تهامة الجنديمقالات منشورة

يوسف عبدلكي في عتمة الزنزانة

تهامة الجندي
على أحد حواجز الرعب، التي تملأ أرجاء سوريا، ألُقي القبض على يوسف عبدلكي، واقتيد إلى جهة مجهولة، مساء الثامن عشر من تموز الجاري…آلمني الخبر كثيرا، ولم يفاجئني، بل إن بقاءه طليقا حتى ذلك التاريخ هو ما كان يثير استغرابي، فقد علّمنا نظام البعث الدرّس جيدا، كل رأي حر هو تعبير عن الانغماس في مؤامرة كونية تُحاك ضد وطن الممناعة، وكل معارض هو عميل يستحق الاعتقال أو الاغتيال في عرّف “قانون الطوارئ”… العنف، سيما ضد المثقف المعارض، كان دوما الأسلوب المفضل لكمّ الأفواه، شرذمة المعارضة وتشريد المعارضين خارج الحدود في بلد الحزب الواحد وسلطة الأبد…
درس حفظه السوريون عن ظهر قلب منذ أربعين عاما، وحين نادتهم الحرية، وكسروا جدران الخوف والصمت قبل أكثر من عامين، صار الدرّس أكثر ضراوة ووحشية، تحديدا إزاء أولئك المثقفين الناشطين الذين أسهموا بإيصال صوت الثورة السورية إلى الفضاء العالمي، وشاركوا بصياغة وجهها الحضاري الجميل في عيون الآخرين… شهدنا اقتلاع حنجرة المغني إبراهيم القاشوش، تكسير أصابع فنان الرسوم الساخرة علي فرزات، استشهاد المخرج التسجيلي باسل شحادة والإعلامي تمام العوّام، اعتقال المسرحي زكي كورديللو، وفاة التشكيلي وائل قسطون والشاعر إياد شاهين تحت التعذيب… والقائمة تطول، وتضم مئات الأدباء والفنانين، ممن لم يحملوا السلاح قط، ولم يهادنوا الإرهاب في يوم من الأيام، بل كان جميعهم من غواة الحراك السلمي بأرقى أشكاله، ومن طلبة مجتمع مدني تسوده الحقوق والديموقراطية، فكيف لفنان بقامة عبد لكي، انخطر في الحراك الثوري منذ بدايته، أن يبقى خارج دوائر الجحيم التي ابتُكرت خصيصا لأمثاله من المشاغبين؟!
سوف يُلقى وراء القضبان، في عتمة الزنزانة، ولن تشفع له سنوات عمره التي جاوزت الستين، وشهادته الجامعية من كلية الفنون الجميلة بدمشق، وأطروحة الدكتوراه التي قدّمها في باريس، ودراسته في تاريخ الكاركاتير العربي… لن تشفع له تجربته الطويلة، المتعددة الوجوه في التصوير والحفر والرسوم الساخرة ورسوم الأطفال، لوحاته المقتناة في متاحف العالم، معارضه الفردية الثلاثون التي لاقت إعجاب النقاد والمشاهدين… لن تشفع له معارفه من مختلف الجنسيات، ممن أحبوه واحترموا مواقفه وفنه… لا وزن لمثل هذه “الترهات” في قاموس القمع.
سوف تلسعه سياط الجلاد، لن تشفع له ابتهالات أمه الأرمنية، الناجية من مذابح الأتراك، وهي ترقب عذابه من قبرها… لن تشفع له سجنه في مقتبل شبابه متلبسا بتهمة الانتماء لرابطة العمل الشيوعي، أو رفضه للجنسية الفرنسية طيلة خمس وعشرين عاما من منفاه في باريس، انتصاره في معركة الحب، وعودته إلى دمشق عام 2005 التي كانت أشبه بعرس جمع كل المعارضين العلمانيين، ومن ثمة إقامة معرضه بالتزامن مع عيد الشهداء… لن يشفع له تمسكه بسلمية الثورة ورفضه لأي تدخل أجنبي، انهماكه بالفن وتوقيع البيانات، على الرغم من حرمانه الحصول على جواز سفر سوري، ومنعه من مغادرة الحدود. لقد أسرف عبد لكي في الكبرياء والمراكمة على تاريخ النضال، الذي احتكرته السلطة لحسابها الخاص، والجميع متساوون أمام قانون البطش.
كان الفن وسيلته السحرية للتعبير عن موقفه الرافض لكل أشكال التسلّط وتهديد حرية الإنسان. وكانت الثورة حلمه، وشرطه لإعادة التفكير بواقع الحياة والإبداع. سره الكامن خلف كل الانقلابات التي اجتاحت لوحته، وهي تعبر محطاتها المختلفة، منذ أن ظهر اسمه أوائل سبعينات القرن العشرين وحتى اعتقاله قبل أيام. انقلابات التشكيل والتلوين وصفها الشاعر الفرنسي ألان جوفروا بقوله: “يوسف عبدلكي مراقب كبير للظواهر الحية، حفار دقيق وصارم ومنهجي، لكنه أيضا شاعر بالصور … وقد قدّم في البداية مجموعات بشرية برؤوس قاتمة، ممثلين يبحثون عن مؤلف، كما هي شخصيات بيرانديللو، كان يسجلّهم في الليل، ليل رهيب الحلكة يحتله الموت والوحوش .. تلك كانت “ملهاته الإنسانية” ملهاة مأساوية لم يُقصَ عنها أبدا لا التشويه ولا الهزء، شيئا فشيئا اختفى الأشخاص، ومن قلب الليل ذاته بزغت حيوانات ونباتات، حضورها طاغ لدرجة يخيل لنا أننا نلمسها بعيوننا … “لا واقعية قصوى” لا بل ولا حتى “واقعية” بالمعنى التقليدي للكلمة، كل شيء يجري كما لو أن عبد لكي بكل خط يرسمه يعيد ابتكار الطبيعة، ويؤلف بعناية وتمهّل موسوعة ما للظواهر الطبيعية .. كل شيء محكوم بالموت وبالتلاشي، ولكن كل شيء يمكن أن يُنقذ ولو من طوفان..”.
تجاربه منذ أواسط التسعينات دخلت عالم الأشياء البسيطة، محاولة استنطاق الجمال في كل ما تختزنه من تشابكات وتوتر مع المحيط، جمال خاص يحتفي بالمفردات المنسية بين الظلال وعلى قارعة الهامش: غصن شجرة، وردة غافية في الإناء، أقداح، رأس سمكة، حذاء وجمجمة… ومفردات الهامش تستقر في بؤر لوحات كبيرة، هي أشبه بجداريات تدعوك للولوج في عالمها المشغول بالفحم وتدرجات الرماد، والرماد لون القلق، ولون البدايات والنهاية والرجوع، وفي الحين الذي نحاول فيه فتح النوافذ على الأمل، كان يوسف يغلق الفضاء تماما على الخواء والعدم، وفي حين نبحث عن النور وتعدد الألوان، كان يبحث في الظلام حيث الدلالات تشعّ من كينونة الموجود.
أثناء الثورة اعتلت مساحة اللوحة مفردات القتل اليومي، ودخل النزيف القاني فضاء الرماد: رجل أصابه رصاص القنّاص، أم تبكي ولدها الشهيد، رأس قطعه السيّاف، ساعد مبتور مازال يتحدى الطغيان، أيد مكبلة. عتمة موصدة الجهات، تتكاثف في محّرقها صور الغياب، ومن تفاصيل القسوة ينساب الجمال حزينا وموجعا. ينفتح المشهد الدامي على الأسئلة والدموع. لماذا كان علينا أن نرى الشموس تُعّدم في ساحاتنا قبل بزوغها، أن نتجرع كأس الألم حتى الانطفاء، كي تشتعل مفرداتنا المحفورة على جدران الزنازين؟ لماذا كان علينا أن نتبدد في سراديب الظلام، ونتبعثر في جهات الأرض، كي تورق زهرة محاصرة بكل السموم؟ هل هو ثمن الحب، أم استحقاق الأحقاد التي خطّت تاريخ الهزيمة والقهر…؟

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى