تفاقم أزمة المياه في الحسكة السورية… 3 ملايين يواجهون العطش/ سلام حسن

26 يونيو 2025
يعاني نحو ثلاثة ملايين سوري يعيشون في محافظة الحسكة (شمال شرق) من أزمة تأمين المياه، رغم أن أنهاراً تمر عبر أراضيها، مثل دجلة والخابور والجراح والبليخ. وتتوزع الكثافة السكانية في مدن شمال المحافظة وشرقها، مثل المالكية ومعبدة ورميلان والجوادية والقحطانية التي تُعد الأقل تضرراً من شح المياه الذي يتفاقم يومياً في مدينة القامشلي، كبرى مدن المحافظة، أما مدن تل حميس واليعربية والشدادة ومركدة وأريافها، جنوبي المحافظة، فتعاني من شح حاد في المياه وسوء جودتها منذ عقود.
وفي مدينة الحسكة، مركز المحافظة، بدأت معاناة السكان تتفاقم منذ أن سيطرت فصائل عسكرية موالية للجيش التركي على مدينة رأس العين في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بعدما خرجت من يد “الإدارة الذاتية الديمقراطية”، وقطعت مياه محطة علوك.
وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية، أول من أمس الثلاثاء: “نفذت فرق اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) زيارة تقييمية لمحطة علوك، ما أكد التزامها بإعادة تأهيل المحطة وضمان الوصول المستدام للمياه إلى مئات آلاف الأشخاص في الحسكة. ورغم أن إعادة تشغيل المحطة وضمان عملها الدائم سيستغرق وقتاً، نلتزم بإعادة هذا الشريان الحيوي للحياة وضمان الاستقرار للمجتمعات المتأثرة بالنزاع”.
وقيّمت الزيارة القدرات الفنية لمحطة علوك في توصيل الكهرباء، وخطط توفير حلول عاجلة وطويلة الأمد بالتنسيق مع السلطات المحلية والشركاء. ودخل وفد من مكتب الأمم المتحدة في القامشلي والهلال الأحمر العربي السوري محطة علوك بالتنسيق مع الحكومة السورية وبحماية القوات الأميركية، بهدف تفقد المحطة تمهيداً لصيانتها وإعادة تشغيلها قريباً.
ومنذ عام 2020، تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري الاستجابة لأزمة المياه الناتجة عن تكرر توقف محطة علوك، ووزعت 267 خزان مياه في مواقع مختلفة من الحسكة جرت تعبئتها دورياً لضمان وصول المياه النظيفة إلى أكبر عدد من السكان. لكن هذه الجهود لم تمنع تزايد المعاناة اليومية للسكان، فالقامشلي تعتمد على ثلاثة مصادر للمياه، هي محطة الهلالية ومحطة العويجة ومحطة جقجق، إضافة إلى محطة سد سفان التي تغذي محطة العويجة.
وتضم محطة الهلالية 52 بئراً تعمل منها 47 حالياً بغزارة 4000 متر مكعب في الساعة، وتضخ نحو 50 ألف متر مكعب يومياً، ما يغطي 80% من احتياجات المدينة وفق إحصاءات مديرية المياه. وتبقى هذه المحطة قيد الخدمة حتى في حالات انقطاع الكهرباء بفضل ستة مولدات تعمل باستمرار.
أما محطة العويجة، فتؤمّن 355 متراً مكعباً في الساعة من خلال 11 بئراً، وتضخ محطة جقجق المياه عبر ستة آبار. وتتكامل هذه المصادر مع 13 بئراً موزعة لتغطي نحو 20% من احتياجات القامشلي. ويغذي سد سفان هذه الشبكة بمعدل ضخ يتراوح بين 800 و900 متر مكعب في الساعة، أي نحو 19 ألفاً و200 متر مكعب يومياً.
ورغم هذه الكميات، تشهد بعض أحياء القامشلي نقصاً حاداً في مياه الشرب. وفي حي تل حجر بالحسكة، قال عبد الجبار محمد لـ”العربي الجديد”: “تستمر معاناتنا مع المياه في كل الفصول، والصيف أصعب. تتأخر الصهاريج في الوصول بسبب الضغط، وقد ننتظر يوماً كاملاً أحياناً. وتحتاج أسرتي التي تضم أربعة أشخاص إلى تعبئة خزانين أسبوعياً بتكلفة تصل إلى 500 ألف ليرة شهرياً، رغم أن المياه غير صالحة للشرب”.
ويعمل في المدينة نحو ألف صهريج لنقل المياه، لكنها لا تغطي الاحتياجات اليومية للسكان، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة التي تجاوزت 35 درجة مئوية في الأيام الأخيرة. وقالت ردينة العيسى لـ”العربي الجديد”: “أصبحت حياتي سباقاً يومياً لتأمين المياه. أضبط منبهي عند الفجر كي أكون أول من يصل إلى خزان الحي. وانتظر أحياناً ساعتين لملء غالونين لا يكفيان ليوم واحد”. أضافت: “لا أستطيع تحمّل تكلفة صهاريج المياه الخاصة التي تتراوح بين 40 ألفاً إلى 50 ألف ليرة لخمسة براميل، والخزانات العامة لم تعد تكفي مع ازدياد الكثافة السكانية. يتشاجر الناس على المياه بسبب الزحام، وأشعر بإهانة وأنا أنتظر دوري مع أطفالي، بينما كنا نحصل سابقاً على المياه من الحنفيات في بيوتنا”. وتطالب ردينة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بتحييد محطة علوك عن الخلافات السياسية، “فالمياه حق إنساني طبيعي وليست أداة لعقاب جماعي.
وأثرتت أزمة المياه مباشرة على صحة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن. ويقول محمد صديق من الحسكة لـ”العربي الجديد”: “أصيب ابني الصغير بإسهال شديد الشهر الماضي بسبب مياه غير صالحة من صهريج خاص. لا نعرف إذا كانت مياه الصهاريج نظيفة لكن لا خيار لنا”.
العربي الجديد



