أفراد أذكياء وبنى اجتماعية غبية: في الدفاع عن مبادرات الأفراد وفاعليتهم التغييرية في وجه البنى الضاغطة/ ياسين الحاج صالح

21-06-2025
من غير المحتمل أن معدل ذكاء الأفراد في المجتمعات العربية يقلّ عن نظيره في أي مجتمعات أخرى. وبين اللاجئين أو المهاجرين إلى بلدان غربية لا يتميز أداء الأولاد والبنات من مجالنا بالانخفاض عن غيرهم، ويتواتر أن يكون بينهم متفوقون. واشتهرَ بين المنحدرين من المنطقة كثرةٌ من رجال ونساء تميزوا في مجالات العلوم أو الفنون أو الأكاديميا أو المال. وعلى هذا المستوى من التجريد، أعني الكلام على أفراد، يُرجَّح أن ينطبق الأمر على جميع المنابت العرقية والقومية والدينية وغيرها. لقد أبطلت البيولوجيا النظريات العنصرية التي تقول إن شعوباً أذكى من شعوب أو أكثر عقلانية لأسباب تتصل بالعرق أو بحجم الدماغ أو بالجينات أو ما شابه. وتتشكَّك الفلسفة والإنسانيات المعاصرة في وجود فروق ماهوية بين الثقافات والحضارات، تُبيح نسبة «عقل» أو «عقلية» أو «ذهنية» خاصة وغير متغيرة إلى هذه الجماعة أو تلك. ما يُحتمَل وجوده من فوارق بين متوسط ذكاء وقدرة أفراد ينحدرون من جماعة عرقية أو دينية أو أثنية وبين غيرها يُحيل بالأحرى إلى التربية الباكرة، وإلى فُرَص التعلّم والتطور المفتوحة، ثم كذلك إلى الاختلاط بثقافات ومجتمعات أخرى، وعموماً إلى البنى الاجتماعية المختلفة التي يعيش في ظلها الناس، بنى يزول تأثيرها المُعوِّق المحتمل خلال جيلين أو ثلاثة من انفتاح الفرص وتغير التنشئة. وهذه هي النقطة التي تريد هذه المناقشة التوسع فيها بعض الشيء. والقضية التي نسوقها هنا هي أن بنياتنا الاجتماعية هي من الأغبى في العالم، وإن نَكُن كأفراد لا نشكو من قلة الذكاء.
لكن ما المقصود بذلك؟ ما معنى وصف بنى اجتماعية بأنها غبية؟ وأي بنى اجتماعية؟
كنقطة انطلاق، تكون البنى الاجتماعية غبية حين لا تُشجِّع الاختلاف والاستكشاف والمَسالك المغايرة والتجارب المختلفة والأوضاع الجديدة والاختلاط بالغير، وحين هي، بالعكس من ذلك، تقمع الاختلاف وتُشجِّع التماثُل والامتثال والخضوع وتُزكّي الانعزال والاكتفاء بالمُتاح، وتنتقد وتوبخ المَسالك غير المطروقة وسالكيها. بنياتنا الاجتماعية أقرب إلى أن تكون من هذا النوع القمعي وغير الذكي، بل الغبي. ويمكن الكلام بالتحديد على ثلاث بنى اجتماعية: سياسية، فدينية، ثم اجتماعية بحصر المعنى.
بنياتنا السياسية قمعية بمعنى أنها تحدُّ من التعدّد السياسي والفكري، وتقمع الحريات العامة والسياسية، حريات التعبير والتفكير والاعتقاد، وحريات التجمّع والتنظيم والاحتجاج السلمي والترشح والانتخاب الحر. وهي في الغالب عدوانية في قمعيتها، تُعاقب وقد تقضي على من يفكرون في الشؤون السياسية بصور مغايرة لمن يحكمون، بخاصة إن حاولوا التعبير عن ذلك علانية وتجسيد تفضيلاتهم عملياً. الدول العربية بدون استثناء، وإن بتفاوت، ليست حرة ولا ديمقراطية، وكلها أقرب إلى نموذج الحكم اليدوي الذي يقوم على الانتهاك الجسدي، أي يضرب الناس ويعذبهم ويقتلهم حين يحتجون عليه. ويدفع ثمن ذلك الأنشطُ سياسياً والأكثرُ تفكيراً في الشؤون العامة من منطلقات عامة. وبالمقابل تجري مكافأة السلوكيات الاتباعية والمُمتثلة، ويحظى بالأمان والترقي المتزلفون وأهل الولاء، أو مَن لا موقفَ لهم. الخراب العام في العديد من بلداننا، ومنها سورية حتى وقت قريب، وثيقُ الصلة بآلية تطورية تشتغل منذ عقود طويلة، يمكن تلخيصها بقانون البقاء للسيء والصعود للأسوأ، تنتخبهم طبيعياً آلية الحكم المعنية أساساً بضمان الولاء. والوجه الآخر لهذا القانون يتمثل في ما يسمى هجرة الأدمغة، هجرة لا تقتصر على الأذكى والأكفأ علمياً وتكنولوجياً، بل كذلك بعض كرام الناس ممن لا يتحملون إهانة خاصة أو مَهانة عامة، أي أنها هجرة ضمائر وليس أدمغة فقط. هذا، وليست عمالة أنظمتنا الحاكمة لقوى أجنبية معادية أساس الخراب العام في بلداننا. إنه عملية تدمير ذاتي سياسية الجذور.
