أيُّ المُجبَرين كُنت؟/ رزان عمران

عن وصمة إعلاميي النظام (X) في الساحل السوري
02-10-2025
يمكنك أن تكون «مُجبَراً» مدعياً، مبتذلاً، من نوع «شادي حلوة» في سياق تبرئته لنظام مجرم، ويمكنك أن تكون «مُجبَراً» غير مشهور، لم يسمع بك أحد، ولم تؤثر بأحدٍ سلباً، وربما حتى إيجاباً. في الحالتين، تصنيفك كإعلامي رسمي أو شبه رسمي في عهد الأسد، يضعك موضعَ تساؤل في العهد الجديد: أيٌّ المُجبَرين كُنت؟ المُطبِّل؟ أو عازف غيتار في مؤخرة الأوركسترا، بالكاد تُسمَع نقرته، ولا يمكنه تجاهل المايسترو؟
في الساحل على وجه الخصوص، تُلاحِقُ وصمةُ التطبيل للأسد إعلاميي النظام السابق، حتى من كان دورهم؛ «كنس المسرح»، وملاحقة الأخبار الخدمية وحوادث السير والسرقة، وافتتاح معرض، وتغطية حملة تشجير، وأُمسية وأُصبوحة و«ظهرية» شعرية، وتكريم متفوِّقين. ملامح حياة «عادية» غطّاها عشرات الصحفيِّين الحكوميِّين وشبه الحكوميِّين منذ 2011، في محافظتين بعيدتين عن الحرب، نسبياً.
كانوا محظوظين أنهم لم يخضعوا لامتحان أخلاقٍ قاسٍ، لم يشاهدوا جثثاً في كل مكان، لم يروا حاراتهم تُدمَّر، لم يعيشوا رعب الملاحقة الأمنية والتنكيل بعوائلهم على النحو الذي عانى منه صحفيون في محافظات أخرى. تَركوا مهمة الإعلام الحربي والتطبيلي لقلة من «العُتاة»، ممن عُيِّنوا بواسطة نافذين، دون أن تكون لهم صلة بالصحافة: مصادرهم أمنية بالكامل، يظهرون بعد «تنظيف» مسرح الجريمة، الصور والفيديوهات التي يلتقطونها مرفقة بنصٍّ مُعدٍّ سلفاً، يُحمِّلُ «الإرهابيينَ» مسؤولية كل شيء.
مع مساحة «الأمان» تلك، لم يتعرّض الصحفيون في الساحل، غير المنخرطين ضمن الآلة الحربية، لاختبارِ مهنية حقيقي. في سنوات الحرب لم تَعُد هناك «مهنة» أساساً، إلا فيما ندَر من تحقيقات استقصائية حول فسادٍ ماليٍّ وإداريٍّ، كانت معياراً وحيداً تُقاسُ به كفاءة الصحفي، بل وحتى هذا، بدوره، لم يكن في منأى عن اتهامه بتنفيذ «تعليمات أمنية» بالنشر.
سقوط الأسد انتزع صحفيي الساحل من دائرة الأمان الوهمي. تساءلوا، بعضهم لأول مرة، عن جدوى ما «آمنوا» به، وما كتبوا في إطاره. الحربيون اختفوا كمن ابتلعته الأرض، يتمنون من أعماقهم أن ينسى الناس أين كانوا خلال 14 سنة، بل أن ينسوهم تماماً.
مجازر الساحل مَثَّلت الامتحان القاسي المُؤجَّل؛ القتلُ المباشر يحدث هنا، بين بيوتهم، والمطلوب، «رسمياً» أيضاً، ألا يُفصِحوا عن الحقيقة بالكامل، والأفضل ألا يتدخلوا. هناك من تسلّمَ الراية عن الحربيين القدامى. صحفيون جُدد بخطاب سلطوي، ورواية أحادية تبريرية لجرائم الحكم الجديد.
نتيجة الامتحان قسمت صحفيي النظام (X) بين من انكفأ لطائفته – أغلبيتهم الساحقة علويون – فباتوا من الصامتين الجدد، ومن انكفأ إلى مساحة الأمان السابقة: أخبارٌ عن المتفوقين والمشاريع الصغيرة والحلويات المحلية وبعض الأنشطة الثقافية، تاركين الساحة لـ«إعلاميين» يبثّون من الخارج، بلغة المظلومية المطلقة، يخلطون بين التوثيق والتحريض، بين الحقيقة والانتقام، على السوشيال ميديا، مُتقنين الاحتيالَ على خوارِزميَّاتِها الهشّة.
تبدو منشورات إعلاميي الخارج هؤلاء كبيانات تعبويّة، تُحرّك الغضب، وتستدعي الثأر، وتُغذّي الانقسام. يستخدمون الصحافة دون كوابح، في بيئة نزاع مخيفة، حيث الكلمة قد تقتل، والصورة قد تُشعل جمهوراً يُحس بتهديد وجوديٍّ، ومعلومة، مؤكدة أم لا، قد تُفجِّر شارعاً. لا يعتذرون عن تجييش، ولا يهمهم إن أساءت «كذبة» إلى قصة حقيقية ومظلومية واقعة فعلاً، تُثبتُ وقوعها خطابات كراهية وتشفٍّ يومية. يومية، منذ 14 سنة.
الأخطر، أن العائدين إلى طوائفهم ينظرون إلى أصوات الخارج كمسَاحةِ أمانٍ جديدة. لا يهتمون لمراجعة أنفسهم، وتبدو عبارات مثل «كنّا مُجبَرين» و«لم نكن نعلم» نغمة تبريرية سهلة يرددونها، غير مبالين بـ«عار» أن تُسمي نفسك صحفياً، وأنت لا تعلم بما يحدث في مكان آخر من بلدك ذاتها، بينما روبوتات الدردشة تعرف أكثر منك، وتنتظر منك أن تسألها، لكنك لا تفعل.
آخر ما يحتاجه الصحفي في الساحل، والذي تهمُّه مهنته، الانكفاء إلى مساحات أمان وهمية جديدة، بل يحتاج إلى ممارسة يومية، تُثبت أنه لم يعد موظف علاقات عامة، وإلى مراجعة أرشيفه؛ لا ليحذفه، بل ليفهم كيف ساهم في صناعة وهم الاستقرار، وكيف غطّى على وجع الآخرين، وأي هاوية ساهم بانزلاق البلد إليها، ولو بجهله فقط.
في بيئة مُحتقِنة كالساحل السوري، بإعلاميِّيها القدامى والناشئين، المؤيدين السابقين والحاليين، وبمطبليها الجُدد، تتداخل الذاكرة الطائفية مع الخوف من المستقبل، ويتداخلُ الحزن بالشك. هنا لا يملك الإعلام رفاهية الحياد البارد أو الإثارة المجانية. عليه أن يُغلِّبَ المسؤولية الاجتماعية على أي اعتبار، أن يضع الأخلاق فوق السبق، والفطرة السليمة فوق العناوين الجذّابة، وكرامة الإنسان فوق كل سرديّة سياسية أو انتقامية.
في مثل هذه البيئة، تكاد الحقيقة لا تكفي وحدها، بل أن تُقال بطريقة لا تفتح جراحاً، ولا تزرع الكراهية في تربة مثقلة بالدم. ليس الإعلام هنا مرآةً تعكس الواقع تماماً كما هو، بل ضمير جماعي في مجتمع هشّ، يُوجِبُ اختيار الكلمات كما يُختار الدواء للمريض، بوعي وحذر، وبِنيّةِ الشفاء لا التجريب.
موقع الجمهورية



