صفحات ثقافية

القدس عاصمة للثقافة العربية

null
القدس الأخرى
زياد خدّاش
لا أعرفها تلك الـمدينة التي انتحلوا وجهها، وأجبروها على ابتلاع دواء ثقيل الطعم لا يتناسب ومرضها، اسمه (عاصمة الثقافة العربية). تخيّلوا امرأةً مريضةً بهشاشة العظام يعطيها طبيب جاهل دواءً لحب الشباب! ويقول لها: حمداً لله على سلامتك؛ فيتضاعف ألـمها، وتزداد خيبتها. أحقاً هذه هي القدس؟! لا أصدقها هذه الـمدينة / مدينتهم التي سحبوها عنوةً من جوعها وغبارها ونحولها ووحشتها، وأوقفوها ــ متحاملةً على أكتافهم قسراً ــ على قدميها الكسيحتين وصوّروها أمام الكاميرات كأميرة مبتسمة تنتظر من يراقصها ويغسل ضميره بالرقص معها، ليست مدينتي تلك التي يتحدثون عنها بصوت متحمس وعال، عبر الـموجات الفضائية والإذاعية الـمشتركة، كنت أتخيل جموع الـمثقفين الفلسطينيين في الوطن والشتات وهم يفتتحون البث الـمباشر للإعلان عن انطلاق الفعاليات، لكني لـم أر أحداً منهم، عمن يتحدث هؤلاء؟ عن مدينة غريبة لا أعرفها، حاولت أن أعرفها، أن أقترب من نبضها، أن أبحث عن ملامحها / ملامحنا فيها، عن رضاها عمّا يحدث، وفي كل مرة أكتشف أنها ليست هي، ليست هي؛ إذ كيف أصدق مدينتهم التي لا تعرف عروبة خليل السكاكيني وثقافته، ولا تفكر في ترجمة كتاب هالة السكاكيني إلى اللغة العربية (القدس وأنا) ــ بالـمناسبة هذه الـمذكرات الصادقة جداً نقلت بأسلوب لغوي جمالي بالغ الفتنة آخر أيام حي القطمون وهي توفر معلومات وحقائق عجز عن توفيرها الـمؤرخون ــ ولا تنبش ذكريات الـمكان في الشيخ جراح (بقعة الحب الـمقدس والشجاع بين سلطانة وخليل في بدايات القرن العشرين) ولا تشتاق إلى حي القطمون حيث مئات الـمسروقات من البيوت والكتب والتحف والحيوات، ولا تحاول استرجاع مكتبة السكاكيني الضخمة التي استولت عليها الجامعة العبرية، ولا تحتفي بأيام نخلة زريق ومعروف الرصافي فيها، ولا تنشر وتحتفي بمذكرات الاديب إسحق موسى الحسيني التي نشرت منها تسع حلقات في مجلة الفجر الأدبي، ولا تذكر ولا تنتبه إلى دور القاص والـمثقف والصحافي الـمقدسي مروان العسلي الذي مات في القدس العام 1982 تاركاً إرثاً صحافياً وثقافياً كبير الدلالة ممثلاً في مجلة (الشراع) التي أصدرت عشرات الأعداد، ولا تفكر في جمع أعداد مجلة (الفجر الأدبي) التي عكست بأمانة وإخلاص وعدالة الحياة الثقافية الفلسطينية الـمقدسية بمختلف أجناسها منذ 1979 وحتى 1993، ولا تكرم رئيس تحريرها الشاعر علي الخليلي الذي أدارها بذوب روحه وعينيه وقلبه، ولا تكرم أو تعيد فتح مقهى الصعاليك في باب الخليل، الـمقهى الذي لخص جوهر وجه القدس العربي الثقافي والحضاري والإنساني في ثلاثينيات القرن الـماضي. هل يعرف منتحلو وجه القدس أن ثمة صحافياً وأديباً تسعينياً شهيراً يعيش في القدس الآن؟ أتحدى القائمين على إدارة عاصمة الأجندات الـمؤسساتية أن يعرفوا اسمه. هو ناصر الدين النشاشيبي الصحافي القدير الذي عايش عديداً من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي وشهد عديداً من الـمواقف والأحداث الفلسطينية والعربية والدولية وأجرى حوارات مهمة مع عديد الزعماء العرب والعالـميين.
مسكينة هي القدس الحقيقية، الـمطموسة، القدس الـمغيبة، قدس الناس وثقافاتهم وأحلامهم الصغيرة، قدس أبطال الظل، قدس محمود شقير وعلي الخليلي وإميل حبيبي، وفوزي البكري (تصوروا فعاليات ثقافية دون تكريم ومشاركة صعلوك القدس الجميل وراوي حكاياتها وأسرارها) وإسماعيل الدباغ ونجوان درويش، وكامل الباشا، وجميل السلحوت، وأسعد الأسعد، وإبراهيم جوهر، ورنا بشارة، وجمال القواسمة، وأحمد أبو سعلوم، وريم تلحمي، وحسام أبو عيشة، ورجاء صندوقة، وخليل أبو عرفة، ووائل أبو عرفة، وعبد السلام عبده، وفهمي الأنصاري، ومحمود عوض، وصلاح الأطرش، وطالب الدويك، وآخرين من الكتاب والأدباء والفنانين الـمقدسيين الحقيقيين الذين يتنفسون في كتاباتهم وإنتاجهم حيرة القدس وضياعها وبطولاتها الخفية، ويعتنقون هواجسها ومخاوفها وحصارها وصمودها وفقرها وكبرياءها، الذين شربت القدس من خطواتهم التائهة، وشربوا هم من أمكنتها ومعابدها وتاريخها ومقاهيها، وأزقتها، الذين تمرغوا في عزلة بلاطاتها وتمرغت هي في جماليات فنونهم، صاحبتهم، وصاحبوها كأهل وعشاق، عاشوا في قاعها الثري وعاشت في أعماقهم الـمشتعلة، هؤلاء هم وجه القدس، هؤلاء هم القدس ثقافة وحضارة وإنساناً، هؤلاء هم أحفاد خليل السكاكيني الفقير والـمبدع والـمربي والـمثقف والـمفكر الكوني، هؤلاء هم الغائبون عن الفعاليات، فصارت قدس الفعاليات غريبة عن قدس الحقيقة، صارت مدينة أخرى، بمؤسسات متخمة بالشعارات والعناوين الثقافية الفارغة، بعيداً عن رائحة الكتب العتيقة في مكتبة الأنصاري، وقهوة صيام وفلافل وحمص أبو شكري في البلدة القديمة وكعك الـمصرارة.
‘ كاتب من فلسطين
القدس العربي

هل يمكن إنقاذ المشروع؟ … احتفاليات متصادمة لـ«القدس عاصمة للثقافة العربية»
القدس المحتلة – أسماء عزايزة
هل يحتاج المتابع ذكاءً خاصاً ليدرك حجم الورطة والمعضلات التي وقعت فيها مناسبة «القدس عاصمة للثقافة العربية 2009»؟ فقبل أن نتحدّث عن الوقائع اللوجستية والمالية الغامضة للمشروع، نقف أمام واقعة مركبة، هي وجود ثلاث احتفاليات للقدس عاصمة للثقافة: احتفالية حركة حماس التي افتتحت في السابع من آذار (مارس) الجاري، احتفالية السلطة في 21 منه، واحتفالية الحملة الأهلية خارج فلسطين في 30 منه. تُفتتح ثلاثتها بتأخير ثلاثة أشهر غارقة في دماء أبناء غزة كانت الذريعة لتأخير الافتتاح.
الطريقة التي تتم بها إدارة الفعالية نالت نقداً كثيراً، لا سيما من الكتاب والمثقفين المقدسيين. الكاتب محمود شقير لا يرى المشكلة في التأخير الأخير: «أنا أتفهم مسألة تأجيل الافتتاح، فقد تم بسبب الحرب الإسرائيلية الهمجية على شعبنا في قطاع غزة. إنه مبرر وضروري ومفهوم، غير أنني أبديت تحفظاً على تشكيل اللجنة العليا للاحتفالية». أما الشاعر نجوان درويش فيذهب أبعد من ذلك حين يقول إن «مسألة القدس عاصمة للثقافة العربية تعكس خللاً بنيوياً في النظام السياسي الفلسطيني والعربي، وتحديداً في مسألة التعامل مع قضية القدس. وعلينا أن نعترف ونحن في الشهر الثالث من سنة 2009 أن المشروع فشل عملياً للأسف». ويرى درويش «أن الخلل كان منذ البداية باتخاذ قرار اختيار القدس ارتجالاً ومن دون دراسة واستعداد. وأن سنتين مرتا منذ الإعلان عن القدس 2009 من دون إنجاز ملموس، فلا نجد سوى تخبطات واستقالات وعجز جماعي من القائمين على المشروع وتصريحات بلا رصيد للإعلام». ويحمّل نجوان درويش «مسؤولية الفشل» لـ «الجهات الفلسطينية القائمة على «القدس 2009» التي لا تتمتع بالحد الأدنى من الكفاءة اللازمة، فهي احتكرت المبادرة وساهمت مع الاحتلال في إحباطها وفوّتت فرصة تاريخية كان يمكن أن تقدم شيئاً للقدس لو أحسن التعامل معها ولو اتخذنا الموقف والآليات المناسبة في وقت مبكّر».
كان من الواضح أن اللجنة العليا والمكتب التنفيذي ومن حولهما عالقون في معمعة الاستقالات والإقالات وسوء الإدارة وانعدام العمل المشترك بين الشعب الفلسطيني المقطع الأوصال، ولكن، ما الذي يمنعهم من الإتيان بالذرائع والتوضيحات للمواطن الفلسطيني الذي لا يعرف أصلاً «مواعيد» افتتاحية القدس؟
يقول إٍسماعيل تلاوي، الأمين العام للجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم ورئيس لجنة التنسيق الفلسطينية – العربية لاحتفالية القدس: «إن اللجنة الوطنية العليا تمكنت حتى الآن من تحقيق انجازات كبيرة على رغم م عائقين، أولهما يتمثل بسلطات الاحتلال التي تحول دون إقامة أي نشاط ثقافي تحت مظلة القدس عاصمة الثقافة، كما فعلت خلال فعالية انطلاق شعار الاحتفالية واعتقلت عدداً من القائمين على النشاط. والثاني هو العائق المادي؛ فكل المؤتمرات العربية على مستوى وزارات الثقافة أقرّت تقديم الدعم المادي للاحتفالية. ولكن، للأسف، لم نتلق شيئاً حتى اللحظة».
اللجنة ومسلسل الاستقالات
وعلى رغم تفهم المثقف الفلسطيني المعضلات التي تواجه الاحتفالية، إلا أنّ القائمين عليها لم يعمموا بيانات أو تقارير توضح ما يحصل (بعيداً من الاحتلال). فما الذي يمنعهم من إماطة اللثام عن الأسباب الحقيقية لانسحاب الشاعر الراحل محمود درويش من رئاسة اللجنة، ومن ثم استقالة حنان عشراوي، وبعدها تعيين أبو مازن المفاجئ رئيساً للجنة العليا، من دون مبررات؟ وطاولت الاستقالات المكتب التنفيذي للمشروع فتعاقب ثلاثة مديرين على رئاسته في أقل من عام ونصف. وعنها يعقّب السيّد تلاوي: «من الظلم أن يقال ذلك، هناك لغط ولبس ونقل غير دقيق لما سمي بالاستقالات. فمحمود درويش ترأس اللجنة الوطنية ولم يعتذر مطلقاً، لكن مرضه حال دون استمراره في العمل، أما حنان عشراوي فقد كُلّفت موقتاً بتولي المنصب لكنها تغيّبت لأكثر من شهرين في الولايات المتحدة». أما في ما يتعلق بالحديث عن استقالة باسم المصري فيرد: «استمر المكتب التنفيذي في العمل برئاسة باسم المصري إلى أن تم اعتقاله في فعالية انطلاق شعار الاحتفالية في القدس، غادر على الأثر إلى الأردن حيث منع من العودة إلى فلسطين لأكثر من ثلاثة أشهر». ولكن ما يجري تداوله يفيد أن مصري استقال لأسباب أخرى، قريبة من أسباب استقالة أحمد داري الذي استقال أخيراً مع مجموعة من أعضاء المكتب التنفيذي للفعالية.
وفي ما يتعلّق بالتشكيلة الداخلية للجنة الوطنية العليا واللجان المتفرعة عنها، جرى الحديث عن استثناء أسماء مهمة ووجود أخرى لا علاقة لها بالشأن الثقافي. يصف الكاتب شقير تشكيل اللجنة قائلاً: «لا أتحدث عن الأشخاص ولا أقلل من قيمة أحد منهم، وإنما أتحدث عن الكفاءة المهنية وعن علاقتهم بالثقافة وهمومها. فقد تم تجاهل عدد من المثقفين الفلسطينيين المعروفين في القدس وفي الضفة الغربية وقطاع غزة وفي ما وراء الخط الأخضر والشتات، لسبب غير مفهوم. وبالطبع، لا يمكن أن يتمثل في اللجنة كل مثقف وكاتب. هذا أمر مفهوم، إنما كان النقص في التمثيل واضحاً، ولم يكن ممكناً التستر عليه». في حين يرى نجوان درويش أن سوء التمثيل ليس فقط في تغييب أسماء ثقافية من الشتات ومن فلسطين 1948 واقتصار اللجنة على لون سياسي واحد، وإنما في وجود بعض الأسماء المحسوبة على تيار الأسرلة وبعض من تحفل سجلاتهم بسوء الإدارة». في حين تؤكد لجنة التنسيق الفلسطينية – العربية على توقيعها العديد من العقود مع المؤسسات والمراكز والمثقفين الفلسطينيين في القطاع والقدس ومناطق الـ48 للشروع بتنفيذ البرنامج، وأن الاحتفالية ستنطلق في 21 آذار من خمس مناطق في آن، وهي: القدس، بيت لحم، الناصرة، غزة، ومخيم برج البراجنة في لبنان».
ولكن، كيف نفسّر وجود ثلاث احتفاليات إن كانت الاحتفالية الرسمية التي أقرتها السلطة مثلت الجميع كما تحاول أن تتصرّف؟ «لا يجوز أن تتصل وزارة عاملة بوزارة مستقيلة، نحن لا نكرس الانقسام» تبرر وزيرة الثقافة في رام الله عدم اتصالها بوزارة الثقافة في غزة، علماً أن وزير الثقافة في حماس، عطا الله أبو السبح، هو من اقترح اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009 في اجتماع وزراء الثقافة العرب في أيلول 2006. وفي المقابل هناك من يعتبر المشروع الثقافي أرضاً خصبة لإصدار الفتاوى كحظر دخول غزة أي نشاط تموله رام الله! إذن كيف سيدخل القطاع دائرة التنسيق في ظل التمزق الجغرافي والحصار المفروضين إسرائيلياً؟! ولم لم يتم إشراك فلسطينيي الـ48 في هذه الدائرة، اللهم إلا من إشراك بعضهم في بعض النشاطات من باب رفع العتب، هؤلاء الذين اسقطوا طويلاً من توجهات السلطة الثقافية والسياسية معاً.
هل الإنقاذ ممكن؟
يبدو أن الثغرات المتراكمة على مشروع القدس لم تتوقف عند احتكار هنا وإقصاء هناك، بل تأزمت مع الحديث عن الأموال المرصودة له، مصادرها، واستخدامها لمصلحة المشروع أو لغيره. هناك جهة احتفالية واحدة من «الثلاث» أعلنت عن ثلاثة مبالغ مختلفة، حيث أكد رفيق الحسيني رئيس ديوان الرئاسة أن المبلغ المرصود هو 20 مليون دولار، فيما أعلنت وزيرة الثقافة أن المشروع يحتاج إلى 50 مليون دولار، أما مديرة المكتب التنفيذي فتقول أن 8 ملايين تبدو كافية! في حين تكرّس حكومة «حماس» مليوناً واحداً للاحتفالية في غزة.
لعلّ الواقفين وراء احتفالية القدس عاصمة للثقافة 2009، أو الاحتفاليات في حال لم يتحد الفرقاء، يواجهون تحديات عدة، في مقدمها إنقاذ المشروع بحيث يقدَّم بصورة ترتقي إلى مكانة القدس بين العواصم العربية بعيداً من النهج التصفوي والأسقف السياسية الواطئة. «يمكن لمن ارتكبوا الأخطاء أثناء التحضير لهذه الاحتفالية أن يصوبوا ما ارتكبوا من أخطاء، فثمة عام طويل من العمل الثقافي المرجو في المدينة ومن حولها» يقول محمود شقير. أما نجوان درويش فيرى أن «المدن الأوروبية التي لديها بنية تحتية ثقافية ممتازة، تبدأ تحضير احتفالاتها باختيارها عواصم للثقافة الأوروبية قبل عشر سنوات على الأقل، عام 2005 زرت بلدية قرطبة في إسبانيا مع مجموعة من الكتاب الفلسطينيين، وأطلعونا على تحضير مشروع قرطبة عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2015، وقدموا لنا مجموعة من المطبوعات الخاصة بقرطبة 2015. فكيف سنتدارك نحن غياب التحضير في أشهر قليلة ولدينا احتلال يقف بالمرصاد والمدينة معزولة وتكاد تكون بلا بنية تحتية ثقافية».
المثقفون الفلسطينيون ما زالوا على رغم هذه المعطيات ينظرون إلى المشروع بمزيج من الواقعية والمثالية، فهم يدركون تماماً حجم الصعوبات المتمثلة في الاحتلال، لكنهم يدركون أيضاً أنّ المسؤولية لا تقع على عاتق الاحتلال وحده، خصوصاً في حال إخفاق مشروع «القدس عاصمة للثقافة العربية».
الحياة

القدس عاصمة الثقافة العربية .. والأسئلة الحارقة
خالد الغول
كان المقترح أن تكون عاصمة الثقافة العربية في العام 2009 هي بغداد، لكن وزارة الثقافة العراقية اعتذرت بسبب عدم توافر شروط النجاح لاستضافة الاحتفالية في ظل الظروف التي تعيشها العراق. فما كان من وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق عطا الله ابو السبح إلا أن بادر لإنقاذ الموقف وتبنى الاحتفالية في القدس، وكأن ظروف القدس أكثر هدوءاً واستقراراً وأمناً وتلبية للمتطلبات من ظروف بغداد!
خلقت هذه (البشرى) التي زفها لنا الوزير الأسبق بابتهاج لغطاً واسعاً، لم يرتق إلى مستوى الحوار الثقافي الرصين بين أصحاب الشأن، فأيد البعض القرار وكان متحمساً له بشدة، وكان البعض متردداً ولديه بعض التخوفات والتحفظات، والبعض كان يرى أن الظروف غير مهيأة على الإطلاق لتنظيم الاحتفالية.
حاول بعض المثقفين والكتّاب أن يقنعوا القائمين على الاحتفالية بالتريث قليلاً، وإعادة الحسابات، لأن هذه الاحتفالية ليست مهرجاناً سنوياً، يمكن في حالة عدم نجاحه أن تتكرر فرصة تنظيمه في الأعوام التالية، أو تتاح فرصة تعديل الصورة بعد خوض التجربة، بل هي استحقاق حضاري من العيار الثقيل، إن لم نكن بقدر التحديات التي يفرضها علينا، ولم ننجح في تنظيمه على خير ما يرام، فإننا سوف نتعرى ثقافياً، وسنكشف عن ادعاء كبير، وتضخيم زائف للقدرات الذاتية. إلا أنه تم غض النظر عن كل الملاحظات والانتقادات والمشادات والأسئلة التي تفاعلت في أكثر من موقع ومناسبة ومنبر وكان الرد هو (ارتكاب) هذه الاحتفالية مع سبق الإصرار والترصد!!
مواجهة الظروف
الإصرار على الاحتفالية مهما كانت الظروف، يمتلك في شكله الظاهري قوة وصلابة في مواجهة الظروف والمعيقات توحي بزخم كامن في داخل القائمين عليها، كفيل بجعل الاحتفالية أقوى ثقافياً ووطنياً من أي تحديات. ولكن هل سمح سياق التحضيرات للاحتفالية بالاطمئنان إلى أن الذي يقال هو فعلا الذي سيكون؟
إن التصدي للواقع المعيق وعدم الخضوع لإملاءاته يدل على مبدئية من يتفاعلون مع هذا الواقع وثقتهم بقدراتهم وجديتهم في الاشتباك معه، لكن اتخاذ قرار مناطحة الواقع دون توافر الجاهزية الكاملة للنجاح في هذه المواجهة، يعتبر مغامرة غير محسوبة العواقب وغير مدروسة التبعات (ألم يتكرر هذا الخطاب العقلاني أثناء الحربين على غزة ولبنان؟!!).
قد تكون الاحتفالية فرصة ذهبية، ومناسبة كبرى للاشتباك، يمكنها أن تحمل مصباحاً يضيء على كثير من المطمور في بئر التاريخ وزوايا الزمان إذا ما تسنى لها أن تذهب حيثما يجب أن تذهب، بحيث تجسد من الناحية الفعلية احتفاءً بالمدينة بصفتها منجزاً حضارياً، وبالمكان بصفته حيزاً ثقافياً، وبالزمان بصفته سياقاً ممتداً لا يكتفي بما تحتفظ به ذاكرة الأحياء، وبالقبلة الأولى بصفتها ميدان صراع للروايات.
الاحتفالية ـ احتمالاً ـ هي مناسبة لطرح الأسئلة الحارقة، وإثارة الجدل الملتهب حول إشكاليات الوجود والبقاء، والواقع والأفق، والممكن والمستحيل، ضمن عملية تحريك للراكد وترسيخ عميق لثقافة الانتماء للوطن والالتزام بقضاياه، ثقافة المقاومة والحرية.
تعرية الانتهاكات
الاهتمام بالإشارة إلى الخطاب الرسمي المتعلق بالاحتفالية، يندرج في سياق الاهتمام ببنود ونقاط كثيرة تطرحها تفاعلات التحضير للاحتفالية، من أبرزها قضايا التمويل، والطاقم الإداري، وتوزيع الميزانيات، والخطة العامة، وبرمجة الفعاليات، ودور المثقفين، وشراكة المؤسسات الثقافية، والعلاقة بين السياسي والثقافي، والقيمة الثقافية، ودور الفلسطينيين في المنفى وفي الأراضي المحتلة عام 1948.. الخ. لكننا لن نخوض الآن في كل هذه التفاصيل، بل سنحاول فقط استشفاف الوعود التي تعدنا بها الاحتفالية، من ناحية أنها احتفالية تعد بالقدرة على مواجهة المعيقات والتحديات بكل هذه الثقة وكل هذا الإصرار وكل هذا الزهو. وتعد بطبيعة الحال بتحقيق ما يأتي:
ـ المساهمة في خلق مناخ ثقافي جديد يمهد لنهضة ثقافية فلسطينية تستند إلى استراتيجية تنموية شاملة، تحظى الثقافة فيها بقدر كبير من الاهتمام.
ـ عولمة القدس إعلامياً وثقافياً وسياسياً كقضية وطنية وقومية ذات منحى إنساني، وكإشكالية تاريخية مستعصية تستدعي تضافر جهود العالم من أجل فك أسرها وإعادة فتح أبوابها على الكون كملتقى للحضارات والديانات وكمدينة محتلة، وتحويلها إلى مركز اهتمام بصفتها مدينة ذات قيمة حضارية وتاريخية وتراثية، وتتمتع بمكانة دينية ووطنية وقومية وإنسانية مهمة.
ـ المساهمة في تعزيز الهوية الوطنية لدى الفلسطينيين في مدينة القدس وحماية الموروث الثقافي من المخاطر التي تهدده، والتصدي للهجمة المنظمة على الوعي الوطني والقومي والانتماء الحضاري للمواطن الفلسطيني عموما والمقدسي خصوصا.
ـ ضمان المساهمة الثقافية والإبداعية لكل أطياف المجتمع من خلال تحقيق الشراكة بين جميع مكوناته ومستوياته الثقافية والإبداعية أفرادا ومؤسسات. واحتضان الطاقات والفعاليات الثقافية والإبداعية الفلسطينية في مختلف المجالات، وفي جميع المواقع الجغرافية بحيث تراعى الشمولية والاتساع، وبحيث تجسد الاحتفالية وحدة الحلم والوجدان والضمير والهدف للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده دون إقصاء أو تهميش. وبحيث تتسع دائرة الفعاليات الثقافية والإبداعية في الأطراف والمواقع المحيطة بمراكز المدن وخصوصا القدس لضمان مشاركة جميع فئات المجتمع في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.‏
ـ تحقيق تواصل فعال وتبادل ثقافي مثمر بين فلسطين والعرب استنادا إلى مبدأ احترام الموقف العربي المبدئي المناهض للتطبيع. وعدم استغلال الاحتفالية لاستدراج المثقفين العرب إلى مواقف وممارسات طالما تعاملوا معها على أنها شكل من أشكال التطبيع. والتركيز على تنشيط الفعل الثقافي المواكب للاحتفالية في جميع العواصم العربية، مع ضمان ألا تتحول أسابيع الثقافة الفلسطينية إلى كرنفالات سياسية ضحلة ثقافيا.
ـ خلق مشاريع فنية وثقافية متعددة الاختصاصات قائمة على التعاون بين مثقفين وفنانين فلسطينيين وعرب وعالميين.
ـ كشف وتعرية الانتهاكات التي تتعرض لها مدينة القدس، وتعميق المساهمة العربية والعالمية في لفت الأنظار إلى التهديد الثقافي والحضاري الذي تتعرض له القدس على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.
ـ تعريف العالم بحجم وطبيعة ومستوى القيود التي تكبل المثقفين والمبدعين الفلسطينيين وتأثير الحصار والحواجز وجدار الفصل العنصري على حرية الإبداع والممارسة الفنية في فلسطين عموما والقدس خصوصا.
ـ توفير بنية تحتية أساسية للعمل الثقافي والفني في مدينة القدس، وتذليل العقبات الواقفة أمام إمكانيات تطوير وتوسيع المؤسسات الثقافية القائمة فيها وإنشاء مراكز ثقافية جديدة تلبي حاجات المجتمع المقدسي على أساس الكفاءة والجدارة.
ـ خلق فرص دعم وتطوير الإنتاج الفني للفنانين والفرق الفنية الفلسطينية وضمان شروط الاستمرارية في إنتاج مشاريع فنية فلسطينية على المدى البعيد.
نحن إذاً أمام استحقاقات تفرضها الاحتفالية بالحدود الدنيا الواردة أعلاه، فهل سيكون الوفاء على قدر الوعد؟
(القدس)
السفير

ما بين القدس والثقافة العربية..
صبحي غندور*
هي مصادفة رمزية سلبية أن تكون القدس “عاصمة الثقافة العربية” لهذا العام في حين لا يزال الاختلاف ما بين المرجعتين الفلسطينيتين في رام الله وغزة قائماً حتى الآن. هذا الاختلاف الذي وصل إلى حدّ تفاصيل كيفية الاحتفال بمعاني أن تكون “القدس عاصمة للثقافة العربية”. فالقدس (كعاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة) هي أصلاً، منذ ما يزيد عن الأربعين عاماً، تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولن تستطيع أيٌّ من المرجعتين الفلسطينيتين أن تقيم احتفالاتها على أرض القدس المحتلة بحرّية وبشمولية، ورغم ذلك اختلفت “الحكومتان” على كيفية الاحتفال!. لكن الرمزية الإيجابية في اختيار القدس من قِبَل وزراء الثقافة العرب هي في تأكيد عروبتها بمواجهة محاولات تهويدها ونزع طابعها العربي المميّز والمهم دينياً وثقافياً وسياسياً للعرب المسلمين والمسيحيين جميعاًً.
إنّ حال الثقافة العربية الآن هو كحال القدس بالنسبة للمعنيين بالحفاظ عليها. فالثقافة العربية أيضاً تتهدّدها مخاطر “الاحتلال” و”نزع الهويّة العربية” بينما تعاني الحكومات العربية من صراعات وخلافات تنعكس سلباً على كلِّ المشترَك بين العرب، وفي مقدّمته الثقافة العربية.
القدس تجاوزت أهميّتها أبعاد المكان فقط، فهي رمز لتاريخ وحضارة ورسل ورسالات سماوية. كذلك هي الثقافة العربية أيضاً، التي لها أبعادها الحضارية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين العرب، كما للغتها العربية مكانة مقدّسة لعموم المسلمين في العالم.
فلقد كان للعرب ثقافة خاصة بهم قبل ظهور الدعوة الإسلامية، لكن وجود هذه الثقافة كان محصوراً جغرافياً في إطار البقع السكانية التي تتحدّث اللغة العربية. وكانت طبيعة هذه الثقافة تتّصف بما كانت عليه القبائل العربية من سمات وخصائص. أمّا بعد ظهور الدعوة الإسلامية، فإنّ الثقافة العربية أخذت مضامين جديدة حملها الإسلام بحكم نزول كتاب الله الحكيم باللغة العربية، وأيضاً من خلال بدء الدعوة وانتشارها عبر روّاد عرب حملوا الرسالة إلى بقاع عديدة في العالم، لا توجد فيها قبائل عربية ولا يتحدّث أهلها باللغة العربية .
وفي ذلك الحدث التاريخي، خرجت الثقافة العربية، من الدائرة العنصرية (الخاصّة بالعرب) إلى الدائرة الحضارية (الخاصّة بمضامين الدعوة الإسلامية). أيضاً من نتائج ذلك أنّ الثقافة العربية خرجت من دائرة التعريف بها وجوداً، إلى موقع متميّز دوراً، ارتبط ويرتبط بلغة القرآن الكريم.
وهذه علاقة خاصّة جداً بين الثقافة العربية والدعوة الإسلامية، تتميّز بها الثقافة العربية عن غيرها من الثقافات العالمية، بما في ذلك الثقافات المنضوية تحت الإسلام وحضارته.
وهذه العلاقة الخاصّة بين الثقافة العربية كإطار وبين الحضارة الإسلامية كمضمون، وإن كانت تعني تمييزاً لا تمايزاً عن باقي الثقافات في العالم الإسلامي، لكنّها أيضاً تعني دوراً مميّزاً لها ولِمن ينتمون إليها (أي العرب)، ففي الحفاظ على الثقافة العربية ولغتها، حفاظ على لغة القرآن الكريم وتسهيل لفهمه الصحيح ولاستيعاب مضامينه.
لكن الثقافة العربية، كغيرها من ثقافات العالم، يندمج فيها عبر حركة الزمن، الصالح والطالح معاً، وتكون مهمّة القائمين على هذه الثقافة والحاملين لها، إجراء عملية الفرز بين ما هو إيجابيّ في الأصل وبين ما هو سلبيّ في الإلحاق.
فالثقافة العربية، كغيرها من الثقافات أيضاً، يرتبط تأثيرها بدور الجماعة البشرية التي تنتمي إليها.
فحينما كان العرب ينشرون الدعوة الإسلامية، كانوا يتميّزون بأنهم حملة رسالة حضارية للعالم أجمع، ليس من أجل نشر ثقافتهم العربية الخاصّة أو اللغة العربية، بل في سبيل المضمون الذي حملته هذه الثقافة/الوعاء في كتاب كريم وقيم ومبادئ حضارية وخلقية، فانتشرت الثقافة العربية – أو في الحدّ الأدنى اللغة العربية – حيث انتشرت الدعوة الإسلامية.
ونجد في التاريخ أيضاً ما هو تأكيد على هذه المسألة حول الترابط بين دور الثقافة ودور الجماعة المنتمين إليها، وذلك من خلال مثال انتشار اللغة الإنجليزية إلى مشرق الأرض ومغربها حين كانت بريطانيا “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”. فقد ارتبط انتشار اللغة الإنجليزية بمقدار انتشار سيطرة وهيمنة الشعب الإنجليزي على مناطق عديدة في العالم.
واليوم، وبعد عشرات السنين من التحرّر من الاستعمار البريطاني، ما زالت أستراليا ودول في شرق آسيا وغيرها من الدول شرقاً وغرباً تأخذ بالعادات البريطانية وتقاليدها الاجتماعية، إضافة إلى لغتها الإنجليزية.
فالانتشار الثقافي عالمياً يرتبط بقوّة تأثير ودور الجماعة التي تحمل هذه الثقافة. وذلك قد يتمّ من أجل خدمة رسالة دينية وقيم حضارية (كما كان الحال بين الثقافة العربية والحضارة الإسلامية) أو قد يحصل بفعل مصالح دولية وأسلوب قهري استعماري، كما انتشرت اللغة الإنجليزية سابقاً، واللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أيضاً في أماكن أخرى من العالم.
واليوم نجد أن انتشار الثقافة الأمريكية (ومن ضمنها اللغة الإنجليزية طبعاً) جعلها هاجساً حتى لدول تنتمي إلى الحضارة الغربية نفسها، لكنها تتمايز ثقافياً عن ثقافة أميركا ولغتها، كما بالنسبة لفرنسا وألمانيا.
إذن، كلّما كان لأيِّ جماعة بشرية أو أمَّة دور فاعل (بمضامين حضارية أو بأساليب هيمنة)، كلّما انتشرت واتسعت ثقافة هذه الأمّة و”تَعَوْلَمت” على مرِّ السنين .
أمّا حال العرب اليوم فهو يسير من سيء إلى أسوأ، وتعاني أمّتهم الآن من انقسامات وصراعات انعكست على الثقافة العربية نفسها، لذا نجد الثقافة العربية مهدّدة الآن ليس من حيث الدور فقط، بل من حيث الوجود الفاعل نفسه.
فالثقافة العربية هي الآن رمز الجامع المشترك بين العرب. والخطر عليها كوجود لم يبدأ فقط مع وجود الاحتلال الأوروبي للمنطقة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل بدأ مع سقوط الريادة العربية للعالم الإسلامي، وتسلّم السلطة العثمانية لدور كان أولى بالعرب الحفاظ عليه فأخذه منهم الجيش الانكشاري. من هنا كانت بداية تدهور حال الثقافة العربية بغضّ النظر عمّا حملته هده الثقافة (بعد انتهاء دولة الخلفاء الراشدين) من مفاهيم بعضها تناقض أحياناً مع المضمون الأصولي للقيم الإسلامية.
في سياق هذا الموضوع عن الثقافة العربية، أجد أنّ من المهمّ التمييز في المصطلحات بين “الحضارة” و”الثقافة”. فقد كان من الخطأ استخدام تعبير “الثقافة الإسلامية” حينما تختار ” المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة” بعض المدن لتكون “عاصمة للثقافة الإسلامية” إذ الأصح القول “عاصمة الحضارة الإسلامية”. فهناك “حضارة إسلامية واحدة” لكن قائمة على ثقافات متعدّدة، ومنها الثقافة العربية التي كان لها – وسيبقى- الدور المميز بالحضارة الإسلامية. فالثقافات تختصّ بشعوب معيّنة بينما الحضارات تشمل أكثر من شعب وثقافة. تماماً كما هو حال الحضارة الغربية اليوم التي تجمع تحت مظلّتها ثقافات متنوعة ولغات مختلفة كالفرنسية والألمانية والأسبانية والإيطالية والإنجليزية والأميركية التي هي في موضع الريادة الآن للحضارة الغربية.
إنّ العالم الواحد له شجرة حضارة إنسانية واحدة تقوم على جذوع حضارات إنسانية متميّزة عن بعضها البعض، ومتفاعلة مع بعضها البعض، تشترك في أشياء وتختلف في أخرى، كما أنّ كلَّ جذع حضاري يحمل أغصان ثقافات قومية متميّزة عن بعضها البعض بخصائص تختلف من أمّة إلى أخرى..
ومهما تقاربت دول العالم في المجالات الاقتصادية والتجارية والعلمية والإعلامية – وربما أيضاً في سمات الأنظمة السياسية – فإنّ الخصائص الثقافية لكل أمّة ستبقى قائمةً لتلعب دوراً رئيسياً في العلاقات والمصالح، وربما الصراعات، بين الأمم المختلفة على هذه الكرة الأرضية الواحدة.
وكما هو الواجب في الحفاظ على عروبة القدس وتحريرها من الاحتلال العسكري، كذلك هو واجب الحفاظ على “عروبة” هويّة العرب من خلال الحفاظ على “الهويّة الثقافية العربية” و”تحريرها” من أمراض الذات ومن هيمنة “الآخر” .
*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

− 1 = 1

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى