العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

العدالة الانتقالية تحديث 04 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

————————————-

 أولوية المعايير الدستورية والدولية على الإجراءات الإدارية المحلية/ فضل عبد الغني

2026.01.30

يُعدّ مبدأ عدم تعارض الأوامر والتعليمات الإدارية المحلية مع الدستور أو مع الاتفاقيات الدولية الملزمة من المبادئ المؤسسة للقانون الدستوري الحديث. ويتكئ هذا المبدأ، المتجذر في التصور النظري لتسلسل القواعد الذي طوّره هانز كيلسن والذي رسخته دساتير عديدة، على بنية قانونية مُحكمة تُقيّد السلطة الإدارية على المستويات كافة، بما في ذلك المستويان دون الوطني والمحلي. ويؤدي الترتيب الهرمي للقواعد القانونية وظائف جوهرية؛ إذ يحمي سمو الدستور وسيادة القانون، ويضمن احترام الالتزامات التعاهدية للدولة تطبيقاً لمبدأ وجوب الوفاء بالعهود، كما يصون السلامة البنيوية للأنظمة الفيدرالية أو اللامركزية عبر منع الوحدات دون الوطنية من تقويض الإطار الدستوري الوطني أو الالتزامات الدولية.

يستند الإطار المفاهيمي لإخضاع الأوامر الإدارية المحلية للمعايير الدستورية والدولية، في جانبٍ رئيس منه، إلى نظرية القانون الخالص لهانز كيلسن، التي تُصوّر القانون كنظامٍ هرمي تستمد فيه كل قاعدة مشروعيتها من قاعدة أعلى، ويمكن تتبع هذا التسلسل في نهاية المطاف إلى قاعدة أساسية أو معيار تأسيسي. وفي هذا البناء الهرمي، يحتل الدستور قمة النظام القانوني الداخلي بوصفه مصدر شرعية التشريعات كافة وما يتفرع عنها من إجراءات إدارية. وبذلك تتشكل القواعد القانونية في تسلسل معياري ديناميكي، يؤسس فيه الدستور البنية الأساسية للنظام القانوني ويضع الحدود التي يجب أن تعمل ضمنها القواعد الأدنى. وتأتي القوانين والمعاهدات في مرتبة وسيطة، إذ تستند إلى التفويض الدستوري وتظل مقيدة بحدوده. أما اللوائح والقرارات الإدارية فتقع في أسفل السلم المعياري، ولا تُعد نافذة إلا في حدود اتساقها مع أحكام الدستور والأطر القانونية ذات المرتبة الأعلى.

وتترتب على هذا التصور الهرمي نتيجة حاسمة مفادها أن القاعدة الأدنى المخالفة للقاعدة الأعلى تكون باطلة في حدود هذا التعارض؛ ويُعبَّر عن هذا المعنى في قاعدة مفادها أن القانون الأعلى مرتبة يقيّد أو يُبطل القانون الأدنى ضمن نظام قانوني واحد. ويُعد هذا المبدأ ذا طابع عام عبر الأنظمة القانونية، سواء في تقاليد القانون المدني أم القانون العام. وعليه، يتعين أن تتوافق الأوامر والتعليمات الإدارية المحلية، بوصفها في أدنى درجات الهرم المعياري، مع المتطلبات الدستورية والالتزامات الدولية التي تُلزم الدولة.

مبدأ تجاوز الصلاحيات والقيود الدستورية على العمل الإداري

تتجلى آلية إنفاذ السمو المعياري في مبدأ تجاوز الصلاحيات، وهو مفهوم يُستخدم للدلالة على صدور قرار إداري خارج نطاق الاختصاص أو بالمخالفة للحدود التي يفرضها الدستور أو القانون. فإذا أصدرت جهة محلية أو إدارية أمراً يتجاوز السلطة الممنوحة لها دستورياً أو ينتهك معياراً أعلى مرتبة، عُدّ ذلك تجاوزاً للصلاحيات، ترتب عليه عدم المشروعية وما يتبعها من بطلان. ويعمل هذا المبدأ على مستويات متعددة، فيتناول العيوب الموضوعية والإجرائية وعيوب الاختصاص.

ويقع التجاوز الموضوعي عندما يمتد الإجراء الإداري إلى مجال لم يُفوَّض به قانوناً أو عندما يصطدم بحقوق أو ضمانات دستورية؛ ويقع التجاوز الإجرائي عندما تُهمل الجهة الإدارية الإجراءات الملزمة التي يفرضها الدستور أو التشريع المُخوِّل. أما عيب الاختصاص فيتحقق عندما تتصدى الجهة الإدارية لمسائل تخرج عن نطاق اختصاصها وفق التقسيم الدستوري للسلطات. وقد استقر منطق القضاء المقارن على أن عدم دستورية التشريع المُخوِّل، ولا سيما إذا تعارض مع الحقوق الأساسية، يمتد أثره إلى ما بُني عليه من أوامر وتطبيقات إدارية، فتغدو الإجراءات المشتقة غير مشروعة، حتى لو بدت مستوفية لشكلياتها أو متطلباتها الداخلية. ويُبرز ذلك أن سمو الدستور لا يقتصر على إبطال النصوص غير الدستورية، بل يشمل أيضاً إبطال الآثار التنفيذية التي تُبنى على سلطة مُفترضة لا سند لها.

وفي الأنظمة الفيدرالية، يوزَّع الاختصاص التشريعي بين السلطة الاتحادية والسلطات دون الوطنية عبر قواعد دستورية تُعرف بتقسيم الصلاحيات. وينشئ هذا التقسيم قيوداً متعددة على العمل الإداري المحلي، تشمل قيوداً صريحة وقيوداً ضمنية، إلى جانب قواعد سمو القانون الاتحادي عند التعارض ضمن مجالات الاختصاص المشترك. فالقيود الصريحة تمنع الأوامر المحلية من مخالفة المحظورات الدستورية الواضحة، وبخاصة تلك المتعلقة بالحقوق الأساسية. والقيود الضمنية تحول دون اتخاذ تدابير تُقوّض البنى الدستورية الجوهرية حتى في غياب نص حظر صريح. أما سمو القانون الاتحادي فيضمن غلبة القاعدة الاتحادية عند التعارض في نطاق الصلاحيات المشتركة أو المتداخلة، بما يحفظ وحدة النظام القانوني واتساقه.

الالتزامات الدولية في مواجهة القانون الداخلي والإدارة المحلية

يشكل مبدأ وجوب الوفاء بالعهود قاعدة محورية في القانون الدولي، وقد قُنّن في المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تقرر أن كل معاهدة نافذة تُلزم أطرافها ويجب تنفيذها بحسن نية. ويعزز هذا المعنى نص المادة 27 من الاتفاقية ذاتها، التي تقضي بعدم جواز الاحتجاج بأحكام القانون الداخلي لتبرير عدم تنفيذ المعاهدة. وتترتب على ذلك نتائج مباشرة بالنسبة للعمل الإداري المحلي؛ إذ لا تستطيع الدولة، ولا وحداتها المحلية، التذرع بالبنى الدستورية أو التنظيمية الداخلية لتبرير مخالفة التزامات تعاهدية ترتبت عليها قانوناً.

وقد أكدت الاجتهادات القضائية الدولية هذا الاتجاه عبر التشديد على أن الدولة لا يجوز لها أن تحتج بدستورها أو بنظامها الداخلي في مواجهة دولة أخرى بهدف التنصل من الالتزامات الدولية. ويُرسّخ ذلك فكرة أن الالتزامات التعاهدية تُلزم الدولة بوصفها كياناً واحداً في القانون الدولي، بصرف النظر عن توزيع الصلاحيات داخلياً. وعليه، فإن الهيئات الإدارية المحلية، باعتبارها جزءاً من أجهزة الدولة، لا يجوز لها إصدار أوامر أو اتخاذ تدابير من شأنها أن تُفضي إلى إخلال الدولة بالتزاماتها الدولية.

وتختلف مكانة المعاهدات المصدق عليها في السلم المعياري الداخلي بين الأنظمة القانونية؛ فبعضها يمنح المعاهدات مكانة تعلو التشريع العادي وتدنو الدستور، وبعضها يساوي بينها وبين التشريع، بينما تمنح نظم أخرى مكانة دستورية لبعض معاهدات حقوق الإنسان، بل يذهب بعض الفقه إلى القول بسمو قواعد معينة ذات طابع آمر على النظام الداخلي عند التعارض. وبغض النظر عن ترتيب المعاهدات داخلياً، تبقى القاعدة هي أن الأوامر الإدارية المحلية لا يجوز أن تخالف الاتفاقيات الدولية الملزمة التي ارتضتها الدولة والتزمت بها.

وتطرح قواعد القانون الدولي الآمرة، ومنها حظر الإبادة الجماعية والرق والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية، إشكاليات خاصة في العلاقة بين النظام الدولي والنظام الدستوري الداخلي. فهذه القواعد تُعد أسمى من غيرها من قواعد القانون الدولي، ويرى اتجاه فقهي أن مقتضاها يفرض تغليبها على أي قاعدة داخلية متعارضة، لأن القانون الدولي لا يسمح بالتملص من الالتزامات الأساسية عبر صياغات دستورية أو تشريعية داخلية. وفي مقابل ذلك، يذهب اتجاه آخر إلى التأكيد على ضرورة إدماج هذه القواعد في الأطر الدستورية الوطنية وتفعيلها عبر آليات داخلية، كما يتضح من نماذج دستورية تُقر صراحة بحجية القواعد الآمرة كقيد على العملية التشريعية.

آليات الإنفاذ ومسارات المعالجة الدستورية والإدارية

يعتمد إنفاذ السلم الهرمي للمعايير الدستورية، في جانبٍ حاسم، على المراجعة القضائية؛ ويُظهر القانون الدستوري المقارن نموذجين رئيسيين: نموذج مركزي يمنح محكمة دستورية متخصصة سلطة الفصل في الدستورية على نحو حصري، كما في النموذج الألماني، ونموذج لا مركزي يتيح للمحاكم كل ممارسة رقابة الدستورية ضمن التقاضي العادي، كما في النموذج الأميركي.

وعندما تنتهك الأوامر الإدارية المحلية معايير دستورية أو تفضي إلى مخالفة التزامات دولية، تتاح حزمة من الآليات التصحيحية. فقد تقضي المحاكم ببطلان الأمر المخالف، بما يزيل آثاره القانونية. وإذا أمكن فصل الجزء غير المشروع عن باقي الأجزاء دون المساس بجوهر الإجراء، جاز قصر الإبطال على الجزء المعيب مع الإبقاء على ما سواه. كما قد تتجه المحاكم إلى تفسير الأوامر تفسيراً مُقيِّداً يضمن اتساقها مع الدستور، بما يحافظ على نفاذها ضمن الحدود المشروعة. وفي بعض الأنظمة، قد تُعلّق آثار الحكم بالإبطال لفترة محددة لإتاحة المجال للسلطات المختصة لتصحيح الوضع عبر بدائل دستورية.

إلى جانب الرقابة القضائية، تتيح بعض الدساتير والقوانين آليات رقابية تنفيذية على الإجراءات الإدارية المحلية. فقد تُشترط المراجعة المسبقة لبعض القرارات قبل نفاذها، أو تُمنح السلطات المركزية صلاحيات إلغاء أو وقف تدابير محلية خلال آجال محددة إذا تبين تعارضها مع الدستور أو القانون الأعلى. كما قد تتضمن الآليات الوقائية التزاماً بعرض مشاريع الأوامر المحلية على مراجعة مركزية قبل اعتمادها، بما يقلل احتمالات التعارض ويحد من النزاعات الدستورية قبل وقوعها.

خاتمة

إن مبدأ عدم تعارض الأوامر والتعليمات الإدارية المحلية مع الدستور أو الاتفاقيات الدولية الملزمة يُجسد منطق السمو المعياري وسيادة القانون. وهو يستند إلى التصور الكيلسني للتدرج الهرمي للمعايير، ويتجسد عملياً عبر بنود السمو، ومبادئ تجاوز الصلاحيات، وآليات الرقابة القضائية، بما يضمن خضوع الإدارة على جميع المستويات للحدود الدستورية وللالتزامات التي ارتضتها الدولة دولياً. كما يوسّع مبدأ وجوب الوفاء بالعهود نطاق هذا القيد ليشمل الالتزامات التعاهدية، بما يمنع السلطات المحلية من وضع الدولة في موضع الإخلال بالتزاماتها الدولية. وفي الأنظمة الفيدرالية الراسخة، وكذلك في سياقات الانتقال ما بعد النزاعات، يؤدي الحفاظ على هرمية واضحة للمعايير الدستورية والدولية في مواجهة الإجراءات الإدارية المحلية وظائف أساسية تتمثل في حماية الحقوق الأساسية، وضمان الاتساق القانوني عبر مستويات الحكم، وصون الالتزامات الدولية التي تُعد ركائز للاستقرار والتعاون في العلاقات الدولية

تلفزيون سوريا

————————-

 تجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا كنموذج لمواجهة إنكار جرائم الأسد في سوريا/ د.ناصيف نعيم

2026.01.30

تنص المادة 49، الفقرة 3، من الإعلان الدستوري السوري على واجب الدولة السورية تجريم ليس فقط تمجيد النظام الأسدي ورموزه، بل أيضاً إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين من شأنها. وعليه، فإن جميع الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الأمن والشرطة والقوات المسلحة النظامية أو الرديفة، مثل قوات الدفاع الوطني، في عهد الأسد الأب والابن، تُعدّ حقائق تاريخية لا يجوز التشكيك بها. ويُضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، ما ارتكبته القوات التابعة لأمراء الحرب المرتبطين بالنظام من جرائم، والتي يُمنع أيضاً إنكارها أو التشكيك فيها.

يُذكّر هذا المنع، بشكل أو بآخر، بتجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا، وهو تجريم جديد في التاريخ القانوني والسياسي السوري. علاوة على ذلك، فإن التعاطي الاجتماعي مع هذا النوع من التجريم يحتاج إلى كثير من التوضيحات والشروح القائمة على العلاقة التبادلية بين النظرية والتطبيق. ومن هنا، يتمثل هدف هذا المقال القصير في تحليل الأسس القانونية لتجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا، وشرح خلفيته الأخلاقية وتلك المرتبطة بالنظام الديمقراطي الألماني ككل، ومناقشة الجدل المتعلق بحرية التعبير وثقافة الذاكرة من منظور مبدئي نقدي. وهو ما يمكن أن يساعد في البدء بالتفكير في كيفية التأصيل القانوني والاجتماعي لتجريم إنكار جرائم النظام الأسدي في سوريا.

أولاً: ماهية الهولوكوست وتجريمه

يشكّل التعاطي مع الهولوكوست جزءاً من الهوية الأخلاقية والقانونية لجمهورية ألمانيا الاتحادية. فباعتبارها جريمة إبادة جماعية غير مسبوقة استهدفت ستة ملايين يهودي أوروبي، إلى جانب مجموعات عرقية أخرى تعرّضت للاضطهاد (كالسينتي والروما)، تحتل جريمة الهولوكوست مكانةً خاصة في الذاكرة الجمعية الألمانية وفي النظام القانوني للدولة. بل يسود الاعتقاد بأن النظام الدستوري الألماني، القائم أساساً على حماية الكرامة الإنسانية، نشأ على خلفية هذه التجربة المريرة.

وعليه، يُعدّ إنكار هذه الحقيقة التاريخية جريمة في ألمانيا، إذ لا يُنظر إلى هذا الإنكار باعتباره رأياً يندرج ضمن حماية الحق في حرية الرأي. ويستند هذا التجريم إلى اعتبار أن إنكار الوقائع التاريخية لا يمثل مجرد تحريف للتاريخ، بل يُعدّ شكلاً من أشكال الدعاية المعادية للسامية والاستخفاف بالضحايا، وهو ما يهدد القيم الديمقراطية وكرامة الإنسان.

ثانياً: الأسس القانونية لتجريم إنكار الهولوكوست

تشكل المادة 130، الفقرة الثالثة، من القانون الجنائي الألماني الأساس القانوني لمعاقبة إنكار جريمة الهولوكوست، وهي مادة تندرج ضمن الجريمة الأوسع المتمثلة في التحريض على الكراهية. وتنص هذه المادة على معاقبة كل من يقوم علناً بإنكار أو التقليل من شأن أو جسامة جرائم الإبادة الجماعية النازية، أو بتأييد ذلك، إذا كان من شأن هذه الأفعال تهديد السلم العام. ويُلاحظ أن تهديد السلم العام لا يُعد شرطاً قصديّاً خاصاً، بل مسألة مفترضة في فعل الإنكار ذاته، كما استقر عليه اجتهاد المحاكم الألمانية.

ومن هنا، يُقرّ المشرّع من خلال هذه الصياغة بأن إنكار الهولوكوست يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية وأمنية خطيرة، وأن أي طرح يشكك في وجود هذه الجريمة أو حقيقتها لا يمثل نقاشاً تاريخياً مشروعاً، بل يشكل أداة أيديولوجية لتعزيز معاداة السامية (باوس، 2021، ص. 211). كما أن المادة 130، الفقرة الثالثة، لم تُعدّد الأفعال التي تشكل جريمة إنكار الهولوكوست، بل أحالت في تعريفها إلى المادة 6، الفقرة 1، من قانون الجرائم الدولية، ما يعزز الطابع الدولي لهذه الجريمة.

1. كرامة الإنسان بوصفها المعيار الدستوري الأهم

يحمي القانون الأساسي الألماني (الدستور) كرامة الإنسان من خلال المادة 1، الفقرة 1، حمايةً مطلقة، فهي، وفقاً لحرفية النص، غير قابلة للمساس. ولا تقتصر هذه الحماية على الأحياء فقط، بل تشمل أيضاً ذكرى ضحايا الجرائم الجسيمة. فالتشكيك في الحقائق التاريخية أو التقليل من معاناة الأفراد والجماعات من خلال إنكار الهولوكوست يؤدي إلى إهانة الضحايا مرة أخرى على نحو رمزي (أليكسي، 1999، ص. 515). وبالتالي، فإن هدف التجريم لا يقتصر على معاقبة الادعاءات الكاذبة، بل يتمثل أيضاً في حماية كرامة الأفراد والجماعات التي وقعت ضحية لجريمة الهولوكوست.

2. حدود حرية التعبير

تكفل المادة 5، الفقرة 1، من القانون الأساسي حرية الرأي والتعبير عنه. إلا أن هذه الحرية ليست بلا حدود، إذ يسمح الدستور، وفقاً للاجتهادات القضائية والآراء الفقهية، بتقييد حرية التعبير من أجل حماية الحقوق الشخصية والسلم العام. ومن هنا، من المهم التأكيد على أن إنكار الهولوكوست لا يُعدّ رأياً، بل ادعاءً كاذباً ذا نوايا سياسية تخريبية (شرويدر، 2012، ص. 341)، وبالتالي لا يمكن أن يحظى بحماية المادة 5 من الدستور. وقد شددت المحكمة الدستورية الاتحادية منذ عام 1994 على أن هذا النوع من الخطاب يمثل اعتداءً مقصوداً على القيم الديمقراطية الأساسية وعلى النظام الدستوري ككل.

3. السياق القانوني الأوروبي

لا يقتصر تجريم إنكار الهولوكوست على ألمانيا فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المستوى الأوروبي. فقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2003، في قضية روجيه غارودي ضد فرنسا، بأن إنكار الهولوكوست يمكن اعتباره إساءة لاستخدام حق حرية التعبير، لأنه يقوّض القيم الديمقراطية. كما صنّفت المحكمة إنكار الإبادة الجماعية بوصفه أداة دعائية تُسهم في شرعنة الأيديولوجيات الشمولية ذات الطابع العنصري.

ثالثاً: أهمية النظرية الديمقراطية في تجريم إنكار الهولوكوست

1. حماية السلم العام

يرى المشرّع أن إنكار الهولوكوست قادر على تهديد السلم العام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التسبب في اضطرابات فورية، بل من خلال إسهامه، على المدى البعيد، في تقويض البنى الديمقراطية (مايبور، 2012، ص. 189). إضافة إلى ذلك، غالباً ما تستقطب الخطابات المنكرة للوقائع التاريخية أصواتاً متطرفة، ولا سيما في العصر الرقمي (لانغباخ ورابه، 2011، ص. 1150). ومن هنا، تسهم العقوبات الجنائية المفروضة على مثل هذه الأفعال في الحد من التطرف الفكري وتحجيم انتشاره.

2. الوظيفة السياسية لثقافة الذاكرة

تعتمد ألمانيا ثقافة ذاكرة نشطة، أي ثقافة لا تتردد في وضع التاريخ في نصابه الصحيح، رغم ما يحمله ذلك من صورة قاتمة عن الماضي الألماني. ولا تؤدي هذه المقاربة وظيفة أخلاقية فحسب، بل تسهم أيضاً في دعم النظام الديمقراطي ككل. كما يوجد توافق واسع بين الفقهاء الألمان على أن ثقافة الذاكرة النقدية تعزز سيادة القانون، لأنها تُظهر المسؤولية التاريخية بصورة علنية (أسمان، 2013، ص. 92). ومن هنا، فإن تجريم إنكار الهولوكوست يدعم القيم المعيارية والرمزية النقدية للتاريخ، ويؤكد أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، وأن أي مساس بها، حتى وإن كان جزءاً من تاريخ الدولة ذاته، لا يجوز تجاهله.

رابعاً: وجهات نظر نقدية

1. المنع والتجريم بوصفهما محفزين لنظريات المؤامرة

يرى بعض المنظّرين الليبراليين أن المنع القانوني قد يسهم، من دون قصد، في تعزيز الخطابات المؤامراتية التي تزعم وجود “حقائق محظورة” يجري إخفاؤها عمداً من قبل النخب السياسية (سارتوري، 1997، ص. 64). ويذهب هذا الرأي إلى أن التجريم قد يمنح المتطرفين ذريعة للادعاء بوجود “ديكتاتورية للرأي” تمنع أي آراء مخالفة. غير أن الدراسات تشير، في مجملها، إلى أن القيود القانونية تحدّ من انتشار الدعاية اليمينية المتطرفة بدلاً من تعزيزها (باكِس، 2007، ص. 22).

2. التوتر بين الحرية والمسؤولية

في حين ترى دول مثل الولايات المتحدة أن إنكار الهولوكوست يندرج ضمن حرية التعبير، يستند النموذج الألماني إلى مفهوم معياري للحرية يرتبط بمسؤولية الفرد تجاه حقائق التاريخ. فالحرية ليست مطلقة، بل مقيدة بالقيم المجتمعية (هابرماس، 1992، ص. 133). ولذلك، لا تتمحور المسألة حول ما إذا كان على الدولة تقييد التعبير، بل حول كيفية تعريف المسؤولية الديمقراطية على نحو عادل ومتوافق مع هذه القيم.

الخاتمة

لا يشكل تجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا مجرد أداة قانونية قمعية، بل يمثل التزاماً قيمياً تجاه الضحايا وتجاه الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي. فهو يبيّن أن الحقيقة التاريخية وكرامة الإنسان والأمن العام عناصر مترابطة لا يمكن فصلها. ولا تستهدف العقوبة القانونية مجرد منع الأكاذيب، بل حماية نظام ديمقراطي يعترف صراحة بمسؤوليته التاريخية، ويستند في تأسيسه القائم على الحرية والكرامة الإنسانية إلى التجربة المأساوية التي عاشها الشعب الألماني عبر الهولوكوست. ومن هذا المنظور، يتضح أن تجريم إنكار الهولوكوست لا يقيّد الحرية، بل يحافظ عليها.

وانطلاقاً من ذلك، تفتح التجربة الألمانية في تجريم إنكار الهولوكوست المجال للبحث في كيفية وضع نص المادة 49، الفقرة 3، من الإعلان الدستوري السوري موضع التطبيق القانوني والعملي، من خلال قانون العقوبات والملاحقة القضائية. كما تبرز ضرورة ربط هذا التجريم بالأسس السياسية والاجتماعية التي سيقوم عليها النظام السوري المستقبلي، وبالضمير الجمعي العام القائم على رفض كل ما يمس بكرامة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل.

المراجع

· أسمان، أ، القلق الجديد تجاه ثقافة الذاكرة، دار سي. هـ. بيك، ميونخ، 2013.

· أليكسي، ر، “كرامة الإنسان ودولة القانون”، في: أرشيف الفلسفة القانونية والاجتماعية، 85/4، 1999، ص. 510-525.

· باكِس، أ، بحث في التطرف، نوموس، بادن-بادن، 2007.

· المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، غارودي ضد فرنسا، القضية رقم 65831/01 لعام 2003.

· هابرماس، ي، الواقع والاعتبار، زوهركامب، فرانكفورت، 1992.

· لانغِباخ، م. وآخر، “إجراءات الدولة ضد التطرف اليمين”، في: السياسة والمجتمع في ألمانيا، 29/4، 2011، ص. 1138-1155.

· مايبور، ي، “الدعاية كمشكلة ديمقراطية”، في: مجلة علم اللغة، 31/2، 2012، ص. 180-199.

· باوس، ك، التحريض على الكراهية وحرية التعبير، دنكر أوند هومبلوت، برلين، 2021.

· سارتوري، ج، نظرية الديمقراطية، مطبعة جامعة أكسفورد، لندن، 1997.

· شرويدر، ك، التطرف والديمقراطية، الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي، بون، 2012.

· Assmann, A., Das neue Unbehagen an der Erinnerungskultur, C.H. Beck, München, 2013.

· Alexy, R., „Menschenwürde und Rechtsstaat“, in: Archiv für Rechts- und Sozialphilosophie, Nr. 85/4, 1999, pp. 510-525.

· Backes, U., Extremismusforschung, Nomos, Baden-Baden, 2007.

· EGMR, Garaudy v. France, Application No. 65831/01, 2003.

· Habermas, J., Faktizität und Geltung, Suhrkamp, Frankfurt am Main, 1992.

· Langebach, M. and other, “State Action Against Right-Wing Extremism”, in: German Politics & Society, No. 29/4, 2011, pp. 1138-1155.

· Meibauer, J., „Propaganda als demokratisches Problem“, in: Zeitschrift für Sprachwissenschaft, Nr. 31/2, 2012, pp. 180-199.

· Paus, K., Volksverhetzung und Meinungsfreiheit, Duncker & Humblot, Berlin, 2021.

· Sartori, G., Democracy Theory, Oxford University Press, London, 1997.

· Schroeder, K., Extremismus und Demokratie, Bundeszentrale für politische Bildung, Bonn, 2012.

 تلفزيون سوريا

——————————-

خطاب “التسامح القسري”.. كيف يُستخدم السلام المعلّب لإقصاء الذاكرة؟/ آفين علو

4 فبراير 2026

في المجتمعات الخارجة من الحرب أو القمع الطويل، لا يبدأ البناء الحقيقي إلا عندما يُعترف بالخراب الذي مرّت به، وتُسمع أصوات الضحايا دون رتوش. غير أن بعض الخطابات السياسية، وربما حتى الحقوقية، تسعى في مراحل ما بعد الصراع إلى فرض ما يُعرف بـ”التسامح القسري”، نوع من المصالحة الشكلية يُطلب فيه من الضحية أن تنسى وتسامح باسم المصلحة العامة أو السلم الأهلي، دون أن تُمنح فرصة قول جرحها أو مساءلة الجاني.

يبدو خطاب التسامح، في هذه الحالة، كأداة مضادة للعدالة، يستخدم اللغة النبيلة ذاتها ــ السلام، التعايش، الوحدة، المستقبل ــ لكن بوظيفة مقلوبة. فهو لا يُطرح كخيار أخلاقي نابع من الاعتراف، بل يُفرض كشرط سياسي، وكأن الاعتراف بما جرى يُهدد الدولة، لا يؤسسها.

التسامح القسري كمفهوم مضاد للعدالة

العدالة الانتقالية، وفق تعريفها الحقوقي، ليست انتقامًا، بل مسارًا يهدف إلى الاعتراف بالضحايا، والمساءلة، وضمان عدم التكرار. لكن حين يُختزل هذا المفهوم في تسويات سياسية عاجلة، تتحول العدالة إلى “تسامح”، وغالبًا ما يكون هذا التسامح مفروضًا من الأعلى إلى الأسفل، ومصوغًا بلغة وطنية منمّقة.

تقول إلهام العمر من القامشلي، وهي امرأة ناجية من الاعتقال في أحد الفروع الأمنية، لـ”ألترا سوريا”: “في البداية، خطاب التسامح ينبع من السلام الداخلي، من قبول الآخر والعيش المشترك في المجتمع رغم الاختلافات في الدين، الثقافة، والعرق. في هذه المرحلة العصيبة التي نمر بها، نحن بحاجة ماسة إلى خطاب التسامح. هناك من يروّج لخطاب الكراهية والفتنة بين مكونات المنطقة، بينما نحن في دوامة حرب بقاء ووجود وكرامة. وفي ظل هذا الواقع، نحتاج أولًا إلى السلام الداخلي، ثم إلى خطاب يعانق جميع مكونات المجتمع ويحتضنها”.

وتضيف: “في هذه المرحلة، يجب أن نكون أكثر إنسانية، أن نساعد، نهتم، ونشعر بمحيطنا، وأن نسعى بكل الطرق لأن نكون صوت السلام والتسامح والمحبة. في مواجهة الهمجية التي نراها حولنا، يجب أن نكون صوت الحق والسلام”.

الحالة السورية: حين يُفرض النسيان كحل سياسي

في سوريا، وبعد أكثر من عقد من الحرب، يُطرح سؤال “كيف نعيش معًا؟” بإلحاح، لكن معظم الإجابات السائدة تتجاوز سؤالًا أكثر جوهرية: كيف نعيش دون الاعتراف بما جرى؟

في مناطق سيطرة النظام السابق، يُعامل الحديث عن الاختفاء القسري والتعذيب كخيانة. وفي بعض الأوساط السياسية المعارضة، يُطلب من أهالي الضحايا “ألا يُحرجوا” مسار الحل السياسي. أما في الإعلام، فيلاحظ ميل متزايد إلى إنتاج خطاب عام، محايد ظاهريًا، لا يُدين أحدًا، ولا يُنصف أحدًا.

تقول والدة فرهاد حمو، الذي اختُطف منذ عام 2014، الهام الأحمد: “لا أريد الانتقام، أريد أن أعرف أين ابني. يطلبون منا أن نسامح، لكن من؟ وعلى ماذا؟ حتى الآن، لم يعترف أحد أن ما حدث كان جريمة”.

كيف يُستخدم خطاب التسامح لكتم الصوت؟

يتسلّل خطاب التسامح القسري إلى مستويات متعددة. في الإعلام، تُستبدل توصيفات مثل “مجزرة” أو “تعذيب” بعبارات ضبابية كـ”أحداث مؤسفة” أو “تداعيات الأزمة”. في التعليم، تُحذف سنوات الحرب من بعض المناهج غير الرسمية بحجة “توحيد الرواية الوطنية”. وفي القانون، تُطرح مشاريع عفو عام دون تصنيف واضح للجناة أو اعتراف بالضحايا.

حتى في الفضاء الرقمي، تُمارس رقابة اجتماعية ناعمة: من يكتب عن التعذيب يُتهم بإثارة الكراهية، ومن يروي تجربته يُسأل: “ألا تريد أن نعيش بسلام؟”

تقول فدوى محمود، زوجة عبد العزيز الخير ووالدة إياس عياش، المختفين قسرًا منذ 2012: “السماح لا بدّ منه، لكن له خطوات، أولها تحقيق العدالة. حين تتحقق العدالة، يقرر الإنسان إن كان يسامح أم لا. لكن السؤال هو: من سنسامح؟ وعلى أي أساس؟ إذا كنت لا أعرف ما الذي حدث بعائلتي، لا أستطيع أن أسامح من يخفي معرفة الحقيقة”.

التسامح الحقيقي أم إعادة إنتاج الصمت؟

ترى الناشطة السياسية مجدولين حسن أن: “التسامح يُبنى بالعدالة، والاعتراف، والحق في معرفة الحقيقة، وتجريم خطاب الكراهية وإنكار سرديات لا تروق للبعض، واعتماد سرديات أخرى قد تولّد غضبًا وكراهية. عندها فقط يكون التسامح نابعًا من رغبة حقيقية بالمضي إلى المستقبل، لا تسامحًا خارجيًا أو قسريًا”.

وتضيف: “التسامح لا يمكن أن يتحقق دون الحقوق، وعدم التمييز، والمساواة، وإلا فلن تكون هناك مصالحة مجتمعية فعلية”.

كلفة الصمت: حين تُكتب الذاكرة لصالح الأقوياء

حين تُحجب سرديات الضحايا، لا يعود الماضي أداة للفهم، بل مادة للإنكار، ويُعاد تشكيل التاريخ بما يخدم السردية الغالبة. تُبنى الدولة حينها على وهم المصالحة، لا على أسس أخلاقية متينة.

يقول الشاعر ضياء العبدالله: “في مقاربة مفهوم التسامح، يجب التمييز بين الحق الشخصي والحق العام. في حالتنا، وأمام مجازر إبادة جماعية، لا يجوز الكلام عن التسامح قبل تطبيق العدالة. بعد العدالة وجبر الضرر، يمكن الحديث عن التسامح، لكن ذلك مشروط بزوال الأسباب التي أدت إلى المجازر”.

ويضيف: “المشكلة لا تكمن فقط في الجرائم، بل في الذهنيات والعقائد التي حملها الجناة، والتي ما تزال فاعلة في ظل سلطة متغلّبة، ما يجعل الحديث عن تسامح جامع، بنظر كثيرين، سابقًا لأوانه”.

نحو عدالة لا تُخيف

الخروج من منطق التسامح القسري يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الحقيقة والسلام. فالحقيقة لا تُهدد السلم، بل تحميه، والعدالة لا تعني الانتقام، بل ردّ الكرامة، ومنح الضحايا موقعهم الطبيعي في السرد العام.

في سوريا، لا يُطرح سؤال “كيف نعيش معًا؟” غالبًا بوصفه بحثًا عن عدالة مشتركة، بل كطلب غير معلن من الضحايا أن يصمتوا كي تستقيم صورة السلام. غير أن السلام الذي يُبنى على الصمت، لا يدوم.

في سوريا، كما في أي مجتمع خارج من القمع، لا يمكن بناء مستقبل مستقر على ذاكرة مبتورة. السلام لا يبدأ من النسيان، بل من الاعتراف. ومن هناك فقط، يمكن للتسامح أن يكون خيارًا أخلاقيًا حرًا، لا قناعًا سياسيًا.

الترا سوريا

—————————

تقرير حقوقي يطالب الحكومة السورية بالمساءلة الشاملة عن الانتهاكات

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن الحكومة السورية اتخذت في عام 2025 خطوات أولية لتعزيز العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، ويجب المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف.

وأضافت المنظمة في تقريرها الصادر اليوم، الأربعاء 4 من شباط، أن السلطات السورية أنشأت هيئات حكومية جديدة معنية بالعدالة الانتقالية والكشف عن مصير آلاف المفقودين في سوريا، لكن، رغم وعودها بالمساءلة عن أعمال العنف والقتل على أساس الهوية التي ارتكبتها القوات الحكومية في آذار وتموز 2025، لم توفر سوى القليل من الشفافية بشأن دور كبار المسؤولين والقادة.

وقال نائب مديرة الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش”، آدم كوغل، إن السلطات السورية الجديدة جعلت العدالة والمساءلة أولوية، لكن هذه الجهود لا يمكن أن تكون انتقائية أو أحادية الجانب.

وبحسب تعبيره، فإنه للانتقال بسوريا إلى حقبة جديدة تحترم الحقوق، على السلطات السورية أن تضمن المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف قبل كانون الأول 2024 وبعده، وألا تكتفي بالتدقيق في الجرائم الفردية بل تدقق في المسؤولية المؤسسية أيضًا.

وذكر التقرير أن الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار 2025، يؤكد استقلال القضاء، لكن على الحكومة أن توفّر الأطر القانونية والمؤسسية الأساسية اللازمة لمقاضاة الجرائم الدولية الخطيرة ومعالجة مسألة مسؤولية القيادة.

وأضاف أن السلطات الحكومية التقت مع منظمات المجتمع المدني بشأن المساءلة، وأدرجت الحكومة عدة خبراء في مجال العدالة في اللجان الوطنية المكلفة بهذه المهمة، لكن عليها أن توضح كيف سيتم إشراك الضحايا وأصحاب المصلحة بشكل هادف في صياغة عمليات المساءلة والمشاركة فيها.

كما أدى نشر القوات الحكومية في 2025 ردًا على الهجمات والعنف المسلح في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة في آذار، وفي محافظة السويداء في تموز، إلى موجة من العنف القائم على الهوية في تلك المناطق.

وحققت السلطات السورية بشكل موثوق في هذه الحوادث، لكنها لم توفّر قدرًا يذكر من الشفافية بشأن دور كبار القادة العسكريين أو المدنيين أو كيف ستحاسب الحكومة أصحاب السلطة القيادية، بحسب التقرير.

في 2025، رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة على سوريا منذ فترة طويلة، وهي خطوة حاسمة نحو تحسين حصول السوريين على حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية الأساسية وإعادة بناء بلد دمرته سنوات من النزاع المرير.

ومع ذلك، يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويكافح أكثر من نصفهم للحصول على الغذاء الكافي ويحتاجون إلى المساعدات.

المنظمة طالبت الحكومة السورية بحماية الحقوق الأساسية لجميع السوريين في التشريعات والمؤسسات الحكومية الجديدة، وضمان أن تحكم معايير حقوق الإنسان جميع جهود العدالة، والتصديق على الصكوك والمعاهدات القانونية والدولية لحقوق الإنسان وتنفيذها، وأيضًا أن تنضم إلى “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية” وتقديم إعلان يمنح المحكمة الولاية القضائية على الجرائم الماضية.

ينبغي للسلطات أيضا تعزيز التعاون مع آليات المساءلة الدولية، بما يشمل آليات “الأمم المتحدة”، والسماح لها بالوصول، ويتعين عليها إجراء إصلاحات أمنية، كذلك عليها إقصاء المقاتلين الذين ارتكبوا انتهاكات من قواتها الأمنية وفرض هياكل قيادة ومدونات سلوك واضحة، بحسب ما ختم به التقرير.

جهات حكومية ومحلية مسؤولة عن انتهاكات السويداء

كانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قالت في تقرير لها، إن القوات الحكومية السورية، والجماعات المسلحة البدوية، والدرزية المحلية، مسؤولة عن انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات في محافظة السويداء السورية في تموز 2025، محملة الحكومة المسؤولية في غياب المحاسبة.

ووثقت في التقرير، الذي نشرته في 15 من كانون الثاني الماضي، 86 حالة قتل يفترض أنها “غير قانونية”، طالت 67 مدنيًا درزيًا، و19 مدنيًا بدويًا.

كذلك تحققت من سبعة حوادث قتل تعسفية بين 14 و19 من تموز 2025، قتلت فيها القوات الحكومية و”الميليشيات” التابعة لها 54 مدنيًا درزيًا على الأقل، بينهم أطفال، كما وقعت العديد من حالات القتل هذه في منازل الضحايا أو بالقرب منها.

أحداث السويداء

بدأت أحداث السويداء في 12 من تموز 2025، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس، ذي الأغلبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، وتطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات مسلحة.

وتدخلت الحكومة السورية في 14 تموز لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات ضد مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بينها مجموعات كانت تتعاون سابقًا مع وزارتي الدفاع والداخلية.

وفي 16 تموز، انسحبت القوات الحكومية من السويداء بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، تبعها ارتكاب انتهاكات وأعمال انتقامية ضد سكان البدو في المحافظة.

الأحداث تلك أدت إلى إرسال أرتال مسلحة على شكل “فزعات عشائرية” لنصرتهم.

عقب ذلك، توصلت الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة أمريكية لوقف العمليات العسكرية.

أحداث الساحل

اندلعت أحداث الساحل، في 6 من آذار 2025، عقب تحركات لبعض عناصر في جيش النظام السابق، استهدفت عناصر للأمن العام في ريف اللاذقية غربي سوريا.

وخلّفت انتهاكات واسعة طالت مدنيين، أدت لمقتل المئات منهم، على خلفية انتماءات طائفية.

عنب بلدي

—————————–

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى