوصيات؟.. أظن أنه حان الوقت للخروج من الظاهرة العامة. لم يعد بوسعنا أن نعثر على مركز واطراف ولذلك على رواية الخليج العربي وشعره ينبغي أن يكون رواية الخليج العربي وشعره، كما السوداني والمصري…يربكني هذا التعميم والتماثل الذي يحصل في الوطن العربي. وأعتقد ان المرحلة الثانية من التطور ستشهد مرحلة وعي هذه الشعوب لخصوصياتها.
«العوامل المشتركة» من أسباب شقائنا
{ من المثقف الخائب؟
-أظن أننا كلنا مثقفون خائبون على نحو ما في العالم العربي. طبعاً هناك أسباب كثيرة وراء هذا الشقاء لأن المثقف العربي لايزال هامشياً، وأن الواقع العربي في حالة ركود مفزع، وأن كل المقومات الإيجابية في العالم تتحول الى سلبيات عندنا. فنحن منطقة فيها المال والإستراتيجية الجغرافية والثقافة المشتركة واللغة المشتركة وكلها مقومات إيجابية لدى الشعوب، لكنها عندنا تتحول الى عناصر سلبية وتشارك في شقائنا.
{ ومن المثقف المنتفع؟
-هذا لا يعنيني بشيء. هو مثقف جهاز وأجير ومرتزق، ولا أعتبره مثقفا وفقا لمقاييس المثقف الفرنسي الذي هو مناضل وناقد ومعارض واستفزازي. وأهم من ذلك أن يكون مستقلا.
{ ما الدور الذي تراه لبيروت ثقافيا هذه الأيام، وهل من تشابه مع بيروت الستينيات؟
-بسرعة أقول إن بيروت صنعها العرب، بمعنى أننا إذا شئنا أن نسأل عن دور بيروت الثقافي فلنسأل مثقفاً عربياً. بالتأكيد لم تعد بيروت كما كانت من قبل، وشهدت انقطاعا بفعل الحرب، ومن دون شك الدور البيروتي مزدوج فهو الحرية والخفة معا، والحرية والتبسيط أيضا. كما فقدت جزءا من دورها الوسيط بين الشرق والغرب، إنما أود القول عن قدرة هائلة على استرداد الدور، ذلك لأن بيروت تتمتع بخزين هائل غير موجود في الدول العربية ألا وهو الحرية، وهذا التوازن بين عربيته وغربيته بما يكفي.
{ كيف نستعيد هؤلاء المثقفين العرب من دون ان يكونوا إما لاجئين سياسيين وإما باحثين عن مأوى لاستعادة هذا الدور الأدبي؟
-جزء كبير من الثقافة العربية في الشتات والمنافي، مثلا فرنسا موجودة في الثقافة العربية، وأيضا لندن بمقدار وجود القاهرة وبيروت. على كل حال هو وضع عالمي وإيجابي. بعد 11 سبتمبر2001 بدأ العرب يعودون اقتصاديا الى لبنان ولا يعيقهم عن ذلك إلا رداءة اللبنانيين وحروبهم المستمرة، وإن كنا نلحظ أيضا عودة ثقافية عربية. إن لبنان شئنا ام أبينا هو الحرية والتخفف من التقاليد والاحترام المتزايد حتى للحياة الشخصية والفردية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى