تداعيات القرار الصادر عن إدارة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والذي يقضي بمنع طلاب السنة الأخيرة من الاعتماد على الموديل العاري

————————–
“تجمع التشكيليين السوريين المستقلين”.. بيان لمواجهة المنع
20 اغسطس 2025
في إطار ردود الفعل على القرار الصادر عن إدارة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والذي يقضي بمنع طلاب السنة الأخيرة من الاعتماد على الموديل العاري في مشاريع تخرجهم، أصدر “تجمع التشكيليين السوريين المستقلين”، بياناً يدعو الفنانين والمثقفين إلى مواجهة التعدي على حرية الفنانين طلاباً وأساتذة ومحترفين.
وأكد الفنانون في بيانهم، أن رسم الجسد الإنساني مادة أساسية في دراسة الفنون التشكيلية حول العالم، وأن إلغاءها يعادل إلغاء مادة النحو لطلاب الآداب. وذكّروا بأن هذا التمرين الأكاديمي أُدرج في مناهج الكلية منذ تأسيسها عام 1961، قبل أن يُقيد تدريجياً في ثمانينيات القرن الماضي من دون صدور قرار رسمي، في سياق مسايرات سياسية آنذاك.
وجاء في البيان الصادر عن تجمع التشكيليين السوريين المستقلين، أن “السلطات المؤقتة تريد إرجاع سورية الى عصر الظلمات”. ودعا التجمع طلاب الفنون وأساتذتها، ومعهم المثقفون السوريون، إلى الوقوف بحزم في مواجهة التعدي على الحقوق الأكاديمية والفنية، محذّرين من أن الصمت على خطوة كهذه يفتح الباب لمزيد من القيود التي قد تطاول مختلف مجالات الثقافة.
كذلك اعتبر التجمع في بيانه، أن القضية أبعد من مجرد منع الموديل العاري، إذ تمسّ المنهج التعليمي بأكمله، وتكشف عن توجه لتقييد حرية التعبير الفني. وختم البيان بالقول: “إن السكوت عن هذا القرار عار على الثقافة والمثقفين في سورية”.
وقبل ذلك، كان تجمع “حراك طلابي” قد أصدر بياناً اعتبر فيه القرار “انتهاكاً للحرية الأكاديمية ومساساً باستقلال المناهج وتشويهاً لبنية العملية التعليمية”. وطالب البيان الطلابي عمادة الكلية بالتراجع الفوري عن القرار وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي، مؤكداً أن الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها طلاب الكلية داخل ممر الإدارة، الاثنين الماضي، “حق مشروع وممارسة مدنية سلمية تعكس وعي الطلاب بمكانتهم ورفضهم أي مساس بالحرية الأكاديمية”.
يذكر أن “تجمع التشكيليين السوريين المستقلين” كيان مهني مستقل، أعلنته مجموعة من الفنانين التشكيليين السوريين مطلع عام 2012، وجاء في بيان تأسيسهم آنذاك: “رفع راية حريّة الإبداع وحرية الرأي، واستقلالهما عن كل سلطة”.
—————————-
ليس موديلاً عارياً، هذا أولاً…/ نوار جبور
21 آب 2025
لم يكن مفاجئاً قرار عميد كلية الفنون الجميلة في دمشق، فؤاد الدحدوح، بمنع استخدام الموديل العاري في مشاريع التخرج كالنحت والتصوير والطباعة، إذ تتجه البلاد إلى استحواذات أخلاقية دينية أكثر فأكثر، تبدأ من اللباس على الشواطئ والبحر وتنتهي في الجامعات والفنون. ضبط الجسد السوري يجري توثيقه بلا قرارات أيضاً.
السلطة ترى في الجسد فضيحة مستمرة، وكأن كشف الجسد تهديد لبُنية رمزية للإسلام، وهذا يجري توثيقه داخل الثقافة اليومية على هيئة استجابة قسرية، حيث يُزرع في اللاوعي الجمعي شعور بالذنب والمسؤولية تجاه الاقتراب من الجسد بوصفه منطقة خطرة. ويصبح الجسد محاطًا بحراسة مزدوجة: حراسة خارجية بالقرارات والتعميمات، وحراسة داخلية تنغرس في نفس الفرد على شكل رقيب داخلي حذر ومُرتاب. هذه الثنائية تجعل من أي تعبير فني يتناول الجسد، محاولة محفوفة بالذنب والخوف، وتحوّل الفن من مساحة تحرر إلى مساحة اختبار ولاء للأخلاق الرسمية.
بالأصل، تبدو كلمة عُري الواردة في نص القرار مُشينة في حد ذاتها، إذ تحمل دلالات مرتبطة بالعار والفضيحة وكشف المُحرَّم، من دون أي صلة بالمعرفة أو الجمال. ففي التقليد الغربي، الكشف عن الجسد يُفهم في إطار Nudity، أي انكشاف الجسد بالمعنى الجمالي والروحي، لا بوصفه تعريًا جنسيًا، بل باعتباره انفتاحًا على الجمال. أما كلمة عُري في النص، فهي مثقلة بحمولة أخلاقية ودينية لاذعة، لا علاقة لها بالمعنى الفني أو الجمالي أو الفلسفي. هكذا يتحول الجسد من مادة للتعبير والمعرفة إلى مجرد فضيحة يجب سترها.
الجسد العاري في الفن يوازي أن تقرأ نوتة موسيقية من دون الاستعانة بأي آلة: هو أبجدية بصرية لتعلّم الإنسان ذاته. مركزية الإنسان في الفن واحترام نسبته وحركته وانفعاله، هي المعلم الإنساني نحو إثبات الأسمى، نحو الإلهي نفسه، كالاستعانة ببرهان الشكل لإثبات وجود الخلق. هنا يكتمل برهان الشكل، إذ يصبح الجسد دليلاً على التوازن بين الروح والمادة، وإثباتًا لقدرة الإنسان على حمل الروح في انسجامه وانفعاله وتجسداته الوجدانية ضداً للفوضى والفهم المادي الصرف. ومن هذه النقطة، فإن أخلاقية الجسد ليست في ستره بل في إدراك أنه حامل للروح، وأن انسجامه وتوازنه هما الضابط الحقيقي لأخلاقيته. لذا فإن استخدام كلمة عُري بالمعنى العربي في نص القرار هو إهانة أخلاقية وجمالية لتاريخ الفن، وطمسٌ لمعناه الروحي، ومساواة تعسفية بين العار والأخلاق في كلمة واحدة.
في كتاب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي” لمايكل كوك، بترجمة رضوان السيد، تُجمَع أدبيات الإخوان المسلمين السوريين التي فاضت بالموانع الأخلاقية والدينية، مركّزة على رفض فكرة الجسد وضرورة ستره، وممتدة من لباس المرأة إلى الفنون نفسها داخل الجامعات. هذه الأدبيات شكّلت خطابًا متصلبًا ضد أي حضور للجسد في المجال العام.
ورغم أن حافظ الأسد لم يستجب لكثير من مطالب الإسلاميين حول تقييد حضور المرأة في السينما والتلفزيون والأماكن العامة، إلا أنه استجاب سريعًا لمطلب مواجهة الجسد العاري في كلية الفنون. فالمرأة في التلفزيون والمسرح والسينما يمكن توظيفها سياسيًا كرمز للانفتاح والحداثة التي أراد الأسد تسويقها للداخل والخارج، أما الجسد الفني العاري فلا يحمل أي منفعة سياسية، بل يثير حرج المواجهة مع التخيلات الجنسية والهواجس الاجتماعية والدينية، ما يجعله فضيحة محتملة أكثر من كونه مادة تعليمية. لذلك كانت الاستجابة لضغط الإسلاميين في هذا المجال سهلة ومُجدية: قرار يمكن تمريره داخل الجامعة بأقل كلفة سياسية، ويُقدَّم في الوقت نفسه كـ”تلبية للأخلاق العامة”.
بذلك، فإن القرار الأخير ليس جديدًا بقدر ما هو توكيد لموروث رقابي قديم، غير أن إعادة طرحه اليوم أثارت ريبة كبيرة. فالهجوم العلني من الفنانين على القرار اعتبره نكسة للفن وللتعليم الأكاديمي، مما دفع عميد الكلية نفسه إلى تعديل صياغة البيان عبر صفحته في “فيسبوك”، موضحًا أن المنع يقتصر فقط على “الموديل العاري” في الممارسة التعليمية، لا على عرض اللوحات العارية في المعارض، في محاولة لامتصاص الغضب.
وبما أن القرار قديم ووليد السنوات الأولى من عمر الكلية منذ تأسيسها، فما معنى هذا التوكيد اليوم؟ إنه ليس مجرد إجراء إداري، بل تعويض عن غياب العدالة والإنجاز السياسي. الرسالة التي يُراد إيصالها واضحة: لا عدالة انتقالية، لا تعويض للضحايا، لا إصلاح سياسياً، لكننا في المقابل نحمي “الأخلاق” والدين.
إنها استعادة لقرار رقابي من زمن سابق، تم إدخاله في الحاضر وتوكيده من جديد، ليعمل كجزء مما يمكن تسميته بالاقتصاد الرقابي-العقابي: إعادة تفعيل أدوات قديمة للرقابة بدلاً من إنتاج أدوات جديدة، واستعارة من الماضي لتأكيد السيطرة في الحاضر. بهذا الشكل، لا تُقدّم السلطة أي إنجاز سياسي أو اقتصادي، بل تكتفي باستعراض قدرتها على الرقابة بوصفها “إنجازًا مستمرًا”، وكأن الماضي نفسه يُعاد فرضه كحاضر دائم.
في اتصال أجرته “المدن” مع عشرة فنانين سوريين، مقيمين في الداخل والخارج، أكدوا أنهم كانوا يحصلون بطرق سرية على “موديل عارٍ”، وأن المشرفين الأكاديميين كانوا يعرفون بذلك ويتغاضون عنه. هكذا نشأت في سوريا ما يمكن تسميتها ثقافة المقاومة الصامتة: تجاوز هادئ للسلطة، لا بحثًا عن فضيحة، بل بحثًا عن منهجية غربية في التعلم، واتساق مخيالي للفنانين، ومحاكاة وجودية للإنسان في معرفته لجسده ورسمه وضبطه.
لكننا لا نعرف اليوم مدى قسوة هذه المقاومة في ظل الرقابة الجديدة. فمن الجنون أن نتوقع، بعد خمسين عامًا من حكم الأسد الذي قدّم نفسه كحامٍ للأخلاق الإسلامية، أن يتقبل المجتمع فكرة وجود “موديل عارٍ” لأغراض فنية. فالمجتمع الذي عاش نصف قرن تحت وصاية أخلاقية صارمة، ومع سلطة تتشدد دينيًا بشكل متزايد، أصبح يحمل في داخله رقيبًا أشد قسوة من أي قرار إداري.
ليس بعيدًا ممّا يجري في دمشق، فقد قررت السلطات الإيطالية العام 2016، وخلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى روما، تغطية التماثيل العارية في متحف الكابيتوليني بصناديق خشبية بيضاء، بدعوى “احترام الحساسيات الثقافية” للوفد الإيراني. كان ذلك إذعانًا ثقافيًا يمسّ القيمة الفنية والروحية، ويكشف ثقافة تخشى تمثالًا أو جسدًا.
وفي سوريا اليوم، لا يختلف المشهد كثيرًا: فالسلطة الجديدة تُعنى بالأخلاق بالقدر نفسه، لكن لا لمصالح اقتصادية أو سياسية كما فعلت إيطاليا، بل كتعويض عن فشلها في بناء معية سياسية، وعن غياب العدالة للضحايا، والمشاركة السياسية، وتحرير الإنسان الفرد. وهكذا يُستعاض عن السياسة والعدالة والحرية بأخلاقيات دينية ويومية خانقة. الثقافة تبقى في موضع حرج، خصوصاً في مواجهة فكر إسلامي يتموضع حول أخلاقيات تنسكب على الجسد باستمرار.
وما يعيب القرار الأخير أنه صدر عن فنان تشكيلي لم يحاول حتى أن يجد مصطلحًا أكثر دقة أو إنصافًا. وحتى لو كان القرار متوارثًا من زمن سابق، فإن التعديلات التي أجراها عميد الكلية عبر صفحته في “فايسبوك” بدت وكأنها ردٌّ عاميّ وسريع، يفتقر إلى إدراك خطورة المواجهة وعمق الفهم المطلوب لما يجري في ساحة الفن والثقافة. إن صدور تعديل القرار عبر “فايسبوك” بدلاً من بيان مؤسساتي رسمي، يكشف هشاشة السلطة الثقافية، وكأن الأكاديميا صارت تُدار بالعامية الرقمية لا بالمسؤولية الفكرية. وهذه الطريقة نفسها تعكس تسييل الرقابة من المؤسسات الرسمية إلى لغة الحياة اليومية، بحيث تصبح الأخلاق المراقِبة جزءًا من تفاصيل العيش العادي أكثر مما هي قرارًا أكاديميًا يُناقش بجدية.
إنها رؤية إسلامية يُجرى احترامها وتبنّيها، في ظل ثقافة مفاهيمية منحسرة يومًا بعد يوم. الجسد المتاح للتعليم والحرية بات إشكاليًا ومراقبًا، وليست السلطة الجديدة اليوم غريبة عن المجتمع السوري، الذي يُكتب له أن ينضبط، لا أن يفهم ويزداد فهماً. حتى العميد نفسه يرسم لوحات قد لا تحمل إتاحة أخلاقية من السلطة السورية الجديدة، ولذلك سارع إلى الفصل بين “الموديل العاري” و”الجسد العاري”. لكن الفنانين السوريين قلقون من تمدد هذا الضبط شيئًا فشيئًا من الجسد إلى المجتمع كله، إذ ستصبح ريشة الفنان ولونه تحت رقابة ما، لا سيما أن استعادة أدبيات “الإخوان” في السبعينيات والثمانينيات تبدو اليوم مقلقة أكثر من أي وقت مضى.
المدن
———————————
علامة صفر لمن يرسم موديلا عاريا في كلية الفنون الدمشقية/ سامر محمد إسماعيل
قرار من العمادة يمنع الطلاب من رسم لوحات الموديلات والطلاب والفنانون ينظمون تحركا
الأربعاء 20 أغسطس 2025
أثار قرار عميد كلية الفنون الجميلة في دمشق بمنع الموديل العاري في مشاريع التخرج موجة جدل وانتقادات، لاعتباره مساساً بحرية التعليم الفني وتناقضاً مع تاريخ الكلية وأعمال العميد نفسه. طلاب وأساتذة وفنانون اعتبروا القرار تضييقاً جديداً على الحريات الأكاديمية، وسط دعوات للتراجع عنه وصون استقلالية المناهج.
أثار قرار لعميد كلية الفنون الجميلة في دمشق فؤاد دحدوح عاصفة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وجاء في نص قرار دحدوح بأنه “يرجى المتابعة والإشراف على أعمال التخرج بما يتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية”، وتابع “عدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أقسام النحت والتصوير والحفر، وأي مخالفة ينال الطالب عليها علامة الصفر”. القرار الذي جاء كجواب لعميد الكلية على حاشية لمعاون وزير التعليم العالي، فتح الباب مجدداً على سؤال حرية التعبير واستقلال عمل الأكاديميات الفنية، وسط مخاوف من التضييق أكثر فأكثر على كل ما يتصل بالحركة التشكيلية في البلاد.
اللافت في أمر هذا المنع أن قرار فؤاد دحدوح جاء متناقضاً حتى مع طبيعة أعماله الفنية التي حققها هو نفسه، سواء في النحت أو التصوير منذ تخرجه عام 1981، وتناولت معظمها موضوع العري لا سيما توظيفه لجسد المرأة في تلك الأعمال، مما فاقم من ردود فعل قاسية إزاء قرار العميد حتى من زملاء له في الوسط التشكيلي، إذ كتب الفنان عبدالله صالومة، وهو مدرس أيضاً في الأكاديمية الدمشقية، ويحمل شهادة دكتوراه في اختصاص الفن من جامعة لوميير ليون الثانية في فرنسا، “يرجى السماح بتزويد كلية الفنون الجميلة بعدد من الإماء للعمل كموديل حي عاري الصدر، وذلك لكون عورة الأمة من السرة إلى الركبة، وذلك لحسن سير العملية التدريسية”.
الفنان بطرس المعري، وكان عمل مدرساً أيضاً في الكلية الدمشقية، كتب هو الآخر على صفحته في “فيسبوك” ينتقد قرار زميله دحدوح، “هالتني بعض التعليقات من قبل خريجين يمارسون الفن من تصوير ورسم ونحت، وغالب هذه التعليقات تحاول التذاكي في الدفاع عن قرار العميد، وأمرها بالطبع مفضوح لأي قارئ يحمل الشهادة الابتدائية. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، نقول إن أهمية تعليم تشريح جسم الإنسان بالنسبة إلى الفنان هي كأهمية تعليم الأبجدية لطالب علم اللغة، هي أساس البناء، وهذا بديهي لمن يريد أن يعمل العقل ’بفرنكين’ في تفكيره”.
وتابع المعري الذي يقيم في ألمانيا قائلاً “العدول عن القرار لن يقوض أركان الحكم، ولا أركان الدين. الأمر هو باختصار إما أن نقدم العلم كما يقتضي أو لا، أما عن حرية الطالب في ما يقدمه من عمل، فهذا يعود إلى هامش الحريات في البلد ككل، ولا علاقة له بقرار الدكتور دحدوح، أو بقرار من سبقه من قرارات وتنبيهات مشابهة. قرأت منشوراً قبل قليل لعميد الكلية، مما ذكر فيه أن أهالي الطلاب طلبوا عدم التعامل مع الموديل العاري، فكان القرار استجابة لطلباتهم. وفي الحقيقة أجد شخصياً توقيع القرار أخف وطأة علينا من هذا التبرير”.
حراك طلابي
وما هي سوى ساعات على صدور القرار، حتى أصدر تجمع “حراك طلابي” بياناً بخصوص قرار كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، ومما جاء فيه “إننا في الحراك الطلابي نرى أن هذا القرار انتهاك للحرية الأكاديمية، ومساس باستقلال المناهج، وتشويه لبنية العملية التعليمية ذاتها، فمنذ أكاديميات عصر النهضة وحتى مدارس الفنون المعاصرة، كان رسم الجسد العاري حجر الأساس في تعليم الفنانين، لأنه يجمع بين الصعوبة التقنية والعمق التعبيري. إن حذف هذه الركيزة من التعليم الفني لا يعني حماية قيم، بل يعني ضرب جوهر المعرفة البصرية، وإفراغ المناهج من مضمونها العلمي والجمالي، وعزل الجامعة عن سياقها الأكاديمي، والجامعة فضاء مستقل لا وصاية عليه، والمناهج التعليمية ليست مجالاً للقرارات التعسفية، أو التهديد بالعقوبات، بل هي مسار معرفي يملكه طلابها وأساتذتها”.
وطالب البيان الطلابي عمادة كلية الفنون الجميلة بالتراجع الفوري عن قرارها، وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي وكلية الفنون، تأكيداً على ضمان الحرية الأكاديمية والاستقلال التعليمي، وعلى أن العلاقة بين الطالب والأستاذ تقوم على الشراكة لا على التهديد، وأكد البيان أن الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها طلاب الكلية داخل ممر الإدارة، الإثنين الماضي، هي حق مشروع وممارسة مدنية سلمية، تعكس وعي الطلاب بمكانتهم، وتعبر عن رفضهم أي مساس بالحرية الأكاديمية، فصون هذه الحق وحمايته هو واجب على كل إدارة جامعية، وهو الطريق الوحيد للحفاظ على فضاء جامعي حر، إن الجامعة التي تدار بالعقوبات والوصاية تفقد معناها، وموقفنا اليوم ليس مجرد اعتراض على قرار، بل هو تثبيت لمبدأ أساسي، لا جامعة بلا حرية، ولا تعليم بلا استقلال أكاديمي”.
ولا يعد إلغاء الموديل العاري من كلية الفنون الجميلة في دمشق بجديد، إذ إن النظام البعثي كان قد وجه عبر توصيات شفهية بإلغائه منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك نزولاً عند رغبة المشايخ ووزارة الأوقاف، وقد كان كثير من السيدات حتى نهاية الثمانينيات يعملن موديلات حية مأجورة لفنانين وطلاب كلية الفنون، ومن أشهر من عمل في هذا المجال الممثلة نبيلة النابلسي (1949-2010)، ومع بداية التسعينيات استعيض عن الموديل الحي برسم الطلاب تماثيل عارية لفينوس ورامي القرص ونيرون، ولم يكن ممنوعاً على طلاب التصوير والنحت والحفر آنذاك أن يختاروا مشروع تخرجهم كما يشاؤون، وأن يرسموا ما يشاؤون، لكن كان ممنوعاً على الطالب أن يستخدم الموديل العاري الحي بجميع الأقسام داخل الكلية.
وقد درجت كلية الفنون الجميلة في دمشق منذ تأسيسها عام 1960 بتعليم الطلاب الرسم والتصوير والنحت استناداً إلى موديلات عارية، وقد أشرف كثير من الأساتذة المصريين والأجانب زمن الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961) على دراسة الموديل الحي للرجال والنساء، ومنهم الإيطاليان جنتليني وغيدو لاريجينا، وقد تأثر كثير من الفنانين السوريين بهذا الأسلوب ومنهم محمود حماد ولؤي كيالي، ويتحدث أحد أساتذة كلية الفنون لـ”اندبندنت عربية” (طلب عدم ذكر اسمه ويقول: “اختفى الموديل العاري تباعاً من كليات الفنون العربية من السودان فمصر، وبعدها سوريا بفعل نمو الحركات الأصولية في المنطقة، واستناداً إلى نصوص تحرم التشخيص، ومع أن ظهور التشخيص العاري يعد من المواضيع النادرة في التصوير الإسلامي في القرون الأولى لمجيء الإسلام، إلا أن ذلك يناقض ما عثرت عليه البعثات الأثرية الأجنبية في حمامات قصير عمرة الأموية (الأردن حالياً)، التي اشتملت على لوحات تمثل تشخيصات لنساء وأطفال عراة أو شبه عراة نفذت بأسلوب واقعي مليء بالحركة والحياة”.
أسلوب النحت
ويتابع أستاذ التصوير حديثه بالقول، “ويقدم أسلوب النحت الذي حفلت به قصور الخلفاء الأمويين، وبخاصة في قصر الحير الغربي وخربة المفجر فكرة واضحة عن مبادئ الفن العربي التي ظهرت في عهود سابقة للإسلام، والتي تحيل برؤية ذاتية ونوع من النمطية، ويمكن تقسيم المنحوتات التي امتاز بها قصر الحير الغربي إلى نوعين: نحت زخرفي بارز أو مفرغ بصور نباتية وهندسية مجردة تعد البداية لما سمي النقش العربي (الأرابيسك)، والنوع الثاني هو النحت التشخيصي التشبيهي، ومن أهم اللقى النحتية التشبيهية تمثال شخص يعتقد أنه للخليفة هشام بن عبدالملك، وتمثالان أحدهما رجل مضطجع تجلس إلى جانبه امرأة في وضع يشبه أوضاع التماثيل النذرية الجنائزية في تدمر”.
ولا يعد التشخيص والنحت التجسيدي غريباً عن سوريا، فلقد قدمت مواقع أثرية منها أوغاريت ودورا أوروبوس وتدمر عشرات اللقى الأثرية لتماثيل ومنحوتات وجداريات تعكس خبرة الفنان السوري عبر الأزمنة في مجال التشخيص، وهناك كثير من هذه المنحوتات اليوم موجودة في كل من المتحف الوطني في دمشق وحلب، ومنها نحت جداري من الجص وبالحجم الطبيعي للخليفة عبدالملك بن مروان راكباً على فرسه، وهذا يدل على أن الخلفاء الأمويين لم يمنعوا التشخيص إذا كان بداعي التجميل لا التقديس والعبادة.
—————————
عن الفنّ والحرية/ رشا عمران
22 اغسطس 2025
رغم أن الأجساد العارية في لوحة الحساب الأخير لمايكل أنجلو، المرسومة على جدار هيكل كنيسة سيستينا في مدينة الفاتيكان، تمثّل الأرواح الملعونة التي أراد أنجلو إظهارها مذلولةً ومذمومةً عبر رسمها عارية، فإن هذا الجزء من اللوحة الشهيرة بقي وقتاً طويلاً محلّ أخذٍ وردّ في أدبيات الكنيسة الكاثوليكية التي كان بعض كرادلتها يرون أن إظهار الجسد العاري في الكنيسة أمر مشين للكنيسة ومهينٌ لها، بينما رأى آخرون أن المعنى في العري معنىً إنساني، وليس إغوائياً كما يحاول بعضهم إظهاره. انتصرت إرادة الحرية في النهاية، وانتصر الفنّ على التطرّف والانغلاق، وبقيت اللوحة دليلاً من دون أي تعديل عليها.
يحفل التاريخ البشري بمحاولات متواصلة للحدّ من حرّية الفنون، ولجعلها خاضعةً لإرادة السلطات السياسية والدينية والمجتمعية، ودائماً كان الفنّ المنتصر أخيراً، رغم لوائح المنع والمصادرة. ففي ألمانيا النازية اشتهر مصطلح “الفنّ المنحطّ”، اللقب الذي أطلقه هتلر على الفنّ الحديث، وكان القصد منه إهانة الفنّ التجريدي والسوريالي الذي لا يتماشى مع الأيديولوجيا النازية المحافظة. الفنّ التجريدي اليوم أحد أكثر المدارس الفنّية أهميةً. نُفي مارك شاغال (الفنان الروسي الشهير) من الاتحاد السوفييتي في عام 1922، وعاش في فرنسا حتى نهاية حياته، لأن أعماله صنّفت معاديةً للخطاب الرسمي للدولة، ومثله كثر من الموسيقيين والكتّاب السوفييت الذين ضُيِّق عليهم بسبب اختلاف أساليبهم الفنّية والأدبية عن الواقعية الاشتراكية التي أرادت الحكومة تكريسها هُويَّة نموذجية للاتحاد السوفييتي. لم يظهر الجسد العاري في الفنّ الغربي أداةَ غواية، حتى إن تمثال أفروديت، إلهة الحبّ والجمال، الذي نحته الفنان براكستيلس (القرن الرابع قبل الميلاد)، اعتبر بمثابة تحفة فنّية تدلّ على هُويَّة زمنه، ولم يحطّم في أيّ مرحلة من التاريخ، وما زال معروضاً في متحف اللوفر في باريس.
في زمن الخلافتين، الأموية والعباسية، ظهرت كثير من رسوم الأجساد العارية في قصور الخلفاء، ولعلّ أشهرها رسم الراقصة العارية على جدار في قصر عمرة، الذي شيّد في عهد الخليفة الأموي الوليد بن يزيد. أمّا الكتب عن الجنس التي ظهرت في هاتين المرحلتَين فحدّث ولا حرج؛ يكفي للدلالة على ذلك “ألف ليلة وليلة” في نسخته الأصلية، التي نقّحت في العصور الإسلامية الحديثة، وكان التنقيح يعني حذف الألفاظ والمشاهد الجنسية من الحكايات، بينما كان الكتاب الأصلي (هناك نسخة من أربعة أجزاء صدرت عن مطبعة بولاق بلا تنقيح) يعجّ، لا بالمشاهد والمفردات الجنسية وحسب، بل أيضاً بالرسومات المرافقة التي تُظهر الأجساد العارية للنساء والرجال معاً. كتاب ألف ليلة وليلة بقي واحداً من أهم كتب التراث العربي الإسلامي الملهم لكثيرين من الكتّاب والروائيين في العالم.
يتعامل المحافظون مع الجسد الإنساني بوصفه مصدر الشهوة (خصوصاً الجسد الأنثوي)، ورغم أن الشهوة والغواية جزآن رئيسان من أسطورة الخلق الدينية، فيُنظر إليهما اجتماعياً ودينياً بوصفهما عاراً، ويُتعامل مع الفنّ المُجسِّد لهما مضادّاً لأخلاق الدين والمجتمع. لكنّ الجسد الفنّي العاري يرمز إلى قيم أكثر عمقاً من مجرّد الغواية، الجسد العاري هو رمز للتمرّد، وللطبيعة بقدرتها على الخلق والعطاء، وهو رمز للثنائية والاختلاف، هو رمز للألم أيضاً في الفنّ المسيحي، ورمز للحبّ في كلّ العصور. هو رمز للذاكرة التي تتشكّل منها الهُويَّة الفردية والجمعية، وهو أيضاً رمز جمالي للعبقرية التي شكّلت هذا التكوين، ورمز علمي يوضّح آلية تشريح هذا الجسد بكلّ تفاصيله، بما فيها غير الجميلة.
الفنّ الحقيقي هو الفنّ المضاد للتسلّط والاستبداد، وشرطه الحرية المطلقة، التي تترك للخيال أن يصل إلى مناطق خطرة ومجهولة. لهذا، لا يمكن لأحد أن يحدّ من حرية الفنّ أو يفرض رقابةً عليه، فشواهد التاريخ كثيرة على قدرة الفنّ على الإفلات من المصادرة والرقابة، وعلى النتائج العكسية التي تتركها هذه المصادرة. ذلك أن “الرقابة على الفنّ مجرّد خوف من الحرية”، كما تقول الروائية الأميركية سوزان سونتاغ.
العربي الجديد
—————————–
==========================