والبنى الدينية، وأتكلم على الإسلامية بخاصة، تُشجّع بدورها الامتثال والتماثُل، وتقاوم البدعة، وتتشكَّكُ في الاختلاف الفكري والسلوكي والسياسي، وتنظر شزراً إلى المسالك الدينية التجديدية، وتراقب النساء وتقمع ظهورهن العام وسيادتهن على أنفسهن وأجسادهن. وتقاوم الاختلاط، اختلاط الجنسين واختلاط الجماعات واختلاط الثقافات، وتنحاز لأصالة ذاتية، مرادفة للانعزال، ونقيض للإبداع والتجدُّد والغنى الفكري، وتكتفي بما لديها من متاع فكري وعقدي فلا تحاول معرفة شيء عمّا لدى الآخرين. وهي حين تحوز سلطة تعرض تضلعاً مرموقاً بالقمع والحكم اليدوي، المذل والمُنتهِك للأجساد. وما رأينا من سلطات إسلامية في سورية قبل سقوط الحكم الأسدي من أمثلة تجمع بين قمعية اجتماعية شديدة ونظام رقابة وتجسُّس على الاحتجاج واختلاط الجنسين، وعداء للفنون وضيق بالنشاط الحقوقي والسياسي، والفرض القسري لمُجانسة طقسية وسلوكية ضيقة، تنبع من تكوينها الواحدي الاستئثاري، وخوفها من الحرية.
ولا تسجل العشيرة والمحلة، من قرية أو بلدة أو حي، فارقاً في القمعية إلا في أن قمعيتها عُرفية، لا تستند إلى نَسَق من القواعد أو إلى أجهزة ومؤسسات معلومة، لكن هذا لا يجعلها أقل رعاية للامتثال والخوف من المخالفة والتصرف العفوي وإغناء الحياة بما هو مغاير وجديد. يُعاب مثلاً الرجل الذي ليس ذكورياً جداً في مظهره وسلوكه، والمرأة التي تتصرف ببعض حرية في المساحات العامة، والأولاد غير «المؤدبين»، وعموم من لا يمتثلون للأدوار الاجتماعية المُقرَّرة.
وبين السياسي والاجتماعي والديني، لا تعرض نُظُمنا التعليمية، المدارس المتنوعة والجامعات، رعاية للإبداع والخلق والاختلاف والمبادرة والتفكير الشخصي، بل هي تكافئ الحقيقة الواحدة التي يُلقِّنها المعلمون للتلاميذ، ينتظرون منهم أن يعرفوها ويُمتحَنوا بها. الناجحون في الامتحان هم من يعرفون هذه الحقيقة، وأفضل من يحفظونها «بصماً».
وظاهر من هذه الإشارات السريعة أن عبارة بنيات اجتماعية غبية مرادفة لعبارة بنيات اجتماعية غير حرة أو مقيدة وقمعية.
ليست هذه بنى راكدة أو كسولة بالضرورة. الواقع أنها تحتفي بالتفوق والنجاح. مجتمع الطبقة الوسطى السورية شديد الاحتفاء بالتفوّق، يعبده عبادة، لكنه يعبد تفوّقاً ضيقاً، يقترن بامتلاك الفكرة أو العقيدة أو المعرفة الصحيحة، وليس بإنتاج أفكار ومعارف وعقائد جديدة. والتفوّق ليس قرينَ الإبداع ولا تَفتُّح المواهب، بل إجادة الحقيقة المعلومة مسبقاً. تجد عالم دين نِحريراً، لكنه يختم علماً بائتاً، متناهياً، يُخضِعُ الحياةَ لامتناهية التنوع لسجل مُتناهٍ من الأحكام ويفتي في الناس، فيُضيّقُ حياتهم ويُضيّقهم هم أنفسهم، فلا يتسعون لحسٍ جديد أو لضمير داخلي. وتجد طالب مدرسة ثم جامعة متفوقاً، لكنه لا يبدع شيئاً في حياته، وإن أتقن عمله. ويتفوق رجال على غيرهم في مجال المال والتجارة، فيغتنون، لكن هذا قلّما يجعل حياتهم أعرض أو أكثر غنى.
ثم إن هذا التفوق الضيق ذاته ليس مُتاحاً في المجال السياسي. هنا العضُّ بالنواجذ على السلطة، وهنا «الملك العَضوض» المحمي بالحراب، حراب العشيرة والطائفية أو حراب الأجنبي. المتفوق هنا متفوق أبدياً، والأبد لا ينتهي إلا بمعجزة.
ولعل هذا الواقع لم يكن غائباً عن مَدارك سوريين قبل تجربة اللجوء والهجرة الواسعة، لكنه صار أشد ظهوراً خلال العقد الأخير لمن يعيشون منا في أوروبا. البنى الاجتماعية هنا أذكى بكثير من بنانا، وهذا بالضبط لأنها أكثر حرية. الناس لا يُعتقَلون ويُعذَّبون بسبب آرائهم السياسية، ولا تُنتهَك أجسادهم. والحكم ليس يدوياً، إنه حكم ذهني، إذا حاكينا التمييز بين عمل يدوي وعمل ذهني. أعني أنه حكم وفق قواعد مُطَّردة، تنزع عن الوظيفة القمعية للدولة الصفة المُذلة. ومنذ فقد السيادة في عصر التنوير وما بعده، تحوّلَ الدين باتجاه الاعتقاد الحر لمؤمنين، وربما هوية أو عنصراً في هوية قطاعات من السكان، لكن حرية الاعتقاد الديني أكيدة ومكفولة، بما في حرية اعتناق أديان أخرى، أو اختراع أديان جديدة. والتعليم يشجع على الإبداع والمَسالك المختلفة. والمجتمع ليس رقابياً أو تدخلياً ولا يقمع مبادرات الأفراد، هناك تجارب تعليمية رائدة تشجع المغايرة والاختلاف وتوسع مساحة مبادرة المتعلمين.
ليس الوضع مثالياً بحال، وفي ربع القرن الأخير تتكاثر الاحتكاكات التي تُحيل إلى منابت وأصول مختلفة، وتعرض قطاعات من السكان نزعات محافظة تضيق بالغريب لمجرد أنه غريب، وقد يأخذ ذلك شكلاً عدوانياً تتكلم عليه وسائل الإعلام. ويحدث بتواتر ألا يكون القمع وظيفياً، محصوراً بحماية المصالح العامة، وبخاصة حيال المهاجرين. لكن بالمقارنة مع مجتمعاتنا، الفارق كبير في الواقع، والجذر فيه هو الحرية. يسيء كثيرون بيننا فهم أشياء لا يستسيغونها في الغرب، ومنها المثلية الجنسية والتحول الجنسي. هذه ليست نتاج انحراف أو مرض حضاري، بل هي من نتاجات مبدأ الحرية، إلى جانب أشياء كثيرة أخرى. ويعني مبدأ الحرية أن الأفراد البالغين، من نساء ورجال، أسيادٌ على أجسادهم ومقررون لمصائرهم في كل ما لا يؤذي غيرهم، فلا يحق لأيٍّ كان التدخل في خيارتهم لحيواتهم. لا يمكنك تفضيل الحرية التي تدين لها المجتمعات بذكائها، بغناها وتنوعها وأمانها وجودة مستوى الحياة فيها، بشهادة أن الناس من بلداننا يتجشمون كل المشاق، بما فيها المجازفة بالحياة، للوصول إليها لاجئين، أقول لا يمكنك تفضيل الحرية هذه ثم ترفض حقَّ البالغين من الناس في التقرير بشأن حياتهم وأجسادهم وجنسانيتهم، طالما هم لا يؤذون أحداً. غير قليل من اللاجئين من بلداننا (ومن الغربيين كذلك) مُعادون للمثلية والحريات الجنسية، لكنهم حين يوازنون الأمور يختارون هذه المجتمعات المفتوحة التي تكفل تلك الحريات والحقوق، وليس التي تقمعها. ينتفعون مما هو مُتاح من حقوق وضمانات اجتماعية، وإن دون احترام البنى الاجتماعية الذكية أو الحرة التي تَضمنُها، ودون التخلي عن موروثات ثقافية امتثالية ومضادة للذكاء، محفورة في السلوكات والأذهان.
ومحصلة مفعول البنى الاجتماعية غير الذكية عبر الأجيال ليس الحد من ذكاء الأفراد حتماً، بل الحد من عقل المجتمعات إن جاز التعبير، أي من ثقافتها وتنوعها وغناها، من «حضارتها» وقدرتها على التطور. مجتمعاتنا المعاصرة قليلة العقل (والعدل) بفعل غباء بناها السياسية والدينية والاجتماعية، أي بفعل قلة حريتها. وهي طاردةٌ للبشر بسبب ذلك. ونحن في ذيل المجتمعات البشرية إبداعاً فكرياً وعلمياً وتكنولوجياً وفنياً لذلك دون غيره.
استطراد
أي تأثير لما جرى من تغيّر سياسي في سورية على ذكاء بنياتنا الاجتماعية؟ وفقاً لمعيار الحرية المعتمد هنا للحكم على ذكاء البنيات، يُحتمَل أننا سائرون باتجاه بنيات اجتماعية أقل ذكاء بعد، بفعل تطابق أو تحالف البنى السياسية والدينية الظاهر، وقد رأينا أنهما بنيتان غبيتان. هناك تدخلات متواترة في الحياة الخاصة؛ قمع للاختلاط، حكم يدوي انتهاكي، مراقبةٌ للسلوك في الفضاءات العامة تدفع للامتثال. وهو ما يتعارض مع حياة اجتماعية سوية، دع عنك أن تكون حرة ومتّفتحة. وأهم من انتهاكات اعتباطية تحدث هنا وهناك، ثمة تَعارُض بنيوي بين تركز السلطة في أيدي فريق واحد وبين الحريات السياسية والعامة، تعارضٌ لا يُستبَعد أن يتحول إلى قمع نشط لمبادرات الأفراد والمجموعات الفاعلة اليوم. هذا فضلاً عن أشكال لا تقل فظاظة من التمييز السياسي الديني، تنشر البؤس والمشاعر السلبية، وتدفع سلفاً إلى الاغتراب في الداخل أو الغربة في الخارج.
بالاستناد على ما تَقدَّمَ في المتن والاستطراد، تحوز الثورة الاجتماعية، بالدلالة المعيارية لكلمة ثورة، معنى تغيّر حاسم باتجاه بنيات اجتماعية ذكية، حليفة للتعدد والتنوع والمغايرة، والحرية. وفي هذا ما يُقرِّبُ محتوى الثورة الاجتماعية في مجالنا الثقافي السياسي من اللبرلة على الصعد الاجتماعية والدينية والسياسية، الأمر الذي يمكن تلخيصه بشعار بسيط: عِش ودع الناس يعيشون! وهذا مبدأ دخل التداول في أوروبا في القرن السابع عشر، وهو يعني أنه ليس لأي كان أن يفرض معايير السلوك على غيره، إن باسم الأمة أو باسم الدين أو باسم الدولة. هذا المبدأ قرينُ التفتّحِ الاجتماعي والثقافي وتَعمُّمِ روح المبادرة والريادة في المجتمعات، أي ظهور البنى الاجتماعية المبدعة والذكية. وهو بعد ذلك ما يقيم استمراراً بين الثورة السورية في رهاناتها التحررية المؤسِّسة وبين نضالات اليوم المتطلعة إلى بنيات اجتماعية ذكية وحرة، على المستويات السياسية والدينية والتعليمية وغيرها.
ملخّص ما أرادت هذه المناقشة قوله هو الدفاع عن مبادرات الأفراد وفاعليتهم التغييرية في وجه البنى الضاغطة، وصولاً إلى تحدي هذه البنى وتغييرها. هذا يرتسم سلفاً في أفقنا التاريخي، أي أنه منذ الآن في جدول أعمال اليوم.
موقع الجمهورية



