صفحات الشعر

يوهانس بوبروفسكي: الجديد لم يبدأ قط

null
(1917 – 1965)
البيت المهجور
الطريق الرحبة التي تحفّ بها الأشجار
ضاقت
بخطوات الموتى.
كما يهبط الصدى فوق هواء البحيرة،
تلتف على أرض الغابة
سيقان اللبلاب، الجذور
الناتئة، السكون
يقترب مع الطيور، الأصوات البيضاء.
في البيت
تتلاشى الظلال، حديث غرباء
تحت الشباك. الفئران
تمرح
في البيانو القديم المشروخ.
رأيتُ امرأةً عجوزاً
في نهاية الدرب
بوشاح أسود
على الصخرة،
النظرة مصوّبة إلى الجنوب.

فوق الرمال
يزدهر الحسك
من بين الأوراق الجافة المشققة.
هناك انفتحت السماء،
بلون شعر الأطفال.
أرض الأسلاف الجميلة.

ماذا؟ أعدد في الكفين
الزمنَ. صوتٌ يتردد
من الغابات، ظلّه
على الدرب.

مفتوحة أمام قدميك
الثمرة،
تقبلها،
يا من أصبحت غريباً،
بلبّها المميت.

طفولة
آنذاك كنت
أحبّ العصفور الصدّاح –
رنين الأجراس، في الأعالي
يتصاعد، ويهبط
وينفذ من بين أعشاش الشجر

عندما كنا نقرفص على حافة الغابة
ونرصّ التوت الأحمر
على عود الحشيس؛
كان اليهودي الرمادي يعبر
بعربته الصغيرة.

في الظهيرة،
تلقي شجرة البتولا ظلالاً سوداء
هناك كانت الحيوانات تقف،
وتهش الذباب
بذيل يهوي كالسوط الغاضب.

عندئذ انهمر فيضان المطر
الغزير، العريض
من السماء المفتوحة؛
كان طعم قطرات المطر
– بعد كل الظلام –
كالطين.

أو مجيء الصبية
فوق الجياد عبر طريق النهر،
فوق الصهوة السمراء اللامعة
كانوا يمتطونها ضاحكين
وهم يعبرون الأغوار.

خلف السياج
يتصاعد كالسحاب أزيز النحل
في ما بعد، عبر بحيرة الغاب المحيط بالبحيرة
وأدغال الشوك
مرق صليل الخوف
الفضي.
سياج الشجيرات الأشعث
ينشر الظلمة الكئيبة
أمام النافذة والباب.

عندئذ كانت العجوز تشدو
في غرفتها المعبقة بالأريج. القنديل
يئزّ. الرجال يدخلون
وينادون على كلابهم ملتفتين إلى الوراء.

في الليل، في جوف الصمت
يتفرع ببطء –
الزمن، أكثر زئبقيةً، ومرارةً
مستمرٌ من بيتٍ شعري إلى آخر:
الطفولة –
آنذاك كنت أحبّ العصفور الصدّاح –

قرية تولمينكيمن

نيران الظهيرة تخبو،
فوق الزيزفونة دخان،
هناك يسير بشعر أشيب،
يقولون:
سيأتي المساء قريباً،
أحدهم يشرع في شدو
تمضي به الحقول بعيداً.

فلنواصل السير قليلاً يا دونلايتس،
يودّ النهر لو ارتفع بأجنحة،
صقر، عدو الحمائم،
الغابة ذات الهامات السوداء
تنتصب عالياً، تنادي
بالريح عبر الجبال.
هناك تحيا الأعشاب.

هذا اليوم يهبط أيضا،
ويتوارى خلف ظلال البئر،
ضوء النافذة
بلا ريح، ضوء الحطب
يطقطق كالفئران
ناطقاً بالبركة.

اكتب على الورقة:
السماء أمطرت خيرات،
وأنا رأيت العدل
ينتظر أن يهبط
وأن يجيء الغضب.

سهل
بحيرة.
البحيرة.
غارقةٌ هي الشطآن.
أسفل الغيمة
الكركي.
بيضاء، ساطعة
آلاف سنين
الشعوب الرعاة. مع الريح

جئت، وارتقيت الجبل .
هنا سأعيش. صياداً
كنت، ولكن اصطادني
العشب.

علّمني أن أتكلم، يا عشب،
علّمني أن أموت وأن أسمع
طويلاً، وأن أتكلم، يا حجر،
علّميني أن أبقى، أيتها المياه،
ويا أيتها الرياح، لا تسألي عني.

رفض
نيران،
الإغراء دم:
الإنسان الجميل.
وكالنوم هو الماضي،
أحلامٌ تنساب مع النهر،
فوق المياه، بلا شراع،
مع التيار.

سهول –
القرى الضائعة،
حافةُ الغابات،
ودخانٌ هزيل
في الهواء،
يميل.
في زمن مضى،
بفم غليظ،
جاء بركون إله الرعد،
ريشةٌ في الذقن،
جاء إثرَ حوافر الأيل،
المتلعثم جاء،
رحلَ مع التيار.
الظلامَ
يسحب – كشبكة صياد –
وراءه .
هناك
كنت.
في الزمان العتيق.
الجديد لم يبدأ قط.
أنا رجلٌ
مع امرأتي جسد واحد،
يربّي أطفاله
لوقتٍ ما من دون خوف.

بلا بوح
ثقيل،
أنمو لأسفل،
جذوراً
أمدّ إلى العمق،
مياه الأرض
تجدني ، تصعدني،
مرارةً أتذوق –
أنت
بلا أرض،
طائرٌ للهواء، في الضوء
دائما تزدادين رقة،
ليس إلا خوفي
لا يزال يمسك بك
في الريح الأرضية.

ترجمة سمير جريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى