سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

هل دمشق جاهزة لتكون عاصمة ثقافية إسلامية في 2027؟/ علي سفر

 

الثلاثاء 2025/08/26

تضاربت الأخبار المنشورة حول زيارة وفد من منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) إلى دمشق، واجتماع مديرها العام الدكتور سالم بن محمد المالك مع وزيري الخارجية والثقافة، فظهر أن ثمة شيئًا غير مفهوم بين خبر ركيك نشرته وكالة “سانا” الرسمية، عن اجتماع “الوزارة” وليس الوزير مع الوفد، ثم نقلته عنها الصحف السورية، وجرى فيه الحديث عن مشروع إعلان دمشق عاصمة للثقافة الإسلامية في العام 2027… وبين أخبار نشرها موقع المنظمة تحدث فيها عن قيام لجنة رسمية بعقد اجتماعات تنسيقية مع ممثلي وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، والثقافة، من أجل مناقشة أولويات التعاون في دعم عملية تعافي الدولة السورية، وبيان أولويات ومتطلبات كل وزارة في مجالات التربية والعلوم والثقافة.

وبعدما استعرض صانع الخبر، مجريات النقاش بين اللجنة الخاصة وفرق الوزارات، جاء في السياق أن وزارة الثقافة حددت أولوياتها في مناقشة ترشيح دمشق عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي للعام 2027، وتسجيل التراث الثقافي السوري في لائحة الإيسيسكو للتراث في العالم الإسلامي، ومتطلبات ترميم المكتبة الوقفية والجامع الأموي في حلب.

اللحاق بأصول فكرة إعلان دمشق عاصمة للثقافة الإسلامية، يوضح أن الموضوع طُرح أولاً من قبل مدير الإيسيسكو في اجتماعه مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، ويبدو أن وزير الثقافة تلقف الأمر، ليصبح الموضوع رئيسيًا لديه. طبعًا، بالإضافة إلى ما قدمه وفد المنظمة من مساعدة في تسجيل مواقع تراثية وأثرية سورية جديدة في لوائح الإيسيسكو للتراث في العالم الإسلامي، إضافة إلى استعداد المنظمة لإرسال لجنة فنية لحصر ما تعرضت له المواقع التراثية السورية من أضرار خلال السنوات الماضية، بحيث تُصدر تقريرًا فنيًا مفصلًا يكون وثيقة معتمدة، تُساهم في الجهود السورية المتعلقة بترميم التراث.

لا مشكلة في طرح أي جهة دولية أفكارًا على الحكومة السورية، في هذا الوقت، الذي يُعلن فيه أن عملية البناء قد بدأت على كافة الصعد، لكن السؤال الذي يجد مكانًا ملحًا هنا يتعلق بقدرة سوريا على الاستجابة لمقتضيات المناسبة!؟

تجربة المدن السورية في مناسبات كهذه ليست كبيرة، فقد أُعلنت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية العام 2006 خلال مؤتمر وزراء الثقافة في منظمة المؤتمر الإسلامي (بالتعاون مع الإيسيسكو)، الذي عُقد في الجزائر العام 2004. وكذلك أُعلنت دمشق عاصمة للثقافة العربية في العام 2008، خلال اجتماع اللجنة الدائمة للثقافة العربية التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) العام 2006. أي أن المدة الزمنية التي مُنحت لهاتين المدينتين هي عامان تقريبًا، لكن علينا هنا التوقف عند حالة الدولة والمجتمع السوريين في ذلك الوقت. فرغم أن النظام الأسدي كان يعاني حينها تبعات العقوبات التي فُرضت عليه بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكذلك تبعات حرب تموز في لبنان أيضًا، إلا أن هذا كله لم يُعطِّل إمكانية قبول التكليف، حيث كانت ثمة ملاءة لتنفيذ الخطط بالحد الأدنى.

ورغم أن تقييم نتائج مثل هذه المناسبات يتعلق بالإنجازات التي يمكن أن تُنتَج خلالها، إلا أننا سنتجاوز هذا الأمر بسبب غرق البلاد بعد سنوات قليلة في أزمتها الكبرى التي انعطفت نحو الانفراج -كما يُفترض- بعد سقوط نظام الأسد. فإذا كانت الأوضاع الطارئة توجب دائمًا البحث عن أدوات تُمكِّن المؤسسات الحكومية من البقاء والاستمرار، فإن الواقع الذي كشفت عنه مراجعات الواقع بعد دخول المعارضة المسلحة إلى دمشق، يُظهر أنها باتت مهلهلة، وأنها تحتاج إلى خطوات جبارة كي تستعيد قدراتها التي كانت عليها قبل العام 2010، وهذا ما يُفترض أن يحدث ضمن المرحلة الانتقالية، التي لم تتجاوز بضعة أشهر من عمرها، وتعاني فيها الكوادر السورية من التشتت بسبب عدم وضوح السياسة الحكومية بين فصل أعداد كبيرة من الموظفين، وغربلة الكفاءات عن موظفي الوساطات وإعادة من يستحقون إلى أعمالهم!

ربما تستطيع وزارة الثقافة التعاقد مع موظفين مؤقتين لإنجاز المهمة، لكن المشكلة الأكبر في قضية الإعلان عن دمشق عاصمة للثقافة الإسلامية، تكمن في أن الفضاء الثقافي في البلاد كلها غير مستقر، مع غياب الاستقرار السياسي أيضاً، إذ لا وجود لمجلس تشريعي، وثمة مشاكل هائلة تتعلق بعدم توافر الخدمات الأساسية بالشكل المطلوب الذي يؤمّن الأرضية الأولى للفعاليات. إضافة إلى سؤال حول استقرار المثقفين في وطنهم، ومساهمتهم في صناعة فضاء ثقافي حر، يُعبّر فعلًا عن الثقافة الوطنية السورية في بُعدها الحضاري الإسلامي. وقبل هذا وذاك، ثمة سؤال لا يجب القفز عنه: هل هناك خطط جاهزة لما يمكن أن يتم صُنعه في هذه المناسبة التي لا تتكرر دائمًا؟

وبعيدًا من لهاث المسؤولين في مكاتبهم الحكومية وراء إنجازات تُنسب لهم وينشرون عنها أخبارًا مُزيَّنة بصورهم في صفحات التواصل الاجتماعي، فإن إعلان دمشق عاصمة للثقافة الإسلامية 2027، إن تم، لن يكون مجرد احتفالية رمزية، بل امتحانًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات السورية على استعادة دورها في صياغة مشهد ثقافي متكامل، يستند إلى بُنى تحتية سليمة، وكوادر مؤهلة، ورؤية تتجاوز الشعارات إلى الفعل الثقافي المؤثر. فهل ثمة جهة تستطيع أن تشرح وتحدد المتوافر من إمكانات النجاح في هذا الأمر؟

الرهان لا يتعلق ببرنامج من الإيسيسكو فحسب، بل بمدى استعداد المجتمع السوري لاحتضان هذا الدور مجددًا، وتقديم ثقافة تعكس تنوعه التاريخي وتطلعه نحو المستقبل، في ظل مرحلة انتقالية، ما زال السوريون يعيشون فيها الخوف من تفجّر صراعات دموية كارثية، تُجدد إحساسهم بفقدان بلادهم مرة ثانية، لكن إلى الأبد هذه المرة.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى