سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الأرشيف السوري المفقود: ذاكرة بين التدمير والنجاة/ سالي علي

18 أغسطس 2025

منذ آذار/مارس 2011، دخل النزاع السوري في مسار لم يمسّ جسد الوطن فحسب، بل طال ذاكرته الجمعية أيضًا. تطورت الأحداث إلى حملة ممنهجة استهدفت المكتبات، المتاحف، الوثائق، والمخزون الفكري، بل والمثقفين أنفسهم، وأصبح الأرشيف الثقافي السوري هدفًا واضحًا في محاولة لتفكيك الروابط بين السوريين وأرضهم وهويتهم.

قبل الحرب، كانت المكتبة الوطنية في دمشق (مكتبة الأسد سابقًا) تضم نحو 40,000 عنوان، مع أكثر من 13,000 مخطوط في العقود السابقة، ما جعلها مصدرًا مهمًا للمعرفة. في المقابل، ساهم المتحف الوطني في حلب بأكثر من 170,000 قطعة أثرية تغطي مراحل حضارية متعددة، من العصر الحديدي إلى الإسلامي.

كما لعبت أحياء المدن، خاصةً سوق الحميدية في دمشق، دورًا غير رسمي في صقل الوعي الشعبي، عبر تفاعل الناس مع مفكرين وشعراء من قبيل نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش، الذين رسخوا حضور الثقافة ضمن نبض الحياة اليومية

هجوم ممنهج على الأرشيف

في عام 2013، تعرض المتحف الوطني في حلب لأكبر عملية نهب في تاريخه، مع تقارير عن تهريب آلاف القطع إلى السوق السوداء. وفي مناطق مثل الرقة ودير الزور، أُحرقَت مكتبات تحوي كتبًا نادرة ومخطوطات، ضمنَ استهداف مباشر للمعرفة والتعليم.

ووفق تقارير “UNITAR” و”UNOSAT”، أثّر النزاع على 290 موقعًا تراثيًا في سوريا، منها 24 دُمرت كليًا، و104 أصيبت بأضرار بالغة، و85 بأضرار متوسطة، و77 لا تزال تتدهور. وفي مدينة حلب وحدها، تضرّر 518 مبنى تراثيًا، منها 56 دُمّرت بالكامل، و82 تضررت بشدة.

أما التهجير الثقافي، فقد أدّى إلى غياب جماعي: مؤرخون وفنانون تنقلوا في المنافي، وأصبحت ذاكرة جيلٍ ما بين السطور والظلال.

الأبعاد السياسية للتدمير وجهود الحفظ

لم تكن عملية تدمير الأرشيف الثقافي عشوائية، بل مقصودة. الهدف كان تقويض الهوية الجمعية وفتح المجال لسرديات جديدة فاقدة للعمق التاريخي. دُمّرت المساجد، المقامات، والأسواق القديمة بحجج تتعلق بالعنف العسكري، لكنها كانت في جوهرها حربًا ثقافية ضد منطق الحرية والانتماء.

وقد ردّت “اليونسكو” بمبادرات لحفظها من خلال إطلاق مشروع “الحماية الطارئة للتراث الثقافي السوري” (2014–2018)، بتمويل من الاتحاد الأوروبي (170,000 يورو)، كما قامت بإنشاء مرصد لمراقبة الدمار وتهريب القطع، وتم تدريب مهندسين سوريين في بيروت عام 2015 بالتعاون مع “ICOMOS” و”ICCROM”، لتأسيس آلية للتدخل السريع. وفي عام 2016، استضافت برلين مؤتمرًا بمشاركة 230 خبيرًا دوليًا لوضع خرائط واستراتيجيات حماية دقيقة.

على الأرض، نشأت مبادرات مثل مركز التراث الثقافي السوري في باريس، الذي عمل على تجميعِ آلاف الوثائق والصور والشهادات. كما بدأت عمليات ترميم محدودة لبيوتٍ تراثية مثل بيت أجقباش وبيت غزالة (2019–2021). وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، بدأت تدخلات أولية في تدمر وقلعة الحصن منذ عام 2021، ضمن جهود دولية ترميمية. وكذلك، ظهرت مجموعات تقنية مثل “Committee of the Blue Shield” لتقديم دعمٍ تقني مباشر لحماية المواقع المهددة.

دروس مقارنة: العراق وأفغانستان

ليست سوريا البلد الوحيد الذي خسر جزءًا كبيرًا من ذاكرته الثقافية بسبب النزاعات، فهناك نماذج سابقة يمكن أن تشكل مرجعًا عمليًا لإعادة البناء بعد الصراع. في العراق، دُمّرت مواقع تاريخية كبرى مثل نينوى والحضر، وتعرّض جامع النوري في الموصل للتهديم عام 2017 أثناء المعارك ضد تنظيم داعش.

ورغم حجم الدمار، تمكّن العراق من إطلاق شراكات دولية كبرى لإعادة الإعمار، أبرزها مؤتمر باريس في كانون الأول/ديسمبر 2017، والذي جمعَ ممثلين عن “اليونسكو”، والأمم المتحدة، ودول مانحة، بهدفِ وضع خطة شاملة لترميم التراث العراقي.

ما يُستفاد من الحالة العراقية هو أنّ الحشد الدولي لإعادة الإعمار يمكن أن يبدأ حتى قبل نهاية النزاع بالكامل، شرط وجود رؤية تنسيقية ومشاريع قابلة للتنفيذ.

أمّا في أفغانستان، فقد شكّل تدمير تماثيل بوذا في باميان عام 2001 لحظة صدمة ثقافية عالمية. وبالرغم من استمرار الاضطرابات، تمكنت منظمات دولية ومراكز بحثية، بالتعاون مع اليونسكو والحكومة الأفغانية، من إطلاق مشاريع توثيق رقمية ثلاثية الأبعاد، كما أُجريت دراسات لإعادة بناء التماثيل بأساليب لا تخل بأصالتها، مع إبقاء آثار التدمير كجزء من السردية.

الحالة الأفغانية تُظهر أنّ حفظ الذاكرة لا يشترط إعادة البناء الحرفي، بل يمكن أن يتم عبرَ التوثيق، العروض التفاعلية، والمتاحف الرقمية، مما يشكّل بديلاً ثقافيًا قادرًا على تخليد الذاكرة رغمَ استحالة الإعمار الكامل.

ما الذي نستخلصه لسوريا إذًا؟

من هاتين التجربتين، يمكن لسوريا الاستفادة من ثلاثة محاور رئيسية، أوّلها ضرورة التوثيق العاجل حتى في ظل استمرار النزاع، لأن الذاكرة لا تنتظر.

وثانيها الاستفادة من الإرادة الدولية والرغبة في المساهمة، خاصة حين تتوفر خطط واضحة ومؤسسات محلية موثوقة. وثالثها تعدد أشكال الحفظ فالتاريخ يمكن أن يُصان عبر الترميم، التوثيق الرقمي، أو حتى العروض المتحفية المتنقلة، وليس فقط بإعادة الإعمار المادي.

التعليم كجسر للذاكرة الثقافية

لعبَ النظام التعليمي السوري دورًا محوريًا في نقل الذاكرة الجمعية. المناهج كانت تقدم سرديات أدبية وتاريخية تعرف الطلاب على الحضارات المتعاقبة، من الأوغاريتية إلى العباسيين. غير أنّ الحرب مزّقت هذا الجسر، حيث تعددت المناهج  بحسب مناطق السيطرة.

في مناطق المعارضة، عُدّلت المناهج لأهداف دينية أو سياسية، بينما في مناطق النظام استمرت المناهج الرسمية في بيئة تعليمية متهالكة. أمّا في مناطق الإدارة الذاتية، فتم اعتماد مناهج باللغة الكردية ذات طابع قومي، وقد أضعف هذا التفتت الرواية الوطنية الواحدة، وكرّس هويات متباينة.

وفي مخيمات اللجوء، واجه الأطفال السوريون صعوبات إضافية، من الانقطاع عن التعليم إلى التعامل مع مناهج بلغات أجنبية. برزت بعض المبادرات مثل “المدرسة السورية الافتراضية”، و”بيت أطفال الصمود”، كمحاولات لإعادة ربط الأطفال بالتراث الثقافي. كما أطلقت منظمات مدنية برامج لتعليم القصص الشعبية والموسيقى والفنون السورية، لكنها تبقى جهودًا متفرقة، ما لم يتم دمجها في رؤية وطنية شاملة.

السوريون في المهجر: حُرّاس الذاكرة من الخارج

رغم الانهيار الداخلي، لم تنطفئ جذوة الثقافة السورية، بل وجدت في الشتات فضاءً جديدًا للبقاء. في باريس، وبرلين، وإسطنبول، وعمان، نُظّمت معارض للفن السوري، وأُقيمت عروض مسرحية وسينمائية حولَ الحرب والتهجير، وظهرت مبادرات توثيق الفولكلور السوري من طعام وغناء ولباس.

من خلال مراكز مثل “بيت القصيد” في برلين، و”الرواق” في إسطنبول، باتت الثقافة السورية في المهجر تلعب دورًا مزدوجًا: حوار مع المجتمعات المضيفة، وجسر يربطُ السوريين المشتتين ببعضهم البعض.

وقد برز دور الباحثين السوريين في الجامعات الغربية، حيث أطلقوا مشاريع توثيقية رائدة مثل “Syrian Heritage Archive Project” التابع لمعهد الآثار الألماني، ومبادرة “البيت السوري للوثائق البصرية”. هذه المبادرات تمثّل شكلاً متقدماً من الحفظ، تنتقل فيه الذاكرة من الورق الهش إلى الفضاء الرقمي.

اللافت أنَّ هذا الحراك الثقافي في الشتات بات يشكّل ذاكرة موازية، مستقلّة عن السلطة، صادقة في تعبيرها، وذات قيمة مزدوجة: “أرشفة الماضي، وبناء سردية مقاومة للنسيان”.

خارطة طريق لما بعد الصراع: نحو استعادة الذاكرة الثقافية السورية

في ظل ما خلّفته الحرب السورية من دمار ثقافي ومحوٍ لأشكال متعددة من الذاكرة الجمعية، تبدو الحاجة ملحّة لوضع استراتيجية واضحة تُفضي إلى استعادة الأرشيف السوري المفقود، ليس فقط كرمز للماضي، بل كوسيلة لبناء مستقبل وطني مشترك. فيما يلي ملامح مقترحة لخارطة طريق عملية، تستند إلى تجارب دول ما بعد النزاع، وتستلهم من الجهود السورية والدولية الحالية:

1. تعزيز السلام التشاركي وبناء سردية جامعة

يتطلب أي مسار للمصالحة الوطنية ترسيخ التعددية والاعتراف المتبادل بالهويات الثقافية المختلفة. يمكن الاستناد إلى المبادئ التي طُرحت في لقاءات مدنية سورية مثلَ اجتماع برلين 2017، والتي دعت إلى مدوّنة سلوك للحياة المشتركة، ترتكز على احترام التنوع، ونبذ الإقصاء، وتبني سرديات متعددة للذاكرة الوطنية. رغم أنّ هذه المبادرات ليست رسمية، إلاّ أنها تؤسس لنواة مجتمعية للحوار الثقافي العابر للانقسامات.

2. بناء قدرات العاملين في قطاع التراث

تُعد المؤسسات الدولية مثل “ICOMOS” (المجلس الدولي للمعالم والمواقع)، و”الدرع الأزرق” (Blue Shield) من أبرز الجهات التي توفر تدريبًا متخصصًا لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات. الاستثمار في الكوادر السورية الشابة ضمن هذا المجال ضروري لإعادة تنشيط قطاع التراث، وربطه بمفاهيم الحماية المجتمعية والاستجابة الطارئة.

3. تشجيع الحفظ المجتمعي والمبادرات المحلية

في مدن مثل دمشق، حلب، حمص، والرقة، ظهرت مبادرات محدودة لكنها واعدة، تسعى إلى إشراك المجتمعات المحلية في توثيق تراثها. يمكن تطوير هذه النماذج من خلال توفير منح صغيرة للطلبة والناشطين الثقافيين، تُدار بالتعاون مع جهات دولية مثل “Aga Khan Trust for Culture” أو مكاتب اليونسكو، من أجل تعزيز ثقافة الترميم من القاعدة المجتمعية.

4. بناء أرشيف رقمي ومتحف افتراضي سوري

في ظل صعوبة إعادة جمع الأصول المادية، تبرز ضرورة تسريع وتيرة الرقمنة. يُقترح إنشاء متحف سوري افتراضي، يضم صورًا، وثائق، كتبًا، ومقاطع صوتية مرقمنة، على أن يكون مفتوح الوصول عبر الإنترنت. يمكن الاستفادة من التجارب القائمة مثل “Syrian Heritage Archive Project”، أو “Syrian Digital Memory”، لتطوير بنية تحتية رقمية تحفظ الذاكرة الثقافية من الضياع.

5. الترميم باستخدام التكنولوجيا المتقدمة

تعتمد مؤسسات مثل “ICONEM” و”Harvard Syrian Initiative” تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد (Photogrammetry) لإعادة توثيق المواقع الأثرية كما كانت عليه. تم تنفيذ مشاريع نموذجية في مدينة حلب، حيث أُعيد بناء النسيج المعماري افتراضيًا بدقة عالية. هذه التقنيات تمثل مستقبل الترميم، لأنها تحافظ على أصالة المكان وتقلل من التدخل العشوائي.

6. محاسبة المعتدين قانونيًا على التراث

جرائم الاعتداء على التراث الثقافي مصنّفة ضمن جرائم الحرب، بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. من الضروري دعم المسار القانوني لمساءلة الجهات التي دمّرت المتاحف والمكتبات أو نهبتها، كجزء من العدالة الانتقالية ورفض الإفلات من العقاب.

7. تحويل التراث إلى رافعة للتنمية المستدامة

يجب إعادة النظر في دور التراث بوصفه مصدرًا اقتصاديًا مستدامًا، وليس عبئًا ترميميًا. يمكن تفعيل مواقع تم ترميمها لاستقطاب السياحة الثقافية، بالتوازي مع إنشاء مشاريع صغيرة يديرها أبناء المناطق المتأثرة. هذا الربط بين التراث والتنمية يعزز الشعور بالملكية المحلية ويدفع الشباب نحو الانخراط في حماية تراثهم.

إنّ ما خلف الأزمة السورية ليس فقط ركام مدن وخرائط ممزقة، بل فقدٌ أعمق لذاكرة وطنية كانت تشكّل نسيج هوية جماعية عابرة للأديان والطوائف والمناطق. الأرشيف الثقافي، بما يحمله من رموز وصور ونصوص وتاريخ، لم يكن ضحية جانبية للحرب، بل كان هدفًا في معركة سرديات. ولذلك، فإنّ إعادة بنائه ليست رفاهًا ثقافيًا أو شغفًا نخبوياً، بل ضرورة وجودية واستراتيجية لبقاءِ المعنى السّوري نفسه.

إن أمة بلا أرشيف هي أمة معرّضة للانقراض الرمزي، للعيش في الحاضر فقط، بلا امتداد أو جذور. والمقاومة الحقيقية، وسطَ هذا الخراب، تبدأ بالكلمة، بالصورة، بالتوثيق، بالقصص التي تنجو. تبدأ من التمسك بالذاكرة لا كماضٍ نوثقه فقط، بل كمستقبل نبنيه. واليوم، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على الذاكرة ذاتها ولهذا، فإنّ المهمة الأساسية هي أن نكتب، نُرمم، ونُعيد إحياء “ذاكرة بلا أنقاض”.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى