تاريخسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

بعد مرور 12 عاماً على اختطافه في معقل “داعش”.. أين الأب باولو؟

 

ربى خدام الجامع

2025.08.04

قبل 12 عاماً، وفي أحد صباحات هذا الشهر، توجه الكاهن اليسوعي الأب باولو دالوليو وحيداً إلى أحد مقار تنظيم الدولة بمدينة الرقة.

سأله أحد من استضافوه من أهل المنطقة عن السبب الذي دفعه للمخاطرة بحياته والانتقال إلى تلك المدينة، فقال: “علي أن أذهب إليهم لأني أحمل لهم رسالة من الكرد”، وبعد ساعات على ذلك، أُعلن عن اختطافه، ولم يُعرف له أثر منذ ذلك الحين.

مصير مجهول

اختفى الأب دالوليو في 29 تموز من عام 2013، وكان عمره وقتئذ 59 عاماً، وأتى ذلك بعد أيام على وصوله للرقة قادماً من تركيا، ضارباً عرض الحائط بتحذيرات الأصدقاء والدبلوماسيين الذين خافوا عليه. استقبل كثير من أهالي الرقة دالوليو بحفاوة، إذ شوهد وهو يحيي الجموع خلال مظاهرة خرجت نصرة لمدينة حمص المحاصرة وقتئذ.

غير أن الناشطين ذكروا بأن تنظيم الدولة غضب عليه بسبب انتقاده الصريح للعنف الذي مورس ضد الكرد في مدينة تل أبيض، وأكد دبلوماسي غربي فيما بعد بأن دالوليو أصر على الذهاب إلى هناك مهما كلف الأمر.

لم يعرف أحد ما حدث لدالوليو في صبيحة ذلك اليوم التموزي داخل أحد مقار تنظيم الدولة، وعلى الرغم من الشائعات والتخمينات، لم يتضح إن كان الكاهن اليسوعي مايزال على قيد الحياة أم فارقها.

وبذلك أصبح دالوليو واحداً من المفقودين الكثر في سوريا، إذ بحسب اللجنة الدولية للمفقودين، هنالك أكثر من 130 ألف مفقود في الحرب السورية التي انتهت بسقوط الأسد في كانون الأول من عام 2024.

اختفى الصحفي الأميركي أوستن تايس في سوريا في عام 2012 وذلك في أثناء نقله للأخبار بالقرب من دمشق، ولم يعرف له أثر منذ ذلك الحين، وتعتبر حالة تايس واحدة من أطول الحالات التي لم يتم التوصل إلى حل من أجلها من بين حالات المفقودين الأجانب في خضم النزاع السوري، وتخبرنا ديبرا والدة تايس في مقابلة أجريت معها بأنها لم تحصل سوى أدلة قليلة تتصل بابنها على الرغم من الرحلات الكثيرة التي أجرتها إلى سوريا، والتي أقامت خلالها مع السوريين من الطائفة الكاثوليكية.

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بأن الولايات المتحدة تواصل بذل الجهد لمعرفة مكان أوستن تايس، لكنها لم تتوصل إلى معلومات محددة عن مكان وجوده، وذلك بحسب ما نقلته وكالة رويترز في كانون الثاني الماضي.

بالنسبة لمن يعرفون دالوليو، فإن اختفاءه يمثل الاستمرار المأساوي لحياة شخص نذر حياته من أجل السلام والحوار بين الأديان إلى أبعد مدى.

رمز المصالحة والحوار

منذ عام 1982، وعلى مدار ثلاثة عقود، عاش هذا الكاهن في سوريا خادماً في دير مار موسى الأثري، والذي رممه بيديه وحوله إلى مركز للحوار بين المسيحيين والمسلمين.

يعرف هذا الدير باسم دير مار موسى الحبشي، ويعتقد بأنه أقيم في القرن السادس الميلادي أو قبل ذلك بكثير، ويبعد عن العاصمة السورية مسافة 80 كيلومتراً تقريباً.

طرد نظام الأسد دالوليو في عام 2012 بعد أن وقف بجانب ضحايا القمع العسكري الأسدي، لكنه واصل مناصرته ودفاعه عن فكرة المصالحة بين الطوائف العرقية والدينية بسوريا، حتى في الوقت الذي هددت الحرب تلك المساعي.

بالنسبة لشقيقة باولو الكبرى، واسمها فرانشيسكا، وتعيش في روما، فإنه خسارته لم تكن مجرد خسارة لكاهن أو لشخصية عامة، بل إنها خسارة لأخ كان دوماً يتمتع باستقلالية كبيرة، حتى منذ نعومة أظفاره.

وفي مقابلة أجريت معها، تقول فرانشيسكا: “كان باولو بحاجة دائمة للاعتراف والتقدير من العائلة، فقد كان شخصية حساسة للغاية، ناهيك عن عاطفيتها، غير أنه كان قادراً أيضاً على التفكير بعمق شديد حتى عندما كان طفلاً”.

كان باولو الرابع بين تسعة أشقاء وشقيقات، وقد أبدى خلال نشأته نزعة نحو الحوار والمناقشة، إذ كان يتحدث إلى الرعاة والعمال، ويتواصل مع أناس من مختلف مشارب الحياة.

تتحدث عنه فرانشيسكا فتقول: “كان عندما يتحدث إلى شخص ما ينسى كل شيء آخر، وكان له صوت جهوري كما كان يغني برفقة أصدقائه على الدوام”.

مهمة ملحة

عندما زراته فرانشيسكا في دير مار موسى الأثري بسوريا في عام 2008، وجدته رجلاً وصل لحالة السلام، وعنه تقول: “لقد عثر باولو على طريقه هناك، وكان سعيداً بذلك”.

ولكن خلف القوة الهادئة لمار موسى كانت الأرض تميد، إذ خلال السنين التي سبقت اختفاءه، أصبح دالوليو أحد المؤيدين المعروفين للثورة السورية ضد نظام الأسد، وقد حملت كتاباته التي نشرها بصحيفة هافينغتون بوست الإيطالية ورسائله عبر البريد الإلكتروني لأسرته نبرة توحي بأن أمامه مهمة عاجلة.

في آخر رسالة إلكترونية أرسلها إلى فرانشيسكا في تموز عام 2013، كتب الأب باولو: “عزيزتي تشيكا: أعتذر لك لأن عليك أنت أيضاً أن تتحملي عبء رسالتي”.

تعلق فرانشيسكا على تلك الرسالة فتقول: “لقد تأثرت، فقد شعرت بالعبء الذي نتحمله، لكنني شعرت تجاه ذلك العبء بالمحبة وكأنه شيء جميل”.

بيد أن التوتر تصاعد داخل الأسرة أيضاً، إذ بعد اختفاء دالوليو على يد تنظيم الدولة كما نمي لأفراد عائلته، اختلف الأشقاء والشقيقات حول الرد العلني على خبر الاختفاء، إذ تقول فرانشيسكا: “ظهرت آراء ومواقف مختلفة، ما تسبب بانقسام كبير ومعاناة، لأن جزءاً منا كان يرغب بنشر رسالة باولو، في حين أن البقية فضلوا عدم التحدث عن الأمر”.

التقت أسرة دالوليو بالبابا فرنسيس مرتين، إذ تقول فرانشيسكا: “قدمنا له كتاب باولو (أؤمن بيسوع من محبتي للإسلام)، فوعدنا البابا بقراءته خلال سفره إلى أبوظبي في شباط عام 2019، حيث وقع إعلاناً تاريخياً حول الحوار بين الأديان، ثم وجه مناشدتين لإطلاق سراح دالوليو.

ومنذ ذلك الحين، انتشرت شائعات وأخبار كاذبة وتخمينات حول اختفائه، لم يؤكد أي منها، وتعتقد فرانشيسكا بأن: “باولو كان يجب أن يصمت، لأن خبر وفاته يعني انتشار رسالته، وبذلك سيستمر في كونه مصدر إزعاج لمن هم في السلطة”.

فرصة العمر

ارتفع الصوت السياسي للأب باولو مع انطلاق الربيع العربي في عام 2011، فقد التقى الصحفي والكاتب ريكاردو كريستيانو الأب باولو بعد فترة قصيرة على طرده من سوريا في عام 2012، وحدث ذلك بعد أن أرسل له مخطوطة عن الربيع العربي في لبنان، فرد عليه دالوليو على الفور عبر البريد الإلكتروني في رسالة كتب فيها: “إذا أردت أن تسهم في طردي من سوريا، فلقد اخترت الطريق الصحيح، ولا يمكنني أن أكتب أي شيء عن ذلك الآن، لكني مهتم أشد الاهتمام بما كتبته”.

وسرعان ما تقارب الرجلان بعد ذلك، إذ يقول كريستيانو: “أصبح رفيق حياتي، فقد كان شخصية إنجيلية إلى أبعد مدى، وقد طبق كل ذلك على واقعه”.

يخبرنا كريستيانو عن رأي الأب باولو بالربيع العربي فيقول: “رأى باولو في الربيع العربي فرصة لا تأتي في العمر إلا مرة واحدة”.

أسس كريستيانو رابطة للصحفيين أصدقاء الأب باولو دالوليو بعد اختفائه، فلقد استمرت علاقتهما طوال رحلة العودة السرية للأب باولو التي توجه من خلالها إلى العراق في عام 2013، ثم سافر إلى تركيا، وبعد ذلك إلى الرقة التي كانت محطته النهائية، إذ كان آخر حديث عبر الهاتف بينهما قبل رحيله إلى الرقة، وكان باولو يومئذ هادئاً لكنه كان على عجلة من أمره، إذ يتذكر كريستيانو ما قاله الكاهن وهو: “من الواضح أن كل شيء بات على وشك الانفجار هنا، ولابد أن يدخل الكرد في معركة ضد تنظيم الدولة في سوريا، كما ستتورط المنطقة بأكملها في ذلك”.

في 29 تموز من عام 2013، دخل دالوليو المنطقة التي كان تنظيم الدولة يسيطر عليها في مدينة الرقة، أي أنه لم يتوجه إلى هناك بالصدفة أو بدافع من السذاجة على حد وصف كريستيانو الذي أضاف: “أخبرنا باولو بأنه وبكل وسيلة ممكنة لن يبارح الرقة حتى تستقبله قيادات تنظيم الدولة، فقد كان زعيماً للناس وعلى الرغم من عدائه لتنظيم الدولة، دافع عن الكرد ضد المجازر التي نفذها بحقهم هذا التنظيم”.

يخبرنا كريستيانو بأنه يعتقد بأن دالوليو مضى إلى هناك ليفاوض من أجل إطلاق سراح رهائن كرد على الأغلب، وذلك بالنيابة عن المجتمعات التي وضعت ثقتها به.

جاء في تقرير رويترز عن اختفاء الكاهن أنه في مساء يوم 29 تموز، غضب تنظيم الدولة على دالوليو بسبب انتقاده للمجزرة التي نفذها التنظيم بحق الكرد، ومنذ ذلك الحين، لم يعلن أحد مسؤوليته عن اختفاء الأب.

يشرح كريستيانو الموقف بقوله: “إن عدم السماح لحامل تلك الرسالة بالعودة يعني رفضهم لها، فقد كانوا يعرفون بأن باولو محبوب جداً بين السكان المسلمين والمسيحيين، وهؤلاء كان تنظيم الدولة يسعى لإخضاعهم لسيطرته”.

قضية لا يمكن أن تغلق

خلال السنوات التي أعقبت اختفاء دالوليو، انتشرت شائعات كثيرة، يحدثنا عنها كريستيانو فيقول: “منذ عام 2013 حتى الآن، ظهرت سلسلة من الأخبار الكاذبة والرسائل مجهولة المصدر، وأزعم بأنها كانت عمليات تلاعب تتناسب والبيئة السورية”.

أعجب الأب اليسوعي فيديريكو لومباردي مدير مكتب Holy See Press خلال الفترة ما بين عامي 2006-2016 بتواصل الأب دالوليو مع الإسلام بطريقة تشتمل على تحد وأصالة، لم تفهم معناها دوماً الطوائف المسيحية المحلية، وهذا ما دفعه إلى القول: “لقد سعى باولو لإقامة حوار ديني وليس حوار بين الأديان، والذي بوسعنا من خلاله أن نصل إلى أصل علاقتنا بالله”.

ويتذكر لومباردي كيف أقام البابا فرنسيس قداساً بكنيسة يسوع في روما بعد يومين على اختفاء الكاهن، وبعد عام على ذلك، التقى أبناء رعية مار موسى بالبابا فرنسيس وقدموا له أيقونتين صغيرتين، فاحتفظ البابا بأحد الأيقونتين في مسكنه الخاص ببيت القديسة مرتا الذي يعتبر دار الضيافة داخل الفاتيكان.

قال الأب اليسوعي أرتورو سوسا، الرئيس العام للرهبنة اليسوعية، في رسالة وجهها إلى يسوعيي الشرق الأوسط والمغرب العربي، بأنه كان يأمل أن تكتشف حقيقة اختفاء الكاهن بنهاية الحرب، إذ كتب ليقول: “يؤسفني عدم تحقق أملي حتى الآن، فقد كان الأب باولو يتحدى من حوله، ثم تعرض للتشريد والاضطهاد، شأنه في ذلك شأن بقية الرسل الصادقين، ومع ذلك وقف شامخاً بصرف النظر عن الأثمان التي دفعها، ولم يتزحزح قدر أنملة عن التزامه بالحق والعدل”.

عندما تحدثت تقارير في حزيران الماضي عن اكتشاف مقبرة جماعية في الرقة يحتمل وجود جثمان دالوليو فيها، تواصلت فرانشيسكا مع المركز السوري للعدالة والمساءلة، فأخبروها بأن الحفر لم يصل لتلك المنطقة بعد، أي أنهم نفوا بذلك الخبر.

وفي الوقت الذي حاولت بعض المؤسسات الغربية مد يد العون، وعلى رأسها وزارة الخارجية الأميركية التي عرضت مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأب باولو، بقي كريستيانو يشكك في أمر وفاة دالوليو.

وتخبرنا فرانشيسكا بأنها لا تريد لقضية شقيقها أن تغلق، وتقول: “لابد من أن تخرج الحقيقة الموثقة للعلن، وأنا على أتم الاستعداد لاستقبالها”.

المصدر: NCR 

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى