صفحات ثقافية

امتياز النسيان

null
اسكندر حبش
على غلاف العدد الأخير من مجلة «لير» الفرنسية، صورة للكاتب الراحل إرنست همنغواي، تشير إلى أن ملف العدد مكرس لهذا «العملاق الذي رحل منذ خمسين سنة»، (على قول المجلة عينها). الملحق الأدبي الأخير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية يتضمن مقالات حول الروائي الكبير سيلين بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته أيضا، مع نقاشات مفتوحة واعتراضات من البعض بعدم الاحتفال به، نظرا إلى مواقفه «المعادية للسامية». في أي حال، ليس هدفي مناقشة هذه الفكرة هنا. الاحتفالات أيضا مستمرة بالذكرى المئوية الأولى لولادة جان جينيه وهي مرشحة لأن تستمر بشكل متواتر ومتصاعد، إذ يصادف هذا العام الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله.
لا تقتصر احتفالات «الخمسينيات» و«المئويات» على هذه البلدان فقط، ففي كل بلد من بلدان الغرب، نجد اليوم، من يستعيد ذكرى كبير من كبارها في مختلف مجالات الأدب والفنون. فهؤلاء لا يشكلون فقط، جزءا من ذاكرتهم الأدبية وإنما أصبحوا جزءا من ميراثهم وتراثهم الوطني، مع العلم بأن استعادة ذكراهم، لا تقع أبدا في «بلاهة التقديس»، إذ نجد العديدين ممن يقرأون أدب هؤلاء قراءة معاصرة، نقدية، تملك الكثير من نقاط الاختلاف. فهذا الاختلاف في الرأي، لا يشكل أبدا «احتقارا» ما (مثلما اعتدنا نحن، على النظر إلى مثل هذه الأمور)، بل هو الدليل الكبير على احتراك هذه الثقافة التي لا تتوقف عند نقطة معينة.
كتّاب العالم، حتى بعد مماتهم، بمئات السنين، يظلّون حاضرين في قلب المجتمع المعاصر، وعلى كافة الصعد. أسوق هذه الملاحظة، وأنا أحاول أن أتذكر مثلا، متى ولد البحتري، أو متى توفي أبو فراس الحمداني أو أيضا متى كانت آخر مرة أعدنا فيها قراءة الأفغاني قراءة جدية. أسئلة بلا أجوبة، مثل الكثير من الأمور التي تجتاحنا. حتى بعض المحاولات التي قمنا بها في هذا المجال، بقيت محاولات، اما فردية، وإما لم تؤد إلى نتيجة.
بالتأكيد نحتفل بين الحين والآخر، باسم ما، لكنها تبقى كلها مبادرات فردية، أو بمبادرات فولكلورية نمزجها بعدد من الخطب السياسية التافهة، وبعض الصور الاجتماعية في الصحف. أما الأساسي فبقي طيّ النسيان والمجهول.
لا أعرف لماذا تتحول كل أمورنا إلى توافه والى نوافل وعاديات. لسنا شعبا بلا ذاكرة فقط، بل أكثر من ذلك بكثير. نحن أناس لم نكون بعد مجتمعات حقيقية، والثقافة عندنا، بالرغم من كل الكلام الطنّان والرنّان، لم تصبح بعد جزءا أساسيا، لا من مكوناتنا الاجتماعية لا من مكوناتنا الإنسانية. فالزعيم السياسي (التافه) هو الأساس، أما الكاتب فهو «المحتقر» دوما.
لا داعي لأن نتساءل عن أسباب تخلفنا، فالقضية ليست فقط، قضية ذكرى بخمسينية أو بمئوية كاتب ما.. بل انها سؤال الثقافة برمتها..
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى