صفحات الحوار

هادي البحرة: النظام ماضٍ بالمماطلة لكننا سنستمر بمسار الدستورية

عماد كركص

بات في شبه المؤكد أن الجولة الثامنة من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية ستعقد في 28 مايو/أيار الحالي، بعد اتفاق المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسن، مع أطراف اجتماعات هذه اللجنة؛ المعارضة السورية، والنظام، المجتمع المدني، على الموعد. فقد أشار بيدرسن خلال إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي نهاية إبريل/نيسان الماضي، إلى نيته عقد الجولة الثامنة في جنيف السويسرية ابتداء من 28 مايو ولمدة خمسة أيام.

لكن إتمام سبع جولات من أعمال هذا المسار، من دون أن تسفر أي منها عن كتابة مادة واحدة من الدستور، جراء مماطلة النظام وعرقلته للاجتماعات، يعيد الأسئلة عما إذا كانت المعارضة السورية ستمضي قدماً في الانخراط بهذا المسار.

البحرة: هدف النظام تجاوز العملية السياسية برمتها

وفي السياق، يشير الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن قائمة هيئة التفاوض المعارضة، هادي البحرة، في إجابته عن عدد من الأسئلة التي وجهتها له “العربي الجديد”، إلى أن “هدف النظام وغايته الحقيقية هي تجاوز العملية السياسية برمتها، والقضاء عليها وإقناع العالم بأن مسار جنيف انتهى والمفاوضات مع المعارضة انتهت، ولم يعد للأمم المتحدة دور تلعبه، وإن كان لها من دور، فلا بدّ أن يكون عبره هو”.

ويشير البحرة إلى أن “(رئيس النظام بشار) الأسد، لا يبحث عن الاعتراف بشرعيته، فهو يعلم أنه نظام مارق، وبالتالي لن تعود الدول للتعامل معه، غير أنه يسعى لفرض القبول به كأمر واقع”. ويضيف: “غايته (الأسد) أن يبقى في السلطة، وأن تبدأ مسيرة إعادة الإعمار ليعود هو ودائرة الفساد المحيطة به إلى نهب البلاد من جديد”.

وبرأي البحرة، فإن “ما يقف حالياً بوجه ذلك المخطط هو إبقاء العملية السياسية في جنيف وفق القرار 2254 حيّة، وعدم السماح بتجاوزها كإطار وحيد لأي حل سياسي قابل للاستدامة”.

مع العلم أن القرار صدر عام 2015 وحدد بنوداً لإنجاز الحل السياسي منها إنشاء هيئة حكم انتقالي من ثم كتابة دستور وإجراء انتخابات، لكن تقسّم القرار إلى سلال من قبل المبعوث الأممي السابق إلى سورية، ستيفان دي ميستورا جعل النظام يقفز فوق سلة الحكم الانتقالي ويقدم سلة الدستور وإضافة سلة جديدة (مكافحة الإرهاب) بهدف تمكينه من تحقيق مزيد من المماطلة في مسار الحل السياسي.

وفي السياق يقول البحرة: “نحن نعلم أن هذا النظام سيعيق أعمال اللجنة الدستورية وكل عمل هدفه إيجاد حل سياسي، وبأنه لا يمكن أن يكون جزءاً من صياغة مشروع دستور ينهي استبداده وإجرامه، ويعيد الشعب لموقع صاحب السيادة ومصدر السلطات جميعها”.

ويعرب البحرة عن اعتقاده بأن اجتماعات جنيف “تمنع النظام من التفرد بتمثيل الدولة السورية المغتصبة، وتبقي الثورة قائمة بمطالبها المشروعة وتمنع القبول به كأمر واقع، كما تبقي مطالب الشعب وتطلعاته التي ثار من أجلها حية، ونحن نفاوض المجتمع الدولي وليس النظام المفروغ منه والمكشوفة نواياه”.

وعما إذا كان الانسحاب من أعمال اللجنة ضمن خياراتهم في المعارضة، مع يقينهم بأن النظام لن يكون جزءاً من صياغة الدستور، وعلى ماذا يراهنون أساساً بعد كل هذا التعطيل، كي يعطي المسار نتائج حقيقية في المستقبل، يوضح البحرة أن “لكل موقف توقيته، وذلك يتطلب الإعداد المناسب للخيارات الأخرى الممكنة التي نعمل عليها، لتحقيق أهداف العملية التفاوضية نفسها”.

ويشير إلى أن “كل المسارات الأخرى، العسكرية وغيرها، حصادها يكون في المسار السياسي، فإن منعت الطرف الآخر من جني مكاسبه العسكرية سياسياً تفقده قيمتها، وإنهاء أو إيقاف الجزء الحي من العملية السياسية حالياً من دون التمكن والتأكد من جهوزية المسار الآخر يعتبر هدراً لتضحيات شعبنا”.

ويلفت البحرة إلى أن “هناك من يدعو لوقف العملية السياسية في جنيف والقصد إيقاف الجزء الحي منها المتمثل باللجنة الدستورية، مفترضين أنه إن تم ذلك سيؤدي إلى فرض تنفيذ القرار 2254 بصورة ملزمة، أو أن ذلك سيلزم ببدء المفاوضات لتشكيل هيئة الحكم الانتقالي”.

ويتابع: “هذا بعيد جداً عن حقيقة الأمور وواقع المجتمع الدولي والنزاعات الدائرة حالياً، فالقرارات الدولية حتى إن كانت صادرة عن مجلس الأمن، إن لم تكن تحت الفصل السابع وبآليات محددة لإجراءات إنفاذ هذه القرارات، فهي لا ترى طريقها للتنفيذ إلا في حالة تحقيق توافق وإرادة دولية على ذلك”.

ويضيف البحرة: “كنت آمل لو كانت (القرارات) عكس ذلك، فحينها كان عاد الجولان لسورية منذ سنوات، وعبرنا بسورية إلى بر الأمان بإنفاذ القرار السابق رقم 2118 الذي صدر في العام 2013”.

مع العلم أن القرار صدر بعد الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية، ويتعلق بنزع السلاح الكيميائي للنظام، والتهديد في حال عودته لاستخدامه بالتدخل في سورية وفق الفصل السابع، وهذا لم يحدث مع تكرار استخدام هذا السلاح.

ويتابع البحرة: “نحن لم ولن نتجاوز القرار 2254، ولا أولوياته أو تراتبيته التي تأتي عند بدء تنفيذه بعد الوصول إلى حل سياسي، إذ لا يمكن تنفيذه عملياً إلا وفق التراتبية التي نص عليها”.

ويؤكد البحرة أن “مؤسسات قوى الثورة والمعارضة لن تتوانى عن اتخاذ القرار المناسب الذي يخدم شعبنا ووطننا في الوقت المناسب القريب”.

إبقاء القرار 2254 بخصوص سورية حياً

وعن تقييمه لمسار الحل السياسي برمته في الفترة الراهنة، يقول البحرة إن “إبقاء القرار 2254 حياً كإطار لأي حل سياسي، أمر على المحك حالياً، كي لا يتم تجاوز تطلعات ومطالب شعبنا للعدالة والانتقال السياسي، وعدم السماح بميل بعض الدول نحو القبول بالأمر الواقع كما يريد النظام”.

ويعتبر أن “وجود (اجتماعات) جنيف ناشطة وحيّة، يساهم بشكل كبير في الحد من وقف هرولة بعض الدول للتعامل مع النظام من بوابة الأمر الواقع”.

ويؤكد أن “بقاء القضية السورية فاعلة في مجلس الأمن، ذو أهمية قصوى، والسؤال المطروح هنا، هل إيقاف المسار الدستوري وتغييب القضية السورية عن أروقة مجلس الأمن يخدمان شعبنا ووطننا؟”.

ويشدد البحرة على أن “مسار اللجنة الدستورية في جنيف، لا يعيق أو يوقف العمل على المسارات الأخرى؛ العسكرية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية الجارية، بل على العكس، هو يساهم بفتح قنوات تواصل دولية وبمزيد من التنسيق مع الدول المساندة والداعمة لتطلعات الشعب السوري، ولا سيما تلك التي تتقاطع مصالحها ومخاوفها مع مصالحنا ومخاوفنا”.

وعلى هامش الجولة الخامسة من أعمال اللجنة الدستورية التي انعقدت في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، أعلن الرئيس المشترك للجنة عن وفد النظام، أحمد الكزبري، صراحة بأنهم قدموا إلى جنيف “لمناقشة المواضيع الدستورية، من دون الدخول في وضع صياغات دستورية”، معتبراً أن هذا الأمر “يحتاج وقتاً طويلاً ومساحة من النقاش”. وهو ما يعني أن لا نتائج مأمولة بمزيد من النقاش مع النظام في هذ المسار.

ويعلق البحرة على ذلك بالقول لـ”العربي الجديد”، إنه “منذ الجولة السادسة لاجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف (انعقدت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي)، تلتزم كل الأطراف بتقديم صياغات للمبادئ الأساسية في الدستور، ولم يعد بإمكان أي طرف الخروج عن ذلك، أي أن اللجنة دخلت إلى مرحلة الصياغة”.

ويستدرك بالقول: “إلا أن النظام يتهرب من تعديل اقتراحات صياغاته بما يؤدي للتقارب مع الصياغات المقدمة من الطرفين الآخرين (المعارضة والمجتمع المدني)، وهذا متوقع، ففي كل مرحلة منذ بداية اجتماعات اللجنة، كان النظام يرفض ويعيق التقدم نحو المرحلة التالية”.

ويتابع: “كان النظام يريد أن تبقى الاجتماعات من دون جداول أعمال متوافق عليها، لكننا مثلاً رفضنا انعقاد الجولة الثانية (في نوفمبر/تشرين الثاني 2019) من دون الاتفاق على جدول أعمال مسبق قبل الدخول إلى قاعة الاجتماعات، مما أدى إلى عدم انعقاد هذه الجولة وعودة الوفود من حيث أتت”.

ويوضح البحرة أنه “فعلياً، منذ الجولة الثالثة (في أغسطس/آب 2020) لا تعقد دورة اجتماعات قبل التوافق على جدول أعمالها قبل السفر إلى جنيف”. ويوضح أنه بعد ذلك، “رفض ممثلو النظام إنهاء مرحلة نقاش المواد الدستورية وإعدادها وبدء مرحلة الصياغة بعد الجولة الخامسة، فرفضنا انعقاد الجولة السادسة من دون ضمان تقديم نصوص صياغات مكتوبة قبل بدء الاجتماعات. أي اعتباراً من الجولة السادسة، لا يبدأ أي اجتماع في جنيف قبل تقديم نصوص الصياغات المقترحة قبل انعقاد الجلسات”.

ويلفت البحرة إلى أن “مراوغة النظام وتهربه من استحقاقات العملية السياسية وإعاقة إنجاز اللجنة الدستورية لمهامها، قد تستمر لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع الاستمرار بهذا النهج طويلاً”.

ويتابع: “كما أننا نعلم، كما ذكرت في إجابة سابقة، أن النظام لا يرغب بأي حل سياسي، وسيعمل طالما استطاع، على إعاقته، لا بل إنهائه وإيقافه، لكن الظروف الدولية والإقليمية لا تسمح له بالانسحاب منه، لذلك تنصب مساعيه نحو دفع قوى الثورة والمعارضة لاتخاذ قرار التجميد أو الانسحاب من هذا المسار”.

وفي ما يتعلق بخيار الانسحاب، يقول البحرة “بالنسبة لنا، بالتأكيد لن نقبل باستمرار سياسة العرقلة ولا بإبقاء المسار من دون نتائج وأفق واضح ومحدد، نحن نعمل ضمن مؤسساتنا على مجالات عدة تدعم تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 بسبل أخرى، وتؤدي إلى تفعيل العملية السياسية في جنيف كما يجب أن تكون”.

مع العلم أن بيدرسن وصف النتيجة التي أعقبت انتهاء الجولة الخامسة بـ”خيبة الأمل”، محملاً بشكل غير مباشر النظام المسؤولية عن ذلك، قبل أن يعود ويجدد تطلعه وتفاؤله بتحقيق خرق في أعمال الجولات اللاحقة، ومنها الجولة المنتظرة (الثامنة).

وفي السياق، يؤكد البحرة أن بيدرسن “ثبّت موعد الجولة المقبلة في 28 مايو الحالي”، مشيراً إلى أن نائبة المبعوث الأممي خولة مطر “زارت دمشق للتأكد من الالتزام بأسس عقد الجولة المقبلة”.

وعن قراءته للتفاؤل المستمر لبيدرسن على الرغم من كل النتائج المخيبة، يقول البحرة لـ”العربي الجديد”، إنه “بالنسبة لنا، فإن ممثلينا في اللجنة جاهزون لطرح المزيد من صياغات المبادئ الأساسية في الدستور التي لم تناقش بعد، وسيتقدم ممثلو المجتمع المدني بصياغات مقترحة لمبدأين أساسيين في مشروع الدستور على الأقل، ويتقدم كل من الطرفين الآخرين (النظام والمعارضة) بمبدأ واحد على الأقل”.

 ويضيف: “يسعى المبعوث الدولي لإلزام جميع الأطراف بمسار اللجنة الدستورية، إلا أننا لا نتوقع أي تبدل في سلوك النظام، لذلك وللأهداف التي شرحتها في إجاباتي السابقة، سنتابع في جنيف وبنفس الوقت سنتابع جهودنا على المسارات الأخرى التي تؤثر على سياق العملية السياسية في جنيف، وتضع حداً لتكتيكات وسياسات التعطيل المتبعة”.

 العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى