الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

مصير اتفاق 18 كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية و “قسد” قبل انتهاء فترة وقف اطلاق النار مساء اليوم السبت 24 كانون الثاني 2026

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي:

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

—————————————-

تحديث 24 كانون الثاني 2026

———————————

سوريا واستعادة سلطة الدولة/ فايز سارة

24 يناير 2026 م

لم يعد بإمكان أي دولة أن تغمض عيونها، أو تغلق آذانها عما يقع من أحداث في جوارها؛ فسياسة الستار الحديدي، التي اتبعها ستالين في عزل الاتحاد السوفياتي ودوله الحليفة عن العالم في ثلاثينات القرن الماضي، انتهت منذ زمن بعيد، ومحاولات الفصل التي جرت بعده بإقامة جدران فاصلة مع الآخرين، ومنها جدار الفصل الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فشلت في تحقيق العزلة والانعزال. وهذا بعض ما يجرنا للوقوف عند حساسية دول الجوار السوري إزاء ما حصل ويحصل في شمال سوريا وشمالها الشرقي، في ضوء الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والتي تسعى أطراف مختلفة إلى وقفها والتوصل إلى حلول سلمية في الخلافات القائمة. ويمتد خط دول الجوار السوري ليشمل بلداناً محيطة وهي تركيا والعراق، بما فيه إقليم كردستان، والأردن وإسرائيل ولبنان، ويشمل الخط نسقاً ثانياً فيه بلدان أبعد بينها إيران وبلدان الخليج العربية ومصر. وتختلف حساسيات تلك الدول حول مجريات الصراع الراهن، والتي تقف في سياقها تركيا والأردن وبلدان الخليج العربية موقف الأقرب إلى ما تتبناه حكومة دمشق بضرورة انتهاء حالات الانقسام السوري، واستعادة سلطة الدولة، وانتشار قواتها على كامل أراضي الدولة، في حين يبدو الموقفان الإيراني والإسرائيلي في الطرف الآخر الذي يتخفى في عداء حكومة دمشق خلف واجهة حماية الأقليات ومشاركتها، ودعم إقامة كيانات تشتت سوريا، يمكن أن تساعد في تقسيمها لاحقاً. لكنه في كل الحالات، فإن التعبير عن حساسية الأطراف، لا يتجاوز الإعلانات السياسية، ما عدا الحالتين التركية والإسرائيلية؛ إذ يمكن لكل واحدة منهما الدخول على خط الصراعات السورية وأطرافها، لكن وسط ظروف محددة، ومن موقعين مختلفين. ولا يحتاج إلى تأكيد أن حساسيات الدول في الصراع السوري لا تتأثر فقط بالمصالح المباشرة وغير المباشرة لدول الجوار والأبعد منها، وبعضها لا يتأخر عن إعلان أطماعه، ويمارس سلوكيات معلنة على نحو تمدد إسرائيل في جنوب سوريا في الشهور الماضية، كما تتأثر دول الجوار بمواقف طرفَي الصراع، فتكون قريبة من هذا الطرف أو أبعد عنه. لكن أغلبية البلدان تظهر قربها من مواقف وسياسات الحكومة السورية، بعد أن اكتوت لسنوات طويلة من سياسات نظام الأسد في إشاعته القتل والدمار، وتحويل سوريا إلى ساحة إرهاب يتكرس فيها بقوة إرهاب الدولة وجماعات التطرف في وقت واحد، وإغراق سوريا في إنتاج وتجارة المخدرات الدولية. وتمتد مساندة أكثر الدول الإقليمية لحكومة دمشق نتيجة حصولها على تأييد واسع في المستويين الإقليمي والدولي، مترافق مع دعم غير مسبوق لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي في مقدمة ضرورات إعادة بناء سوريا، وتطبيع حياة سكانها، واستعادة علاقاتها ودورها في الخريطة الإقليمية والدولية كقوة سلام من جهة، وقوة مشاركة في محاربة الإرهاب والتطرف. وقد بذلت الحكومة جهوداً كبيرة مما ساعد في استعادة علاقاتها الخارجية، ورفع العقوبات الدولية عنها، لكن مع تركة ثقيلة من تحديات داخلية عميقة صار بعضها على طريق الحل، ومنها تحدي استعادة وحدة الكيان، وفرض سيطرة الدولة على كامل أراضيها. وتمثل «الإدارة الذاتية» وجناحها العسكري قوات «قسد» الطرف الثاني في الصراع، وقد استطاعت في سنوات العقد الماضي بناء قوة عسكرية منظمة، صارت نواة «قسد»، واستخدمتها في فرض وجودها وحماية نفسها في شمال شرقي سوريا، وفي الانضمام إلى التحالف الدولي للحرب على «داعش»، وإلحاق هزيمة كبيرة به في معارك الباغوز 2019، واستطاعت «الإدارة الذاتية» نتيجة عوامل متعددة فرض سيطرتها على الطيف الكردي رغم الاختلافات القائمة والمستمرة منذ نحو عقدين بين التكوينات الكردية، وأبرزها المجلس الوطني الكردي، وتجمعات المستقلين من الناشطين السياسيين والمدنيين، وبذلت جهوداً مماثلة في تعزيز العلاقات مع التنوع السكاني من العرب والآشوريين السريان وغيرهم في مناطق سيطرتها، لكن النتائج كانت محدودة، والسبب الرئيس في ذلك تباعدات آيديولوجية وسياسية.

إن حساسيات دول الجوار إزاء ما يحصل في سوريا تنعكس بصورة مختلفة على طرفَي الصراع، فتجعل حكومة دمشق أكثر توازناً في سياساتها وسلوكها حيال كثير من الملفات، ومنها الملف الكردي الذي تضمن سياق التعامل معه إصدار المرسوم الرئاسي 13، وفيه خطوات تدعم مطالب الكرد باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، ووصف ما يجري من صراع بأنه صراع عسكري بين الحكومة و«قسد» باعتبارها جماعة مسلحة، وليس صراعاً مع الكرد، وكله يترافق مع ضجيج إعلامي وتعبوي واسع في مستوى شعبي. وبخلاف ما ظهر في سياسة الحكومة في تعاملها مع بعض الملفات، فإن تشوشاً وارتباكاً ميزا سياسات وسلوكيات «الإدارة الذاتية» وقوات «قسد»، وهو أمر طبيعي، بسبب الاختلافات المتعددة الأوجه والمستويات بين الطرفين، لكن الوضع من جانب آخر يعكس فشلاً في إدارة ملفات مهمة، منها العلاقة مع التنوعات السكانية والسياسية في المنطقة، والعلاقة المرتبكة مع المجلس الوطني الكردي. وقد سجلت الفترة الأخيرة تغييرات في علاقة شمال شرقي الفرات مع حليفه الأميركي، الذي بدا أقرب إلى مواقف حكومة دمشق ويعول عليها، وسط مؤشرات غير إيجابية في العلاقات مع إقليم كردستان العراق، الذي دعا زعيمه مسعود بارزاني إلى مغادرة عناصر حزب «العمال» (PKK) سوريا، وترك الكرد السوريين يعالجون شؤونهم وفق إرادتهم.

الشرق الأوسط

———————————

الاعتراف، المواطنة، والحقوق الثقافية للأكراد في سورية/ د. إبراهيم دراجي

20 كانون الثاني/يناير ,2026

تقدّم هذه الدراسة قراءة قانونية-سياسية معمّقة للمرسوم رقم (13) لعام 2026، بوصفه تحولاً نوعياً في معالجة المسألة الكردية في سورية. تحلل حدود الانتقال من الاعتراف النصي إلى الإنفاذ العملي، وتفكك إشكاليات المواطنة واللغة والجنسية وحظر التمييز، مع تقييم دقيق للمشروعية الدستورية ومتطلبات التنفيذ المستدام.

ليست هذه دراسة توصيفية، بل تفكيك هادئ لواحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ الدولة السورية. تقارب الورقة المرسوم رقم (13) لعام 2026 لا بوصفه خطوة رمزية، بل اختبارًا فعليًا لمعنى الاعتراف والمواطنة والحقوق الثقافية. تذهب أبعد من الإشادة أو الرفض، لتطرح السؤال الأصعب: هل انتقلنا فعلاً من الإقرار إلى الإنفاذ؟ تكشف الدراسة البنية القانونية العميقة للإقصاء، وتضع المرسوم تحت مجهر الدستور والتنفيذ والعدالة . نص تحليلي جريء يهم صُنّاع القرار، والباحثين، وكل من يعنيه مستقبل الدولة المتعددة في سورية.

الاعتراف، المواطنة، والحقوق الثقافية للأكراد في سورية

تحميل كامل المقالة

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة

———————————

الجزيرة تنهي مشروع تقسيم سورية/ بشير البكر

24 يناير 2026

حلبُ مركزُ ثقل سورية. منها انطلقت عمليَّتا إسقاط نظام الأسد (ديسمبر/ كانون الأول 2024) واسقاط مشروع فصل الجزيرة عن سورية (يناير/ كانون الثاني الحالي). وقد جاء ذلك وفق خطة استراتيجية على مرحلتَين، هدفها منع تقسيم سورية، أُديرت بنجاح كبير وتوقيت مدروس. ولولا العملية أخيراً ضد حزب العمّال الكردستاني، لظلّ توحيد سورية ناقصاً، ولأصبح التقسيم أمراً واقعاً. وتُعدّ محاولة هذا الحزب فصل الجزيرة هي الأخطر منذ الانتداب الفرنسي الذي فشل قبل نحو قرن في تقسيم سورية إلى دويلات. وقد أسقط السوريون هذا المشروع المُستورَد، مُسبَق الصنع، غير القابل للحياة في التربة السورية، على أبواب محافظة الحسكة.

تعود اللعنة التي حلّت بالجزيرة السورية إلى زمن بعيد، عندما حوّلتها فرنسا إلى منفى لمعارضيها خلال الانتداب الذي دام قرابة 25 عاماً، وترافق بجملة من سياسات التمييز على مستوى التنمية والتعليم والصحّة وخدمات البنية التحتية، رغم أن المحافظات الثلاث التي تتشكّل منها الجزيرة (الرقّة ودير الزور والحسكة) تمثل نحو ثلث مساحة الدولة، وفيها أكثر من نصف ثرواتها.

وبقيت سياسة التمييز ساريةَ المفعول تجاه الجزيرة، ولم تتغيّر خلال تعاقب الحكّام عليها، ما جعلها عرضةً للإهمالين، التنموي والإداري، وحتى على مستوى التنظيم الحضري وحماية الحدود. والسبب الرئيس أن منطق الدولة لم يصل بعد إلى تلك المناطق، فعُومِلت مصادرَ جبايةٍ ونهب ثروات، وهذا سلوك مارسه حكم آل الأسد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على حدّ سواء. وبالتالي، أول خطوة في تصحيح الوضع الشاذ هي التعامل مع الجزيرة من منظور الدولة، التي يكرّر الرئيس أحمد الشرع منذ وصوله إلى دمشق في 8 ديسمبر (2024) أن بناءها هو الأولوية، والمدخل لجعل سورية موحّدةً وقويةً ولكل مواطنيها.

يتطلّب بناء دولة جديدة العدالة والمساواة ونبذ عقلية التمييز بين مواطني ومناطق البلد، بغض النظر عن الانتماءات الدينية والعرقية والثقافية والسياسية؛ لأن الدولة هي الخيمة التي يلتقي تحتها الجميع، والفضاء الذي يتّسع للآراء والمواقف كلّها ويديرها على نحو نافع وبنّاء، بما يفيد الصالح العام. وهذه مسألة لا يمكن أن تتم بقرار أو تصريح صحافي، وإنما تتطلّب وضع دستور واضح وصريح، تقرّه السلطة التشريعية، وتعمل به بقيّة مؤسّسات الدولة.

لا يمكن للدولة الجديدة أن تنهض وتنمو وتستقرّ إلا إذا قامت على أسس ثلاثة: التنمية المتوازنة، والمواطنة المتساوية، والمساواة أمام القانون. ويقتضي ذلك سياسة تمييز إيجابي تجاه الجزيرة تمحو الآثار التي خلفتها مراحل التمييز السلبي. وهذا ممكن ببساطة شديدة إذا خُصّص جزءٌ من ثرواتها من أجل إعادة إعمار ما دمّرته حرب نظام الأسد، وإنشاء بنية تحتية حديثة توفّر شبكة طرق ومحطّات كهرباء ومياه ومدارس وجامعات ومستشفيات، ودعم قطاع الزراعة الذي تعرّض للاستنزاف والاستغلال الجائر، بما في ذلك بناء شراكات إقليمية لتوفير المياه اللازمة من أجل زراعة حديثة في منطقة تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة.

تتعلق مسألة المواطنة المتساوية بحل المسألة الكردية داخل سورية، وهي ذات أوجه متعدّدة؛ منها التسوية القانونية لمن أسقطت عنهم الحكومات السابقة حقّ الجنسية، ومن ثم احترام خصوصية هذا الشعب وتراثه ولغته، وتحويل ذلك كلّه إلى نصوص دستورية تضمن للكرد ممارسة طقوسهم وفولكلورهم، وتدريس لغتهم في مدارس ضمن إطار المناهج الرسمية وبإشراف وزارة التربية والتعليم. والسبيل إلى ذلك دولة قانون تكفل وتحمي وتصون الحقوق، وتلعب دور الحَكم بين الحكّام والمواطنين بغض النظر عن مواقعهم أو خلفياتهم السياسية والثقافية. وهي في الوقت ذاته الضمان الفعلي لعدم الوقوع في الفساد، الذي هو أخطر فيروس يهدّد صحّة البلد والمجتمع معاً.

العربي الجديد

——————————

 من المسألة الكردية إلى سؤال المواطنة/ حمد إبراهيم

2026.01.24

لم تكن المسألة الكردية في سوريا يومًا قضية جماعة تقف على هامش التاريخ، ولا شأنًا خاصًا يمكن فصله عن المسار العام للدولة والمجتمع. لقد وُلدت، بوصفها سؤال اعتراف مؤجَّل داخل كيان سياسي لم يحسم علاقته بتعدده واختلاف مكوناته، كيان لم ينجز انتقاله من منطق السلطة إلى منطق الدولة والمواطنة الجامعة. الأكراد لم يكونوا غرباء عن المكان، ولا وافدين طارئين على المجتمع السوري، بل كانوا جزءًا أصيلًا من نسيجه، موزّعين بين الريف والمدينة، بين المركز والأطراف متداخلين مع الاقتصاد والحياة اليومية، قبل أن تُعاد صياغتهم في خطاب السلطة كـ«مسألة». ما جعلهم مسألة لم يكن وجودهم بحد ذاته، بل الطريقة التي نظرت بها الدولة إلى الاختلاف، حين رأت فيه خطرًا ينبغي ضبطه لا موردًا ينبغي تنظيمه ضمن النسيج العام.

منذ ذلك الحين، تراكم الإنكار بوصفه سياسة متواصلة لا حادثة طارئة. لم يكن الحرمان القانوني، ولا إنكار اللغة، ولا التضييق على التعبير الثقافي، مجرد أخطاء إدارية أو إفرازات ظرفية، بل تجليات لمنطق عدم الاعتراف بالآخر. الدولة التي لم تستطع الاعتراف بالكردي مواطنًا كاملًا، هي نفسها التي فشلت لاحقًا في الاعتراف بسائر مواطنيها حين اختلفوا معها أو احتجّوا أو طالبوا بكرامتهم. بهذا المعنى، لم تكن المسألة الكردية استثناءً، بل مقدّمة مبكرة لأزمة شاملة أصابت وشوهت فكرة الدولة ذاتها.

في ظل هذا الإنكار الطويل، لم تختفِ الهوية الكردية، بل انكفأت إلى الداخل. حين تُنكر الذاكرة لا تموت، بل تتحول إلى شعور كثيف بالغبن، إلى هوية مجروحة، إلى سؤال بلا جواب. وحين يُحرم الإنسان من لغته، لا يُمنع من أداة تواصل فحسب، بل يُقتلع صوته من جسده، ويُدفع إلى منفى داخل وطنه. اللغة هنا ليست تفصيلًا ثقافيًا، بل بيت الوجود؛ وحين يُغلق هذا البيت، يصبح الوطن نفسه مساحة معلّقة بين الانتماء والاغتراب.

في هذا الفراغ، أدّت الأسطورة الكردية وظيفة وجودية لا سيادية. من كاوا الحداد إلى نوروز، لم تكن الأسطورة مشروع دولة مؤجَّلة، ولا خطاب تعبئة انفصالي، بل درعًا نفسيًا في مواجهة المحو. كانت لغة بقاء، وبيتًا رمزيًا حين غاب الاعتراف، ولم تكن هروبًا من الواقع، بل مقاومة صامتة له، محاولة للإبقاء على معنى الوجود حين تُصادر الذاكرة.

تميّزت الحالة الكردية في سوريا بوضع خاص، فهي لم تتشكّل ضمن جغرافيا متصلة أو كيان سياسي–إداري؛ ومن جهة أخرى، كانت مندمجة اجتماعيًا في البنية السورية، موزّعة، هشّة الحماية سياسيًا، شديدة الالتصاق بالحياة اليومية أكثر من اتصالها بأي مشروع سيادي. هذا الوضع جعلها أكثر عرضة لسياسات القمع السياسي والقانوني، من دون أن تمتلك أدوات ردّ متبلورة.

مع التحولات الإقليمية بعد 2004، ولا سيما التجربة المؤسسية في كردستان العراق، بدأ الوعي السياسي الكردي في سوريا يدخل طورًا جديدًا، اتسم بازدواجية الرؤيا. خطاب باطني يتداول أفقًا انفصالياً بوصفه ملاذًا احتياطيًا، آخذاً بعين الاعتبار تجربة كردستان العراق، وخطاب علني يؤكد الانخراط في الدولة السورية مع التشديد على الحقوق الثقافية والإدارية. كانت هذه الازدواجية انعكاسًا لطموحات بعض الاكراد المرتبطين بايديولوجيات قومية متشددة ومعاناة البعض الآخر من الانغلاق لقنوات الاعتراف، وغياب عقد وطني جامع.

إن انتقال هذه الازدواجية من مستوى الوعي إلى مستوى الفعل، جاء على إثر ثورة السوريين عام 2011 التي كشفت هشاشة العقد الوطني برمّته، وتفكك الدولة، وتشوه الجغرافيا، وانسداد السياسة، وتحول العنف إلى لغة سائدة، ودخلت المسألة الكردية طورًا أكثر تعقيدًا مع بروز قوات سوريا الديمقراطية، بوصفها قوة عسكرية لعبت دورًا حاسمًا في مواجهة داعش بدعم أمريكي، ما منحها ثقلًا معنويًا وسياسيًا غير مسبوق وأصبحت الفاعل الوحيد في شمال شرق سوريا.

غير أن هذا الثقل، بدل أن يتحول إلى رافعة لمشروع ديمقراطي وطني جامع، انزلق تدريجيًا نحو إحياء مشروع قومي مغلق، متأثرًا بارتباطاته الفكرية والتنظيمية بأيديولوجيا قومية خارجية عابرة للحدود. هنا جرى تجاوز مطلب المواطنة داخل الدولة السورية، لصالح خطاب «روجافا» بوصفها كيانًا سياسيًا–إداريًا منفصلًا أو شبه منفصل، وتحوّل الرمز إلى إدارة، والهوية إلى حدود، والاعتراف إلى مشكلة تكوين سلطة. بهذا التحول، لم تعد المسألة الكردية تُقابل فقط بإنكار عهدته قديماً، بل أيضًا بتوجس اجتماعي جديد، غذّته مخاوف إعادة إنتاج نموذج «الدولة داخل الدولة»، وربط الهوية بالعسكرة والدعم الخارجي.

طبعاً لم تكن هذه التحولات معزولة عن السياق السوري الأوسع. فما شهدناه في الساحل السوري من ارتداد إلى الطائفة بوصفها ملاذًا، وما حدث في السويداء من إعادة تموضع حول العصبية المحلية، يعكسان الآلية نفسها: حين تغيب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للمعنى والحماية، يعود الفرد والجماعة إلى الجزء لا طلبًا للهيمنة، بل خوفًا من العراء. في هذا المعنى، لا تبدو المسألة الكردية استثناءً، بل التجلي الأكثر كثافة لهذه الآلية، لأنها تقع عند تقاطع الهوية والقوة والجغرافيا والذاكرة في آن واحد. ولاستدراك كل ذلك الغبن التاريخي جاء المرسوم رقم 13، الذي أقرّ بحقوق الأكراد كمواطنين سوريين، وبحقهم في ممارسة لغتهم وتراثهم وأعيادهم، بوصفه اعترافًا بالغ الدلالة على التغير في طبيعة النظر الى المسألة الكردية وتحويلها من مسألة كردية الى مسألة سورية يجب حلها ضمن تحقيق المواطنة المتساوية لكل السوريين يُستكمل بعقد سياسي جامع، لكن مماطلة قسد في تطبيق الاتفاق، ومن ثم تدخل الجيش السوري لإعادة فرض وحدة الدولة واحتكار السلاح، أعادا المسألة إلى قلب السؤال القديم: هل نحن أمام محاولة جدية لإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة، أم أمام إدارة جديدة للتوازن بالقوة؟

الأكثر إيلامًا في هذا المسار، أن اللحظة التي امتلكت فيها قسد ثقلًا معنويًا وفعلياً استثنائيًا، كانت فرصة تاريخية نادرة لكل السوريين لو اختارت قسد بثقلها أن تناضل من أجل مشروع ديمقراطي وطني جامع للأكراد وكل السوريين، وأن تنضم إلى عموم السوريين في ممارسة نقد بنّاء للسلطة، والدفع نحو خطوات حقيقية لتكريس دولة المواطنة المتساوية والديمقراطية للجميع لا للأكراد فقط، لكان ذلك أجدى وأعمق أثرًا، لا على الأكراد وحدهم، بل على المجتمع السوري بأسره. لكن حين تُدفع الهوية لتكون بديلًا عن المواطنة، وتُستبدل السياسة بالقوة، يُغلق الأفق، ويُعاد إنتاج المأزق بصيغة جديدة ويدفع باتجاه حلول لا يستفيد منها أحد.

هكذا، لا يمكن فهم المسألة الكردية في سوريا بوصفها قضية قومية خارج الدولة، ولا مجرد مظلومية يمكن تجاوزها بخطاب أخلاقي أو تسوية ظرفية. إنها، في صيغتها الأعمق، مسألة اعتراف افتقده الاكراد عبر تاريخهم، والدولة التي لا تعترف بتعددها، تحكم على نفسها بأن تعيش في خوف دائم من مجتمعها؛ والهوية التي تُدفع لتكون ملاذًا بدلًا من أن تكون جزءًا من المواطنة، ستبحث عن حماية خارج الدولة لا داخلها؛ والسياسة التي تُغلق أبوابها، ستُفتح من نوافذ القوة وما يرافقها من حمام دم، وهو ما تحاول الإجراءات الأخيرة والاتفاقات بين قسد والحكومة من سدها من خلال وقف إطلاق النار والتسوية المتفاهم عليها في محافظة الحسكة لأجل سوريا التي نحلم أن تكون موحدة لكل مواطنيها.

بالمختصر المفيد، لا تُستدعى المسألة الكردية بوصفها استثناءً، بل بوصفها المرآة الأكثر صفاءً لعطب كرسته الدكتاتورية على مدى خمسين عاماً. الاعتراف بها ليس منّة، ولا تهديدًا للوحدة، بل شرطًا لإعادة تأسيس معنى الدولة نفسها لأن دولة المواطنة لا تطلب من مواطنيها أن يتخلّوا عن ذاكرتهم كي ينالوا حقوقهم، ولا تشترط الانصهار الثقافي مقابل الاعتراف القانوني، بل تفهم، أخيرًا، أن المواطنة ليست إنكارًا للاختلاف، بل هي الإطار الوحيد القادر على حمايته.

تلفزيون سوريا

—————————-

في مسألة “التخلّي” عن الحليف/ بيار عقيقي

24 يناير 2026

لا تتعلّق المسألة بـ”التخلّي عن الحلفاء” في قضية تراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عسكرياً إلى المناطق التاريخية للأكراد في سورية، بقدر ما ترتبط بعاملَين أساسيَّين. الأول: فهم أن مصطلحات مثل “التخلّي” أو “التحالف” بين بلدان وجماعات غير دولتية ليست ثابتة، ذلك أن مثل هذه الدول تأبى حتى التفاهم مع دول ضعيفة هيكلياً، فكيف بمجموعات انبثقت من ضعف دولة أو على هامشها؟ في قضية “قسد” لم يتخلّ الأميركيون عنها في السياقات المتداولة، بل الأدقّ أن الأميركيين دعموا “قسد” واستفادوا منها، كما استفادت منهم، من دون إدراك أن حجمها الديمغرافي لا يسمح بالسيطرة على سورية، ولو تحالفت مع مجموعات عربية. آخر إطباق لمجموعة ديمغرافية صغيرة على سورية أدّى إلى حرب استمرّت بين عامي 2011 و2024.

كما أن ما حصل عليه الأكراد في اتفاق 10 مارس (2025)، ولاحقاً باتفاق 18 يناير (2026)، لم يكونوا ليحصلوا عليه في زمن أي حكم منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946. وبطبيعة الحال، لا يعطي ذلك للحكّام الحاليين في دمشق الحق في استحقار الأكراد أو الاستخفاف بهم، لأن لا شيء يدوم في أيّ حكم سوى التسامح والتفاهم والمصالحة والمصارحة.

العامل الثاني متّصل بفهم معنى “المصالح”، النابعة بفعل تلاقي الطرق والأهداف. في السياسة لا أحد سيتحالف معك أو سيتخاصم معك لأسباب أيديولوجية دينية أو سياسية بشكل دائم، لأنك بذلك ستدفع أثماناً باهظة لافكار كهذه. أنت وكل من يتحالف معك تفكّرون بمنطق واحد: “ما الذي سأكسبه؟”. وانطلاقاً من هذا المنطق، يمكن فهم كل شيء في المبادئ السياسية. هاجم الأميركيون الأوروبيين بشأن غرينلاند، رغم تحالفاتهم منذ الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918). منطق المصالح هنا ناجم فعلياً من مدى تأمين الأرباح بصورة مشتركة. اتفقا أخيراً على حل في الجزيرة الدنماركية وعادت الأمور إلى طبيعتها.

حصلت الولايات المتحدة، بين عامي 2011 و2024، على قوة بشرية ميدانياً في سورية، فيما تمدّدت هذه القوة في مناطق واسعة في شرق الفرات، أكبر ممّا كانت تحلم به في الأساس. لم تلتقط “قسد” اللحظة، ولم تنتبه إلى عدم تكرار أخطاء مجموعات وأشخاص عبر التاريخ اندفعوا وفق مشاعرهم ولاعقلانيتهم، خصوصاً أنهم مرّوا بذلك في حقبات عدّة بين إيران وسورية.

كما في سورية، كذلك في لبنان والعراق واليمن، وكل بقعة في الشرق الأوسط، هناك قطارٌ منطلقٌ متمحور حول “دعم الحكومات المركزية”. بدأ الأميركيون تطبيق ذلك بحلفائهم، وسيتمدّدون نحو بيروت وبغداد وصنعاء. يكفي أن عبارات “سحب السلاح من الفصائل المسلحة” تتردّد في العراق ولبنان بشكل متزامن. وبينما يرفض عديدون من تلك الفصائل في البلدَين تسليم السلاح، يشتدّ الطوق عليها وعلى الدولتَين المعنيَّتَين، ما سيؤدّي إلى حلول أمنية قد يكون الحل السوري عادياً أمامها.

القضية هنا ليست متصلة بظلم وجور، بل بإدراك تحوّلات الزمن. ما الذي يمنع تلك الفصائل من تسليم سلاحها لسلطاتها الرسمية، خصوصاً أن الجنود المعنيين بحصر السلاح من عناصر المجموعات المسلحة غالباً ما يكونون أولاد قرية واحدة أو منطقة واحدة؟ ما الذي ستستفيد منه تلك الفصائل في التمسّك بسلاحها، وهي تعلم أنها ستخسره؟ هذه إيران، رغم كل ما يحصل فيها، تُبدي استعداداً للتفاوض مع الأميركيين. لبقاء نظامها ستفعل كل شيء، ولو اقتضى “التخلّي” عن حلفائها. البديل من ذلك حملة دموية تسعى إلى إبعادها عنها.

هل من العدل فرض الحلول الخارجية على مشكلات داخلية؟ بالطبع، لا. لكن حين تفقد أوراق قوتك في مواجهة الخارج من دون تأمين حياة سليمة لشعبك، فإن كل ما ستحصل عليه هو ضغوط خارجية. قوة أوروبا الاقتصادية والسياسية سمحت لها بالصمود أمام أميركا في موضوع غرينلاند. هل كان ينقصنا نحن العرب ذلك؟

العربي الجديد

—————————

ما بعد مشروع “قسد”: درس أميركي للجميع/ رفيق خوري

لم يكتم براك القول إن “وظيفة الكرد انتهت بعد عشر سنين من التحالف” بعدما انضمت دمشق لمحاربة “داعش” والإرهاب

السبت 24 يناير 2026

إذا أراد الشرع إكمال التحرك العسكري بحل مسألة الدروز والمطالبة في السويداء بحكم ذاتي وحتى بالانفصال فإنه في حاجة إلى تخلي إسرائيل عن لعبتها في حماية الدروز، وبالتالي دفع ثمن كبير لهذا التخلي. والشيخ حكمت الهجري محكوم بأن يفكر في الدرس الأميركي مع الكرد والدروس الإسرائيلية في التخلي عن الذين عملوا معهم في الصراع العربي- الإسرائيلي عندما جاءت دول الأكثرية العربية إلى اتفاقات السلام. ولبنان ليس خارج الدرس الأميركي، ولا العرب ولا إسرائيل.

مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” انتهى، لكن الكرد باقون كمواطنين لهم حقوق وقومية لها ثقافة وتراث. ومن الخطأ والخطر إعادتهم إلى الوضع الذي كانوا يرددون فيه المثل الكردي الشهير “ليس للكرد صديق سوى الجبال”. ولا مفاجآت في “سوريا الجديدة” منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق في فراغ نظام انهار وهرب رأسه، وتخلى قادة جيشه عن جنودهم، وتراجع الروس عن حمایته، وتبخر الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” وبقية الفصائل المرتبطة بإيران والمدافعة عن “الجسر السوري” للمشروع الإقليمي الإيراني تحت عنوان الدفاع عن نظام آل الأسد، واندفعت تركيا في دعم المسار من إدلب والسلطة الجديدة ولحقت بها أميركا.

كان واضحاً منذ ما بعد مجازر الساحل أن اتفاق مارس (آذار) بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي جاء بالاضطرار لا بالخيار، وأن تطبيقه يصطدم بموقفين متعارضين من الدولة المركزية والدولة الفيدرالية. وكان واضحاً أيضاً أن إخراج قوات “قسد” من حي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب ليس رداً على خروق بل قرار سياسي يحل العقدة بالقوة والذهاب في الحملة العسكرية إلى النهاية غرب الفرات وشرقه على أساس مبدأ خلاصته: ما بدأ بالقوة على الطريق من إدلب إلى دمشق يكتمل بالقوة في بقية المناطق.

وما ساعد في اتخاذ القرار وتنفيذه يمكن اختصاره بأربعة أمور. الأمر الأول هو خطأ قادة “قسد” في قراءة التحولات وإصرارهم على مطالب يستحيل على دمشق قبولها، وتجاهل أنهم يحكمون منطقة حيوية أكبر من حجمهم الديموغرافي تشكل ثلث مساحة سوريا، وأن حلفاءهم من رجال العشائر العربية ينتظرون الفرصة للانفكاك عنهم وإنهاء التحكم الكردي بالمدن والقرى العربية في محافظات دير الزور والرقة والحسكة. والثاني هو قوه الدفع التركية وراء التحرك العسكري الذي قاده الشرع والفرصة التي جاءت على ساعة الرئيس رجب طيب أردوغان للتخلص مما يسميه “خطر الإرهاب الكردي” وإصراره على اعتبار “قسد” فرعاً من “حزب العمال الكردستاني” وقيادته في جبل قنديل، على رغم إعلان زعيمه المسجون في جزيرة إمرالي التركية عبدالله أوجلان التخلي عن السلاح والكفاح المسلح. والثالث هو رهان الرئيس دونالد ترمب على الرئيس أحمد الشرع في مهمتين حيويتين بالنسبة إلى أميرکا: العداء مع إیران بعد إخراجها من سوريا، والتفاوض على اتفاق سوري- إسرائيلي. والرابع هو الدعم العربي والأوروبي للرئيس الشرع وسوريا الجديدة.

والموقف الأميركي المتغير ليس فقط درساً للكرد بل أيضاً للشرع نفسه كما للدروز والعلويين ولكل العرب وحتى لإسرائيل. فالكرد الذين تعلموا الدروس الصعبة مع الكبار منذ الانقلاب على “معاهدة سيفر” التي أعطت لهم حق تقرير المصير وإقامة دولة وفرض “معاهدة لوزان” التي حرمتهم الأرض وهذا الحق، جاءهم الدرس الأميركي المكرر في فيتنام وأفغانستان: التحالف معهم مجرد وظيفة في محاربة “داعش”. ولم يكتم السفير الأميركي في تركيا والموفد إلى سوريا توم براك القول إن “الوظيفة انتهت بعد عشر سنين من التحالف” بعدما انضمت سوريا الى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والإرهاب.

والرئيس الشرع يعرف أن الدعم الأميركي القوي له هو من أجل دوره في إبقاء إيران وفصائلها خارج سوريا، والسعي لاتفاق مع إسرائيل والانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” وتطبيق ما طلبه مجلس الأمن حول الانفتاح الداخلي في قرار إخراج الشرع ووزير داخليته من لائحة الإرهابيين. وأي خلل في ذلك يقود إلى تبدل في الموقف الأميركي من النقيض إلى النقيض.

وإذا أراد الشرع إكمال التحرك العسكري بحل مسألة الدروز والمطالبة في السويداء بحكم ذاتي وحتى بالانفصال فإنه في حاجة إلى تخلي إسرائيل عن لعبتها في حماية الدروز، وبالتالي دفع ثمن كبير لهذا التخلي. والشيخ حكمت الهجري محكوم بأن يفكر في الدرس الأميركي مع الكرد والدروس الإسرائيلية في التخلي عن الذين عملوا معهم في الصراع العربي- الإسرائيلي عندما جاءت دول الأكثرية العربية إلى اتفاقات السلام. ولبنان ليس خارج الدرس الأميركي، ولا العرب ولا إسرائيل.

والسؤال هو: ماذا بعد الحل العسكري وبعض الحل السياسي لمسألة “قسد” عبر اتفاق جديد. والجواب مطلوب من دمشق وكل القوى السورية والعربية والدولية التي ترفع شعار وحدة سوريا أرضاً وشعباً. فإذا كان بالإمكان توحيد سوريا بالقوة بعد 14 عاماً من حرب دمرت البلد وقسمت الأرض والناس وأحدثت خروقاً في النسيج الاجتماعي للسوريين، فإن الرهان على القوة وحدها يعني ترك البلد مجموعة قنابل موقوتة. والمهم ليس فقط سحب الفتيل للحؤول دون انفجار القنابل بل أيضاً تنظيف البلد من القنابل السياسية التي يأتي بها الظلم والقمع.

وما تركه بشار الأسد خلفه يكفي لكي تبادر الإدارة الجديدة إلى الانفتاح والمشاركة. فسوريا الموحدة تحت سلطة ضيقة تبدو أقرب إلى “الإمارة” منها إلى “الجمهورية”. والمرحلة الانتقالية في غياب اليقين حولها هي سؤال تتعدد الأجوبة عنه. فالمرحلة الانتقالية ليست وضع السوريين في حال انتظار لخمس سنوات بل وضعهم في ورشة عمل سياسي واقتصادي وثقافي لبناء ما يجب الانتقال إليه. ومن دون ذلك فإن المرحلة الانتقالية تبدو كأنها مراحل للانتقال مما سماها أبو بكر ناجي “إدارة التوحش” إلى “التمكين”. وهذا ما يعرف الجميع أن سوريا بطبائع الأمور، ليست مستعدة للتسليم بسلطة سلفية جهادية. وليس من المعقول تجاهل تاريخ الثورة السورية وإهمال مئات الألوف من الذين تظاهروا وطالبوا بالحرية والخبز في نظام ديمقراطي لدولة مدنية ودفعوا الثمن في السجون والقبور.

يقال إن ألكسندر المقدوني سأل الحكماء: “أيهما أبلغ، الشجاعة أم العدل”؟ وجاء الجواب: “إذا عملنا بالعدل نستغني عن الشجاعة”.

———————————-

صمود تهدئة دمشق و”قسد” يعزز فرص الحلول السياسية/ عدنان علي و سلام حسن

24 يناير 2026

رغم عدم الإعلان عن ذلك رسمياً حتى مساء أمس الجمعة، لكن يبدو أن الأطراف المعنية، بحسب ما علمت “العربي الجديد”، اتفقت على تمديد المهلة الممنوحة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والتي كانت تقتصر على أربعة أيام فقط تنتهي مساء اليوم السبت لفترة أطول قد تصل إلى شهر، من أجل تطبيق الاتفاق بين دمشق و”قسد” الموقع في دمشق في 18 من الشهر الحالي.

وبحسب مصادر كردية سياسية مقرّبة من “قسد” ومن حكومة إقليم كردستان العراق، تحدثت لـ”العربي الجديد”، أول من أمس الخميس، فإن هذا التطور جاء بعد اجتماعات في أربيل، شمالي العراق، جمعت مبعوث الرئيس الأميركي إلى سورية توماس برّاك مع قائد “قسد” مظلوم عبدي ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، أول من أمس الخميس، وسط تأكيدات متبادلة على “عدم العودة إلى الحرب”. كما تتزامن التهدئة بين دمشق و”قسد” مع استمرار القيادة الأميركية في تطبيق خطة بدأتها الأربعاء الماضي وتقضي بنقل معتقلي تنظيم داعش من سجون “قسد” إلى العراق، وسط تسريبات عن أن واشنطن تدرس انسحاباً كاملاً للقوات الأميركية من سورية لعدة عوامل، بينها أن الأميركيين لا يرون أي مبرر لبقاء الجيش الأميركي في سورية إذا جرى حلّ “قسد” بالكامل و”الصعوبات التي يفرضها العمل مع الجيش السوري”.

وفي مؤشر إلى المضي في تنفيذ التفاهمات، أعلنت “قسد” في بيان، أمس الجمعة، استكمال انسحاب مئات من مقاتليها من سجن الأقطان، وقالت: “بدعم من التحالف الدولي، أتممنا عملية نقل مقاتلينا المكلفين بتأمين سجن الأقطان في الرقة، والذي يضم محتجزين من تنظيم داعش الإرهابي، إلى مواقع آمنة”. في المقابل، أفيد عن تنفيذ “قسد” عرضاً عسكرياً لقواتها في مدينة الحسكة.

من جهتها أعلنت وزارة الداخلية السورية أن إدارة السجون والإصلاحيات تسلّمت سجن الأقطان، وأنها باشرت فوراً بإجراء عملية فحص دقيقة وشاملة لأوضاع السجناء وملفاتهم الشخصية والقضائية. ولفتت إلى إنه تم تشكيل فرق متخصصة من إدارة مكافحة الإرهاب والجهات المختصة الأخرى، لتولي مهام حراسة السجن وتأمينه وضبط الحالة الأمنية داخله.

ونص اتفاق 18 مارس بين دمشق و”قسد” على عدة بنود أبرزها وقف إطلاق نار شامل وفوري مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ”قسد” إلى منطقة شرق الفرات في خطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، فضلاً عن تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل، إلى جانب دمج كافة المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية مع إصدار مرسوم رئاسي بتعيين مرشح ليشغل منصب محافظ للحسكة، كضمانة للمشاركة السياسية والتمثيل المحلي، ودمج كافة العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارة الدفاع والداخلية بشكل فردي،

إلى جانب دمج الإدارة المسؤولة عن ملف السجناء ومخيمات “داعش” مع الحكومة السورية لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل.

ووفق مصادر تحدثت لـ”العربي الجديد”، فقد زار عبدي أربيل مرتين خلال خمسة أيام، التقى خلالهما قيادات سياسية وأمنية، قبل أن يختتم جولته بلقاء برّاك، الذي أكد بحسب المصادر نفسها، التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، مجدداً دعم بلاده لتطبيق اتفاقية 18 يناير/ كانون الثاني الحالي، التي تنص على دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري. وكتب عبدي على منصة إكس، أمس الجمعة، أنه التقى نيجيرفان البارزاني “في إطار الجهود السياسية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بيننا وبين الحكومة السورية. ونُعرب عن تقديرنا الكبير لجهود الرئيس (السابق للإقليم) مسعود البارزاني ونيجرفان البارزاني في هذه المرحلة، إذ يستمر دعمهما للمساعي السياسية بالتنسيق مع الوسيط الأميركي، بهدف وقف إطلاق النار، والعودة إلى الحوار، وتطبيق الاتفاقيات المُبرمة، بما يضمن إنجاح عملية الدمج بيننا وبين الحكومة السورية”. وكان عبدي قد ذكر، على “إكس”، مساء أول من أمس الخميس، أن لقاءً “بنّاءً ومثمراً” جمعه ببرّاك وقائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، في إقليم كردستان العراق، “جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع في شمال شرقي سورية، وسبل تثبيت وقف إطلاق النار والدفع باتجاه مسار الحوار”. وأوضح أن “الدعم الذي تقدّمه أميركا، إلى جانب سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه تثبيت وقف إطلاق النار، فضلاً عن الجهود التي يبذلها السفير برّاك لإعادة فتح قنوات الحوار والمفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، يعد أمراً جاداً وذا أهمية كبيرة ومحل ترحيب”. وأضاف “سنعمل بكل الإمكانات وبشكل جاد من أجل تحقيق اندماج حقيقي، والحفاظ على وقف إطلاق النار الحالي”.

وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن السياسية الكردية العراقية وفاء محمد من الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة البارزاني، قولها إن اجتماع أربيل عُقد بطلب من القيادة الكردية العراقية، مشيرة إلى وجود ضغط أميركي ودولي قوي على “قسد” لإنهاء الخلافات وتنفيذ الاتفاق، “لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا الضغط سيؤدي إلى نتيجة إيجابية، فالمشكلة أن قسد لا تثق بالوعود التي قدمها (الرئيس السوري أحمد) الشرع”، وفق قولها. ونقلت الوكالة عن مصدر كردي عراقي آخر قوله إن الاجتماع ناقش مقترحاً بانسحاب الطرفين لمسافة تقارب عشرة كيلومترات من أطراف مدينة الحسكة. وفي المقابل، قال مسؤول في وزارة الخارجية السورية للوكالة إن الحكومة “فضّلت منذ البداية حلاً سياسياً”، مؤكداً أن حقوق الأكراد “مضمونة” وأنهم “لن يُهمَّشوا كما كان الحال في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد”.

الأمور تتجه نحو التهدئة بين دمشق و”قسد”

وأعرب باسل عبدي، وهو محام وناشط سياسي مقرب من “قسد”، عن اعتقاده بأن الأمور تتجه نحو التهدئة، مشيراً إلى تسريبات من مكتب البارزاني تتحدث عن اقتراح بانسحاب كل من قوات الحكومة و”قسد” لمسافة عشرة كيلومترات عن نقاط التماس بمحافظة الحسكة، أقصى شمال شرقي سورية. وأشار باسل عبدي، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أنه بعد ذلك، وبالتنسيق بين الطرفين، سوف تدخل قوى الأمن الداخلي التابعة للدولة السورية لاستلام المراكز والمؤسسات، على أن يتم الإعلان خلال هذه الفترة عن فتح باب التطوع، حيث سيدعو مظلوم عبدي أبناء المنطقة للانتساب إلى قوى الأمن الداخلي والجيش.

أسباب تمديد المهلة

ومن الواضح أن ثمة ضغوطاً على دمشق و”قسد” لعدم العودة إلى الحرب وإعطاء الحلول السياسية وقتها الكافي، لأن التصعيد العسكري قد يستجر عواقب لا يمكن ضبطها، خصوصاً بعد دعوات “النفير العام” التي أطلقتها “قسد” للأكراد في العالم مقابل المشاركة النشطة لقوات العشائر في المعارك، ما يهدد بتحويل المواجهة إلى كردية – عربية، وليس بين “قسد” وقوات الحكومة السورية. وبدأت بوادر هذا التوسع في المواجهة من خلال تجمع مئات المتطوعين الأكراد في نصيبين على الحدود السورية التركية، في محاولة للدخول إلى الأراضي السورية والمشاركة في القتال، بينما شارك آلاف الأكراد في أوروبا في تظاهرات ضد الحكومة السورية.

وفي هذا السياق أيضاً، توقع زيد سفوك، المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سورية، أن يتم تمديد الهدنة تلقائياً أو إلغاؤها لصالح وقف إطلاق نار نهائي بين الطرفين، وذلك لعدة أسباب، منها أن الحكومة السورية وصلت إلى المناطق التي كان متفقاً عليها مع “قسد”، التي انسحبت من دير الزور والرقة ومسكنة ودير حافر ذات الغالبية العربية والآن “قسد” موجودة فقط في المناطق ذات الغالبية الكردية. وأضاف سفوك، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن السبب الثاني هو أن أي احتكاك من قبل الجيش السوري مع المناطق ذات الغالبية الكردية يهدد باندلاع “حرب عرقية”، مشيراً إلى التفاف كردي عالمي حول موقف الأكراد في سورية، و”القضية لم تعد تتعلق فقط بقسد أو قضية حزب معين بل هي قضية كردية”. أما السبب الثالث، وفق سفوك، فهو أن أي حرب بين الأكراد والجيش السوري “عملياً انكسار لمقولة ترامب التي ينادي بها وهي أنه أوقف كل الحروب وأصبح زعيم السلام. فأي حرب أو اشتباك يؤدي إلى صراع دموي سوف يهز هذه الصورة، وقد يؤدي الى انقسامات سياسية داخل الولايات المتحدة”.

وأضاف سفوك أن المشهد ذاهب إلى تسوية بين دمشق و”قسد” تقوم على تنفيذ بنود آخر اتفاق بأن المناطق الكردية يديرها الأكراد عبر مؤسسات تكون تابعة بشكل مباشر للحكومة المركزية في دمشق وأعرب عن اعتقاده بأنه سيكون هناك نوع من اللامركزية في المناطق الكردية لأنه “لم تعد هناك قسد وما تبقى هي قوات كردية فقط”. ولم يستبعد أن يعلن الشرع عن مؤتمر وطني بعد انتهاء الصراع العسكري تشارك فيه كل القوى السياسية من جميع المحافظات، ويكون بإشراف الأمم المتحدة أو الدول المعنية بالملف السوري. وقال: “أعتقد أن الأمور تتجه إلى تسوية دولية”، لافتاً إلى أن مكوث برّاك في المنطقة وتمسكه بتطبيق الاتفاق يشير إلى إصرار واشنطن على ضبط الوضع.

موقف الحكومة السورية

وبالتوازي مع هذه الجهود الدبلوماسية، أكد الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية إياد هزاع أن “قسد” تتحمل مسؤولية خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، مشدداً على أن الحكومة السورية تؤكد احتفاظها بحقها الكامل في حماية السيادة والأمن الوطني. وقال هزاع، في تصريح لوكالة “سانا”، أول من أمس الخميس، إن اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي “فشل بسبب غياب الجدية ومحاولة فرض واقع انفصالي، بينما جاء الاتفاق الجديد في 18 الشهر الجاري بعد استنفاد المسارات السياسية وتدخل الدولة لفرض الاستقرار”. وأشار إلى أن الاتفاق ينص على تسليم جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة السورية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار السلاح. وبخصوص السيناريوهات المحتملة في حال انهار وقف إطلاق النار بين دمشق و”قسد” مجدداً، أوضح هزاع أن “جميع الخيارات مفتوحة من الحل السياسي إلى التدخل الأمني أو العسكري المحسوب لحماية المدنيين وإنهاء الفوضى”.

غير أن الدبلوماسي السوري داني البعاج قال لـ”العربي الجديد”، إن تمديد المهلة بين دمشق و”قسد” محاولة لإعطاء فرصة أكبر للحل السلمي، ويشير إلى جدية الحكومة في منح كل الوقت للحلول السياسية بغية تمكين “قسد” من ترتيب أمورها والبدء بتنفيذ الاتفاق. وأضاف البعاج، الذي عاد أخيراً إلى عمله في وزارة الخارجية السورية، أن المشكلة تكمن أساساً لدى “قسد” نظراً لافتقادها إلى موقف موحد، وهو ما تشير إليه التصريحات المتضاربة الصادرة عن مسؤوليها بخصوص مجريات الأحداث. ولفت إلى وجود ضغط أميركي على دمشق و”قسد” خصوصاً على “قسد”، التي تأتي أغلب المشكلات من جانبها بسبب عدم قدرتها على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في ضوء الخلافات الداخلية بين قادتها، مشيراً إلى محاولات من كل الأطراف لحل الخلافات بين دمشق و”قسد” خصوصاً من قيادة إقليم كردستان العراق التي ترعى هذه التفاهمات. وأشار البعاج إلى أن الخسائر العسكرية الكبيرة لدى الطرفين خلال المواجهات الأخيرة أظهرت التكاليف الباهظة التي يمكن أن يدفعاها في حال توسع العمليات العسكرية، وهو ما ولد ضغطاً داخلياً على الجانبين لتخفيف الاعتماد على الحل العسكري.

وأعرب البعاج عن أمله بنجاح تنفيذ الاتفاق، متوقعاً تغلب الحلول السياسية، “حيث وجدنا حلولاً لمشكلات صعبة وسط الصدامات العسكرية، مثل تسليم سجن الأقطان في الرقة” أمس الجمعة، وذلك بعد نقل عناصر “قسد” منه إلى مدينة عين العرب (كوباني). ورأى أن حركة برّاك قادرة على “تدوير الكثير من الزوايا” نظراً لحرص الجانبين على عدم إثارة غضب الولايات المتحدة. ولفت إلى أن الاتفاق بين دمشق و”قسد” يتضمن بنوداً جيدة لصالح قوات سوريا الديمقراطية خصوصاً أن قوات الأمن المحلية التي ستنشر في المناطق الكردية هي من العناصر الكردية.

وما يدعم هذه الأجواء الإيجابية باتجاه العمل على تطبيق الاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد” ما ذكره مصدر كردي من محافظة الحسكة لـ”العربي الجديد”، عن أن “قسد” اختارت بالفعل ثلاث شخصيات ستشغل ثلاثة مناصب عليا على الأقل في الحكومة السورية، وهي معاون وزير الدفاع، ومعاون وزير الخارجية، ومحافظ الحسكة.

ترتيب ملف “داعش”

يضاف إلى ما تقدم، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى وقت أطول لترتيب ملف معتقلي تنظيم داعش في سورية، والذين كانوا موزعين على عدة سجون تسيطر عليها “قسد”. لكن مع توسع المعارك ووصولها إلى بعض مواقع هذه السجون، برز خطر فقدان السيطرة عليها، وهو ما حصل فعلاً في سجن الشدادي، جنوبي الحسكة، حيث هرب نحو 120 سجيناً، قالت الحكومة إنها تمكنت من إعادة اعتقال نحو 80 منهم. وأعلنت القيادة الوسطى الأميركية، مساء الأربعاء الماضي، أنها بدأت في نقل معتقلي “داعش” من سورية إلى العراق، لوضعهم في مراكز احتجاز آمنة، بالتنسيق مع شركائها في الإقليم ومع حكومة العراق، متوقعة أن يصل إجمالي العدد المنقول إلى مراكز احتجاز بالعراق إلى سبعة آلاف. وقال مسؤول أميركي، أول من أمس الخميس، إن الأولوية تعطى لمقاتلي التنظيم “الأكثر خطورة”، موضحاً أنهم يتحدرون من دول مختلفة، بعضها أوروبية.

وقال الناشط محمد الخلف، لـ”العربي الجديد”، إن الولايات المتحدة وإن كانت تصدر تصريحات داعمة للحكومة السورية، لكنها ربما تخشى أن يكون هناك متعاطفون داخل المؤسسة العسكرية السورية مع بعض معتقلي التنظيم، خصوصاً السوريين منهم، نظراً لاعتقاد سائد أن بعض هؤلاء السجناء اعتقلتهم “قسد” ظلماً وألصقت بهم تهمة الانتماء لتنظيم داعش، بينما السبب الحقيقي هو نشاطهم، سواء المدني أو الأمني، ضد قوات سوريا الديمقراطية. وأضاف خلف أن هناك ربما سبب آخر لتفضيل نقل سجناء “داعش” خارج سورية يتعلق باحتمال انسحاب القوات الأميركية كلياً من سورية، ما يجعل مراقبة هؤلاء المعتقلين أمراً متعذراً على الأميركيين، خصوصاً أن مطلوبين خطرين وقادة فاعلين بينهم قد يساهمون في إعادة إحياء التنظيم إذا تمكنوا من مغادرة السجن.

وقال مسؤولون أميركيون لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أول من أمس الخميس، إن واشنطن تدرس انسحاباً كاملاً للقوات الأميركية من سورية، مشيرين إلى أن التطورات المتسارعة خلال الأسبوع الماضي دفعت البنتاغون إلى التشكيك في جدوى مهمة الجيش الأميركي في سورية بعد هزيمة “قسد”. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم إنه في حال حلّت “قسد” نفسها بالكامل، فلن يكون هناك سبب لبقاء القوات الأميركية. وأشار مسؤولان إلى أن أحد العوامل هو الصعوبات التي يفرضها العمل مع الجيش السوري، موضحين أن “القوة مليئة بالمتعاطفين مع الجهاديين، بمن فيهم جنود مرتبطون بالقاعدة وداعش وغيرهم ممن تورطوا في جرائم حرب مزعومة ضد الأكراد والدروز”. وأوضح المسؤولون أن القوات الحكومية السورية اقتربت بشكل خطر من القوات الأميركية خلال العملية ضد “قسد”، حيث أسقطت القوات الأميركية ما لا يقل عن طائرة مسيّرة تابعة للحكومة السورية قرب منشأة تتمركز فيها قوات أميركية.

وقال مسؤولان أمنيان عراقيان لوكالة فرانس برس أمس الجمعة، إن الدفعة الأولى من معتقلي “داعش” الذين تسلّمتهم بغداد في إطار العملية الأميركية لنقلهم من سورية، تضمّ أوروبيين كانوا قادة بارزين في التنظيم. وقال أحد المسؤولَين إن المجموعة الأولى تضم “قادة في تنظيم داعش وأخطر المجرمين من جنسيات مختلفة، بينهم أوروبيون وآسيويون وعرب وعراقيون”، مشيراً إلى أن المجموعة تضمّ “85 عراقياً و65 أجنبياً، بينهم أوروبيون وسودانيون وصوماليون وأشخاص من دول القوقاز”. ولفت إلى أنهم جميعاً “شاركوا في عمليات داعش في العراق” بما في ذلك خلال العام 2014 حين سيطر التنظيم على مساحات واسعة من العراق وسورية، “وجميعهم على مستوى أمراء” التنظيم.

وقال الاتحاد الأوروبي، أمس الجمعة، إن التقارير عن فرار مقاتلين أجانب من تنظيم “داعش” تمثل مصدر “قلق بالغ”. وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي أنور العنوني، في بيان، إن “عمليات الفرار المحتملة الأخيرة لمعتقلي داعش وسط اشتباكات تُثير قلقاً بالغاً”، مضيفاً: “نحن نراقب الوضع عن كثب، بما في ذلك نقل المقاتلين المتبقين المعتقلين إلى العراق، بمن فيهم المقاتلون الإرهابيون الأجانب”. وأعلن وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو في تصريح صحافي، أمس الجمعة، إن بلاده لن تسمح بإعادة مواطنيها المقاتلين سابقاً في صفوف “داعش” في سورية. ورحّب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان، أول من أمس الخميس، بقرار الحكومة العراقية وضع محتجزي “داعش” في مرافق داخل العراق والشروع بإجراءات قانونية بحقهم بعد نقلهم من سورية. بدوره، أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث على منصة إكس أن العراق يفي بمسؤوليته داخل التحالف من خلال احتجاز أعضاء “داعش”، مشيراً إلى أنه ينبغي على الدول استعادة مواطنيها ومحاكمتهم.

العربي الجديد

—————————–

استعادة منطقة الجزيرة السورية ومسار توحيد الجغرافيا وصراعات النفوذ/ بشير البكر

24 يناير 2026

جاءت عملية استعادة منطقة الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، لتفتح أفقاً جديداً أمام التحول الكبير الذي بدأ بإسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024. وقد كان بقاء هذه المحافظات خارج سلطة الدولة مسألة تؤرق حكام دمشق الجدد لسببين. الأول الخوف من انفصال المنطقة التي تشكل قرابة 40% من مساحة سورية، وتحولها إلى مركز ثقل سوري ثان، وملاذ سياسي وعسكري، يؤوي كل أعداء النظام الجديد من فلول وأتباع للشيخ حكمت الهجري، وجميع الذين يعملون ضد الحكم. والسبب الثاني هو أن المنطقة هي خزان الثروات الذي لا يمكن لبقية أنحاء سورية أن تعيش من دونه. تحوز الجزيرة السورية على النفط، والغاز والحبوب والقطن. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن سورية خسرت العام الماضي حوالي 22 مليار دولار بسبب حرمان الدولة من دخول المنطقة، وحرمان الخزينة الرسمية من عائداتها. وفي حسابات الخبراء تشكل منطقة الجزيرة السورية صمّام أمن الغذاء والطاقة في سورية، ومن دون عودتها للدولة ستبقى تعتمد على استيراد النفط والغاز والقمح من الخارج، عدا عن أن بقاء هذه العوائد في يد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يحولها إلى سلاح ضد الدولة.

استعادة الجزيرة السورية

كان واضحاً أن الهدف الثاني، بعد تثبيت وضع النظام في دمشق، وترتيب علاقاته الخارجية، هو استعادة منطقة الجزيرة السورية. وقد عملت السلطة الجديدة على ذلك بطرق مختلفة، وأعطت للمفاوضات مع “قسد” وقتاً كافياً، لم يتكلل بتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، قبل أن تتخذ قرارها النهائي باللجوء إلى القوة العسكرية. وما كان لهذا الطموح الكبير أن يتحقق لو لم تأمن الحكومة عدم تدخل إسرائيل، وتأخذ من الولايات المتحدة الضوء الأخضر، بوصفها حليف “قسد” منذ تأسيسها في عام 2015 لمحاربة تنظيم داعش، وممولتها، وآخر مبالغ التمويل كان 130 مليون دولار لعام 2026.

ونجحت السلطة السورية في تحييد إسرائيل، وكسب جانب أميركا. وبقي عليها اختيار التوقيت المناسب للعملية العسكرية. وكانت كواليس دمشق في الشهر الأخير من العام الماضي، تعطي احتمال استعادة الجزيرة السورية بالقوة نسبة 50%. وجاءت أحداث أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب في السادس من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، لترفع العدّاد بقوة كبيرة، خصوصاً أن ردة الفعل الشعبية المؤيد لها كانت ساحقةً نتيجة للإدارة المهنية لها، وفشل “قسد” بإخراج عناصر مسلحة تابعة لها داخل أحياء مدنية في حلب، العاصمة الاقتصادية للدولة، وضمن نطاق جغرافي حساس يتحكم بالطرق الأساسية، ويشرف على المناطق الصناعية الكبرى.

أدى ضعف حجج “قسد” وأداؤها المتعثر في حلب دوراً أساسياً في تمهيد الطريق أمام قوات الحكومة للتقدم نحو شرق المدينة، لتأمينها من الطائرات المسيرة والقصف المدفعي المتواصل من منطقتي مسكنة ودير حافر، حيث يقع أيضاً عدد من محطات تغذية محافظة حلب بالكهرباء من سد تشرين، ومياه الشرب من نهر الفرات. واستخدمت الحكومة التكتيك نفسه الذي اتبعته في عملية “ردع العدوان” التي قامت بها “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) والفصائل الموالية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. حينذاك كان الاعتقاد أن هدف العملية العسكرية هو دخول ريف حلب من أجل تأمين ريف إدلب، ولكنها استمرت نحو حلب المدينة، ومنها اتجهت نحو دمشق، مستفيدة من عنصري التمويه والمفاجأة. وجرى استنساخ الأسلوب نفسه لدى دخول دير حافر ومسكنة من دون قتال، وبوساطة أميركية بذريعة تأمين حلب، ومن ثم انتقلت قوات الجيش السوري نحو مدينة الطبقة لتسيطر على سد الفرات الاستراتيجي. وساد الظن أن هذه القوات ستتوقف في مناطق غرب نهر الفرات، الذي يفصل المنطقة إلى قسمين، الجزيرة السورية وتلك الشامية، حيث تقع المحافظات الثلاث، لكنها، بسرعة شديدة، عبرت الفرات واستعادت النصف الثاني من دير الزور وكامل الرقة، واتجهت نحو ريف الحسكة، وسيطرت على مساحات شاسعة بين مدينتي مركدة والشدادي، وتوقفت هناك قبل أن تكمل نحو أجزاء أخرى من شرق الفرات، ومنها ما يقع قرب نهر دجلة على الحدود مع العراق، كما هو الحال في معبر اليعربية في ريف مدينة القامشلي.

يُعزى التقدم السريع للقوات الحكومية إلى ثلاثة عوامل. العامل الأول هو قرار بتغطية أميركية ودعم دول عربية وإقليمية وازنة، والثاني مشاركة واسعة من العشائر العربية التي سيطرت على مناطقها قبل وصول الجيش، والثالث حصول انشقاقات واسعة من العرب في صفوف “قسد”، وعدم وجود خطة مواجهة لديها. ويبدو أن حساباتها لم تضع هذا السيناريو في عين الاعتبار، فهي لم تتوقع الهجوم الكبير الخاطف والمنسق، وكانت تعول على دور أميركي يمنع الحكومة من التقدم نحو الجزيرة السورية في ظلّ تقديرات بأن “قسد” ركنت إلى دعم إسرائيلي شبيه بما حصل في يوليو/تموز الماضي خلال أحداث السويداء، عندما تدخلت إسرائيل عسكرياً لمنع القوات الحكومية من دخول المدينة لإنهاء ظاهرة الشيخ الهجري.

ومهما يكن من أمر، يظلّ العامل الأساسي هو التحول الأميركي تجاه “قسد”، الذي بدأ منذ دخول الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وزيارة الشرع إلى واشنطن في التاسع من نوفمبر الماضي، للتوقيع على هذا الانضمام. وبذلك باتت سورية العضو رقم 90 في التحالف الذي تَشكَّل بقيادة الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2014، الذي يضمّ دولاً أوروبية وعربية وتركيا وقبرص من دول الشرق الأوسط، ودولا آسيوية وأفريقية، وشركاء آخرين مثل الإنتربول، وحلف شمال الأطلسي “ناتو”، وجامعة الدول العربية. وكان واضحاً أن الانضمام سيساهم في حلّ مشكلة مناطق شمال شرقي سورية، وإعادة بسط سلطة الدولة، ونشر مؤسساتها فيها، وسيطرتها على حدودها الدولية. وستفقد “قسد” ميزة الشريك السوري الوحيد للتحالف، ونقل الشراكة للحكومة، وبالتالي نقل السلطة إليها، وتكليفها بإدارة ملفّ السجون والمخيمات التي تؤوي عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم، إضافة للعوائد الاقتصادية المهمة من الثروات الطبيعية.

تعد عملية استعادة الجزيرة السورية ناجحة عسكرياً وسياسياً، وزادت من رصيد الرئيس السوري داخلياً وخارجياً. أول نتيجة لها أنها أعادت توحيد الجغرافيا السورية، وأنهت مشاريع الانفصال والإدارة الذاتية واللامركزية السياسية، ولم تمنح الأكراد أكثر مما أعطاهم المرسوم الذي أصدره الشرع، من اعتراف بحقوقهم في المواطنة والخصوصية الثقافية والتربوية، وممارسة طقوسهم واحتفالاتهم الخاصة، واعتبار عيد النوروز عطلة رسمية. كما قطعت الطريق على المراهنين من الفلول في الساحل، وأتباع الشيخ الهجري على دعم “قسد” من أجل تشكيل كيانات انفصالية تهز استقرار الساحل والجنوب. وساهمت العملية في تعزيز السلطة اقتصادياً وبشرياً بانضمام ثلاث محافظات جديدة للدولة بعد أن بقيت تحت سيطرة “قسد”.

على المستوى الخارجي برز الشرع رجلاً قوياً قادراً على الدخول في مواجهة مع قوة كانت ترفض التفاوض معه إلا بشروطها، واستمرت تماطل لعشرة أشهر، مراهنة على حصول تغيرات في الموقف الدولي تجاه حكمه، ولكن حصل العكس عندما قرر الدخول في مواجهة عسكرية مع “قسد”، التي كانت تقدم نفسها على أنها قوة عسكرية غير قابلة للانهزام. وقد تبين من خلال ردات الفعل الدولية، وفي طليعتها الأميركية، أن القبول الذي حازه الشرع جاء من قدرته على معالجة الملفات الصعبة بأقل الخسائر، ومنها توحيد سورية تحت سلطة حكومته، وتعهده بالتعاون مع الغرب بخصوص الملفات الأساسية فيما يتعلق بمواصلة الحرب على “داعش”، ومنع إيران من العودة إلى المنطقة.

ملف السويداء يعود قريباً

جرى توجيه ضربة قاضية للفلول، لكن ملف السويداء لا يزال مفتوحاً، وتشير تقديرات سورية إلى أنه سيعاد فتحه في الفترة المقبلة، بوساطة أميركية، من أجل إعادة تفعيل اتفاق عمان الثلاثي الذي جرى توقيعه في سبتمبر الماضي بين سورية والأردن والولايات المتحدة، ورفضه الهجري في حينه. وترى أوساط سورية أن شرط بدء هذه العملية هو كف يد الهجري ومليشيات الحرس الوطني التابعة له. وفي حال جرى ذلك تبقى إسرائيل عقبة رئيسية، كونها تريد بقاء السويداء ضمن دائرة نفوذها، حتى في حال تم توقيع الاتفاق الأمني مع سورية، وهذه إحدى نقاط الخلاف الرئيسية.

تبدو بعض تجليات الصورة السورية الراهنة وتجلياتها، مرتبطة بتنازع النفوذين التركي والإسرائيلي في سورية، وهذا خاضع لمدى قدرة الولايات المتحدة على ضبط الإيقاع بينهما. وترى أوساط مراقبة أن ثقل واشنطن في عملية الجزيرة السورية ساهم في فرملة إسرائيل وحدّ من ميلها إلى جانب “قسد”، ويعزى جانب من حسم الإدارة الأميركية موقفها من “قسد” إلى مراعاة تركيا، التي تعد هذا التنظيم خطرا يهدد استقرارها، ولذلك كانت مواكبة لعملية وداعمة لها، وهناك من يجزم بأن تركيا أبلغت أميركا أنها ستواجه إسرائيل في حال تدخلت عسكرياً لصالح “قسد”

العربي الجديد

——————————-

إلى مَن تميل الكفة مع انتهاء المهلة الممنوحة لقسد؟

تنتهي مساء اليوم السبت المهلة الممنوحة لقوات قسد لتقديم خطة تفصيلية لآلية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، وسط تأكيد سوريا بعدم تجديدها ومخاوف من تجدد الاشتباكات، بعد فشل تنفيذ اتفاقين سابقين.

ويرتبط تقديم الخطة بشروط عملية واضحة تطلبها دمشق، من بينها خطوات تتعلّق بدمج الحسكة والمؤسسات المدنية والعسكرية لقسد في الدولة السورية، وترتيبات قيادية تشمل تسمية مرشح لمنصب نائب وزير الدفاع، بعد خسائر سريعة واجهتها قسد في الأيام القليلة الماضية، أسفرت عن أكبر تحول في خريطة السيطرة داخل سوريا.

وبالتالي، تواجه قسد خيارين: إما تقديم خطة تُطمئن دمشق، في ظل ضغط أمريكي داعم لبنود الاتفاق واستقرار سوريا، أو المخاطرة بانهيار التهدئة وعودة الضغط العسكري بعد تقلّص أماكن نفوذها وتسليمها لسجون كانت تشكّل عقبة أمنية.

“اندماج مرحلي” يعبر المهلة

وأمام الخيارات المتاحة لقسد، تواجه سوريا سيناريوهات محتملة مع انتهاء المهلة مساء اليوم، في حين أكدت وزارة الخارجية السورية أنه لم يتخذ قرار تمديد المهلة، بعد أن نقلت وكالة رويترز عن مسؤول بقسد أمس الجمعة أن الموعد النهائي للرد قد يُمدد.

كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان -في تصريحات أمس الجمعة- إن وقف إطلاق النار الحالي في ‍سوريا يجب أن يستمر خلال نقل سجناء ‍تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق، وإن ذلك سيحد من المخاطر الأمنية.

ويرجّح محللون أن تقدم قسد مع انقضاء المهلة مساء اليوم خطة تنفيذية، مع جدول زمني وتفاصيل تقنية، لعملية الاندماج العسكري والمدني، وترشح اسما لمنصب نائب وزير الدفاع.

ويشرح محللون أن هذا السيناريو تُرجّحه مقاربات ترى أن واشنطن ودولا أوروبية مثل فرنسا يدفعان باتجاه حل إداري أمني يقلص احتمالات الصدام ويُبقي ملف محاربة تنظيم الدولة والسجون تحت السيطرة.

وأمس الجمعة، برزت خطوة تسليم قسد سجن الأقطان في ريف الرقة للحكومة السورية كإشارة إلى إمكان تحويل التفاهم إلى خطوات ملموسة، وسط مواصلة نقل سجناء تنظيم الدولة إلى العراق.

“خطة رمادية” تؤجل الحسم

أما السيناريو الثاني المتوقع الليلة، فهو أن تقدم قسد خطة عامة أو مشروطة، تتجنب التفاصيل الأكثر حساسية مثل تفكيك البنية العسكرية أو تسليم كامل مفاصل الإدارة والموارد، بينما تطلب المزيد من الضمانات المتعلقة بالتمثيل والإدارة المحلية.

إعلان

ومن الممكن أن يمرَّر ذلك عبر تمديد غير معلن للمهلة لمناقشة القضايا التقنية، في حين تبقى الهدنة قائمة مع استمرار التحشيد على الأطراف.

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر تأكيدها استمرار الاستعدادات العسكرية قرب مدن تسيطر عليها قسد حتى مع خطوات تسليم محدودة، بينما تستعد أيضا سوريا عسكريا لخيار عودة القتال، ما يوحي بأن التفاوض تحت الضغط خيار حاضر بقوة.

الفشل والعودة للتصعيد

إذا انتهت المهلة دون تقديم خطة، فالأرجح أن دمشق ستتعامل مع ذلك كرفض للاتفاق وخرق له، وتنتقل إلى تصعيد تدريجي يبدأ بالضغط الأمني وقد يتدرج إلى عمل عسكري محدود لفرض واقع.

لكن عامل الحسم هنا ليس دمشق وحدها، بل حسابات القوى الخارجية، وتحديدا ما إذا كانت ستضغط لكبح التصعيد أو ستغض الطرف عنه.

والأحد، وقّعت الحكومة السورية وقسد اتفاقا يقضي، من بين بنود أخرى، بوقف إطلاق النار ودمج عناصر ومؤسسات التنظيم ضمن الدولة السورية.

وبعد يومين، أعلنت الرئاسة السورية التوصّل إلى تفاهم مشترك” مع “قسد”، يضع آليات دمج عسكرية وإدارية وسياسية واسعة النطاق، وبدأ تنفيذ بنوده الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي من مساء اليوم ذاته. لكنّ دمشق اتهمت قسد بخرق الاتفاق واستهداف مدنيين وعسكريين.

وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري قبل أيام، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، إثر خروقات متكررة من قسد للاتفاقات الموقعة مع الحكومة منذ 10 مارس/آذار الماضي.

المصدر: الجزيرة + رويترز

——————————-

 منطقة الفرات والجزيرة.. أرض الخيرات وفقر الحال/ كفاح حسيان

2026.01.24

منذ عقود أُدرجت الجزيرة والفرات في معادلة اقتصادية تقوم على الاستخراج لا الاستثمار. القمح يُنقل، النفط يُضخ، والقطن يُصدّر، بينما كان أهل تلك المنطقة خارج معادلة القيمة. هذا ليس بمصادفة بل هو نتيجة عقود من الإهمال، وزاد الطين بلة الفساد الإداري والسياسي والنهب الاقتصادي زمن نظام الأسد.

تعتبر منطقة الجزيرة والفرات من أهم وأغنى المناطق في سورية بما تملكه من موارد طبيعية سواء ثروات نفطية ومائية وأراضي خصبة. فالجزيرة هي المنطقة الزراعية الأولى والسلة الغذائية لسورية، وتتركز فيها المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن والذرة والشعير. كما تشتهر بتربية الأغنام والأبقار مما جعلها مصدراً رئيسياً للحوم والألبان والصوف.

وفرة مياهها تعود بالدرجة الأولى لنهر الفرات الشريان الحيوي لهذه المنطقة حيث يُعتمد عليه كمصدر لمياه الشرب والري وتوليد الطاقة. وهو النهر الدولي الذي يعبر الحدود من تركيا بلد المنبع إلى سورية ويسهم بنحو 40% من حجم المياه السطحية المتوفرة لسورية وقد أُقيم عليه ثلاثة سدود في سورية: سد الفرات وسد تشرين وسد المنصورة، ووظيفة هذه السدود تخزين المياه لأغراض الري والشرب وتنظيم التدفق بالإضافة إلى توليد الطاقة الكهربائية.

تلعب هذه السدود دوراً محورياً في تحسين وتوسيع الرقعة الزراعية في المناطق المحيطة من خلال توفير مياه الري ويسهم في دعم الزراعة التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي في المنطقة. وأهم هذه السدود هو سد الفرات ويُصنف بأنه أكبر السدود في سورية وعلى مستوى الوطن العربي يُعد الثاني بعد السد العالي في مصر. وهو منشأة استراتيجية تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد السوري يصل حجم قدرته التخزينية إلى 14.1 مليار متر مكعب، ويحتوي على محطة كهرومائية تضم 8 مجموعات توليد كهرباء وبحسب وزارة الطاقة تبلغ استطاعة كل مجموعة 110 ميغا واط وقد اعتمدت سورية على هذه الكهرباء لسنوات طويلة كمصدر رئيسي للطاقة قبل السيطرة على السد من قبل قوات قسد ومن قبلها تنظيم الدولة. سد تشرين يعد ثاني أكبر السدود في سورية ويضم محطة توليد كهرباء تتألف من عدة توربينات، تبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 630 ميغاواط، مما يسهم في تلبية جزء كبير من احتياجات المنطقة من الكهرباء كما تبلغ القدرة الاستيعابية لبحيرة السد 1.9 مليار متر مكعب. أما سد المنصورة (البعث سابقا) فهو الثالث من حيث الأهمية في سورية يخزن مياه بحجم يصل إلى 90 مليون متر مكعب، ولا يمكن التغافل عن دوره في توليد الطاقة الكهربائية التي تصل إلى 375 كيلو واط سنوياً.

وقد تعاقبت عدة قوى في السيطرة على هذه السدود، ولطالما سيطر الخوف على أهالي المناطق المحيطة بها خوفاً من تضرر إحداها نتيجة العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى غرق عدد كبير من القرى والمناطق حولها ولكن دائماً ما كانت هذه القوى المسيطرة تحاول الابتعاد عن ضرب هذه المنشآت الحيوية لضرورتها واستخدامها بما يوازي مصالحها وكسلاح بيدها ضد الأطراف الأخرى كقطع الماء والكهرباء. ومع ذلك بسبب سوء الإدارة وعدم الصيانة الدورية لهذه المنشآت فقد تضررت بنسب متفاوتة. وبإعادة السيطرة في الأيام الأخيرة على هذه المنشآت من قبل الحكومة السورية الجديدة سارعت لإرسال اللجان المختصة لمعاينتها والعمل على تسريع عمليات الصيانة لإعادة تشغيلها وفق قدرتها التشغيلية التصميمية بعد التراجع في مستويات التشغيل خلال سنوات الحرب السابقة بالاستعانة بالخبرات الوطنية والأجنبية.

وبالإضافة إلى غنى منطقة الجزيرة والفرات بالموارد المائية فهي غنية بالموارد النفطية والغاز الطبيعي، بل تعتبر أغنى المناطق السورية بهذه الثروات، فهي تضم أهم حقول النفط والغاز وخاصة في محافظتي دير الزور والحسكة كحقول العمر والرميلان والتنك وحقول كونيكو للغاز. ونتيجة سوء الإدارة من قبل قسد فقد تراجع إنتاج النفط في هذه الحقول وتم هدره وسرقته. فعلى سبيل المثال في حقل العمر الذي يُعد أكبر حقل نفطي في سورية من حيث الطاقة الإنتاجية قبل 2011، بلغ إنتاجه 80 ألف برميل يومياً وشكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية، أصبح ينتج الآن 20 ألف برميل يومياً، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور كما جاء في تقرير لموقع الجزيرة الإلكتروني.

لقد أُديرت منطقة الفرات والجزيرة منذ تشكل الدولة الحديثة بوصفها هامشاً اقتصادياً يزود الدولة بالمواد الخام (الزراعية والنفطية) ونقلها إلى مراكز التصنيع أو القرار من دون أن يُسمح لها بتطوير اقتصاد محلي متكامل كباقي المدن الكبرى رغم توافر كل العوامل والأسس لذلك. أما النفط فكان أكثر الموارد كشفاً لهذا الخلل فقد بُني حوله اقتصاد ريعي مغلق لا يخضع للمساءلة ولا يُعاد توزيع عوائده بشكل عادل. في مفارقة مؤلمة بقيت هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية محرومة من الصناعات التحويلية والاستثمارات طويلة الأمد ولم تُطوَر البنى التحتية والخدمية بشكل يليق بمنطقة تنتج الجزء الأكبر من الطاقة في البلاد ولم يكن النفط فيها أداة تنمية كما يجب أن يكون. بل طال الأمر التوظيف في الصناعة النفطية فكان معظم العاملين فيها من خارج المنطقة وغالباً من محاسيب نظام الأسد وبيئته الداعمة.

وإدارة القطاع الزراعي لم تكن أفضل فقد تمت إدارته بطريقة استخراجية لا تنموية، حيث فُرضت سياسات إنتاجية تركز على المحاصيل الاستراتيجية من دون مراعاة الاستدامة البيئية ومصلحة الفلاح وتنوع الإنتاج بما يتناسب مع الظروف المناخية وتوافر المياه.

منطقة الجزيرة والفرات تعاني من الفقر وارتفاع معدلات البطالة وهذا ليس حالة طارئة بل نتيجة لسياسات طويلة الأمد من ضعف التعليم والبنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية الذي انعكس في تعميق دائرة التهميش. وقد تعرض أهلها لموجات نزوح متكررة تارةً بسبب موجات الجفاف التي طاحت بالأراضي الزراعية وبالتالي بالحالة الاقتصادية للفلاحين الذين هم النسبة الأكبر من سكان هذه المناطق ولا توجد سياسات مستدامة أو برامج إرشاد زراعي فعّالة لدعمهم. هذا النقص في الدعم الفني والمالي دفع صغار الفلاحين الأكثر تضررًا إلى ترك أراضيهم أو تقليص نشاطهم الزراعي. وتارةً أخرى بسبب الحروب التي دارت في المنطقة.

كل من سيطر على هذه المنطقة كان غرضه نهب ثرواتها من دون التوجه لتوسيع الاستثمارات وتطوير البنى التحتية بما يخدم تحسين الوضع المعيشي لأبنائها في مختلف القطاعات. فعلى زمن النظام البائد كانت هذه المنطقة منهوبة الثروات وبعدها قسد التي زادت الوضع تردياً من خلال سوء الإدارة واستغلال الثروات من مياه ونفط كسلاح حيوي واقتصادي في الحرب.

تشكل منطقة الفرات والجزيرة السورية مثالاً صارخاً على التناقض بين غنى الموارد وفقر الإنسان. إن وفرة الموارد لا تعني تلقائياً الازدهار بل قد تتحول إلى عامل تهميش إذا أُديرت ضمن نموذج ريعي. ومعالجة الفقر في هذه المنطقة لا تبدأ بزيادة الإنتاج، بل بإعادة التفكير في علاقة الدولة بالموارد وبالإنسان وبحقوقه من خلال إدارة عادلة للموارد تضمن توزيعاً منصفاً للعائدات بالإضافة إلى إشراك المجتمع المحلي في صنع القرار وتنويع الاقتصاد عبر دعم الصناعات الزراعية والطاقة المتجددة وكل هذا تحت مظلة حماية البيئة والموارد الطبيعية بسياسات مستدامة.

واليوم بعد أن عادت المنطقة إلى كنف الدولة السورية فأهلها يتطلعون إلى إنصافهم وأن تنعكس الثروات الموجودة في منطقتهم على حياتهم، خاصة وأنهم يعتبرون الدولة الجديدة نتاجاً للثورة السورية ثورة الحرية والعدالة التي ساهموا فيها بقوة وقدموا كثيرا من التضحيات فيها.

تلفزيون سوريا

———————————

 التقديرات والرهانات الخاطئة للحركات والأحزاب الكردية: تاريخ يتكرر/ عمار السمر

2026.01.24

مشهد الانهيار الذي يصيب الحركة الكردية في سوريا التي يهيمن عليها حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية ليس بجديد في تاريخ الحركات الكردية في الشرق الأوسط. فتلك الحركات طالما حاولت استغلال اللحظة التاريخية لتحقيق أهدافها التاريخية والآنية، ولكنها غالباً ما راهنت على الدعم الخارجي بالدرجة الأساسية أكثر من قواها الذاتية وظروفها الموضوعية، مما أوقعها في سوء التقدير، بعد أن تجاهلت أو قرأت خطأً المتغيرات الدولية والإقليمية، وتعدى الأمر إلى سقوطها أحياناً في تجاهل التاريخ والجغرافيا أو التنكر لهما مما كان له آثار عميقة على الأكراد والدول التي هم مواطنون فيها. وبدلاً من استغلال تلك اللحظات التاريخية لتحقيق المزيد من حقوق الأكراد انقلبت وبالاً بسبب سوء التقدير.

ليس المقصود في هذا المقال نكران أو مناقشة حقوق الأكراد، ولا مناقشة البعد التاريخي للمشكلة الكردية التي نشأت بعد نهاية الدولة العثمانية وولادة القوميات في المنطقة دولاً بينما لم تلد القومية الكردية وبقيت في حالة مخاض حتى اليوم، وهي الحجة التي قدمتها لتسجيلي رسالتي للدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بعنوان” شمال العراق 1958- 1975: دراسة سياسية”. المقصود بالمقال استعراض تجربة كردية فيها الكثير من الشبه في العديد من مفاصلها بما يجري اليوم في سوريا.

التجربة الأولى للحكم الذاتي في العراق.. أول اعتراف تاريخي ونهاية مأساوية:

في عام 1970 اتفقت الحكومة العراقية مع الحركة الكردية التي كان يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) بقيادة الملا مصطفى البارزاني، وصدر بيان آذار للحكم الذاتي. وكان ذلك تتويجاً لسنوات طويلة من الكفاح السياسي والمسلح. وكان ذلك الاتفاق مرحلة متقدمة من الاعتراف بالحقوق القومية للأكراد لم يتم الوصل و لو إلى جزء يسير منها في أياً من الدول التي يعيش فيها الأكراد. ولكن ذلك الاتفاق لم يصمد طويلاً ففي عام 1975 عادت الحرب بين الحكومة والحركة الكردية لتنتهي بهزيمة ساحقة للأخيرة.

قبل توقيع الاتفاق كانت الحرب سجال بين الأكراد وكل الحكومات العراقية التي جاءت بغض النظر عن خلفيتها (الملكية أو الثورية اليسارية أو القومية البعثية وغير البعثية) وحصلت الحركة على الدعم دوماً من أعداء أو خصوم العراق كإيران وإسرائيل ونظام الأسد، وهو ما كشفته الوثائق والمذكرات. وفي النهاية دخل حزب البعث والبارتي في مفاوضات أدت إلى إصدار الحكومة بيان أذار 1970 الذي كان خطوة تاريخية ساعدت ظروف داخلية واقليمية وخارجية في الوصول إليه. وتمَّ فيه الاعتراف بالوجود الشرعي للقومية الكردية، وأقرت جميع الحقوق الثقافية واللغوية للقومية الكردية، وتدريس الكردية في المدارس والمعاهد والجامعات ودور المعلمين والكلية العسكرية وكلية الشرطة. كما أوجب نشر الكتب والمؤلفات الكردية، واستحداث مديرية عامة للثقافة الكردية، وصحافة وبث تلفزيوني كردي، واعتبار عيد نيروز عيداً وطنياً. كما صدر قانون المحافظات الذي نص على لا مركزية الإدارة المحلية، وتمَّ استحداث محافظة دهوك، وصدر عفو عام عن كل من اشتركوا في الأعمال العسكرية ضد الدولة. كما تم الاتفاق على تعديل الدستور العراقي لينص على أن الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيستين (العربية والكردية)، وأن يقر الحقوق القومية الكردية وكل الأقليات ضمن الوحدة العراقية، وأن تكون اللغة الكردية رسمية إلى جانب العربية في المنطقة الكردية، وأن يكون أحد نواب رئيس الجمهورية كردياً. كما تضمن البيان إعادة إعمار المنطقة الكردية، وإعادة جميع الموظفين المدنيين والعسكريين المفصولين، وتقديم معاشات تقاعدية لعائلات المقاتلين الذين قتلوا، وإنشاء شرطة محلية من الأكراد ومواد أخرى كثيرة لا مجال لذكرها. وتقرر أن يتمَّ الحكم الذاتي بصيغته النهائية خلال مدة انتقالية أقصاها أربع سنوات. وقد أيدت مختلف القوى العراقية الاتفاق، ودخل في الحكومة العراقية خمسة وزارء أكراد اقترحهم البارزاني من حزبه. وقد منح الاتفاق البارزاني الشرعية زعيماً للأكراد فصار المتحكم الأول في منطقته فقام بتحطيم خصومه المحليين.

مرت العلاقة بين الحكومة والبارزاني خلال المرحلة الانتقالية بمرحلتين: الأولى الوفاق وتمَّ اختصار المشكلة أحياناً أمام الجماهير أنها من صنع الاستعمار، وتم البدء بتطبيق الاتفاق، وتعيين محافظين ومديري شرطة ومسؤولين محليين من البارتي. كما تم تأليف لجنة من حزب البعث والبارتي للإشراف على تنفيذ الاتفاق الذي على الرغم من الشكول المتبادلة تمَّ تنفيذ الكثير منه. مع ذلك بقيت هناك العديد من نقاط الخلاف بسبب تفسير كل من البارتي والحكومة لنهاية الاتفاق، فقد كان الملا يعتقد أن الحكم الذاتي خطوة نحو الاستقلال، بينما كانت الحكومة ترفض هذا التوجه. كما كان هناك خلاف حول تعيين ما هي المناطق الكردية فقد طالب البارزاني ببعض المناطق التي لا يمثل الأكراد فيها أكثرية، كما طالب بسلطات لتصريف العلاقات الخارجية الكردية، وبالاحتفاظ بالسيطرة على البيشمركة على الرغم من موافقته على دمجها في الجيش العراقي، وأن تكون كركوك مركزاً للحكم الذاتي بدلاً أربيل.

على الرغم من الخلافات بين الحكومة والبارزاني إلا ان المتغيرات الإقليمية والدولية كانت السبب الرئيسي لتأزم تلك الخلافات، وأغرت البارزاني وقيادته بإمكانية الحصول على المزيد من التنازلات أو الاستقلال. ومنها صعود دور إيران كحامية للخليج العربي بعد انسحاب بريطانيا أواخر 1971، وإعادتها علاقاتها بقوة مع البارزاني الذي حافظ على علاقاته مع إسرائيل، وحاول الحصول من خلال وساطتها على الدعم الأميركي، وتمَّ له ما أراد وقبلت الولايات المتحدة الأميركية لأول مرة عقد اتفاقية سرية بموافقة الرئيس نيكسون وكسينجر تنص على تزويد الملا بالمال والسلاح بعد أن غيرت سياستها نحو العراق بعد توقيعه معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي وتأميم شركات النفط وهو ما اعتبرته ضربة للغرب. ظن البارزاني أن الموقف الأميركي  الجديد ضمان كان ينتظره منذ أمد بعيد –ربما حزب العمال ظن ذلك عند استعانت به الولايات المتحدة- فرفع سقف مطالبه، ولم تفلح الوساطة السوفيتية في ثنيه عن موقفه.

دعم الأميركان للبارزاني كان سببه الرغبة في استنزاف العراق عقاباً له على الصداقة مع السوفيت وتأميم نفطه، ومعارضته اتفاقيات فض الاشتباك التي كان ينظمها كيسنجر بين مصر وسوريا وإسرائيل، ووجد كسينجر ضالته في الأكراد كما كشف لاحقاً عام 1976 تقرير “لجنة بايك” التي شكلها الكونغرس الأميركي للتحقيق في نشاطات C.I.A. وكانت إيران وإسرائيل مستعدتان لتقديم الدعم ضد عدوهما المشترك العراق حتى أن الملا زار إسرائيل سنة 1973. كل ذلك دفع البارزاني للتصريح لصحيفة هيرالد تريبيون الأميركية أنه مستعد إذا حصل على الدعم الأميركي للسيطرة على حقول نفط كركوك وإعطائها للشركات الأميركية، وقال أن الأكراد عامل مهم في الشرق الأوسط وأنهم يشغلون الجيش العراقي عن العمل ضد إيران وإسرائيل. كل تلك العوامل جعلت الملا يظن أن اللحظة التاريخية صارت مناسبة للانفصال عن العراق.

زادت الاتهامات بين الحكومة والبارتي وسارت نحو الحرب على الرغم من تدخل وزير الدفاع السوفيتي وزيارته بغداد لهذه الغاية ولكن طهران وواشنطن حرضتا البارزاني على الرفض، فاندلع القتال على الرغم من إصدار الحكومة لقانون الحكم الذاتي الذي رفضه البارزاني ووجه بيناً للأكراد دعاهم لحمل السلاح ضد الحكومة على الرغم من قلقه من عودة العلاقات الإيرانية العراقية عام 1973، وعدم الاطمئنان للدعم الأميركي والبريطاني والفرنسي الذي قد تغيره المصالح الاقتصادية.

لبى دعوة البارزاني للقتال عشرات الآلاف من الأكراد العراقيين وأكراد الدول المجاورة. كانت الحرب دموية بسبب ترسانة السلاح لدى الطرفين بالإضافة إلى إسناد وحدات إيرانية للبارزاني والاستعانة بالخبراء الإسرائيليين. وكان الدعم الأميركي والإسرائيلي يأتي عبر إيران التي تحكمت به.

استطاعات البشمركة السيطرة على مساحات كبيرة في شمالي العراق. ولكن خلال سنة لم يستطع أياً من الطرفين حسم الحرب التي تحولت إلى استنزاف للطرفين كما أرادتها الدول التي دفعت نحوها، فإيران كانت تريد عراقً ضعيفاً، وإسرائيل تريد جيش عراق بعيد عنها، وأميركا تعرقل توسع السوفيت في الشرق الأوسط. هذا الحال دفع الحكومة العراقية للاتصال بالأطراف التي تدعم الأكراد وأهمها إيران، وكان صدام قبلها قد هدد البارزاني بأنه إذا لم يقبل الاتفاق معه فسوف يتفق مع الشاه. وبالفعل بدأت مفاوضات سرية مع إيران بوساطة الرئيس المصري السادات، توجت بتوقيع اتفاق الجزائر في آذار 1975 الذي تنازل فيه العراق على جزء من أراضيه ومنها نصف شط العرب لإيران مقابل تخليها عن الحركة الكردية.

قبل وقوع الكارثة علم البارزاني بتحركات ومفاوضات الحكومة العراقية من عدة مصادر منها نظام حافظ الأسد الذي حذره من قرب الاتفاق بين العراق وإيران، ولكن بدلاً من تغيير سياسته ظل متعلقاً بالأميركان، فأرسل في 16/1/1975 إلى الإدارة الأميركية بأنه على استعداد لتحويل كردستان العراق إلى ولاية أميركية، ولكن الأميركان لم يهتموا بعرضه ورفضوا السماح له بزيارة الولايات المتحدة، وأصروا أن تبقى العلاقة بينهما سرية. ومع تزايد قلق البارزاني ذهب إلى طهران لمقابلة الشاه فجرى إبقاؤه عدة أسابيع في انتظار موعد مع الشاه الذي كان يستعد لتوقيع اتفاق الجزائر الذي شاركت عدة دول من المنطقة في الوصول إليه حتى أن بعضها شاركت في خداع البارزاني.

علم البارزاني بتوقيع الاتفاق من الراديو وهو في طهران وفي نفس اليوم بدأت القوات الإيرانية المساندة له بالانسحاب دون إنذار، فبعد أن حصلت إيران من العراق على ما أرادته تركت الأكراد لمصيرهم ومنعت عنهم الدعم العسكري، وطلبت من الخبراء الإسرائيلين والأميركيين مغادرة شمالي العراق على عجل. وتزامن ذلك مع بدأ الجيش العراقي بهجوم واسع نحو معاقل الحركة الكردية مع الإعلان عن عفو عام. ولم تجدي مناشدة القيادة الكردية للأميركان الذين أوقفوا شحنة أسلحة كانت في طريقها للأكراد وحولوها إلى حزب الكتائب في لبنان حيث كانت الحرب الأهلية اللبنانية على الأبواب، وأخبر الشاه البارزاني أنهم يمكنهم متابعة القتال وحدهم.

صبت القيادة الكردية جام غضبها على خيانة الغرب – كما اليوم- وقررت متابعة القتال منتظرة عودة الملا من طهران الذي وافق قيادته في البداية على الاستمرار في القتال استناداً لما تملكه الحركة من 60 ألف مقاتل مجهز وأسلحة وذخائر كثيرة وسيطرتها على 40 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الصالحة للقتال. ولكن الشاه أرسل له بضرورة ايقاف القتال وأنه عليهم الاستسلام إما للجيش العراقي أو الإيراني. وأمام هذا الوضع الصعب قرر البارزاني إرسال برقية إلى البشمركة وفروع حزبه بإلقاء السلاح والاستسلام للجيش العراقي أو الرحيل إلى إيران. بينما كان رأي بعض القادة مثل جلال طالباني الاستمرار في القتال. ثم انتقل البارزاني إلى إيران التي وضعت تحت أمره 100 بيت له ولأتباعه لأنها تريده تحت عينها. ومن هناك سافر إلى الولايات المتحدة للعلاج من السرطان والتواصل مع الأميركان، ولكن تمَّ عزله بما يشبه الإقامة الجبرية. وفي البداية دفعت C.I.A كلفة علاجه ولكن في المرة الثانية رفضت دفعها في تنكر واضح للبارازني الذي وثق بوعود الولايات المتحدة التي لم تكن تهتم بعشرات الآلاف من الضحايا الأكراد والعراقيين والدمار. فقد ورد في تقرير لجنة بايك للتحقيق أن الولايات المتحدة قررت دعم الأكراد بعد تأميم نفط العراق، ومجاملة للحليف الإيراني الذي طلب دعمهم، وقالت اللجنة أن هدف الولايات المتحدة من دعمهم لم يكن لتمكينهم من نصر ليحصلوا ولو على حكم ذاتي مما قد يؤثر على أكراد إيران حليفة أميركا. فالهدف كان استنزاف الجيش العراقي. وصرح البارزاني أنه تعرض للخيانة من إسرائيل وإيران والسوفيت والأميركان، وأنه عام 1972 لم يكن لم ليقبل التحالف مع الشاه لولا موافقة الولايات المتحدة.

تلفزيون سوريا

————————

أخوة الشعوب”: مشروع الإدارة الذاتيّة الكرديّة الذي وُلد مرفوضاً!/ بشير أمين

22.01.2026

مع انحسار الإدارة الذاتية الكردية في محافظة الحسكة، يعود المشروع إلى بنية تشكّله الأولى في تمثيل الشارع الكردي. فانهارت قسد فعليًا، لتبقى وحدات حماية الشعب في الواجهة. ومع المخاوف الشعبية من مجازر محتملة، عانى منها السوريون خلال العام الماضي، يلتف الكرد السوريون اليوم حول قسد بوصفها الممثل والحامي لطموحاتهم السياسية، بل لحمايتهم من الحملات الإبادية.

يواجه مشروع الإدارة الذاتية سؤال الوجود. خسر محافظتي الرقة ودير الزور، وانكفأ إلى محافظة الحسكة وكوباني، مناطق الكثافة الكردية، بعد انهيار المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة السورية. أعلن على إثرها كرد سوريا النفير العام و”معركة وجودية” في الدفاع الذاتي. ولكن ما احتمالات نجاة الكرد في معركة صفرية كهذه؟ هل نشهد نهاية مشروع الإدارة الذاتية بشكل كامل، والأمة الديمقراطية المستنبطة من “أخوة الشعوب” في أدبيات أوجلان؟

عبّرت الإدارة الذاتية عن مشروعين متوازيين منذ نشأتها عام 2012:

 الأول: حاضنٌ للطموح السياسي الكردي في سوريا.

والثاني: مشروع جناح سياسي سوري يسعى إلى المشاركة في السلطة وأن يكون فاعلاً إقليمياً.

غلب المشروع الثاني على الأول مع دخول التحالف الدولي إلى سوريا وتشكيل قوات سوريا الديمقراطية، ما وسّع المشروع خارج الطموح الكردي، ليحاول أن يكون طرفًا موزونًا في المعادلة السورية. ارتدّ هذا الصعود ليُكسب الإدارة الذاتية شرعية وتمثيلاً أكبر لدى الشارع الكردي أيضًا. لكن بالغوص في التفاصيل، عانى المشروع من تناقضات عدّة، غلبت سلبياته على إيجابياته في أحيان كثيرة. ولا يسعى هذا المقال إلى مقارنة الإيجابيات بالسلبيات، بقدر ما ينظر إلى بنيته الداخلية وعواقب انهياره.

“الديمقراطية المباشرة”

بُنيت الإدارة الذاتية على فكرة الكومونات: مجتمعات مصغّرة (مجالس محلية) في الأحياء، تشكّل بدورها لجانًا، وتعتمد في إدارة أي من مؤسساتها على رئاسة مشتركة بين الجنسين، وتمنح المرأة دورًا فاعلًا عبر كوتا تصل إلى خمسين بالمئة.

واللافت أنها تتمهّل أمام الكفاءة لتتشكل وتُصقل من دون فرضها. لا تركز الإدارة الذاتية عادة على الجودة العالية في الكفاءات أو حتى المصوغات التي تنتجها، بل على الإيمان بالفكرة ذاتها.

الفكرة القائمة على أن كل مجتمع يجب أن يُقسَّم إلى خلايا مصغّرة شديدة اللامركزية، تدير شؤونها الذاتية بنفسها، وتعتمد على نظام “الديمقراطية المباشرة” في حل شؤونها وتحكيم خلافاتها، و”أخوة الشعوب” باعتبارها وصفة للتعددية الإثنية والطائفية في المنطقة على شكل تعاونيات. لكنها واجهت عوائق عدة في التطبيق العملي، وفي ترجمة أفكار أوجلان الحداثية في عقده الأخير، وفي إقناع كثير من الحواضن المحلية بها.

في المناطق العربية بخاصة، واجهت معضلة مزدوجة. الأولى تمثلت في كونها مشروعًا كرديًا يتبنى أفكار حزب العمال الكردستاني ومؤسسه عبد الله أوجلان. وبهذا المعنى، اعتُبر مشروعًا خارجيًا انفصاليًا ذا طابع احتلالي، بخاصة مع وجود أعضاء من حزب العمال الكردستاني، سواء من كرد سوريا المتطوعين منذ سنوات وعادوا إلى سوريا، أو من كرد غير سوريين انضموا الى بناء المشروع ووضع لبنات تأسيسه.

ما ذُكر عن غياب المعرفة الداخلية بمفاهيم نظريات أوجلان، وحالة الحرب الدائمة التي نمّت الشعور القومي، أنتج حكمًا سلطويًا غير مُنصت، أقصى من خلاله الحزب خصومه السياسيين، وحكم بأحادية جليّة. وعلى رغم تطوره نسبيًا إبان التدخل الأميركي، وحفاظه على نسبة معقولة من السلم الأهلي في مرحلة شديدة الحساسية، ومحاولات بناء نظام حوكمة متوازن، لم تتوقف الأساليب الميليشياوية في الاعتقال والانتهاك والتجنيد القسري والإخفاء القسري.

الصدام مع بعض العشائر

المشكلة الثانية تمثلت في صدامها الجذري مع مجتمعات عشائرية لم تتقبل أفكارًا اعتبرتها ماركسية وتقدمية لا تنتمي الى هذه المجتمعات. أظهرت تقارير وأبحاث عدة رفض المجتمعات العربية في الجزيرة “قسد” على أصعدة عدة. واشتكت بشكل متكرر مما سموه “تحريض” قسد النساء والبنات على أزواجهن وأسرهن. وكانت ضغوط أسرية تدفع كثيرات من النساء والشابات المنتسبات الى مؤسسات الإدارة الذاتية (مدنية أو عسكرية) إلى الانسحاب منها تحت ضغط مجتمعي (العشيرة والعائلة).

كما كان لافتاً رفض المناهج التعليمية، وتظاهرات المعلمين، ليس فقط بسبب أيديولوجيا مناهج الإدارة، بل لما سُمّي بالتحريض على الإلحاد. وبالمثل، اعتراضات على منع تعدد الزوجات، أو على مؤسسات حماية المرأة التي تستقبل الشاكيات من العنف المنزلي.

ظهرت ملامح هذا الرفض مع تقدم “مسلحي العشائر” وجنود وزارة الدفاع في دمشق على الرقة ودير الزور أخيرًا، وإسقاط بعض الأهالي تمثالًا يجسد أول امرأة عربية قضت في المعارك مع داعش “هبون عرب”، والتي يمكن ترجمتها من الكردية إلى “وجود العربية”. وهي المقاتلة رحاب السلمو من ناحية تل حميس جنوب الحسكة، وتُعتبر أول فتاة عربية تخسر حياتها في مواجهة التنظيم بعد أربع سنوات من انضمامها.

مثّلت هذه المقاتلة كثيرات من النساء اللواتي عانين من حكم داعش وبطشه، ولم تمثل قسد فقط.

ولا يُخفى أن النساء تعرّضن لبطش مضاعف أثناء حكم “الدولة الإسلامية”، إضافة إلى العنف البنيوي ضد النساء في هذه المجتمعات. رمزية تحطيم تمثال المقاتلة لا تقف عند تحطيم رمز عائد الى جهة سياسية، وإنما تنمّ—كما أظهرت مقاطع مصورة عدة – عن السخرية من مسألة حقوق النساء التي تبنتها قسد، وتطرح تساؤلات كبيرة حول مصير النساء في هذه المنطقة تحت حكم السلطة والمسلّحين المؤتمرين لها.

منذ وصول السلطة المؤقتة، وهي توظف العشائر، بوصفها البُعد المجتمعي أو المُعسكر، بديلاً موازيًا لبسط الدولة سيطرتها على البلاد. لا تفرّق السلطة بين هذه العشائر، فتقدّمهم كخليط متجانس تُطلق عليه اسمًا واحدًا هو “العشائر العربية”، وتسحب الأهلية والاختلافات في ما بينها.

إدوارد إيفانز-بريتشارد، ومارشال سالينز، وصولًا إلى حنا بطاطو، أنثروبولوجيون كثر يرفضون التعامل مع العشيرة بوصفها مجتمعًا خاليًا من التفاعل السياسي والعلاقة مع الدولة. لكن السلطة السورية اليوم ترفض توظيفهم خارج سياق واحد: عشائر عربية سنية تساند الدولة. ففي الجزيرة السورية عشائر متنوعة؛ فالشعيطات الذين واجهوا داعش ونالوا نصيب الأسد من المجازر، يختلفون عن عشيرة الشمر في الحسكة المتداخلة مع الكرد بشكل كبير.

ربما لم تكن لهذه العشائر الكلمة الفصل في القرارات السيادية في مشروع الإدارة الذاتية، إلا أنها تحوّلت إلى فواعل سياسية مجتمعية داخل جسم المؤسسات المدنية والعسكرية، ومارست علاقتها مع “السلطة” وفق تبايناتها، لا بوصفها جسمًا عشائريًا واحدًا. فالقول إن العشائر كلها ترفض منهجية قسد وعلمنتها هو خطاب استعلائي وظّفته السلطة منذ وصولها بغرض التجييش العروبي والديني.

سارعت السلطة أيضًا إلى تعيين عبد الرحمن سلامة محافظًا للرقة، وهو شخص يُقدَّم باعتباره صاحب إمكانات في بناء مشاريع اقتصادية ورئيسًا لشركة عقارات. اللافت أن سلامة أحد المقربين من جبهة النصرة سابقًا، ولا ينتمي إلى المحافظة، في إشارة مطابقة الى الاحتفال بعودة المحافظتين إلى الدولة بوصفهما منبع الموارد بالنسبة السلطة، من دون اكتراث بمجتمعاتهما المحلية.

السيناريو الصفري

مع انحسار الإدارة الذاتية الكردية في محافظة الحسكة، يعود المشروع إلى بنية تشكّله الأولى في تمثيل الشارع الكردي. فانهارت قسد فعليًا، لتبقى وحدات حماية الشعب في الواجهة. ومع المخاوف الشعبية من مجازر محتملة، عانى منها السوريون خلال العام الماضي، يلتف الكرد السوريون اليوم حول قسد بوصفها الممثل والحامي لطموحاتهم السياسية، بل لحمايتهم من الحملات الإبادية.

مع الإشارة إلى أن الشارع الكردي ومعظم القوى السياسية لم تبحث عن نسف المشروع منذ تشكّله، بل كان هناك قبول عام به وبقدرته على تجنيب المنطقة الحرب الأهلية ما أمكن، إلا أن الدعوات لهامش سياسي أوسع وتشاركية أكبر ظلت موجودة على رغم الصدامات.

منذ سقوط الأسد، سعت هذه الإدارة الى الحفاظ على مكتسباتها المجتمعية أولًا. وقدّمت عقدًا اجتماعيًا لافتًا للانتباه، وبدت النساء فيه في حال أفضل من كثير من دول الشرق الأوسط. بالنسبة الى الكرد، كان هذا النموذج الأول الذي يقترب من حلمهم في العيش بوصفهم كردًا بهويتهم القومية، وبوصفهم كائنات سياسية، وحقق لهم الأمن والسلم في محيط من المجازر.

انهيار المفاوضات بالنسبة الى الإدارة الذاتية لا يمثل تسليم السلاح والاندماج في جيش فئوي عقائدي ارتكب مجازر فحسب، وإنما هو لحظة التمسك بحلم العيش بالهوية الحقيقية. الهوية التي لا يحققها لهم المرسوم 13 الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عشية إعلانه الحرب على مناطقهم، ويعيدهم إلى ما قبل 2011. سلاح قسد بالنسبة الى الكرد يحمي هذه المكتسبات، وليس فقط يحميهم من الإبادة، لأن البديل عن مشروع الإدارة الذاتية الذي تطلب دمشق تفكيكه وإنهاءه تمامًا في مسودة اتفاقها الجديد، هو الفراغ السياسي وغياب الفاعلية السياسية.

يمكن القول إن الإدارة الذاتية ستعيد تشكيل نفسها في ما بقي من أصحابها أحياء، ولو بعد حين. لأن نواة هذا المشروع لا تقتصر على مشروع مسلح يسعى الى السلطة (قسد)، بل على مجموعة بشرية تبحث عن أن تكون فاعلة سياسيًا وتدافع عن وجودها (الإدارة الذاتية وYPG).

استمرار المعركة الصفرية – وهو السيناريو الأسوأ – قد يعني سيناريو مشابهًا لما حدث في السويداء والساحل؛ أي عزل الكرد عن سوريا بشكل أكبر، كما عُزلت باقي المكونات والفئات الرافضة للسلطة، لتسير الأحداث نحو سوريات عدة لا سوريا واحدة، ولكن مجردة من أي مساحة قدرة على التفاعل السياسي.

درج

———————————

 هل يتوسَّع دور سوريا الإقليمي في المستقبل؟/ ناصر زيدان

الجمعة 2026/01/23

لا يمكن اعتبار ما جرى في سوريا الأسبوع المُنصرِم، عملية أمنية داخلية محدودة، فالمعطيات المتوافرة تؤكد أن التغييرات الكبيرة التي حصلت؛ مُتلازمة بمنهجية مُعتمدة لدى الولايات المتحدة ومعها بعض الدول المعنية الأخرى، وما بين سطور رسالة الموفد الرئاسي الأميركي توم باراك الأخيرة، إيحاءات واضحة الى أن ما حصل مرتبط بتعديل الأولويات الاستراتيجية، وفي كلامه شبه تأكيد على ما قاله عبر منصة “إكس” في حزيران/يونيو الماضي، وفيه أن اتفاقية سايكس-بيكو للعام 1916، لم تعُد صالحة لتحقيق استقرار ورخاء وسلام في المنطقة.

والواضح من خلاصات ما حصل في شمال شرق سوريا، أن الإدارة الأميركية وبهدوء، وبموافقة ضمنية من الشركاء الدوليين والإقليميين، أهدَت إدارة دمشق الجديدة انتصاراً كبيراً من دون أن يخوض جيشها معارك مُعتبرة. وانكفاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن غالبية مناطق نفوذها؛ لم يحصل بسبب هزيمة دموية. ومَن لم يُسلِّم أو يخضع للمقاربات الجديدة المُتفق عليها مسبقاً؛ دفع الثمن، ويبدو أن بعض المغامرين من حزب العمال الكردستاني المموهين بلباس “قسد”، ليس لهم مكان بالمعادلة الجديدة، وقد يكون لبقايا عناصر “داعش” الذين أُخرجوا من مخيم “الهول” في الحسكة؛ دوراً مستقبلياً في مكان آخر، وليس بالضرورة أن يكون مشابهاً للدور الذي قاموا به عام 2014.

نجحت الإدارة السورية الجديدة في عرض مكانة البلاد الجيو-سياسية وفي تدوير الزوايا وفي تسديد الفواتير المُستحقة، للقريبين وللبعيدين، ووصلت إلى حد إرضاء الصديق والعدو، ومَن كانت معهم على خصام قبل سقوط نظام الأسد، ودارت مروحة اتصالات الرئيس أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني على مساحة شاسعة، امتدت من واشنطن الى موسكو، مروراً بباريس والرياض وأنقرة والدوحة وباكو (بديلاً عن تل أبيب)، وتمكنت من إقفال الممرات الخارجية بوجه أخصامها في الداخل، وأغّرت الطموحات الأميركية وغير الأميركية، بمائدة سياسية وأمنية واستثمارية شهية، غنية بأطباق لا يستطيع تقديمها الطامحون من ممثلي بعض المكونات السورية المختلفة في الشمال وفي الجنوب وفي الساحل.

ونجحت الإدارة الأميركية أيضاً في استثمار المرونة الفائقة لدى إدارة الرئيس الشرع، وربما تفاجأت بما لديه من براغماتية تُناسب المقاربات التي تعتمدها واشنطن في سياق استراتيجيتها الخارجية الجديدة، وهي تنظُر الى المشهد الجامع من بعيد، ولا ترغب في الدخول بالتفاصيل، ولا بالتحديق بالجزئيات المُتعبة، وقد تكون المكونات السورية التي تحوَّلت الى كيانات سياسية او أمنية؛ أولى ضحايا هذه المقاربة، وتأكد أن العنوان الذي وُضع للهيكلية التي ستشرف على مستقبل غزة (مجلس السلام) لا يعني القطاع بحدِ ذاته، بل هو عبارة عن إطار دولي – أو إقليمي – بديل عن الأمم المتحدة، مهمته التعامل مع كل قضايا المنطقة برمتها.

وبمناسبة هذه التحولات الكبرى التي حصلت – أو التي ستحصل – في سوريا، يمكن رؤية مشهدية جديدة يبرز معها دور أكبر للدولة المركزية السورية، وقد يُناط بهذا الدور بعض المهمات المُشابهة بما كُلفت به دمشق ذاتها في اعقاب حرب الخليج الثاني او (عملية تحرير الكويت)، وكان من أهم أهداف هذا الدور؛ إنهاء الحروب ورواسبها على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وتوفير هيكلية استقطاب عربية جديدة، كانت في حينها عبارة عن تعاون مصري – سعودي – سوري، يلاقي التحولات الدولية الكبرى التي حصلت على المستوى الدولي، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990.

في كواليس المُتابعين – أو المُطَّلعين – كلام كثير عن التغييرات الحاصلة، ولعلَّ أبرز ما في هذا الكلام؛ أن سوريا تعهدت بضمان الأمن للجانب التركي في الشمال، كما تعهدت بمنع أي عمل يُهدِّد أمن إسرائيل في الجنوب، وفقاً لخارطة طريق؛ فيها تبادل منافع وخدمات، وربما انسحابات من أراضي محتلة. كما هناك حديث عن إعطاء دور لسوريا في ضبط الإنفلاش في لبنان، خصوصاً بعد الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم، والذي هدَّد فيه بالحرب الأهلية، إذا ما تمَّ التعرُّض لسلاح حزب الله شمال نهر الليطاني. ومطلب حصر السلاح في يد الدولة في لبنان؛ لم يعُد شرطاً اسرائيلياً لوقف العدوان فقط، بل هو مطلب عربي عام، والسوريون بدأوا يتحسسون من هذا السلاح، خصوصاً إذا ما أقدم على دعم المجموعات السورية المعارضة للإدارة الجديدة، أو لأنه برأيهم رصيد لدولة الساحل العلوية المزعومة، على ما يقول البعض.

ما ورد يُلقي الضوء على أهمية تعزيز دور الدولة في لبنان، وتدعيم مؤسساتها العسكرية والأمنية على وجه التحديد، وإقفال المنافذ التي تدخُل منها الحجج الخارجية للتدخُل بلبنان، لا سيما ذرائع إسرائيل العدوانية، والتي قد تُعلن شيئاً، وتخفي شيئاً آخر، وهي تستهدف الغاء لجنة “الميكانيزم” التي تراقب تنفيذ وقف اطلاق النار مع لبنان، لتجنُّب أي رقابة على اعتداءاتها، ولإبعاد اليونيفيل عن أي مهمة، كذلك تعمل لتغييب دور فرنسا التي تأتي في طليعة الدول المتمسِّكة  بسيادة واستقلال لبنان.

المدن

——————————–

تساؤلات لبنانية بعد “قسد”/ توفيق شومان

24 يناير 2026

يضربون الأخماس بالأسداس في بيروت، ويتساءل أهل السياسة عن تبعات مرحلة ما بعد إسدال الستار عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سورية، وما نصيب لبنان منها، وكيف سيكون شكلها ونوعها؟ وعلى عادة اللبنانيين في الانقسام حيال كل حادثة وواقعة، فقد تعدّدت قراءاتهم لاختلاف الزوايا التي تنطلق منها هذه القراءة أو تلك، إلا أن تعدّد مشارب القراءات ونتائجها لم يُلغِ التقاطعات المشتركة التي فرضت نفسها على من يصنع القرار السياسي في لبنان أو يصوغ الرأي العام.

التقاطع الأول عنوانه الفيدرالية؛ إذ بعدما اشرأبَّت أعناقٌ سياسيةٌ مطالبةً بالفيدرالية في سورية إثر التحوّلات العميقة بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ابتداءً من الجنوب السوري ومروراً بطروح “قسد” ووصولاً إلى الساحل، داعبت تلك المطالبة أحلاماً قديمةً في لبنان، فأخرجتها من سبات نومها إلى السجالات العلنية في الأندية السياسية والثقافية ووسائل الإعلام المختلفة، حتى بدت الفيدرالية مشروعاً مستحسناً لدى فئات وأطراف لبنانية كانت، إلى وقت قريب مضى، تسلك مسلك الغلاة في مواجهة الطرح الفيدرالي الذي نادت به على استحياء أحزابٌ مصنّفةٌ في دائرة اليمين السياسي عقب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية العام 1975.

ومع النوازل العسكرية التي أحاقت بـ”قسد”، تراجعَ الرجاءُ الفيدرالي لدى أصحابه في لبنان، وعلا منسوب الخيبة. فالنموذج السوري “المفدرل” كان يمكن أن يتحوّل مرآةً عاكسةً لمصير لبناني مشابه. وبما أن النموذج المذكور قد انتكس (ونكص)، فشظايا انتكاسه أصابت المشروع نفسه في لبنان. وحين يقال انتكاسة وليس سقوطاً، فلأن العين السياسية تبقى محدّقة بمصير محافظة السويداء السورية، وعمّا إذا كان التحاقها بدمشق، بالمفاوضات والتسويات المحلّية والإقليمية والدولية، يُبعد مشروع الفيدرالية عن سورية، أم أن هذه المحافظة ستمضي نحو سبيلها الفيدرالي الخاص (أو انفصالها)، ممّا لا يؤدّي إلى قطع شرايين الأمل لدى الفيدراليين اللبنانيين.

والتقاطع الثاني مضمونه يقوم على احتمال دخول دولة الاحتلال الإسرائيلي في خطّ المواجهة بين الإدارة السورية الجديدة وقوات “قسد”. وهذا الاحتمال ارتفعت وتيرته القلقة بعد تصريحات للقيادية في “قسد”، إلهام أحمد، قالت فيها إن تنظيمها منفتح على تلقّي الدعم من إسرائيل (راجع أيضاً مواقف قديمة لإلهام أحمد: “العربي الجديد”، 2/2/2025)، فيما طالب رفيقها سيبان حمو تلَّ أبيب بأن تستنصر “قسد” وتغيثها كما فعلت في محافظة السويداء. ولو تحوّل هذا الاستنجاد واقعاً، فالتداعيات التي قد تضرب لبنان تكمن في قدرته على أن يتحمّل أثقال المواجهة الإسرائيلية – التركية، مهما كان نوعها؛ ذلك أن الدخول الإسرائيلي إلى خطوط الاشتباك بين دمشق و”قسد” يعني انتقال الصراع على سورية بين إسرائيل وتركيا إلى حدود الصدام المباشر. ومثلما يقول الإسرائيليون إن الأتراك غدوا على “حدودهم” بعد المتغيّرات في المشهد السوري قبل عام وقليل، سيقول الأتراك إن الإسرائيليين باتوا على حدودهم من خلال مساعدة “قسد”.

وعند هذا التحديد، يتساءل بعض أهل السياسة في لبنان: لو غامرت إسرائيل وتمدّدت بطريقة من الطرق إلى شمال شرقي سورية، ألا تصطدم رؤيتها القائمة على حماية الأقليات السورية مع الرؤية التركية المتناقضة مع أشكال الحماية تلك، خشية تسلّلها أو عبورها إلى الداخل التركي الذي يماثل جاره السوري في بعض مكوّناته الأهلية؟ وإذ تتفاوت الإجابات اللبنانية على هذا التساؤل المحلّي، إلا أن جامعاً يجمعها هو القلق، ويليه الخوف، ولذلك يستعيذون بالله.

يبقى التقاطع الثالث، ولا يختلف حوله المتخاصمون ولا المتنازعون، ولو أن كل فئة تنظر إليه من منظورها الخاص. وخلاصته أن الماحقات النازلة على بنية “قسد” العسكرية وطموحاتها السياسية هي، بصورة ما، من ثمار التقاربات والمقاربات الإقليمية والدولية التي أعطت سلفاً دمشق أوراقاً رابحة وميزة تفضيلية حاسمة في المناطق التي كانت خارجة عن سلطتها. فما المقابل الذي ستعطيه دمشق؟

وعلى هذا التساؤل، تأتي الإجابة المحصورة والمقيّدة بالجنوب السوري، ولكنّها مرتبطة عضوياً في سلسلة اللقاءات السورية – الإسرائيلية الهادفة إلى التوصّل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية بين دمشق وتل أبيب. وبمعزلٍ عن حواصل تلك اللقاءات، فقطار التفاوض السوري – الإسرائيلي لا تبدو مكابحه ضاغطة على عجلاته بغية إيقافه، كما هو ظاهر. ولذلك يرجّحون في بيروت استمرار مضي القطار حتى يبلغ شوطه الأخير. ومن هذه الخلاصة يطلُّ هذا التساؤل: هل من علاقة بين الدهر الذي دار على “قسد” وبين تسوية مُحاكة أو قيد الحياكة في المسار السوري – الإسرائيلي؟ وبما يفضي في النهاية إلى إنتاج تسوية ثنائية عنوانها “النموذج السوري”؟

في الماضي، قيل كثيرٌ عن “وحدة المسار والمصير” بين لبنان وسورية. وعلى ما يقال حالياً في بيروت، إن متابعة الآثار الناجمة عن إخراج “قسد” من المعادلة السورية تفترض عدم عزلها عن الجنوب السوري وتطوّراته المرتقبة، فالسياسة لا تعرف المجانية ولا الهبات ولا النثريات. وذلك كلّه يستدعي تساؤلاً لبنانياً عما إذا كانت المرحلة المقبلة (وربما العاجلة) ستشهد إعلان تسوية سورية إسرائيلية ما، يسميها اللبنانيون “النموذج السوري”، وبعده سيُطلب من بيروت أن تحاكي هذا النموذج: فإما أن تتقبّل ما يأتيها من الناحية الدمشقية أو تواصل إسرائيل جنونها المفرط.

وبين هذين الخيارين يقف اللبنانيون عند منعطف الانتظار ويسألون: ماذا بعد “قسد”؟ ما مستقبل محافظة السويداء؟ هل فعلاً ثمة “نموذج سوري” قيد الظهور والبروز؟ ولو ظهر وبرز، كيف ستكون تداعياته على لبنان؟… من يجيب على التساؤلات اللبنانية؟

العربي الجديد

——————————

 نهاية الكيانات الوظيفية في سوريا: قسد نموذجًا/ سمير صالحة

2026.01.24

لم تعد قوات سوريا الديمقراطية بحاجة إلى البحث المطوّل في أسباب سقوطها ميدانيًا وسياسيًا، بقدر ما تحتاج إلى من يُبلغها بانتهاء وظيفتها وانتقال أوراق القوة والتأثير إلى الدولة السورية، بإجماع إقليمي ودولي. تفاهمات داخلية وإقليمية تعيد رسم خريطة سوريا الجديدة، من إدلب إلى دمشق، ومن شرقي حلب إلى الحسكة، بعد إزاحة نظام الأسد ومشروع مجموعات قسد.

فما الدروس التي ستخرج بها قسد بعدما جاءت الرياح بما لا تشتهي سفنها، وتخلّى التحالف الدولي عنها بعد تبدّل أولويات واشنطن السورية والإقليمية؟

يتعلّق الدرس الأول بضرورة التكيّف مع الواقع السوري الجديد، والدرس الثاني هو القبول بأن أي تموضع خارج مؤسسات الدولة أو بعيدًا عن سيادتها سيكون عمره قصيرًا.

فشلت قسد في أن تكون جزءًا من مشروع وطني، وسقطت سياسيًا قبل أن تسقط ميدانيًا، أمام واقع انتقال كل أوراق اللعبة إلى يد الدولة السورية وبشروطها. رهاناتها على نفسها وحسابات البعض عليها كانت مخيّبة للآمال، ووصلت بها إلى طريق مسدود. التفاهمات القائمة بين أنقرة وواشنطن والرياض تضع دمشق في موقع القوة، ولا مجال لأي قوة عسكرية خارج الشرعية السورية.

يفرض المسار السوري الجديد على قسد قبول الواقع الداخلي والإقليمي المتغيّر، وإدراك أن الفرص والتوازنات لم تعد في صالحها، وأن الأمور تتجه نحو بروز قوى سورية كردية معتدلة، قادرة على التكيّف والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بما يضمن تمثيلًا كرديًا شرعيًا ومستدامًا.

سقوط قسد لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لسياساتها ومواقفها أولًا، ولتحولات السياسة الإقليمية والدولية ثانيًا، في حين فراغ دورها وغياب تمثيلها سيدفعان نحو ظهور قوى كردية معتدلة، بعيدًا عن حزب العمال أو أي تشكيلات مسلحة خارج الشرعية.

ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة. فما الذي تبقّى لقسد؟ وهل سيكفيها توقيع مظلوم عبدي الاتفاقيات باسمه الحركي لتُعلن نقضها لاحقًا؟

قسد أمام اختبار لا يتعلّق بالكفاءة العسكرية فقط، بل بالقدرة على هضم الواقع الجديد، وهذا ما تُظهره جملة من المواقف والتصريحات في لحظة فقدان التوازن وانكشاف الغطاء:

ما فقدته قسد ليس فقط النفوذ والجغرافيا والثروات ودعم العشائر وملف داعش، بل كل الشعارات والتوصيات التي أسفرت عنها مؤتمراتها في شرق الفرات، من لامركزية وفدراليات وحكم ذاتي وإدارة محلية. الخيبة ليست على المستوى الميداني فقط، بل في رهانها على بعض العواصم لتكون بجانبها، فتركتها وحيدة في أصعب الظروف.

لم تنتقد قسد الموقف الأميركي صراحة، بل ركّزت على دمشق وأنقرة وبعض العواصم الخليجية لتوجيه اللوم، مستمرة في رهانها على تحوّل في مواقف الإدارة الأميركية. خلطت بين الحاجة الأميركية لها في سوريا وبين القدرة على تحويل ذلك إلى قوة تفاوضية.

فرّطت قسد بجهود أربيل وواقعيتها ومساهمتها في صناعة اتفاقية 18 كانون الثاني المنصرم، وتخلّت عن تعهداتها للمبعوث الأميركي بتنفيذ الاتفاقية الموقّعة عليها، ودعت إلى النفير العام لمواجهة الجيش السوري، وتريد أن تبقى طرفًا أمام طاولة لم تعد قائمة أصلًا بالنسبة للرئيس الشرع، الذي قال كل ما عنده.

ما الذي كان سيحدث لو أن قيادات قسد ذهبت باتجاه دعوة دمشق لتسلّم سجون ومعتقلات داعش للسلطة السورية، على ضوء اتفاقية العاشر من آذار أو 18 كانون الثاني، وأعلنت أن الدولة السورية هي من يشارك في التحالف الدولي؟ هل ستفعل ذلك الآن في التعامل مع ملفات أخرى؟ هل ستسلّم مثلًا السلاح الموجود بين يديها؟

تكشف التصريحات الصادرة عن قسد والمحسوبين عليها عن حالة تفكك واضحة، وانتقالها من موقع الفاعل إلى المبرِّر. هو تحوّل جوهري في سلوك أي كيان مسلح يفقد توازنه الاستراتيجي. تصريح إلهام أحمد بشأن الانفتاح على تلقي الدعم من أي مصدر، بما في ذلك إسرائيل، يُظهر انسداد الأفق السياسي أمام قسد، في حين رسالة مراد قره يلان تُعمّق عزلتها وتقوّض ما تبقّى من شعاراتها.

ما تواجهه قسد اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة. في سوريا الجديدة، لم يعد هناك متّسع لكيانات معلّقة بين الدولة والوظيفة؛ إمّا الاندماج ضمن مؤسسات الدولة بشروطها، أو الخروج من المشهد.

تلفزيون سوريا

—————————–

أوجلان يوجّه رسالة إلى كرد سوريا: تفاهم مع دمشق بدل الرهان على الخارج

أوجلان يدعو للتواصل مع الدولة السورية وإنهاء العمل المسلح

2026-01-24

وجّه زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان رسالة مباشرة إلى الكرد في سوريا حثّهم فيها على التواصل مع الحكومة السورية الانتقالية والتوصل إلى صيغة تفاهم سياسية، معتبراً أن هذا المسار هو الخيار الأنسب لضمان حقوقهم وتجنب مزيد من الصراع، كما دعاهم فيها إلى عدم السعي لإنشاء دولة مستقلة.

وجاءت هذه الرسالة ضمن محضر اللقاء الذي جمع أوجلان بوفد من لجنة في البرلمان التركي داخل سجن جزيرة إيمرالي في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والذي نُشر كاملاً بعد نحو شهرين عبر الموقع الرسمي للبرلمان التركي. وضم الوفد ممثلين عن أحزاب الحركة القومية (MHP)، والعدالة والتنمية (AK Party)، والمساواة وديمقراطية الشعوب.

وبحسب المحضر، شدد أوجلان على أن الكرد في سوريا لا ينبغي أن يكونوا “أداة بيد إسرائيل أو أي قوى خارجية أخرى” لإقامة دولة مستقلة، مؤكداً أنه لا يدعو إلى الانفصال، بل إلى حل يقوم على ما وصفه بـ”الديموقراطية المحلية”، أي منح صلاحيات واسعة للإدارات المحلية والبلديات ضمن إطار الدولة السورية.

وأشار أوجلان إلى استعداده للتواصل مع قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي لإقناعه بالانخراط في هذا الخيار، والقبول بتسوية سياسية تحت مظلة الدولة السورية، معتبراً أن ذلك قد يشكل مدخلاً لإنهاء حالة الصراع في شمال شرقي البلاد.

وفي سياق متصل، قال أوجلان إنه طلب من حزب العمال الكردستاني خلال عام 2025 إلقاء السلاح، لافتًا إلى أن الاستجابة بلغت نحو 70%. وأكد أن استكمال هذا المسار، بما يشمل الساحة السورية، يتطلب فتح “قنوات اتصال” معه لضمان ضبط التنظيم وإقناع مختلف الأطراف بإنهاء العمل المسلح.

من جانبهم، أبلغ أعضاء الوفد البرلماني أوجلان بأن الدولة والشعب ينتظران خطوات عملية وملموسة، وشددوا على ضرورة أن يشمل إلقاء السلاح “حزب العمال الكردستاني” في سوريا، وليس في تركيا فقط، بما يؤدي إلى إنهاء الحرب بشكل كامل. كما حذروا من أن ضياع هذه الفرصة قد يقود إلى تدهور كبير في الأوضاع، ولا سيما في سوريا.

وأبدى أوجلان استعداده للمضي في مسار الحل، مؤكداً قدرته على التأثير في “حزب العمال الكردستاني” وعلى المشهد في سوريا، مشروطاً بمنحه فرصة للحوار واللقاءات واتخاذ خطوات باتجاه الإفراج عنه، فيما شدد الوفد على جدية الدولة في هذا التوجه مقابل إلقاء السلاح بشكل نهائي ودون شروط.

—————————-

 كواليس اجتماعات أربيل.. “قسد” تفتح باب الاندماج المشروط

السبت 2026/01/24

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز طابعها الإجرائي، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بتمديد الهدنة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عقب اجتماع عُقد في أربيل، وجمع مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توم باراك مع قائد “قسد” مظلوم عبدي.

وجرى خلال الاجتماع تأكيد الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، مع التوافق على تمديد الهدنة كمرحلة انتقالية تمهيداً لإيقاف الاشتباكات بشكل نهائي، في حال التزم الطرفان ببنود الاتفاق الموقع في 18 كانون الثاني/يناير الجاري، إلا أن ما منح الاجتماع ثقله السياسي، لم يكن فقط تمديد الهدنة، بل ما تسرّب عن ترشيح “قسد” ثلاث شخصيات لشغل مناصب عليا ضمن هيكل الدولة السورية، تشمل نائباً لوزير الدفاع، ونائباً لوزير الخارجية، إضافة إلى محافظ لمحافظة الحسكة.

من التهدئة إلى السياسة

الهدنة ليست إجراءً تقنياً منفصلاً عن السياق العام للصراع، بل تأتي بعد سنوات من التوتر المتقطع، والمواجهات المحدودة، والاتفاقات الهشّة التي كانت تنهار عند أول اختبار ميداني. الجديد هذه المرة، وفق ما تشير إليه المعطيات، هو انتقال النقاش من مستوى الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى مستوى البحث في شكل العلاقة السياسية والمؤسساتية بين “قسد” والسلطة المركزية في دمشق.

فالاتفاق الموقع في 18 يناير/ شكّل إطاراً نظرياً واضح يتحدث عن دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري، وليس فقط التنسيق الأمني أو تقاسم مناطق النفوذ. غير أن هذا الاتفاق بقي، أسير التفسيرات المتناقضة، بين من رآه مدخلاً لتفكيك البنية العسكرية المستقلة لـ”قسد”، ومن اعتبره محاولة لإعادة إنتاجها داخل مؤسسات الدولة.

ترشيحات بحمولة سيادية

ترشيح أسماء لشغل مناصب بحساسية نائب وزير الدفاع ومحافظ الحسكة لا يمكن فصله عن هذه الإشكالية. فمن جهة، تحاول “قسد” تقديم نفسها كشريك مستعد للاندماج ضمن الدولة، لا كقوة أمر واقع تسعى إلى تثبيت حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع. ومن جهة أخرى، يبدو أن طرح هذه الأسماء يشكّل محاولة لضمان تمثيل سياسي وأمني داخل بنية القرار المركزي، بما يحفظ لـ”قسد” جزءاً من نفوذها في مرحلة ما بعد الدمج.

وتكتسب محافظة الحسكة، على وجه الخصوص، رمزية خاصة في هذا السياق. فهي تمثل مركز الثقل الجغرافي والسياسي لمناطق سيطرة “قسد”، وأي تعيين فيها لا يمكن أن يكون إدارياً صرفاً، بل يحمل أبعاداً أمنية وعشائرية واقتصادية معقّدة. وعليه، فإن ترشيح محافظ من قبل “قسد” قد يُقرأ كمحاولة لتكريس شراكة طويلة الأمد مع الدولة، أو كمؤشر على تفاوض صعب حول من يملك القرار الفعلي في المحافظة.

وحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا في اجتماع أربيل ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالولايات المتحدة، التي شكّلت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لـ”قسد” خلال الحرب على تنظيم “داعش”، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على نفوذها شرق الفرات، دون الانخراط في صدام مفتوح مع الدولة السورية وحلفائها، ودون التخلي الكامل عن حليفها الكردي؟

يبدو أن واشنطن تدفع باتجاه تسوية مدروسة، تضمن دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، لكن بشروط تحول دون تحوّل هذا الدمج إلى تصفية كاملة لدورها. ومن هنا يمكن فهم الدفع الأميركي نحو تمديد الهدنة، ومنحها غطاءً سياسياً يسمح بانتقال تدريجي من الميدان إلى طاولة الترتيبات النهائية.

دمشق ومعايير الدولة

في المقابل، تبدو دمشق حريصة على الإمساك بخيوط اللعبة، دون الانجرار إلى تنازلات قد تُفسَّر كإقرار بتعدد مراكز القوة داخل الدولة. فقبول مبدأ ترشيح أسماء من قبل “قسد” لا يعني بالضرورة القبول التلقائي بها، إذ تبقى الكلمة الفصل، نظرياً، للسلطة المركزية ومعاييرها في التعيين والإدارة.

وتدرك دمشق أن أي خلل في هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج “الدولة داخل الدولة”، وهو ما تسعى إلى تفاديه بعد سنوات من الحرب التي أنهكت مؤسساتها. لذلك، فإن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة الدولة على فرض إطار واضح للاندماج، يضمن وحدة القرار العسكري والأمني، ويمنع تحويل المناصب الرسمية إلى واجهات لسلطات موازية.

من جهتها، تبدو “قسد” أمام خيارات محدودة. فالتغيرات الإقليمية، وتراجع الأولويات الأميركية في سوريا، وتصاعد الضغوط التركية، كلها عوامل دفعت القيادة الكردية إلى إعادة حساباتها. ولم يعد الرهان على بقاء الوضع القائم خياراً آمناً، في ظل هشاشة الغطاء الدولي، واحتمال تبدل المواقف في أي لحظة.

لذلك، يمكن قراءة قبول “قسد” بتطبيق اتفاق 18 يناير، والالتزام بشروطه التنفيذية، كتحول من سياسة المناورة إلى سياسة تقليل الخسائر. فالاندماج ضمن الدولة، حتى بشروط صعبة، قد يكون أقل كلفة من مواجهة مفتوحة مع دمشق، أو من ترك مصير مناطقها رهناً لتفاهمات دولية لا تملك التأثير فيها.

وفي الوقت عينه، لا يمكن إغفال وجود هواجس داخلية لدى الطرفين. داخل “قسد” نفسها، ثمة تيارات تخشى أن يؤدي الاندماج إلى تهميش القيادات الحالية، أو إلى تفكيك البنية التي تشكلت خلال سنوات الحرب. وفي دمشق، ثمة قلق من أن يتحول الدمج إلى عملية شكلية، تُبقي على الولاءات القديمة، وتُضعف مركزية القرار.

كما لا يمكن تجاهل موقف القوى العشائرية في شرق سوريا، التي تراقب هذه التطورات بحذر، وتسعى إلى ضمان عدم استبعادها من أي ترتيبات قادمة، خاصة في ما يتعلق بالإدارة المحلية وتقاسم الموارد.

على المدى القريب، يُرجّح أن يستمر تمديد الهدنة، بحسب ما توحي مخرجات اجتماع أربيل، وأن تشهد الأسابيع المقبلة خطوات رمزية لتطبيق الاتفاق، مثل الإعلان عن لجان مشتركة، أو تسريبات مدروسة حول أسماء المرشحين. غير أن الانتقال إلى دمج فعلي وشامل سيبقى مؤجلاً، بانتظار اختبار النوايا على الأرض.

————————–

 بغداد وأربيل وحلول المصالح في الأزمة السورية/ وليد إبراهيم

الجمعة 2026/01/23

ليس ترفاً سياسياً ولا تطوراً يمكن وصفه بأنه خارج السياق، أن تراقب بغداد ومعها أربيل بكثير من القلق والترقب تطور الأحداث التي شهدتها سوريا في الأيام الماضية. فقد أثبتت أحداث السنوات الماضية، خصوصاً منذ إنطلاق الثورة السورية في العام 2011، أن البلدين اللذين يرتبطان بشريط حدودي يصل إلى 600 كيلومتر، يتاثران كثيراً بما يجري خلف الحدود، ليس سياسياً فحسب بل أمنياً واجتماعياً.

في بغداد، كان الجميع يراقب عن كثب ما يجري في مناطق شرقي نهر الفرات في سوريا التي لا تبعد سوى مرمى حجر عن الحدود المشتركة. فقد خضعت هذه المناطق لسنوات لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وتكتسب هذه المناطق أهمية خاصة لأنها تضم سجون يتواجد فيها الآلاف من عناصر تنظيم “داعش” الذين تم اعتقالهم في سنوات سابقة. قسم كبير من هؤلاء كان قد تمكن من الفرار من العراق بعد نجاح القوات العراقية من استعادة كل الاراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم قبل نحو عقد من الزمن.

شكل تطور الأحداث داخل سوريا والمواجهات المسلحة بين القوات الحكومية التي سعت إلى استعادة هذه المناطق من سيطرة “قسد” بحسب إتفاق العاشر من آذار بين الطرفين، قلقاً كبيراً للسلطات العراقية التي كانت تخشى أن يتسبب هذا الأمر بفقدان السيطرة على هذه السجون وفرار السجناء.

درء الخطر باحتوائه

كان الموقف الرسمي العراقي واقعياً، حافظت فيه بغداد على تواصل مع دمشق وعبرت عن موقف متفهم لما يجري. أعلنت الحكومة العراقية أن الاستقرار في سوريا يمثل “أولوية وطنية وإقليمية” وأن “تعايش المكونات السورية بسلام هو ضمانة لأمن المنطقة”.

إلا أن الموقف “غير الرسمي” لم يكن كذلك، وهو الموقف الذي تمثله أطراف سياسية يمتلك بعضها قوى مسلحة لا تتطابق مواقفها مع الموقف الرسمي، خصوصاً فيما يتعلق بالشأن السوري. فقد عبّرت هذه القوى في بدايات الأزمة عن موقف متشنج تسبب بتحشيد إعلامي واضح ساهم بشحن وتوتر الداخل العراقي، وهو موقف لا يختلف كثيراً عن كل المواقف السابقة لهذه القوى ومنذ انتصار الثورة السورية قبل أكثر من عام.

وتحسباً لأي تداعيات غير محسوبة، عمدت السلطات العراقية إلى نشر قوات عسكرية على طول الشريط الحدودي بين البلدين، التي تم تحصينها باجراءات أمنية مشددة منذ سنوات تحسباً لمثل هذا اليوم.

وفي تطور شكل خطوة متقدمة ومفاجئة في سير هذه الازمة، وافقت بغداد على نقل سجناء تنظيم “داعش” إلى أرضيها.

وإذا كان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة قد وصف القرار بأنه محاولة “لتطويق انتشار هؤلاء الذين يُعدّون من قيادات المستوى الأول” في التنظيم، فإن وكيل وزارة الهجرة العراقية كريم نوري قال إن هذا القرار يمثل “أفضل الخيارات” حيث ستتم محاكمة هؤلاء وفق القانون العراقي.

بلغ عدد الذين تمت إعادتهم في الوجبة الأولى، 150 شخصاً، بينهم عراقيون وأجانب. ولم يعلن حتى الآن فيما إذا كان العراق قد وافق على استقبال كافة السجناء. لكن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قالت إنها معنية بنقل هؤلاء الذين يصل عددهم إلى سبعة الاف، وهذا يعني كل المحتجزين.

الموقف القانوني

تحفظت قوى عراقية على القرار، ورأت في تواجدهم داخل العراق تطوراً غير محمود العواقب. لكن قوى أخرى قالت إن نقلهم إلى العراق، إضافة إلى كونه “فرصة مؤاتية” لمحاكتهم والتخلص منهم، فهو يمثل أيضاً خطوة بالاتجاه الصحيح تجنباً لما قد يحدث من مضاعفات وتداعيات مستقبلية بشأن هذا الملف داخل سوريا، خصوصاً مع احتمال استمرار الصراع الحالي وتصاعده.

أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي، أنه سيباشر اتخاذ الإجراءات القضائية ضد من سيتم نقله إلى العراق وبغض النظر عن جنسياتهم، لأنهم أصبحوا “خاضعين لسلطة القضاء العراقي”.

ومن شأن هذه الخطوة أن تتسبب بتعقيدات قانونية، خصوصاً وأن الكثير من هؤلاء لا يحملون الجنسية العراقية، وأن القضاء العراقي سبق وأصدر العديد من الأحكام المتشددة ضد عناصر من التنظيم كانت القوات العراقية قد اعتقلتهم في سنوات سابقة. ووصلت العديد من تلك الأحكام إلى الإعدام والسجن المؤبد.

وبعيداً عن موضوع السجناء من عناصر التنظيم، فالعراق لا يزال ينظر بكثير من القلق إلى مخيم الهول بمحافظة الحسكة السورية، والذي يضم عشرات الآلاف من عائلات مقاتلي التنظيم من الأجانب ومعظمهم من النساء والأطفال، ويقع وعلى مسافة لا تبعد سوى مسافة 13 كيلومتراً عن الحدود العراقية.

مثّل هذا المخيم لسنوات عديدة، مشكلة كبيرة للسلطات العراقية التي دعت في أكثر من مناسبة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، وإلى سحب رعاياه الذين ينتمون ألى أكثر من ستين دولة. والرغم من أن عدد من الدول استجابت للدعوة، ألا أن الكثير من الدول، خصوصاً دول أوروبا، رفضت سحب رعاياها.

موقف أربيل

قدمت أربيل نفسها لتكون طرفاً فيما يجري في سوريا وحل الأزمة فيها. استضافت أربيل مع أول أيام تفجر الأزمة، اجتماعاً ضم مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا ولبنان توم باراك، وحضره الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ورئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، إلى جانب زعيم “قسد” مظلوم عبدي.

تحدثت مصادر عن أن الاجتماع لم يكن ودياً، وأن باراك كان حاداً في موقفه، وأنه عرض على الحضور وبالذات على عبدي، أن يقبل بتسليم كل الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرة “قسد” إلى الحكومة السورية، والى القبول بدمج أفراد قواته مع القوات الحكومية كمواطنين يتمتعون بكامل الحقوق في سوريا الجديدة، وكما تضمنه إتفاق 18 كانون الثاني/يناير الجاري.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فقد صرح باراك بعد الاجتماع، أن “قسد” لم تعُد قوة رئيسية لأميركا ولا للتحالف الدولي، وأن دمشق باتت الشريك المؤهل للعب هكذا دور.

شكل هذا الموقف الأميركي صدمة ليس فقط لـ”قسد”، بل لأكراد العراق أيضاً، الذين رأوا في هذا الموقف تخلٍ أميركي عن حليف مهم لهم لطالما قاتل معهم في محاربة “داعش” وقدّم الكثير من التضحيات.

وفي محاولة لاحتواء الموقف، دعا مسعود البارزاني أطراف الازمة في سوريا، إلى الحوار والتفاوض باعتبارهما السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة. ويؤكد مقربون أن أربيل تدعم أي مسار تفاوضي يضمن حصول مواطني “كردستان سوريا” على حقوقهم شريطة تضمينها للدستور السوري باعتبارهم مكون من مكونات الشعب السوري. ومصطلح “كردستان سوريا” يستخدمه بعض زعماء الأكراد في كردستان العراق، في إشارة إلى المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في سوريا.

تعقيدات هذا المسار لن تنتهِ عند هذا الحد. فالعراق الرسمي الذي أعلن قبل أكثرمن عام دعمه المتحفظ للتحولات التي شهدتها سوريا، لا يزال يقف داعماً لسوريا ولوحدتها وإستقرارها، وهو يرى في هذا الموقف تطوراً لا بد منه لضمان عدم حدوث أية انزلاقات في بلد يتفق كثيرون على أن أي تداعٍ فيه، سيؤثر سلباً على كل الإقليم، خصوصاً الداخل العراقي.

هذا الموقف لا يحظى بما يستحق من الدعم، خصوصاً من قبل قوى سياسية عراقية لها امتداتها المسلحة، ولا تزال تنظر بعين الريبة إزاء ما يحدث في سوريا، حيث تقف العقيدة والأيدلوجية لهذه القوى في الطرف النقيض لسوريا الجديدة، وحيث باتت القوات الحكومية لسوريا تسيطر على كامل أراضيها التي تقع على الحدود المشتركة بين البلدين.

وإذا كانت بغداد قد عبّرت عن موقف متفهم مع دمشق ومتضامن بشكل أو بآخر، فإن الموقف الكردي في أربيل كان مختلفاً تماماً. فقد أعلنت أربيل منذ البداية رفضها لما انتهت إليه الأزمة، خصوصاً موقف دمشق من “قسد”. كما عبرت عن رفضها وصول الأزمة إلى حد المواجهة المسلحة.

ودعا زعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني إلى العودة للاتفاقيات التي كانت قد أُبرمت في وقت سابق بين “قسد” والحكومة السورية. ووصف بارزاني المرسوم الذي أعلنه الرئيس السوري بشأن حقوق الأكراد، بأنه خطوة إيجابية للمضي بالاتجاه الصحيح، ويمكن أن تمثل “ركائز تضمن حقوق الشعب الكردي في سوريا على أسس قانونية ودستورية”.

————————–

 انقسام داخل “قسد”.. “معهد دراسة الحرب” يرجّح تعثر التوافق مع الحكومة السورية

2026.01.24

رجّح “معهد دراسة الحرب” التوصل إلى توافق داخل “قوات سوريا الديمقراطية” بشأن الشروط التي طرحها الرئيس السوري، أحمد الشرع، مشيرا إلى أن قائد “قسد” مظلوم عبدي قد لا يتمكن من الحصول على دعم باقي القيادات، حتى في حال تمديد وقف إطلاق النار لمنحه وقتا إضافيا للتشاور.

وفي تقرير له، أوضح المعهد أن السيناريو الأرجح يتمثل في موافقة عبدي ومجموعة من القيادات المعتدلة داخل “قسد” على شروط الحكومة السورية، في مقابل رفض قيادات متشددة داخل التنظيم الاستسلام أو القبول بالاندماج، واستمرارها في القتال.

ووفق التقرير، فإن وقف إطلاق النار الجاري يسهل نقل معتقلي تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق بوساطة القوات الأميركية، كما يتيح لقوات الحكومة السورية تأمين مراكز الاحتجاز ومخيمات النازحين التي تضم عناصر أو مؤيدين للتنظيم.

تعزيزات في الحسكة

ورغم وجود مؤشرات على إمكانية تمديد الهدنة إلى ما بعد 24 كانون الثاني، أشار التقرير إلى أن كلا من “قسد” ووزارة الدفاع السورية واصلا إرسال تعزيزات عسكرية إلى خطوط التماس في محافظة الحسكة.

وأشار المعهد إلى أن القوات الحكومية السورية نشرت ما لا يقل عن ثلاث فرق عسكرية متمركزة في محافظة حلب على خطوط المواجهة قرب عين العرب، وتضم هذه التشكيلات مقاتلين أو مجموعات شاركت سابقاً في عمليات مدعومة من تركيا ضد “وحدات حماية الشعب” شمالي سوريا.

وحذّر التقرير من أن ورود تقارير عن فظائع أو عمليات إعدام ميدانية في شمال شرقي سوريا قد يؤدي إلى استئناف قتال عنيف بين الحكومة السورية و”قسد”، أو إلى اندلاع موجات عنف أوسع ذات طابع عرقي.

مساع لتمديد الهدنة بوساطة أميركية

وذكر “معهد دراسة الحرب” أن الحكومة السورية و”قسد” قد تتجهان إلى تمديد وقف إطلاق النار بوساطة أميركية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلا إليه، في 20 كانون الثاني، والذي منح عبدي مهلة أربعة أيام لتأمين موافقة قيادات “قسد” على شروط دمشق، والتي تشمل اندماج “قسد” ومناطق سيطرتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ونقلت وسائل إعلام عن مصادر سياسية كردية مرتبطة بـ”قسد” وحكومة إقليم كردستان العراق، أن عبدي توصل إلى تفاهم مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، لتمديد وقف إطلاق النار.

جاء ذلك خلال لقاء عقد بين الطرفين في مدينة أربيل العراقية، في 22 كانون الثاني، بوساطة من رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، حيث قدّم الجانبان “ضمانات متبادلة” بعدم العودة إلى القتال.

وأفاد متحدث باسم رئاسة الإقليم أن بارزاني حث الوسطاء الأميركيين والمسؤولين السوريين على تمديد الهدنة، محذراً من أن وقف إطلاق نار قصير الأمد يتراوح بين يومين وأربعة أيام غير كافٍ لحل النزاع، مشيراً إلى أن مظلوم عبدي وإلهام أحمد يدعمان تمديد الهدنة.

موقف تركي مشروط ولا توافق مؤكد مع دمشق

سبق أن صرح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن تمديد وقف إطلاق النار “قد يكون مطروحاً”، في ظل استمرار عملية نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق، ما يشير إلى احتمال دعم أنقرة لتمديد الهدنة.

وفي مقابل ذلك، أشار تقرير “معهد دراسة الحرب” إلى أن موقف الحكومة السورية من تمديد وقف إطلاق النار لا يزال غير واضح، حيث نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول حكومي سوري قوله إن دمشق و”قسد” لم تبحثا مسألة تمديد الهدنة، وإن الحكومة لم تتلق بعد رداً من عبدي بشأن خطة الاندماج.

وأكد التقرير أن القوات الأميركية واصلت، منذ بدء وقف إطلاق النار، نقل معتقلي تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق، موضحاً أن الولايات المتحدة قد تنقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل إلى منشآت خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية، وفقاً لما أعلنته القيادة المركزية الأميركية.

وأشار المعهد إلى أن هذه العملية تسهم في تقليص المخاطر الكبيرة الناتجة عن عمليات تسليم غير منسقة لمراكز الاحتجاز، رغم أن استكمال نقل جميع المعتقلين يتطلب وقتاً أطول من مدة وقف إطلاق النار الحالية.

تسليم مخيم الهول لم يكن منسقاً

في سياق ذلك، قال التقرير إن تمديد الهدنة قد يتيح للحكومة السورية تعزيز سيطرتها على المخيمات التي تضم مؤيدين لتنظيم “داعش”، حيث انتشرت قوات وزارة الداخلية السورية في مخيم الهول، الذي يضم نحو 14,500 سوري و3,700 عراقي و6,000 من جنسيات أخرى، ويخضع بعض أقسامه لسيطرة فعلية للتنظيم.

وأضاف أن تسليم مخيم الهول لم يتم بشكل منسق بين الحكومة و”قسد”، وأن إدارة المخيم أفادت بفرار “عدد كبير” من المحتجزين في ظل الفوضى التي رافقت تقدم القوات الحكومية.

ولا تزال “قسد” تسيطر على مخيم روج الذي يضم نحو 2,500 محتجز، في حين أفاد مسؤول سوري رفيع بوجود مشاورات مع الولايات المتحدة لتنسيق عملية تسليم المخيم، مع وصول القوات الحكومية إلى مسافة 24 كيلومترا منه.

تسليم سجن الأقطان: اتفاق برعاية دولية

وأشار التقرير إلى أن الهدنة سمحت أيضاً بترتيب تسليم سجن الأقطان، وهو مركز احتجاز تابع لتنظيم “داعش” قرب مدينة الرقة، حيث تسلمت الحكومة السورية إدارة السجن في 23 كانون الثاني بعد حصار استمر أربعة أيام.

ووفق مصدر حكومي سوري، تم التسليم بموجب “اتفاق برعاية دولية”، وانسحب نحو 800 مقاتل من “قسد” من السجن باتجاه عين العرب.

ولفت التقرير إلى أن المعارك حول سجن الأقطان تشابهت مع الاشتباكات التي شهدها سجن الشدادي، والتي أدت إلى فرار أكثر من 100 عنصر من تنظيم “داعش”، في حين كانت القوات الأمنية لا تزال تبحث عن نحو 30 منهم.

تلفزيون سوريا

———————————

القوات السورية والكردية تحتشد على الخطوط الأمامية مع قرب انتهاء الهدنة

دمشق: «الشرق الأوسط»

24 يناير 2026 م

احتشدت القوات السورية والكردية على جانبي خطوط المواجهة في شمال سوريا، السبت، مع اقتراب موعد نهائي يحل في المساء، وسيحدد ما إذا كان القتال سيستأنف.

ونفى التلفزيون السوري ما تردد حول الموافقة على تمديد الهدنة بين القوات الحكومية وقسد، وذلك بعدما أفادت مصادر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الحكومة السورية والقوات الكردية وافقتا على تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهر، في وقت تنقل فيه الولايات المتحدة سجناء من تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق. وقال مسؤولون سوريون ومصادر في «قوات سوريا الديمقراطية» لوكالة «رويترز» للأنباء إنه من المرجح أن تمدد مهلة السبت لعدة أيام، وربما تصل إلى أسبوع.

وقالت تركيا، وكذلك بعض المسؤولين في سوريا في ​وقت متأخر من يوم الجمعة، إن الموعد النهائي قد يجري تمديده.

ويسري منذ أيام وقف لإطلاق النار في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة والأكراد، نصّ على استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة، في إطار المؤسسات الحكومية بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها على وقع مواجهة بينها وبين القوات الحكومية السورية التي انتشرت في هذه المناطق.

وقال مصدر حكومي سوري إن الاتفاق سيّمدد «غالباً لمدة شهر»، موضحاً أن «إتمام عملية نقل معتقلي تنظيم (داعش) أحد الأسباب خلف التمديد». كما أفاد مصدر كردي مطلع على المفاوضات بأن مهلة وقف إطلاق النار ستُمدّد «لحين الوصول إلى حلّ سياسي يرضي الطرفين».

بالتزامن مع وقف إطلاق النار، بدأت الولايات المتحدة عملية نقل معتقلين من «داعش» من سوريا إلى العراق، قالت إن عددهم «يصل إلى 7 آلاف معتقل».

ووصلت دفعة من 150 عنصراً تضمّ قادة بارزين في التنظيم، بينهم أوروبيون من أحد سجون الحسكة إلى العراق، الأربعاء، وفق ما قال مسؤولان عراقيان، الجمعة. ورجّحت منظمة العفو الدولية أن يكون في عداد السبعة آلاف سوريون وعراقيون وأجانب، ونحو ألف فتى وشاب.

وسيطرت القوات الحكومية على مساحات واسعة من الأراضي في الشمال والشرق خلال الأسبوعين الماضيين من «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها أكراد.

وكانت القوات السورية تقترب خلال الأيام الماضية من آخر مجموعة من المدن التي يُسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي، عندما أعلن الشرع بشكل مفاجئ عن وقف إطلاق النار، مانحاً «قوات سوريا الديمقراطية» مهلة حتى مساء السبت لوضع خطة للاندماج مع الجيش السوري.

توتر متصاعد

إلى ذلك، ذكرت مصادر أمنية كردية لـ«رويترز» أنه ‌مع اقتراب الموعد ‌النهائي، عززت «قوات سوريا الديمقراطية» مواقعها الدفاعية في مدن القامشلي والحسكة ‌وعين ⁠العرب (​كوباني) استعداداً ‌لمعارك محتملة.

وقال هاكان فيدان، وزير خارجية تركيا: «قد يجري ضم مسألة تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول قليلاً إلى جدول الأعمال». وأشار فيدان في تعليقات لشبكة «إن تي في» في وقت متأخر من يوم الجمعة إلى أن عمليات النقل هذه ‌ربما تستدعي تمديد المهلة التي تنتهي السبت.

وتُمثل المواجهة المحتملة في شمال سوريا ذروة التوتر المتصاعد على مدار العام الماضي.

وتعهد الرئيس أحمد الشرع بإخضاع كامل أراضي سوريا لسيطرة الدولة، ومنها المناطق التي تُسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» في الشمال الشرقي، لكن السلطات الكردية التي ‌كانت تدير مؤسسات مدنية وعسكرية مستقلة هناك على مدى العقد ‍الماضي قاومت الانضمام إلى الحكومة السورية الجديدة.

وبعد انقضاء الموعد النهائي للاندماج في نهاية العام الماضي دون إحراز تقدم يذكر، شنت ‍القوات السورية هجوماً هذا الشهر.

مباحثات فرنسية – أميركية لتجنب التصعيد

وتمكنت القوات الحكومية السورية من السيطرة سريعاً على محافظتين رئيسيتين تسكنهما أغلبية عربية من قبضة «قوات سوريا الديمقراطية»، فضلاً عن حقول نفط رئيسية وسدود كهرومائية وعدد من المنشآت يُحتجز فيها مقاتلو تنظيم «داعش» ومدنيون موالون له.

وبذلت الولايات المتحدة جهوداً ​دبلوماسية مكثفة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار وتسهيل دمج «قوات سوريا الديمقراطية»، التي كانت سابقاً الحليف الرئيسي لواشنطن في سوريا، في الدولة التي يقودها الشرع، الحليف الجديد ⁠المفضل لواشنطن.

وذكرت مصادر دبلوماسية لـ«رويترز» أن مسؤولين بارزين من الولايات المتحدة وفرنسا، التي شاركت أيضاً في المحادثات، حثوا الشرع على عدم إرسال القوات الحكومية إلى ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد.

ويخشي المسؤولون الأميركيون والفرنسيون من أن يؤدي تجدد القتال إلى انتهاكات واسعة بحق المدنيين الأكراد. وفي خضم حالة الاضطراب في شمال شرقي البلاد يضطلع الجيش الأميركي بمهمة نقل المئات من مقاتلي تنظيم «داعش» المحتجزين من السجون السورية عبر الحدود إلى العراق.

وفي سياق متصل، قالت وزارة الخارجية العراقية في بيان، إن الوزير فؤاد حسين أبلغ كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في اتصال هاتفي، السبت، بأن بغداد ينبغي ألا تتحمل بمفردها «الأعباء الأمنية والمالية» لنقل سجناء تنظيم «داعش».

وأعلنت الرئاسة السورية، الثلاثاء، عن التوصل إلى تفاهم جديد مع «قوات سوريا الديمقراطية»، تضمّن مهلة 4 أيّام «للتشاور». وحسب نص التفاهم الذي نشرته الرئاسة، لن تدخل «القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي» حال المضي في الاتفاق، على أن يُناقش لاحقاً «الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما في ذلك مدينة القامشلي» ذات الغالبية الكردية.

وذكرت أن قوات الجيش لن تدخل كذلك إلى «القرى الكردية»؛ حيث «لن توجد قوات مسلحة… باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة». ويتيح التفاهم لقائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، حسب الرئاسة.

وقال المصدر الكردي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «قوات سوريا الديمقراطية» قدّمت «مقترحاً عبر الوسيط الأميركي توم برّاك إلى الحكومة السورية»، في إطار المشاورات حول مستقبل المؤسسات الكردية، يتضمّن طرحاً بأن «تتولى الحكومة إدارة المعابر والحدود، بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ عليها».

وقال إن «قوات سوريا الديمقراطية» سمّت مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع، وسوف تسمّي كذلك «قائمة للبرلمانيين».

الشرق الأوسط

——————————-

 هل اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على تمديد الهدنة في الحسكة؟

2026.01.24

وافقت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” على تمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي مساء اليوم السبت، إلى شهر كحد أقصى. وفق ما أفادت ثلاثة مصادر وكالة فرانس برس.

ولم يصدر أي إعلان رسمي من الطرفين بعد بشأن تمديد وقف إطلاق النار، لكن مصدرين أفادا فرانس برس أن التمديد سيكون لشهر كحدّ أقصى، في حين نفى مصدر حكومي رسمي التوصل لتفاهم حول تمديد الهدنة مع “قسد”.

ونقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” عن مصدر بالوزارة لم تسمه، قوله: “لا صحة لما يتم تداوله بشأن تمديد المهلة مع قسد”.

ويسري منذ أيام وقف لإطلاق النار في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة و”قسد” نصّ على استكمال البحث في مستقبل دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في محافظة الحسكة في إطار المؤسسات الحكومية بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية من مناطق واسعة في شمال شرقي البلاد.

وقال مصدر حكومي سوري لفرانس إن الاتفاق سيّمدد “غالبا لمدة شهر”، موضحا أن “إتمام عملية نقل معتقلي تنظيم داعش أحد الأسباب خلف التمديد”.

وأفاد مصدر كردي مطلع على المفاوضات فرانس برس بأن مهلة وقف إطلاق النار ستُمدّد “إلى حين الوصول لحلّ سياسي يرضي الطرفين”.

نقل معتقلي “داعش”

بالتزامن مع وقف إطلاق النار، بدأت  الولايات المتحدة عملية نقل معتقلين من تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق، قالت إن عددهم “يصل إلى سبعة آلاف معتقل”.

ووصلت دفعة من 150 عنصرا تضمّ قادرة بارزين في التنظيم بينهم أوروبيون من أحد سجون الحسكة إلى العراق الأربعاء، بحسب ما قال مسؤولان عراقيان الجمعة.

ورجّحت منظمة العفو الدولية الجمعة أن يكون في عداد السبعة آلاف سوريون وعراقيون وأجانب، وقرابة ألف فتى وشاب.

وأعلنت الرئاسة السورية الثلاثاء التوصل إلى تفاهم جديد مع قوات سوريا الديموقراطية تضمّن مهلة أربعة أيّام “للتشاور”. وبحسب نصّ التفاهم الذي نشرته الرئاسة، لن تدخل “القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي” في حال المضي بالاتفاق، على أن يُناقش لاحقا “الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة بما في ذلك مدينة القامشلي”.

وذكرت أن قوات الجيش لن تدخل كذلك إلى “القرى الكردية”، حيث “لن تتواجد أي قوات مسلحة..  باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة”.

ويتيح التفاهم لقائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، بحسب الرئاسة.

وقال المصدر الكردي لفرانس برس إن قوات سوريا الديموقراطية قدّمت “مقترحا عبر الوسيط الأميركي توم باراك إلى الحكومة السورية” في إطار المشاورات حول مستقبل المؤسسات الكردية، يتضمّن طرحا بأن “تتولى الحكومة إدارة المعابر والحدود بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ عليها”.

وقال إن قوات سوريا الديموقراطية سمّت مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع وسوف تسمّي كذلك “قائمة للبرلمانيين”

———————————

“فايننشال تايمز”: سوريا تتهم “قسد” بتعطيل الاندماج وتضع الكرة في ملعبها

24 يناير 2026

نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، في تقرير مطول، عن دبلوماسي غربي قوله إن أداء “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الأخير في شمال شرق سوريا أظهر أنها “ليست جهة يمكن الوثوق بها” في إدارة ملف السجون التي تحتجز آلافًا من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وذلك في إشارة إلى تقارير عن تخليها عن بعض مراكز الاحتجاز.

وحذّر الدبلوماسي، الذي لم تسمه الصحيفة، من أن استعداد “قسد” للتخلي عن تلك المواقع يخاطر بفرار سجناء متشددين، وهو ما “أغضب الجميع” وفق تعبيره.

جاء ذلك بالتزامن مع إعراب الاتحاد الأوروبي، أمس، عن “قلقه البالغ” إزاء التقارير التي تفيد بفرار مقاتلين أجانب من تنظيم “داعش” من مراكز الاحتجاز في سوريا.

من جهة أخرى، كشفت الصحيفة عن تصعيد في الخطاب الرسمي السوري، حيث نقلت عن مسؤول سوري رفيع تأكيده أن دمشق أبلغت “قسد” مرارًا بأن الاتفاقات المبرمة معها “قابلة للتغيير تبعًا للتطورات على الأرض”، في حال تأخرت عن تنفيذ التزاماتها.

وأوضح المسؤول السوري أن “قسد” حاولت إعادة التفاوض على شروط الاندماج في هياكل الدولة السورية “بطريقة تجعله غير ممكن عمليًا”، مشددًا على أن “الكرة باتت الآن في ملعب قسد” للالتزام بما تم الاتفاق عليه مسبقًا. ومع ذلك، أعرب عن أمل الحكومة السورية في أن “تُحل المسألة عبر المسار الدبلوماسي”.

خلفية أزمة الثقة وتغير التحالفات

يأتي هذا التصريح في سياق انهيار مفاوضات طويلة كانت قد بدأت في آذار/مارس 2025 بوساطة أميركية، بهدف دمج “قسد” وهيئاتها الإدارية في الدولة السورية. وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، غيرت تحالفاتها بشكل جذري لدعم الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع، ووصف المبعوث الأميركي الخاص، توماس باراك، دور “قسد” بأنه “انتهى إلى حد كبير”، ناصحًا الأكراد بالتعامل مع دمشق.

ووفقًا للمصادر، عرضت دمشق في الأسابيع الأخيرة اتفاقًا على “قسد” اشترطت قبوله فورًا، ويتضمن دمج ثلاث فرق عسكرية وكتيبتين في الجيش السوري، وتولي قائد “قسد” مظلوم عبدي منصب نائب وزير الدفاع. لكن “قسد” رفضت العرض، الذي لم تعد له صلاحية الآن بعد تقدم القوات الحكومية واستعادتها مناطق واسعة من الرقة ودير الزور وحلب.

شروط أكثر تشددًا وهدنة هشة

بعد الهجوم السريع، تم التوصل لاتفاق ووقف إطلاق نار، لكن دمشق شددت شروطها، حيث أصرت الآن على دمج الأفراد بشكل فردي وليس كوحدات متماسكة، وسحبت عرض المنصب القيادي لعبدي. ولا تزال هدنة هشة سارية حتى مساء اليوم السبت، لإتاحة الوقت لـ”قسد” لتقييم وضعها.

وحول اتهامات التخلي عن السجون، يبرر مسؤولون أكراد انسحابهم بأنه جاء نتيجة هجمات شنها الجيش السوري على تلك المواقع، بينما بدأت القوات الأميركية بنقل بعض السجناء إلى العراق تحسبًا لانهيار الوضع الأمني.

ويخلص التقرير إلى تحذير خبراء من أن “قسد” أخطأت في تقديراتها الاستراتيجية وفشلت في إدراك عمق التحول في الموقف الأميركي والدولي، مما يجبر الطرفين الآن على خيارات صعبة إما بالعودة للمفاوضات تحت ضغط ميداني أكبر، أو المخاطرة بمواجهة عسكرية جديدة.

 ———————–

الأمم المتحدة تحذّر: كوباني معزولة بالكامل ونقص الغذاء والدواء يهدد المدنيين

الأمم المتحدة: إغلاق الطرق وانقطاع الخدمات يعمّقان الأزمة الإنسانية في كوباني

2026-01-24

حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من تدهور محتمل في الأوضاع الإنسانية داخل مدينة كوباني بريف حلب الشرقي، في ظل عزل المدينة بالكامل عن محيطها وإغلاق جميع الطرق المؤدية إليها، ما يهدد حياة المدنيين ونفاد الإمدادات الأساسية.

وأوضح المكتب أن الشركاء الإنسانيين العاملين في المنطقة أعربوا عن قلق متزايد إزاء تأثير انقطاع الكهرباء والمياه وخدمات الإنترنت، الأمر الذي يعيق وصول السكان إلى الخدمات الحيوية ويحدّ من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم اليومية.

وأفادت تقارير ميدانية ببدء ظهور نقص في المواد الغذائية وغيرها من المستلزمات الأساسية.

ورغم استمرار عمل المرافق الصحية في المدينة، أشار “أوتشا” إلى ورود معلومات عن نقص في الأدوية، ما قد يفاقم من المخاطر الصحية في حال استمرار الوضع الراهن دون تدخل عاجل.

وفي هذا السياق، قال المكتب إن فرق الأمم المتحدة تجري مشاورات مع السلطات في محافظة حلب لبحث سبل تقديم الدعم الممكن وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية في المدينة.

بالتوازي مع ذلك، تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها تنفيذ أنشطة إغاثية في أعقاب الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها محافظات حلب والرقة والحسكة ودير الزور، حيث تعمل منظمة الصحة العالمية وشركاؤها على توفير الإمدادات الطبية، وخدمات التغذية المتنقلة، والرعاية الصحية المنقذة للحياة للمصابين، إضافة إلى دعم الأطفال والنساء الحوامل.

وأكد المكتب أن الأمم المتحدة وشركاءها يواصلون التنسيق مع الجهات المحلية والإنسانية لإجراء تقييمات إضافية للاحتياجات وتسهيل الوصول الإنساني إلى المناطق المتضررة.

وكان قد أعلن الهلال الأحمر الكردي، وفاة أربعة أطفال في مدينة كوباني نتيجة البرد الشديد، محذراً من أن استمرار الحصار المفروض على المدينة قد يقود إلى تفشي الأمراض والأوبئة، في ظل الانعدام شبه الكامل لمقومات الحياة الأساسية، ولا سيما التدفئة والغذاء والخدمات الصحية.

ويأتي هذا وسط تواصل الدعوات الأميركية والدولية لتثبيت وقف إطلاق النار شمالي شرقي سوريا، في ظل مساعٍ سياسية مكثفة تهدف إلى دعم تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية.

وركزت الدعوات على تعزيز مسار الحوار والاندماج السياسي والعسكري، ومنع عودة التصعيد، وسط تحذيرات من هشاشة الوضع الأمني.

———————————

العراق: قوى إقليمية ودولية تبدي رغبة في تفكيك مخيم الهول شرقي سوريا

24 يناير 2026

كشفت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن قوى إقليمية ودولية أبدت رغبة في تفكيك مخيم الهول في ريف الحسكة شرقي سوريا، والذي يؤوي زوجات وأطفال مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وذلك في ضوء التطورات الميدانية التي شهدتها البلاد مؤخرًا، والمتمثّلة بتسلّم الحكومة السورية أمن المخيم عقب التوصل إلى اتفاق أفضى إلى انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي كانت تتولى سابقًا مسؤولية أمنه.

وفي تصريح نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أوضح وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، كريم النوري، أن “هناك خلطًا إعلاميًا يجري تداوله بشأن الأرقام المعلنة”، مؤكدًا أن الحديث عن آلاف مقاتلي “داعش” الذين سيتم نقلهم من سجون شرق سوريا إلى العراق “لا علاقة له بالعوائل النازحة في مخيم الهول”.

وأضاف النوري أن معتقلي “داعش” الذين سيتم نقلهم من السجون التي كانت تحت سيطرة “قسد”، وانتقلت مؤخرًا إلى سيطرة الحكومة السورية، هم “ممن ارتكبوا جرائم في العراق”، واصفًا عملية نقلهم بأنها خطوة “شجاعة جدًا”.

واعتبر وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن “بقاء هؤلاء الإرهابيين في سجون خارجية قد يجعلهم ورقة ضغط أو يعرضهم لسيناريوهات إطلاق السراح، وهو ما يشكل خطرًا مضاعفًا على العراق والمنطقة”.

وأكد النوري في حديثه أن العراق “استلم” معتقلي “داعش”، نافيًا أن يكون “استقبلهم”، مضيفًا: “هؤلاء لم يأتوا للفنادق أو مخيمات الرفاهية، بل سيذهبون مباشرة إلى التحقيق والمحاكم لينالوا جزاءهم العادل”، لافتًا إلى أن “وجود الذئب داخل القفص أقل خطرًا من كونه طليقًا خارج المنزل”، في إشارة إلى خطورة عناصر التنظيم الذين يجري نقلهم إلى العراق.

وفيما يخص مخيم الهول، ذكر النوري أن القوى الإقليمية والدولية أبدت رغبتها في تفكيك المخيم، مضيفًا أن “المخيم كان يمثل بؤرة لتجنيد الدواعش وقنبلة موقوتة تهدد أمن المنطقة”.

وكانت “قسد” قد أعلنت انسحابها من مخيم الهول، الثلاثاء الماضي، عقب تقدم القوات الحكومية إلى مشارف محافظة الحسكة، بعد سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة. وقالت “قسد” إنها أقدمت على هذا الانسحاب بسبب “الموقف الدولي اللامبالي تجاه ملف تنظيم داعش، وعدم تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته في معالجة هذا الملف الخطير”.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إنها دخلت إلى المخيم، أمس الجمعة، وأضافت في تدوينة على منصة “إكس”: “العائلات التي فرت من العنف في شمال شرق سورية بحثًا عن الأمان والمأوى تحتاج إلى مساعدة عاجلة”.

وأشارت مفوضية اللاجئين إلى أن فرقها متواجدة على الأرض لدعمهم، مؤكدة أن: “سلامة العاملين في المجال الإنساني وإمكانية وصولهم لا تزال أمرًا بالغ الأهمية للاستجابة للاحتياجات العاجلة”.

من جانبها، قالت المتحدثة باسم المفوضية سيلين شميت، لوكالة الأنباء الفرنسية، إن المفوضية “تمكّنت من الوصول إلى مخيم الهول خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، لكنها لم تتمكّن إلى الآن من دخوله بسبب الوضع الأمني المتقلّب”، مشيرةً إلى أنهم تمكّنوا من تسليم شاحنات من المياه إلى المخيم.

الجدير بالذكر أن مخيم الهول يؤوي نحو 24 ألف شخص، بينهم ما يقارب 15 ألف سوري، بالإضافة إلى أكثر من ستة آلاف امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية، ترفض معظم بلدانهم استعادتهم.

—————————

سكان الحسكة يخشون مواجهة شاملة: الموارد في خدمة المعركة

باتت مدينة الحسكة تشكل نموذجًا مصغرًا للتعقيد الذي آلت إليه الأوضاع في سوريا، حيث لم يعد المشهد هناك مجرد تحشيد عسكري عند خطوط التماس أو تصريحات سياسية متبادلة، بل تحول إلى صراع وجودي يمس جوهر الحياة اليومية للأهالي. وجد السكان أنفسهم فجأة بين التهديد بمواجهة عسكرية شاملة من جهة، وانهيار كامل في منظومة الخدمات الأساسية التي باتت تُستخدم كسلاح في معركة عض الأصابع من جهة أخرى. وبدأت ملامح الاختناق الحالي مع انتهاء “مهلة الاندماج” التي فرضتها الحكومة السورية على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي كانت تحمل في طياتها نذير صدام مقبل. هذه الضغوط السياسية تُرجمت ميدانيًا إلى حالة من “الحصار الداخلي” غير المعلن، حيث تحولت أحياء الحسكة إلى ما يشبه السجن الكبير. القلق الشعبي المتزايد لم يأتِ من فراغ، بل من واقع ملموس يرى فيه المواطن أن رغيف الخبز والماء باتا رهينة لقرارات عسكرية لا تضع احتياجاته في الحسبان، بحسب ما رصده مراسل عنب بلدي في مدينة الحسكة، من شهادات للسكان المحليين.

رغيف الخبز.. حين يصبح القوت “جهدًا حربيًا”

في أحياء “النشوة” و”غويران” و”العزيزية”، غاب مشهد الطوابير التقليدي أمام الأفران الآلية، ليس لأن الحاجة انتهت، بل لأن الأفران توقفت عن إطعام المدنيين. ما حدث هو تحول مفاجئ في سياسة التوزيع؛ حيث أفاد السكان بأن “الكومينات”، وهم المعتمدون المحليون التابعون للإدارة الذاتية، توقفوا عن تسليم مادة الخبز اليومية للأسر، ويعود السبب إلى تحويل الإنتاج بالكامل لما يسمى “الجهد الحربي”، كما يُشاع بين الأوساط الأهلية. هذا المصطلح يعني عمليًا توجيه مئات الآلاف من أرغفة الخبز يوميًا لتأمين احتياجات المقاتلين والتحصينات العسكرية التي تُبنى على عجل عند مداخل المدينة ومحيط سجن الصناعة. رب أسرة من سكان حي العزيزية، تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية، قال إن غياب الخبز لعدة أيام متواصلة دفع الناس للبحث عن بدائل في الأفران الخاصة التي لا تخضع لسيطرة الكومينات، إلا أن هذه الأفران شهدت ازدحامًا خانقًا، مما جعل الحصول على الرغيف “مهمة مستحيلة” للغالبية العظمى، وسط عجز في احتياجات السوق المحلية وصل إلى نحو 70%. لم تقتصر الأزمة الإنسانية على مادة الخبز، إذ دخلت مشكلة المياه، وهي المعضلة المزمنة في الحسكة، مرحلة “الحرج الشديد”، فمنذ سنوات تعتمد المدينة بشكل كامل على مياه الصهاريج الجوالة نتيجة خروج محطة “علوك” في ريف رأس العين عن الخدمة وتكرار قطعها. ولكن مع التوتر العسكري الأخير وفرض حظر التجوال الليلي، توقفت حركة هذه الصهاريج داخل الأحياء بشكل شبه كامل، نتيجة خشية أصحاب الصهاريج من مصادرة آلياتهم، أو استهدافها عند الحواجز العسكرية التي قطعت الأوصال بين الأحياء. وتحدثت نازحة تقيم في حي الكلاسة، بمرارة عن خزانات فارغة تمامًا واضطرار الأهالي لتجميع ما تبقى في أسفل الخزانات القديمة، ما يثير مخاوف جدية من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة لجوء البعض لمصادر مياه غير آمنة.

الأسواق.. بين الاحتكار وهلع الشراء

واقع الأسواق في مدينة الحسكة لم يكن أفضل حالًا من واقع الخبز والمياه، فقد شهدت الأسواق حالة من “الهجوم” غير المسبوق من قبل الأهالي لتخزين المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والسكر والزيوت. وأدى الإقبال الكثيف على شراء المواد إلى نفاد سريع للمخزون، ولكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، بل برزت ظاهرة الاحتكار بشكل فج. فبينما يبرر التجار نقص المواد بعدم استقرار سعر الصرف وصعوبة النقل، يتهم السكان بعض كبار الموردين بإخفاء المواد في المستودعات لرفع أسعارها لاحقًا مع اشتداد الأزمة. ترافق ذلك مع فرض حظر تجوال يبدأ من السابعة مساءً، مما قلص ساعات التسوق وزاد من الضغط الميداني، حيث تكتظ الأسواق في ساعات الصباح الباكر، وهو ما يسهل عمليات استغلال الحاجة ورفع الأسعار عشوائيًا. هذا الواقع الاقتصادي المتردي جعل المواطن يشعر بأنه محاصر ليس فقط بالتحشيدات العسكرية للجانبين، بل وبغلاء فاحش يلتهم ما تبقى من مدخراته البسيطة. المصاعب الإنسانية لأهالي الحسكة لم تقف هنا، فقد بدأت عشرات العائلات بالنزوح من الأحياء القريبة من نقاط التماس نحو الأرياف الأكثر هدوءًا، خوفًا من تحول المدينة إلى ساحة لحرب شوارع. صمت القوى المتصارعة وغياب أي تطمينات حقيقية يجعل من الحسكة مدينة تنتظر المجهول، حيث يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يواجه حظرًا يطبق على أنفاسه ليلًا، وجوعًا وعطشًا

عنب بلدي

———————————

=====================

تحديث 23 كانون الثاني 2026

———————————

«قسد» والمسألة الكردية: انكشاف التمثيلات الزائفة/ صبحي حديدي

قد يكون مشروعاً من حيث المبدأ اللجوء إلى منهجية في تحليل المستويات الوظيفية والتمثيلية لـ«قوات سوريا الديمقراطية – قسد»، لا تبدأ مما يعلنه البعض، أو تزعمه «قسد» ذاتها؛ بل تنطلق، على العكس، مما لا تمثله فعلياً، مادياً على أرض الواقع، أو رمزياً في المجاز والفضاءات الافتراضية. والغاية العليا خلف هذا الخيار تخص استجلاء تمييز، ضروري في ضوء اعتبارات عديدة، بين تكوين «قسد» ومكوناتها ومشروعها وبرامجها وممارساتها من جهة؛ وجوهر المسألة الكردية واستحقاقاتها وتعقيداتها وتشابكاتها في سوريا عموماً، وفي مناطق الشمال الشرقي وما يشمل مسمى «الجزيرة» خصوصاً، من جهة أخرى.

فإذا افترض المرء، كما تفعل هذه السطور، أنّ تصريحات أمريكية واضحة التنصل من رعاية «قسد»، صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سبيل تثبيت أقوال ممثله في تركيا وسوريا توم براك، ليست بالضرورة رصاصة الرحمة على ما تبقى من كينونة «قسد» العسكرية، ثمّ السياسية والتنظيمية والعقائدية استطراداً؛ فإنها، في المقابل، ضربة قاصمة تشبه الكثير من ضربات سابقة خصّت بها واشنطن تابعيات لها، أقلّ أو أرفع قيمة من «قسد»، بعد انتهاء الوظائف التي أُوكلت إليها. صحيح، بالطبع، أن التكتيك العسكري الذي اعتمده الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع كان أكثر حنكة، وأشدّ اتعاظاً بتجارب المجازر في الساحل السوري والسويداء؛ إلا أنّ انهيار «قسد» السريع في حلب الشيخ مقصود وفي دير حافر ومسكنة والطبقة والرقة وأرياف دير الزور والحسكة، كان أقرب إلى ذوبان كتلة جليد.

وبصدد خيانات واشنطن لحقوق الكرد، ثمة سجلّ حافل حمّال دروس شتى، لا يلوح أنها وجدت من يتعظ بدلالاتها. وكانت 14 من مبادئ الرئيس الأمريكي وودرو ولسن، حول الأقليات في السلطنة العثمانية، قد تجاهلت إنصاف حق الكرد في تقرير المصير؛ وكان رئيس ثان، جورج بوش الأب، قد حثهم وحرضهم على الانتفاض ضدّ نظام صدام حسين، ثم تركهم في العراء؛ ورئيس ثالث، بيل كلنتون، وجّه وكالة المخابرات المركزية إلى التعاون مع الاستخبارات التركية للإيقاع بالزعيم الكردي/ الرمز عبد الله أوجلان واعتقاله في كينيا؛ ورابع، ترامب، حوّل «قسد» إلى جهاز لمحاربة «داعش» بإمرة الوحدات العسكرية الأمريكية داخل التحالف…

ذلك، الذي استطابت قيادات «قسد» اعتباره شراكة مع إدارات البيت الأبيض، كان نهجاً متنافراً إلى درجة فاضحة، وكان بالتالي التمثيل الذاتي الزائف الأول الذي توجّب أن يقود إلى نقائض تسمية «قسد» ذاتها: لا هي سورية تماماً (بالنظر إلى حجم سيطرة «حزب العمال الكردستاني» وقيادات قنديل، خاصة ذات الهوى الإيراني)؛ ولا هي ديمقراطية ملموسة (خاصة حين يكون الآمر الفعلي الأول هو سيد البيت الأبيض، ومندوبه قائد القوات الأمريكية في الرميلان أو الشدادي)؛ ولا هي قوات تخضع لتسلسل قيادي هرمي عسكري، قياساً إلى ما اتضح من تمرّد الصقور ودعاة التدخل الإسرائيلي، ونطاق انشقاق أبناء العشائر أو بعض فئات الشيشان والشركس والسريان والأرمن، خلال الانهيارات الأخيرة)…

التمثيل الزائف الثاني، الأكثر خطورة والأهمّ دلالة ربما، أنّ «قسد» كشفت عن تخاذا إرادي مريع في إحكام ارتباطها بتجربة روجافا، مشروع الحلم بإدارة ذاتية ديمقراطية وعلمانية تكفل حقوق المواطنة والمرأة؛ عُلّق على مساعي إنشائه قسطٌ غير ضئيل من الآمال. ليس في ناظر دعاة المشروع وبعض أبناء منطقة «الجزيرة» السورية فقط، بل هنا وهناك في أوساط يسار غربي مناهض للإمبريالية، سارع إلى احتضان المشروع لوهلة قصيرة قبيل انكشاف القبضة العسكرية والتمويلية الأمريكية على تلك «اليوتوبيا» المشتهاة.

كانت أقرب إلى نكسة محزنة أن ينطوي سريعاً ذلك الزمن الذي شهد صدور كتاب بعنوان «ثورة في روجافا: الإدارة الذاتية الديمقراطية وتحرير النساء في كردستان السورية»، بالإنكيزية ضمن منشورات Pluto التقدمية عموماً، بتوقيع ثلاثة مؤلفين؛ أو أن يسبقه كتاب آخر، بتوقيع أوسو سابيو، عنوانه «روجافا: بديل عن الإمبريالية والنزعة القومية والإسلاموية في الشرق الأوسط». ولكنها كانت، أيضاً، تحصيل حاصل لذلك التمرّغ في السلّة الأمريكية، والسكوت عن تفشي الفساد، والتبعية، والعسكرة والتسلط الأمني، والتجنيد الإجباري للقاصرات والقاصرين، والاتجار بالثروات السورية وتبديدها على حفر الأنفاق، والتغييرات العشوائية للمناهج الدراسية، وارتكاب جرائم حرب في الرقة والحسكة والقامشلي والمالكية… وكلّ هذا، وسواه، في غمرة الغرق أكثر فأكثر (عن سابق قصد وتصميم، كما يتوجب القول) في مستنقع أمريكي باتت أوحاله ظاهرة لكلّ ذي بصيرة، خاصة بعد انهيار نظام «الحركة التصحيحية» في كانون الأول (ديسمبر) 2024.

ومنذ سنة 1957، التي شهدت ولادة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» أول تنظيم سياسي كردي في سوريا، تكاثرت الأحزاب والفصائل والمجالس والائتلافات والتحالفات والانشقاقات الكردية، على خلفية انتهاكات حقوقية ومدنية وقانونية وثقافية ارتكبتها الأنظمة المتعاقبة، وصنعت مسألة كردية عميقة الجذور في المجتمع السوري. وفي الوسع، اليوم، تعداد أكثر من 20 حزباً كردياً، تتفاوت من حيث هوياتها الإيديولوجية وبرامجها السياسية وأحجامها التنظيمية وجماهيرها؛ ولكن المنعطف الحاسم قد يكون قرار حمل السلاح، الذي لم يكن البتة رديف العمل السياسي حتى مطالع 2011، حين انخرط الكرد في مختلف أشكال الانتفاضة الشعبية، أفراداً وقوى سياسية.

التمثيل الزائف الثالث هو ذاك الذي يختزل المسألة الكردية في «قسد»، منفردة أو في شراكة مع «حزب الاتحاد الديمقراطي»، إذ تكفلت ممارسات الطرفين في كشف الكثير من العجز عن السير بالوجود الكردي في سوريا إلى أكثر من برّ أمان سياسي وحقوقي ومدني وثقافي، وربما أخلاقي أيضاً؛ ليس تجاه المكونات السورية غير الكردية فقط، بل كذلك لدى شرائح غير قليلة من الكرد أنفسهم، في مناطق سيطرة «قسد» و«الإدارة الذاتية» تحديداً. وقبل انتهاكات «قسد»، التي فصّلتها منظمات حقوقية دولية مستقلة، كانت ميليشيات «الاتحاد الديمقراطي» قد استحقت من الكرد أنفسهم صفة «الشبيحة» حين فتحت النار على تظاهرة سلمية كردية في بلدة عامودا، فأردت ستة قتلى، وجرحت 20 آخرين. وكانت ممارسات عنف مماثلة قد تكررت ضدّ متظاهرين كرد في عفرين شمال حلب، وبعض مناطق محافظة الحسكة، وكوباني، وحيّ ركن الدين في دمشق.

ورغم تأخر ولادة «قسد»، بسبب من ارتباط نشوئها بقرار أمريكي، إلا أنّ الحراك الكردي المسلح شهد مسميات مثل «بيشمركة روجافا»، «وحدات حماية الشعب»، «وحدات حماية المرأة»؛ بينما الهيكل القيادي الفعلي ظلّ، بدرجات عالية ونوعية واستئثارية، مرتهناً بـ«حزب العمال الكردستاني» وحفنة محدودة من قيادات قنديل. ورغم ما يتردد عن وجود أجنحة متباينة داخل قيادة «قسد» تحديداً، فإن تقاسم الأدوار أقرب إلى أن يكون سيد اللعبة؛ الأمر الذي لا ينفي احتمال تبلور حال من التنازع أو حتى الانشقاق، في ضوء ما يشبه رفع الغطاء الأمريكي عن الكتل القيادية الراهنة، والخسائر العسكرية التي مُنيت بها القوى الكردية المسلحة مؤخراً.

ويبقى تمثيل زائف رابع، هو ادعاء «قسد» أنها عارضت نظام «الحركة التصحيحية»، وهذا زعم لا يفضحه تاريخ متكامل من التوافق أو التصالح أو التشارك مع جيش النظام والميليشيات المذهبية المناصرة له في العديد من مناطق سيطرة «قسد»، فحسب؛ بل كذلك إيواء أعداد من ضباط النظام البائد وتجنيد فلوله، وتوفير المساندة المادية والمعنوية لأوهام حكمت الهجري الانفصالية في السويداء. وليس عجيباً أنّ هذا التمثيل الزائف تحديداً هو الذي يُلحق الضرر الاشدّ بجماهير الكرد إجمالاً، فضلاً عمّن تبقى من أنصار «قسد» خصوصاً.

أربعة تمثيلات زائفة تكشفت اليوم، في إسار سيرورة تعد بانكشاف المزيد.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

—————————-

عندما ينعى توم برّاك “قسد”/ رانيا مصطفى

23 يناير 2026

أعلن المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك (في تغريدة على منصّة إكس) أن أمام الأكراد في سورية فرصةً تاريخيةً في ظلِّ الحكومة الجديدة في دمشق، وأن غرض وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انتهى، وفقاً لاتفاق وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في 18 يناير/ كانون الثاني الجاري، وصفه برّاك بـ”نقطة تحوّل محورية”، بعد سلسلة أحداث تلت مؤتمر باريس (6 يناير الحالي)، الذي لا تزال مُخرجاتُه غير مُعلَنة، وتضمّن جولة مفاوضات بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، بالتزامن مع وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في باريس. انسحبت “قسد” من مناطق تمركزها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، لتنتقل المعارك إلى دير حافر ومسكنة والطبقة غربي الفرات، وكان هناك انشقاق سلس للعشائر العربية عن تنظيم “قسد” وانضمامها إلى القوات الحكومية، ما أنهى وجود “قسد” في تلك المناطق، وصولاً إلى كامل أرياف الرقّة ودير الزور وحقول النفط والسدود والمعابر الحدودية، وتسليم السجون التي تحتجز مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والمخيّمات التي تضمّ عوائلهم، إلى القوات الحكومية، إضافة إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الشرع، ويعترف بالحقوق الثقافية للسوريين الأكراد وحقّ التعليم باللغة الكردية والاحتفال بعيد النوروز عيداً وطنياً، ومنح الجنسية لمكتومي القيد منهم الأكراد، الذين استثناهم إحصاء العام 1962.

ما كان لهذا السيناريو الدرامي أن يحصل بهذا اليُسر، لولا التدبير الأميركي المباشر؛ فنصُّ تغريدة برّاك يقول إن الوضع قد تغيّر، وإن سورية تمتلك حكومةً مركزيةً معترفاً بها، انضمّت إلى التحالف الدولي لهزيمة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لم يُظهر الأميركيون سياسات واضحة تجاه ترتيب الوضع الداخلي السوري، سوى بعض الأهداف مثل هزيمة “داعش” ومنع عودة النفوذ الإيراني، وخطوط حمراء تتعلّق بأمن الكيان الإسرائيلي، لكنّ سياساتها كانت (طوال السنوات السابقة) تركِّز في الإمساك بخيوط التحالفات والتوازنات بين الدول المتدخّلة في الشأن السوري. ومع المتغيّرات الكبيرة التي حصلت (وتحصل) في المنطقة: الحرب الإسرائيلية على غزّة، والصراعات في اليمن والسودان، وانشغال روسيا في حربها في أوكرانيا، وانهيار محور المقاومة الإيراني وسقوط نظام الأسد واهتزاز النظام في طهران… تحاول الولايات المتحدة ترتيب المنطقة من دون خطّة واضحة المعالم، سوى حسابات ترامب الشخصية، التي لا تخلو من نرجسية، إذ يسعى إلى الظهور بمظهر رجل السلام الذي يطفئ الحروب، من دون إيجاد حلول جذرية للصراعات المستمرّة، عبر دعم أطراف، أو سحب الدعم عن أطراف أخرى، تبعاً للصفقات المُبرَمة. وعلى هذا جاء الدعم الأميركي لـ”سورية موحّدة” بقيادة الشرع، ورُفع الغطاء الأميركي والدولي عن “قسد”، ما يتعارض مع الأجندات الإسرائيلية التي عملت منذ لحظة سقوط نظام الأسد (وقبل ذلك) على تفتيت الجغرافية السورية دينيّاً وعرقيّاً، وهذا يطرح تساؤلاً حول كيف أُرضيت تل أبيب، وما شكل الاتفاق في الجنوب السوري الذي وُقّع في باريس قبيل سلسلة عمليات تفكيك “قسد”.

يصرّ الاحتلال على أن يكون الجنوب السوري (محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء وريف دمشق الجنوبي) منطقةً خاليةً من السلاح (السنّي)، وعلى الأرجح سيعاد ترتيب الوضع في السويداء بما يخدم توحيد الأراضي السورية، فيما ما يزال مجهولاً إن كانت ستعود قوات الاحتلال إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول (2024)، كما يحضر اعتراف ترامب بضمّ مرتفعات الجولان إلى دولة الاحتلال، وهل سيكون هناك اعتراف مقابل من الجانب السوري، وكيف سيُمرّر داخلياً؟

كان لإنشاء “قسد” من التحالف الدولي أهدافٌ أمنية وعسكرية محصورة بمحاربة “داعش”، وعلى ذلك تشكّلت من مقاتلي “بي واي دي” ومجلس العشائر العربية، ولم يتبنَّ الأميركيون أو الفرنسيون يوماً تقديم دعمٍ لطموحات حزب العمال الكردستاني، وجناحه السوري، بالحكم الذاتي (الفيدرالي)، لكنَّ اليد العليا في إدارة منطقة شرق الفرات كانت للجناح الكردي التابع لحزب العمال الكردستاني، بعد إقصاء (وقمع وطرد) أحزاب المجلس الوطني الكردي التي خالفت تلك الطروحات، فيما كان الوجود العربي العشائري متعلّقاً بمصالح تلك العشائر والدعم العسكري والتدريب والتمويل الذي تتلقّاه من التحالف الدولي، الذي سمح لها بالبقاء في مناطقها تحت سقف قوات سوريا الديمقراطية و”الإدراة الذاتية”، وهي من انقلبت على التنظيم بتنسيق مع الأميركيين والسلطة السورية، على أن تبقى في قيادة مناطقها، شأنها شأن باقي الفصائل، العربية السنّية، في مناطق متفرّقة. وهذا أنهى وهم حزب العمال الكردستاني، والوحدات الكردية، في إمكانية إقامة كيانٍ قومي، اعتقاداً منهم باستمرار الدعم الغربي، ومن دون قراءة للمتغيّرات والصفقات، ولا للدعم الذي تتلقاه حكومة الشرع، كما اعتقدوا باستمرار الدعم الإسرائيلي وقدرته على التأثير في القرار الأميركي.

حاولت قوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الالتفاف على تطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، الذي يعطي “قسد” ميّزاتٍ ضمن الحكومة الجديدة، فقدت أغلبها في اتفاق 18 يناير (2026)؛ ومن بين ما عملت عليه بناء تحالف أقليات تدعم الطروحات الفيدرالية، في السويداء وفي الساحل. الانفصال الذي فرض نفسه في السويداء بعد المعالجة الأمنية الخاطئة للسلطة والتدخّل الإسرائيلي، كان عسيراً في الساحل بعد مجازر مارس (2025) بحقّ العلويين، بسبب قدرة السلطة على السيطرة من جهة، وغياب الدعم الخارجي، وعدم قدرة فلول النظام من العلويين ومشايخهم على خلق إجماعٍ علوي له وزن حول مشروعهم، وارتفاع أصواتٍ وازنة بين النُّخب من أصول علوية ترفض تلك الطروحات. في إعلان برّاك انتهاء مهمَّة “قسد”، أيضاً إعلان انتهاء الطروحات الفيدرالية في السويداء والساحل والوسط على أسس طائفية، وتوحيد الجغرافيا السورية تحت سلطة الشرع، وهذا لا يعني قدرة الأخيرة على السيطرة الفعلية في المدى القريب والمنظور. فمن الواضح أن هناك حالة تفكُّك مناطقية في كل الأراضي السورية، مع وضوح قوّة العامل المناطقي والعائلي في تشكيل الفصائل، وعودتها إلى مناطقها، وغياب دور الدولة خصوصاً في تقديم الخدمات ودعم عملية التنمية الاقتصادية، وغياب السياسات حول كيفية الاستفادة من الموارد النفطية والزراعية المتاحة، وهي ليست وفيرة بشكل كافٍ، واستغلالها بما يخدم النهوض بالوضع السوري ويحقّق الاستقرار.

يُعتبر المرسوم 13 بمثابة وعدٍ رمزي من الرئيس الشرع بالإعلاء من شأن الخصوصية الثقافية للقومية الكردية، ومن الأجدى للمقاتلين الأكراد التركيز في مفاوضاتهم في كيفية مأسسته ضمن الدستور، بدلاً من التعنّت في تبنّي أوهام الاستقلال والاحتفاظ بكتلتهم العسكرية. إلا أنَّ السلطة اتَّجهت إلى ترسيخ حكم الفرد في “مؤتمر النصر”، وفي “الحوار الوطني” الهزيل، وفي صيغة الإعلان الدستوري، وفي سيطرة شخصيات هيئة تحرير الشام على وزارات الدولة ومؤسّساتها، وفي تشكيل مجلس شعب مطواعٍ للسلطة، وعليه (حال إتمام تشكيله) أن يصادق قرارات السلطة داخلياً وخارجياً؛ فيما جاء الدعم الأميركي الكبير لتمكين الشرع، بتوصيات خليجية (سعودية خصوصاً)، ليشجِّع هذا الميل إلى حكم مركزي منفرد، يحول دون تعديل الإعلان الدستوري أو تقديم ضمانات دستورية وعبر مؤسّسات مستقلّة، خصوصاً القضاء، لتنفيذ أيّ وعود كُتبت على الورق في المراسيم أو الدساتير حول المواطنة والمساواة بين السوريين.

العربي الجديد

——————————————

من «باشان» إلى «روجآفا»: «الخط» الإسرائيلي!

في مقابلة مع قناة «آي 24» الإسرائيلية، وجهت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» الكردية، إلهام أحمد، دعوة لتل أبيب للتدخل لصالح ما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» بقولها: «اليوم يحتاج الأكراد إلى مساعدة دولية قوية. من يستطيع المساعدة فليفعل».

جاء تصريح أحمد ليضيف على ما قالته في لقاء مع صحافيين يوم الثلاثاء الماضي بالقول إن حركتها «تتواصل مع شخصيات إسرائيلية»، وأن قواتها ترحب بتلقي دعم من «أي مصدر» كان. بدوره، قال سيبان حمو، عضو قيادة «قسد»، وقائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، في تصريحات قبل أيام لوكالة رويترز، إنه «يأمل أن تتدخل إسرائيل لصالح أكراد سوريا»

في مقابلة سبقت الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا، ظهر الزعيم الديني حكمت الهجري على موقع «واي نت» الإسرائيلي التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، معتبرا أن «الاستقلال التام» عن سوريا هو الحل الوحيد، وأن «الدروز يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من منظومة الوجود التي تمثلها إسرائيل»، التي هي «دولة قانون ومؤسسات دولية»، مشيرا إلى وجود «تنسيق استراتيجي» مستمر مع «قوات سوريا الديمقراطية».

كشف تحقيق موسّع قامت به صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن إسرائيل بدأت بتسليح ودعم ميليشيات الهجري بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، وأنها بدأت بتقديم أموال ورواتب شهرية للمقاتلين، وأنها دعمت إنشاء كيان مسلح درزي يسمى «المجلس العسكري» (سمّي لاحقا «الحرس الوطني») مع تمويل تجاوز نصف مليون دولار وتدريب عبر «قوات سوريا الديمقراطية».

أدى هذا الدعم، حسب التحقيق، لانقسامات داخل الطائفة الدرزية، وإلى صراعات بين قادتها واتهامات بالخطف والفساد وتهريب المخدرات، وساهم في تأجيج التوتر مع الحكومة السورية وصولا إلى المواجهات المسلحة في تموز/ يوليو من العام الماضي، والتي أدت، حسب تقرير منظمة العفو الدولية، لحصول انتهاكات واسعة على يد القوات الحكومية ومجموعات مسلحة وعشائر بدوية، أدت لمقتل المئات، جرى إثر ذلك تدخّل إسرائيلي عنيف ومباشر ضد القوات الحكومية أدى، حسب مصادر حقوقية، إلى مقتل 183 جنديا.

بالتزامن مع سقوط النظام السابق احتلت إسرائيل أكثر من 400 كيلومتر مربع من الأراضي السورية، ونفّذت مئات الغارات لتدمير مخازن السلاح لمنع الحكومة الجديدة من السيطرة عليها. خلص التحقيق إلى أن هذه التدخّلات الإسرائيلية هي جزء من استراتيجية لتقويض فرص استقرار سوريا وإضعاف الدولة الجديدة عبر منعها من استعادة السيادة المركزية حتى لو أدى ذلك إلى صراعات داخلية طويلة المدى في سوريا والمنطقة المحيطة.

تشير الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا إلى تغيّرين مهمين، يتعلّق الأول بقرار أمريكي بدعم الدولة السورية على حساب الوكيل الفرعي الممثل بـ«قسد»، ويتعلّق الثاني بتجاوز الحكومة السورية في عملياتها الأخيرة، إلى حد كبير، أخطاءها الجسيمة التي جرت في ملفّ السويداء (والتي اعتبرها الرئيس السوري «فخا إسرائيليا» وقعت فيه).

تثير طلبات قياديي «الكردستاني» النجدة الإسرائيلية العجب، وتكشف المآلات البائسة للحزب الماركسي الداعي لتحرر الكرد، والذي بدأ قتاله المسلح في تركيا رافعا رايات مكافحة الامبريالية الأمريكية و«توابعها» في المنطقة، ليتحوّل إلى تابع صغير بائس تلاشت سيطرته الواهية على سوريا بمجرّد رفع واشنطن الغطاء عنه. يؤشر ذلك، على ما يبدو، إلى مآل قريب يُعيد السويداء أيضا إلى تاريخها وهويتها السورية ويُنهي «المعادلة الصفرية» التي دفعت إسرائيل في اتجاهها.

القدس العربي

—————————-

 الشبكة السورية: “قسد” قتلت 22 مدنياً في الرقة بينهم 3 أطفال

الجمعة 2026/01/23

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 22 مدنياً بينهم 3 أطفال في محافظة الرقة شمال شرق سوريا، وذلك على يد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مؤكدة أن القتلى لم يشاركوا في الاشتباكات وهجمات مقاتلي العشائر على نقاط “قسد”.

عمليات قنص

وقالت “الشبكة السورية” في تقرير، إن محافظة الرقة شهدت في 18 كانون الثاني/يناير 2026 تصعيداً واسعاً في الأعمال العسكرية، تمثّل في اندلاع تحركات مسلحة ذات طابع عشائري وشعبي ضد “قسد” في عدد من قرى وبلدات المحافظة وأحياء مدينة الرقة.

وأضافت أن مقاتلي العشائر سيطروا على مناطق ومواقع متعددة، فيما أقدمت “قسد” على تفجير جسور رئيسة عند مداخل المدينة، كما تمركز قناصوها على أسطح أبنية “واستهدفوا مدنيين بصورة مباشرة”، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من السكان، بينهم مدنيون لم يشاركوا في الأعمال القتالية، وذلك بالتزامن مع انسحاب جزئي لعناصر وقيادات من “قسد”.

وتزامنت هذه التطورات مع عمليات عسكرية للجيش السوري في مناطق سيطرة “قسد” في ريف حلب، وسيطرته على مدينتي دير حافر ومسكنة، واقترابه من حدود محافظة الرقة، بحسب التقرير.

ووثّق التقرير مقتل ما لا يقل عن 22 شخصاً في “حصيلة أولية” على يد قوات “قسد” في الرقة الأحد الماضي، ضمنهم 12 مدنياً بينهم طفل قتلوا إثر عمليات قنص، و5 مدنيين بينهم طفل بإطلاق نار مباشر، ومدني اختطفه عناصر من “قسد” ووجد مقتولاً في اليوم التالي.

انتهاك للقانون الدولي

وأدانت “الشبكة السورية” استهداف المدنيين وقتلهم بصورة مباشرة على يد “قسد” في محافظة الرقة، مؤكدةً أن “هذه الأفعال تُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ولحقوق المدنيين”، فيما دعت “جميع الأطراف إلى الالتزام بحماية السكان المدنيين وضمان عدم تكرار هذه الجرائم”.

وشددت على أن استهداف المدنيين العزل، بمن فيهم الأطفال، “يعد انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”، كما أن “استخدام القناصة لاستهداف أشخاص خارج نطاق الأعمال القتالية يشكل قتلاً متعمداً للمدنيين، وينتهك القواعد الأساسية لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين”.

ودعت الشبكة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في عمليات القتل التي ارتكبت بحق المدنيين في الرقة، وتحديد المسؤولين عنها، وإحالتهم إلى العدالة بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، والعمل على وضع آليات فعالة لمنع الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة، وحماية المدنيين.

———————————

فرص صمود الاتفاق بين دمشق و”قسد” كبيرة/ محمد كساح

الجمعة 2026/01/23

قالت مصادر عسكرية من الجيش السوري لـ”المدن” إن فرص صمود الاتفاق الأخير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كبيرة، بشرط التزام الأخيرة ببندين مهمين يتعلقان بتقديم لائحة أسماء معتدلة طلبتها دمشق لتسليمها مناصب عسكرية وإدارية وبرلمانية، والقيام بخطوات جدية لتحييد الكوادر التابعة لحزب العمال الكردستاني “PKK”.

مصلحة لـ”قسد”

وعزت المصادر إمكانية تطبيق الاتفاق إلى كونه يمثل مصلحة لـ”قسد” وقياداتها أكثر مما يوفر مكاسب للحكومة السورية التي ترغب بدخول الدولة إلى كامل الأراضي السورية تطبيقاً لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.

وأكدت أن دمشق جادة في وضع المرسوم 13 الخاص بالمكون الكردي قيد التنفيذ، خصوصاً مع صدور قرارات وزارية سواء من الأوقاف أو التربية تدعو إلى التعايش بين المواطنين وتجنب التمييز العرقي والطائفي، وهي قرارات تمهد لطي صفحة الصراعات السابقة واعتماد دولة المواطنة.

وبحسب المصادر نفسها، فإن قائد “قسد” مظلوم عبدي يرغب بتطبيق الاتفاق، وهو الآن في مواجهة التيار المتشدد في التنظيم، الأمر الذي قد يتسبب ببعض العراقيل والتحديات أبرزها ما يتعلق بالقوائم التي يفترض أن يرسلها عبدي إلى الرئيس أحمد الشرع والتي غالباً ستحوي أسماء غير مقبولة إقليمياً ما سيتسبب برفض بعض الأسماء وربما لجوء الجيش السوري إلى التصعيد العسكري المحدود كوسيلة للضغط.

من جهة أهرى، أكدت المصادر أن وزارة الدفاع تنظر إلى عين العرب وهي كانتون بات منفصلاً عن الشريط الحدودي المتبقي لـ”قسد” في محافظة الحسكة كعقدة يجب حلها بأي وسيلة حتى باللجوء إلى الضغط العسكري، كما تربط بين القامشلي وعين العرب في الاتفاق، بسبب الرمزية للمنطقتين، الأمر الذي يجعل مصيرهما مشتركاً من ناحية الحل السلمي أو الحسم العسكري.

“قسد” تحاول كسب الوقت

من جهته، أشار مصدر سياسي مقرب من أنقرة في حديث لـ”المدن” إلى أن “قسد” تحاول كسب المزيد من الوقت مستغلة الهدنة الأخيرة المعلنة، بالتوازي مع محاولة كسب المعركة إعلامياً حيث يستمر تحفيز المكون الكردي في دول الإقليم لنصرة ما تطلق عليه البروباغندا الإعلامية لـ”قسد” بعمليات تطهير عرقية من قبل الجيش السوري.

وبالرغم من تلميح المصدر إلى إمكانية صمود الاتفاق الأخير، فإنه لا يستبعد حدوث خروقات للهدنة وعدم التزام “قسد” ببنود الاتفاق خصوصاً المتعلقة بدخول مؤسسات الدولة إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

ولفت المصدر إلى أهمية منطقة عين العرب سواء بسبب رمزيتها القومية أو موقعها الاستراتيجي، مؤكداً أنه لا يتوقع أي تهاون من قبل الجيش السوري أو حليفه التركي تجاه أي خروقات من مقاتلي المنطقة للهدنة، وهو ما يؤشر عليه إصرار الجيش السوري على عبور جسر قرة قوزاق شرقي منبج والتمدد نحو منطقة صرين وناحية الجلبية بهدف فرض الحصار التام على عين العرب.

وشدد المصدر على أن المعركة ضد عين العرب، في حال تم اللجوء إلى الحل العسكري، ستكون ضربة سريعة وحاسمة تنهي الملف بأسرع مدة زمنية.

فرضية استمرار الاتفاق قوية

وتعزز فرضية استمرار الاتفاق وعدم تسخين الجبهات في المناطق ذات الغالبية الكردية، ما أوردته وكالة “رويترز” حول الضوء الأخضر الأميركي للقوات الحكومية لشن عملية ضد “قسد”، لكن ضمن خريطة سيطرة محددة، وأن الإدارة الأميركية كانت غاضبة من تجاهل القوات السورية للهدنة وخشيت من وقوع أعمال عنف جماعية ضد المدنيين الأكراد لدرجة أن المشرعين الأميركيين كانوا يدرسون إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر القتال.

لكن مع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل الأكراد، وإعلان الرئيس الشرع فجأة وقفاً جديداً لإطلاق النار يوم الثلاثاء، وتأكيده على عدم تقدم القوات مع خطة اندماج لـ”قسد” بحلول نهاية الأسبوع، أرضى واشنطن وجعلته الآن “في مأمن”، وفق ما نشرت “رويترز” الأربعاء الماضي.

تمديد الاتفاق

من جهته، أكد مصدر مقرب من “قسد” في حديث لـ”المدن” أنه سيتم تمديد الهدنة بين دمشق و”قسد”، حيث من المتوقع أن يعلن عن هذا التمديد قبيل انتهاء مدة الاتفاق، بالتوازي مع اجتماع مرتقب لوزير الخارجية السورية أسعد الشيباني وقائد “قسد” مظلوم عبدي في أربيل، لبحث الاتفاق وآليات ننفيذ بنوده.

وقال المصدر إن تأزم الوضع في منطقة عين العرب التي تحولت إلى كانتون منفصل عن بقية مناطق السيطرة على الشريط الحدودي، تسبب بضغط دولي لإنجاح الاتفاق بهدف إنقاذ الوضع، متوقعاً أن تحصل عين العرب على إدارة ذاتية كحل نهائي ضمن خارطة الطريق التي سيتم بحثها في أربيل.

سيناريوهات الحل في عين العرب

بدوره، لمّح مصدر آخر مقرب من الحكومة السورية لـ”المدن” إلى بعض مفاصل الأزمة التي تمثلها عين العرب، المتعلقة بمنطقة الشيوخ وهي منطقة عربية تهجر شبانها في وقت سابق على يد “قسد”، وهم الآن مقاتلون يحتشدون على خطوط التماس ويهددون بدخول المنطقة.

وفي ظل المعلومات المتداولة حول إصرار الجيش السوري على ترحيل قوات “قسد” التي كانت متمركزة في سجن الأقطان بمدينة الرقة إلى عين العرب حصراً، تتعدد السيناريوهات لحل عقدة هذه المنطقة بين حصولها على إدارة ذاتية وفقاً لما توقعه المصدر المقرب من “قسد”، أو تعرضها للتسخين العسكري والتهديدات التي قد تفرضها المجاميع العسكرية التابعة للجيش السوري في المناطق المتاخمة وعلى رأسها منطقة الشيوخ. بينما يستبعد الحسم العسكري الشامل في الوقت الراهن، على الأقل بسبب رمزية المنطقة والضغط الدول بشأنها.

———————

تقرير يوثق مقتل 22 مدنيًا على يد “قسد” في الرقة

وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، مقتل ما لا يقل عن 22 مدنيًا، بينهم 3 أطفال، كحصيلة أولية، على يد “قوات سوريا الديمقراطية” في محافظة الرقة، خلال الأحداث التي شهدتها المحافظة.

وبينت الشبكة في تقرير وصل عنب بلدي نسخة منه اليوم، 23 من كانون الثاني، أنها قد تحققت الشبكة من أنّ جميع الضحايا الموثقين ضمن هذه الحصيلة لم يشاركوا في الاشتباكات أو في هجمات مقاتلي العشائر على نقاط تمركز “قوات سوريا الديمقراطية”.

وشهدت محافظة الرقة، في 18 من كانون الثاني الحالي، تصعيدًا واسعًا في الأعمال العسكرية، تمثل في اندلاع تحركات مسلحة ذات طابع عشائري وشعبي ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في عدد من قرى وبلدات المحافظة وأحياء مدينة الرقة، شملت الريف الغربي والريف الجنوبي الشرقي ومركز المدينة.

ووفقًا لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، تمكن مقاتلو العشائر من السيطرة على مناطق ومواقع متعددة، في حين لجأت قوات “قسد” إلى تفجير جسور رئيسة عند مداخل المدينة.

خلال هذه الأحداث، تمركز قناصة تابعون لـ”قوات سوريا الديمقراطية” على أسطح الأبنية واستهدفوا المدنيين بشكل مباشر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من السكان، بينهم أشخاص لم يشاركوا في الأعمال القتالية، بالتزامن مع انسحاب جزئي لعناصر وقيادات من القوات نفسها.

وتزامنت هذه التطورات مع عمليات عسكرية للجيش السوري في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في ريف حلب، حيث سيطر على مدينتي دير حافر ومسكنة، واقترب من حدود محافظة الرقة، ما ساهم في تعقيد المشهد العسكري في المحافظة.

توزع الحصيلة الأولية للضحايا

وبحسب راصدها الميداني في الرقة، وبالاستناد إلى مصادر محلية موثوقة، فقد توزعت أنماط القتل التي استهدفت الضحايا المدنيين الموثقين على النحو التالي:

    12 مدنيًا قتلوا إثر استهدافهم بعمليات قنص.

    5 مدنيين، بينهم طفل، قتلوا بإطلاق نار مباشر.

    طفلان قتلا إثر قصف أرضي استهدف مناطق سكنية.

    مدنيان قتلا إثر استهدافهما بطيران مسيّر انتحاري.

    مدني واحد اختطفه عناصر قوات سوريا الديمقراطية في 18 من كانون الثاني، وعثر عليه مقتولًا في اليوم التالي.

وحددت الشبكة في تقريرها، أماكن مقتل الضحايا الموثقين على النحو التالي:

    مدينة الرقة، 12 مدنيًا، بينهم طفل.

    مدينة الطبقة في الريف الغربي، 5 مدنيين، بينهم طفلان.

    ناحية الكرامة في الريف الشرقي، مدني واحد.

    قرية الجديدات في الريف الشرقي، مدني واحد.

    منطقة الحوس في الريف الشرقي، مدني واحد.

    طريق حزيمة في الريف الشمالي، مدني واحد.

    قرب سجن الأقطان في شمال الرقة، مدني واحد.

إضافة إلى ذلك، وثقت الشبكة مقتل مدني آخر إثر انفجار سيارة مفخخة كانت مركونة في ناحية الكرامة في ريف الرقة الشرقي، ولم تتمكن الشبكة حتى لحظة إعداد هذا التوثيق من تحديد الجهة المسؤولة عن زرع السيارة بشكل قاطع، إلا أن المعطيات المتوفرة وسياق السيطرة العسكرية في المنطقة يرجح ارتباط الحادثة بقوات سوريا الديمقراطية التي كانت تنتشر في المنطقة قبل انسحابها.

وأكدت الشبكة أنها لا تزال تتابع جميع الأنباء المتعلقة بالانتهاكات، وتواصل التحقيقات بشأن الانتهاكات المرتكبة على يد جميع القوى المسلحة والأطراف المشاركة في العمليات العسكرية، ولا سيما عمليات القتل خارج إطار القانون بحق المدنيين، منذ تصاعد الأعمال العسكرية في مدينة حلب في 6 من كانون الثاني 2026، وامتدادها لاحقًا إلى ريفها الشرقي ومحافظات الرقة ودير الزور والحسكة، كما تواصل الشبكة مراجعة وجمع المزيد من الأدلة والمعلومات والشهادات الميدانية.

وأدانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، استهداف المدنيين وقتلهم بصورة مباشرة على يد “قوات سوريا الديمقراطية”، معتبرة هذه الأفعال انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وحقوق المدنيين.

استنتاجات قانونية

ووفقًا للاستنتاجات القانونية، الذي خلص إليها تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يعد استهداف المدنيين العزل، بمن فيهم الأطفال، انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما أن استخدام القناصة لاستهداف أشخاص خارج نطاق الأعمال القتالية يشكل قتلًا متعمدًا للمدنيين، وينتهك القواعد الأساسية لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.

بالإضافة إلى أن استهداف مناطق مدنية مأهولة بالقصف الأرضي والطيران المسير قد يرقى إلى هجمات عشوائية أو غير متناسبة، وهو أمر محظور بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية.

ويعتبر، تفجير الجسور وإعاقة حركة السكان المدنيين دون مبرر عسكري واضح، إجراءً يمس البنية التحتية ذات الطابع المدني، وينتهك حقوق السكان في التنقل وفي تسيير حياتهم اليومية.

أما اختطاف أحد المدنيين ثم قتله لاحقًا يشكل جريمة اختفاء قسري متبوعة بقتل خارج نطاق القانون، وهو انتهاك جسيم لالتزامات الحماية المقررة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وللقواعد الآمرة ذات الصلة بحماية الحق في الحياة.

توصيات لإجراء التحقيقات والمساءلة

قدمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، عددًا من التوصيات في تقريرها، تضمنت:

    التحقيق والمساءلة: دعت الشبكة السلطات الوطنية والجهات الدولية المعنية إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في عمليات القتل التي ارتكبت بحق المدنيين في محافظة الرقة في 18 من كانون الثاني الحالي، وتحديد المسؤولين عنها، وإحالتهم إلى العدالة بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي.

    حماية المدنيين: التشديد على ضرورة الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة أثناء العمليات العسكرية، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية من أي استهداف مباشر أو عشوائي، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

    وقف الإفلات من العقاب: العمل على وضع آليات فعالة لمنع الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة، بما يشمل تعزيز الرقابة على سلوك القوات والأطراف المتحاربة، وضمان مساءلة أي جهة أو عنصر يثبت تورطه في الانتهاكات.

    دعم الضحايا والمتضررين: توفير الحماية والرعاية للضحايا وذويهم، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان جبر الضرر والتعويض عن الخسائر التي لحقت بالأرواح أو الممتلكات.

    التوثيق المستمر: الاستمرار في عمليات الرصد والتوثيق المستقل لجميع الانتهاكات، بما في ذلك جمع الأدلة والشهادات الميدانية، بما يعزز فرص المساءلة ويصون حق الضحايا في الحقيقة والعدالة.

———————————

 “صيدنايا الرقة”.. سجن عايد في الطبقة وجه مظلم لسجون قسد/ عبد الغني العريان

2026.01.23

بعد سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي، بدأت تتكشف واحدة من أكثر الملفات الأمنية حساسية في المنطقة، مع دخول وسائل إعلام محلية إلى سجن عايد، أحد أبرز المعتقلات الذي كان يديرها “قسد”، والذي بات يُعرف شعبياً باسم “صيدنايا الرقة”.

السجن، الذي ظل لسنوات خارج أي رقابة مستقلة أو تغطية إعلامية حقيقية، ظهر فجأة إلى العلن كموقع فارغ من سجلاته، خالٍ من بعض معتقليه، لكنه ممتلئ بالدلائل المادية على منظومة اعتقال مغلقة، قائمة على العزل والتعذيب والتغييب القسري.

أهالٍ يبحثون في الفراغ

عند البوابة الرئيسية للسجن، لم يكن أول ما لفت الانتباه الأسلاك الشائكة أو السواتر الترابية المرتفعة، بل تجمهر عشرات الأهالي، بعضهم يحمل صور أبنائه، وآخرون يكتفون بذكر الأسماء، في محاولة أخيرة لمعرفة مصير ذويهم.

وقال والد الطفل “جمال علي الخلف” الذي اعتقل قبل سنة بتهمة أمنية لـ تلفزيون سوريا: “وصلتنا معلومات تؤكد أن أبناءنا كانوا محتجزين في سجن عايد، وبعد سيطرة قوات الحكومة السورية توجهنا إلى السجن بأنفسنا، لكننا تفاجأنا بأنه شبه فارغ، لا توجد قوائم أسماء، بدا الأمر وكأن المعتقلين اختفوا تماماً، بينما لاحظنا خروج عدد ضئيل من المساجين والذين لا يتجاوز عددهم 3 أشخاص”.

ويضيف: “كان هناك عشرات العائلات أمام البوابة، الجميع يسأل السؤال نفسه: أين أولادنا؟ ولم يكن لدى أحد أي رد واضح”.

هذه الشهادات تتقاطع مع إفادات ناشطين محليين أكدوا أن عملية إفراغ السجن تمت قبيل انسحاب “قسد”، حيث جرى نقل بعض المعتقلين إلى محافظتي الحسكة والقامشلي بعد اقتراب السيطرة على مدينة الطبقة من قبل الجيش السوري.

شهادة من داخل السجن

من أوائل الإعلاميين الذين دخلوا إلى السجن بعد السيطرة عليه، الصحفي الاستقصائي مصعب الياسين والذي وثّق المشاهد الأولى من الداخل.

يقول الياسين في تصريح خاص لـ موقع تلفزيون سوريا: “عند وصولي إلى سجن عايد، ومشاهدتي للسواتر الترابية المرتفعة حوله، والأسلاك التي تعلو الجدران، والكاميرات المنتشرة في محيطه، شعرت لوهلة أنني أمام سجن صيدنايا. وما زاد من دهشتي هو تجمهر عدد كبير من الأهالي على باب السجن وهم يسألون عن أحبائهم المفقودين”.

ويضيف: “بعد دخولنا إلى ساحة السجن، لاحظنا وجود نقاط حراسة عديدة وأسلاك شائكة داخل السور الداخلي. كانت هناك أبواب حديدية سميكة للغاية، بعضها مغلق بإحكام وبعضها مفتوح، داخل السجن شاهدنا غرفاً جماعية مخصصة لاحتجاز المعتقلين، تحتوي على أسرّة حديدية، لكنها خالية تماماً من أي وسيلة للتدفئة أو التبريد”.

ويؤكد الياسين أن أكثر ما أثار صدمته كانت الزنازين الانفرادية: “الزنازين كانت بأبواب حديدية سميكة، وجدرانها مكسوة بالسيراميك، وهو أمر غير مألوف حتى في السجون التي سبق أن رأيناها، هذا النوع من الجدران يزيد من برودة المكان، وعدد كبير من الزنازين كانت ذات رائحة نتنة، وخالية من أي مقومات للحياة الإنسانية، فلا نوافذ ولا تهوية ولا إنارة طبيعية”.

ويتابع: أما غرفة إدارة السجن، فبدت خالية تماماً من أي أثر إداري: “لم نعثر على أي سجلات أو وثائق، وجدنا مصنفات فارغة فقط، ما يشير إلى أن قوات قسد قامت بإزالة جميع الملفات وإتلافها قبل انسحابها من السجن”.

منفردات لكسر الجسد والإرادة

بحسب الصور التي نشرت عن السجن؛ الزنازين الانفرادية في سجن عايد صُممت بطريقة تهدف إلى إنهاك المعتقل جسدياً ونفسياً. إحدى أبرز سماتها أن أرضية المنفردة مقطوعة من منتصفها بارتفاع حاد، بحيث لا يستطيع المعتقل التمدد أو الاستلقاء بشكل كامل، ما يفرض عليه البقاء في وضعية جلوس أو وقوف لساعات طويلة.

كما تنتشر كاميرات مراقبة داخل الزنازين نفسها، ما يلغي أي مساحة خاصة للمعتقل حتى في أكثر لحظاته ضعفاً. ولا تحتوي المنفردة على أي مرافق صحية، حيث يُجبر المعتقل على قضاء حاجته داخل الزنزانة نفسها، في زوايا ضيقة، من دون ماء أو تهوية، في ظروف تفتقر إلى أبسط معايير الكرامة الإنسانية.

من بين المعتقلين الذين خرجوا من سجن عايد بعد السيطرة عليه، الشاب حسن أحمد الحمادي، الذي اعتُقل عام 2019، وكان حينها في الثالثة عشرة من عمره، ويبلغ اليوم أكثر من 19 عاماً.يقول حسن في شهادته لـ موقع تلفزيون سوريا: “عندما دخلت السجن لأول مرة كنت طفلاً، ولم أكن أفهم سبب اعتقالي، في الأيام الأولى من التحقيق، تعرضت للشبح، حيث كانوا يعلقونني من يدي لساعات طويلة، ويُتركون جسدي معلقاً في الهواء حتى أفقد الإحساس بكتفي وذراعي”.

ويروي حسن أن أسوأ ما مر به كان الحبس في الزنازين الانفرادية: “وُضعت في زنزانة انفرادية أرضيتها غير مستوية ومقطوعة من المنتصف، ولم أكن أستطيع الاستلقاء بشكل كامل، وكنت أضطر لقضاء حاجتي في زاوية الزنزانة، الكاميرا كانت فوق رأسي طوال الوقت، ولا توجد أي لحظة خصوصية”.

ويؤكد أن المعتقلين المصنفين “أكثر أمناً” كانوا يُجبرون على أداء أعمال قسرية: “كانوا ينقلوننا لحفر أنفاق والعمل لساعات طويلة تحت الأرض”.

أما الطعام، فيصفه بأنه بالكاد يصلح للبقاء على قيد الحياة: “كنا نحصل على وجبة واحدة في اليوم، عبارة عن نصف رغيف خبز يابس، من دون أي طعام آخر”.

ويعتبر الصحفي الاستقصائي مصعب الياسين أن ما كُشف داخل سجن عايد لا يمكن التعامل معه بوصفه حالات فردية أو تجاوزات معزولة، بل يعكس نموذج احتجاز متكامل قائم على الاعتقال خارج إطار القانون، والعزل المطلق، واستخدام التعذيب كأداة منهجية للتحقيق والضبط. ويرى الياسين أن إفراغ السجن من سجلاته وإتلاف الوثائق قبل الانسحاب يشير إلى محاولة واضحة لطمس الأدلة وإعاقة أي مسار مساءلة لاحق.

ويضيف أن غياب أي قاعدة بيانات رسمية للمعتقلين يضع آلاف العائلات أمام واقع غامض ومفتوح على احتمالات خطيرة، ويجعل مسألة الكشف عن مصير المحتجزين أولوية إنسانية وقانونية ملحة، تتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، يضمن حق الضحايا في المعرفة والمساءلة.

تلفزيون سوريا

—————————-

اللامركزية والفدرالية في سوريا.. أدوات حكم أم مسارات تفكيك؟/ ميسون محمد

21 يناير 2026

في الخطاب السياسي السوري المتداول منذ عام 2012، جرى تقديم مفهومي الفدرالية واللامركزية السياسية بوصفهما حلولًا تقنية لأزمة حكم مزمنة، أو مخارج “عقلانية” لإدارة التنوع وضبط الانهيار. غير أن هذا التأطير، رغم جاذبيته الظاهرية، يتجاهل السياق الحقيقي الذي وُلدت فيه هذه المشاريع، ويتغافل عن كونها لم تنشأ كاستجابة وطنية داخلية، بل كأدوات جيوسياسية أُدرجت ضمن مسارات تقسيم فعلية، صامتة أحيانًا وصريحة أحيانًا أخرى، تقودها قوى دولية وتنفذها سلطات أمر واقع ذات طبيعة ميليشياوية.

تفكك السيادة وإعادة توزيع السيطرة

المشكلة البنيوية في سوريا لم تكن يومًا غياب شكل إداري ملائم، بل طبيعة الدولة الأمنية المركزية التي أُفرغت فيها السياسة من مضمونها، وتحولت فيها المؤسسات إلى واجهاتٍ للسلطة لا أدواتٍ للمساءلة. غير أن انهيار هذه الصيغة بعد 2011 لم يُفتح على مسار إصلاحي سيادي، بل على فراغ سيادي استثمرته قوى خارجية عبر تفكيك المجال السوري إلى مناطق نفوذ.

في هذا السياق، لم تظهر اللامركزية كخيار دستوري نابع من حوار وطني، بل كآلية لإدارة مناطق خارجة عن سيطرة المركز، ضمن منطق “الاستقرار مقابل التفويض”. النتيجة لم تكن نقل صلاحيات ضمن دولة واحدة، بل تعدد مراكز القرار، وتفكك السيادة، وتحول الجغرافيا إلى وحدات أمنية–اقتصادية منفصلة.

الفدرالية بوصفها أداة ضبط لا عقدًا سياسيًا

الفدرالية، بوصفها مفهومًا دستوريًا، تفترض شروطًا صارمة: وحدة سياسية سابقة، توافقًا وطنيًا، مؤسسات ضامنة، وهوية جامعة قادرة على استيعاب التعدد. ما جرى في سوريا هو العكس تمامًا. جرى استدعاء المصطلح في ظل حرب، وانهيار مؤسسات، وتدخلات عسكرية مباشرة، ليصبح المصطلح أداةً لإضفاء شرعية سياسية على واقع قسري.

هنا تتحول الفدرالية من عقد سياسي إلى آلية ضبط جيوسياسي: تقسيم المجال، إدارة الموارد، منع عودة الدولة المركزية، وإنتاج كيانات وظيفية قابلة للتفاوض الدولي. ليست صدفة أن تُطرح هذه المشاريع في المناطق ذات الثقل النفطي أو الحدودي، ولا أن ترتبط بخطاب “حماية المكونات” في غياب أي ضمانات قانونية حقيقية.

“قسد”.. من فاعل محلي إلى ذراع تنفيذية

ضمن هذا المشهد، لعبت “قسد” دورًا محوريًا. فهي لم تكن مجرد فاعل محلي يسعى لإدارة شؤونه، بل سلطة أمر واقع ذات بنية عسكرية–أمنية، تستند إلى دعم دولي مباشر، وتُعيد إنتاج نموذج حكم فوق–مجتمعي، لا يستند إلى عقد اجتماعي بقدر ما يستند إلى موازين القوة.

خطاب “الإدارة الذاتية” الذي رفعته “قسد”، ولا تزال، يخفي تناقضًا جوهريًا: الحديث عن ديمقراطية محلية في ظل احتكار السلاح، وإقصاء القوى السياسية الأخرى، وإدارة الموارد دون تفويض وطني. هذا التناقض ليس عرضيًا، بل بنيويًا؛ إذ إن المشروع ذاته لا يقوم على الاندماج في دولة سورية معاد بناؤها، بل على ترسيخ كيان سياسي – أمني منفصل قابل للتكيّف مع المصالح الدولية المتغيرة.

السبب – النتيجة – الأثر البعيد

السبب الأولي هو غياب مسار وطني جامع لإعادة بناء الدولة بعد 2011، واستبداله بمقاربات أمنية دولية تبحث عن الاستقرار لا العدالة. النتيجة المباشرة كانت تفويض سلطات محلية مسلحة لإدارة مناطق كاملة خارج أي إطار سيادي. أما الأثر البعيد، فهو أخطر: تطبيع التقسيم، وتحويله إلى أمر واقع قانوني وسياسي يصعب التراجع عنه.

هذا المسار لا يُنتج استقرارًا، بل يؤسس لصراعات مؤجلة. فحين تُدار المناطق على أساس هويات فرعية، وتُربط الموارد بالقوة العسكرية، يصبح الصدام مسألة وقت. بعد عام 2024، ومع تغير موازين القوى الدولية أو تراجع بعض أشكال الحماية، قد تنفجر هذه التناقضات في شكل صراعات طائفية–إثنية، لا لأن المجتمع السوري محكوم بها، بل لأن البنية المفروضة عليه تُغذّيها.

الفجوة بين الخطاب والواقع

أخطر ما في مشاريع الفدرالية واللامركزية المطروحة اليوم هو الفجوة بين خطابها وواقعها. فهي تُسوّق بوصفها حلولًا لتفادي التفكك، بينما تُمارس عمليًا كآليات لتعميقه. تُقدَّم كضمانة للتنوع، بينما تُدار بمنطق أمني إقصائي. تُطرح كبديل عن الدولة المركزية، دون أن تُجيب عن سؤال: أي دولة ستبقى إذا تحولت كل منطقة إلى كيان شبه مستقل؟

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا بحاجة إلى لامركزية أو لا، بل: من يملك حق تعريفها، وفي أي سياق، ولأي غاية؟ هل هي أداة لإعادة توزيع السلطة داخل دولة موحدة، أم غطاء ناعم لتفكيكها تحت مسميات دستورية؟ ما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة، ويُعاد ربط أي نقاش إداري بمشروع وطني سيادي شامل، ستبقى الفدرالية واللامركزية في سوريا ليست حلولًا لأزمة الحكم، بل مراحل متقدمة في أزمة الكيان ذاته.­

الترا سوريا

—————————–

ما القصد من تملص “قسد”؟/ سعد بن طفلة العجمي

طموحات بعض كوادر حزب “العمال الكردستاني” بحلم الدولة الكردية المستقلة لم تتلاش أو تنته

الجمعة 23 يناير 2026

تقف إسرائيل وراء استمرار ودعم “قسد”، ليس حباً بالأكراد، لكن دعماً لاستراتيجية عدم الاستقرار السوري من جهة، وكنهج وجودي يعمل على تمزيق محيطها لدويلات طوائف وعرقيات عدة ومتصارعة دوماً، لكن تل أبيب تواجه ضغطاً أميركياً يحثها على التفاهم مع القيادة الجديدة في دمشق.

اتفقت الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مع قائدها مظلوم عبدي على الاندماج في الدولة السورية وإنهاء حالة الانفصال بالشرق السوري في مارس (آذار) 2025، وذلك مقابل مطالب مشروعة بتثبيت حقوق الأكراد ولغتهم وثقافتهم كالتزام دستوري بدولة سوريا الجديدة.

منذ ذلك التاريخ والاندماج لم يتحقق، وتاريخ التنفيذ يتمدد من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) حتى اندلع الاقتتال بين الطرفين في حلب، ثاني أكبر المدن السورية، قبل أسبوعين، واستمر لعدة أيام خسر فيها الطرفان عشرات القتلى والجرحى وعشرات الآلاف من المهجرين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود بشرق حلب.

حسمت القوات الخاصة التابعة للدولة السورية المعركة خلال ساعات بمساعدة من قوات قبلية كانت بصف الأكراد، لكنها انقلبت عليهم بعدما ضاقت بهم ذرعاً، واستمر تراجع الأكراد إلى جيب صغير اليوم بتفاهمات وتقدم عسكري للقوات الحكومية السورية.

تأسست “قسد” قبل 10 أعوام وكانت شريكاً للولايات المتحدة الأميركية بشرق سوريا في محاربة “داعش”، وسيطرت على ما يقارب ربع مساحة سوريا في أهم مناطقها التي تحوي النفط والغاز (50 ألف كيلومتر مربع من أصل 185 ألف كيلومتر مربع إجمال مساحة سوريا)، لكنها كانت تسيطر على مناطق بشرق سوريا غالبية سكانها من العرب وليسوا من الأكراد الذين لا يشكلون أكثر من 20 في المئة من السكان.

ينحي معظم المراقبين باللائمة على الأكراد في المماطلة بتنفيذ اتفاق الاندماج بالدولة السورية الجديدة، ويرى الأكراد أن الاندماج يعني التنازل عن مكاسب نفطية وغازية تحققت لهم بالشرق السوري، ويعني الاندماج أيضاً نهاية مشروعهم الذي يطمحون بأن يكون شبيهاً بمشروع كردستان العراق التي أصبحت دولة داخل الدولة العراقية: لها علمها وسلامها الوطني ولغتها ومدارسها ونفطها –بل وحتى دخول بقية العراقيين إليها يحتاج إلى تأشيرة! أكراد سوريا منشقون بينهم، فهناك عناصر لا تزال متأثرة بحزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي ليس من قبل تركيا وحدها بل من قبل الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

وعلى رغم أن حزب العمال الكردستاني قد حل نفسه في مايو (أيار) الماضي، إلا أن طموحات بعض عناصره وكوادره بحلم الدولة الكردية المستقلة وتحقيق ذلك بالعمل المسلح لم تتلاش أو تنته. والمماطلة الكردية تراهن على عامل الوقت وتقلبات الدهر بمنطقة الشرق الأوسط وما أكثرها وأسرعها وأغربها، فقبل عام تقريباً، كان اسم الشرع أبا محمد الجولاني، وكان مطلوباً للولايات المتحدة الأميركية، وكانت جائزة معلومات تؤدي إلى اعتقاله تبلغ 10 ملايين دولار، ثم أصبح حليفاً محتملاً لواشنطن وشريكاً محتملاً للسلام مع إسرائيل.

تقف إسرائيل وراء استمرار ودعم “قسد”، ليس حباً بالأكراد، لكن دعماً لاستراتيجية عدم الاستقرار السوري من جهة، وكنهج وجودي يعمل على تمزيق محيطها لدويلات طوائف وعرقيات عدة ومتصارعة دوماً، لكن تل أبيب تواجه ضغطاً أميركياً يحثها على التفاهم مع القيادة الجديدة في دمشق، ويحث على استقرار سوريا أملاً في تحقيق مصالح واستثمارات ضخمة، ولقطع الطريق على عودة روسيا لسوريا أو دخول صيني مؤثر بها، والولايات المتحدة الأميركية تدرك التمزق الكردي واستحالة التوفيق بين أجنحته، ولا تريد أن تفرط بتحالفها مع تركيا من ناحية، ومع القادمين الجدد بسوريا ما بعد الأسد، وهو ما قاله السفير الأميركي لدى تركيا ومندوبها لسوريا توم باراك علانية، إن دور “قسد” انتهى، وعليها حل نفسها والاندماج بالدولة السورية.

خلاصة القول إن الأكراد ماطلوا وراهنوا على عوامل غير منطقية، وصعبة التحقيق، وليس لهم من حل سوى الاندماج بالدولة السورية الجديدة التي ستحقق لهم مطالبهم وتحفظ لهم حقوقهم كمواطنين سوريين بخصوصية قومية كردية، أما التسويف والمراوغة والمماطلة، فلن تؤتي ثمارها وقد يأتي يوم يندمون فيه على ضياع فرصة تاريخية للاندماج وتحقيق المطالب.

———————————–

 المعركة مع قسد.. اختبار جديد للشرق الأوسط الذي تريده واشنطن/ محمد فواز

2026.01.23

مع انطلاق عمليات الشرق الأوسط الجراحية في السنوات الأخير، من غزة إلى لبنان وطهران والخليج وحتى إفريقيا، من دون أن ننسى انقلاب المشهد كاملًا في سوريا، يبرز السؤال الأهم على الطاولة، والذي لم يتحرّك عن وسطها منذ بداية المرحلة وهو: أيّ شرق أوسط تريد الولايات المتحدة الأميركية؟

فصحيح أن الشرق الأوسط الذي تريده إسرائيل بات معروفًا للجميع، وتُكرّره في العلن والسرّ، وهو الشرق الأوسط المفتّت سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا – على أقلّ تقدير – إلا أنّ تبنّي الولايات المتحدة لهذا المشروع من عدمه، وإلى أي مدى قد تتماهى واشنطن مع كامل التوجّه الإسرائيلي، ظلّ أمرًا غير واضح. عند كل منعطف ومرحلة مهمّة، كان هذا السؤال يعود إلى الواجهة، وتتقدّم الترجيحات. أمّا هذه المحطة الأخيرة في سوريا والمتمثلة في المعركة الدائرة مع «قسد»، فهي تعزّز مسارًا سابقًا يرجّح عدم تطابق التوجّهين الإسرائيلي والأميركي في المنطقة.

منذ سقوط الأسد وتسلّم القيادة الجديدة السلطة في سوريا، اعتُبر ملف «قسد» أحد أهم الملفات وأكثرها تعقيدًا في البلاد، وهو يأتي مباشرة بعد ملف الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد من حيث الصعوبة. وُقّع اتفاق في 10 آذار/مارس 2025 وقضى بوقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، مع ضمان حقوق المكوّن الكردي وعودة المهجّرين ورفض دعوات التقسيم، على أن تُستكمل آليات التنفيذ قبل نهاية 2025. لكن الواقع يقول عكس صورة القادة الباسمة عند توقيع الاتفاق. الحقيقة أن أي اتفاق كان من المتوقع أن يكون هشًّا، نظرًا لاختلاف عاملين أساسيين: اختلاف وجهات النظر بين دمشق و«قسد» حول دور ومكانة وشكل الأخيرة في المرحلة المقبلة، والعامل الآخر هو اختلاف قراءة المشهد الدولي.

فـ«قسد» صُنعت على عين الولايات المتحدة الأميركية، وهي تحمي أماكن حسّاسة بالنسبة لها، مثل حقول النفط السورية، وسجون «داعش»، ونقطة جغرافية محورية، فضلًا عن كونها أحد أعمدة مشروع التدخّل عبر شعار حماية الأقليات في المنطقة والذي تستمر إسرائيل في اللعب عليه. هذه المعطيات وغيرها دفعت «قسد» إلى التعويل على أنّ الولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل، يستحيل أن تتخلّى عنها، أو أن تُفضّل القيادة السورية الجديدة عليها، أو على أقلّ تقدير ألّا تتدخّل لردعها عن استعادة مناطق تسيطر عليها «قسد».

في المقابل، كانت قراءة القيادة السورية مختلفة؛ إذ رأت أنّ الولايات المتحدة غير متمسّكة بملف «قسد» بالشكل الذي تتخيله هي، على أن يتم احتواؤه والتعاطي معها بحذر، كي لا تُثار حساسيات تسعّرت بعد الأخطاء التي برزت في التعاطي مع ملف السويداء خاصة. لكن العنوان السوري العريض كان واضحًا: استعادة مناطق من نفوذ «قسد»، ولا سيّما المناطق العربية منها، لا يواجه «فيتو» أميركيًا.

غير أنّ هذا العنوان لم يكن كافيًا لإطلاق عملية واسعة في مواجهة «قسد»، بل سبقه تحضير سوري كبير. أولًا، تعزيز وتثبيت مسار الاتفاقات والتواصل، في محاولة لاحتواء الموقف من دون تصعيد من جهة، وللتأكيد للولايات المتحدة من جهة أخرى أن الطرف الذي يرفض تطبيق الاتفاقات هو «قسد». ثانيًا، مدّ جسور التواصل مع العشائر العربية في الشرق.

ثالثا، إعطاء الملف وقته في التحضير العسكري، ناهيك عن التنسيق مع تركيا، صاحبة الاهتمام الأكبر بهذا الملف. وأخيرًا، جاء ترك افتتاح المعركة لـ«قسد» من جهة، مع تأكيد القيادة السورية استعدادها للحوار والاتفاقات، بالتوازي مع تركيز عملياتها على الأرض، وتوسيع مروحة التواصل الخارجي، والحرص على التطمين في ملف سجناء «داعش»، والابتعاد عن التجاوزات الميدانية.

أمّا النقطة التي لا يمكن التغافل عنها، فهي توقيت العملية. ففي مراحل سابقة، اختارت القيادة السورية لحظة التحرير بعناية. واليوم يتكرّر المشهد نفسه، إذ يأتي التوقيت في لحظة تنشغل فيها الولايات المتحدة خارجيًا بملفات تراها أكثر أهمية من ملف «قسد»، على رأسها إيران وفنزويلا وغرينلاند.

أمّا داخليًا، فالورقة التي كانت تُطلب من دمشق منذ وقت طويل، والمتعلّقة بحقوق الأكراد، فقد جرى ادّخارها أيضًا للحظة التفاوض الأخيرة، لتكون بذلك أحد أعمدة أيّ اتفاق ختامي. وبهذه الحالة، تُدرج هذه التقديمات ضمن ما تقدّمه القيادة السورية في مرحلة إنهاء الصراع، لا في مرحلة سابقة عليه، فتُؤخذ بوصفها تحصيل حاصل في لحظة التفاوض الأخيرة.

عمليًا، ينتصر حتى الآن توجّه دمشق، الذي يراهن على أنّه، في حدود المناطق العربية على الأقل، لن يكون هناك «فيتو» أميركي، مع الحاجة الدائمة إلى تطمينات اجتماعية وسياسية، خارجية وداخلية، وهو ما جرى بالفعل.

وقد ظهر الموقف الأميركي بوضوح مع التقدّم السوري شرقًا، وعدم اندفاع واشنطن لحماية «قسد»، بل مباركتها للاتفاق الذي بدا أقرب إلى مطالب دمشق، والذي عادت «قسد» لترفضه معلنةً النفير العام. لكن عمليا كانت المباركة الأميركية للاتفاق حاضرة، على لسان المبعوث الأميركي توم باراك، لتعزَّز أكثر عبر اتصال جرى بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس دونالد ترامب، أكّد عمليًا مباركة الولايات المتحدة لعمليات دمشق شرقًا، ولو كان ذلك على حساب «قسد»، «الشريك التاريخي» للولايات المتحدة، كما وصفها باراك.

صحيح أنّ المعركة لم تنتهِ بعد، وأنّ «قسد» ما تزال حاضرة في معاقلها الكردية الأهم بالنسبة لها، إلا أنّ إمساكها بالمرافق الأساسية وبالسردية الجوهرية تراجع بشكل كبير. في المقابل، تعزّز مسار أميركي في المنطقة يدفع باتجاه تقسيم خريطة النفوذ بين الحلفاء، بصورة تعتبرها الولايات المتحدة متوازنة وتُريحها في إدارة التعامل مع المنطقة، كما تضمن أمن إسرائيل، من دون أن يعني ذلك تغوّلها التام على حلفائها الآخرين، وفي مقدّمتهم السعودية وتركيا. وعليه، يمكن القول إنّ المعركة الأخيرة تعزّز استراتيجية واشنطن القائمة على ترسيم الحدود بين الحلفاء في المنطقة، على حساب منهج تسليم الحلفاء العرب والأتراك تماما لإسرائيل ومشروعها، كما تريد الأخيرة.

أخيرا، فصحيح أنّ الموازنات الدولية تشكّل عمودًا أساسيًا، إلا أنّ العمود الثاني الذي حضر في المعركة مع «قسد»، ومن المهم جدًا تعزيزه وتعميمه جغرافيًا واجتماعيًا، هو سياسة الاحتواء المجتمعي على حساب سياسة الاستقواء والإسراف في الدماء، وهو تطوّر أساسي برز في هذه المواجهة.

تلفزيون سوريا

—————————–

 نفط سوريا بين الماضي والحاضر.. ماذا ربحت الحكومة وخسرت قسد؟/ علي دربج

الجمعة 2026/01/23

تشهد الخريطة الجيوسياسية في سوريا تطوّرات وتحولات نوعية استراتيجية متسارعة ولافتة، وآخرها بسط الجيش السوري سيطرته على منطقة شرق الفرات وانتزاعها من قبضة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والأهم إحكام سيطرته على المرافق والمنشآت الحكومية النفطية التي كانت إيراداتها تذهب إلى جيوب “قسد”، بحسب شهادة مسؤولين في البنتاغون الأميركي.

النفط السوري

في الحقيقة، كان النفط يشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل عام 2011، إذ بلغ الإنتاج نحو 380 ألف برميل يومياً، وكان يساهم بما يقارب 25٪ من إيرادات الدولة (الأرقام تعود لمنصة “L24” الإخبارية المستقلة).

وفي الإطار ذاته، ووفقاً لدراسات دقيقة أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010، قُدِّرت الاحتياطات النفطية في سوريا بنحو 27 مليار برميل من النفط، و678 مليار متر مكعب من الغاز، هذا دون احتساب احتياطيات المناطق البحرية.

لكن مهلا، فخلال حكم الديكتاتور بشار الأسد، خرجت معظم حقول النفط والغاز السورية في شمال شرق البلاد وشرقها عن سيطرة نظامه، إلى درجة أن ربع مساحة سوريا الواقعة شرق الفرات – بما فيه محافظة دير الزور الغنية بالموارد – كان يخضع لسيطرة “قسد” بدعم أميركي، متضمّناً أهم الحقول النفطية السورية.

وتبعاً لذلك، تراجع إنتاج النفط ـــ على ذمّة وزير النفط والثروة المعدنية السوري غياث دياب في حديث له مع شبكة “CNBC” عربية في 13 كانون الثاني/يماير 2025 ــــ من 385 ألف برميل يومياً عام 2010، إلى ما يقارب 110 آلاف برميل (حتى تاريخ دخول القوات الحكومية إلى مناطق “قسد”)، موزَّعة ما بين 100 ألف برميل تُنتَج من الحقول التي كانت تسيطر عليها الأخيرة، و10 آلاف برميل تُستخرج من الحقول الخاضعة للسلطة الجديدة في دمشق.

الحقول النفطية المسترجعة من “قسد”

بالتوازي مع مسار التسوية، وبعد توقيع “قسد” تسوية شاملة وطويلة مع حكومة الشرع، انتهت المعارك التي خاضها الجيش السوري في 17 و18 كانون الثاني الجاري، ببسط نفوذه على حقول نفط وغاز إستراتيجية في شرق البلاد، ما لبثت أن تسلّمتها الشركة السورية للبترول، وأهمها:

1 ـــ حقل العمر: يُعدّ أكبر حقول النفط في سوريا من حيث طاقته الإنتاجية، التي بلغت قبل عام 2011 حوالى 80 ألف برميل يومياً، وبذلك شكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية. غير أنه ينتج حالياً نحو 20 ألف برميل يومياً، وفق “غلوبال إنيرجي مونيتور”.

2 ـــ حقل التنك النفطي: تشير تقديرات غير رسمية (بحسب منصة “الطاقة” الإخبارية ومقرها واشنطن) إلى ان احتياطياته تتجاوز 250 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة. ولهذا يُعتَبَر من الحقول الرئيسية الواقعة في حوض الفرات النفطي شرق دير الزور، إذ كان ينتج 40 ألف برميل يومياً عام 2011، فيما يُقدَّر إنتاجه اليوم بنحو 1000 برميل، ويُصنَّف ضمن الحقول متوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبياً.

3 ـــ حقل الجفرة النفطي: يقع شرق دير الزور، حيث انخفض إنتاجه من حوالى ألفي برميل يومياً قبل الحرب، إلى نحو ألف برميل يومياً تحت سيطرة “قسد”.

4 ـــ حقل كونيكو للغاز: يقع شرق دير الزور، وكان أكبر معمل لمعالجة الغاز في سوريا قبل الحرب بطاقة إنتاج وصلت إلى حوالى 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إلّا أنه توقّف عن العمل منذ سنوات نتيجة الأضرار التي أصابته وانسحاب الشركة الأميركية من الاستثمار فيه بعد سيطرة “قسد” عليه.

أما حقول رميلان والسويدية (محافظة الحسكة)، فتضمّان أكثر من ألف و300 بئر نفط و25 بئر غاز، وقد بلغ إنتاجها في ذروة ما قبل الحرب نحو 90 ألف برميل يومياً، لكن إنتاجها تراجع حالياً إلى حوالى 9 آلاف برميل يومياً فقط، بسبب نضوب المخزون وتقادم الآبار.

بدورها، تحوي حقول نفط الرقة، حقل الثورة جنوب غرب الرقة وعدداً من الحقول الصغيرة المجاورة مثل: (الوهب، الفهد، دبيسان، القصير، أبو القطط، وأبو قطاش قرب الرصافة). واللافت أن إنتاجها كان متواضعاً تاريخياً، بحيث لا يتجاوز بضعة آلاف برميل يومياً، فيما تنتج حالياً مجتمعة نحو ألفي برميل يومياً.

الجدير بالذكر أن هذا التحوّل الميداني أدّى إلى تجدّد اهتمام الشركات الدولية العاملة في القطاع، إذ تستعد شركة “غلف ساندز” (Gulfsands)، التي تمتلك حصة تشغيلية رئيسية في البلوك 26 الواقع في شمال شرق سوريا (محافظتا الحسكة ودير الزور)، لاستئناف أنشطة الاستكشاف والإنتاج مع تحسّن الظروف الأمنية.

ماذا عن إنتاج الغاز في سوريا؟

يُقدَّر الاحتياطي السوري من الغاز بحوالَي 240 مليار متر مكعب، 60٪ منها غاز مُصاحِب (أي الغاز الطبيعي الذي يوجد مع النفط الخام في المكمن نفسه ويخرج معه أثناء عملية استخراج النفط)، استناداً إلى بيانات رسمية حكومية من عهد نظام الأسد.

بالمقابل، أكّد وزير الطاقة السوري محمد البشير، في تصريح نقلته “وكالة رويترز”، في 14 كانون الأول الماضي، أن “سوريا تنتج حالياً قرابة 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً”، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يأتي من الحقول الواقعة أصلاً ضمن مناطق سيطرة الدولة، وخصوصاً وسط البلاد، بينما لم تسهم حقول الغاز في مناطق “قسد” سابقاً إلّا بحوالى 1.1 مليون متر مكعب يومياً قبل استعادتها. ومع دخول الحقول الجديدة ضمن الخدمة الحكومية مستقبلاً، يُتوقّع ارتفاع الإنتاج المحلي بشكل ملموس.

في المحصّلة، كانت الحقول النفطية المسترجعة من “قسد” مصدر تمويل رئيسي لإدارتها الذاتية، إذ حقّقت إيرادات تُقدَّر بنحو 150 مليون دولار سنوياً من خلال ترتيبات مقايضة مع الحكومة السورية السابقة والأهم عمليات بيع في السوق السوداء، حيث كان القسم الأكبر من النفط يتّجه نحو شمال العراق عبر طرق التهريب غير النظامية، بعد خلطه مع نفط أربيل.

المدن

—————————

رواية كردية لأحداث سوريا… وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

باحثون لـ«الشرق الأوسط»: تباين أميركي عمّق الانقسام بين تيارين كرديين

أربيل: «الشرق الأوسط»

23 يناير 2026 م

تتسع دائرة الجدل الكردي حول ما جرى أخيراً مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، بين توصيفه تراجعاً سياسياً فرضته موازين القوى الإقليمية والدولية، وبين اعتباره إعادة تموضع اضطرارية بانتظار اتضاح ملامح تسوية جديدة. وفي الحالتين، يتقاطع النقاش مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الكرد في سوريا.

واستعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا من «قسد» التي يقودها الكرد، معززة بذلك حكم الرئيس السوري أحمد الشرع بعد نحو 14 شهراً من الإطاحة ببشار الأسد.

وأعاد هذا التحول السريع في مجريات الأحداث كل سوريا تقريباً إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، وسلّط الضوء أيضاً على تحول السياسة الأميركية.

خسارة سياسية

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد»، لـ«الشرق الأوسط»، أن قواتها «لم تخض معارك ميدانية واسعة، ولا تزال تحتفظ بقوامها العسكري الذي يقدر بنحو 40 ألف مقاتل»، مشددةً على أن ما جرى «خسارة سياسية أكثر منه انهياراً عسكرياً».

وتشير المصادر إلى أن التباين الأساسي لم يكن داخل «قسد» بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا، وما انتهى إليه عملياً المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك.

وأعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها؛ فبحسب قراءات، فضلت واشنطن دعم السلطة السورية الجديدة وإدماجها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، إلى جانب العمل على تحسين علاقتها بإسرائيل وتفادي الصدام مع تركيا.

وقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا أن بلاده تفضّل التعاون مع «الدولة السورية» في محاربة الإرهاب، بدلاً من كيان غير دولتي مثل «قسد».

وبحسب المصادر، فإن الكرد، رغم توترات شهدتها مناطق الجزيرة وتمرد بعض العشائر العربية، «لا يزالون يحتفظون بعلاقات احترام مع عدد من القبائل»، في محاولة لتفادي انزلاق الوضع إلى صراع واسع.

مظلة «قسد»

يقول الباحث الكردي جبار قادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تبايناً خفياً في وجهات النظر داخل (قسد)»، موضحاً أن التنظيم يقوم على مظلة كردية أساسية تضم في إطارها تشكيلات عسكرية ذات خلفيات إثنية ودينية متعددة.

ولا يستبعد قادر تأثير التدخلات المستمرة من قيادات «حزب العمال الكردستاني»، مشيراً إلى أن رسائل زعيمه المسجون كان لها «تأثير ملموس في عملية اتخاذ القرار داخل (قسد)».

ومن هذا الواقع، برزت داخل «قسد» أجنحة براغماتية، بحسب قادر، مالت إلى تجنب الصدام المباشر مع النظام السوري، قبل الحرب وبعدها، والسعي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف الصراع. إلا أن انخراط «قسد» في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واعتماد واشنطن عليها في محاربة «داعش»، أفرز جناحاً آخر عوّل على الدعم الغربي، ما أدخل الحركة الكردية في وضع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتشار قواتها في مناطق واسعة ذات غالبية عربية.

ومع نشوء النظام السوري الجديد، برز داخل «قسد» تباين آخر بين تيار دعا إلى الانخراط المبكر مع دمشق لضمان المكاسب، وآخر فضل الانتظار خشية إعادة إنتاج دولة مركزية متحالفة مع تركيا، التي تتبنى سياسة مناهضة للحقوق الكردية.

وأضعف الانقسام وحدة القرار، وقلص قدرة «قسد» على فرض شروط تفاوضية واضحة. ويخلص قادر إلى أن القيادات الكردية «لم تكن موفقة في قراءة التحولات السياسية وتغير موازين القوى إقليمياً ودولياً».

ويشاع على نطاق واسع أن تياراً متشدداً داخل «قسد» تمثله قيادات مثل سيبان حمو وباهوز أردال، أسهم إلى حد بعيد في ضرب وحدة القرار السياسي والميداني، وقيل إنه تسبب في التصعيد الأخير في مدينة حلب.

انقسام لكنه طبيعي

ويرى الكاتب والباحث الكردي هوشنك وزيري أن تعدد الآراء داخل «قسد» كان طبيعياً، ولا يرقى إلى انقسام حقيقي، معتبراً أن جوهر الأزمة يرتبط بالسياسات الإقليمية، ولا سيما موقف تركيا من القضية الكردية في سوريا. ويقول إن أنقرة لا تعترف بوجود قضية كردية، وهو ما أسهم في تعقيد علاقة «قسد» بدمشق وتسريع المواجهات، مستفيداً من مناخات احتقان تاريخية ضد الكرد.

ويرفض وزيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، توصيف ما جرى على أنه استسلام، مؤكداً أن «قسد» لم تنهَر، بل تحاول الدفاع عن مناطقها ذات الغالبية الكردية. ويربط مستقبل الكرد برؤية السلطة السورية الجديدة، محذراً من تكرار أخطاء الأنظمة السابقة، ومشدداً على أن بناء «جمهورية للجميع» يظل السؤال الحاسم في سوريا المقبلة.

دور أربيل في التهدئة

على خط موازٍ، يبرز دور «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في العراق. ويقول كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب مسعود بارزاني، إن الحزب دعم مساعي السلام بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، واستقبل وفود الحوار، بالتوازي مع دعم المباحثات بين «قسد» والحكومة السورية الجديدة منذ أيامها الأولى.

ويرى محمود أن للحزب دوراً مهماً في وقف إطلاق النار الأخير والعودة إلى الحوار؛ ما أفضى إلى الإعلان الذي رحَّب به الرئيس مسعود بارزاني.

ويضيف محمود أن العمل جارٍ لترسيخ التهدئة وتطبيق الاتفاق «بما يحافظ على السلم والأمن المجتمعي، ويحقق ما يصبو إليه الكرد بوصفهم مكوناً أساسياً من مكونات الشعب السوري»، معتبراً أن تواصل بارزاني مع الرئيس السوري أحمد الشرع يؤكد «مكانة الحزب ودوره في إرساء أسس السلام».

سيناريوهات

أما على صعيد السيناريوهات المقبلة، فيرى قادر أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تسوية مع دمشق، حتى وإن تطلبت تنازلات مؤلمة، مثل تقليص الصلاحيات العسكرية والإدارية، ودمج «قسد» في الجيش السوري، مع ما يحمله ذلك من تحديات تنظيمية.

في المقابل، ينظر إلى التوسع التركي المحتمل بوصفه السيناريو الأخطر، لما قد يحمله من تغيير واسع في مناطق أساسية، فضلاً عن خطر عودة تنظيم «داعش»، مستبعداً في الوقت نفسه أن «يسمح الوجود الأميركي في سوريا بانزلاق الأطراف في صراع دموي طويل الأمد أو محاولة مسح الهویة الكردیة كلیاً»، على حد تعبيره.

في المحصلة، يتفق معظم المراقبين الكرد على أن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا بات رهناً بتسوية مع دمشق، مهما كانت كلفتها، باعتبارها أقل الخيارات خسارة في ظل توازنات القوى الراهنة.

الشرق الأوسط

——————————-

ماذا بقي بحوزة قسد من أسلحة وما مصيرها؟/ فراس فحام

دمشق- غاب النقاش حول مصير الأسلحة التي بحوزة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) طوال عام كامل من المباحثات مع الحكومة السورية، ولم يُدرج أي بند بشأنها في اتفاقيات الدمج المتعاقبة.

ويأتي ذلك على الرغم من أن قوات “قسد” هذه تلقت شحنات كبيرة من الأسلحة منذ انخراطها في عمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحت غطاء التحالف الدولي عام 2015.

وفي 22 يناير/كانون الثاني الجاري، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن الجيش الأمريكي يدرس بشكل جدي الانسحاب الكامل من سوريا.

وجاءت هذه التسريبات بعد أيام قليلة من إعلان المبعوث الدولي إلى سوريا توم براك انتهاء المهمة الرئيسية لقوات “قسد” المتمثلة بمكافحة تنظيم الدولة، مما يطرح تساؤلات حول مصير السلاح الذي قدمته الولايات المتحدة للتنظيم.

أنواع الأسلحة

زوّدت الولايات المتحدة في السنوات السابقة “قسد” بأنواع متعددة من السلاح، أبرزها المدرعات وعربات الدفع الرباعي، ومنها عربة أوشكوش المخصصة لأغراض القتال البرية، والمزودة بتحصين يجعلها مقاومة للألغام.

بالإضافة إلى مدرعات من طراز “كوغار” المضادة للألغام، التي تُستخدم في نقل المشاة، وعربات “هامفي” ذات الدفع الرباعي سريعة الحركة.

ومن الأسلحة التي قدمها الجيش الأمريكي لقسد منظومات الصواريخ المضادة للدروع من طرازي “تاو وجافلين”، ويمتازان بالقدرة على التوجيه عن بعد لإصابة الهدف بدقة.

ووفقا لما أكدته مصادر أمنية سورية للجزيرة نت، فإن “قسد” لديها أيضا كميات من الصواريخ المضادة للدروع روسية الصنع، من طراز كورنيت.

ورجح المصدر أن تكون “قسد” قد حصلت عليها عبر شبكات التهريب الممتدة إلى العراق، بالإضافة إلى استيلائها على كميات من هذه الصواريخ التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد.

وحصلت “قسد” على بنادق آلية أمريكية الصنعة من طرازي “إم16″ (M16)، و”إم4” (M4)، وهذه البنادق مجهزة لاختراق السترات الواقية من الرصاص.

إعلان

وظهرت بحوزة قسد قاذفات قنابل آلية من طراز “إم كي 19” (MK19)، التي يتم استخدامها لإعاقة تقدم قوات المشاة، أو في استهداف العناصر المتحصنة خلال عملية الهجوم.

وأكدت وسائل الإعلام السورية، مطلع يناير/كانون الثاني الحالي، أن “قسد” استهدفت قصر المحافظة في حلب بطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية الصنع، وذلك بعد المواجهات التي اندلعت بين الطرفين في أحياء المدينة.

وبالفعل، عرض الجيش السوري مقاطع مسجّلة عقب سيطرته على محافظة الرقة ومغادرة قوات “قسد” لها، تظهر وجود مستودعات أسلحة فيها طائرات بدون طيار انتحارية صُنعت في إيران.

وعلى الأرجح فإن النوع الأخير من الأسلحة حصلت عليها “قسد” عبر أنفاق التهريب التي تربط مناطقها بالعراق، وسبق أن أشارت تقارير تركية إلى أن حزب العمال الكردستاني يمتلك هذا النوع من الطائرات.

وكشفت المواجهات الأخيرة بين الجيش السوري و”قسد” عن استخدام التنظيم راجمات صواريخ من طراز “غراد” في قصف مواقع الجيش، ويُرجح أن هذه الراجمات كانت في السابق بحوزة الجيش السوري المتمركز في شمال شرق البلاد قبل انحلاله بعد هروب بشار الأسد.

ماذا بقي؟

أسفرت المواجهات الأخيرة بين الجيش السوري وتنظيم “قسد” عن خسارة التنظيم لكميات كبيرة من الأسلحة، ولم يعد يمتلك الحجم السابق من التسليح، خاصة بعد أن قلصت الولايات المتحدة دعمها للتنظيم تدريجيا منذ عام 2019، ليصل إلى 130 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2025، في ظل تراجع خطر عودة “تنظيم الدولة”.

وبثت وسائل الإعلام الرسمية السورية خلال المواجهات الأخيرة مقاطع فيديو عديدة لسيطرة الجيش على مستودعات أسلحة تتبع لقسد في ريف حلب والرقة ودير الزور.

كما علمت الجزيرة نت من مصادر ميدانية أن الجيش السوري تمكن في 17 يناير الجاري من تدمير مستودع أسلحة إستراتيجي ضخم تابع لقسد يقع ضمن “الفرقة 17” في أطراف مدينة الرقة، وتم استهداف المستودعات بطائرات مسيرة.

ووفقا للمصادر فإن “قسد” لا تزال تمتلك بعض مستودعات الأسلحة في منطقة القامشلي بريف الحسكة، وفيها ذخائر وطائرات مسيرة انتحارية، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الصواريخ المضادة للدروع.

وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت في نهاية عام 2018 عن مسؤولين أمريكيين وجود توصيات من قيادات عسكرية في وزارة الدفاع الأمريكية بترك الأسلحة المقدمة لقسد بحوزتها حتى انتهاء قتال “تنظيم الدولة”، لكنّ المشهد الحالي في سوريا مختلف تماما.

مصير متشابك

لم يعد لتنظيم الدولة أي سيطرة جغرافية باستثناء خلايا تحاول استئناف نشاطها، بينما أصبحت الحكومة السورية الجديدة جزءا من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، كما تقلصت مساحة سيطرة “قسد” بشكل كبير. وتؤكد التصريحات الأمريكية الرسمية على ضرورة تنفيذ اتفاق اندماج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وتوقع مدير إدارة الشؤون الأمريكية في الخارجية السورية قتيبة إدلبي بأن تُحول أمريكا الدعم الذي كانت تخصصه لقسد إلى الحكومة السورية بعد إعلان إدارة ترامب انتهاء مهمة قسد في مكافحة تنظيم الدولة، لأن واشنطن اختارت الشراكة مع الدولة السورية، وهذا سيتضمن الكثير من البرامج والعمليات المشتركة بين البلدين.

إعلان

وأكد إدلبي، في تصريحات لصحيفة الثورة السورية (شبه الرسمية)، بأنه من المنتظر أن يتم تسليم السلاح الثقيل إلى الدولة السورية ليتم إلحاقه بالترسانة العسكرية الرسمية في إطار عملية الاندماج.

وأمس الخميس، عُقدت مباحثات استضافتها أربيل في إقليم كردستان العراق، جمعت من جهة بين المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك، وقائد القيادة المركزية الأمريكي براد كوبر، وبين قائد قسد مظلوم عبدي من جهة أخرى.

وعقب الاجتماع، أكدت وفاء محمد القيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل -خلال مؤتمر صحفي- أن قسد تتعرض لضغوط أمريكية قوية من أجل حل نفسها، وبالتالي فإن مصير السلاح الذي تمتلكه بات مرتبطا بمصير التنظيم.

وتضمنت التسريبات التي نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال أمس الخميس -حول دراسة الجيش الأمريكي للانسحاب الكامل من سوريا- الإشارة إلى أن البنتاغون يرى عدم إمكانية العمل مع الجيش السوري بسبب الخلفيات الفكرية للجيش، وبالتالي يرجح المراقبون أن تتوجه واشنطن لاستعادة بعض الأسلحة الثقيلة إذا قررت الانسحاب من سوريا فعلا، وقد تشمل الأسلحة التي سيتم استعادتها المركبات المدرعة، وصواريخ مضادة للدروع من نوع “جافلين”.

وتواجه هذه العمليات تحديات عدة، أهما صعوبة جمع كل الأسلحة -خصوصا بعد استحواذ الجيش السوري على جزء منها- إضافة إلى أن بعض التسليح لا يزال بحوزة تشكيلات تابعة لوحدات الحماية، والتي لا تخضع لسلطة قيادة “قسد”، وفق ما تشير إليه الحكومة السورية والباحثون المتابعون للمسار.

ويشير موقف “قسد” إلى وجود تباين في التوجهات بين سيبان حمو، قائد الوحدات، ومظلوم عبدي، قائد قسد؛ إذ يرتبط الأول بتوجهات حزب العمال الكردستاني، بينما تتماشى رؤية الثاني مع الرؤية الأمريكية التي تدفع نحو اندماج “قسد” ضمن الدولة السورية.

المصدر: الجزيرة

———————————

الحسكة معقل أكبر سجون تنظيم داعش في سورية/ محمد أمين

23 يناير 2026

في الوقت الذي تسلم فيه العراق دفعة أولى من معتقلي تنظيم داعش من سجون محافظة الحسكة شمال شرقي سورية، فإن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا تزال تسيطر على عدد من السجون وأماكن اعتقال عناصر في “داعش” وعائلاتهم، خصوصاً في محافظة الحسكة.

وطالب المسؤول في سجن الأقطان في مدينة الرقة شمالي سورية جيا كوباني، قوات التحالف الدولي بالتدخل لإنقاذ مقاتلي “قسد” المحاصرين داخل السجن، محملاً التحالف مسؤولية حماية المنشأة التي تضم محتجزين من “داعش”. وقال كوباني، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن إدارة السجن وجهت نداءً رسمياً إلى التحالف الدولي من أجل تسلّم مسؤولية حماية سجن الأقطان، الذي يضم عناصر من “داعش”، بموجب ضمانات دولية تضمن سلامة العاملين والمحتجزين على حد سواء. وأضاف أن حراس السجن يطالبون بتأمين ممر يتيح لهم الوصول إلى مناطق آمنة، وذلك ضمن الضمانات الدولية نفسها، موضحاً أن قوات الحماية واجهت خلال الفترة الماضية هجمات متكررة على محيط السجن. وأشار إلى أنه “كان بإمكاننا، خلال انسحاب قواتنا من مناطق أخرى، الانتقال إلى مناطقنا الآمنة، إلا أن إدراكنا لحساسية هذا السجن وخطورة محتوياته ومسؤوليتنا تجاه التهديد الذي يمثله، دفعتنا إلى البقاء”.

1500 عنصر من تنظيم داعش في “الأقطان”

وأوضح أن السجن يتعرض لهجوم عنيف من أطراف تحاول السيطرة عليه، مؤكداً أن الوضع وصل إلى “نقطة النهاية” في ظل غياب أي إسناد. ولفت إلى أن المحاصرين داخل السجن يعانون من نقص حاد في الخدمات الأساسية، قائلاً: “نحن من دون مياه أو كهرباء أو وقود، فيما باتت الإمدادات الغذائية محدودة للغاية”. وتأتي هذه المناشدة في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات أي خرق أمني في السجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش، وما قد يترتب عن ذلك من تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، حيث يضم سجن الأقطان قرابة 1500 عنصر من عناصر “داعش” إلى جانب أكثر من 300 عنصر من مقاتلي “قسد” وسط مفاوضات جارية حول آلية تسليم السجن للقوات الحكومية السورية.

وأوضح الباحث في مركز جسور وائل علوان، والمهتم بملف السجون التي تضم عناصر “داعش”، في حديث مع “العربي الجديد”، أن التقديرات تذهب إلى أن هناك نحو تسعة آلاف سجين من التنظيم موزعين على عدد من السجون وأماكن الاعتقال “بعضها شديد التحصين”، خصوصاً في محافظة الحسكة، والتي لا يزال القسم الأكبر منها تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وبيّن أن أبرز السجون هو غويران، أو سجن الصناعة، في قلب مدينة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من البلاد. وشهد هذا السجن خلال السنوات الماضية عدة حالات استعصاء بسبب “سوء المعاملة”، كانت تدفع التحالف الدولي للتدخل المباشر للسيطرة على السجن. وفي يناير/كانون الثاني 2022، شن تنظيم داعش هجوماً واسع النطاق ومباغتاً، على هذا السجن في مسعى لإخراج عناصره الموقوفين فيه. وقتل في المعركة التي استمرت عدة أيام مئات السجناء، ونحو 150 عنصراً من “قسد” التي استعانت بالتحالف الدولي من أجل التعامل مع هذا الخرق الكبير. وجرى لاحقاً نقل عدد من السجناء من “الصناعة” إلى مراكز احتجاز أكثر تحصيناً، وهو ما أدى إلى تقليص العدد في السجن.

وأضاف علوان: يُعتقد أن السجن يضم اليوم نحو 3500 عنصر من التنظيم، جلهم أجانب، وهو من السجون شديدة التحصين، ويضم أيضاً نحو 850 طفلاً وفق منظمة يونيسف، والتي دعت في العام 2022 إلى الإفراج الفوري عنهم وتسليمهم إلى الجهات الفاعلة في مجال حماية الطفل. وبحسب علوان فإن هناك أكثر من سجن لعناصر وقياديي “داعش” في محافظة الحسكة، منها سجن في منطقة ديريك (المالكية)، شرق مدينة القامشلي يطلق عليه اسم “السجن الأسود”، إضافة الى سجن جركين، داخل هذه المدينة، وهو من السجون المحصنة.

يشار إلى أن سجناء “داعش” من 56 جنسية، اعتقلتهم قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة أميركا خلال حملة ضد التنظيم بين عامي 2015 و2019، والتي انتهت بنهاية هذا التنظيم في شمال شرق سورية. ورفضت أغلب الدول التي ينتمي إليها هؤلاء استلامهم بسبب مخاوف أمنية، واكتفت باستلام أطفال ونساء من مخيم الهول بين وقت وآخر.

20 سجناً في الحسكة

وبحسب مصادر محلية في القامشلي، فإن هناك سجناً يضم عناصر من تنظيم داعش يسمّى النقارة، يقع غربي المدينة على الطريق الدولي الذي يربط محافظة الحسكة بحلب. وبيّنت المصادر أنه يوجد في محافظة الحسكة نحو 20 سجناً، بعضها “تحت الأرض”، موزعة على عدد من البلدات، مشيرة إلى أنه ليست هناك معلومات عن وجود عناصر من تنظيم داعش في كل هذه السجون، مضيفة: “المؤكد أن سجناء داعش في سجون: الصناعة، والسجن الأسود الذي يطلق عليه اسم سجن الرعب، وجركين”. يشار إلى أن القوات السورية دخلت قبل أيام إلى مخيم الهول في ريف الحسكة الشرقي، بعد أن تخلت “قسد” عن حراسته، ما أدى إلى خروج محتجزين من داخله وخلق حالة من الفوضى والانفلات الأمني في محيط المخيم.

العربي الجديد

————————————–

قسد”.. حين كانت المليشيا تعطل نبض الأرض/ ماجد المالكي

يناير 22, 2026

لم تكن مليشيا “قسد” يوماً مشروع دولة، ولا حلم تنمية، ولا بوابة استقرار، بل كانت كياناً عابراً على الجغرافيا السورية، ثقيل الظل على التاريخ، قائماً على تعطيل الحياة أكثر من بنائها، وعلى حراسة الفراغ بدل صناعة الأمل. حيثما وُجدت، توقفت عجلة التنمية، وجُمدت الموارد، وبقيت الأرض معلّقة بين سلطة السلاح وغياب الدولة.

سنوات طويلة عاشتها مناطق واسعة من شرق وشمال سوريا خارج سياق الدولة الطبيعي، لا مصانع تُبنى، ولا زراعة تُستثمر كما يجب، ولا ثروات تُدار بعقل وطني. النفط هناك كان محجوزاً، والمياه مُسيّسة، والإنسان مُستَخدماً في معركة لا تشبهه. مشروع “قسد” لم يكن مشروع أهل تلك المناطق، بل مشروع تعطيل، قُدّم بواجهة شعاراتية، وأُدير بمنطق المليشيا.

اليوم ومع استعادة الدولة السورية لمساحات واسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت احتلال “قسد” بدأت البلاد تستعيد أنفاسها. ليس لأن السلاح انتصر على السلاح، بل لأن منطق الدولة عاد ليفرض نفسه على منطق الفوضى. الأرض حين تعود إلى حضن الدولة، لا تعود فقط بالخرائط، بل تعود معها فرص الاستثمار، وتعود الزراعة إلى أهلها، وتعود الثروات إلى مسارها الطبيعي.

سوريا اليوم تقف على عتبة مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد مشروع “قسد” وما بعد زمن المليشيات المتعددة الوجوه. السنوات القادمة تحمل في طياتها خيرات كبيرة إذا ما أُديرت الموارد بعقل الدولة، وإذا ما أُغلقت الأبواب أمام كل مشروع تفتيتي مهما لبس من أقنعة. النفط، الزراعة، التجارة، والموقع الجغرافي، كلها عناصر كفيلة بإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي إذا توفرت الإرادة السياسية والاستقرار الأمني.

وفي هذا المشهد الانتقالي، يبرز دور أحمد الشرع بوصفه رجل مرحلة، قاد ملف التعامل مع هذه المليشيا بحنكة الدولة لا بانفعال الثأر، وبحسابات المستقبل لا بردود الفعل، لم يكن خطابه خطاب كسر، بل خطاب إنهاء مشروع، وإعادة دمج الأرض في جسد الوطن. كثيرون يرونه اليوم المنقذ لسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، لأنه اختار طريق الدولة بدل منطق الانتقام، وطريق البناء بدل إدارة الركام.

سوريا لا تحتاج معجزة، بل تحتاج وقتاً معقولاً، وفترة زمنية قصيرة نسبياً، حتى تتضح ملامح سوريا الجديدة، سوريا ما بعد بشار الأسد، سوريا النهضة والازدهار، سوريا التي تداوي جراحها وتستعيد دورها، وتكتب فصلاً جديداً من تاريخها بلا مليشيات وبلا مشاريع مؤقتة، وبمنطق دولة لا يقبل القسمة.

الثورة السورية

———————————–

ما خيارات تركيا في حال تعثر اندماج “قسد” بالجيش السوري؟/ زيد اسليم

أنقرة- تقف المنطقة أمام منعطف مفصلي غداة توقيع اتفاق بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) يقضي بدمج مقاتلي الأخيرة ضمن صفوف الجيش السوري.

ويهدف هذا الاتفاق إلى إنهاء وجود قسد كقوة مسلحة مستقلة في شمال شرقي البلاد، ووضع حد لحالة الانقسام العسكري التي شهدتها تلك المناطق في السنوات الأخيرة.

بيد أن احتمال تعثر تنفيذ بنود الاتفاق يثير مخاوف جدية من انهيار الهدنة الهشة والعودة إلى أجواء المواجهة العسكرية، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة برمتها.

ومن جانبها، تعرب أنقرة بشكل متزايد عن قلقها من بقاء قسد قوة عسكرية منفصلة متمركزة قرب حدودها الجنوبية، وتعتبر تركيا هذا السيناريو تهديدا مباشرا لأمنها القومي، مؤكدة أنها لن تقبل باستمرار هذا الوضع.

دعم مشروط

وجاء توقيع الاتفاق السياسي العسكري بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية قسد في 20 يناير/كانون الثاني الجاري إثر تصعيد عسكري حاد شهدته مناطق الشمال الشرقي من سوريا، بعدما أطلقت القوات الحكومية عملية واسعة النطاق استعادت خلالها السيطرة على بلدات ومحاور إستراتيجية كانت خاضعة لسيطرة قسد.

ومع دخول الطرفين في مواجهة مفتوحة هددت بتفجر جبهة جديدة، تدخلت وساطات إقليمية ودولية أسفرت عن وقف فوري لإطلاق النار، واتفاق يقضي بدمج قسد سياسيا وعسكريا  في مؤسسات الدولة السورية، ضمن جدول زمني ضيق لا يتجاوز 4 أيام لوضع آليات التنفيذ.

وعلى الرغم من ترحيبها العلني بالتفاهم الجديد واعتباره فرصة لقطع الطريق أمام مشروع “الممر الإرهابي”، فإن أنقرة تعاملت مع الاتفاق بحذر بالغ، مستحضرة تجربة سابقة مماثلة وقعت في مارس/آذار الماضي لكنها انهارت سريعا نتيجة -ما وصفه المسؤولون الأتراك حينها- بـمماطلة قسد وعدم جديتها في تسليم السلاح أو تفكيك هياكلها.

إعلان

وأبدت تركيا دعما مشروطا للاتفاق الراهن، مع تأكيد صانعي القرار في أنقرة على أن أي تلكؤًا في التنفيذ أو محاولة التفاف على البنود الأساسية، قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات أحادية لضمان أمنها القومي ومنع تكرار سيناريوهات الماضي.

وفي هذا الإطار، قال رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش في لقاء مع قناة الجزيرة إن تركيا تريد إنهاء مخاطر قسد تماما، حتى تنعم سوريا بالاستقرار والسلام، مضيفا أن هناك توافقا أمنيا بين تركيا وسوريا لمواجهة قسد إذا ما أخلت بالاتفاق.

صراع داخلي

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمود علوش أن طبيعة الصراع في شمال شرقي سوريا لم تعد محصورة بين دمشق وقسد، بل تحولت إلى صراع داخلي داخل صفوف الأخيرة، نتيجة هيمنة تيار تابع لحزب العمال الكردستاني يسعى إلى إفشال مسار التسوية السياسية، ويدفع باتجاه خيار المواجهة المستمرة بهدف تدويل القضية الكردية وتفجيرها إقليميا، لا في سوريا وحدها.

ويعتبر علوش في حديثه للجزيرة نت، أن أولوية أنقرة ودمشق في هذه المرحلة هي تجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد، عبر الوصول إلى تسوية سياسية تنهي حالة “التفلت المسلح”، ويضيف أن “الكرة الآن في ملعب قسد” بعد المبادرة التي قدمها الرئيس السوري.

ويحذر من أنه في حال فشل مسار التسوية، فإن الخيار البديل سيكون اللجوء إلى الحسم العسكري، رغم أن هذا الخيار لا يزال مستبعدا في المرحلة الراهنة من قبل كل من تركيا وسوريا، بسبب الحرص على تجنب كلفة إنسانية باهظة وحماية المدنيين.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تركيا تتابع التطورات عن كثب وتشعر بقدر كبير من الارتياح تجاه ما تعتبره نهاية وشيكة لمشروع قسد، الذي سبب لها صدعا أمنيا خطيرا، وألحق أضرارا بعلاقاتها مع واشنطن، فضلا عن كونه أحد أبرز أسباب التوتر بين أنقرة ودمشق على مدى السنوات الماضية.

وبحسب علوش، فإن أنقرة ترى في هذه المرحلة فرصة لمعالجة أخطر هواجسها الأمنية على حدودها الجنوبية، ولن تتردد في استخدام جميع الخيارات المتاحة لتسوية هذا الملف بشكل نهائي.

ويشدد على أن المشكلة الجوهرية لم تعد مجرد وجود قسد، بل الوجود الفعلي لحزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية، وهو ملف بات يمثل خطا أحمر لكل من تركيا وسوريا، والاتفاق الأخير نص بوضوح على ضرورة إنهاء هذا الوجود.

حسابات مزدوجة

في السياق، يؤكد الأكاديمي السياسي محمد يوجا، أن الأولوية الأساسية لتركيا في الملف السوري تتمثل في تحقيق السلام والاستقرار الدائمين، وأن دمج عناصر قسد بشكل حقيقي وفعال في بنية الجيش السوري يعد ركيزة حيوية لهذا المسار.

ويرى يوجا، في حديثه للجزيرة نت، أن نجاح عملية الدمج لا ينعكس فقط على أمن سوريا الداخلي، بل يعد عاملا حاسما في ضمان أمن تركيا والدول الإقليمية الأخرى.

ولفت إلى أن تركيا لا تعتبر احتمال فشل عملية الاندماج مجرد خلل دبلوماسي عابر، بل تراه مؤشرا على تهديد أمني طويل الأمد قد يتحول إلى قضية مؤسسية.

لذلك، من المتوقع، وفق المحلل، أن تتبع أنقرة نهجا مزدوجا:

    الضغط على دمشق لتحمل مسؤوليات أكبر وتعزيز مركزية الدولة.

    وفي الوقت نفسه تقديم مطالب واضحة أمام واشنطن، تشمل الحد من قدرات قسد العسكرية، وسحب الأسلحة الثقيلة منها، وضمان إدماج عناصرها بشكل فردي داخل المؤسسة العسكرية السورية.

ويحذر يوجا من أن الخيار العسكري التركي لا يزال مطروحا على الطاولة، وإن كان ينظر إليه كحل أخير، فأنقرة -كما يقول- تمتلك كامل القدرة على تنفيذ عملية عسكرية عند الضرورة، لكنّ هذا الخيار سيُفعّل فقط إذا ظهر خطر مباشر ومتصاعد على الحدود، وبقيت قسد تحتفظ ببنيتها المسلحة دون أن تتمكن دمشق من بسط سيطرتها عليها.

وأضاف أن أي تدخل تركي سيكون محدودا ودقيقا ورادعا، ويهدف إلى تحجيم التهديد وليس شن اجتياح واسع، موضحا أن العمل العسكري في العقيدة التركية أداة مكملة للدبلوماسية تُستخدم فقط عند فشل الوسائل السياسية في حماية المصالح الإستراتيجية.

المصدر: الجزيرة

——————————

 الكرد كأقلية صاحبة امتيازات في سوريا/ عمر أوزكيزيلجيك

2026.01.23

إن التصعيد العسكري الذي وقع مؤخراً في شمال شرقي سوريا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب قد أعادت من جديد رسم شكل الديناميات على الأرض، وفي الوقت ذاته، أججت البروباغندا المكثفة التي ظهرت عبر المحطات الإعلامية الكردية غضباً واسعاً في المجتمعات الكردية، فخرجت مظاهرات كبيرة للكرد في كل من تركيا والعراق وفي عموم أوروبا. وفي ظل هذه التعبئة العاطفية، جرى التغاضي عن حقيقة أساسية وهي أن الكرد السوريين اليوم أصبحوا أقلية صاحبة امتيازات في سوريا، بخلاف الأقليات الأخرى فيها.

بينما ينظر معظم الكرد للوضع بصورة مختلفة، هنالك شريحة كبيرة أخرى انساقت خلف وحدات حماية الشعب التي تعتبر فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا، وذلك انطلاقاً من إحساسها بالتضامن على المستوى العرقي، أي أن قلة قليلة أمعنت النظر في التفاصيل أو حرصت على فهم ما يحدث على الأرض فعلاً، ولذلك ساد التضامن الأعمى عوضاً عن ذلك. وهنا يمكن القول بإن هذا الانحياز العرقي التلقائي كان أحد الأسباب التي ساعدت حزب العمال الكردستاني على البقاء لعقود طويلة، غير أن النقاش حول ذلك ظهر في مكان آخر.

حتى من وجهة نظر هذا “التضامن الأعمى”، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن سبب حشد أعداد كبيرة من الكرد للخروج في مظاهرات. إذ عندما خرجت تلك المظاهرات، لم يكن الجيش السوري قد دخل إلى أي مدينة أو قرية كردية في شمال شرقي سوريا، بل كل أماكن المواجهات العسكرية كانت مناطق ذات غالبية عربية. ولذلك، يفشل حتى التضامن العرقي في تقديم تفسير منطقي لردة الفعل هذه.

وإن ما شكل تلك التصورات حقاً هي الهيمنة الإعلامية الساحقة لحزب العمال الكردستاني، ذلك التنظيم الذي يتمتع بنفوذ يهيمن تقريباً على الإعلام الكردي، لدرجة تدفع حتى إقليم كردستان العراق للتردد في كثير من الأحيان قبل معارضة هذا النفوذ. ولكن في هذه المرة، حتى القنوات الإعلامية الكردية-العراقية الرسمية مثل رووداو شوهت الحقيقة فعلاً عندما صورت الاشتباكات في المناطق ذات الغالبية العربية على أنها عنف وتطهير عرقي ضد الكرد.

وهذه البروباغاندا الدعائية أخفت الوضع الحقيقي للكرد السوريين، بعد أن منحتهم الحكومة السورية حقوقاً لا تتمتع بها أي أقلية أخرى في سوريا حالياً.

التركمان السوريون: ولاء بلا امتيازات

إن أبلغ مقارنة لتوضيح ما حصل عليه الكرد من امتيازات في سوريا اليوم تتلخص بمقارنة وضعهم بوضع التركمان السوريين، نظراً لتقارب السكان التركمان والكرد في العدد بشكل كبير. إلا أن التركمان، على عكس الكرد، أيد معظمهم الثورة السورية ضد نظام الأسد منذ بدايتها، وشاركوا في المظاهرات وشكلوا كتائب مسلحة، ولعبوا أدواراً فاعلة في المجالات السياسية والثقافية والدبلوماسية والعسكرية للثورة السورية، ودفعوا مقابل خيارهم هذا أثماناً باهظة، فقد دمرت معاقل التركمان بحمص واللاذقية بشكل كبير، وتعرضت مجتمعاتهم لنزوح ممنهج وتطهير عرقي على يد روسيا وإيران ونظام الأسد.

ولكن، وعلى الرغم من كل تلك التضحيات، لم يحصل التركمان السوريون على حقوق ثقافية ولغوية كتلك التي حصل عليها الكرد السوريون بموجب المرسوم التاريخي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، كما لا يوجد أي وزير تركماني ضمن التشكيلة الوزارية السورية، ولم يشغل سوى أربعة منهم مقاعد في مجلس الشعب السوري الجديد. غير أن قوة التركمان اليوم تكمن داخل الجيش بصورة أساسية، وقد أتى ذلك نتيجة للدور البارز الذي لعبوه خلال الثورة المسلحة والدعم المستمر الذي تقدمه تركيا لهم من خلال الجيش الوطني السوري.

في الوقت الذي تم تعيين تركماني في منصب نائب وزير الدفاع، لا يوجد أي محافظ تركماني أو أي قوة تركمانية ضمن قوات الشرطة، كما لم يخصص أي وضع إداري للمناطق التركمانية، ولهذا أرى أن المناطق التركمانية لا تتمتع بأي وضع خاص، بيد أن الهدف من هذا الحديث هنا ليس المناصرة، بل المقارنة ما بين التركمان والكرد.

المغالاة في تمثيل كرد سوريا

يختلف وضع كرد سوريا عن السردية التي يروج لها الإعلام الكردي بشكل كبير، فقد حصل الكرد تاريخياً على حقوق ثقافية وسياسية بموجب مراسيم رئاسية، والجميع يعرف تلك الحقائق، لذا لا حاجة لإيرادها من جديد هنا.

بيد أن ما يتم التغاضي عنه في أغلب الأحيان هو أنه على الرغم من الدور المثير للجدل بشكل كبير والذي لعبته وحدات حماية الشعب الكردية خلال الثورة السورية، والذي شمل حصار حلب، ومجزرة تل رفعت، واحتلال أراض عربية، واستغلال الموارد الطبيعية لسوريا، يميل كرد سوريا بشكل كبير للمطالبة بمغالاة في التمثيل ضمن النظام السياسي الجديد لسوريا.

تضم التشكيلة الوزارية السورية وزيراً كردياً، وهو وزير التربية والتعليم، وتعتبر هذه الحقيبة الوزارية من أهم الحقائب بالنسبة لحياة السوريين اليومية. وعلى الرغم من عدم قيام انتخابات في شمال شرقي سوريا، ضم مجلس الشعب أربعة أعضاء كرد، وبمجرد أن تجرى انتخابات في تلك المنطقة، يرجح لتمثيل الكرد أن يرتفع ليتراوح ما بين 8-11 مقعداً.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، إذ بموجب الاتفاق ما بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، يحق للقيادة الكردية اختيار مرشحين لشغل ثلث مقاعد مجلس الشعب من بين من سيقوم الرئيس بتعيينهم، أي أن نسبة تمثيل الكرد لابد أن تزيد هنا أيضاً.

وإضافة لذلك، يحق لمظلوم عبدي تعيين محافظ للحسكة ذات الغالبية العربية، وهذا ما سيزيد نسبة تمثيل الكرد بطريقة مبالغ بها، كما ستتمتع المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا بوضع خاص، يشمل قوات الشرطة التي سيكون قوامها أبناء المنطقة، كما سيسمح لأعضاء وحدات حماية الشعب السوريين بالاندماج ضمن الجيش السوري.

بالمختصر يمكن القول بإنه في الوقت الذي يمكن لهستيريا الإعلام الكردي أن تطمس الحقيقة، تبقى الحقائق بادية للعيان بكل جلاء: وهي أن القيادة السورية منحت كرد سوريا وضعاً غير رسمي وجعلت منهم أقلية صاحبة امتيازات، وحتى لو عممت تلك الحقوق الثقافية واللغوية على سائر الأقليات الأخرى، مثل التركمان والشركس والآشوريين والأرمن والإسماعليين والعلويين والدروز، ستبقى نسبة تمثيل الكرد عالية ضمن الهيكل السياسي الجديد في سوريا.

تلفزيون سوريا

———————–

قصة العرب والأتراك والأكراد في سوريا/ كمال أوزتورك

كنت أنوي أن أجري تحليلا جيوسياسيا لتطورات الأوضاع في سوريا وما شهدته مؤخرا، وأن أكشف عما يجري خلف الكواليس، متناولا دور تركيا في هذه المرحلة.

لكنني، كشخص شهد على زمن الازدهار في سوريا، وعلى الحرب الأهلية، وأيام الثورة، وسمع قصص الألم التي عاشها ملايين اللاجئين من العرب والتركمان والأكراد السوريين، شعرت بأن عليّ أن أنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.

لا أعتقد أن التحليلات الجافة الباردة، أو الأخبار الجيوسياسية، قادرة على عكس العالم الداخلي الحقيقي، أو أن تروي الحكايات والمعاناة التي عاشتها شعوب هذه الجغرافيا. فروابطنا، وتاريخنا المشترك، وعلاقات القرابة بيننا، أظنها أقوى من كل الآليات الجيوسياسية في مساعدتنا على حل مشكلاتنا.

شعوب متشابهة

قبل أيام قليلة، التقيت بمجموعة من الصحفيين الشباب، وناقشنا خطط التغطية الإخبارية حول سوريا. وحين علمت أن أحدهم عربي سوري، تفاجأت كثيرا؛ لأن لغته التركية كانت أفضل من لغتي!

كان أحدهم كرديا، ومع ذلك لم نكن نعي هوياتنا العرقية، فقد سادت بيننا أجواء من الود والإخلاص. لقد جمعتنا ثلاث روابط:

    رابطة الدين: كلنا مسلمون، وعندما ارتفع صوت الأذان، التزمنا الصمت احتراما، وقلنا: ” الله أكبر”.

    رابطة الدم: والدتي كردية، ووالد أحدهم عربي؛ كنا مرتبطين بصلة قرابة.

    رابطة الجغرافيا: أجدادنا جميعا ولدوا على هذه الأرض، وعاشوا تاريخهم المشترك معا.

نحن شعوب تتشابه، وتتأثر ببعضها، وتغني بعضها بعضا.

ابنتي الصغيرة كانت تتجه إلى منزل عائلة سورية لتناول طبق فلافل رائع أعدوه، بينما أكتب هذا المقال. كانت تعشق طعامهم وحلواهم. أما أنا، فأعشق الأطعمة التي يطبخها أكراد ديار بكر. وأظننا جميعا لا نستطيع أن نقاوم البقلاوة العنابية.

نحن كعيون الماء التي تصب في بحر واحد، وتختلط مياهه في تيار مشترك، كلنا في النهاية نسير نحو المصب ذاته.

آلام الأيديولوجيات العمياء والدول الأجنبية

حين أعلن السفير الأميركي لدى أنقرة، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قد انتهت، قوبل ذلك بغضب عارم في ذلك المعسكر.

إعلان

وأكثر ما آلمني في هذه الأحداث، كان مقطع الفيديو الذي نشره الفنان الكردي الكبير شيفان برور، وهو يبكي بحرقة في منزله بألمانيا، ويتوسل إلى الولايات المتحدة ألا تترك الأكراد.

لقد أحببت أغاني هذا الفنان، وتألمت كثيرا لرؤيته في تلك الحال. ومقتّ أولئك الذين خدعوه وقالوا له إن “الأكراد يذبحون” فقط ليستدروا دموعه.

في تركيا، أقدم بعض الانفصاليين الأكراد على إنزال العلم التركي في نصيبين وإحراقه.

اللون الأحمر في العلم التركي يرمز إلى دماء الشهداء، وضمن هذه الدماء دماء الأكراد والعرب أيضا. هذا التصرف أغضبنا بشدة.

وفي أوروبا، كان بعض العرب من الطائفة العلوية يرسلون رسائل من غرفهم الوثيرة يحرضون فيها الأكراد على الثورة ضد الأتراك ونظام دمشق.

كيف يمكن أن يحدث كل هذا؟ الجواب في سببين اثنين:

    أناس نسوا أصلهم ووقعوا في فخ الأيديولوجيات العمياء.

    وأناس استغفلوا من قبل الدول الأجنبية وتحولوا إلى أدوات لها.

أحد الناطقين باسم “وحدات حماية الشعب” (YPG) قال إنهم على اتصال بإسرائيل، وإنهم سيدافعون عن أنفسهم ضد نظام دمشق بدعم من الإسرائيليين.

آخرون سعوا إلى التواصل مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام عبر إسرائيل، واعتقدوا أن إطلاق التهديدات من هناك سيكون مفيدا للأكراد، كما ظن بعض الدروز أن الدعم الإسرائيلي سينفعهم.

حين نستسلم للأيديولوجيات العمياء -سواء كانت الاشتراكية المتطرفة لـ”بي كا كا” (PKK)، أو الفكر التكفيري لتنظيم الدولة- نصبح غرباء عن بعضنا البعض، وتصبح مهمة الدول الأجنبية أسهل بكثير. لقد استفادت الولايات المتحدة و”إسرائيل” من ضعف شعوب المنطقة؛ بسبب اقتتالها، فتمكنتا من التمدد في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن.

إلى متى ستظل سوريا تتألم؟

ما معنى أن تعيش ستين عاما تحت دكتاتورية أقلية؟

ما معنى أن يقتل أكثر من مليون إنسان في حرب أهلية استمرت أربعة عشر عاما؟

ما معنى أن يجبر ثمانية ملايين إنسان على ترك منازلهم وأراضيهم؟

لا يفهم هذه الأسئلة إلا من رأى سوريا بعينيه، أو سمع من أبنائها، أو عاش في أرضهم.

عندما كنت أمشي في ممرات سجن صيدنايا، تلك الممرات التي تعبق برائحة الجثث المحترقة، شعرت بعمق تلك العقود الستة من الاستبداد.

وحين التقطت صورة في مسجد بحلب، كان مقاتلو المعارضة وجنود النظام يتقاتلون داخله، أدركت كيف أفقدت الحرب الناس عقولهم.

وعندما رأيت جسد الطفل السوري إيلان الكردي على شاطئ البحر المتوسط، غريقا في محاولته الوصول إلى أوروبا، عرفت معنى ألم اللاجئين.

سوريا بلد سكنته شعوب ذاقت كل أشكال الألم، واحتفظت بهذه الآلام في أعماق الذاكرة والعاطفة. كل الهويات العرقية، وكل الأديان والمذاهب، نالت نصيبها من الجراح. لم ينجُ أحد من الموت أو التهجير أو الوجع. فإلى متى ستظل سوريا تنزف؟

الامتحان الكبير الذي ينتظر أنقرة ودمشق

عندما أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوما يضمن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، وجه بعدها رسالة مصورة أكد فيها على “أخوة المسلمين”. حين استمعت إلى كلماته، شعرت أن هذا الخطاب أهم بكثير من أي مكسب جيوسياسي.

وبينما أكتب هذه السطور، كان الرئيس رجب طيب أردوغان يخطب في أنقرة، ويؤكد أن الأكراد والعرب والأتراك إخوة في الدين، وأن الوقت قد حان ليتعانقوا من جديد.

إعلان

نحن نؤمن إيمانا راسخا بأن هذه الأخوة الإسلامية ستكون مفتاح حل مشكلاتنا. لكن من جهة أخرى، علينا أن ندرج هذا المفهوم في دساتيرنا، وقوانيننا، وأنظمة حكمنا.

في تركيا، مع انطلاق “مسار تركيا بلا إرهاب”، وفي سوريا، مع بدء تفعيل المرسوم الجديد وضمان الحقوق بقوة القانون، سيجد الأكراد والعرب والأتراك حياة أكثر استقرارا وطمأنينة، لا شك في ذلك.

لقد ذقنا من الألم ما يكفينا. آن الأوان لفتح صفحة جديدة. علينا أن نمنع الأيديولوجيات العمياء، والدول الأجنبية، والأفكار الانفصالية من التسلل إلى صفوفنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مراسل الجزيرة نت في تركيا

الجزيرة

——————-

مصير الأكراد في سوريا

2026-01-22

بعد نحو 14 شهراً من سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، استعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا من قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ويعزز هذا التحوّل السريع في مجريات الأحداث حكم الرئيس السوري أحمد الشرع، ويعيد كلّ سوريا تقريبا إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، بعد حرب أهلية مزقت البلاد على مدى سنوات. كما يسلّط الضوء على تحوّل في السياسة الأميركية.

تقدم الجيش السوري

بعد أشهر من التوتر المقرون باشتباكات متفرقة بين القوات الحكومية و”قسد”، طالبت دمشق قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، بالاندماج الكامل في قوات الأمن ودمج إدارات الحكم الذاتية في المناطق التي يديرها الأكراد أيضاً.

وقاومت قوات سوريا الديمقراطية ذلك، سعيا للحفاظ على حكم ذاتي، وعبّرت عن مخاوفها من أن الحكومة، التي يقودها إسلاميون في دمشق، تسعى إلى فرض هيمنة على سوريا.

واندلعت اشتباكات في الشهر الجاري، سيطرت فيها القوات الحكومية على مناطق يديرها الأكراد في حلب، قبل أن تتقدّم شرقا في الأسبوع الماضي، مما أجبر المقاتلين الأكراد على التراجع.

إلى أين وصل الجيش السوري؟

تقدّمت القوات الحكومية في محافظتي الرقة ودير الزور ومناطق من محافظة الحسكة.

وتشمل هذه الأراضي أكبر حقول النفط في سوريا، وسدا كهرومائيا رئيسيا، ومناطق زراعية، وسجونا بها مسلحون من تنظيم “داعش”، ومعسكرا يُحتجز فيه مدنيون تربطهم صلات بأفراد التنظيم.

وسيطرت “قسد” على معظم تلك الأراضي من “داعش”، عندما كانت الشريك الرئيس للولايات المتحدة في محاربة التنظيم في سوريا. ويغلب العرب على سكان المناطق التي جرت السيطرة عليها.

وقال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، يوم الثلاثاء، إن قواته تراجعت إلى مناطق تقطنها أغلبية كردية.

وبموجب اتفاق لوقف إطلاق النار، أبرم في 20 يناير الماضي، أمهلت الحكومة قوات سوريا الديمقراطية أربعة أيام لوضع خطة لدمج ما تبقى من جيوبها في الحسكة.

وفي حالة التوصل إلى اتفاق، لن تدخل القوات الحكومية إلى مدينتين متبقيتين تحت سيطرة “قسد”، وهما الحسكة، عاصمة المحافظة المختلطة عرقيا والقامشلي ذات الأغلبية الكردية.

واستمر التوتر منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار.

موقف الولايات المتحدة

رغم إقامة الجيش الأمريكي لعلاقات وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية، لم تدعم واشنطن الهدف السياسي لها المتمثل في الحصول على قدر كبير من الحكم الذاتي للشمال الشرقي.

وواجهت سياسة الولايات المتحدة تجاه هذا الملف تعقيدات بسبب اعتراضات تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، التي تعتبر وحدات حماية الشعب امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور، وأرسلت قواتها إلى سوريا عدة مرات لمواجهة هذه الوحدات.

ومع الإطاحة بالأسد، توطدت علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالشرع ورفع العقوبات ورحب بانضمام سوريا إلى تحالف دولي مناهض لتنظيم “داعش”.

وقال المبعوث الأمريكي توم براك، يوم الثلاثاء، إن الهدف الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية انتهى إلى حد كبير، وإن الولايات المتحدة ليس لها مصلحة على المدى الطويل في الإبقاء على وجودها في سوريا.

ووصف براك عرض الاندماج في الدولة المركزية مع حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية بأنه “أعظم فرصة” أتيحت للأكراد.

وبدا ترامب يوم الثلاثاء داعما للشرع، وقال إنه “يعمل بجد”، مشدداً على أن واشنطن “تحاول أيضا حماية الأكراد”.

وقال الجيش الأميركي، أمس الأربعاء، إن قواته نقلت 150 معتقلا من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من سوريا إلى العراق بسبب مخاوف تتعلق بأمن السجون ومعسكرات الاحتجاز التي كانت تحرسها “قسد”. ويمكن لتلك الخطوة أن تفضي، في النهاية، إلى نقل نحو سبعة آلاف معتقل إلى خارج سوريا.

* ما الذي يمكن أن يحدث؟

مع انتشار القوات الحكومية بالقرب من المناطق المتبقية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، تظل المخاطر كبيرة.

ويقول نواه بونزي، المستشار في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مجموعة بحثية، إن وقف إطلاق النار الأحدث ترك الكثير من النقاط للتفاوض، لا سيما فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وذلك في غضون أربعة أيام فقط.

وأضاف أن الخلاف الجوهري لا يزال قائما حول كيفية تطبيق ترتيبات الحكم المركزية أو اللامركزية في المناطق المتبقية تحت سيطرة “قسد”.

ومما يزيد الوضع تعقيدا أن الشرع، وهو قيادي سابق في “هيئة تحرير الشام”، والجماعات الكردية الرئيسة في سوريا يقفان على طرفي نقيض أيديولوجيا؛ إذ تؤكد توجهات وحدات حماية الشعب على الفكر العلماني واليساري والنسوي.

لكن بونزي قال إن من مصلحة جميع الأطراف تجنب المزيد من الصراع.

السياسة التركية

أطلقت تركيا في أوائل 2025 عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني، بهدف إنهاء حمل الحزب للسلاح ضد الدولة التركية منذ عام 1984.

وقال مسؤولون أتراك إن الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة في شمال سوريا من شأنها أن تعيد إحياء عملية السلام التي توقفت إلى حد ما.

لكن أي تصعيد جديد في سوريا ربما ينطوي على مخاطر.

ووجه قادة أكراد سوريون نداءات للتعبئة بين الأكراد، وهي دعوة من المرجح أن تلقى صدى واسعاً بينهم في تركيا والعراق وإيران.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الأربعاء، إن القوات الكردية في شمال سوريا يجب أن تلقي السلاح وتحلّ نفسها الآن لتجنب المزيد من إراقة الدماء.

—————————–

دعوات لتثبيت وقف إطلاق النار بين “قسد” والحكومة السورية

مساعي سياسية لدعم تنفيذ اتفاق 18 يناير بين “قسد” ودمشق

2026-01-23

تتواصل الدعوات الأميركية والدولية لتثبيت وقف إطلاق النار شمالي شرقي سوريا، في ظل مساعٍ سياسية مكثفة تهدف إلى دعم تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية.

وركزت الدعوات على تعزيز مسار الحوار والاندماج السياسي والعسكري، ومنع عودة التصعيد، وسط تحذيرات من هشاشة الوضع الأمني.

وفي هذا السياق، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، في منشور على منصة ”إكس”، إنه التقى الجنرال مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية والرئيسة المشاركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد.

وأكد باراك، أن الولايات المتحدة تجدّد دعمها القوي والتزامها بتعزيز عملية التكامل المنصوص عليها في اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية.

وأضاف أن جميع الأطراف اتفقوا على أن الخطوة الأولى الأساسية هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار الحالي، مشيراً إلى العمل بشكل جماعي على تحديد وتنفيذ تدابير بناء الثقة من جميع الأطراف لتعزيز الاستقرار الدائم.

وفي أربيل، أعلنت رئاسة إقليم كردستان العراق أن الرئيس نيجيرفان بارزاني استقبل القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي، حيث أكد بارزاني على ضمان حقوق الشعب الكردي وجميع مكونات الشعب السوري في المرحلة الانتقالية.

وقال المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان دلشاد شهاب إن نيجيرفان بارزاني طالب بتمديد فترة وقف إطلاق النار في شرقي سوريا.

وفي تصريح لوكالة “رويترز”، قالت السياسية وفاء محمد من الحزب الديموقراطي الكردستاني إن هناك ضغوطات أميركية ودولية قوية على قوات سوريا الديموقراطية لإنهاء الخلافات وتنفيذ الاتفاق.

وأوضحت، أن هذه الضغوطات لا تعني بالضرورة أنها ستؤدي إلى نتائج إيجابية، ومشيرة إلى أن قوات سوريا الديموقراطية لا تثق بالوعود التي قدمها الرئيس السوري أحمد الشرع.

وأضافت أن المحادثات في أربيل تركزت على مقترح بانسحاب الطرفين لمسافة عشرة كيلومترات من أطراف مدينة الحسكة شمالي شرقي سوريا.

من جهته، قال القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية، في منشور على منصة “إكس”، إنه عقد لقاءً وصفه بالبناء والمثمر مع المبعوث الأميركي توماس باراك والأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية في إقليم كردستان العراق، مؤكداً العمل بكل الإمكانيات وبشكل جاد لتحقيق اندماج حقيقي والحفاظ على وقف إطلاق النار.

وأضاف أن دعم الولايات المتحدة الأميركية لعملية وقف إطلاق النار وجهود السفير باراك للعودة إلى الحوار والمفاوضات مع الحكومة السورية أمر جاد وذو أهمية بالنسبة لقوات سوريا الديموقراطية.

وفي موقف أوروبي، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون أجرى خلال الأيام الماضية محادثات جديدة مع الرئيس السوري أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.

وأكدت الرئاسة الفرنسية أنه من الضروري إرساء وقف دائم لإطلاق النار وتنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير بما يضمن وحدة سوريا واحترام جميع مكوناتها، ولا سيما الكرد، محذّرة من أن وقف إطلاق النار ما يزال هشاً للغاية، ومشددة على ضرورة تفادي أي عودة للتصعيد.

كما أعربت عن دعمها للاندماج السياسي والإداري والعسكري والاقتصادي لقوات سوريا الديموقراطية، مؤكدة أن هذا الاندماج لا يمكن أن يتم بالقوة أو على حساب أمن السكان المدنيين في كوباني أو الحسكة.

أما في واشنطن، قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، في منشور على منصة ”إكس”، إن هناك اهتماماً قوياً ومتزايداً من الحزبين في مجلس الشيوخ إزاء تدهور الأوضاع في سوريا، مشيراً إلى وجود إجماع واسع على ضرورة حماية الكُرد الذين وقفوا إلى جانب الولايات المتحدة في القضاء على تنظيم “داعش”، إلى جانب العديد من المجموعات الأخرى.

بدورها قالت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، في منشور على منصة “إكس”، إنه في الوقت الذي تشعر فيه بالتفاؤل إزاء التقدم المحرز بين الرئيس أحمد الشرع وقوات سوريا الديموقراطية، فإنها تشعر أيضاً بالانزعاج إزاء استمرار انتهاك وقف إطلاق النار الأخير، مؤكدة أن العنف ضد المدنيين والمجتمعات الكردية يجب أن يتوقف، وأن على كلا الجانبين إعادة الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات التي جرى التفاوض عليها.

ويوم الثلاثاء الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السورية الانتقالية، إيقاف إطلاق النار في كافة قطاعات عمليات الجيش السوري، بدءاً من الساعة الثامنة مساءً ولمدة أربعة أيام، وذلك التزاماً بالتفاهمات المعلنة مع قوات سوريا الديموقراطية.

وبدورها، أصدرت القيادة العامة لقوات سوريا الديموقراطية بياناً أكدت فيه التزامها الكامل بوقف إطلاق النار الذي تم التفاهم عليه مع الحكومة السورية، مشددة على أنها لن تبادر إلى أي عمل عسكري ما لم تتعرض قواتها لأي هجمات مستقبلية.

وأوضحت القيادة انفتاحها على المسارات السياسية والحلول التفاوضية والحوار، مع استعدادها للمضي قدماً في تنفيذ اتفاقية 18 كانون الثاني بما يخدم التهدئة والاستقرار.

———————————

سوريا: قسد قابلت عاما من الدبلوماسية بغياب المسؤولية

قال مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي إن عام 2025 كان عاما من التفاوض والحوار والدبلوماسية مع قوات قسد، فكان المقابل “تلكؤا وتباطؤا وتهربا وغيابا للمسؤولية من قبلها”، بينما أكدت تركيا أن “لا مكان للانفصال” بسوريا.

وفي كلمة ألقاها خلال جلسة علنية لمجلس الأمن الدولي حول الوضع في سوريا، أمس الخميس، أوضح علبي أن دمشق أطلقت عملية “موجهة ودقيقة لإنفاذ القانون” كان هدفها حماية المدنيين ووقف الهجمات المسلحة، وإنهاء الوجود العسكري غير المشروع.

وشدد على أن الحكومة السورية اعتبرت حماية المدنيين الأولوية القصوى لها خلال العملية العسكرية ضد قسد.

ولفت إلى أن الحكومة السورية أبقت طوال الأيام الماضية المتسارعة باب الحوار والحلول السياسية مفتوحا، وذلك انطلاقا من حرصها على تجنب التصعيد وعلى حماية المدنيين.

وتابع المندوب السوري أنه “على الرغم من الحكمة والحرص الذي تبديه الحكومة السورية لا يزال تنظيم قسد حتى اليوم ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار”، الذي يدخل اليوم الجمعة يومه الثالث.

كما أعرب عن إدانة بلاده بأشد العبارات محاولة قسد توظيف ملف سجون عناصر تنظيم الدولة كورقة ضغط وابتزاز سياسي، مؤكدا أن منع “عودة الإرهاب أولوية وطنية قصوى”.

صون التعددية

كذلك شدد علبي على أن “سوريا الجديدة تحتضن أبناءها جميعا دون أي تمييز”، مؤكدا أن “الكرد مُكوِّن أصيل من الشعب السوري”.

وفي هذا الصدد، أكد على أن “نهج الدولة السورية هو صون التعددية وبناء المواطنة المتساوية باعتبارها أساس الاستقرار والوحدة الوطنية”.

وقال: “نعرف حجم المعاناة التي مر بها أهلنا الكرد السوريون لعقود طويلة جراء التهميش وغياب الحقوق، ويسعدنا اليوم أن يكونوا جزءا من مؤسسات الدولة السورية الجديدة حالهم كحال جميع المكونات السورية الأخرى”.

“لا مستقبل لمشاريع الانفصال”

على صعيد متصل، انتقد المندوب الدائم لتركيا لدى الأمم المتحدة أحمد يلدز موقف قسد الرافض لدعوات الحكومة السورية للاندماج، مؤكدا أن المشاريع الانفصالية لا مستقبل لها في سوريا.

إعلان

جاء ذلك في كلمة خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، عُقدت الخميس، لمناقشة التطورات الأخيرة في البلاد، لا سيما سيطرة الجيش السوري على معظم أراضي البلاد.

وقال يلدز إن بلاده تدعم الدولة السورية في جهودها لبناء دولة موحدة ذات سيادة ومستقلة، تتعايش فيها جميع المجموعات العرقية والأديان والطوائف جنبا إلى جنب.

والأحد، وقّعت الحكومة السورية وقسد اتفاقا يقضي، من بين بنود أخرى، بوقف إطلاق النار ودمج عناصر ومؤسسات التنظيم ضمن الدولة السورية.

وبعد يومين، أعلنت الرئاسة السورية التوصل إلى تفاهم مشترك” مع “قسد”، يضع آليات دمج عسكرية وإدارية وسياسية واسعة النطاق، وبدأ تنفيذ بنوده في الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي من مساء اليوم ذاته. لكنّ دمشق اتهمت قسد بخرق الاتفاق واستهداف مدنيين وعسكريين.

وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري قبل أيام، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، إثر خروقات متكررة من قسد للاتفاقات الموقعة مع الحكومة قبل 10 أشهر.

المصدر: وكالة الأناضول

———————

 نزوح نحو القامشلي وترقب انتهاء المهلة الممنوحة لـ”قسد”

الياس ايشو

الجمعة 2026/01/23

غادرت عشرات العائلات منازلها في مناطق الاشتباكات الدائرة في عين عيسى والرقة والطبقة وأرياف الحسكة وتل تمر متجهةً إلى مناطق أخرى يرونها أكثر أماناً، مثل مدينة القامشلي والمالكية على الشريط الحدودي مع تركيا.

“هي المرة الثالثة التي أعيش فيها أنا وعائلتي مشقة النزوح والتنقل، بعد هروبنا من عفرين إلى الحسكة والآن إلى مدينة القامشلي”، هذا ما يقوله الرجل الستيني زياد خضر في حديثه لـ”المدن”، مضيفاً: “رحلة النزوح بدأت منذ 3 سنوات تقريباً إلى مركز إيواء في مدينة الحسكة. واليوم وبعد ازدياد التوترات الأمنية بين قسد والجيش السوري، أردنا الهروب من أصوات الرصاص والقذائف وتوجهنا إلى مدينة القامشلي. نحن هنا منذ 5 أيام نقيم في مركز يفتقر للكثير من الخدمات ولا نعرف الجهة التي علينا التوسّل إليها للنظر في حالنا”.

المهلة.. والخوف من انتهاءها

منحت الحكومة السورية مهلة أربعة أيام للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا للنظر بالاتفاق الأخير الذي يصفه البعض بالتاريخي في المنطقة. فهل يدخل الجيش السوري عسكرياً إلى مركَزَي مدينَتَي القامشلي والحسكة بالقوّة، أم يُطبق الاتفاق وننتقل لمرحلة التطبيق دون دماء وبرحابة صدر.

الشارع الجزراوي اليوم مقسوم إلى قسمين.  يقف القسم الأول من الأهالي مع “قسد” ويرحب بالنفير العام وحمل السلاح في الجبهات والأحياء، بينما يغلب على القسم الثاني لغة العقل والتفاهم والعودة للعيش بسلام وطمأنينة تحت المظلة السورية بعد كل هذه القطيعة.

السيد وليد كلش أبٌ لثلاثة أطفال، نازحٌ من مدينة الطبقة إلى مدينة القامشلي يوجه نداءه عبر “المدن” لكل المعنيين في الإدارة الذاتية، وقسد تحديداً، لإلقاء السلاح والشروع بإعمار هذا البلد والالتفات إلى قضايا أهم من ” التخوين” حسب تعبيره: “هناك الكثير من المخطوفين والأسرى لا نعرف عنهم شيئاً، والمئات من الخيم ومراكز الإيواء يعيش فيها الأهالي معاناة يومية آن لها أن تتنفس الحرية بعد سقوط نظام الأسد”.

ويطالب السيد علي محمد النازح، هو الآخر من الطبقة إلى أحد مراكز الإيواء في مدينة القامشلي(مدرسة عبد المسيح حيداري) بـ”التدخل الفوري وتقديم الرعاية لهذه الأسر الوافدة من مياه وصيانة للصرف الصحي والتدفئة كونه لا يعرف المدة التي سيقضيها في هذا المركز بعد ترحيله من مركز الملعب البلدي نظراً لازدياد الأعداد”.

لا صوت يعلو فوق هذه المطالب في مراكز الإيواء، حيث يعاني الأهالي من البرد والصقيع. لكن تبرر السيدة “جاندا”، مسؤولة أحد ” الكومينات”، وجهة النظرة الثانية المتمثلة بالتحلي بالصبر وتحمل كل هذه المآسي للحفاظ على مكاسب مشروع الإدارة الذاتية. وتعتبر أن هذه الظروف استثنائية، لكن مع تدخل المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية سيصار إلى تأمين هذه الاحتياجات على دفعات.

يعيش أهالي مدينتي القامشلي والحسكة مرحلة ترقب حذر، وسط حظر تجوال فرضته الإدارة الذاتية من السابعة مساء حتى السابعة صباحاً. وتحولت هذه المدن إلى مدينة أشباح ليلاً مع سماع أصوات الرصاص المتفرقة من هنا وهناك، بينما لا يزال الإغلاق المطبق على جميع المعابر المؤدية إلى الجزيرة السورية والذي فرضته الإدارة الذاتية قبل أيام عامل ضغط إضافي على كل مفاصل الحياة، وسط الخوف المستمر من نفاذ كميات الوقود والطحين، وبهذا لن تكون هذه الفترة سوى مرحلة كسر عظم يدفع ضريبتها الأهالي العزل.

———————–

=====================

تحديث 22 كانون الثاني 2026

———————————

ما بعد روج ـ آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها/ ياسين الحاج صالح

دخلت محافظات منطقة الجزيرة في سوريا، الرقة ودير الزور والحسكة، وأسماء أحياء منها ومناطق تابعة لها، التداول الإعلامي العربي على نطاق واسع في الأيام الأخيرة، بفعل الانهيار السريع لسلطة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تحكمت بالمنطقة منذ عام 2017. يخطئ المذيعون في لفظ أسماء المناطق والأحياء، ويصحح لهم أحيانا المراسلون المحليون. لكن الأمر لا يقتصر على أن المنطقة غير معروفة عربياً، فالواقع أنها غير معروفة سورياً بقدر كبير. في السنوات الأخيرة راج الكلام على منطقة شرق الفرات امتثالاً للتسميات الأمريكية المنفصلة عن معرفة السكان المحليين وذاكرتهم وتسمياتهم لمناطقهم كأوجه لامتلاكهم لها. والتعبير راج بين سوريين كذلك، عاند بعضهم في اعتماده حتى حين كان يجري تصحيحه لهم.

بعد سقوط الحكم الأسدي تواتر أن شرح سوريون لا يعرفون «الخمسة من الطمسة» عن الجزيرة ما هو التفكير الصحيح والموقف الصحيح مما يجري هناك، وهذا مثلما تواتر خلال سنوات ما بعد الثورة السورية لأوروبيين وأمريكيين، ولأتراك في واقع الأمر، أن يشرحوا لسوريين ما كان يجري حقاً في سوريا. ولا يتبين المرء أساساً لهذا التخويل الذاتي أو السلطة المعرفية الذاتية، لكننا نعلم أن مثل هذا ميز الخبراء الاستعماريين في أزمنة خلت. وهو في الحالين وجه معرفي لتجريد السكان من الملكية ومن الكيان، أو ببساطة لسلبهم أي سلطة على بيئاتهم وحياتهم، تسمية وامتلاكا وإدارة، وهذا مع مراتبة السكان المختلفين بحيث تستحق حياة بعضهم الحداد ولا تستحقه حياة بعضهم الآخر (نحيل ضمناً إلى عمل جوديث باتلر). هناك حديث طويل وذو شجون بخصوص هذه العنصرية المحلية التي يحدث أن تنتحل أقنعة تقدمية وتنويرية، وربما نعود إليه يوماً.

المشروع الذي جسد نزع التسمية ونزع الملكية هو مشروع قسد، وعمودها الفقري تنظيم الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبينما يسمى هذه المشروع بالإدارة الذاتية في إحالة ضمنية إلى أدبيات مجالسية وأناركية وبيئية، فإنه لم يكن له من اسمه نصيب يذكر. كان في حقيقته إدارة تسلطية، مفرطة المركزية، وغير ذاتية إن كان المقصود بذلك أن يكون السكان المحليون هم الذات السياسية المديرة لشؤونهم. كان أصوب لو وصف بأنه حكم تسلطي خارجي، وهو انهار بسهولة لهذا السبب بالذات: لأنه حكم خارجي، لا نفاذ لعموم السكان إلى آليات التمثيل وصنع القرار فيه.

ولا أدل على الصفة الخارجية من نسف جسري الرقة الذي لم يأت في إطار خطة عسكرية للتحصن والمقاومة في المدينة أو حتى تعويق القوات الحكومية التي لم تكن وصلت إلى الرقة حين أخذت قوات قسد بالانسحاب منها. كان أحمد مولود الطيار، الصحافي الرقاوي المتعاطف مع قسد فيما سبق قد زار الرقة قبل أشهر قادماً من ملجئه في كندا، وقد كتب في تحقيق له عن الزيارة أنه قال لمن قابلهم من أصحاب السلطة في قسد إنه لا أحد من أهل المدينة يحبهم، وشبههم بمستأجر لا يقوم بأي صيانة في العقار الذي يقيم فيه لأنه يعرف أنه مغادر بعد حين.

في التعامل مع الأهالي، كان حكم الإدارة الذاتية استمراراً للحكم الأسدي، يتسلط عليهم ولا يخاطبهم أو يعمل على صنع قضية مشتركة معهم. ماذا كانت الحال في سنوات الحكم الأسدي؟ ذكرت في مقالة سابقة هنا أن الجزيرة كانت مستعمرة داخلية، مستغلة اقتصادياً، محدودة التمثيل السياسي، ومحتقرة ثقافياً. وطوال عقود كان يجري التفكير في المنطقة كموارد نفطية ومائية، ومصدر أساسي للقمح. هذا المنطق التشييئي، الاستعماري بالفعل، مستمر إلى اليوم، وإن كانت ترتفع أصوات غاضبة من «جزراويين» ضده، يُذكِّرون بأن في المنطقة بشراً وليس موارد مادية فقط.

من المهم قول ذلك اليوم لأن الاستمرارية قد تمتد إلى المستقبل، وتعامل المنطقة من جديد كموارد يمتلكها المركز، لتبقى أفقر المناطق السورية أفقرها. وما يثير مخاوف في هذا الاتجاه هو إصرار الحكم الجديد على مركزية متصلبة، لا تبدو مقتصرة على النطاق السيادي. كان قد أفسد النقاش حول اللامركزية بعد سقوط الحكم الأسدي شيئان: أولهما أنه قلما كان نزيهاً أو مدفوعاً بدوافع ديمقراطية فعلاً، تحيل على ملكية السكان لمناطقهم وإدارتهم لها، وأولوية تخصيص الموارد المحلية لتنميتها، بخاصة حين تكون هذه المناطق فقيرة ومهملة. وثانيهما الغفلة عن أن اللامركزية لا تعمل بشكل جيد إلا حين يكون المركز قوياً، ما يقتضي الدفاع عن وحدة السيادة في البلد كسند لتعدد السياسة والتمثيل الأوسع للسكان، ليس على المستوى الوطني فقط بل وعلى المستويات المحلية كذلك. لقد استخدمت دعوى اللامركزية ومثلها الفدرالية استخداماً أداتياً، وفي سياقات كانت تبرر أو تدعو صراحة إلى الانفصال.

ومع ذلك فإن فساد النقاش ونقص نزاهته لا يطعن في الحاجة إلى قدر كبير من اللامركزية في سوريا، يجعل منها بلداً متعدد المراكز التنموية والاقتصادية والخدمية. والسياسية كذلك. المركزية في سوريا اقترنت في الزمن البعثي والأسدي بحكم تسلطي، كان قمعياً سياسياً وفاشلا تنموياً وبالغ الفساد. مسألة اللامركزية هي ملكية السكان المحليين تفضيلياً لمناطقهم ومواردها، وليست ذلك الاستخدام الأداتي الكاذب الذي يوزع الجدارة بالحياة وبالحداد وفق أهوائه.

من شأن تطورات الأيام الأخيرة، من بسط السلطة المركزية على مناطق واسعة من الجزيرة، أن يصوب النقاش حول اللامركزية ويدفع إلى نقاش مستقيم حول القضية الكردية في سوريا. بعيداً عن أن يكون انهيار سلطة قسد خسارة للكرد السوريين، يمكن بالعكس أن يحررهم من مشروع هلامي مزايد، وأن يفرض القضية الكردية كقضية لا تقبل الاختزال ولا يمكن القفز فوقها على أجندة النقاش العام في سوريا. هنا يكتسب الكلام على اللامركزية كثافة ووجاهة تجمع بين الاعتبارات الديمقراطية والتنموية العامة وبين حاجة الكرد السوريين إلى وضع خاص، أو «إدارة ذاتية» حقيقية في مناطقهم. المشكلة التي يعرفها جيداً من يهتمون بأن يعرفوا من السوريين وغير السوريين هي أنه ليس هناك إقليم كردي متواصل في سوريا، يشبه من قريب أو بعيد كردستان العراق.

هناك مواطن كثافة كردية غير متواصلة جغرافياً في شمال شرق وشمال غرب سورية. أما روجآفا فكانت اختراعاً أملته عواطف قومية ملتهبة، أظهرت مثل نظائرها في كل مكان نزعات توسعية وقت كانت بالكاد تقف على قدميها، وكانت حتى وقت قريب تماهي بكامل منطقة الجزيرة، وبعض أجزاء حلب، وأحياناً المدينة بكاملها. تصور روجآفا لا يصلح أساساً لمعالجة القضية الكردية في سوريا، نقترب من المعالجة بالتخلي عنه بالأحرى.

هناك مشكلة عربية كردية في الجزيرة لم تكن قسد والإدارة الذاتية علاجاً لها، بل أقرب إلى استمرار للأسدية في هذا الشأن (وهي أثبتت ذلك لمن يحتاج إثباتاً بأن منعت أهالي لمنطقة من الاحتفال بسقوط النظام، وعزلتهم عن المتن السوري، كما رحبت بأسديين مسلحين في صفوفها). وبعد انحصار مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة الحسكة وفي كوباني ـ عين العرب، المخاطر على أشدها لجولة حربية قد تلحق من الدمار بالمحافظة التي نجت منه ما سبق أن لحق بدير الزور والرقة. هذا أولى ما ينبغي تجنبه.

للسلطات في دمشق يمكن لـ«جزراوي» مثل كاتب هذه السطور أن يقول: النصر سياسي وسياسي حصراً، وما قد يكسب بوسائل عسكرية يتعين إعادة كسبه بوسائل سياسية ومعنوية، توفر للطرف الخاسر أن يندمج مصون الكرامة والحقوق في النظام الفائز. وعنوان التفاوض والتسوية المأمولة مع القوى الكردية المسلحة يمكن أن يكون: لا شيء من السيادة، نعم، لكن 100٪ من السياسة، أي كل الحقوق الفردية والجمعية ومعه «إدارة ذاتية» في مناطق الأكثرية الكردية. ولنخبة قسد ربما يقول إن الهزيمة كذلك سياسية حصراً، وإنهم هزموا أنفسهم سياسياً قبل أن يهزموا عسكرياً في حلب وشرقها والجزيرة لأنهم لم يكونوا مستقيمين، ولم يدافعوا عن برنامج معقول (وقد يعود ذلك جزئيا إلى أنهم غير موحدي الكلمة، وأن الجناح القنديلي قد يكون أقوى كلمة من الجناح السوري). والعنوان هنا هو نفسه: كل السياسة، ولكن دون سيادة إضافية في دولة واحدة. وهم يحسنون إلى أنفسهم وإلى الكرد السوريين، وإلى سوريا ككل، بفك الارتباط التام مع حزب العمال الكردستاني في تركيا. الجماعة في حاجة إلى سياسة بديلة، تدافع عن المساواة الحقوقية والسياسية لنحو مليونين ونصف المليون من الكرد في سوريا مع غيرهم من السوريين.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————

رويترز: هذه كواليس سيطرة دمشق على مناطق قسد دون اعتراض أميركي

كشفت مصادر مطلعة أن سيطرة الحكومة السورية السريعة على مناطق واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم تكن وليدة تحرك عسكري مفاجئ، بل نتاج مسار سياسي وأمني تبلور عبر سلسلة اجتماعات مغلقة عُقدت في دمشق وباريس والعراق مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، وسط غياب أي اعتراض أميركي.

ونقلت وكالة رويترز عن 9 مصادر -دون الكشف عن هويتها- أن تلك الاجتماعات مهّدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق مكسبين إستراتيجيين متوازيين:

    الأول: المضي في تنفيذ تعهده بإعادة توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية واحدة.

    والثاني: عدم فقد حكومته لدعم الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وأفضت العملية إلى تقويض فعلي لمشروع الحكم الذاتي الذي كانت القوات الكردية تطمح إلى تثبيته في شمال شرقي سوريا، في تحوّل جذري لموازين القوى في البلاد.

نهاية مشروع الحكم الذاتي الكردي

واعتمدت الولايات المتحدة على قسد قوةً برية رئيسية في شمال شرقي سوريا خلال حربها على تنظيم الدولة الإسلامية منذ عام 2015، ومع انحسار تهديد التنظيم، تحولت تلك المناطق إلى كيان شبه مستقل بإدارة مدنية وعسكرية منفصلة عن دمشق.

غير أن سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر 2024، وصعود أحمد الشرع إلى الرئاسة، دفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها، بعد أن رأت -وفق مصادر مطلعة- في الحكومة السورية الجديدة شريكا أكثر قابلية لتوحيد البلاد وضبط الأمن.

وتعهد الشرع -أواخر عام 2024- بتوحيد سوريا وفرض السيطرة على جميع أراضيها، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، وعلى مدى أشهر من المحادثات خلال 2025، منح قسد مهلة عام كامل للاندماج في مؤسسات الدولة، غير أن تلك الجهود انتهت دون تحقيق أي تقدم ملموس.

من جانبه، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الولايات المتحدة أصبحت قادرة على الشراكة مع الدولة السورية، مؤكدا أنه لا مصلحة لواشنطن في الإبقاء على دور منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.

ضوء أخضر مشروط

وفي الرابع من يناير/كانون الثاني، قال 3 مسؤولين أكراد إن وزيرا سوريا أنهى بشكل مفاجئ اجتماعا في دمشق مع ممثلي قسد كان مخصصا لمناقشة آليات الاندماج، وفي اليوم التالي، توجه وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات أمنية بوساطة أميركية، شملت اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل.

إعلان

وقال مصدران سوريان مطلعان على تلك المحادثات إن دمشق طالبت تل أبيب بالكف عن تشجيع الأكراد على المماطلة في ملف الاندماج، مضيفين أن الجانب السوري طرح فكرة تنفيذ عملية عسكرية محدودة لاستعادة بعض المناطق.

وتنصلت قسد من تطبيق اتفاقها مع الحكومة الموقع في 10 مارس/آذار 2025، وهو ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرقي البلاد في إدارة الدولة وتأكيد وحدة أراضي البلاد وانسحاب قوات قسد من حلب إلى شرقي الفرات.

وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الاتفاق بين دمشق وقسد يثير قلقا بالغا في إسرائيل التي كانت تراهن على إضعاف الدولة السورية عبر الدفع نحو انفصال منطقتي الأكراد والدروز وإقامة كيانات مستقلة فيهما.

وأفاد مصدر سوري آخر بأن حكومة دمشق تلقت رسالة غير مباشرة عبر تركيا، مفادها أن واشنطن لن تعارض تحركا عسكريا ضد قسد، شريطة حماية المدنيين الأكراد وضمان أمن مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

ونقلت رويترز عن المسؤولة السياسية الكردية هدية يوسف قولها إن الاتفاق الذي جرى في باريس “منح الضوء الأخضر” لشن العملية العسكرية.

من التحالف إلى الاستبدال

وبعد نحو أسبوعين من انطلاق العمليات، بدأت واشنطن في إرسال إشارات واضحة إلى قسد بأنها لم تعد تحظى بالدعم الأميركي الذي تمتعت به لسنوات، بحسب دبلوماسي أميركي ومصدرين سوريين.

وقالت المصادر إن براك أبلغ زعيم قسد مظلوم عبدي خلال لقاء جمعهما في 17 يناير/كانون الثاني بإقليم كردستان العراق، أن مصالح الولايات المتحدة أصبحت مع حكومة الشرع، لا مع قوات سوريا الديمقراطية، لكن مسؤولا في قسد نفى هذه الرواية.

وأكدت مصادر عسكرية أميركية وكردية أن واشنطن قدمت ضمانات لقسد تتعلق بحماية المدنيين الأكراد ومنع انهيار السجون التي تضم آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة. غير أن هذه الضمانات، بحسب مسؤولين أكراد، لم تترجم إلى خطوات عملية كافية على الأرض.

تقدم القوات الحكومية

في المقابل، كشف مصدر أميركي مطّلع على موقف واشنطن، إلى جانب مصدرين أميركيين آخرين على دراية بالسياسة الأميركية اتجاه سوريا، أن الشرع كاد يبالغ في تقدير هامش القوة المتاح له خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم.

وتمكنت القوات الحكومية السورية من انتزاع السيطرة سريعا على المناطق ذات الغالبية العربية التي كانت خاضعة لسيطرة قسد، وواصلت تقدمها الميداني، وبحلول 19 يناير/كانون الثاني، طوقت هذه القوات آخر المدن التي لا تزال تحت سيطرة القوات الكردية في شمال شرقي سوريا، رغم إعلان وقف لإطلاق النار في اليوم السابق.

وأفادت المصادر الثلاثة بأن الإدارة الأميركية أبدت استياء واضحا من تجاهل القوات السورية للهدنة، وأعربت عن مخاوف جدية من احتمال وقوع أعمال عنف جماعية بحق المدنيين الأكراد.

وأضاف مصدران أن بعض المشرعين الأميركيين بدؤوا بالفعل بحث إمكانية إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر التصعيد العسكري.

ونقلت رويترز عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن الولايات المتحدة تتابع التطورات في سوريا “بقلق بالغ”، داعيا جميع الأطراف إلى “إعطاء الأولوية المطلقة لحماية المدنيين، ولا سيما أبناء الأقليات”.

إعلان

ومع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل الأكراد، أعلن الشرع بشكل مفاجئ وقفا جديدا لإطلاق النار، مؤكدا أن قواته لن تواصل التقدم إذا قدمت قسد خطة واضحة للاندماج ضمن مؤسسات الدولة بحلول نهاية الأسبوع.

وبحسب المصادر الأميركية، لقي هذا الإعلان ترحيبا في واشنطن، وأظهر الشرع بوصفه قائدا قادرا على الجمع بين الحسم العسكري والمرونة السياسية.

وبعد دقائق فقط، أصدر براك بيانا أكد فيه أن الدور الأساسي لقسد بوصفها قوة قتالية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية “قد انتهى إلى حد كبير”، مشيرا إلى أن الفرصة الحقيقية المتاحة أمام الأكراد تكمن في الانخراط ضمن الدولة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

المصدر: الجزيرة + رويترز

———————————

قرار “قسد” بين الواجهة القيادية ومراكز القوة الخفية/ باسل المحمد

دمشق- بعد سيطرة الجيش السوري خلال الأيام الماضية على مدينتي الرقة ودير الزور، دخلت مناطق شمال شرقي البلاد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ، لم تعد فيها التحولات الميدانية منفصلة عن المسارات السياسية. فالتقدم العسكري عكس تحوّلا في مقاربة الدولة لملف هذه المناطق، بعد فترة من التعويل على التفاهمات والاتفاقات.

وجاء هذا التحول في سياق تعثر تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط اتهامات متبادلة بالمماطلة وعدم الالتزام. وتشير تقارير سياسية وإعلامية إلى أن ذلك كان نتاج خلاف وانقسامات داخل “قسد”، حيث برزت أجنحة تملك تأثيرا فعليا في القرار، وترتبط بأجندات خارجية، عملت على تعطيل مسار الاتفاق ودفع المشهد نحو مزيد من التوتر.

في ظل هذه المعطيات، يطفو على السطح سؤال جوهري، من يملك القرار الفعلي في صفوفها؟ وهل القرار مركزي بيد قيادة معلنة؟ أم أنه موزع بين مراكز قوة متعددة، تتحكم في مساره حسابات داخلية وخارجية، خاصة مع تصاعد أهمية الحسكة في الحسابات السياسية والعسكرية، وتحوّل الموقف الأمريكي من شراكة ميدانية مفتوحة إلى مقاربة أكثر حذرا وبراغماتية؟

مركز القرار

تكشف بنية قوات سوريا الديمقراطية أن القرار الفعلي لا يُصاغ داخل أطرها المعلنة، بل يتجاوزها إلى وحدات حماية الشعب، التي تُعد المكون العسكري الأكثر نفوذا داخل “قسد”، والمرتبطة تنظيميا وفكريا بحزب العمال الكردستاني.

ويمتد هذا الارتباط إلى الفضاء الرمزي والمؤسسي، حيث تحضر صور عبد الله أوجلان زعيم الحزب في مقرات ومؤسسات الإدارة الذاتية، وتُدرَّس أفكاره ضمن المناهج التعليمية، بما يعكس هيمنة أيديولوجية تتجاوز الادعاء بالاستقلال المحلي.

وأعادت الأحداث الأخيرة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب تسليط الضوء على هذه الحقيقة، إذ أظهرت أن قرار التصعيد لم يكن نتاج حسابات محلية، بل جاء استجابة لتوجيهات خارجية، ما عزز فرضية أن حزب العمال الكردستاني هو صاحب الكلمة النهائية داخل منظومة “قسد”.

وأكد مصدر استخباراتي لصحيفة “الثورة السورية” أن عناصر من الحزب، بالتعاون مع “قسد”، يقفون خلف قصف مدينة حلب باستخدام مسيّرات إيرانية الصنع. كما شمل نشاط الحزب استثمار فلول النظام المخلوع، عبر تزويدهم بعبوات ناسفة وأدوات تفخيخ استُخدمت في استهداف مواقع مدنية وعسكرية داخل سوريا.

من جهته، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي، عمر تشيليك، إن التطورات الأخيرة في حلب شهدت تدخلا مباشرا من جبال قنديل في محاولة لجرّ الأوضاع نحو صدام أوسع، مشددا على أن ما يجري لا يمكن توصيفه كصراع عربي- كردي. وأضاف أن أمن الأكراد في سوريا بات “مهددا نتيجة هجمات نفذها تنظيم “قسد” بعد تلقيه تشجيعا من جهات معينة”.

رغم حضوره الإعلامي وتقديمه بوصفه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، تكشف الوقائع السياسية والميدانية أن مظلوم عبدي لا يمتلك القرار النهائي داخلها، بل يتحرك ضمن هامش ضيق تفرضه عليه البنية التنظيمية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، حيث تُحسم الخيارات الإستراتيجية خارج سوريا، وتحديدا في قنديل.

وبرز هذا الواقع بوضوح منذ توقيع عبدي اتفاق 10 مارس/آذار مع الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ لم يُحرز الاتفاق أي تقدم يُذكر رغم مرور نحو عام على توقيعه في ظل “مماطلة متكررة من جانب “قسد”، وتمسكها بمطلب اللامركزية السياسية، الذي تعتبره دمشق خطا أحمر لأسباب سيادية ووطنية داخلية، وترفض إدراجه ضمن أي تسوية مستقبلية.

اتفاق هش

وتعمّق هذا المشهد خلال الأيام القليلة الماضية عقب بدء الجيش السوري عملية عسكرية باتجاه دير حافر ومسكنة، وما تبعها من تحرير محافظتي الرقة ودير الزور على الضفة الشرقية لنهر الفرات.

ففي 18 يناير/كانون الثاني الجاري، أعلنت الرئاسة السورية توقيع اتفاق جديد مع “قسد” برعاية المبعوث الأمريكي توم برّاك، تضمّن بنودا جوهرية، أبرزها انضمام ما تبقى من هذه القوات كأفراد إلى مؤسسات الدولة، ودخول مؤسسات الحكومة إلى المناطق التي ما زالت “قسد” تسيطر عليها في الحسكة وعين العرب وغيرهما.

هذا الاتفاق وقّع عليه مظلوم عبدي عن بُعد، وسط تبرير رسمي بعدم حضوره بسبب سوء الأحوال الجوية. غير أن ما جرى لاحقا كشف هشاشة هذا التوقيع؛ إذ أفادت الإخبارية السورية، نقلا عن مصادر خاصة، مساء الاثنين الماضي، أن الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين الشرع وعبدي لم يُفضِ إلى تثبيت بنود الاتفاق.

ويرى الباحث أنس الشواخ أن دور عبدي “محدود جدا”، موضحا أن تنظيم حزب العمال الكردستاني لا يمنح هذه المساحة للأفراد، وأن التعليمات والقرارات تصدر من قيادته في جبال قنديل، ما يجعل هامش المناورة لدى عبدي ضيقا للغاية.

ويستدل على ذلك بالإشكالية التي رافقت توقيع الاتفاق الأخير، إذ رغم موافقة عبدي التي أعلنها لبراك، والتي يُعتقد أنه أقرّها خلال لقاءات في أربيل مع مسعود البارزاني وممثلين عن قوى كردية، فإنه لم يتمكن من الالتزام بها، وتجنب حضور مراسم التوقيع، التي جرت من جانب واحد بحضور الرئيس الشرع فقط.

وأضاف الشواخ للجزيرة نت أن ضعف دور عبدي يفسر الواقع الحالي المتمثل بتفكك “قسد”، وعودة حزب العمال الكردستاني إلى الواجهة بشكل صريح، من خلال تهديد قوات التحالف والجيش السوري، والتلويح بخيارات خطيرة كالحرب الإثنية (الأهلية) وملف محتجزي تنظيم الدولة الإسلامية.

دور محدود

من جهته، يقدّم الباحث السياسي التركي محمد أمين جنكيز مثالا عمليا على محدودية دور عبدي والواجهة القيادية لـ”قسد”، من خلال ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب.

إعلان

وبحسب جنكيز، أكدت مصادر تركية رسمية أن عبدي، إلى جانب رئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، أبديا استعدادا للانسحاب من الحيين والانفتاح على اتفاق مع الحكومة السورية، إلا أن توجيهات مباشرة من قيادة قنديل دفعت قوات “الأسايش” إلى خيار المواجهة العسكرية، في تجاهل تام لما أبدته القيادة المعلنة من مرونة سياسية.

تُمثّل محافظة الحسكة اليوم آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية وأكثرها حساسية في الحسابات الكردية، ليس فقط بوصفها مساحة جغرافية، بل باعتبارها مركز ثقلها السياسي والعسكري والإداري ولما يُعرف بالإدارة الذاتية.

وأوضح الباحث المختص بشؤون “قسد” عامر المثقال أن الحسكة تُعد الركيزة الأهم في الحسابات الكردية شمال شرق سوريا، نظرا لاحتضانها الكتلة السكانية الكردية الأكبر، وكونها مقر القرار الفعلي سياسيا وأمنيا وإداريا.

وأشار للجزيرة نت إلى أن هذا العامل يفسّر غياب أي مقاومة تُذكر من جانب “قسد” عقب تقدم الحكومة في دير حافر ومسكنة وشرق حلب، ثم في الرقة ودير الزور، حيث يضعف أو ينعدم الوجود الكردي في كثير من المناطق، على خلاف الحسكة التي تختلف فيها المعادلة الديمغرافية بشكل جذري.

وتحدث عن عامل الحدود مع شمال العراق التي توفر لـ”قسد” شريان إمداد حيويا وممرا مفتوحا إلى الخارج، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة السياسية والعسكرية مقارنة ببقية مناطق نفوذها السابقة.

القوة الناعمة

ويرى المثقال أن دمشق تتجه بالفعل نحو بسط سيطرتها على الحسكة، لكن ليس بالضرورة عبر خيار عسكري مباشر، بل من خلال المزاوجة بين أدوات القوة الناعمة والضغط العسكري المحسوب، وأكد أن الحكومة قد لا تتعجل دخول شمال الحسكة بالقوة، ما لم تفشل التفاهمات السياسية والوساطات التي تنشط فيها الولايات المتحدة بشكل رئيسي خلال المرحلة الحالية.

وأفصحت الرئاسة السورية عن توصلها إلى تفاهم مشترك جديد مع “قسد” بشأن عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل هذه المحافظة وآليات الدمج العسكري.

وأوضحت الرئاسة، في بيان نشرته وكالة سانا أمس الأول الثلاثاء، أنه جرى الاتفاق على منح “قسد” مهلة 4 أيام للتشاور الداخلي، بهدف إعداد خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليا.

وبحسب البيان، فإنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وستبقى على أطرافهما، على أن تُناقش لاحقا الجداول الزمنية والتفاصيل الخاصة بعملية الدمج السلمي للمحافظة، بما في ذلك مدينة القامشلي.

كما تم التأكيد على أن القوات العسكرية السورية لن تدخل القرى ذات الغالبية الكردية، وألا توجد أي قوات مسلحة فيها، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة، وفقا لما نص عليه الاتفاق.

وشكّلت واشنطن على مدى سنوات الداعم الدولي الأبرز لـ”قسد،” في إطار شراكة قامت أساسا على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن التقدم السريع الذي حققه الجيش السوري في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة وحدود استمرارها.

وقال المبعوث الأميركي توم براك، مساء الثلاثاء الماضي، في تصريحات صحفية، إن “أعظم فرصة متاحة حاليا للأكراد تأتي في ظل الحكومة الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع”.

واعتبر أن هذه اللحظة “تفتح مسارا حقيقيا أمامهم للاندماج الكامل ضمن دولة سورية موحدة”. وأضاف أن “الوضع الراهن يغيّر مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقسد”، في إشارة واضحة إلى أن الأسس التي قامت عليها العلاقة لم تعد قائمة.

تآكل العلاقة

وحول ملف مكافحة تنظيم الدولة الذي شكّل حجر الأساس في التحالف بينهما، أكد برّاك أن “الغرض الأصلي لقسد كقوة رئيسية لمكافحة التنظيم قد انتهى”، لافتا إلى أن دمشق باتت اليوم “مستعدة ومؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز عناصر التنظيم”.

إعلان

من جانبه، يرى الباحث أنس الشواخ أن الموقف الأمريكي تاريخيا كان مرتبطا بشكل مباشر بدور “قسد” كشريك محلي للتحالف الدولي في قتال تنظيم الدولة. ومع التراجع الكبير لقدرات التنظيم وتقلص خطره الميداني، بدأت هذه العلاقة بالتآكل تدريجيا، وصولا إلى توقيع اتفاق 10 مارس/آذار، الذي اعتبرت واشنطن من خلاله أنها أوفت بالتزاماتها تجاه “قسد”، عبر فتح مسار تفكيك آمن ودمج تدريجي ضمن الدولة السورية الجديدة، وبموافقة ودعم من حكومة دمشق.

وأشار إلى أن تعنّت “قسد” وفشلها في السير في هذا المسار السياسي، أنهى عمليا ما تبقى من التزامات أمريكية تجاهها. وأضاف أن انضمام الحكومة السورية، قبل نحو شهر، بشكل رسمي إلى قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة، أسقط آخر مبررات الشراكة الأمريكية مع “قسد”، حتى في الملف الذي شكّل جوهر العلاقة بينهما.

وبحسب هذا التقدير، يرى مراقبون أن واشنطن لم تعد تنظر إلى “قسد” كشريك ضروري، بل كإشكالية أمنية وسياسية تسعى إلى معالجتها ضمن مقاربة جديدة، تقوم على دعم الدولة السورية في بسط سيادتها، والتعامل معها كقوة فقدت وظيفتها الأساسية وانتهت صلاحيتها، في ظل التحولات الجارية على الأرض.

المصدر: الجزيرة

————————

عشرة أيام هزت الجغرافيا وكتبت التاريخ/ د. وائل مرزا

يناير 22, 2026

ليست السياسة دائماً مساراً بطيئاً تُديره الجولات التفاوضية والوساطات والبيانات الدبلوماسية. فأحياناً تتصرّف كزلزالٍ منضبط، لا يُهدم لمجرّد الهدم، وإنما يعيد ترتيب الواقع وفق منطقٍ جديد. هذا بالضبط ما شهدته سوريا خلال عشرة أيام فقط. سلسلة أحداث متلاحقة بدأت من أحداث حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وانتهت إلى لحظة كان يصعب تخيّلها قبل أسابيع، متمثلةً في الاتفاق الذي يعني عملياً تفكيك قسد بوصفها مشروعاً مستقلاً نهائياً، وتحويلها من كيانٍ سياسي-عسكري موازٍ إلى تفصيلٍ قابل للدمج والتلاشي.

وحين يُعاد تأمل هذه السرعة في المستقبل، فسيطلّ معنىً لافت يكاد يكتب نفسه، ويقول إن سوريا التي تحررت في أحد عشر يوماً، تبدو وكأنها تتوحَّد في عشرة؛ وكأن التاريخ يُصرّ على القول إن زمن الانعطافات الكبرى قد عاد، وإن الإيقاع الجديد لم يعد يسمح بإطالة الفصول المفتوحة إلى ما لا نهاية.

في القراءة المتأنية، نحن أمام انتقالٍ سريع من “المنطقة الرمادية” التي عاشت عليها قسد عقداً كاملاً، إلى لحظة “الوضوح القاسي”؛ حيث تتعرّى الأشياء من ديكورها، ويظهر معدنها الحقيقي. ذلك أن الأرض نفسها كانت قد وصلت إلى أقصى ما تحتمل من التشظي، ولأن ميزان القوى –في الجوهر– كان قد مال منذ زمن، لكنه كان ينتظر اللحظة التي تقرر فيها الدولة أن تتقدّم خطوةً كبيرة فتُسقط عشرات الأقنعة دفعة واحدة.

بدأت القصة، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، بما بدا ظاهرياً حدثاً أمنياً واحتكاكاً محلياً ضمن سياق حسّاس ومعقّد. لكن جوهرهما كان أكبر بكثير. فقد كانا اختباراً سيادياً للدولة السورية الجديدة، يطرح أسئلةً كبرى: هل تستطيع ضبط الإيقاع في أكثر المناطق تداخلاً، دون الوقوع في فخّ الاستنزاف أو الانتقام أو الفوضى؟ وهل تستطيع تحويل الملف الكردي من وقود حرب أهلية متوقعة، إلى بوابة اندماج وطني مضبوط؟ هنا تحديداً، لم تكن النار في الزاوية مجرد نارٍ محلية، وإنما محاولة لخلق نموذجٍ صغير عن “سوريا المتنازَع عليها”، سوريا التي لا تنتهي فيها السكاكين من اللعب على حافة الهاوية.

غير أن الدولة قررت أن تقرأ المشهد قراءة مختلفة. أن يكون ردّها هادئاً مضبوطاً، لا يشتري الذعر ولا يتاجر بالمشاعر. وهذا الهدوء لم يكن ضعفاً بقدر كونه ثقةً بمعادلات جديدة تتكوّن، وبأن كل استعراض على الأرض ستتجاوزه الحقائق خلال أيام. فالدولة التي تهتزّ أمام الاستفزازات تُدار من الخارج، أما الدولة التي لا تُستدرج، فهي التي تجرّ الخصوم إلى ميدانها، ميدان القانون والسيادة، لا ميدان الأعصاب.

ثم جاءت لحظة دير حافر لتُضيف إلى الاختبار السياسي اختباراً من نوعٍ آخر يتمثل في السيطرة على الأرض حين تُصبح “الجغرافيا” هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الخصم. من هنا، فإن تحرير دير حافر لم يكن مجرد تقدّمٍ ميداني، بقدر كونهِ كسراً لمفتاحٍٍ نفسيّ لدى الطرف الذي اعتاد بناء هيبته على صورة “الحيّز المحرَّم” الذي لا تقترب منه الدولة. ومع دير حافر، بدا أن شيئاً ما قد انزاح نهائياً: إذ لم تعد الدولة تتقدم لتُفاوض.. وإنما لتُثبّت وقائع. وما إن بدأت ملامح الطبقة تلوح في خطاب الجيش والتحركات المرافقة، حتى تحوّل المشهد من معركة نقاط إلى معركة مفاصل.

فمن يملك الطبقة يملك بوابة الرقة، ومن يضع قدمه على طريقها يضع يده على مفصل غرب الفرات كله. وهكذا، بدا كأن السبحة انفرطت فجأة في مشاهد تقدّمٍ سريع، وفراغٍ يتسع، وانهيارٍ في شبكة التوازنات القديمة، وإذا بالجيش يدخل الرقة بوصفها رمزاً لانتهاء مرحلةٍ كاملة.

وفي اللحظة نفسها تقريباً، كانت العشائر العربية تُطلق انتفاضتها الكبرى لتحرّر دير الزور، وبحيث كان هذا الحدث الذي أعلن بصوتٍ واضح أن الشرق لم يعد قابلاً للتأجير السياسي، وأن من ظنّ أنه يملك الناس بالشعارات اكتشف أن الناس يملكون أرضهم بالعصب والهوية؛ وأن “الوظيفة” التي مُنحت لقسد لعشر سنوات تبدأ بالذوبان فور ظهور الدولة، وفور انتقال القبائل من موقع المراقبة إلى موقع الفعل. وفي تلك اللحظة، كان لا بد أن يأتي القرار السياسي الكبير كتتويجٍ لواقعٍ تشكّل على الأرض بسرعةٍ خاطفة.

فجاءت لحظة المرسوم الرئاسي الخاص بضمان الحقوق الكردية دستورياً وقانونياً، في ذروة الاحتقان والمواجهة، وفي توقيت بدا للبعض “مغامرة”، لكن القراءة الاستراتيجية تقول العكس تماماً. ذلك أن هذا النوع من القرارات ليس أخلاقياً فقط؛ إنه قرار عسكري-سياسي في العمق. فعندما تسحب من خصمك الذريعة الأخلاقية والقانونية التي يتكئ عليها، فأنت لا تتنازل؛ وإنما تنزع صاعق شرعيته.

ولقد كان المرسوم إعلاناً بأن الدولة قررت أن تحارب خصومها بأكثر الأسلحة فعالية، متمثلاً في سحب أسباب الحرب قبل أن تقع. وأن تُغلق الباب الذي عاش عليه مشروع الوكالة سنوات، متمثلاً في شعارات “حماية الأقليات” و”الحقوق” و”التمييز”. فإذا تحوّلت الحقوق إلى ضمانة وطنية معلنة، صار الاستثمار الخارجي في الورقة الكردية أقل جدوى، وصارت أي محاولة لاستكمال مشروع الانفصال مكشوفةً بوصفها خروجاً عن الوطن لا دفاعاً عنه.

على أن التحوّل الأكبر لم يكن عسكرياً فحسب؛ وإنما سردياً أيضاً. فطوال عقد كامل، لم تكن قسد بندقيةً فقط بقدر كونها “رواية”ً وقصةً مصنوعة بعناية لتقديمها للعالم بوصفها “قوة ضرورية” و”حليفاً لا غنى عنه” و”نموذجاً سياسياً حديثاً”. غير أن الأيام العشرة الأخيرة كشفت حقيقةً مركزية تتمثل في أن الروايات تُباع في الظلام.. لكنها تنهار في ساعة الوقائع. وما إن يبدأ ميزان القوة الحقيقي بالظهور حتى يهرب تجّار الأوهام، ويغادروا المشهد كما يغادر الممثل الخشبة بعد انتهاء دوره، تاركين من صدّقهم تحت المطر بلا مظلة.

وإذا كان ثمة درسٌ استراتيجي من هذه الأيام القليلة الكثيفة، فهو أن الدولة السورية الجديدة لم تكن تسير برد فعلٍ عصبي، ولم تكن تُدار بالغضب. وإنما كانت تعمل بمنطق واضح. فهي لا تفضح المعادلات قبل أوانها، ولا تتباهى بما لا يلزم، ولا تفتح فمها كثيراً كي لا تُربك يدها. وهذا ماجعل هدوؤها لافتاً: لا استنفار لغوي، لا صراخ، لا “تشنج دولة” أمام مظاهر انفصال أو استفزاز، وإنما سلوكٌ يوحي بأنها تعرف أكثر مما تقول، وأنها تمسك بخيوط المشهد على مهل، لأن من يمسك بالمشهد لا يحتاج إلى رفع صوته.

من الأشرفية والشيخ مقصود إلى الاتفاق الذي يغلق ملف قسد بوصفها مشروعاً مستقلاً، لم تكن سوريا مجرد ساحة أحداث، وإنما كانت تعيد تعريف ذاتها، دولةً واحدة، وعقلاً سياسياً جديداً، وسقفاً وطنياً لا يسمح لراية الزيف ولا لرواية الزيف أن تبقى مرفوعةً فوق الأرض.

عشرة أيام فقط كانت كافية لإعلان الحقيقة التي تهربُ منها كل الأوهام: حين تظهر الدولة، ينتهي دور الوكلاء. وحين تتقدم الحقيقة إلى الضوء، لا يبقى للزيف إلا مكانه الطبيعي.. على هامش التاريخ.

الثورة السورية

——————————-

الحقوق الكردية الأساسية في المرسوم 13.. خطوة تأسيسية في الاتجاه الصحيح/ فضل عبد الغني

يناير 22, 2026

يمثل الاعتراف بحقوق الأقليات ضمن الأطر الدستورية أحد المقومات الجوهرية لترسيخ الشرعية السياسية وتعزيز التماسك الاجتماعي في المجتمعات التعددية. في سوريا، شكّل إصدار المرسوم الرئاسي رقم 13 عن الرئيس أحمد الشرع في كانون الثاني/ يناير 2026 منعطفاً مهماً في المسار الدستوري للبلاد، إذ تضمّن اعترافًا صريحًا بالهوية واللغة وحقوق المواطنة للكرد السوريين، وفتح الباب لتفكيك ركائز قمعية تراكمت عبر عقود من الإقصاء المنهجي.

واستنادًا إلى الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025، يرسّخ هذا المرسوم نموذجاً للوحدة الوطنية لا يقوم على فرض التجانس العرقي أو اللغوي، بل على الاعتراف بالتنوع ودمجه ضمن مفهوم المواطنة المتساوية.

كما يمثل هذا المرسوم أول اعتراف رسمي بالحقوق الكردية في التاريخ القانوني السوري، بما يشير إلى انتقال نوعي من مقاربات الإقصاء القومي إلى قومية مدنية متجذرة في مبدأ المواطنة. وتتناول هذه المقالة الأسس النظرية والبنية القانونية والدلالات الدستورية لهذا الاعتراف، وتجادل بأنَّ إدراج الحقوق الكردية الأساسية، على الرغم من كونه تقدماً ضرورياً وجديراً بالتثمين، فإنَّ قدرته التحويلية تظل مرهونة بالتكريس الدستوري، والتنفيذ الشامل، والالتزام السياسي المستدام.

يشكّل الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025 الإطار القانوني المرجعي الذي يستمد منه المرسوم رقم 13 سلطته وشرعيته. وتنص المادة 7(3) من الإعلان الدستوري على التزام الدولة بضمان التنوع الثقافي للمجتمع السوري وحماية الحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، بما يؤسس لالتزام دستوري إيجابي يتجاوز مفهوم التسامح إلى واجب الدعم الفعّال. ويترتب على هذا النص التزام مؤسسي قابل للتنفيذ، يقتضي من أجهزة الدولة تمكين التعبير الثقافي للأقليات بصورة عملية، لا الاكتفاء بالسماح الشكلي به.

ويعكس الإطار المفاهيمي لهذا الاعتراف تحولًا نظريًا مهمًّا من القومية الإقصائية إلى التعددية الشاملة؛ فبينما كانت الدساتير السورية السابقة تُعرّف الهوية الوطنية حصراً بمصطلحات عربية، وتتعامل مع الهوية الكردية باعتبارها غير منسجمة بطبيعتها مع تصور الأمة السورية، يرسّخ الإطار الجديد تصوراً تعددياً للانتماء الوطني. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أنَّ المواطنين الأكراد جزء لا يتجزأ من الشعب السوري، وأنَّ هويتهم الثقافية واللغوية تُعد عنصرًا أصيلًا ومكوّنًا لا ينفصل عن الهوية الوطنية السورية.

ويتسق هذا التصور للوحدة، بوصفها متحققة عبر التنوع لا عبر التجانس، مع النظريات المعاصرة للقومية المدنية التي تؤسس الهوية الوطنية على المواطنة المشتركة والانتماء السياسي، لا على تماثل الأصل العرقي أو اللغة.

وعلاوة على ذلك، تنص المادة 48 من الإعلان الدستوري على التزامات العدالة الانتقالية، وتقرر أن تلغي الدولة جميع القوانين الاستثنائية التي أضرت بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان. ويؤسس هذا النص سلطة دستورية مباشرة لإبطال نتائج الإجراءات التمييزية المرتبطة بتعداد عام 1962، الذي جرّد عشرات الآلاف من الكرد السوريين من جنسيتهم، وأدى إلى استمرار انعدام الجنسية عبر أجيال متعاقبة. ويُفعّل المرسوم هذا التفويض الدستوري بإلغاء هذه القوانين الاستثنائية بصورة قاطعة، وإعادة الجنسية دون قيد أو شرط.

كما تؤسس الأحكام الموضوعية للمرسوم رقم 13 إطارًا متعدد المستويات لحماية الحقوق الكردية؛ ولعل اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية يمثل من أهم هذه الأحكام، إذ يمنح اللغة مكانة عامة وشرعية قانونية بعد أن تعرضت للقمع المنهجي لعقود. كما يرسّخ هذا الاعتراف حق التعليم باللغة الكردية بوصفه حقًا أصيلًا لا امتيازًا اختياريًا، بما يستلزم توفير موارد مؤسسية وأطر سياساتية وتمويلية تضمن قابليته للتحقق.

ويكتسب التمييز بين اللغة الرسمية واللغة الوطنية أهمية بالغة. فمع بقاء اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة لإدارة الدولة، فإنَّ الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية ذات مكانة عامة يسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الأكراد نسبة كبيرة من السكان. ويُدخل هذا التصور الإقليمي قدراً من المرونة دون إنشاء مناطق لغوية حصرية، بما يتيح تطبيقه في البيئات ذات التركيبة السكانية المختلطة، مع توفير أساس واضح ومنضبط لتعليم اللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية.

ويحقق بند استعادة الجنسية غايات قانونية بالغة الأهمية عبر إلغاء البنية المنتجة لانعدام الجنسية؛ وخلافاً للإصلاحات الجزئية السابقة التي انحصرت في فئات بعينها من عديمي الجنسية، يمتد نطاق المرسوم صراحة إلى من لم تُسجل ولاداتهم أصلًا، وبذلك يتعامل مع أشد أشكال الإقصاء القانوني عمقًا.

كما يقرر مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات التزامًا مُلزمًا بحظر التمييز، ويؤسس لضمانات مساواة قابلة للنفاذ في مختلف مجالات المواطنة. ويتقاطع هذا النهج مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تؤكد أنَّ انعدام الجنسية الناشئ عن حرمان تعسفي من الجنسية يجعل منح الجنسية أو استعادتها أكثر اتساقاً مع المعايير الدولية من الاكتفاء بإجراءات تحديد حالة انعدام الجنسية.

على الرغم من أهميته التاريخية، ينطوي المرسوم على قيود بنيوية قد تُضعف أثره التحويلي؛ فبصفته مرسومًا رئاسيًا، يفتقر إلى الحصانة الدستورية التي توفّر أعلى درجات الحماية ضد احتمالات التراجع أو الإلغاء مستقبلًا. وتبرز هنا هشاشة الحقوق التي تستند إلى قرارات السلطة التنفيذية، مقارنة بالحقوق المكرسة دستوريًا. فالحقوق التي تُدرج في متن الدستور، وتُحاط بضمانات تعديل صارمة تتطلب أغلبيات معززة، تتمتع بحماية أرسخ بكثير من تلك التي تبقى رهناً بتقدير السلطة التنفيذية.

ويمثل غياب آليات تعويض شاملة قيدًا إضافيًا لا يقل أهمية. فاستعادة الجنسية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الأضرار الاقتصادية، والحرمان التعليمي، والآثار النفسية والاجتماعية المتراكمة على مدى عقود من انعدام الجنسية. وتقتضي العدالة الانتقالية، في هذا السياق، تشريعات تنفيذية لاحقة تتناول التعويض المادي، والاعتراف المعنوي، وبرامج إعادة الإدماج الاجتماعي، بما يكمل الإطار الذي يضعه المرسوم. ولا يمكن سد الفجوة بين التطلعات المعلنة والواقع العملي إلا من خلال إرادة سياسية مستدامة، وتخصيص موارد كافية، وحوكمة رشيدة.

الثورة السورية

———————————

 ما بعد قسد.. المسألة الكردية وإعادة بناء الدولة السورية/ د. عبد المنعم حلبي

2026.01.22

في ضوء التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة، ولا سيما تحرير محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من الحسكة من سيطرة تنظيم قسد، تدخل المسألة الكردية في سوريا مرحلة جديدة تتجاوز منطق الصراع العسكري أو التفاهمات الظرفية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول شكل الدولة ونموذج الحكم القادر على منح الضمانات الجماعية لكافة المكونات الوطنية، فهذه التحولات، التي جاءت لتكون الأهم بعد سقوط نظام الأسد، لا تفتح فقط باب استعادة السيطرة، بل تفرض تحدياً أعمق يرتبط بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة مختلفة تمنع إعادة إنتاج الأزمات.

لقد عادت المسألة الكردية إلى صدارة النقاش الوطني بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، ليس لارتباطها بالهوية والحقوق فحسب، بل لأنها تكشف في جوهرها أزمة الدولة السورية ونموذج الحكم الذي ساد لعقود. فقد عانى الأكراد السوريون، بوصفهم مكوّناً أصيلاً من المجتمع، من سياسات إقصاء وتهميش شملت حرماناً من الحقوق الثقافية والمدنية، وتجاهلاً للخصوصيات الاجتماعية واللغوية، ما أسهم في تراكم شعور بالغبن استثمرته لاحقاً قوى سياسية وعسكرية، في مقدمتها حزب العمال الكردستاني وأذرعه وعلى رأسها تنظيم قسد. ومن هنا، فإن المواجهة مع قسد هي لحظة اختبار حقيقية للدولة السورية الجديدة: هل تكتفي باستعادة السيطرة بالقوة، أم تستثمر هذا المنعطف المهم لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها؟ وذلك بناءً على أن التجارب المقارنة تؤكد أن الحلول العسكرية والأمنية، مهما بدت حاسمة، لا تنتج استقراراً دائماً ما لم تُستكمل بإصلاح سياسي ومؤسسي عميق يعالج جذور الأزمات، لا أعراضها فقط.

في هذا السياق، يحمل المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس أحمد الشرع والمتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد دلالات سياسية مهمة، تتجاوز مضمونه المباشر. فهو يبعث برسالة واضحة تفصل بين الكرد السوريين كمكوّن وطني أصيل، وبين تنظيم قسد الذي سقط مشروعه العسكري، وكذلك السياسي عملياً. ويمكن النظر إلى هذا المرسوم بوصفه محاولة لإعادة إدماج المسألة الكردية في إطار وطني جامع بعد سنوات من تسييسها وتسليحها، وبما يتجاوز حدود الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية. فالتحدي الحقيقي أمام السلطة الانتقالية لا يقتصر على تفكيك البنية العسكرية لقسد، بل يمتد إلى تفكيك البيئة السياسية التي سمحت بنشوء مثل هذه التنظيمات. وهذه البيئة تشكّلت أساساً بفعل مركزية مفرطة، وفساد مزمن، وغياب آليات المشاركة والمساءلة، وهي أمراض لا يختص بها شمال شرقي سوريا وحده، بل عانت منها البلاد بأكملها.

لقد أثبتت التجربة السورية أن جوهر الأزمات لا يكمن في الهويات بقدر ما يكمن في نمط إدارة الدولة. فالمركزية الشديدة التي حكمت سوريا لعقود، وما رافقها من اختلالات تنموية صارخة بين المحافظات، خلقت بيئة حاضنة للاحتجاج، ثم للتسلح، ثم قيام سلطات أمر واقع. وبالتالي، فإن المرحلة القادمة تفرض الانتقال من منطق “استعادة السيطرة” إلى منطق “إعادة البناء المؤسسي”، أي بناء نظام حوكمة جديد يشمل كامل الأراضي السورية دون استثناء أو تمييز.

ويعني اعتماد لامركزية حقيقية نقل صلاحيات فعلية إلى الوحدات الإدارية المحلية في مجالات التخطيط، والخدمات، والتنمية الاقتصادية، وإدارة الموارد، مع تمكينها من أدوات مالية واضحة وشفافة، ضمن إطار وحدة الدولة وسيادتها. كما يتطلب إخضاع هذه الوحدات لنظام مساءلة ديمقراطي يمنع إعادة إنتاج الاستبداد على المستوى المحلي أو تحوّل اللامركزية إلى إقطاعيات سياسية أو عسكرية.

إن تبنّي اللامركزية الإدارية والمالية الموسَّعة لم يعد خياراً نظرياً أو مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية لإدارة بلد متنوع جغرافياً وديمغرافياً واقتصادياً. غير أن نجاح هذا الخيار يتوقف على ترجمته إلى ترتيبات إدارية واقعية، فاللامركزية لا تُقاس بعدد المجالس المحلية أو الشعارات المرفوعة، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتقليص الفجوات، ومنع تركز السلطة والثروة في يد مركز واحد أو نخبة ضيقة. ومن حيث البنية الإدارية، لا ينبغي التعامل مع التقسيمات الحالية للمحافظات بوصفها خطوطًا مقدسة غير قابلة للنقاش. إذ يمكن البناء عليها مؤقتًا، أو إعادة النظر فيها عبر تقسيمات إدارية جديدة تراعي الكثافة السكانية، والواقع الجغرافي، وضرورات التنمية المتوازنة، ومعايير العدالة في توزيع الموارد والخدمات، بحيث تصبح الإدارة المحلية أداة لردم الفجوات التنموية التاريخية بين المركز والأطراف، لا مجرد إعادة توزيع شكلي للسلطات.

في هذا الإطار، يمكن التفكير عملياً في إعادة هيكلة التقسيمات الإدارية السورية على أسس وظيفية وتنموية. فمحافظة الرقة، وبعد سنوات من التهميش ثم الحكم العسكري، تحتاج إلى نموذج إدارة محلية قوي يراعي طبيعتها الزراعية–النهرية، وكثافتها السكانية المتوسطة، وحاجتها الماسّة لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية. وقد يكون من المجدي تقسيمها إدارياً إلى وحدتين أو ثلاث وحدات محلية كبيرة نسبياً، تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الموارد الزراعية، والري، والخدمات، بما يضمن تنمية متوازنة بين المدينة والريف، ويمنع إعادة تركز القرار في مركز واحد ضعيف.

أما دير الزور، بما تمتلكه من موارد نفطية وزراعية وموقع جغرافي استراتيجي، فهي مثال نموذجي على ضرورة ربط التقسيم الإداري بالعدالة في توزيع الموارد. فالإبقاء على نموذج محافظة شاسعة تُدار من مركز واحد أثبت فشله تاريخياً. ويمكن هنا التفكير في تقسيم إداري يأخذ بعين الاعتبار الضفتين الشرقية والغربية للفرات، مع وحدات إدارية تتمتع باستقلال مالي نسبي، تُمكّنها من استثمار جزء من مواردها محلياً في البنية التحتية والتعليم والصحة، بدل تحويلها بالكامل إلى المركز دون عائد تنموي ملموس.

وفي الحسكة، حيث يتداخل البعد القومي مع الخصوصية الزراعية والحدودية، تبدو الحاجة أكبر إلى نموذج إدارة محلية مرن يراعي التنوع السكاني والاقتصادي. فإعادة تنظيم المحافظة إدارياً، سواء عبر الحفاظ على وحدتها مع تعزيز صلاحيات البلديات والنواحي، أو عبر تقسيمها إلى أقاليم إدارية أصغر متجانسة نسبياً، يمكن أن يخفف من التوترات، ويمنع احتكار القرار من أي طرف، ويضمن وصول الخدمات والموارد إلى مختلف المناطق بعدالة.

إن تبنّي هذا المنهج على مستوى البلاد ككل، سواء عبر تطوير التقسيمات الحالية للمحافظات أو استحداث تقسيمات جديدة تراعي الكثافة السكانية والواقع الاقتصادي، من شأنه أن يخلق إطاراً وطنياً متماسكاً للامركزية، ويمنع التعامل مع المناطق المحررة حديثاً بوصفها “حالات خاصة”. والمسألة الكردية، بكل ما تحمله من تعقيد تاريخي وسياسي، لا تشكل تحدياً منفصلًا عن غيرها من القضايا السورية المرتبطة بنظام الحكم والحوكمة الجديد، بل تشكل اختباراً إضافياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تعريف علاقتها بمواطنيها والمجتمع، وبين المركز والأطراف، على أسس مختلفة جذرياً عما كان قائماً، تنقلنا جميعاً من دولة السيطرة إلى دولة الإدارة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، وتحويل التنوع من مصدر صراع إلى ركيزة لبناء دولة موحّدة، مستقرة بعدالتها، وقادرة على منع عودة أي مشروع مسلح أو انفصالي تحت أي مسمى. كل ذلك بخطط وأدوات السلام: إصلاح حقيقي في نظام الحوكمة، تقسيمات إدارية عادلة، وتنمية متوازنة، سلام يعطي فرصة حقيقية لإعادة بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتستمد وحدتها من عدالة نظامها، لا من قسر سلطتها.

تلفزيون سوريا

———————————-

ما بعد التحرر: كيف يتجاوز الأفراد أنماط التكيف مع داعش وقسد؟/ د. إبراهيم إسماعيل

يناير 22, 2026

حين يختلف رجل مع زوجته، قد لا يلجآن إلى نقاش عقلاني طويل، ولا إلى جلسة مصارحة، بل إلى سلوكيات أبسط، ربما تطبخ له ما يحب، أو أنه قد يهديها ما تأنس به، أو يقول كلمة لطيفة يعرف أنها تصيب الوتر الحساس في نفسها، كل ذلك ليس وصفة مكتوبة للحل، لكنها معرفة نفسية بجدوى هذا السلوك.

ليست كل التفاهمات نتيجة عقود مكتوبة أو اتفاقات محددة واضحة المعالم. بل إن كثيراً منها يقوم على ما يمكن تسميته بـ«الإدراكات المتبادلة»؛ وهي منطقة رمادية يفهم فيها كل طرف ما الذي يُرضي الآخر، وما الذي يهدّئه، وما الذي يفتح له باب القبول.

لا يقتصر هذا المنطق على العلاقات الخاصة مع الأفراد، بل يمتد إلى العلاقات العامة مع الكيانات، حيث تُوظَّف الإدراكات المتبادلة لتكون طوق نجاة. روى لي أحدهم أن أحد معارفه اعتقلته قوات قسد لأنه كان من عناصر تنظيم داعش، لكنهم أفرجوا عنه بعد مدة قصيرة. سألته: كيف أفلت منهم؟ قال: عندما سألوه لماذا انضممت لداعش، لم يدافع عن نفسه، ولم ينكر، بل قال لهم: أنتم سبب انضمامي إليهم.

ثم استدرك قائلا: لو أنني عرفتكم قبلهم لما التحقت بهم أصلا، لو أني عرفت أفكار القائد أوجلان لما كان هذا حالي، لطالما تمنّيت أن أرى شعر ابنتي إلى ركبتيها مثل مقاتلاتكم الشجاعات، لكن الدواعش ضللوني، والآن أنا سعيد أني بينكم. لم يخاطبهم الرجل بالحقائق، بل بالإدراكات التي يعرف أنهم يحبون سماعها، وكانت النتيجة أن أفرج عنه.

ليس مستغرباً أن لا نعثر في هذه التنظيمات الأيديولوجية المتطرفة ذات اليمين أو ذات اليسار على مفكرين كبار، أو علماء معتبرين، أو منظّرين حقيقيين، فهي مصممة لتناسب العناصر المؤدلَجة، والعقول الخفيفة سهلة الانقياد، والتي يمكن استمالتها بأنشودة حماسية، أو بجملة عاطفية، أو بشعار، أو بصورة رمزية.

ولذلك فلا يمكن لها أن تقدم نموذجاً جاذباً، فضلاً عن أن تصنع مدنية -وإن رفعت شعارات براقة، وأتيحت لها إمكانات كبيرة، وموارد ضخمة- ولهذا السبب فإن قدرها أن تبقى تنظيمات مغلقة تحمل عوامل فنائها في جوفها.

يحذر المفكر الجزائري مالك بن نبي من نوعين من الأفكار العاجزة عن البناء: الأفكار الميتة، وهي التي كانت يوما ما جزءا من التاريخ، لكنها فقدت جدواها وبقيت متداولة بوصفها مسميات لا آليات أفعال. والأفكار المميتة، وهي المستوردة من سياقات أخرى، وتُستخدم بمنطق النسخ واللصق، مع وهم أنها حلول سحرية لمشكلات واقع مختلف جذريا في شروطه وبنيته عن البيئة المستورَد منها.

مشكلة التنظيمات الأيديولوجية المتطرفة، يمينا ويسارا، أنها تتغذى على هذين النوعين معا: شعارات ميتة من الماضي، ونماذج مميتة من الخارج. ورغم اختلافها في الشعارات، فإنها تتشابه في النتيجة: تشويه المجتمع بدل إصلاحه، وتعطيل التفكير بدل تنشيطه.

لم تفهم هذه التنظيمات الماضي، ولم تعرف الطريقة الصحيحة للتعامل مع الحاضر أو المستقبل، كما أن مشاريعها مجرد شعارات، سواء نادت بالعودة إلى”الخلافة” أو دعت إلى اعتماد “الديمقراطية” أو تبني “الفيدرالية”. فكل ذلك إما من التاريخ الذي تجاوزه الزمن، أو من المستورد المشوه، ولقد وعى أكثر الناس واقع تلك المشاريع فتكيفوا مع هذا الواقع وتعاملوا ببراغماتية مضحكة أحياناً، كتعامل الأسير الداعشي مع المحقق القسدي، إذ قد يلجأ البعض للمناورة وإن بدا أنه يتحدث عن قناعة.

إن تجاوز إرث التكيّف مع سلطات قهرية كداعش وقسد؛ لا يكون بافتراض أن من عاش تحت سلطتها قد تعرض لغسيل دماغ، بل بفهم أن كثيرا من سلوكيات الناس مع سلطات الأمر الواقع تلك؛ كانت استجابات ظرفية لبيئة متحجرة لا تسمح بالصدق بقدر ما تبحث عن المؤمنين بمقولاتها الميتة أو منتجاتها المميتة. فالإنسان القابع تحت حكمها حين أسمعها ما تحب؛ لم يفعل ذلك لأنه يحب المراوغة، بل لأنه يخشى بطشها ويحسب أنه يتقي بذلك شرها، فهو يتصرف كما هو “المطلوب” لا كما يعتقد بالضرورة.

لكن ذلك لا ينفي وجود من تبنّوا تلك الأيديولوجيات عن قناعة، فلكل فكرة –مهما بدت شاذة– مؤمنون بها يعتقدون بصحتها. وهنا ينبغي التفريق: فمَن انتسب لتلك التنظيمات؛ فهو محتاج إلى تفكيك رواياتها، وتحرير وعيه منها، وهنا يأتي دور الحواضن التربوية والعلمية. أما من لم ينتسب إليها؛ فغالبا ما يكون تأثيرها عليه محدودا وربما معدوما، بسبب ما خلّفته من مظالم.

أما وقد طويت صفحة تلك التنظيمات -أو تكاد- بعد التحرير، فلا بد من التحرر من تلك الإدراكات أيضاً، وبذلك فإننا لا نتجاوز التنظيمات المتحجرة وحدها، بل نتجاوز الإنسان الذي صنعتْه ظروفها، أي الإنسان الخائف، المراوغ، المتكيّف. ونؤسس بدلا منه إنساناً حراً، لا يحتاج إلى أن يقول ما يُرضي به الآخرين، بل ما يعتقده، مما اكتسبه من الحواضن التربوية، لا من ورشات الدعاية الإيديولوجية.

الثورة السورية

———————————-

 القوى “الحاكمة” الانتحارية.. ثلاثة نماذج: قسد و”حزب الله” والهجري/ جاد يتيم

2026.01.22

​​​​شكّل اغتيال نصر الله في لبنان، وسقوط بشار الأسد في سوريا، وضرب النظام الإيراني في عقر داره والقضاء على كلٍّ من مشروعه النووي وقيادات الحرس الثوري، مضافًا إلى ذلك وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحولًا استراتيجيًا هائلًا في المنطقة. تغيّرت، نتيجة لذلك، كل الأسس التي قامت عليها السياسات الإقليمية والدولية في المنطقة، والتي أنتجت حسابات وقياسات لم تعد صالحة للعصر الجديد. ومن غير المفهوم أن يصيب العمى والقصور في استيعاب وفهم التغيرات من يمسك بمصير جماعة، وموجود في صلب القيادة، أي تتوافر لديه معطيات ومعلومات واضحة تمكّنه من رصد التحولات، فلا يتغير، ويختار الانتحار لحزبه وجماعته.

تستحضرني هنا نظرية داروين: “البقاء للأقوى (الأصلح)”، وبتعبير أدق “البقاء للأكثر ملاءمة” (Survival of the fittest)، ومدى انطباقها على بعض القوى في المنطقة، التي ظلّت مهيمنة لوقت طويل قبل أن يتجاوزها الزمن والتحولات. وهي قوى يمثّل كلٌّ منها الحزب “الحاكم” في جماعته، وتحديدًا أتحدث هنا عن: “حزب الله” و”قسد” وحالة الشيخ الهجري في السويداء، ممثَّلة عسكريًا بـ”قوات الحرس الوطني”، وجلّها من عناصر النظام السابق الذين نكّلوا بأهل السويداء وربما شاركوا في اغتيال الشيخ وحيد البلعوس.

تغيّرت المنطقة والسياسات، وانتهى فعليًا كل مشروع حلف الأقليات الذي روّج له المحور الإيراني، وبتقاطع مع المصالح الإسرائيلية التي تسعى للتفتيت ومنع قيام دول وطنية قوية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحًا وصريحًا وحاسمًا في الانحياز لتحالفات استراتيجية مع حلفاء استراتيجيين دولتيين: تركيا والسعودية في سوريا، والحكم السوري الجديد بقيادة الشرع بديلًا عن كل القوى والكيانات التي تأسست لملء الفراغ الذي نشأ عن ضعف سلطة الأسد وتلاشيها. أمّا اليوم، فلم يعد من مكان للبديل بوجود الأصيل، أي نظام الشرع في سوريا، الذي بات واحدًا من أسس النظام الإقليمي الجديد الذي ترسمه الولايات المتحدة.

توالت الإشارات إلى هذا التحالف العميق والتغيير الجذري: انضمام الحكم الجديد بقيادة الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، اجتماعات مباشرة بين الحكم الجديد في سوريا وإسرائيل تُوّجت باجتماع باريس الشهر الحالي وأدّت إلى اتفاقية أمنية تتضمن تبادلًا استخبارايًا وفتح آفاق التبادل الاقتصادي، والعلاقة الوثيقة التي تجمع ترامب بالشرع ودعمه بشكل لا محدود، وكذلك انحياز ترامب إلى أردوغان وتركيا. الأكثر من ذلك، أنه وعلى الرغم من المجازر والانتهاكات بحق المدنيين في كل من الساحل والسويداء، وكذلك كرنفال الحوار الوطني الاستعراضي، وعملية انتخابية لم تنتج مجلس شعب حتى اللحظة، فإن كل ذلك لم يزعزع الدعم الأميركي والغربي للشرع.

كيف يمكن لصاحب قرار وقيادات مسؤولة عن جماعات وازنة مثل الكرد ألا تعتبر ما يحصل تغييرًا في موازين القوى، وتتصرف على أساسه؟

وتمامًا كالنهج الذي يصرّ حزب الله في لبنان على انتهاجه، وحالة الإنكار للبيئة التي يدّعي الدفاع عنها، وأقصد شيعة لبنان بشكل خاص، أظهر الحزب الحاكم للكرد في سوريا قصورًا في التكيف مع الوقائع الجديدة والتحولات الكبرى، وهذا يعني الذهاب نحو انتحار جماعي. في الحالتين، من حق الكرد – كما شيعة لبنان – أن يحاسبوا من أخذهم إلى هزيمة محسومة سلفًا قد تقود إلى تهجير إضافي وتهدد وجودهم بحد ذاته.

والسؤال: هل فقد قائد قسد، الجنرال مظلوم عبدي، البوصلة، أم إنه ممنوع من التكيف مع المتغيرات؟ وهل في ظل كل ذلك لم تدرك القيادات الكردية أنها فقدت الدور، وجلّ ما تستطيع تحصيله في الواقع الراهن هو مكاسب سياسية وحماية المجتمع الذي تدّعي الدفاع عن أمنه وحياته وحراسة أحلامه؟

يختار الشيخ حكمت الهجري قيادة الدروز إلى انتحار جماعي بدلًا من تأمين مصالحهم وحمايتهم. وعلى غرار القيادات الكردية، لا يبدو أن الهجري يدرك أن الاتفاق السوري–الإسرائيلي في باريس، وكذلك التغير الجذري في مواقف الشيخ موفق طريف، يعنيان أن المغامرة انتهت، وأنه بعد الحسم العسكري في الشمال الشرقي مع الكرد سيكون ملف السويداء هو التالي. لقد تخلّت إسرائيل، مكرهة وبضغط أميركي، عن دعم الدروز في السويداء، كما تخلّى الأميركيون عن دعم الكرد شمالًا. مع ذلك، يسير الهجري بثبات وراء عناده، الذي سيورّث السوريين مزيدًا من الانشقاقات.

هذه دعوة للمصارحة، ولا يعني ذلك مطلقًا براءة الحكم السوري الجديد من عدم السعي إلى إدارة تنوّع حقيقي للمكونات السورية، أو إخلاء مسؤوليته عن التجاوزات التي أدت إلى مجازر بحق المدنيين وأجّجت الحقد الطائفي والإثني في سوريا. فالنظام الجديد يفضّل التسويات مع الخارج على الحوار مع الداخل، ويسعى لحل المشكلات الموروثة من النظام السابق عبر اتفاقات أمنية لا تتضمن بحث المشاركة السياسية، وهذا ما يعقّد الأمور. وبالتالي، فإن تأخر انخراط الكرد والدروز في مشروع الدولة الجديدة ليس مسؤوليتهم وحدهم.

لكن ما أقوله هنا، أنه مع كل هذا، فإن التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وتجمع على استقرار سوريا من باب تثبيت حكم الشرع، لا تترك مجالًا للمغامرة، لأن ذلك لن يغيّر في المشهد بل سيريق الكثير من الدماء. هذه واقعية لطالما انتهجتها الجماعات للحفاظ على وجودها، لكن يبدو أن القيادات الحالية للقوى الحاكمة في كل من لبنان (حزب الله) وسوريا (قسد والهجري) تختار أن تقود جماعاتها إلى الانتحار، لا العبور إلى برّ الأمان للحفاظ على الوجود.

اليوم نشهد انتهاء حقبة الكيانات التحت-دولتية والميليشيات الموازية، وتستأنف الولايات المتحدة الاستراتيجية التي بدأها جورج بوش الابن في العراق عام 2003: تسليم الحكم للأكثريات. إنه عصر عودة النظام الإقليمي الدولتي بقيادة سنية، وسوريا الموحدة في قلب النظام الجديد، بل وركيزته.

تلفزيون سوريا

——————————–

انهيارات “قسد” ومفاجأة الميدان/ عريب الرنتاوي

لا تشبه انهيارات قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من حيث سرعتها، سوى الانهيارات السريعة والمفاجئة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. عشرة أيام، هنا وهناك، كانت كفيلة بإحداث انقلابات جذرية في المشهدين: السوري والإقليمي، والقياس هنا مع الفارق في وزنَي الحدثين.

ومثلما فعلت “البيئة الإقليمية-الدولية” المتغيرة فعلها في إسقاط نظام الأسد، بعد أن سحب الحلفاء أيديهم، وأزاحوا من فوقه المظلة ومن تحته البساط، فإن تطورات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا هذه الأيام، قد حولت انهيارات “قسد” إلى ضرب من السقوط الحر.

تبددت الرهانات والأوهام، ووقع المحظور، وها هي الحركة الكردية تدفع الأثمان التي طالما حذر كثيرون من احتمالات دفعها.

في السياق السياسي-الإستراتيجي المتغير

اكتسبت “قسد” مكانتها المتميزة من منظور الحلف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وبدعم من بعض العواصم الإقليمية، من دورها في مواجهة “تهديدات” ثلاثة:

    أولها: النظام السابق، وحاجة هذه الأطراف لاستهدافه، وإخراج مناطق شاسعة من تحت سيطرته و”ولايته”، واستتباعا، مواجهة “المحور” الداعم له، من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، مرورا ببغداد.

    ثانيها: تنظيم الدولة “داعش”، والحاجة لكبحه واحتواء انتشاره وتمدده، بعد أن سيطر على كامل شرق الفرات، وأجزاء واسعة من غربه، فضلا عن ثلث مساحة العراق، وثاني أكبر مدنه: الموصل، وذلكم تفويض ظل ممنوحا للحركة الكردية، حتى بعد سقوط النظام، ودخول سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عهدا جديدا.

    ثالثها: وقد تفاقم بالأساس في ذروة صراع المحاور وحروب الوكالة، في عشرية “الربيع العربي”، إذ رأت بعض العواصم الإقليمية في “قسد” رأس حربة يمكن الاتكاء عليها لإزعاج تركيا، وتهديدها في أمنها واستقرارها وسلامة وحدتها الترابية والوطنية.

يومها، كانت تركيا تتصدر قائمة “مهددات” الأمن القومي والوطني من منظور تلك الدول، قبل أن تتبدل الأحوال، في السنوات الأربع أو الخمس الفائتة، وتنتقل تركيا من موقع التهديد القائم إلى موقع الحليف المحتمل لعدد منها.

إعلان

سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الإيراني، وانكفاء المحور، أسقطت جميعها عن “قسد” مكانة “الأولى بالرعاية” من منظور واشنطن، وباريس، ولندن، وتل أبيب من خلف ستار.

فالنظام الجديد في دمشق، لم يكن يوما بحاجة لمن “يحرضه” على هذه الأطراف، وهو قاتلَها زمن المعارضة، وقطع “الممر الإيراني” في منتصفه بعد وصوله إلى السلطة، سالبا “قسد” واحدة من أهم وظائفها الإستراتيجية.

ظل الرهان الغربي على “قسد” كرأس حربة في مواجهة إرهاب تنظيم الدولة قائما، برغم تغيير النظام في سوريا. عواصم الغرب، وبعض عواصم العرب، لم يكن لديها يقين بأن الحكم الجديد في سوريا، سيأخذ على عاتقه مهمة محاربة التنظيم ومطاردته، بالنظر لخلفيته السلفية.

لكن نظام الرئيس أحمد الشرع، سينضم بعد مرور أقل من عام على قيامه، إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لتصبح سوريا الدولة رقم 90 في هذا التحالف، وسيفي، في غير موقع ومناسبة، بالتزاماته في العمل الأمني والاستخباري والميداني ضد “تنظيم الدولة”.

ليسقط بذلك ثاني أهم ركن من أركان “التفويض” الممنوح لـ”قسد”، والذي استحقت عليه كل هذا الدعم و”التغطية” من واشنطن وحلفائها.

أما الدعم الذي كانت تحظى به “قسد” من عواصم عربية، راهنت على تحويل مظلوم عبدي إلى “حميدتي 2” أو “حفتر 2” أو “عيدروس الزبيدي 2″، فقد كثيرا من أهميته وإلحاحيته، في ضوء ما شهدته علاقات دول عربية بتركيا من مصالحات وتسويات.

ليست كل العواصم انخرطت في ملف “توظيف قسد” ضد أنقرة بالطبع، وليست كلها تحتفظ بالدرجة ذاتها من الثقة والاطمئنان للدور التركي الراهن، لكن بالنسبة لها جميعها، فإن تركيا اليوم، غادرت موقع “العدو” الذي كانت فيه زمن ثورات “الربيع العربي”.

وأحسب أن تفكيرا عاقلا وواقعيا، كان يُملي على قادة “قسد” قراءة المشهد بحركته وديناميته، لا أن تبقى نائمة على حرير أوهامها ورهاناتها الخائبة، وأن تشرع في التمييز بين ما هو واقعي وممكن من مطالبها، وما هو خارق لكل السقوف والخطوط الحمراء، وينتمي إلى عهد أفل.

مياه تحت البيت الكردي

ثمة أقطاب “تاريخية” ثلاثة دارت الحركات الكردية في المنطقة، وتدور حولها: زعامة الطالباني الآفلة بعد رحيله، وعجز السليمانية عن إنتاج قيادة كاريزمية بديلة عابرة للحدود المحلية.

زعامة البارزاني التاريخية، التي لم تكن يوما على وفاق مع “قسد”، واحتفظت بالحد الأدنى من “روابط الأخوة” مع التنظيم، وآثرت عليه مجموعات وأحزابا انضوت في المجلس الوطني الكردي، على اعتبار أن “قسد” محسوبة على الزعامة الكاريزمية الثالثة للكرد، ذات الامتداد العابر للحدود، والمقصود عبدالله أوجلان، أكثر القادة الأكراد تأثيرا على الأكراد داخل بلاده وخارجها.

وما زالت الذاكرة حافلة بمحطات من “تأزم العلاقات” على ضفتي الحدود بين “روج آفا” وإقليم كردستان العراق، بدءا بإغلاق المعابر، مرورا برفض استقبال قادة ومواطنين في أربيل، وقصص عن تسهيلات قُدمت لمرور قوات وسلاح، لأطراف مناهضة لـ”قسد” متجاوزة الحدود العراقية والتركية معا.

ما كان ممكنا لزعيم كردي-تركي، جنح للسلم، وحل حزبه، وألقى سلاحه، أن يستمر في مطالبة مريديه من أكراد سوريا، بالاحتفاظ بسلاحهم، والإبقاء على نزوعهم “الانفصالي” تحت مسمى الفدرالية واللامركزية الموسعة.

إعلان

ما كان للأب الروحي، أن يحصر نظريته للدولة والمجتمع الديمقراطيين في محبسه بجزيرة إمرالي، أو إبقاءها داخل حدود بلاده، وأن “يستكثرها” على جواره السوري، وأكراد سوريا بالذات.

وأحسب أنه منذ المصالحة التركية، وقرار حل حزب العمال الكردستاني، وإلقاء السلاح، وبدء رحلة الهبوط من جبال قنديل، فقدت “قسد” صخرة كانت تستند إليها، وهي وإن احتفظت في صفوفها وقيادتها برموز قيادية من الحزب المذكور، إلا أن الأثر الذي أحدثته تحولات أوجلان على “قسد” لا يمكن نكرانه، أو التقليل من شأنه.

ما الذي يمكن لـ”قسد” أن تقدمه لأميركا وحلفائها، ولا تستطيع دمشق تقديمه أضعافا مضاعفة؟. ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة “قسد” البحث عن جواب عنه.

وفي أربيل، لم تجد “قسد” عند الزعيم مسعود البارزاني، ما كانت تبحث عنه. الرجل الخارج من صدمة فشل “الاستفتاء”، يبدو أنه تعلم بالطريقة الصعبة، دروس “المغامرات غير المحسوبة”، واتخذ موقع الناصح لـ”قسد” بالاستجابة لنداءات دمشق، والمرسوم الرئاسي حول حقوق أكراد سوريا ومشاركتهم ومواطنتهم.

ولعله أمر ذو مغزى، أن يصدر اتفاق 18 يناير/كانون الثاني من أربيل، وهو بكل المعاني، استبطن هبوطا بسقف التوقعات و”المكتسبات” الكردية، ولو أن “قسد” ذهبت إلى تنفيذ أمين وسلس لاتفاق 10 مارس/آذار، لكانت اليوم في موقع أفضل في تركيبة الحكم والقيادة في سوريا الجديدة، لا سيما أن الاتفاق المذكور أُبرم في مناخات أحداث الساحل الضاغطة على دمشق، وقبل أن تستكمل الأخيرة انفتاحاتها على الساحتين العربية والدولية.

لقد راهنت “قسد”، أو صقورها بالأحرى، على إمكانية الحصول على اتفاق أفضل، فتحصلت على اتفاق أسوأ من منظور تطلعاتها وحساباتها.

فقدان البوصلة

في الأشهر الأخيرة، بدا أن بوصلة “قسد” قد فقدت اتجاهها مرتين:

    الأولى: تظهرت بقيام مصادر ومواقع استخبارية، بتداول تسريبات مفادها، أن “قسد”، إذ أخذت تستشعر سيناريو “التخلي والخذلان”، وتواجه احتمالات سحب غطاء الرعاة وبساطهم معا، تبحث في إمكانية طلب العون من أعداء الأمس: إيران وحزب الله وبقايا النظام السوري القديم.

دمشق اتهمت “قسد” باستخدام مسيرات “الشاهد” إيرانية الصنع في حلب وأريافها، ومصادرها تحدثت عن تجنيد أكثر من سبعة آلاف من “الفلول” في صفوفها، فيما تسريبات استخبارية تحدثت عن وصول وفد منها إلى الضاحية الجنوبية قبل بضعة أشهر.

وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الأنباء أو زيفها، فإن المؤكد أن “قسد” أدركت سريعا، أن هذا ليس خيارا أبدا، ذلك أن نقل البندقية من كتف واشنطن إلى كتف طهران، سيكون مكلفا على “قسد” بالذات، ولن يفضي إلا إلى تسريع مسار “انقلاب الرعاة” عليها وعلى مشروعها، ما سيضع حدا نهائيا لكل تطلعات الأكراد، المشروعة منها وغير المشروعة.

ولقد عزز من صدقية هذه “التسريبات”، التغطية الإعلامية التي اعتمدتها وسائل إعلامية محسوبة على محور طهران، إذ كان واضحا أن ثمة “نفس تعاطف”، أو موضوعية فائضة عن الحاجة، في التغطيات الإخبارية، وفي نوعية الضيوف وانحيازاتهم، لكأن ثمة “حنينا” أو رهانا في “مطرح ما”، على عودة عقارب الساعة إلى الوراء، رغم أن مياها كثيرة، كانت قد جرت في أنهار سوريا والمنطقة، منذ انقلاب المشهد في 8 ديسمبر/كانون الأول.

    والثانية: عندما حاولت “قسد” اختبار نظرية “حلف الأقليات” في مؤتمر القامشلي الشهير، وبدأ بعض من قادتها تجريب خيار الرهان على إسرائيل، والتلويح بطلب العون، والانفتاح على لقاءات إعلامية وسياسية مع مسؤولين ومحطات إعلامية إسرائيلية، وتحريك اللوبي الكردي بالتنسيق مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن ضد دمشق.

رهان خائب آخر، لا تبرره مسارات التطبيع الرسمية بين عرب وإسرائيل، كما لا تسوغه مفاوضات رسمية بين دمشق وتل أبيب للوصول إلى اتفاق حول جنوبي البلاد، واصطدم وسيصطدم بموقف شعبي عربي رافض هذا الكيان، لا يرى فيه إلا صور العنصرية والإبادة والتطهير العرقي.

مفاجأة الميدان

أن تتقدم قوات الجيش السوري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بل وفي كل مناطق غرب الفرات، فهذا أمر مفهوم، وله ما يفسره ويبرره. لكن المفاجأة التي أتت على “قسد”، وأصابت سيطرتها في “مقتل”، إنما تمثلت في “انتفاضة العشائر العربية” على التنظيم الكردي.

لقد عاشت “قسد” حالة إنكار مديدة، لوجود فجوة بين الحكم والمحكومين في مناطق سيطرتها: أقلية كردية، عقائدية (يسارية-علمانية)، تمسك بتلابيب السيطرة والتحكم بأغلبية عربية محافظة، عشائرية في هويتها ومبناها، ولم تفلح كل السردية التي تبنتها “قسد” في التغطية على حقيقة أنها تفرض سيطرتها بالقوة على مناطق الأغلبية العربية “الكاسحة”، بالذات في دير الزور والرقة وأنحاء من الحسكة ذاتها.

لم تفلح عمليات “التطعيم” التي أجرتها “قسد” للإدارة الذاتية، بعناصر عربية، في إخفاء الطابع المهيمن للتنظيم الكردي على هذه الإدارة، فكان العرب فيها، بمن فيهم بعض الأسماء المحترمة، ليسوا أكثر من “خرزة زرقاء”، تضفي طابعا وطنيا زائفا على جوهر مؤسسات الحكم والإدارة، الممسوكة أساسا من التنظيم.

وإذا كان نظام الأسد قد لعب دورا منفرا للعشائر العربية، دفعها لحضن “قسد”، وإذا كان ذاك النظام قد أبدى اهتماما أقل بهذه المناطق وأهلها، من منطلق نظرته الخاصة إلى “سوريا المفيدة”، فقد جاء إلى رأس الحكم في سوريا نظام جديد، بأولويات مختلفة، رأت فيه العشائر فرصة للتخلص من سيطرة “قسد”، فخرجت عن بكرة أبيها لملاحقة وحداتها وقواها الأمنية، واستبقت الجيش في إسقاط هذه المناطق واسترجاعها.

تلكم كانت “قاصمة الظهر” بالنسبة لنفوذ “قسد” المتمدد في فراغ السلطة والنظام، وعلى مساحة تزيد عن ربع مساحة سوريا، ذات أغلبية عربية وازنة.

والخلاصة:

    أولا: أن “قسد” لم تتعلم من دروس تجربتها الخاصة، ولا من دروس أشقائها في تركيا والعراق، فأقدمت، بما يصل حد العمد والإصرار، على مقارفة الأخطاء ذاتها، والبناء على الرهانات الخائبة ذاتها، و”التغطي” بواشنطن، دون الأخذ بالحكمة الذائعة: “المتغطي بأميركا عريان”.

    ثانيا: أن “قسد” كانت محاميا فاشلا عن قضية عادلة، وهنا نفتح قوسين للتشديد على قناعتنا، بأن للأكراد حقوقا فردية وجماعية مهدرة بأقدار متفاوتة، في الدول التي يتوزعون عليها، ومن ضمنها سوريا، ولقد ازداد الأمر سوءا في السنة الأخيرة، حين لاحت في الأفق، معالم انسداد لمشروعها.

    ثالثا: أن لا حلَ عسكريا لمشكلة الأكراد وسوريا على الإطلاق، لا من جانب السلطة ولا من جانب الأكراد، فالحل يمر عبر الحوار حصرا، وبالوسائل السلمية، من دون استقواء بالخارج أو استدعائه، وبدستور مدني-ديمقراطي لسوريا، يكفل لكل المواطنين والمواطنات، الكيانات والمكونات، حقوقهم الفردية والجماعية. تلكم رسالة للقامشلي ولدمشق سواء بسواء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مدير مركز القدس للدراسات السياسية

الجزيرة

————————–

المهلة القصيرة.. نهاية قسد أو دمجها في الدولة السورية

أحمد العكلة

دمشق- أعلنت الرئاسة السورية توصلها إلى تفاهم جديد مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يمنحها مهلة 4 أيام لتقديم خطة دمج عملي لمحافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، مع بدء وقف إطلاق نار فوري بدءا من الساعة الثامنة مساء أمس الثلاثاء 20 يناير/كانون الثاني 2026.

ويشمل الاتفاق دمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة، ودمج القوات العسكرية في وزارتي الدفاع والداخلية، مع عدم دخول الجيش السوري مراكز مدن الحسكة والقامشلي والقرى الكردية خلال المهلة، إضافة إلى تفعيل المرسوم رقم 13 الخاص بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد.

بدوره، أكد المبعوث الأمريكي توم برّاك انتهاء الدور الأساسي لـ”قسد” في محاربة تنظيم الدولة، مشيرا إلى أن دمشق أصبحت شريكا رئيسيا في الملف الأمني.

وأكد مصدر عسكري في الجيش السوري التزام الجيش بتنفيذ الاتفاق، وعدم القيام بأي انتهاك لوقف إطلاق النار، بشرط عدم قيام قسد -التي يسيطر حزب العمال الكردستاني على قرارها- بالهجوم على مواقع الجيش السوري.

وأضاف المصدر في حديثه للجزيرة نت أن “قسد لن تتمكن من إعادة تنظيم صفوفها خلال أربعة أيام، ولا تملك خيارا سوى تطبيق الاتفاق، وإلا فإن الحسم العسكري سيكون واردا في المناطق التي تتمركز فيها”.

رهانات خاسرة

في المقابل، قال مصدر عسكري في “قسد” إن قوات الحكومة السورية انتهكت جميع الاتفاقات السابقة منذ معركة الشيخ مقصود”، مؤكدا في حديثه للجزيرة نت أن قواته أعادت التمركز في المناطق الكردية للدفاع عنها، ولن تتخلى عن ذلك، مشيرا إلى أن قسد ملتزمة بالاتفاق ما لم تخرقه قوات الجيش السوري.

من جهته، قال المحلل السياسي إبراهيم الجبين، رئيس مجلس أمناء مؤسسة دمشق للفكر، إن الاتفاق الحالي بين الحكومة السورية وقسد يمثل فرصة محتملة لدمج أفراد قسد في المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية للدولة السورية، بعد دراسة دقيقة لوضعها، لكنه أعرب عن تشاؤمه الشديد بشأن قدرة قسد على الالتزام بالاتفاق.

إعلان

وأوضح الجبين في حديثه للجزيرة نت أن قسد لا تملك قرارها المستقل، بل تخضع لسيطرة حزب العمال الكردستاني الذي لا يمكنه الاندماج في إطار دولة طبيعية بسبب بنيته وهيكله الداخلي المتعارض كليا مع مقترحات دمشق، فضلا عن تعارضه مع مشروع المصالحة التاريخية الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهادف إلى طي صفحة صراع دام عقودا، وأسفر عن نحو 60 ألف قتيل وخسائر تجاوزت تريليون دولار.

وقال الجبين إن المهلة التي طلبها قائد قسد مظلوم عبدي لم تكن بهدف إفساح المجال أمام توافق داخلي مع الدولة السورية، بل جاءت في إطار كسب الوقت والسعي إلى استدعاء دعم أطراف دولية وفي مقدمتها إسرائيل، أملا في تغيير المعادلة القائمة وتوفير غطاء يحمي قسد.

تاريخ اليوم والشهر والسنة_الرقة_دخول الجيش السوري لموقع قسد

الطريق المسدود

وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذه المساعي، التي عبَّرت عنها شخصيات مثل إلهام أحمد، كشفها المبعوث الأمريكي توم براك، الذي اتهم عبدي صراحة بمحاولة جر إسرائيل إلى التورط في الشأن السوري، مؤكدا أن هذا الخيار “مسدود تماما”.

كما استبعد الجبين نجاح رهان “قسد” على استغلال ما وصفها بـ”المظلومية الكردية” ورفع شعارات المجازر والانتهاكات، مضيفا أن هذا المسار أصبح مغلقا مع ضبط سلوك الجيش السوري، وعدم تسجيل انتهاكات تُذكر، إضافة إلى المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي منح الأكراد السوريين -لأول مرة في التاريخ المعاصر- حقوقا ثقافية ولغوية ووطنية غير مسبوقة.

وختم الجبين بالتأكيد أن الدولة السورية ماضية بحزم في بسط سلطتها العسكرية والأمنية والإدارية على المحافظات الشرقية الشمالية الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب جهود مؤسسات الدولة لضبط الخطاب العام ومنع استغلال قسد لأي سرديات تحريضية، مستشهدا بقرار وزير الأوقاف السوري الداعي إلى تعزيز وحدة الخطاب ومنع خطاب الكراهية.

وتوقع الجبين أن تقدِم “قسد” على خرق الاتفاق، رغم ما يحمله من مصلحة مباشرة لها، بسبب غياب الرؤية السياسية الناضجة، وعدم إدراكها قيمة “الفرصة الأخيرة” المطروحة، مما سيؤدي إلى إنهائها عسكريا، وإضاعة فرصة جديدة على الأكراد السوريين.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر بأن الرئيس السوري أحمد الشرع قدَّم عرضا لمظلوم عبدي يشمل دخول الأمن السوري مدينة الحسكة، لكن عبدي أصر على إبقاء المدينة تحت الإدارة الكاملة للتنظيم، ودعا “شبابه في سوريا ودول الجوار وأوروبا” إلى الانخراط في صفوف ما وصفها بـ”المقاومة”.

من جانبه، قال المستشار طارق نعمو، المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن، إن الرئيس أحمد الشرع أبدى قدرا كبيرا من الصبر والمسؤولية في التعامل مع ملف “قسد” رغم وجود أولويات سيادية وأمنية لا تحتمل المماطلة.

وأوضح نعمو في حديثه للجزيرة نت أن قسد لا تزال تناور وتؤجل، في محاولة واضحة لكسب الوقت بدلا من الدخول الجاد في مسار الدمج، مشددا على أن المطلوب في حال صدق النيّات هو تقديم خطة دمج شاملة خلال أربعة أيام، تضمن وحدة القرار وغياب الازدواجية.

وأضاف أن فشل “قسد” في الالتزام بالاتفاق سيهدد الهدنة بالانهيار نتيجة الاتهامات المتبادلة بخرق وقف إطلاق النار، وهو ما قد يدفع الدولة إلى الخيار الوحيد المتاح، وهو دخول الجيش لتأمين المناطق وحماية الحدود، خصوصا مع التلويح بفتح سجون تنظيم الدولة.

إعلان

وأكد نعمو أن منح المهلة لم يكن ضعفا بل حرصا على تجنيب البلاد حربا داخلية أو إراقة دماء، مشيرا إلى أن هذا النوع من الصراعات لا رابح فيه.

سوريا_تاريخ اليوم والشهر والسنة_الرقة_الجيش السوري سيطر على مساحات واسعة شرق سوريا

الجيش السوري سيطر على مساحات واسعة من شرق سوريا (الجزيرة)

تفكُّك تدريجي

وختم بالقول إن الكرة اليوم في ملعب قسد، إما دمج حقيقي ضمن الدولة السورية، وإما تكرار “سيناريوهات” سابقة كانت كلفتها باهظة على الجميع.

وقال الباحث وائل علوان إن أي اتفاق جديد مع قسد لن يُترجَم على أرض الواقع بسبب بنيتها العقائدية المتشددة وعجزها عن التفاعل السياسي.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن الحكومة السورية تُظهر مرونة عالية تجاه المبادرات الإقليمية والدولية، وتدير عامل الوقت لمصلحتها، في حين تخسر “قسد” تماسكها الداخلي، وتتكبد هزائم ميدانية نتيجة العناد ورفض الواقع الجديد.

وأشار إلى أن دمشق سحبت ورقة الحقوق الثقافية واللغوية للكرد من يد قسد عبر المرسوم الرئاسي، وإعادة المهجرين، وإشراك قياديين أكراد في مؤسسات الدولة، مما أفقد قسد تمثيلها الحقيقي للمكون الكردي، وحوَّلها إلى فصيل عسكري متشدد متأثر بحزب العمال الكردستاني.

وأكد علوان أن المُهَل القصيرة تُمنح لـ”قسد” في إطار المرونة السياسية، لكن الهدف الفعلي هو تفكيكها تدريجيا، مع تراجع رصيدها السياسي واعتمادها على خيار عسكري ضعيف ومرفوض. كما لفت إلى أن الإدارة الأمريكية أصبحت تنظر إلى قسد بأنها عبء سياسي وأمني، وتفضل التعامل مع الحكومة السورية بوصفها شريكا أكثر شرعية وبراغماتية.

وختم بالتأكيد أن اتفاق آذار/مارس 2025 لم ينهر، لكنه بقي حبرا على ورق بسبب عدم استيعاب قسد لخسائرها الميدانية وعدم ترجمتها سياسيا، وهو ما يعكس فجوة واسعة بين تصورها للواقع وما يجري فعليا على الأرض.

المصدر: الجزيرة

———————————

لماذا هذا القرار الكبير والمفاجئ؟ ولماذا إعلانه في هذا الوقت؟/ وائل ميرزا

التنظيف الاستراتيجي للمشهد السوري الجديد

(تحديث: هذه القراءة لاتكتملُ إلا بقراءة التقرير اللاحق المتعلق بنفس الموضوع، أعلاه)

1. التوقيت هنا يبدو في نفس أهمية الحدث.. فالإعلان جاء بعد انهيار قسد ميدانياً وسياسياً، وبعد الخطاب الأمريكي الصريح الذي أعلن انتهاء دورها، ليحمل رسالة دولية واضحة تقول أن مرحلة “الكيان الوسيط” انتهت، ومرحلة “الدولة” بدأت. وكأن واشنطن تقول بلا التباس أنه ليست “قسد” من يقرر مصير السجون، ولا هي صاحبة مفاتيح أمن المنطقة. فلو أُعلن النقل قبل ذلك، لظهر الأمر وكأن قسد ما زالت شريكاً سيادياً يتفاوض ويُساوم على ملف دولي بالغ الخطورة، وربما يُوهم بعض مؤيديها بأنها لا تزال “ضرورة لا يمكن تجاوزها”, خاصةً في ظل الضجيج الذي لايزال يتعالى في كردستان العراق ومواقع وجود أنصار قسد وحزب العمال.. أما الإعلان بعد انكشاف ضعفها، فإنه يعيد ترتيب المشهد على قاعدة واحدة تتمثل في أن الدول هي من تدير الملفات المصيرية.. وليس الميليشيات.

2. وفي هذا السياق، تظهر دلالة إضافية شديدة القوة تتمثل في أن أمريكا، بهذا القرار في هذا الوقت، سحبت من قسد نهائياً ورقة داعش وسجونها بشكل قاطع قبل انتهاء مهلة الأربعة أيام. أي أن واشنطن لم تنتظر نهاية “المهلة” ولا تركت هامشاً للمناورة أو المراوحة، بل انتزعت الورقة الأكثر حساسية من أصلها، ووضعتها في مسار دولتي منظم تحت إشرافها، لتقول عملياً أن اللعبة انتهت، وأنه لم تعد ثمة مساحة لابتزاز المرحلة الانتقالية بملف الإرهاب.

3. أما بغداد، فلها حساباتها التي تفرض هذا التوقيت، بدورها. فصدوره قبل أيام كان يمكن أن يُفسّرَ بأن العراق يبدو وكأنه يمنح قسد فرصة تفاوض جديدة، وأنه يظهر أمام داخله كمن يتعاون مع كيان غير دولتي لأداء المهمة التي كلنت منوطةً بذلك الكيان. لهذا جاء الإعلان بعد انهيار هيبة قسد ليمنح العراق سردية نظيفة تؤكد أن هذا الإجراء حصل لحماية العراق والمنطقة، وليس مكافأة لقسد ولا إنقاذاً لها. وفي الوقت نفسه يعيد تثبيت دور الدولة العراقية كحلقة أمنية إقليمية ضمن التحالف، بدل أن يبقى طرفاً هامشياً يتلقى التهديدات من الحدود.

4. والأهم — وربما هذا هو “السبب الصامت” خلف كل ما سبق — أن القرار يهدف إلى تفريغ الدولة السورية الجديدة من أثقل قنبلة أمنية ورثتها. فالدولة الناشئة في لحظة تأسيس دقيقة تتطلب بناء المؤسسات، وفرض الأمن، واستعادة الخدمات، وإطلاق الاقتصاد.. وأي انفجار في ملف السجون (هروب/تمرد/فوضى) كان سيبتلع طاقتها ويعيدها فوراً إلى عقلية إدارة الكوارث بدلاً من إدارة الدولة. أما إخراج هذا الملف أو تقليصه من الجغرافيا السورية فيعني الكسر، بشكلٍ كلي،  لمنطق “الابتزاز الأمني” الذي يحوّل الدولة إلى رهينة، ومنع تدويل الفوضى داخل سوريا عبر ذريعة الإرهاب، وفتح المجال لتركيز السلطة الجديدة على أولويات الداخل دون خنجرٍ دولي دائم على الطاولة.

خلاصة الصورة: إن نقل معتقلي داعش هي في جوهرها بمثابة عملية تنظيف استراتيجية للمشهد السوري الجديد. إنه إعلان نهاية “قسد كضامنٍ أمني”، ونهاية قدرة PKK على استخدام داعش كقنبلة سياسية، وبداية ترتيب جديد يعتمد الدولة إطاراً وحيداً للاستقرار. وفي الوقت ذاته، هو رسالة بأن المرحلة المقبلة ليست مرحلة “حروب مفتوحة”، وإنما مرحلة بناء دولةٍ تتفرغ لمواطنيها، وخدماتها، وتنميتها، بعد أن أُغلقت بوابة الفوضى الأكبر في الشمال الشرقي.

الفيس بوك

————————-

اتفاق دمشق و”قسد”: اتهامات متبادلة بخروق لوقف إطلاق النار/ عدنان علي و سلام حسن و محمد شيخ يوسف

22 يناير 2026

تبادلت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الاتهامات أمس الأربعاء بخرق الاتفاق الجديد الذي تم التوصل إليه مساء الثلاثاء لوقف إطلاق النار بين الطرفين، وسط تحذيرات من مخاطر فشل الاتفاق وتبعاته، خصوصاً بعد المعارك العنيفة التي شهدها شمال سورية وشرقها في الأسبوع الأخير، بعد فشل الاجتماع الأخير بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي يوم الاثنين الماضي، بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 18 يناير/كانون الثاني الحالي، قبل التدخّل الأميركي الذي دفع إلى التفاهم الجديد مساء الثلاثاء على وقف النار في محافظة الحسكة، ومنطقة عين العرب (كوباني) ومنح “قسد” مهلة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية الاندماج عمليا بالدولة السورية.

خروق لاتفاق دمشق  و”قسد”

وفي أبرز الخروق التي سُجلت أمس للتفاهم الذي جرى مساء الأربعاء، تسجيل مقتل 7 جنود سوريين وإصابة 20 آخرين في ريف الحسكة. وأعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السوري، عثور قوات الجيش على معمل لصناعة العبوات الناسفة وذخائر الطائرات المسيّرة قرب معبر اليعربية بريف الحسكة، مضيفة أنه أثناء عملية التمشيط قامت “قسد” باستهداف المعمل بطائرة مسيّرة انتحارية، ما أدى لانفجاره ومقتل 7 من جنود الجيش وإصابة 20 آخرين كانوا بمحيطه. لكن “قسد” نفت في بيان مسؤوليتها عن الانفجار، قائلة “إن الانفجار الذي وقع نجم عن حادث أثناء قيام فصائل دمشق بنقل الذخيرة، ولا علاقة لقواتنا به من قريب أو من بعيد”. كما قال وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، في تصريح لوكالة الأنباء السورية “سانا” أمس، إنه “بعد أقل من يوم على مهلة وقف إطلاق النار، بدأت قسد بعمليات اعتقال تعسفية في محافظة الحسكة”، مضيفاً أن هذه العمليات “تهدد وقف إطلاق النار بشكل كامل”، مطالباً “قسد” بوقف الاعتقالات التعسفية في الحسكة فوراً، وإطلاق سراح جميع الأهالي الذين قامت باعتقالهم. كما دعت هيئة العمليات في الجيش السوري المدنيين في محافظات الرقة ودير الزور وحلب إلى عدم دخول المواقع التي كانت تتمركز فيها “قسد” أو الأنفاق التي جهزتها خلال السنوات الماضية. وقالت الهيئة في بيان إن “تنظيم قسد وإرهابيي العمال الكردستاني قاموا بتفخيخ الأبواب والممرات والأنفاق ووضع عبوات بأشكال صخور وطوب بناء”.

من جهتها، قالت “قسد” في بيان إنه “على الرغم من دخول اتفاقية وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إلا أنّ فصائل دمشق واصلت هجماتها على مناطق الجزيرة وكوباني (عين العرب)، متحدثة عن خروق أمس منها “مهاجمة فصائل دمشق قواتنا في محيط مدينة صرين، وقواتنا في قرية باسل على طريق أبيض جنوبي الحسكة، كما قصفت فصائل دمشق بالأسلحة الثقيلة قرية حمدون جنوبي كوباني”. وأكدت “قسد” حرصها “على الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وتجنب التصعيد”، داعية “الجهات الضامنة والمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياتها ومتابعة هذه الخروق بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار في المنطقة”.

رغم هذه الخروق، أكدت مصادر ميدانية من الحسكة لـ”العربي الجديد” توقف العمليات العسكرية الموسعة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، لافتة إلى أن ليلة الثلاثاء ـ الأربعاء شهدت خروقاً محدودة لوقف إطلاق النار، تزامناً مع استمرار وصول تعزيزات عسكرية وأمنية للجيش السوري إلى محافظة الحسكة. في المقابل، أفادت مصادر أمنية من وزارة الداخلية السورية “العربي الجديد” بأن قوى الأمن الداخلي بالتنسيق مع الجيش السوري دخلت مخيم الهول بعد تطويقه واستقدام تعزيزات عسكرية وأمنية ضخمة، ورفعت مستوى الجاهزية في محيط المخيم منعاً لأي محاولة فرار للمحتجزين من عوائل “داعش” داخل المخيم، بعد انسحاب “قسد” منه. وأعلنت وزارة الداخلية السورية، في تعميم أمس، مخيم الهول بريف محافظة الحسكة وجميع السجون الأمنية في شمال شرقي البلاد “مناطق أمنية محظورة”.

في موازاة ذلك، رحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوقف إطلاق النار في سورية، كاشفا أنه أجرى اتصالاً مثمراً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول سورية مساء الثلاثاء. وفي كلمة له أمس الأربعاء خلال اجتماع لكتلة حزب العدالة والتنمية النيابية في البرلمان، لفت أردوغان إلى أن “الحكومة الجديدة تعترف بحقوق إخواننا الأكراد في سورية، ومع الاندماج الكامل سيبدأ عهد جديد أيضاً، وسيجلب استقرار سورية وسلامها راحة كبيرة للأكراد السوريين”. وأثنى على الرئيس السوري أحمد الشرع بإقراره مرسوما يعترف بحقوق الأكراد في سورية. واستدرك أنه “رغم كل هذه الخطوات والتوجهات الإيجابية، اختارت قسد إراقة الدماء والصراع والموت والقتل بدلاً من رفاهية الأكراد وسلامهم، واختارت طريقا يحمي مصالحها الخاصة على حساب دماء الأطفال الأكراد الأبرياء”. وأكد أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو “الالتزام بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بالأمس (الثلاثاء)، وإلقاء السلاح، وحلّ القضية سلمياً”. وأضاف: “لا أطماع لنا في أرض أي دولة ولا نتدخل بالشؤون الداخلية لأي بلد لكننا لا نسمح بالمساس بمصالحنا”. وشدد على أن اللجوء إلى الاستفزازات في سورية خلال المرحلة الحالية سيكون بمثابة انتحار. وتابع: “أكدنا مراراً وتكراراً أننا لن نقبل بإنشاء كيان انفصالي يهدد أمننا عند حدودنا الجنوبية”.

وكان أردوغان قد بحث التطورات في سورية خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأميركي دونالد ترامب مساء الثلاثاء. وجاء في بيان صادر عن الرئاسة التركية ‌أن “الرئيس أردوغان قال خلال الاتصال إن وحدة سورية وانسجامها وسلامة أراضيها مسائل مهمة بالنسبة لتركيا”. فيما قال ‍ترامب في وقت سابق إنه أجرى “اتصالا جيدا للغاية” مع أردوغان. وكان ترامب قد قال مساء الثلاثاء في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض إن الرئيس السوري “يعمل بجد كبير. إنه رجل قوي، قاس وله سجلّ قاس نوعا ما. لكن لا يمكنك أن تضع منشد جوقة كنسية هناك لإنجاز المهمة”.

ووفق آخر خرائط السيطرة، استحوذت قوات الحكومة أو قوات العشائر العربية التي تساندها، بما فيها تلك التي كانت منضوية ضمن تشكيلات “قسد” وانقلبت عليها، على أكثر من 60% من محافظة الحسكة، وباتت على بعد كيلومترات قليلة من مركز مدينة الحسكة. وسيطرت هذه القوات على مجمل بلدات وقرى الريفين الجنوبي والشرقي على الحدود العراقية، بما في ذلك أكثر من 90% من الحدود مع العراق، بينما تواصل “قسد” السيطرة على معبر سيمالكا الحدود مع إقليم كردستان العراق.

فرصة أخيرة للحل السلمي؟

ويرى العديد من المتابعين أن هذا الاتفاق بصيغته التي جرى التوقيع عليها في دمشق يوم 18 الحالي بحضور المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك، يعد الفرصة الأخيرة للحل السلمي بين الجانبين. وقال المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سورية (مستقل) زيد سفوك لـ”العربي الجديد”، إن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و”قسد” هو آخر ورقة بوساطة دولية يتم استخدامها بين الطرفين لمنع التصادم، وهي نهاية المطاف للمرحلة الماضية وبداية مرحلة جديدة معقدة أكثر من ذي قبل. ورأى سفوك أن الاتفاق يسير وفق ما تم عليه حيث بدأت المناطق ذات الغالبية العربية تتسلم من “الإدارة الذاتية” الحواجز والمقرات لمصلحة الحكومة السورية خصوصاً معبر اليعربية، معرباً عن قلقه مما قد يحدث في الأيام المقبلة حيث أسهمت الصدامات بين الطرفين في الفترة الأخيرة في فقدان عامل الثقة، ما يشير إلى صعوبة مواصلة التعاون بينهما من ناحية الاندماج والعمل المشترك. كما لفت سفوك إلى “نقطة أخرى مهمة بالنسبة للمناطق الكردية تتمثل في غضب الشارع الكردي في الداخل والخارج مما آلت إليه الأمور”، معربا عن اعتقاده بأن خطة الحكومة في السيطرة على كامل الجغرافية السورية لن تنجح من دون انطلاق حوار وطني جامع لإنهاء جميع الخلافات.

من جهته، تحدث محمد موسى، سكرتير حزب اليسار الكردي في سورية، وهو من أحزاب “الإدارة الذاتية”، عن دور سلبي لقوى خارجية في عدم حصول تقدم على طريق تنفيذ الاتفاقات السابقة، معرباً عن خشيته من تكرار الأمر في الاتفاق الجديد. وقال موسى لـ”العربي الجديد” إن فرص النجاح متوفرة إذا توفرت الإرادة للاتفاق من الطرفين بما “يخدم سورية موحدة ويخدم الشعب الكردي وإرادته في الحصول على حقوق معينة”. ورأى أن “الاتفاقات التاريخية التي تمت، اتفاق 10 مارس/آذار 2025 وما تلاه من اتفاق 18 يناير الحالي، بحاجة إلى وقفة ودراسة معمقة لتسوية الأمور بين الطرفين بشكل يخدم الجميع ولا يكون لمصلحة طرف دون الطرف الآخر”. وقال إن الهدنة التي حددت بأربعة أيام تشكل “فرصة لتسوية الأمر لأن الحرب والاقتتال لا يخدمان الجانبين، لذلك يجب أن تتوفر إرادة التوافق ووقف الحرب والسير باتجاه بناء وطن يكون للجميع وليس لطرف واحد”. واعتبر أن فرص النجاح متوفرة، ولكن هناك “عوامل خارجية تؤثر سلباً في الشأن السوري”.

ورأى المحلل السياسي الكردي عمران منصور، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن نجاح الاتفاق بين الحكومة و”قسد” سوف يعتمد على عملية تفاوضية شاقة لدمج “قسد” والتي تحتاج هي من طرفها إلى إعادة فتح ممرات سياسية مع الحركة السياسية الكردية في سورية بعيداً عن لغة التعالي وتغليب مصلحة الشعب الكردي على المصالح الحزبية. وتوقع أن تواجه “قسد” خيارات صعبة، لافتاً إلى أن القرار فيها غير واضح، خصوصا مع غياب القيادات السياسية والعسكرية عامة عن الساحة وترك مظلوم عبدي وحيداً، مما يشير إلى وجود خلافات لم تظهر إلى السطح حتى الآن.

من جهته، رأى الصحافي أحمد المسالمة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن ما جرى ويجري في الجزيرة السورية “ليس تفاهمات عابرة ولا هدنة مؤقتة، بل انهيار فعلي لمشروع قسد بكل عناوينه العسكرية والسياسية”. واعتبر أن مهلة الأيام الأربعة هدفها فتح باب العودة إلى الدولة، معتبراً أن التزام “قسد” بالتهدئة لم يأتِ عن قناعة، بل بعد “انسداد الخيارات وسقوط الرهانات”. ورأى أن ما يجري هو “تصحيح لمسار خاطئ، ورسالة واضحة لكل من راهن على التقسيم أو الاستثمار في الفوضى”.

العربي الجديد

———————————–

العين على الحسكة… ازدحام بنادق ومخاوف في أرض ثروات سورية/ محمد أمين

22 يناير 2026

مخاوف من مواجهة عسكرية محتملة في المحافظة

تضم الحسكة الجانب الأكبر من ثروات سورية

تتميّز الحكسة بموقع جغرافي في المثلث السوري العراقي التركي

تتجه أنظار السوريين إلى الحسكة المزدحمة بالبنادق أقصى الشمال الشرقي من البلاد، وسط مخاوف من مواجهة عسكرية محتملة في المحافظة التي تضم الجانب الأكبر من ثروات سورية والمعروفة بتنوعها الديمغرافي الفريد. ووصل الجيش السوري إلى مشارف مدينة الحسكة مركز المحافظة، في إطار عملية متسارعة لطرد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلا أن هدنة أُعلنت لعدة أيام تبدو الأخيرة، حالت دون مواصلة تقدم الجيش وتجري خلالها محاولات للتوصل إلى حل سياسي يحسم مصير هذه المحافظة سلماً لا حرباً.

ويتحصن مسلحون من “ٌقسد” في الحسكة بعد تراجع وُصف بـ”الدراماتيكي”، عن مناطق نفوذ واسعة في محافظتي الرقة ودير الزور في خضم عملية عسكرية بدأها الجيش السوري ومقاتلو العشائر العربية، منذ السبت الفائت، بعد تعذّر التوصل إلى تفاهمات بين المليشيا والحكومة السورية. ويرفض هؤلاء المسلحون الحلول التي طرحتها دمشق، آخرها اتفاق وقعه قائد هذه القوات 18 يناير/كانون الثاني الشهر الجاري، إلا أنه سرعان ما تراجع عنه. وتطالب هذه القوات ببقائها جهة مسيطرة على محافظة الحسكة، وإدارتها، وهو ما ترفضه دمشق التي تبدو مصرة على استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية من دون شروط قد تمهد لتقسيم البلاد على أسس عرقية أو طائفية.

وبنظرة على خريطة السيطرة في محافظة الحسكة التي تعد من كبريات المحافظات مساحة (أكثر من 23 ألف كيلو متر مربّع)، يظهر أن القوات الحكومية باتت تسيطر بالفعل على جانب من أريافها، فالريف الجنوبي أغلبه تحت سيطرة القوات الحكومية وفي القلب منه مدينة الشدادي التي تضم ثروة كبيرة من الغاز. كما تقدمت القوات السورية في ريف الحسكة الشرقي وسيطرت على منطقة الهول، وصولاً إلى منطقة اليعربية على الحدود السورية العراقية. وغرباً تسيطر فصائل سورية تابعة للجيش السوري منذ عام 2019 على منطقة رأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي.

وتتميّز الحسكة بموقع جغرافي في المثلث الحدودي السوري العراقي التركي، وتتاخم تركيا من الجهة الجنوبية، والعراق غرباً، وترتبط بحدود إدارية مع محافظتي دير الزور والرقة. كما تتميّز الحسكة بتركيبة سكانية متنوعة حيث العرب والكرد، والسريان. ولا توجد إحصائيات يمكن الركون إليها عن الواقع الديمغرافي في الحسكة إلا أنه من المؤكد أن العرب يشكلون غالبية سكانها ومن بعدهم يأتي الكرد الذين ينتشرون في مدينة القامشلي وعلى الشريط الحدودي مع تركيا. وتضم محافظة الحسكة، التي كانت تطلق عليها قديماً تسمية “ديار ربيعة”، أبرز القبائل العربية المعروفة، خصوصاً الجبور وطي وشمّر.

وتسيطر “وحدات حماية الشعب” الكردية عملياً على محافظة الحسكة منذ العام 2014 تحت “إدارة ذاتية” انسحبت لاحقاً على الشمال الشرقي من سورية بعد سيطرة قوات “قسد” عليه بعد حرب طويلة ومكلفة مع تنظيم “داعش” الذي فشل في الاستحواذ على المدينة رغم تكرار محاولاته.

وتعد الحسكة السلّة الغذائية الأهم في سورية، إذ تحتوي أراضيها الخصبة على الجانب الأكبر من الثروة الزراعية السورية وفي مقدمتها القمح. وبسبب ظروف الحرب وارتفاع التكاليف وانحباس المطر تراجع إنتاج الحسكة كثيراً من مادة القمح، بعدما كانت تنتج قبل عام 2011، نحو 65% من إنتاج القمح في سورية والذي كان يصل إلى أكثر من 4 ملايين طن في الموسم الواحد. وبحسب أرقام شبه رسمية لم يتعد إنتاج الحسكة من القمح الموسم الفائت الـ200 ألف طن. وتُزرع في محافظة الحسكة أغلب المحاصيل الزراعية الاستراتيجية الأخرى مثل القطن والشعير والعدس وسواها.

ولا تتوقف ثروات المحافظة عند هذا الحد، إذ تضم عدة حقول للنفط، كانت تنتج أغلب حاجات البلاد من هذه المادة، ومنها حقل الجبسة في ريف منطقة الشدادي جنوباً، والذي يمتد حتى منطقة الهول في الريف الشرقي. كما أن هناك حقول رميلان الشهيرة في ريف مدينة القامشلي، التي تضم نحو 1322 بئراً، بالإضافة إلى معمل للغاز كان ينتج نسبة كبيرة من حاجات سورية من المادة قبل الثورة في العام 2011. ويوجد نحو 25 بئراً من الغاز في حقول السويدية الأكبر في البلاد بالقرب من رميلان. ورغم الثروات التي تضمها محافظة الحسكة، إلا أنها عانت التهميش والإقصاء منذ تشكل الدولة السورية قبل أكثر من قرن، حالها حال محافظتي الرقة ودير الزور.

العربي الجديد

————————————–

 الخارجية السورية تحذّر “قسد”: كل الخيارات مطروحة

الخميس 2026/01/22

أكد مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية، أن كل الخيارات مفتوحة أمام الحكومة في حال خرقت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه أخيراً.

وأوضح المصدر في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية (سانا) اليوم الخميس، أن الخيارات تتراوح من الحل السياسي إلى التدخل العسكري والأمني لحماية المدنيين وإنهاء الفوضى.

وحمّل المصدر “قسد” مسؤولية خرق وقف إطلاق النار، مشدداً على أن الحكومة السورية تؤكد احتفاظها بحقها الكامل في حماية السيادة والأمن الوطني للبلاد.

وأشار إلى أن التطورات في شمال شرق سوريا جاءت نتيجة سياسات الأمر الواقع التي انتهجتها “قسد” خارج إطار الدولة، لافتاً إلى أن أولوية الحكومة السورية هي سلطة القانون وحماية المدنيين وإنهاء أي سلاح غير شرعي، مشيراً إلى أن فشل اتفاق 10 مارس/آذار جاء نتيجة غياب الجدية ومحاولة فرض واقع انفصالي.

واوضح المصدر أن الاتفاق الجديد في الـ18 من الشهر الحالي جاء نتيجة استنفاد المسارات السياسية، حيث تدخلت الدولة لفرض الاستقرار، إلى جانب تصاعد المخاطر الأمنية وفشل “الإدارة غير الشرعية”، مجدداً التأكيد على أن دخول دمشق مناطق الجزيرة جاء حرصاً على وحدة البلاد وحقن الدماء.

ولفت إلى أن الاتفاق ينص على تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة كافة للدولة السورية كونها الجهة الوحيدة المخوّلة احتكار السلاح، وشدد على أن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية شأن سيادي، لافتاً إلى اتصالات تجريها دمشق مع الدول الصديقة لشرح أن “تحركاتها تهدف إلى مكافحة الإرهاب ومنع عودة داعش وحماية الأمن الإقليمي والدولي”.

وكرّر المصدر رفض الحكومة السورية توظيف ملف سجون تنظيم “داعش” سياسياً، مشدداً على استعداد الحكومة تسلّم السجون وتأمينها، محملاً “قسد” مسؤولية أي خرق، مؤكداً أن “الدولة هي الضامن لجميع المكونات، والجيش دخل للحماية، وإن احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها التزام قانوني وليس خياراً سياسياً”، مشيراً إلى توظيف موارد النفط والغاز والمياه لخدمة جميع السوريين.

هدوء حذر على الجبهات

في الأثناء، عاد الهدوء الحذر إلى الجبهات في ريف حلب الشرقي وريف الحسكة، باستثناء خروقات للاتفاق تبادلت “قسد” والحكومة الاتهامات حول التسبب بها. إذ قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، إن “تنظيم قسد استهدف مواقع الجيش السوري أكثر من 35 مرة في اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار” التي تستمر أربعة أيام. فيما قال المركز الإعلامي  لـ”قسد” إن الجيش السوري قصف قبل قليل سجن الأقطان شمال الرقة بالأسلحة الثقيلة، بالتزامن مع حصار محيط السجن بالدبابات والجنود.

وفي هذا السياق، طالب مسؤول السجن قوات التحالف الدولي بالتدخل لإنقاذ مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المحاصرين داخل السجن، محملاً التحالف الدولي مسؤولية حماية المنشأة التي تضم محتجزين من تنظيم “داعش”.

الدفاع التركية تؤكد مواصلة دعم سوريا

على صعيد آخر، أكدت وزارة الدفاع التركية، اليوم الخميس، مواصلة تركيا دعم الحكومة السورية في حربها ضد “التنظيمات المحظورة” وتعزيز قدرتها الدفاعية انطلاقاً من وحدة سوريا وسلامة أراضيها.

ووفقاً للوزارة، قال المتحدث باسمها زكي أكتورك في مؤتمر صحافي، إن “الحكومة السورية تشن عمليات لمكافحة الإرهاب على امتداد خط يمتد من حلب إلى مناطق أخرى، بهدف إرساء النظام العام وضمان سلامة المواطنين”.

وأضافت الوزارة: “يعد التزام (قوات سوريا الديمقراطية) غير المشروط باتفاقيتي 10 آذار و18 كانون الثاني، وبدء عملية الاندماج، أمر بالغ الأهمية لتحقيق استقرار دائم في سوريا”.

وفي ما يتعلق بضريح سليمان شاه في سوريا، الذي نقل في العام 2015 إلى تركيا بسبب التطورات الميدانية، أفادت الوزارة: “نتابع من كثب التطورات الجارية في سوريا، وإذا ما توفرت الظروف المناسبة على أرض الواقع، فسيتم اتخاذ الخطوات اللازمة”. ورداً على سؤال حول السجون والمخيمات في سوريا التي يحتجز فيها عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، أجابت الوزارة: “لم نتلق أي طلب رسمي من السلطات السورية بعد”.

—————————-

نيويورك تايمز: أمريكا لم تَعِد الأكراد بزواج كاثوليكي وانهيار قواتهم تحول مهم في المرحلة الانتقالية السورية

تساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصير التحالف الكردي- الأمريكي في ظل تحول إدارة دونالد ترامب نحو دعم الحكومة التي يتزعمها الرئيس السوري أحمد الشرع.

وفي تقرير أعده بن هبارد وكارولتا غال، قالا فيه إن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ظلت ولأكثر من عقد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في سوريا، حيث حاربت تنظيم الدولة الإسلامية وحمت القواعد الأمريكية وأدارت معسكرات اعتقال وسجونا احتجز فيها عشرات الآلاف من الجهاديين وأقاربهم. إلا أن هذا التحالف يتفكك الآن.

فقد تخلت الولايات المتحدة عن حلفائها القدامى، ودعمت حكومة الرئيس أحمد الشرع الجديدة. وأضافت الصحيفة أنه بدون الدعم الأمريكي، تراجعت “قسد” مع تحرك الحكومة نحو شمال شرق سوريا للسيطرة على المنطقة، منهيةً بذلك حالة الجمود التي استمرت منذ تولي الرئيس الشرع السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2024.

وأضافت الصحيفة أن انهيار “قسد” يمثل نقطة تحول في المرحلة الانتقالية السياسية في سوريا بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد، ويمهد الطريق الآن أمام الحكومة للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية وحقولها النفطية وأراضيها الزراعية الخصبة. كما يعد التحول في موقف واشنطن عن دعم الأكراد في سوريا، انتصارا للشرع، الذي كافح لإعادة توحيد البلاد، وكذلك لتركيا التي عارضت بشدة الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية ودعمت الشرع.

لكن بالنسبة لـ”قسد” وأنصارها، بمن فيهم مسؤولون أمريكيون عملوا عن كثب مع الجماعة، يبدو الأمر بمثابة خيانة لمن قاتلوا بإخلاص إلى جانب الولايات المتحدة وفقدوا آلاف المقاتلين في سبيل ذلك.

وعبّرت إلهام أحمد، القيادية البارزة في الإدارة المدنية الكردية بشمال شرق سوريا، عن مدى قتامة موقف قوات سوريا الديمقراطية، حين ناشدت الولايات المتحدة في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي التوقف عن لعب دور المنافقين واتخاذ موقف واضح لوقف هجوم القوات الحكومية السورية على مواقعها. وقالت عن الموقف الأمريكي: “إذا لم يكن هناك رد فعل، فمن السهل افتراض أنهم أعطوا الضوء الأخضر.. عليهم اتخاذ موقف واضح”.

كما دعت أحمد إلى تقديم دعم دولي أوسع لفرض وقف إطلاق النار ودعم المطالب السياسية للإدارة الكردية. لكنها أشارت إلى أن الدول العربية تدعم حكومة الشرع، وأن ردود فعل الدول الأوروبية كانت ضعيفة. وقالت: “العالم بأسره مدين لهؤلاء الجنود الذين حاربوا تنظيم الدولة”.

وسعيا لإيجاد طريقة لمحاربة التنظيم دون إرسال قوات أمريكية إلى الخطوط الأمامية، عقدت الولايات المتحدة شراكة مع ميليشيا كردية. وقامت بإسقاط أسلحة جوا للمساعدة في فك الحصار عن مدينة كوباني الكردية عام 2014، وتوسعت هذه الشراكة منذ ذلك الحين.

وبالنسبة للولايات المتحدة، كان ذلك منطقيا. فقد كان المقاتلون مدربين جيدا، وليسوا إسلاميين وكانوا حريصين على العمل مع القوات الأمريكية. وبمرور الوقت، وبفضل الدعم المالي والعسكري الأمريكي، ازداد عددهم، وانضم إليهم مقاتلون عرب، وأعادوا تسمية أنفسهم بقوات سوريا الديمقراطية، مع أن الديمقراطية كانت غائبة تماما عنهم، كما تعلق الصحيفة.

وبدعم لوجستي وجوي من الولايات المتحدة وجهات أخرى، دمرت هذه القوات ما يسمى بـ”الخلافة”، وأجبرت تنظيم الدولة على الانسحاب من آخر معاقله في سوريا عام 2019. ولكنها واصلت العمل مع الولايات المتحدة لمنع عودة التنظيم، وتوفير الأمن في شمال شرق سوريا بقوة قوامها عشرات الآلاف من الرجال والنساء المسلحين.

وقد أثار هذا التحالف غضب تركيا، التي رأت في هذه القوات امتدادا لحزب العمال الكردستاني أو “بي كي كي”، وهو فصيل كردي مسلح يخوض تمردا دمويا منذ 30 عاما ضد الدولة التركية.

كما أثارت “قسد” غضب فصائل المعارضة السورية والناشطين لفرضها الحكم الكردي على المناطق ذات الأغلبية العربية وعقدها صفقات خاصة مع نظام الأسد.

وغيّر الهجوم الذي شنه الثوار وأطاح بنظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مسار الأحداث بالنسبة للأكراد. وأقامت الولايات المتحدة علاقات وثيقة مع الشرع، وسعت إلى توحيد جهود الطرفين.

وقاد السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس باراك، المفاوضات ونجح في التوصل إلى اتفاق بين الشرع وزعيم “قسد”، مظلوم عبدي في آذار/مارس من العام الماضي. ولكن تلك المفاوضات تعثرت ولم يتم تنفيذ المهلة المحددة لـ”قسد” ودمج وحداتها المسلحة وإدارتها في حكومة دمشق بحلول نهاية عام 2025.

واشتكى الشرع من أن الجانب الكردي يواصل تصعيد مطالبه دون أي نية للانسحاب من المناطق ذات الأغلبية العربية. وفي نهاية المطاف، نفد صبر الشرع، وبدأ في السيطرة على حيّين كرديين في مدينة حلب. ومن هناك، تحركت القوات السورية بسرعة، وسيطرت على عاصمتي المحافظتين الكبيرتين، الرقة ودير الزور، خلال الأيام الماضية.

وقال نواف خليل، المحلل في المركز الكردي للدراسات في برلين، إن التقدم السريع لقوات الشرع في الأسابيع الأخيرة كان بفضل الدعم الكامل الذي قدمته تركيا والسعودية والولايات المتحدة لحكومته. وأضاف أن هذا الأمر أثار حيرة الكثيرين في “قسد”، الذين ما زالوا لا يثقون بالشرع وبالعديد من مقاتليه.

وانتقد خليل، المبعوث الأمريكي لدعمه الصريح لدمشق. وكان باراك قد كتب على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء أن دور قوات سوريا الديمقراطية قد “انتهى”.

وعلقت أصلي أيدينطاشباش، الباحثة في معهد بروكينغز بواشنطن، في رسالة عبر منصة واتساب، قالت فيها إن الأكراد أخطأوا في حساباتهم بشكل فادح. ورغم أن الولايات المتحدة لم تعد قوات سوريا الديمقراطية بزواج كاثوليكي، إلا أنه كان هناك شعور بأن العلاقة ستستمر وتندمج بسلاسة في هيكل سوري أكثر “لا مركزية”. لكن كل تلك الخطط أصبحت الآن بلا جدوى.

وأظهر الرئيس ترامب تردده تجاه الموقف الكردي في تصريحاته لوسائل الإعلام يوم الثلاثاء، بينما أشاد بجهود الشرع في السيطرة على الوضع وتأمين السجون التي يُحتجز فيها آلاف من عناصر تنظيم الدولة. وقال ترامب: “إنه يعمل بجد”، وأضاف: “تحدثت معه أمس لأننا كنا نتحدث عن السجون وما يجري فيها. لدينا بعض من أخطر الإرهابيين في العالم في تلك السجون، وهو يراقب الوضع”.

لكن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت يوم الأربعاء أنها نقلت 150 مقاتلا من تنظيم الدولة، كانوا محتجزين في مدينة الحسكة، إلى منشأة في العراق، لمنع هروبهم، في مؤشر على تزايد المخاوف الأمنية.

وقال ترامب إن الولايات المتحدة تعمل أيضا على حماية الأكراد. وقال: “أنا أحب الأكراد، ولكن لكي تفهموا، فقد دفع للأكراد مبالغ طائلة من المال ووزع عليهم النفط وغيره، لذا كانوا يفعلون ذلك لمصلحتهم الشخصية أكثر من مصلحتهم لنا. لكننا على وفاق مع الأكراد ونسعى لحمايتهم”.

—————————-

هل تجند قسد الفتيات؟ قصة “إيفين” تعيد القضية إلى الواجهة

مع تقدم الجيش السوري في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات “قسد”، عادت إلى الواجهة قضية تجنيد القاصرين عبر الخطف أو الإغراء بالمال في مناطق قسد، وهي ممارسة أثارت جدلا واسعا خلال السنوات الماضية.

قصة إيفين

مراسل “سوريا الآن” ماهر يونس التقى بالطفلة القاصر “إيفين”، التي كانت إحدى ضحايا هذا التجنيد الإجباري.

تقول والدتها:

“أخذوا بنتا قاصرا عمرها 12 سنة، ولدت 2012. ما خلينا جهة إلا وراجعناها، من شيوخ عشائر، وإدارة المرأة، وحقوق الطفل… طفلة يتيمة، أبوها متوفى، حاولت أكثر من مرة تحرق نفسها من اليأس، وكانوا يقولون لها: إذا أذيت نفسك ما رح نرجعك”.

وتضيف الوالدة: أنهم أخذوا طفلتها، “وغابت 5 أو 6 أشهر قبل أن يمن الله علينا برجوعها قبل أيام”.

أما إيفين، فتروي كيف اختطفت “كنت ذاهبة لأشتري أغراضا لأمي من البقالية، فأوقفني عناصر من قسد وقالوا لي: تعالي معنا. هددوني وأخذوني. كتبوا اسمي وبياناتي، ولما عرفوا عمري نقلوني فورا إلى الحسكة حتى لا يعرف أهلي عني شيئا.

وتضيف “طلبت منهم أن يعيدوني إلى أهلي فرفضوا، وقالوا لي: يجب أن تنسي أهلك، وسنعلمك حمل السلاح لتقاتلي مع القائد. بعد ذلك وضعوني في معسكر تدريب مع فتيات بعمري وأصغر، كانوا يغرونهن بالحديث عن أن المكان جميل، ويمنعون تماما ذكر الأهل”.

أساليب متعددة للتجنيد.. من “دورات إعلامية” إلى الخطف المباشر

قصة إيفين تسلط الضوء على واقع عشرات الفتيات والفتيان، بعضهم لم يتجاوز الـ12، يتركون مدارسهم وبيوتهم فجأة، ويختفون لأسابيع أو أشهر، ثم يظهرون بزي عسكري يحملون السلاح في صفوف قسد، أو يصل خبر موتهم في معارك لم يختاروها، بل سيقوا إليها قسرا.

منظمات حقوقية محلية ودولية كانت قد وثقت هذه الانتهاكات، وتحدثت عن تجنيد قسري للأطفال من دون علم أو موافقة ذويهم، في خرق جسيم للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية الطفل.

فبحسب منظمة “سوريا من أجل الحقيقة والعدالة”، يستدرج بعض الأطفال للمشاركة في دورات في مجالات مثل الإعلام والتصوير داخل مقرات تابعة لقسد، ثم لا يعودون إلى منازلهم بعد تلك الدورات، لتكتشف عائلاتهم لاحقا أنهم أُلحقوا بمعسكرات تدريب عسكرية.

وفي حالات أخرى وثقتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، تستخدم قسد مغريات مادية ومعنوية، كالمال أو الملابس الجديدة، لخداع الأطفال وجذبهم نحو صفوف القوات العسكرية، مستغلين فقرهم وحرمانهم من التعليم المنظم، خصوصا في مخيمات النازحين.

أما المسار الأكثر قسوة يتمثل في الخطف المباشر، إذ تذهب وحدات مدربة ومتخصصة لاقتناص الأطفال من الشوارع أو الأحياء في أوقات تغيب فيها رقابة الأهل، ليجد الآباء والأمهات أنفسهم فجأة أمام اختفاء كامل لأبنائهم دون قدرة على المتابعة أو المساءلة.

مخيمات النازحين.. بيئة خصبة لاستهداف القاصرين

وتعد مخيمات النازحين بيئة شديدة الهشاشة، إذ تستغل جهات مرتبطة بقسد، بينها “حركة الشبيبة الثورية”، غياب التعليم المنظم وضعف الحماية لاستقطاب الفتيان والفتيات إلى معسكرات تدريب، غالبا من دون علم أسرهم، التي لا تحصل لاحقا إلا على صور لأبنائها بزي عسكري أو أخبار مقتضبة عن مصيرهم.

وتوثق تقارير حقوقية أيضا قيام قسد بتهديد بعض الأهالي لمنعهم من اللجوء إلى المنظمات الأممية أو الحقوقية، وحرمانهم من زيارة أطفالهم أو معرفة أماكن احتجازهم، ما يترك الأسر في حالة قلق دائم وصمت قسري.

القانون الدولي.. نصوص واضحة وانتهاكات مستمرة

ويقف القانون الدولي بوضوح ضد تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية، ويعد ذلك انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. فاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية تحظر تجنيد أو إشراك أي شخص دون سن الـ15 في نزاع مسلح، ويُصنف هذا السلوك كجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ورغم وضوح هذه النصوص وتجدد التقارير الحقوقية والأممية، لم تتوقف ظاهرة تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة قسد، بل وثقت الأمم المتحدة استمرارها بمعدلات مرتفعة خلال السنوات الأخيرة.

تعهدات على الورق.. وخروقات موثقة بالأرقام

في عام 2014، وقعت قسد (عبر وحدات مرتبطة بها) مع منظمة “نداء جنيف” التزاما يحظر استخدام الأطفال في الحروب. ثم عادت عام 2019 لتوقّع مع الأمم المتحدة خطة عمل تعهدت فيها باتخاذ تدابير ملموسة ضمن إطار زمني محدد يهدف إلى إنهاء ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم عسكريا.

وفي أغسطس/آب 2020، أعلنت قسد إنشاء “مكتب حماية الطفل في النزاعات المسلحة” ضمن مناطق سيطرتها، في خطوة قُدمت حينها باعتبارها مؤشرا على الاستجابة للضغوط الدولية وتحسين آليات الحماية.

ولكن تقارير الأمم المتحدة السنوية وثقت استمرار تجنيد الأطفال في مناطق قسد بمعدلات مرتفعة، تراوحت -وفق الحالات التي تم التحقق منها- بين 130 و285 حالة سنويا خلال الفترة من 2019 إلى 2023، في حين شهد عام 2022 وحده تفاقما لافتا بحصول 637 حالة موثقة لتجنيد أطفال.

وتزامن ذلك مع مؤشرات على فتور الالتزام بإجراءات الحماية، من بينها إغلاق أحد مكاتب حماية الطفل في أواخر عام 2022، ما أثار شكوكا إضافية حول جدية قسد في متابعة تنفيذ خطة العمل على الأرض وليس فقط في الوثائق والبيانات.

مكاتب لا تغيّر الواقع.. والأسئلة المفتوحة تبقى بلا جواب

ويقول أهالي الأطفال المجندين إن المكاتب التي أُعلن عن إنشائها لحماية الطفل لم تغير كثيرا من واقعهم، وإن شكاواهم المتكررة لم تقابل بردود واضحة أو خطوات عملية تؤدي إلى إعادة أبنائهم أو حتى الكشف عن أوضاعهم القانونية والإنسانية.

إعلان

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

———————–

مغردون: ماذا تخفي أسوار مخيم الهول؟ عائلات تنظيم الدولة أم ضحايا قسد؟

بعد سيطرة القوات السورية على مخيم الهول بريف الحسكة شمال شرقي سوريا، والذي يضم عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، والسماح لوسائل الإعلام بالدخول إليه وسماع شهادات من فيه، عاد المخيم إلى واجهة الجدل على منصات التواصل الاجتماعي.

وانقسم النقاش حول طبيعة من يقطنون المخيم اليوم: هل هم حصرا عائلات منتسبة لتنظيم الدولة، أم أن بينهم أشخاصا اعتقلتهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعسفيا وأُلصقت بهم التهم؟

وتداول ناشطون مقاطع مصورة لمقابلات مع محتجزين قالوا إن قسد احتجزتهم قسرا لاستخدامهم كورقة ضغط وابتزاز للحصول على الدعم والمساعدات من المنظمات الدولية.

في المقابل، كانت هناك تسجيلات أخرى تظهر بعض النساء وهن يبررن فكر تنظيم الدولة، ما أعاد تعقيد صورة المخيم ومن فيه أمام الرأي العام.

هذه المقاطع والشهادات أعادت مخيم الهول وسجلاته الثقيلة إلى صدارة التفاعلات، إذ رأى مغردون أن قصصا “يشيب لها الولدان” ستخرج من مخيم الهول ومن سجون قسد، وأن ما جرى تحت لافتة “مقاتلي التنظيم وعائلاتهم” قد يكون من أكبر عمليات التغييب القسري والإخفاء في المنطقة، مؤكدين أن هذا الملف يحتاج إلى إعلام حر وموضوعي يكشف بعضا من تلك المآسي أمام العالم.

في المقابل، حذر آخرون من التعامل مع ملف المخيم بعاطفة فقط، معتبرين أنه ملف معقد ويشكل هاجسا لدول الجوار وللتحالف الدولي قبل غيرهم، وإلا لما استطاعت “قسد” استخدامه ورقة ابتزاز خلال سنوات سيطرتها عليه.

وأشاروا إلى أن المخيم، رغم أنه مليء بالأطفال والنساء وقصص المظلوميات، يحتوي أيضا على مئات العائلات الأجنبية وأشخاص يحملون أفكارا متطرفة يمكن لتنظيم الدولة الاستثمار فيهم مجددا إن لم يعالج الملف بشكل مدروس.

ورأى بعض المدونين أن مخيم الهول يمثل اليوم أكثر من مجرد تحد أمني، فهو “مختبر مبكر” لقياس قدرة الدولة على تحويل كيان عاش سنوات خارج القانون إلى جزء من النسيج الإداري والقانوني للدولة.

والسيادة هنا كما يقولون لا تقاس برفع العلم أو نشر الحواجز فقط، بل بقدرة المؤسسات على التقنين، والمأسسة، ومعالجة الخطر اجتماعيا وفكريا لا أمنيا فحسب.

واعتبر آخرون أن المخيم كان خطأ بنيويا منذ البداية لعدة أسباب، أبرزها جمع عائلات تحمل عقائد وأفكارا “متطرفة” في مكان واحد يغذي بعضها بعضا، وبدل تصنيف المقيمين وفق مستويات واضحة: في الفكر، والرأي، والتوجه، ثم عزل كل فئة عن الأخرى، كما كان معمولا به في بعض السجون الأميركية.

واقترح هؤلاء تقسيمهم إلى فئات تسمح بإعادة تأهيل الأفكار تدريجيا، عبر برامج متكاملة يشارك فيها متخصصون في النفس والدين والاجتماع والأمن، بما يسهل تحييد المتطرفين وإتاحة الفرصة لتطوير مواقف وآراء شريحة أخرى. واعتبر هؤلاء أن الأطفال والأحداث تحديدا هم الأكثر قابلية للتأثر، وأن إهمالهم يهدد بإنتاج جيل جديد متشرب للعنف والتطرف.

ويؤكد ناشطون أن مظلمة كبيرة ارتُكبت في مخيم الهول بحق ضحايا أغلبهم من الأطفال والنساء طوال نحو 10 سنوات، وأن هناك جيلا كاملا وُلد وتربى في بيئة غير صحية نفسيا وجسديا وفكريا، ما يضع على عاتق المجتمع السوري والسلطات الجديدة مسؤولية تصحيح هذا الخطأ الجسيم بحق سوريين وغيرهم.

من جانبها أعلنت وزارة الداخلية السورية، يوم أمس الأربعاء، أن مناطق مخيم الهول والسجون الأمنية التي شهدت انتشارا أمنيا في الآونة الأخيرة تم تصنيفها كمناطق أمنية محظورة بالكامل، ويُمنع الاقتراب منها نهائيا تحت طائلة الملاحقة القانونية.

المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك

قم بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته

ويقع مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة. أُنشئ عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية لإيواء النازحين العراقيين الفارّين من الحرب، قبل أن يتحول لاحقا إلى ملجأ لعشرات الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بعد سقوط آخر معاقله عام 2019.

وكان المخيم تحت سيطرة قسد، وتديره “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية، قبل أن تنتقل السيطرة عليه مؤخرا إلى الحكومة السورية.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي + وكالات

————————

قسد” تعزز تحصيناتها داخل مدينة الحسكة

عززت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تحصيناتها داخل مدينة الحسكة، شرقي سوريا، بعد اقتراب الجيش السوري من المدينة، وسط هدنة يتخللها تبادل اتهامات بخرقها.

وأفاد مراسل عنب بلدي أن “قسد” تنشر قناصاتها في كافة مناطق سيطرتها، خاصة أحياء النشوة الغربية وغويران، حيث نفذت عمليات قنص، الأربعاء 22 من كانون الثاني، أدت إلى مقتل شاب وطفلة، داخل حي النشوة.

كما نفذت “قسد” حملة اعتقالات في حي النشوة الغربية، طالت 13 شخصًا من أبناء الحي.

وذكر المراسل، نقلًا عن مصدر عسكري، أن 13 عنصرًا من “قسد” انشقوا على المحور الشمالي من محافظة الحسكة، أمّنتهم الفرقة “66” التابعة للجيش السوري، وعملت على إيصالهم إلى مناطقهم، ضمن المساحات التي سيطرت عليها الحكومة مؤخرًا.

كما انشقت مجموعتان من “قسد” إحداهما تضم عشرة عناصر، وأخرى ستة عناصر، وصلوا إلى حاجز للجيش على طريق الهول، جنوبي الحسكة.

على الجانب الآخر، انقطعت الاتصالات عن المناطق التي سيطر عليها الجيش حديثًا في محافظة الحسكة، حيث قطعت “قسد” الكابل الضوئي الذي يغذي المنطقة، كما أوقفت بث شبكة “أر سيل”، وهي شركة اتصالات مرخصة من قبل “الإدارة الذاتية” وتعمل في مناطقها.

وأشار المراسل إلى أن الشبكات السورية، “MTN” و”سيريتل” مقطوعة منذ أكثر من سنة عن المنطقة.

“قسد” في المدينة.. الجيش على الأطراف

تعيش محافظة الحسكة حالة من الاستقطاب العسكري الحاد والهدوء الحذر، غداة إعلان الرئاسة السورية عن مهلة مدتها أربعة أيام، بدأت في 20 من كانون الثاني الحالي، لتنفيذ بنود اتفاق مع “قسد” بشأن مستقبل المدينة وآلية اندماج الأخيرة بمؤسسات الدولة.

الساعات الأخيرة شهدت تغيرًا في خريطة السيطرة بالريف الشرقي، حيث أحكم الجيش السوري سيطرته الكاملة على بلدة ومخيم “الهول”، وسط انتشار مكثف لقوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة في محيط المخيم لتأمينه.

وتابعت الوحدات العسكرية تحركها شمالًا لتسيطر على بلدتي تل حميس واليعربية، وصولًا إلى المعبر الحدودي الرسمي مع العراق، لتصبح المنطقة الحدودية تحت سلطة دمشق لأول مرة منذ سنوات.

ووفق المراسل، يبعد الجيش نحو 14 كيلومترًا عن حي غويران، كما أنه يبعد نحو ثمانية كيلومترات عن حي العزيزية من الجهة الشمالية.

وكان الجيش قد سيطر قبل إعلان الاتفاق على قرى قانا والكرامة والخمائل ثم سيطر على فوج الميلبية في ريف الحسكة الجنوبي، وما زالت الحشود العسكرية متواصلة في المنطقة التي تبعد عن مدخل الحسكة الجنوبي عدة كيلومترات.

وتقدم الجيش أيضًا في الريف الغربي حيث سيطر على عدة قرى في جبل عبد العزيز.

وتعيش المدينة أوضاعًا إنسانية صعبة نتيجة نقص حاد في مادة الخبز والمياه، وحالة من الرعب والقلق بين المدنيين، خشية تحول المدينة إلى ساحة مواجهة مباشرة عند انتهاء مهلة الأيام الأربعة، خاصة مع الانتشار الكثيف للآليات العسكرية ووجود الخنادق داخل الكتل السكنية.

وبالرغم من وجود المهلة، يتبادل كل من الجيش السوري و”قسد” الاتهامات بخرقها، في حين أشار مصدر عسكري في الفرقة “66” لمراسل عنب بلدي، إلى أن الجيش ينتظر انتهاء المهلة لاستكمال العمليات العسكرية.

وكانت رئاسة الجمهورية السورية أعلنت التوصل إلى تفاهم جديد مع “قسد”، حول مستقبل محافظة الحسكة، شرقي سوريا، الثلاثاء 20 من كانون الثاني.

وتضمن الاتفاق، وفق البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، منح “قسد” مهلة لمدة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليًا.

وفي حال الاتفاق، لن تدخل القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي وستبقى على أطرافهما، كما لن تدخل إلى القرى ذات المكون الكردي، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة، وفق البيان.

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار، اعتبارًا من الثلاثاء حتى أربعة أيام، التزامًا بالتفاهمات مع “قسد” وحرصًا على “إنجاح الجهود الوطنية المبذولة”، وفق تعبيرها.

وأعلنت “قسد” التزامها بوقف إطلاق النار، مؤكدة أنها لن تبادر إلى أي عمل عسكري، مشترطة عدم تعرض قواتها لأي هجمات في المستقبل.

—————————–

 توم باراك خلال لقائه عبدي: ندعم عملية الاندماج الواردة في اتفاق دمشق مع “قسد”

2026.01.22

أكد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، على دعم بلاده لاتفاقية 18 من كانون الثاني بين  الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

جاء ذلك خلال اللقاء الذي جمع المبعوث الأميركي بقائد “قسد” مظلوم عبدي وإلهام أحمد في أربيل اليوم الخميس، لمناقشة بنود الاتفاق وعملية دمج قوات “قسد” ومؤسساتها في الدولة السورية.

وقال باراك في بيان نشره على منصة إكس، إن الولايات المتحدة أكدت “دعمها القوي والتزامها بالمضي قدماً في عملية الاندماج الواردة في اتفاق 18 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية”.

وبيّن أن جميع الأطراف اتفقت على أن “الخطوة الأساسية الأولى هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار الحالي”، في حين يجري العمل معاً على “تحديد وتنفيذ إجراءات لبناء الثقة من جميع الأطراف لتعزيز الثقة والاستقرار الدائم”.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت شبكة “رووداو” الإعلامية، أن المبعوث الأميركي باراك سيعقد اجتماعاً مع مظلوم عبدي في أربيل، لمناقشة الأوضاع في الجزيرة السورية واتفاق 18 كانون الأول.

ويأتي اجتماع باراك وعبدي قبل انقضاء مهلة الأربعة أيام التي منحتها الرئاسة السورية لقسد من أجل “التشاور لوضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً” وفقاً لبنود الاتفاق الـ14.

وكان رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، قد استضاف يوم 17 كانون الثاني الجاري، في بيرمام بمحافظة أربيل، اجتماعاً بين السفير باراك وعبدي، حضره رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني والقنصل العام الأميركي في أربيل ويندي غرين، وقائد القوات الأميركية في سوريا الجنرال كيفن لامبارت، والكولونيل زاكاريا كورك، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا (ENKS) محمد إسماعيل.

ويوم الثلاثاء الفائت، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق مع قائد “قسد”، يتضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار ودمجاً شاملاً لمؤسسات “الإدارة الذاتية” في إطار الدولة.

وفي حين أصدرت “قسد” بياناً بشأن الاتفاق أكدت فيه التزام قواتها “الكامل” بوقف إطلاق النار، أشارت الحكومة السورية إلى أن “قسد” خرقت الاتفاق عدة مرات.

———————————

الأحداث السورية تضع الحدود العراقية “تحت الاستنفار”/ مؤيد الطرفي

استعدادات أمنية مكثفة مدعومة بعدة عوائق ومخاوف من تكرار عودة “داعش” على غرار سيناريو 2014

الخميس 22 يناير 2026

أكد رئيس الوزراء أن “العراق اليوم يمتلك خط صد مميزاً بإجراءات استثنائية عملت عليه وزارة الداخلية طيلة الفترة الماضية” (أ ف ب)

ملخص

أكد وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري أن الحدود العراقية مع سوريا مؤمنة بالكامل، وأشار إلى أن أي محاولة للتسلل عبر الحدود ستواجه بفتح النار.

في ظل الصراع الدائر بين القوات السورية الحكومية وعناصر سوريا الديمقراطية (قسد) دخلت القوات العراقية في حالة تأهب قصوى تحسباً لأي طارئ من خلال تكثيف الإجراءات الأمنية على طول الحدود البالغة أكثر من 600 كيلومتر غالبيتها أراض صحراوية قاحلة مدعومة بعدد من الأسيجة الترابية والكونكريتية والخنادق.

يبدو أن هرب الآلاف من عناصر “داعش” المسجونين في سوريا من سجن الشدادي جنوب الحسكة شمال شرقي سوريا ومخاوف تسلل عناصر التنظيم عبر الحدود العراقية زاد من حدة تلك الإجراءات، خوفاً من عودة أحداث 2014 بعد تسلل الآلاف من “داعش” عبر الحدود السورية- العراقية وسيطرتهم على مساحات شاسعة قبل أن يتم طردهم نهائياً من أرض العراق عام 2017.

في خضم هذه الاستعدادات الأمنية العراقية، أجرى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني القائد العام للقوات المسلحة، أمس الأربعاء، جولة ميدانية على القطاعات العسكرية عند الشريط الحدودي مع سوريا، فيما زار قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار بعد أيام من تسلمها من قبل القوات الأميركية.

الأول بتاريخ العراق

بحسب المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، فإن القائد العام للقوات المسلحة أكد أن هذه الزيارة هي للاطلاع بشكل ميداني على استحضارات تلك التشكيلات الأمنية.

ووجه السوداني الوزارات والجهات المعنية، ولا سيما وزارة الداخلية/ قيادة قوات الحدود، بتنفيذ “الساتر الأمني” وفق تحصينات وصفها بأنها “تحصل للمرة الأولى في تاريخ العراق”.

وأكد أن “العراق اليوم يمتلك خط صد مميزاً بإجراءات استثنائية عملت عليه وزارة الداخلية طيلة الفترة الماضية، ويمثل واحداً من أهم الإجراءات لمنع تسلل الإرهابيين وحفظ حدودنا الدولية الرسمية.

حدودنا مؤمنة ولسنا قلقين

بدوره، أكد وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري أن الحدود العراقية مع سوريا مؤمنة بالكامل، وأشار إلى أن أي محاولة للتسلل عبر الحدود ستواجه بفتح النار.

وقال الشمري في تصريحات صحافية “نترقب ونتابع يومياً ما يجري في سوريا وتوقعنا هذه الأحداث قبل 3 سنوات، وأجرينا تحصينات على الحدود الدولية وبالخصوص مع سوريا، كذلك أجرينا حفر خندق شقي بمساحة 620 كلم على طول الحدود”. وأضاف “لدينا كاميرات حرارية تعمل ليلاً ونهاراً في النقاط الحدودية”، مؤكداً أن “أي اقتراب من الحدود العراقية سيواجه بفتح النار”.

وأوضح وزير الداخلية أن “قطعاتنا على الحدود كافية وجميعها مسلحة بالعدة والعدد”، مبيناً “لدينا قطعات احتياط جاهزة للتدخل لأي أمر طارئ”. وأشار إلى أن “جميع الجهود الأمنية على الحدود العراقية مسنودة بطيران الجيش والقوة الجوية، وحدودنا العراقية مؤمنة بالكامل ولسنا قلقين”.

وكإجراء تطميني للجانب العراقي أعلنت الولايات المتحدة، اليوم الأربعاء، بدء نقل ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل من تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق المجاور، للحيلولة دون فرارهم، غداة تأكيدها أن دور “قوات سوريا الديمقراطية” التي احتجزتهم، سنوات، قد انتهى مع تقدم الجيش السوري في الميدان.

وفي مرحلة أولى، تم نقل 150 معتقلاً من سجن في الحسكة (شمال شرقي) إلى العراق ومن المتوقع نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من داعش من سوريا إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية”.

ويجمع متابعون للشأن الأمني والسياسي على أهمية تلك التحضيرات واستبعادهم تكرار سيناريو عام 2014.

أطواق أمنية متعددة

قال المستشار العسكري السابق صفاء الأعسم إن الحدود العراقية السورية محاطة بعدد من الأطواق الأمنية وبعدد من العوائق. وأضاف أن “الحدود العراقية- السورية تمتد لمسافة 618 كيلومتراً وعلى طول الحدود هناك خنادق بعرض 4 أمتار مع سواتر ترابية وأسلاك شائكة على طول الحدود، إضافة إلى الخرسانة الكونكريتية”.

وأشار الأعسم إلى وجود طائرات مسيرة تراقب الحدود إضافة إلى كاميرات مراقبة ليلية ونهارية وهناك مقر لقيادة العمليات داخل وزاره الدفاع في بغداد على مدى 24 ساعة لمراقبة الحدود، لافتاً إلى وجود أربع خطوط أمنية من حرس الحدود والمؤسسة العسكرية العراقية وقيادات العمليات وهيئة الحشد الشعبي.

ولفت إلى أن “مخاوفنا تتمثل بعائلات داعش الذين تسلمهم العراق إلا أن وضعهم تحت أعيننا في معسكرات سيكون أفضل للعراق”.

التكنولوجيا الحديثة في رصد الحدود

دعا مدير المركز الجمهوري للدراسات الأمنية والاستراتيجية معتز محيي عبد الحميد إلى ضرورة اتباع الأجهزة الأمنية العراقية الطرق التكنولوجية الحديثة في عملية مراقبة الحدود بدل الجهد البشري.

وأضاف عبد الحميد “يجب اتباع الطرق الحديثة في حماية الحدود مثل الأبراج المحصنة وأجهزة التصوير الليلي، كما يجري في بعض الدول مثل تركيا من خلال الاعتماد على الأسلحة الآلية التي تتحسس الحركة مع وضع أجهزة تحسس الحركة من دون الاعتماد بالكامل على العنصر البشري”.

وأشار إلى صعوبة مراقبة الحدود بشكل كامل التي تصل إلى 600 كيلومتر وتضم تضاريس مختلفة بين قرى وأرياف متداخلة بين الجانبين العراقي والسوري، فضلاً عن انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد الواقعة في الأنبار مما يعني أن مسؤولية توفير الأمن ومكافحة “داعش” في المنطقة بات يقع على عاتق العراقيين وقد يستعين العراق بالخبرة الأميركية بالجانب الاستخباري”.

يرى عبد الحميد أن المخاوف العراقية هي طبيعية ومشروعة خوفاً من عودة عناصر “داعش” مجدداً خصوصاً في محافظة الأنبار، مستغلة بذلك الصحاري الواسعة في المحافظة وبعض الوديان والكهوف للاختباء والقيام بأعمال إرهابية على الأرض العراقية بين الحين والآخر، لا سيما أنه لا توجد معسكرات ثابتة كما كان عليه في زمن النظام السابق، وإنما اعتمدت خلال السنوات الماضية على مبدأ الكر والفر في الصحراء وجبال مكحول وحمرين وجنوب كركوك.

لا تكرار لسيناريو 2014

يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الظروف الأمنية والسياسية والشعبية بالعراق جميعها تشير إلى صعوبة تكرار سيناريو 2014.

وأضاف الفيلي أن “العراق في عام 2014 كان غير مهيأ لمواجهة داعش، إذ كانت الظروف الداخلية آنذاك غير مستقرة وليس لديه جيش قوي بعكس اليوم الذي لديه ما يقارب مليون و200 ألف شخص، إضافة إلى أن الحدود كانت مستباحة بعكس اليوم عبر تأمين الحدود بسياج كونكريتي، إضافة إلى انتشار القطعات العسكرية العراقية على طول الحدود”.

وأكد أن الولايات المتحدة الأميركية أطفأت المخاوف العراقية حينما أعلنت أنها ستنقل 7000 من تنظيم داعش إلى أرض العراق سيودعون في السجون العراقية وقد يسجنون في سجون الإقليم.

رسائل عراقية

استبعد تكرار سيناريو 2014 إذ إن العراق يحرص على أن لا يتكرر هذا السيناريو والتجربة الأولى التي حصلت بدخول عناصر “داعش” في عام 2014 دخلوا على حين غرة.

وخلص الفيلي بالقول إن رسالة بغداد من التحشيد العسكري هو أنها تريد أن تؤكد بأنها ما زالت قوية في رسالة إلى الأطراف الأخرى، فضلاً على أن هناك تكاتفاً من الشعب العراقي كله ضد أي محاولات لـ”داعش”، إذ إنه لا توجد حواضن للتنظيم في العراق.

———————–

الأمن السوري يواصل البحث عن سجناء تنظيم الدولة الفارين

قالت الداخلية السورية إن قوات الأمن تواصل البحث عن السجناء الفارّين من عناصر تنظيم الدولة، مؤكدة تأمين مناطق مخيم الهول بريف الحسكة، في حين قال مسؤول عسكري أميركي للجزيرة إن عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق ستتم خلال أيام وليس أسابيع.

واعتبرت الداخلية أن “مخيم الهول وجميع السجون في المنطقة مناطق محظورة”.

وكان مصدر أمني سوري قال للجزيرة إن قوات الأمن أرسلت تعزيزات كبيرة لحفظ الأمن داخل مخيم الهول، عقب انسحاب قوات قسد منه.

وفي مدينة الرقة، أفاد مراسل الجزيرة بأن أهالي معتقلين في سجن “الأقطان” حاولوا اختراق الحواجز الأمنية التي أقامتها السلطات لمنع وصولهم إلى السجن. وعبّر ذوُو المعتقلين عن مخاوفهم على مصير أبنائهم داخل السجون.

وقالت وزارة الدفاع السورية للجزيرة إن تنظيم قسد استهدف مواقع الجيش السوري أكثر من 35 مرة -أمس الأربعاء- خلال اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار. وأضافت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن هذه الاستهدافات خلّفت 11 قتيلا وأكثر من 25 مصابا.

وأوضحت أن قوات الجيش عثرت على معمل قرب معبر “اليعربية” بريف الحسكة، يحتوي على طائرات مسيرة إيرانية الصنع كان تنظيم “قسد” يستعد لتذخيرها. من جهتها، نفت “قسد” استهداف مستودع الذخيرة، وقالت في بيان، إنه لم يكن لقواتها أي نشاط عسكري في تلك المنطقة، متّهِمة الحكومة بانتهاك الاتفاق.

كما شهدت جبهات “عين العرب”، في ريف حلب الشمالي الشرقي، هدوءا تاما بعد يوم من المواجهات بين الجيش السوري وقوات قسد.

وأفاد مراسل الجزيرة بنزوح مئات الأشخاص إلى القامشلي جراء العمليات العسكرية في مدينتي، الرقة والحسكة، وهم يعانون ظروفا إنسانية صعبة، وقد لجأ بعضهم إلى مدارسَ حُولت إلى مراكز إيواء، لكنها تفتقر إلى الخدمات ومواد التدفئة.

أيام لا أسابيع

من جهة أخرى، قال مسؤول عسكري أميركي للجزيرة إن عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق ستتم خلال أيام وليس أسابيع، في حين أعلنت القيادة الوسطى الأميركية أن قائدها بحث هاتفيا مع الرئيس السوري أحمد الشرع عملية النقل المنسقة لمعتقلي تنظيم الدولة إلى العراق.

إعلان

وأكدت القيادة الوسطى أن الجانبين جددا التزامهما بهزيمة تنظيم الدولة نهائيا في سوريا، وأكدا أهمية الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار مع قسد.

وكانت القيادة الوسطى قد أعلنت في وقت سابق أنها بدأت في نقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرق سوريا إلى العراق ووضعهم في مراكز احتجاز آمنة.

وقالت إنها تتوقع أن يصل إلى 7 آلاف عدد معتقلي تنظيم الدولة الذين سيُنقلون من سوريا للعراق، ورحبت دمشق بالعرض.

المصدر: الجزيرة + وكالات

———————–

=====================

تحديث 21 كانون الثاني 2026

———————————

فرصة لبناء إجماع وطني سوري/ مروان قبلان

21 يناير 2026

تتجه الإدارة السورية، باتفاق أو بدونه، على ما يبدو، إلى بسط سلطتها على مناطق شرق الفرات بمعظمها، لتُعيد بذلك سيادة الدولة، بعد غياب استمرّ 13 عاماً، على ما يُعدّ، بحق، “سورية المفيدة”، التي تمدّ بقية البلاد بما تحتاج إليه من غذاء، وكساء (حقول القطن) وطاقة (نفط وغاز)، والأهم من ذلك توجّهها (إدارة دمشق) نحو تأكيد حصرية العنف بيد الدولة وتفكيك أي مظاهر مسلحة أو قوى خارجة عليها، وهو أمرٌ سوف يحتاج إلى بعض الوقت حتى ينتظم ويترسّخ، بما في ذلك على الفصائل التي تتبع لها. ربما لم يبق من خيار أمام إدارة الرئيس أحمد الشرع سوى اللجوء إلى القوة، بعد مماطلة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في تنفيذ اتفاق مارس (2025) بشأن اندماجها في أجهزة الدولة الجديدة، وإداراتها المدنية والعسكرية، لكن اللافت، والأكثر أهمية، في معالجة المسألة، ما بدا وكأنه تغيير في طريقة تفكير إدارة الشرع بشأن التعاطي مع تحدّيات إعادة بناء الدولة، والإشارة هنا تحديداً إلى المرسوم رقم 13، الذي يعترف بالحقوق الثقافية للمواطنين الكرد السوريين، بما في ذلك اعتماد يوم “النوروز” عيداً وطنياً، وحق الكرد باستخدام لغتهم، وتعلّمها، والأهم من ذلك كله إبطال كل الإجراءات والقوانين الاستثنائية التي نتجت عن إحصاء عام 1962 وجرّدت عشرات آلاف من الكرد من جنسيتهم السورية، والعودة إلى الاعتراف بهم مواطنين سوريين لهم كل الحقوق وعليهم الواجبات نفسها.

سورية البلد الوحيد، ربما، من بين الدول الأربع الرئيسة في المنطقة التي تضمّ قوميات كردية كبيرة (الأخرى تركيا وإيران والعراق) التي ينبغي ألّا يكون فيها “مسألة كردية”، لأن الكرد كانوا تاريخياً “محبوكين” في بنية نسيجها الاجتماعي، حدّ الانحلال فيه، فكان منهم قادة الحركة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي (أمثال إبراهيم هنانو، وعبد الرحمن الشهبندر الذي تُرجّح مصادر تاريخية عديدة أصوله الكردية) والرؤساء (بمن فيهم محمد علي العابد، وهو أول رئيس للدولة السورية، وفوزي سلو) ورؤساء الحكومات (مثل محسن البرازي) وقادة الجيش، وزعماء الانقلابات الثلاثة (حسني الزعيم، وسامي الحناوي، وأديب الشيشكلي). ورغم أن وزير الداخلية، ونائب رئيس الجمهورية في عهد الوحدة مع مصر، عبد الحميد السرّاج، كان كردي الأصل، فإنّه كان فاعلاً مركزياً في المشروع القومي العربي في سورية. والمعروف أن الضباط الكرد كان يمثّلون نسبة ملحوظة في الجيش السوري قبل عام 1963، ما يدل على مدى اندماج الكرد في النسيج السياسي والاجتماعي السوري. وإذا كانت ثمة مسألة كردية في سورية فهي حديثة النشأة، جذورها تركية، صُدّرت إلينا بعد انهيار الدولة العثمانية، وزادها سوءاً وتعقيداً إحصاء عام 1962، ثم سياسات “البعث” الشوفينية بحقّ الكرد، والتي أساءت للعروبة أكثر مما خدمتها، بجعلها عقيدة “عنصرية” في جوهرها. الآن، نحن أمام واقع جديد يُعترف فيه بالظلم الذي لحق بالكرد السوريين في الدولة السورية المعاصرة، وإعادة حقوقهم في مواطنة كاملة. لكن المقاربة الجديدة في التعامل مع “المسألة” الكردية لا ينبغي تشويهها من خلال النظر إليها باعتبارها عطاء (منّة أو فضل) من طرف لآخر، بل حق مسلوب تمت إعادته لأصحابه، واستكمال ذلك بإعادة الحقوق المادية، بعد المعنوية، إلى أصحابها، بما يشمل عودة المهجرين من الكرد، وغيرهم، إلى أراضيهم وممتلكاتهم.

بهذا، يمكن أن تشكل نهاية الكيان المستقل نسبياً، الذي أنشأته “قسد” في شمال شرق سورية على مدى 12 عاماً، وحلّ المظالم التي لحقت بالكرد السوريين، عبر المرسوم 13، وإعادة توحيد الجزيرة السورية مع بقية أجزاء الوطن، نقطة انطلاق نحو بناء إجماع وطني واسع، وتصحيح الأخطاء التي وقعت العام الماضي في التعامل مع قضايا الساحل والسويداء، بما يسمح بفتح صفحة جديدة تفيد في إعادة تعريف الدولة السورية على أساس المواطنة المتساوية، بدلاً من التمييز على أساس العرق والدين والطائفة. هذا يتطلّب مراجعة كل المسار الذي أوصلنا إلى هنا، بما في ذلك إعادة النظر في الإعلان الدستوري، والدعوة إلى مؤتمر وطني جامع، تنبثق عنه حكومة وحدة وطنية، تدير المرحلة الانتقالية، وتحضر لانتخابات “جمعية تأسيسية” لكتابة الدستور الدائم، ثم تنظيم انتخابات عامة، يسبقها إقرار قانون للأحزاب وقانون انتخابي ينقلنا نحو الدولة الدائمة المستقرّة.

العربي الجديد

—————————————

إن عاش اتفاق دمشق و”قسد”/ أرنست خوري

21 يناير 2026

كلما تمّ سريعاً تنفيذ اتفاق البنود الـ14 الموقع يوم الأحد 18 يناير/ كانون الثاني الجاري بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كان ذلك من مصلحة سورية والسوريين، لا لأن الاتفاق نموذجي، بل لأنّ المعاهدة المبرمة في هذا الظرف السياسي السوري والإقليمي والعالمي هي من نوع “الحتميات” بلغة أهل الأيديولوجيات الشمولية، وبالتالي فإنّ معاندة موازين القوى والوقائع التي أدت إلى توقيع أحمد الشرع ومظلوم عبدي الوثيقة ستكون هدراً لدم بلا طائل، وتخريباً إضافياً لكل الجغرافيا السورية المريضة، لا لمنطقة الجزيرة وشرق الفرات فحسب. ومصيب من يرى بالتحليل أن الاتفاق رابح بالنسبة إلى الحكومة وخاسر للقوميين الأكراد، أما الشامتون بهذه الحقيقة والمحرّضون على تكريس غلبة عرقية سياسية عسكرية نتيجة لذلك، فإنما يستحقون أن يوضعوا في مرتبة المسؤولين عن المقتلة السورية والمحرّضين على استمرارها، وأن يمكثوا طويلاً في السجن.

والشامتون بهزيمة “قسد”، أبناء ثقافة عربية عريقة في تمجيد الحرب الدائمة واحتقار اتفاقات وتنازلات تحفظ حيوات البشر. ثقافة تعتبر أن الاعتراف بالخسارة عيب، وتصف رافضي الخيارات الانتحارية والحروب المفتوحة بأهل التخاذل، وتحتقر من يسلّم بأن الظروف تغيّرت ويجب التعاطي معها بواقعية للحد من الخسارة. ثقافة تكبّر الانتصار كلما كانت الهزيمة جليّة، ويريد أتباعها محاربة التقدم التكنولوجي الحربي الرهيب لأعدائهم بالسيف والترس والخطابات والعنتريات اللفظية. وكم هو ضروري تذكّر أن الحركة القومية الكردية نفسها كانت تؤمن بهذه الثقافة الانتحارية، وأن أبناء حزب العمال الكردستاني وبناته كانوا من أوائل من أدخلوا مظاهر حرق رجال ونساء أجسادهم احتجاجاً وتضامناً إلى قاموس النضال الحربي – السياسي، قبل أن تعترف قيادة عبد الله أوجلان بضرورة إعادة النظر في كل ما كانت تنادي به، إلا بحقّ الأكراد بالمساواة والمواطنة والحرية والكرامة في تركيا والعراق وسورية وإيران.

والحقّ أنّ قيادة قوات سوريا الديمقراطية أصابت في إقرارها بأنّ الاستمرار في المعركة المفتوحة التي بدأت في حلب الشهر الماضي ستكون مجزرة وحرباً أهلية، وأنها ستنتهي بخسارة “قسد” حتماً، إن لم يكن بالقوة الذاتية للفصائل التي يتألف منها الجيش السوري والمليشيات والعشائر الحليفة له، فبفضل تدخل حربي تركي سيكون حاسماً. لقد فهمت القيادة السورية الكردية أبجدية “روح العصر” الترامبي، وأنّ قراراً أميركياً صدر بالفعل بالتخلي عنها بوصفها “حليف الميدان” 12 عاماً في محاربة تنظيم داعش، لكن مع اكتشاف دونالد ترامب كم أن أحمد الشرع “قوي” بحسب مصطلحاته، وراغب حقاً، وفق تقدير الرئيس الأميركي، بمحاربة “داعش”، ومع تسليمه بأن هذا الجزء من سورية، شمالها وغربها وشرقها، يجب أن يكون منطقة نفوذ تركية برئاسة صديقه “القوي” رجب طيب أردوغان، مقابل جنوبٍ منطقة نفوذ إسرائيلية، فإنه اقتنع بانتفاء الحاجة إلى المسلحين الأكراد. من هنا، استوعبت قيادة “قسد” أن المعركة ستكون خاسرة بشكل ساحق، وأن الأجدى في ظل هذه الشروط تحصيل ما أمكن من مكاسب ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بضمانات أميركية لن تكون متوفرة ربما في حال أصرّ القوميون الأكراد على مواصلة المعركة حتى المسلح الأخير والمسلحة الأخيرة. أما عن سبب عدم تنفيذ اتفاق مارس/ آذار 2025 في سياق أفضل للسوريين الأكراد، فربما لأن قيادة “قسد” حاولت شراء الوقت لعلّ الزمن الأميركي يتغير لمصلحتها وتستطيع فرض تنفيذ الاتفاق بمكاسب فيدرالية خاصة بتقاسم الثروة وبحصتها من السلطة وبدخول مقاتليها إلى الجيش السوري كتلة موحدة لديها قيادتها وهرميتها داخل الهرمية الكلية، لكن ما حصل كان عكس ذلك، ليجد الساسة الأكراد أنفسهم أمام توم برّاك مفاوضاً أميركياً أقرب بكثير إلى دمشق منها إلى القامشلي.

سبق لعبد الله أوجلان أن حرّك المياه الراكدة للثقافة السياسية التي ترفض الاتفاقات والمساومات والتنازلات والاعتراف بالهزيمة، عندما قرر حل حزبه مطلع عام 2025، فنال ما ناله من شماتة تفيض عنصرية وذكورية وتخلفاً عند بشر يفضلون إبادة جماعتهم في سبيل “القضية”، وكأن أي قضية لها قيمة بلا بشر. اليوم، إن تم تنفيذ اتفاق 18 يناير كاملاً، ولو تم تجاوز الانتهاكات الكثيرة المرتكبة لبنوده في الساعات الـ48 من عمره القصير، سيكون كثر من العرب أمام فرصة التعلّم من درس كردي رموزه قرّروا الاعتراف بأن حظوظهم من حرب ضد “العالم” الداعم سلطة دمشق بغالبية ساحقة، تساوي أمل إبليس في الجنّة. وبالتالي، الأجدى تغيير أساليب النضال في سبيل قضية عادلة كقضيتهم، إلى حين تقتنع غالبية السوريين بأن الفيدرالية ليست شتيمة، أو أنّ شكلاً مخففاً من اللامركزية السياسية ربما يكون الحلّ الأنسب لسورية، ولعديدٍ غيرها من بلدان عربية، قبل أن يصبح التقسيم هو الدواء.

العربي الجديد

—————————————————

المخاض السوري … مخرج سياسي مقترح/ علي العبدالله

21 يناير 2026

نجحت السلطة السورية الجديدة في إخراج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مدن وبلدات وقرى في محافظات حلب والرقة وديرالزور، باستثمار معطيات محلية وإقليمية ودولية، عدم وجود حاضنة شعبية لـ”قسد” في هذه المنطقة (زادت ممارساتها التسلطية والاستئثارية سكّانها نفوراً)، تأييد عربي وتركي، تحت عنوان وحدة أراضي سورية وسلامتها، عبّر عن نفسه بدعم إعلامي عربي ومساعدة استخبارية تركية، غضّ نظر أميركي، فالإدارة الأميركية لا ترى أن وجود “قسد”، حليفتها في شرق الفرات، في الغرب السوري يُلزمها بدعمها؛ كانت قد أخذت هذا الموقف خلال عملية غصن الزيتون عام 2018، وهو ما أكده قائد القوات الخاصة الأميركية الذي التقى قادة من قسد في دير حافر وأبلغهم بضرورة الانسحاب وتجنّب المواجهة أو تحمّل نتائجها. هذا وقد قامت السلطة بالتوازي مع هجومها العسكري بتحرّك دبلوماسي وسياسي بالتواصل مع الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإصدار مرسوم رئاسي يمنح الكرد السوريين حقوقاً حُرموا منها طويلا، وذلك لطمأنة الرأي العام الكردي والعالم. ربطت السلطة إطلاق العملية العسكرية بعدم التزام “قسد” بتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025)، واستخدام وجودها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ورقة ضغط بالنار لدفع السلطة إلى القبول بطلباتها بصيغة اندماج تبقي على كيانيها المدني والعسكري، حيث تكرّرت عمليات قنص المدنيين في الأحياء المجاورة، واستهداف حواجز الأمن العام القريبة قبل جلسات التفاوض وبعدها.

قالت تقديرات سياسية إن العملية العسكرية جزء من خطة أوسع هدفها إخراج قوات سوريا الديمقراطية من الغرب السوري تمهيدا لتحرّك تقوم به عشائر عربية في شرق الفرات، مع المراهنة على انشقاق المقاتلين العرب في “قسد”، لوضع الأخيرة بين خيارين صعبين: مواجهة تمرّد شعبي كبير مع خطر تفكّك داخلي أو القبول بشروط السلطة والاندماج في صفوف الجيش السوري الوليد، وفق تفسيرها بنود الاتفاق المذكور. وقد أتاح تحرّك العشائر العربية وسيطرتها على بلدات وقرى في ريفي الرقة وديرالزور تطوير الهجوم نحو مواقع في شرق الفرات.

كشفت العملية العسكرية التي بدأت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب عن عمق الترابط بين الكرد رغم توزعهم وانتشارهم في أكثر من دولة، تجلى ذلك في التظاهرات التي خرجت في إقليم كردستان العراق ومدن تركية عديدة وفي إلغاء معرض الصناعات السورية الذي كان سيقام في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، وبقرار قناة شمس الكردية عدم بث مقابلة مصورة أجرتها مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، كما كشفت عن الترابط بين ملفات الساحل والسويداء وشمال وشمال شرق سورية؛ وعن عمق التحالف بين قياداتها جسده صدور بيانين من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الشيخ غزال غزال، والرئيس الروحي للموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، دانا فيهما العملية العسكرية في الحيين، ووصفا تصرّفات قوات السلطة بأوصاف حادّة، مثل “العنف والإرهاب”، وفق غزال، و”غزو همجي”، وفق الهجري، واتفاقهما على أن هدف العملية إجراء تغيير سكاني في الحيين، ومطالبتهما بحماية دولية؛ وقصف “الحرس الوطني” للهجري مواقع قوات الأمن الداخلي المنتشرة غرب السويداء. كما كشفت الموقف الأميركي من المتحاربين ومن طبيعة الحل المطلوب في سورية، حيث قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن بلاده تتعامل بإيجابية مع الجانبين، في حين أوضح المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، نظرة الإدارة إلى الحل في سورية بقوله “إن الرئيس ترامب ينظر إلى هذه اللحظة بوصفها فرصة تاريخية ومفصلية لقيام سورية جديدة موحدة، تقوم على احترام جميع مكوّناتها القومية والدينية، من عرب وأكراد ودروز ومسيحيين وعلويين وتركمان وآشوريين وغيرهم، وتكفل لهم معاملة قائمة على الكرامة والمساواة، ومشاركة حقيقية في مؤسّسات الحكم والأمن”، في غمز واضح من قناة السلطة التي لم تراع في سياستها التعدّد والتنوع القومي والديني والمذهبي في البلاد. وهدّد عضو مجلس الشيوخ، الجمهوري المقرّب من الرئيس الأميركي، ليندسي غراهام، بالعمل على إعادة فرض قانون قيصر ما لم يتوقف الهجوم على “قسد”.

حصل التعثر في تنفيذ الاتفاق العتيد نتيجة تقابل موقفين متعارضين بشدة مع عدم وجود استعداد لدى أيٍّ من الطرفين للذهاب نحو الاتفاق على حلول وسط، فالسلطة التي تعمل على أكثر من صعيد، وبأكثر من صيغة، لتكريس سيطرتها وهيمنتها على البلاد والعباد، لم تشرك القوى السياسية والاجتماعية من خارج نواتها الصلبة؛ وتستثمر، في الوقت نفسه، في العرب السُنّة لتعزيز موقفها عبر ترويج أن الحُكم حُكمهم، وتخويفهم من عودة حكم الأقليات الذي سينتقم منهم، استخدمت التنسيق القائم بين “قسد” والشيخين الهجري وغزال وتقارير رويترز و”واشنطن بوست” وقناة الجزيرة عن تخطيط فلول النظام البائد لزعزعة الأمن والاستقرار في شد عصبهم الطائفي وتعبئتهم ضد الأقليات. وتعتمد قوات سوريا الديمقراطية سياسة قائمة على مبدأ “كل شيء أو لا شيء”، ما دفعها إلى التمسّك بمواقفها من دون التفاتٍ إلى صيغ عديدةٍ طرحتها السلطة لعملية الاندماج، تناقض موقف قادة من “قسد” من مرسوم الشرع حول الحقوق الكردية بين من يرى فيه محاولة لتقسيم الكرد ومن يراه ثمرة لصمود قسد، مع استثمار الملفين الآخرين، ملفي الساحل والسويداء، وربط مطالبها بهما مع منع أي تحرك كردي مستقل بإرهاب القوى السياسية الكردية الأخرى، هجمات منظمة الشبيبة الثورية وحرق مكاتب المجلس الوطني الكردي، وباتهام أي تحرك يدعو للمرونة والتفاهم مع السلطة بالخروج على الموقف الكردي الموحد، الذي اتخذه مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي”، الذي عقد في لقامشلي في 26 إبريل/ نيسان الماضي، والتفريط بالحقوق الكردية.

تحرّك الوسطاء، المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، والزعيم الكردي مسعود البارزاني، لوقف تدهور الموقف ودفع الطرفين إلى العودة إلى المفاوضات حول سبل تطبيق اتفاق 10 مارس، خصوصاً بعد تمدّد المواجهات خارج محافظة حلب، بعقد اجتماع في أربيل مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، قالت تسريبات إن برّاك اتهم عبدي بالمماطلة وعدم الجدّية في تطبيق الاتفاق، والترتيب لاجتماع في دمشق بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، ومظلوم عبدي، برعاية السفير برّاك، أعلن عن إجراء الشرع وبرّاك مفاوضات مع عبدي عبر الهاتف لتعذر الحضور إلى دمشق بسبب سوء الأحوال الجوية والاتفاق على وقف إطلاق النار والعودة إلى تطبيق اتفاق مارس عبر صيغة من 12 بندا تنطوي على انسحاب “قسد” من المناطق ذات الأغلبية العربية واندماجها بشكل فردي في الجيش السوري الوليد.

لن يزيل الاتفاق الجديد، الذي ترتب على قبول قوات سوريا الديمقراطية بشروط السلطة وتفسيرها بنود اتفاق مارس بعد خسارتها عسكريا؛ الشعور بالغبن. لن يكون، كأي اتفاق مبني على إرادة ناقصة، بالنسبة لقادة “قسد” وكوادرها بلسما للجراح، لأنه ليس مبنيا على القناعة والرضا، كما ظهر في كلام الجنرال مظلوم عبدي وملامح وجهه وهو يقرأ بيانه عن الموقف، بل سيعمق الجراح ويزيد المرارة ويغذي المشاعر السلبية. لذا تستدعي الحصافة والمصلحة الوطنية قيام طرفي النزاع بإعادة النظر في تصوراتهما وخططهما وإجراء مراجعة حقيقية وتبني صيغ منطقية وعملية تفتح الطريق أمام تفاهمات واقعية. علما أن المطلوب من السلطة، لاعتبارات تتعلق بالموقع والدور، أكبر وأكثر. مطلوب من “قسد” أن تنظر إلى المعطيات بواقعية، حيث لا يشكل الكرد في سورية أكثر من 10% من سكانها، ونسبتهم في منطقة شرق الفرات ليست أكثر من ذلك بكثير؛ وهذا بالإضافة إلى توزعهم على أكثر من محافظة سورية ما يجعل التفكير بالفدرالية غير عملي. كما عليها أن تنظر في تركيبتها البشرية حيث إن جزءا مهمّاً منها من المكون العربي الذي سينقلب عليها عندما تصطدم مع السلطة العربية، كما عليها أن تدقق جيدا في التغيرات التي حصلت في المواقف الإقليمية والدولية من الوضع السوري ووجود ميل عام لتبني وجهة نظر السلطة بما في ذلك عمليتها العسكرية القائمة. لعل التدقيق في المعطيات وقراءتها بتمعن يدفعانها إلى خفض سقف مطالبها وتنفيذ بنود الاتفاق الجديد بروح رياضية.

السلطة من جانبها مطالبة بإعادة نظر عميقة في مقاربتها للملفات السياسية العالقة وذلك بـ: أولاً، اعتماد الوطنية السورية قاعدة لاتخاذ القرارات السياسية والإدارية والاقتصادية؛ وبناء المؤسّسات بدلالتها؛ حيث لا يمكن ضمان الاستقرار في مجتمع متعدّد القوميات والأديان والمذاهب دون شعور الكل الوطني أنه موجود في الصورة ومشارك في فعالياتها. ثانياً، البدء بتطبيق العدالة الانتقالية لامتصاص نزعات الانتقام عن طريق إنصاف الضحايا وإشعار الكل الوطني أن لا أحد فوق القانون. ثالثاً، العمل على تحقيق عدالة اجتماعية يشعر فيها المواطن بأنه يحصل على نصيب عادل من الثروة الوطنية من دون تمييز أو غبن. رابعاً، استكمال تشكيل مجلس الشعب؛ بما في ذلك عدد مناسب من المقاعد للمكوّن الكردي، مع منحه حق ممارسة دوره في إصدار التشريعات والنظر في القرارات والمراسيم التي صدرت في العام الماضي والحق بتعديلها وإلغاء ما يجد عدم مناسبته وطنيا، بما في ذلك الإعلان الدستوري بما انطوى عليه من تحديدات مثل طبيعة النظام السياسي الرئاسي والمركزي وصلاحيات الرئاسة ومدة المرحلة الانتقالية…. إلخ، قبل التصويت عليها. خامساً، تشكيل لجنة خاصة لصياغة دستور جديد للبلاد يلحظ التعددية القومية والدينية والمذهبية، بحيث يكون مناسبا لعقد اجتماعي جديد قائم على التعدّدية والتشاركية ولامركزية إدارية موسعة تجعله يحظى بقبول واسع من المواطنين. سادساً، إعادة نظر في التقسيمات الإدارية السورية بتشكيل محافظات جديدة، بحيث تسهل إدارتها ومعالجة نقاط الخلل فيها على صعيد البنية التحتية والخدمات والتوظيف ومشاريع التنمية المستدامة، وتزيد فرص المناطق في المشاركة في إدارة البلاد وفي صياغة القرارات السياسية والاقتصادية فيها.

مخرج مقترح علّ قبوله يقود إلى فتح طريق للمصالحات السياسية والدفع باتجاه ترميم النسيج المجتمعي وتكريس الوحدة الوطنية.

العربي الجديد

———————————-

 هل يمكن فصل قسد عن الأكراد؟/ منهل عروب

2026.01.21

يتردّد في الآونة الأخيرة تعبير أن «قسد لا تُمثّل الأكراد»، في مسعى لإنصاف الأكراد، والتفريق بين أهداف التنظيم اليساري المتطرّف والمجتمع الكردي في سوريا، وخياراته التي قد تتقاطع مع «قسد» أو تكون مفارِقة لها. غير أنّ فكرة «فصل قسد عن الأكراد» باتت تُطرح كحلٍّ ناجز، وكأن المشكلة لغوية أو شكلية، في حين يتم تجاهل حقيقة أن «قسد» ليست مجرّد ذراع عسكرية يمكن نزعها عن محيطها الاجتماعي، ولا هي في الوقت نفسه تعبير صادق عن ذلك المحيط.

فهي كيان فُرض بالقوة والسلاح، نشأ وتجذّر نتيجة للفراغ وانعدام المشاريع البديلة، ويرى فيها كثير من الأكراد الجهة الوحيدة، حاليًا، القادرة على حماية حقوقهم ومكتسباتهم في مواجهة الظلم التاريخي الذي لحق بهم خلال المئة عام الماضية.

تاريخيًا، عرّف الأكراد أنفسهم بوصفهم جزءًا من المجتمع الإسلامي الكبير، وكان انتماؤهم الكردي جزءًا من الهوية الإسلامية الأوسع أولًا، وتابعًا لانتمائهم المجتمعي المحلي ثانيًا. فالكردي الإيراني هو إيراني أولًا ذو خصوصية كردية، والكردي التركي جزء من النسيج الأناضولي. غير أنّ صعود الخطاب القومي التركي، وتهميش الأكراد، أسهما في بروز الهوية الكردية بوصفها إطارًا جامعًا لأولئك الذين جرى «إقصاؤهم من مجتمعاتهم».

وإذا كان العرب قد طوّروا شكلًا مشوّهًا أو غير مكتمل من الهوية القومية والسياسية، ثم أنشؤوا دولهم القومية، فإن الأكراد تشتّتوا بين المراكز الإقليمية الكبرى: التركية والعربية والإيرانية. وقد دُفعوا إلى الهامش، قوميًا على مستوى الخطاب، وسياسيًا على مستوى الدولة.

في سوريا، بدأ إقصاء الأكراد وتهميشهم منذ عام 1962، ومع تولّي حزب البعث السلطة تطوّر الأمر إلى اضطهاد ممنهج، واعتبارهم خطرًا على المشروع القومي العربي. والأخطر أن نظام الأسد حوّلهم لاحقًا إلى إحدى القنابل الموقوتة في المجتمع السوري؛ إذ لم يكتفِ بحرمانهم من الجنسية، بل لجأ إلى التلاعب الديمغرافي ومصادرة الأملاك. وترك عرب الجزيرة في حالة تصادم دائم مع الأكراد، من خلال قوانين الاستملاك وإجراءات دوائر النفوس، ما أوجد حالة من الحشر والطرد أدّت إلى تهجير كثير من الأكراد من بيوتهم وأراضيهم.

إن غياب القانون العادل، وسنّ تشريعات تهدف إلى زعزعة الاستقرار وضياع الحقوق، أسهما في خلق توتّر دائم بين العرب والأكراد في الجزيرة السورية، وغضب مكتوم لدى الأكراد، كان قابلًا للانفجار في أي لحظة.

وقد حانت لحظة الانفجار مع ثورة الكرامة عام 2011، حين خرج الجميع مطالبين بحقوقهم، ومنهم الأكراد. غير أنّ نظام الأسد، بما يمتلكه من خبرة وموارد، وبحكم تحالفه التاريخي مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، لم يجد صعوبة في تحويل غضب الأكراد نحو جيرانهم الأقربين، حيث الخلافات اليومية والقانونية المتراكمة. فالغضب والثأر المكبوتان يمكن تفريغهما بسرعة وبكلفة أقل تجاه المحيط الاجتماعي، بدل توجيههما إلى النظام ذاته، بوصفه أصل الأزمة ومنبعها.

وفجأة، وجد الأكراد أنفسهم يمتلكون السلاح والموارد، وفصيلًا مسلّحًا قادرًا على إنتاج خطاب شعبوي تعبوي، ومستعدًا للنضال والتضحيات تحت شعار رفع الظلم واستعادة الحق التاريخي المسلوب. ومع انتشار السلاح وانسحاب قوات النظام من الواجهة، تحوّلت الخلافات البينية على الأراضي والعقارات ومنظومة الاستملاك — وهي خلافات زرعها النظام ورعاها — إلى صراعات دموية بين فصائل ثورية محلية محسوبة على التيار الإسلامي والعربي، والفصائل الكردية، منذ عام 2012. ومع ظهور تنظيم «داعش»، تلاشت الحدود بين الصراعات ذات الطابع الثأري والخلافات العائلية القديمة، وجرى حشرها جميعًا في خانة «التحرير» و«استعادة الأرض والكرامة».

ومع الاتفاقات التي أبرمها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ثم «قسد»، مع نظام الأسد أولًا، ومن بعده واشنطن، توفّر فائض قوة سمح بإشعال المخيّلة الكردية بفكرة تأسيس دولة قومية كردية مستقلة في شرقي الجزيرة، متجاهلين الواقع الجغرافي القائم على التنوّع الإثني والديني بوجود العرب والآشوريين والسريان وغيرهم، وكذلك الواقع السياسي والقانوني المتعلق بطبيعة الدولة الوطنية الحديثة، ودولة المواطنة التي لا تحتمل منطق «نقاء العِرق» في تأسيس الدولة.

وقد فاقم هذه الإشكالية غياب حوار كردي–عربي فاعل، نتيجة للمجازر، والفوضى، وانشغال القوى الثورية بنكباتها الوجودية.

خطاب قسد المتطرّف يطغى على حقائق الأرض

استحلّت «قسد» الفضاء الكردي بكل أبعاده: خطاب يساري متشدّد، مناهج دراسية أيديولوجية تمجّد الزعيم، وبنية أمنية صلبة تُحاكي نموذج نظام الأسد، واعتقالات تطول كل من يعترض أو يخرج عن الخط المرسوم.

ورغم ذلك كلّه، أضحت «قسد» تمثّل الأكراد سياسيًا، لا لأنها تعبّر عنهم، بل لأن الفراغ فرضها ممثّلًا قسريًا. فلا توجد اليوم جهة كردية أخرى مسموح لها بالعمل، أو قادرة على البقاء، أو تملك الحد الأدنى من القوة العسكرية والتنظيمية. فجميع البدائل إما أُقصيت، أو أُضعفت، أو سُحقت، أو لم يُسمح لها أصلًا أن تتشكّل. ويُعدّ تيار مشعل تمّو شاهدًا حيًا على طبيعة الصراع على «الشرعية الكردية».

هكذا وجد الأكراد أنفسهم أمام معادلة قاسية: لا يؤمنون بمشروع «قسد» ولا بأيديولوجيتها، لكنهم لا يجدون غيرها. إنه خيار الضرورة الناتج عن انسداد كامل لكل البدائل القادرة على حمايتهم. ومن هنا نشأ الارتباك الكردي: كيف يمكن الدفاع عن كيان لا يشبهك، لكنه الوحيد القادر على حمايتك، من دون أن يعني ذلك تبنّيه؟ وكيف يمكن الاعتراض عليه، من دون أن يُفسَّر ذلك تخليًا عن «القضية» أو خدمة لخصومها؟

تدرك دمشق جيدًا أن فكّ الارتباط بين المجتمع الكردي و«قسد» لا يتم عبر العمليات العسكرية، بل من خلال طرح مشروع قانوني ودستوري واضح، يضمن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج السوري. ومن هنا جاء إصدار المرسوم الرئاسي الذي يكفل هذه الحقوق قانونيًا، إدراكًا بأن «قسد» تستمد جزءًا كبيرًا من شرعيتها وقوتها من فراغ القانون، ومن الخوف من العودة إلى ما قبل عام 2011.

واليوم، وقد قدّمت الحكومة السورية لأخوتنا الأكراد وطنًا قانونيًا يغنيهم عن المظلّة الأمنية، وحقوقًا متساوية مع سائر السوريين، والأهم أنّ العرب والعشائر — رغم الجراح المتبادلة — استقبلوا مبادرة رئاسة الجمهورية بالقبول، ومدّوا يد الأخوّة، وأبدوا استعدادًا صادقًا لطيّ صفحة الماضي؛ فإننا، وباستثناء أتباع حزب العمال الكردستاني (PKK)، قد نشهد انفصالًا شبه كامل بين الأكراد والتنظيم في المستقبل القريب.

ومع الاتفاق الأخير، سيكون التنظيم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانخراط في المشروع الوطني السوري الوليد، أو العودة مجددًا إلى جبال قنديل.

تلفزيون سوريا

——————————————-

مرسوم الحقوق الكردية في سوريا: خطوة تاريخية أم مناورة سياسية؟/ أحمد الجابر

مرسوم حقوق الكرد في سوريا: بين ردم الفجوة المجتمعية والجدل حول الشرعية الدستورية

2026-01-21

في ضوء الأحداث المتسارعة في الساحة السورية، برز مرسوم رئاسي أثار جدلاً واسعاً وتفاعلات متعددة على الصعيدين الداخلي والخارجي، بعد أن أصدر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مساء 16 كانون الثاني/يناير 2026 مرسوماً خاصاً أعلن من خلاله عن مجموعة من الحقوق الممنوحة للمواطنين السوريين الأكراد، شملت الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وإمكانية تدريسها في المدارس، ومنح الجنسية السورية لكافة الأكراد الذين حُرموا منها منذ إحصاء 1962، بالإضافة إلى إعلان عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر، وتأكيد حماية التنوع الثقافي واللغوي ومنع التمييز العرقي أو اللغوي، في خطوة تعتبر الأولى من نوعها منذ استقلال سوريا عام 1946.

ويقول مؤيدون للمبادرة إنها تمثل خطوة تاريخية في مسار حقوق الأكراد داخل سوريا، في حين يشكّك آخرون في توقيتها ودوافعه السياسية، معتبرين أن اعترافاً دستورياً مستداماً يتطلب آليات أوسع وأكثر عمقاً ضمن إطار سياسي وقانوني شامل، لا يقتصر على مرسوم رئاسي ظرفي.

وفي هذا السياق، يشكل المرسوم موضوع نقاش جوهري حول الهوية والسيادة الوطنية والحقوق الثقافية والسياسية للأقليات في سورية، وسط آمال وتحديات متعددة تتعلق بتحقيق الاندماج الحقيقي، وعدم الاكتفاء بإجراءات شكلية، وهو ما يضع الملف في قلب المشهد السياسي الراهن ويثير تساؤلات حول مسارات المستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد.

خطوة ضرورية

يقول درويش خليفة، كاتب وسياسي لـ”963+”، إن الخلفيات السياسية والقانونية التي دفعت الرئيس إلى إصدار هذا المرسوم تعود بالدرجة الأولى إلى الإعلان الدستوري الصادر في الثالث عشر من آذار/مارس من العام الماضي، موضحاً أن هذا الإعلان منح الرئيس صلاحيات واسعة، من بينها صلاحيات تشريعية واضحة.

ويضيف خليفة أن جميع المراسيم الرئاسية التي صدرت بعد الإعلان الدستوري جاءت في إطار هذه الصلاحيات، بما في ذلك المرسوم الأخير رقم 13 لعام 2026، معتبراً أن هذا المرسوم يندرج قانونياً ضمن الصلاحيات الممنوحة للرئيس أحمد الشرع.

ويشير إلى أن أهمية هذا المرسوم لا تكمن فقط في مضمونه القانوني، بل أيضاً في توقيته، إذ يلفت إلى أن المرحلة الحالية شهدت بدايات تشكّل شرخ مجتمعي متزايد بين العرب والأكراد، الأمر الذي جعل من صدور المرسوم خطوة لافتة.

ويتابع أن هذا المرسوم قوبل بحالة احتفال وترحيب واسعة من شريحة كبيرة من السوريين، معتبراً أن ذلك يعكس تعطّشاً حقيقياً لمعالجة هذا الملف.

ويرى خليفة أن المرسوم يحمل أهمية خاصة بالنسبة لحقوق الأكراد، سواء على المستوى الثقافي أو القانوني.

وعن الجانب القانوني، يعتقد خليفة أنه بمجرد تشكيل برلمان سوري أو مجلس نواب منتخب، يمكن إحالة هذا المرسوم إلى البرلمان للتصويت عليه، وبذلك يصبح نافذاً بصورة قانونية كاملة.

ويضيف أن البرلمان سيكون قادراً لاحقاً على إصدار قوانين تفسيرية وتنظيمية، ما من شأنه تحويل المرسوم من إطار سياسي إلى واقع تشريعي ملموس، الأمر الذي يعزز شعور الأكراد بأن الانتقال من الأقوال إلى الأفعال قد بدأ فعلياً، ويكرّس إحساسهم بالمواطنة الكاملة في سوريا المستقبل.

ويلفت خليفة إلى أن المرسوم يكفل أيضاً حقوق المكوّنات في سوريا، بما في ذلك حق التحدث بلغاتها الأم ونشر ثقافاتها، موضحاً أن ذلك ينسجم مع المعايير الدولية، ولا سيما تلك الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1992.

ويشير إلى أن الأمر ذاته ينطبق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل، عبر المادتين الثانية والسادسة والعشرين، حقوق الأقليات العرقية والدينية في التمتع بحقوقها الكاملة دون تمييز.

وفي ما يتعلق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية، يوضح خليفة أن المرحلة المقبلة تتطلب من أعضاء البرلمان الذين سيمثلون المكوّن الكردي إعادة فتح هذا الملف ووضعه على طاولة النقاش الجدي، بهدف معالجة الأضرار التي لحقت بالمواطنين الأكراد، وكذلك بالمواطنين العرب في تلك المناطق.

أما بشأن تقييم الرئاسة وردود الفعل الداخلية والخارجية، فيعتقد خليفة أن هناك شبه إجماع على أهمية هذا المرسوم، ولا سيما في هذا التوقيت الحساس، معتبراً أنه يشكّل محاولة جادة لردم الهوة المجتمعية والفجوات التي بدأت تتسع خلال المرحلة الماضية.

المرسوم يحتاج ضمانات دستورية

من جهته، يقول حسين قاسم، محلل سياسي لـ”963+”، إنه لا يمكن الحديث عن خلفيات قانونية حقيقية لمرسوم الشرع، موضحاً أن هذا المرسوم هو “نتاج لحظة سياسية محددة، ويأتي في سياق إعلان مواجهة سياسية وعسكرية مع قوات سوريا الديموقراطية، ومحاولة لتهيئة الأرضية لشق الصف الكردي وإضعاف وحدته الداخلية”.

ويضيف قاسم أنه لا بد من التذكير بأن بشار الأسد سبق أن أصدر في نيسان/أبريل 2011 مرسوماً يقضي بمنح الجنسية للمجرّدين ومكتومي القيد، في محاولة لتحييد الشارع الكردي، مشيراً إلى أن حقوق الشعب الكردي هي بالدرجة الأولى حقوق قومية، تشمل الحقوق اللغوية والثقافية والسياسية، ولا يمكن اختزالها في إجراءات إدارية أو مراسيم ظرفية.

وعلى الصعيد القانوني، يطرح قاسم تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان الشرع يمتلك أصلاً الصلاحية الدستورية لإصدار مثل هذه المراسيم، وهو رئيس لمرحلة انتقالية وغير منتخب. ويتابع متسائلاً: في حال افتراض وجود هذه الصلاحية، فما القيمة القانونية والسياسية لهذا المرسوم؟ وما الذي يمنع التراجع عنه لاحقاً بمرسوم آخر؟

ويرى قاسم أن القضية الكردية لا يمكن حلّها عبر قرارات مؤقتة أو إجراءات شكلية، بل تتطلب اعترافاً دستورياً واضحاً، سواء من خلال تضمينها في نص الدستور، أو إدراجها ضمن المبادئ فوق الدستورية، أو إقرارها والمصادقة عليها من قبل مجلس شعب منتخب أو ضمن صيغة وطنية شرعية مماثلة.

ويتابع قاسم قائلاً إنه لا يرى مشكلة حقيقية في ملف الجنسية، موضحاً أن المجردين من الجنسية جرى تجنيسهم بالفعل وفق إحصاء عام 1962. لكنه يشير إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في الحقوق الثقافية واللغوية، لافتاً إلى وجود هياكل تعليمية وثقافية قائمة على الأرض منذ نحو عشر سنوات، رغم ما تعانيه من نواقص ومحدودية في الإمكانات والإطار القانوني الناظم لها.

ويعتقد أن هذه المؤسسات تشكّل قاعدة يمكن البناء عليها وتطويرها ضمن رؤية شاملة تضمن حماية اللغة والثقافة الكرديتين بصورة مستدامة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يتمثل في توفير إطار قانوني واضح يكفل التنفيذ الفعلي لهذه الحقوق بعيداً عن القرارات الظرفية أو الوعود السياسية غير الملزمة.

ويشير قاسم إلى أنه لا يوجد دستور سوري نافذ حالياً، وإنما إعلان دستوري صاغته لجنة منبثقة عن مؤتمر “النصر”، الذي وصفه بأنه مؤتمر لفصائل متطرفة.

ويضيف أن الأكراد ليسوا أقلية، بل شعب يعيش على أرضه التاريخية، موضحاً أن الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للمكوّنات القومية يجب أن تكون مكفولة بنصوص دستورية واضحة، تتضمن آليات حماية وتنفيذ محددة.

ويؤكد أن غياب النص الدستوري الصريح يجعل المرسوم مجرد إجراء إداري مؤقت، يمكن تغييره أو التراجع عنه بسهولة، ولا يرقى إلى مستوى الضمان القانوني المستدام.

وعلى الصعيد الدولي، يوضح قاسم أن الاتفاقيات المتعلقة بحقوق القوميات، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تتطلب آليات تنفيذ وطنية مستقلة، وقواعد واضحة لمنع التمييز، وحماية اللغة والثقافة، وضمان المشاركة السياسية، معتبراً أن مجرد إصدار مرسوم لا يكفي ما لم يُترجم إلى قوانين تنفيذية صادرة عن سلطة تشريعية شرعية، ومؤسسات رقابية مستقلة.

ويرى قاسم أن الحديث عن الاندماج الوطني في هذا السياق سابق لأوانه، موضحاً أن “مفهوم الاندماج لدى الحكومة السورية الانتقالية، لا يقوم على التعددية والشراكة، بل على منطق الصهر القسري في نموذج أحادي”.

ويضيف أن غياب نظام لامركزي حقيقي يضمن توزيع الصلاحيات واحترام الخصوصيات القومية والثقافية يجعل تطبيق هذا المرسوم غير ممكن بصورة سليمة أو مستدامة، معتبراً أن قيمته العملية تبقى محدودة للغاية.

كما يلفت إلى أن المرسوم لا يتضمن أي رؤية اقتصادية أو اجتماعية لمعالجة الأضرار السابقة أو آثار التهميش الذي عانت منه المناطق الكردية لعقود طويلة، ولا يقدّم برامج تنموية أو تعويضية حقيقية.

+963

———————————

 مرسوم الرئيس الشرع حول الكرد: خطوة تأسيسية يُبنى عليها/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/01/21

يُعدّ المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 في سوريا، الذي يعترف بالكرد مكوّناً أصيلاً من الشعب السوري، ويقرّ باللغة الكردية لغةً وطنية، ويلغي آثار إحصاء العام 1962، من أهم القرارات الصادرة في المرحلة الانتقالية. وهو ليس خداعاً ولا محاولة تجميلية فارغة كما يراه بعض المنتقدين. إنّه اعترافٌ في لحظة انتقالية مضطربة، ضمن دولة لم تكتمل بعد، وإعلانٍ دستوري يحصر سلطة التشريع بمجلس شعب لم يتشكّل بعد، وواقعٍ سياسي وأمني يجعل أي خطوة تبدو ناقصة مهما كانت أهميتها، الأمر الذي يفتح نقاشاً جدّياً حول موقع هذا المرسوم بين ضرورات العدالة من جهة، وحدود الإطار الدستوري من جهة ثانية.

أولاً- المرسوم يتضمن أربع رسائل محورية تعيد تعريف علاقة الدولة بالكرد:

نصَّ المرسوم على أن المواطنين الكرد جزء “أساسي وأصيل” من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية المتعددة. هذا الاعتراف يكسر منطق الإنكار الذي حكم السياسة السورية الرسمية لعقود، وينقل الكرد نظرياً من موقع “الملف الأمني” إلى موقع الشريك في تعريف من هو السوري.

اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية، يعني الاعتراف بتعدد لغوي وثقافي داخل سوريا، بعد عقود من سياسات التعريب والطمس. قد لا يصل هذا إلى مستوى اللغة الرسمية، لكنه لأول مرة يُخرج الكردية من خانة اللغة الممنوعة إلى فضاء الشرعية القانونية.

ألغى المرسوم آثار إحصاء الحسكة عام 1962. هذا الإحصاء حوّل عشرات آلاف الناس إلى “أجانب” و”مكتومي قيد”، وترك أجيالاً كاملة تعيش بلا جنسية في بلدها. هنا بالضبط يُطرَح سؤال: ما الجديد في مرسوم الشرع، وقد سبق لبشار الأسد أن أصدر عام 2011 المرسوم التشريعي رقم 49 ومنح بموجبه أجانب الحسكة الجنسية السورية؟ للوهلة الأولى يبدو أن جزءاً من مضمون مرسوم 13/2026 تكرار لما فعله الأسد، لكن نظرة أدق تكشف فرقاً جوهرياً. مرسوم بشار الأسد نصّ فعلاً على منح المسجَّلين في سجلات “أجانب الحسكة” الجنسية السورية، لكنه ترك أصل المشكلة كما هو: لم يلغِ الأساس القانوني والسياسي الذي نتج عنه هذا الظلم، ولم يُعلِن أن حرمان هؤلاء من الجنسية كان خطأ يجب التراجع عنه، ولا عالج بوضوح فئة “مكتومي القيد”، ولم يقدّم أي رؤية للكرد كمكوّن أصيل أو لأي حقوق لغوية وثقافية لهم.

 أمّا مرسوم الرئيس الشرع فيذهب أبعد: فهو من جهة يمنح الجنسية لجميع المجرّدين ومكتومي القيد من أصول كردية، ومن جهة أخرى يلغي الآثار والنتائج المترتّبة على الإحصاء نفسه، بما يعني أن هذا الإحصاء لم يعد مرجعية قانونية معتبرة بل إجراءً أنتج ظلماً يجب إزالة مفاعيله. لذلك لا يُفهم ما جرى كـ”منحة” من الدولة، بل كاعتراف بأن ظلماً تاريخياً وقع ويجب تصحيحه، وردّ لحق سُلب منذ أكثر من ستين عاماً، وذلك في سياق أوسع يعترف بالكرد مكوّناً أصيلاً، وبلغتهم لغةً وطنية، وبعيدهم جزءاً من التقويم الوطني.

اعتمد يوم النوروز (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في عموم البلاد، باعتباره عيداً للربيع والتآخي، خطوة رمزية لكنها عميقة المعنى: مناسبة كردية تصبح جزءاً من التقويم الوطني المشترك.

بهذا المعنى، لا يقتصر المرسوم على لغة تصالحية، بل يغيّر -على الورق على الأقل- قواعد اللعبة التي حكمت علاقة الدولة بالكرد منذ ستينيات القرن الماضي.

ثانياً- بين الغضب الكردي والقلق العربي

من الطبيعي أن يُقابَل المرسوم بمشاعر متناقضة لدى كثير من الكرد، هناك غضب أو تحفّظ مبرر فهم يرون أن حقوقهم يُفترض أن تُنتزَع لا أن تُمنح،  ولأنهم يخشون أن يكون الاعتراف جزئياً وقابلاً للتراجع مع أول تغيير سياسي، ولأن المرسوم لا يقترب بعد من الحقوق السياسية أو من حسم شكل الدولة واللامركزية والتمثيل.

وعند جزء من الرأي العام السوري غير الكردي، هناك قلق موازٍ من هشاشة أي نص لا يمرّ عبر مجلس شعب منتخب، ومن تكرار نمط “المراسيم غير المطبّقة” كما حدث في عهد الأسد، ومن استغلال الملف الكردي إقليمياً ودولياً. هذه المخاوف المتقابلة تعكس حقيقة أساسية، وهي أن المرسوم لا يمكن أن يحلّ كل شيء، لكنه يستطيع أن يغيّر نقطة الانطلاق في النقاش حول مكان الكرد في سوريا الجديدة.

 ثالثاً- الإشكال الحقيقي في بنية المرحلة لا في خلفيات المرسوم؟

جوهر الإشكال لا يكمن في نوايا الرئيس أحمد الشرع، بل في بنية المرحلة الانتقالية ذاتها، فالإعلان الدستوري ينص صراحة على أن سلطة التشريع لمجلس الشعب، والرئيس يملك فقط اقتراح القوانين وإصدار اللوائح والقرارات التنفيذية. كما ينص الإعلان على أن تعديله لا يتم إلا عبر مجلس الشعب نفسه.

لكن مجلس الشعب لم يُشكَّل بعد، وتشكيله مشروط عملياً بتوحيد سوريا سياسيًاً وأمنياً: الرقة، الحسكة، القامشلي، السويداء. وهذه المناطق ما زالت، تحت سيطرة ميلشيات مسلحة، يضاف إليها ملايين اللاجئين والنازحين خارج العملية السياسية والتشريعية، وانفلات السلاح بيد الناس وغياب البيئة الأمنة لإجراء انتخابات حقيقية أو استفتاء حرّ على أي دستور جديد هذا فضلاً على أن صياغة دستور جديد تتطلب وقتاً.

في ظل هذه المعطيات، يتبيّن أن صياغة دستور جديد الآن شبه مستحيلة، وتعديل الإعلان الدستوري نفسه غير متاح لأنه يحتاج مجلس شعب غير موجود، وأي حديث عن دسترة فورية للحقوق الكردية اليوم يظل شعاراً أكثر منه احتمالاً عملياً. وأقصى ما يمكن لسلطة تنفيذية انتقالية أن تفعله الآن، لا هو دستور، ولا هو قانون صادر عن برلمان، لكنه إعلان سياسي- قانوني واضح بتغيير الاتجاه في ملف حساس.

رابعاً- هل نرفض المرسوم لأنه ناقص، أم نبني عليه؟

السؤال العملي اليوم ليس: هل يكفي المرسوم؟ وهو لا يكفي. بل السؤال: ماذا نفعل بما هو متاح الآن؟

هناك خياران:

رفض المرسوم بحجة أنه ليس دستورياً، وهذا يعني فعلياً العودة إلى الصفر، ترك مظالم 1962 والإنكار اللغوي بلا أي معالجة حتى إشعار آخر، وانتظار سنوات ريثما تتوحد البلاد وتستقر وتُكتب وثيقة دستورية مثالية قد لا تأتي قريباً.

التعامل مع المرسوم كبداية مسار، لا كنهاية، أي قبوله باعتباره اعترافاً جزئياً وعلنياً بحقوق أساسية، الضغط لتطبيقه فعلياً، وتحويله إلى أرضية سياسية وتفاوضية تسبق مرحلة صياغة الدستور، ثم العمل على تثبيته لاحقاً في نصوص واضحة في الدستور الدائم عندما تصبح صياغته ممكنة.

الخطورة الحقيقية ليست في رفض المرسوم  واعتباره خطوة ناقصة وبلا قيمة، بل في منطق رفض أي خطوة لأنها لا تلبي طموحنا. في المراحل الانتقالية، لا يُبنى شيء بالقفز مباشرة إلى الخاتمة، بل بالتراكم: اعتراف، تثبيت، تفاوض، دسترة.

خامساً: ما علاقة كل هذا بالسؤال عن شكل الدولة والحقوق السياسية؟

صحيح أن المرسوم لا يجيب عن شكل الدولة مركزية أم لامركزية، طبيعة النظام السياسي، الانتخابات البلدية ومن يعيّن المحافظ في الحسكة مثلاً، وحدود صلاحيات المركز مقابل السلطات المحلية. لكن من دون اعتراف واضح بالكرد، بلغتهم وجنسيتهم ووجودهم الأصيل، يصبح أي نقاش حول اللامركزية وتقاسم السلطة ناقصاً أيضاً.

المرسوم يعالج أساسات الهوية والاعتراف، بينما سيُترَك للمرحلة الدستورية المقبلة أن تعالج توزيع الصلاحيات، شكل الإدارة المحلية، وضمان التمثيل السياسي العادل لكل المكوّنات، بما فيها الكرد.

لا تناقض هنا بين من يطالب اليوم بعدم الاكتفاء بالحقوق الثقافية، وبين من يرى ضرورة البناء على هذه الحقوق الآن. المساران متكاملان لا متعارضان، لكن ترتيب الأولويات تحكمه ببساطة إمكانيات الواقع.

سادساً: مرسوم اليوم… ودستور الغد

القضية الكردية هي قضية شعب وحق وتاريخ. لكنها أيضاً قضية مسار سياسي ودستوري لا يمكن حرق مراحله بالقفز فوق كل ما هو متاح الآن. المرسوم 13 قد يبدو قليلاً مقارنة بما يطمح إليه الكرد، وبما يتخيّله كثير من السوريين لدولتهم المقبلة، لكنه يعلن رسمياً انتهاء مرحلة الإنكار، يضع التزاماً مكتوباً على الدولة الانتقالية لا يمكن التبرؤ منه لاحقاً بسهولة، ويقدّم مادة جاهزة يمكن أن تُنقل غداً إلى قلب الدستور.

في ظل إعلان دستوري لا يمكن تعديله الآن، وغياب مجلس شعب، واستحالة صياغة دستور شامل في بلد ممزّق يطفح بالسلاح والتهجير، يبدو المرسوم أقصى الممكن لا أحسن الممكن.  والمهم اليوم استخدام هذا المرسوم كنقطة ارتكاز،  نشتغل على أساسه، نراكم حوله فهماً وتوافقاً، وحين تأتي لحظة الدستور نكون قد حسمنا جزءاً من المعركة سلفاً، بدل أن نبدأ من الصفحة من جديد.

بالنهاية، المرسوم لا يجب أن يُفهم كامتياز لفئة على حساب فئة، ولا كحالة خاصة تُستنسخ لكل مكوّن. الفكرة أبسط وأكبر من ذلك: نحن نسير – أو نحاول أن نسير – نحو بناء دولة مواطنة حقيقية، تُضمَن فيها حقوق الجميع، ويقف فيها كل السوريين على قدم المساواة أمام القانون، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية أو القومية أو الجندرية. أي خطوة في هذا الاتجاه، ومنها هذا المرسوم، قيمتها الحقيقية تكون بقدر ما تقرّبنا من هذه الدولة، لا بقدر ما تُستخدم لخدمة طرف ضد طرف.

إذا أردنا لهذا المرسوم أن يكون فعلاً خطوة تأسيسية يُبنى عليها، فلا يكفي أن يبقى نصاً جميلاً على الورق. نحتاج أيضاً إلى تغيير في اللغة والخطاب.  وضرورة إعادة النظر بخطاب الجمهور المؤيد للسلطة خصوصاً والمؤيد للمعارضة عموماً والتوقف عن النفخ في نار الحرب، لأن تقليد كل طرف لأسوأ ما في الطرف الآخر لا يقود إلا إلى مزيد من الكراهية والتحريض. دعم الدولة اليوم يكون بمساعدتها على التهدئة وبناء الشراكة، لا بتحريضها على العنف.

والأهم، إلى جانب هذا التحوّل في الخطاب، أن نبدأ من الآن بالإعداد لمؤتمر وطني شامل، عبر حوار معمّق تشرف عليه لجنة مركزية ولجان فرعية من شخصيات وطنية ذات كفاءة ومصداقية، بحيث تتحول هذه المقدمات -ومنها مرسوم الكرد- إلى جزء من عقد سياسي جديد، لا إلى نصوص معلّقة في الفراغ.

المدن

——————————

هل يبقي الاتفاق بين دمشق و”قسد” الأيدي على الزناد؟/مصطفى رستم

لسيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام يحذر من إعادة فرض عقوبات “قانون قيصر” ولكن بصورة أشد قسوة

الثلاثاء 20 يناير 2026

ما زالت اشتباكات عنيفة تدور في محيط مدينتي الرقة والشدادة بريف الحسكة حيث يوجد أحد أبرز سجون معتقلي تنظيم “داعش” (اندبندنت عربية)

ملخص

كتبت حكومة دمشق نهاية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بإعلان اتفاق يضمن انسحاب الأخيرة من بعض مناطق سيطرتها، وبسط القوات الحكومية سيطرتها الكاملة على محافظتي الرقة ودير الزور بعدما نشرت وزارة الدفاع خريطة أظهرت فيها مناطق نفوذها الجديدة التي انتزعتها من قوات “قسد” في حين لا يزال “القسديون” يراهنون على تمسكهم بأجزاء من محافظة الحسكة وبعض المناطق المتقدمة.

ما إن أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي في ثلاث محافظات، تقع بالشمال الشرقي للبلاد، حتى هلل السوريون ابتهاجاً بوقف الحرب، وحقن دماء أبناء البلد الواحد لكن على الأرض ما زالت لغة الرصاص هي السائدة.

“القسديون” ومناطق جديدة

وكتبت حكومة دمشق نهاية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بإعلان اتفاق يضمن انسحاب الأخيرة من بعض مناطق سيطرتها، وبسط القوات الحكومية سيطرتها الكاملة على محافظتي الرقة ودير الزور بعدما نشرت وزارة الدفاع خريطة أظهرت فيها مناطق نفوذها الجديدة التي انتزعتها من قوات “قسد” في حين لا يزال “القسديون” يراهنون على تمسكهم بأجزاء من محافظة الحسكة وبعض المناطق المتقدمة. وعلى رغم ذلك ظهرت هشاشة الاتفاق الأخير بعد وأد اتفاق العاشر من مارس (آذار) 2025، بعد حدوث كثير من الانتهاكات إذ ما زالت اشتباكات عنيفة تدور في محيط مدينتي الرقة والشدادة بريف الحسكة حيث يوجد أحد أبرز سجون معتقلي تنظيم “داعش”، إضافة إلى منطقة عين عيسى، في ظل معارك بسجن الأقطان في الرقة الذي يضم أيضاً سجناء من “داعش”، واتهمت وزارة الدفاع السورية ما وصفتهم بـ”مجاميع إرهابية من حزب العمال الكردستاني، وفلول النظام البائد بمحاولة تعطيل تنفيذ الاتفاق المبرم لوقف إطلاق النار”.

في المقابل، تتهم “قوات سوريا الديمقراطية” عناصر موالية للجيش السوري بارتكاب انتهاكات وإطلاق النار، إلا أن خريطة السيطرة سرعان ما تتبدل لا سيما بعد 48 ساعة من الوصول إلى الرقة وما تحويه من ثروة نفطية ومائية.

ويرى متابعون أن ما جرى على الأرض ولا سيما هذا التراجع الواسع لمصلحة القوات الحكومية، وخسارة “قسد”، يكشف عن ضعف “قسد” في المواجهة.

في السياق جزم المتخصص العسكري العقيد محسن حمدان بأن قيادة “قسد” نفسها تعاني انقساماً داخلياً، ولا سيما جماعة ما تسمى ـ”جبال قنديل”، “والتي ما زالت أسيرة أوهام انفصالية تتمثل في إقامة كيان يسمى غرب كردستان أو روج آفا”، معولين في ذلك على تبدل محتمل في المواقف الدولية تجاه القيادة السورية، وأضاف “لقد سعت هذه القوات إلى نسج تحالفات مشبوهة مع الهجري (الشيخ حكمت الهجري الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا)، ومع قادة فلول الساحل، بل تجاوزت ذلك إلى ما وراء الحدود، تنفيذاً لأجندات خارجية تهدف إلى زعزعة الاستقرار، وإبقاء المشهد السوري في حال توتر وفوضى دائمة”.

ولفت العقيد حمدان الانتباه إلى أن الحسم بات ضرورة “ولا بد منه، ومن الضروري أن يكون سريعاً، ولا سيما في حال تدخلت الوحدات المتخصصة في حرب المدن، وتعاملت مع المفخخات وإزالة الألغام، وهي وحدات تمتلك خبرة عميقة في هذا المجال، مع الاستفادة من تجربتي عفرين وتل رفعت، حيث تعتمد قسد بصورة أساسية على حرب الأنفاق”.

الاتفاق في خطر؟

وتضمنت بنود الاتفاق إضافة إلى وقف إطلاق النار الشامل والفوري، انسحاب التشكيلات العسكرية التابعة لقوات “قسد” كافة إلى منطقة شرق الفرات وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل.

أميركياً، أبدى السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام استياءه من هذه التطورات، محذراً من أنه في حال واصلت القوات الحكومية التقدم شمالاً باتجاه الرقة، فسيدفع باتجاه إعادة فرض عقوبات “قانون قيصر” ولكن بصورة أشد قسوة، وأضاف في منشور له على منصة “إكس” “يبدو ألا أحد في سوريا يصغي إليَّ، أو إلى غيري من المسؤولين في الحكومة الأميركية، إذا استمر هذا الوضع، ستكون هناك عقوبات ساحقة وضرر دائم بالعلاقات”.

وفي وقت سابق حذر مشرعون ومسؤولون أميركيون عسكريون من امتداد القتال إلى شمال شرقي سوريا حيث يحرس المقاتلون الأكراد مئات من سجناء تنظيم “داعش” في منشآت في مختلف أنحاء المنطقة.

وعلى ضفاف نهر الفرات تحدث محمد أو هاجر، من قبيلة “العكيدات” ليل السبت – الأحد الماضي عن “استنفار”، وهي كلمة عسكرية داخل العشائر العربية للسيطرة على بلدات مجاورة ولا سيما بلدتي غرانيج وطيانة، وقال “يخوض أفراد العشيرة معارك ضارية في وجه ميليشيات حزب العمال الكردستاني”.

وفي وقت رحب أهالي الرقة ودير الزور بزوال تنظيم “قسد” من مناطقهم، وعودة طريق حلب – دير الزور إلى العمل كشريان حياة يربط الشمال بالشرق، خرج مئات من أهالي من أهالي تل حميس في الجزيرة السورية وممثلون عن مؤسسات مدنية وأحزاب سياسية ووجهاء عشائر في مسيرة دعماً لقوات “قسد”.

المعتقلات وشبح الهرب

وسط هذه الأجواء، أرخت التطورات الميدانية المتسارعة بظلالها على ملف ومصير سجون ومعتقلات قادة وعناصر “داعش” المحتجزين لدى قوات “قسد”، بخاصة الاشتباك الذي حدث في سجني الشدادي والأقطان، وحال الفوضى التي عمت مراكز الاحتجاز والتي يمكن أن تسفر عن خروجهما عن السيطرة وهرب المعتقلين، وسط تحذيرات “قسد” من هذه الأخطار إذ طالبت التحالف الدولي بالتدخل ونقل المساجين من هذه الأمكنة.

في الأثناء، لا يستبعد مراقبون هرب ما يزيد على 10 آلاف سجين، وعائلات أفراد “داعش” في مخيم الهول وغيره من المعتقلات مما سيعيد للتنظيم الإرهابي ترتيب أوراقه وصياغة وجوده مجدداً.

وثمة من يفسر ما يحدث بمثابة ورقة ضغط دولية على حكومة دمشق، ولهذا اتهمت الحكومة السورية “حزب العمال الكردستاني” بمحاولة تعطيل تنفيذ الاتفاق وتسلم الدولة السجون واستهداف القوات الحكومية مع انتشارها في منطقة الجزيرة السورية.

المجلة

———————————

ما تداعيات هزيمة “قسد” على الاتفاق الإسرائيلي-السوري؟/ مايكل هراري

لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق

21 يناير 2026

لم يُسفر استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا في باريس مطلع هذا الشهر عن اتفاق رسمي، لكنه على ما يبدو أفضى إلى جملة من التفاهمات. لم تحظَ تلك الاجتماعات بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية آنذاك، إلا أن الملف عاد إلى صدارة العناوين في الأيام الأخيرة، خصوصا في ظل القتال الدائر بين الأكراد والنظام السوري، والمكاسب العسكرية التي أحرزها الأخير.

بوجه عام، أبدت وسائل الإعلام الإسرائيلية قدرا متزايدا من الارتياب حيال الرئيس أحمد الشرع، مركّزة في تغطيتها المتكررة على ماضيه الجهادي، وعلى علامات الاستفهام التي تحيط بنواياه وقدرته على مراعاة المصالح الأمنية لإسرائيل.

بالنسبة إلى جوهر المحادثات بين الطرفين، ينبغي التشديد على عدة نقاط، كما تعكسها تقارير الإعلام الإسرائيلي: إنشاء آلية تهدف إلى منع سوء التقدير، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية على نحو منتظم، اتُفق على اتخاذ إجراءات متبادلة لبناء الثقة بين الطرفين.

بالنسبة إلى حماية الأقلية “الدرزية” في جنوب سوريا، يبدو أن الطرفين اتفقا على اعتبار ذلك شأناً سورياً داخلياً يُحل دون تدخل خارجي أو استخدام للقوة. وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورد أن “الاتفاق نص على مواصلة الحوار من أجل دفع الأهداف المشتركة قدما وصون أمن أقلية الدروز في البلاد”.

لا تتضمن تقارير الإعلام الإسرائيلي أي تفاصيل بشأن نطاق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها عقب انهيار النظام السوري السابق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. وذكر مسؤول أميركي رفيع، لم يُكشف عن اسمه، أن الولايات المتحدة اقترحت على الطرفين إنشاء غرفة عمليات مشتركة في الأردن، إلى جانب إقامة منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود.

في الأيام الأخيرة، وفي سياق الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام السوري والأكراد، برزت أربع نقاط أساسية:

أولا، اشتد الارتياب تجاه حكم الشرع على نحو ملحوظ، لا سيما في ما يتعلق بالمخاطر التي قد تهدد المصالح الحيوية لإسرائيل في حال انسحبت من الأراضي التي أحكمت سيطرتها عليها في هضبة الجولان عقب انهيار نظام الأسد. وعلى نحو موازٍ، أبدت مصادر عسكرية إسرائيلية بارزة قلقها من انسحاب إسرائيلي مفرط، سواء خشية تهريب السلاح، بما في ذلك إلى “حزب الله”، أو خوفا من عودة عناصر إسلامية متشددة إلى مناطق لا يفرض فيها النظام الجديد سيطرة كاملة.

ثانيا، حظي وقف إطلاق النار بين النظام السوري والأكراد باهتمام واسع، مع تركيز ملحوظ على “هزيمة الأكراد” وتداعياتها المحتملة على إسرائيل من جهة، وعلى تركيا من جهة أخرى، حيث صُوِّرت الأخيرة بوصفها المستفيد الأكبر من مجريات الأحداث.

ثالثا، تصاعد القلق بشأن مصير أقلية الدروز في ضوء نتائج المواجهة بين النظام السوري والأكراد، وبرزت أيضا مخاوف من احتمال أن توافق الحكومة على التراجع عن دورها في حماية مجتمع الدروز والتخلي عن نفوذها في هذا الملف.

رابعا، يتصل تفصيل مهم بالفجوة التي أبرزتها وسائل الإعلام بين المؤسسة الأمنية في إسرائيل والقيادة السياسية. ووفقا للتقارير، يسعى الجيش إلى الحفاظ على هوامش أمنية أوسع، محذرا من احتمال وقوع مفاجآت أخرى قد تصدر عن الحدود السورية.

لا يعني ذلك بالضرورة تراجع فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين البلدين، غير أن ثمة تداعيات عدة تستدعي التمعن فيها بعناية.

ستخضع إسرائيل الاتفاق الأخير بين الشرع والأكراد لفحص دقيق، لا سيما من حيث ما إذا كان يُعد استسلاما فعليا من جانب الأكراد. ويحمل هذا التطور انعكاسات بالغة الأهمية على موقف إسرائيل تجاه حماية أقلية الدروز، فضلا عن السكان الأكراد.

ويكتسب العامل التركي أهمية بالغة وحساسية شديدة، إذ يتعين على صناع القرار في إسرائيل إجراء تقييم معمق لما ينطوي عليه من دلالات تتعلق بانخراط تركيا المتزايد في سوريا، وتداعيات ذلك على المدى البعيد.

إذا تحقق تقدم نحو اتفاق أمني مع سوريا، سيكون على القيادة السياسية في إسرائيل أن تروّج له بطريقة أكثر جدية مما كان عليه الحال في السابق. كما أن التطورات السياسية الداخلية، بما في ذلك احتمال إجراء انتخابات مبكرة، تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق.

ويشكل العامل الأميركي عاملا حاسما كذلك. إذ تدرك إسرائيل بوضوح رغبة الرئيس دونالد ترمب في ترسيخ حكم الشرع في سوريا، إلى جانب وعيها بتأثير كل من السعودية وتركيا في توجهات الإدارة الأميركية.

ومع ذلك، وهذه نقطة بالغة الأهمية، حين يتعلق الأمر بالمصالح الأمنية التي تعتبرها إسرائيل حيوية، فإن واشنطن تُصغي بعناية فائقة. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة التطورات الأخيرة في سوريا، والطريقة التي تُفهم بها في القدس، سواء أصابت في تقديرها أم جانبت الصواب.

في المحصلة، لا تزال هناك عقبات تعترض التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا. ورغم أن هذه العقبات لا تبدو عصية على المعالجة، فإن تجاوزها يتطلب وضوحا أكبر، خصوصا في ظل المستجدات المرتبطة بالأكراد. ورغم أن الإطار الاستراتيجي الأساسي ما زال ثابتا، فإن واقعا إقليميا شديد التقلب خلال العامين الماضيين يفرض اتباع دبلوماسية دقيقة ومتزنة. كما أن الحكومة بحاجة إلى إطلاق حملة مدروسة تكسب من خلالها دعم الرأي العام الإسرائيلي لأي اتفاق محتمل مع سوريا.

المجلة

—————————

 سقوط ممر داوود: نهاية الرهان الإسرائيلي على شرق الفرات/ ليلى نقولا

الأربعاء 2026/01/21

شهدت الجغرافيا العسكرية شرقي سوريا تحولات دراماتيكية، تمثلت في الانحسار المتسارع لنفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” عن معاقلها الاستراتيجية في حلب وغربي الفرات التي احتفظت بها منذ عام 2015. وقد تلازم هذا التراجع مع تغيير جذري في موازين القوى؛ إذ نجح الجيش السوري في العبور نحو الضفة الشرقية للفرات مستعيداً الرقة وحقول الطاقة الحيوية، بالتوازي مع تصاعد نفوذ القوى العشائرية التي فرضت واقعاً ميدانياً جديداً في أرياف دير الزور والحسكة الجنوبية.

هذه التطورات الميدانية، ستؤسس لمرحلة جديدة من السيطرة الميدانية العسكرية مختلفة عما كانت عليه خلال العقد الماضي. ولا شكّ أن هذه التحوّلات الميدانية وما سيليها، سيؤثر في مستقبل سوريا كدولة مركزية موحدة. لكن سيكون لها أيضاً تداعيات استراتيجية في الإقليم؛ أولها تعثّر الاستراتيجية الإسرائيلية لتأسيس “ممر داوود” الذي ارتكز أساساً على فرضية الفراغ الأمني (الدولتي) شرقي سوريا.

يُعد هذا المشروع إحياءً لمخطط قديم يمهد لـ”إسرائيل الكبرى”. وينطلق الممر، وفقاً لمنظري الصهيونية التوراتية، من شمال فلسطين مروراً بهضبة الجولان، ليعبر محافظتي درعا والسويداء، ثم صحراء حمص الشرقية ودير الزور، وصولاً إلى شرق الفرات على الحدود السورية مع تركيا والعراق، وينتهي في كردستان العراق، راسماً حدود دولة مزعومة في عهد النبي داود.

لكن، مع استعادة الجيش السوري السيطرة على دير الزور ومحور الفرات، فقد المشروع حلقته الجغرافية الأهم، إذ لا قيام لـِ “ممر داود” من دون رابط الفرات، مما يضعه أمام طريق مسدود. بالإضافة الى الواقع الميداني المستجد، يمكن فهم تعثّر المشروع الإسرائيلي، وعدم قدرة الأكراد على تحقيق حلم “الكانتون الكردي” المستقل، نتيجة عوامل رئيسية أبرزها ما يلي:

1- الفيتو التركي القاطع: حيث تعتبر تركيا أن تأسيس كيان كردي مستقل (يعدّ بمثابة “إسرائيل ثانية” تدمج كرد سوريا والعراق) أو حتى ذا حكم ذاتي موسع، تهديداً وجودياً وممراً “للإرهاب”، وسبباً مباشراً للحرب (Casus Belli).

2- غياب الرافعة العسكرية الميدانية: من دون احتلال عسكري إسرائيلي دائم أو وكيل محلي موالٍ ومتمكن عسكرياً، يتحول “ممر ديفيد” من خطة استراتيجية إلى مجرد خريطة نظرية.

3- الواقع الديموغرافـي والعشائري: في الشمال الشرقي السوري، ورغم السيطرة الكردية السابقة، لا تزال الغلبة الديمغرافية السكانية للعشائر العربية.

لطالما أعلن الأكراد السوريون أن لهم الحق بالسيطرة على تلك المناطق باعتبارها جزءًا من كردستان التاريخية، وحيث يدّعون أنهم منذ مئة عام فقط كانوا على وشك تحقيق حلم تأسيس الدولة، لولا تغيّر المعادلات الدولية.

لكن، من المفيد ذكره هنا، أن الأراضي السورية لم تكن يومًا جزءًا من كردستان التاريخية، فاتفاقية سيفر لعام 1920 (بحسب الخرائط المنشورة)، والتي يستند إليها الأكراد باعتبارها أول وثيقة دولية تثبت حقهم في تقرير مصيرهم ضمن دولة مستقلة، لا تضم لا من قريب ولا من بعيد أي منطقة سورية. زد على ذلك، لم يتم النزوح الكردي من تركيا إلى سوريا إلا بعد الاقتتال بين الأكراد و”الحركة الكمالية” في العام 1925، ثم توالت الهجرات إلى سوريا فيما بعد. ما يعني أن الظاهرة الكردية في سوريا لم تكن يوماً جزءاً من حركة قومية كردية تاريخية عمرها مئات السنين.

4- الاستراتيجية الأميركية: اصطدمت المحاولة الإسرائيلية لاستخدام الشمال الشرقي (الخاضع للسيطرة الكردية) كركيزة لتأسيس الممر بسياسة الولايات المتحدة. يبدو أن الأميركيين، وسعياً منهم للاستقرار ومنع عودة الفوضى الجهادية، غلّبوا تماسك الدولة السورية على دعم المشاريع الانفصالية الإسرائيلية التي قد تؤجج التهديدات لكل من تركيا والعراق وإيران، وتزيد من زعزعة استقرار المنطقة.

على المستوى الدولي، يمثل الدعم الأميركي للسلطات الحالية في سوريا تحولاً عن استراتيجية “الفوضى الخلاقة” التي طبقتها إدارة الرئيس جورج بوش في العراق بعد 2003. إذ خلصت الإدارة الأميركية الحالية إلى أن سوريا مركزية ومستقرة (تتماهى سياسياً مع المصالح الأميركية لأول مرة في تاريخها الحديث) تخدم مصالح واشنطن أفضل من دولة مفككة تُفرّخ التطرف وتستجلب التدخلات الخارجية.

لكن، من المفيد الإشارة الى أن التباين في الرؤى بين “استراتيجية الاستقرار” الأميركية في سوريا و”استراتيجية التفتيت” الإسرائيلية، لا يعني القطيعة. فالولايات المتحدة ترى أن وجود دولة سورية موحدة بحكومة مركزية يصب في مصلحة الأمن الإسرائيلي طويل الأمد. وهذا التباين لا يلغي استمرار الولايات المتحدة في ضمان “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل، والتغاضي عن حرية عملها وسياساتها التوسعية في الجنوب السوري وجنوب لبنان وفلسطين.

المدن

———————————–

لحظة كابول: قراءة في الانهيار البنيوي لمشروع قسد/ ضياء قويدر

يناير 21, 2026

تُعد التحولات المتسارعة التي شهدتها منطقة شرق الفرات مؤخراً نموذجاً كلاسيكياً في دراسات العلوم السياسية حول “نهاية الأدوار الوظيفية” للقوى غير الدولتية. فبعد سنوات من التمدد العسكري والسياسي الذي حظيت به “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، انتهى بها المطاف إلى حالة من التفكك البنيوي والذوبان داخل مؤسسات الدولة المركزية،

وهو مآل لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات من الأخطاء الاستراتيجية والمراهنات الخاسرة على التوازنات الدولية مقابل تجاهل الحقائق الجغرافية والاجتماعية.

يمكن تأطير سقوط مشروع “قسد” ضمن ما بات يُعرف بـ”لحظة كابول”؛ وهي النقطة الزمنية التي تكتشف فيها القوى المحلية أن فائض القوة الذي كانت تتحرك به ليس ذاتياً، بل هو استعارة مؤقتة من قوة عظمى تمتلك “رفاهية التخلي”. لقد سقطت قيادة “قسد” في فخ الاعتقاد بأن التحالف التكتيكي مع واشنطن لمحاربة الإرهاب قد تحول إلى التزام سياسي دائم بدعم كيان انفصالي أو شبه مستقل.

هذا الانكشاف الاستراتيجي جعل من “قسد” هيكلاً بلا حماية بمجرد تبدل الأولويات الدولية، حيث أدركت متأخرة أن المشاريع التي تنشأ في “فراغات القوة” تظل محكومة بصلاحية وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة إليها، لتجد نفسها في مواجهة جغرافيا لا تعترف إلا بسيادة الدولة الوطنية.

عسكرياً، لم تكن الهزيمة ناتجة عن نقص في العتاد أو التحصينات الهندسية، بل كانت تعبيراً عن “انهيار دفاعي متسلسل” ناجم عن تصدع الجبهة الداخلية. فالمشروع الذي قُدّم بوصفه تحالفاً “ديمقراطياً” عجز عن ردم الفجوة بين نواته الصلبة وبين الغالبية العربية في مناطق سيطرته.

لقد أدى التهميش السياسي والاجتماعي للعشائر العربية إلى تحويلها من “حاضنة مفترضة” إلى “عامل ضغط داخلي” سهّل اختراق المنظومة الدفاعية. ومع تحرك القوات الحكومية بتكتيكات ميدانية مرنة (مثل العبور النهري)، تهاوت الخطوط الدفاعية لـ “قسد” كأحجار الدومينو، لأن المقاتلين الميدانيين افتقدوا العقيدة القتالية التي تربطهم بالأرض التي يدافعون عنها، مما حول “المقاومة الأسطورية” الموعودة إلى مجرد محاولات يائسة لتأخير التقدم.

تُشير القراءة المتعمقة للمسار التفاوضي إلى أن قيادة “قسد” مارست نوعاً من “المقامرة الاستراتيجية” عبر رفضها المتكرر لعروض دمشق. ففي مطلع عام 2026، عُرضت صيغة للإدماج الإداري والسياسي كانت تضمن حداً أدنى من الخصوصية، إلا أن رهان “قسد” على عامل الوقت وتدخل القوى الخارجية أدى إلى ضياع تلك الفرصة.

اليوم، تجد “قسد” نفسها مضطرة لقبول شروط “العودة الكاملة” التي لا تتضمن أي تميز سيادي، حيث جرى تحويل هيكلها العسكري من “وحدات منظمة” إلى “أفراد” منخرطين في الجيش السوري، وتسليم المعابر الحدودية للسلطة المركزية، وهو ما يعني عملياً نهاية “مشروع الإدارة الذاتية” وتحوله إلى مجرد ذكرى عابرة في تاريخ الصراع السوري.

جاءت المبادرات السياسية والتشريعية الأخيرة من قبل رئاسة الدولة السورية، لا سيما فيما يخص الحقوق الثقافية والوطنية للأكراد، لتمثل “الضربة القاضية” لمشروع “قسد”. فمن خلال دمج المطالب الكردية ضمن الإطار الوطني الجامع، جُردت القيادات الانفصالية من مبررات وجودها السياسي، مما سهل قبول القوى الدولية (بما فيها الولايات المتحدة) للواقع الجديد.

إن تحول قادة “قسد” من “جنرالات” يقودون تحالفاً مدعوماً دولياً إلى “موظفين” أو “محافظين” يتبعون للنظام الإداري للدولة (كما يشارع حول احتمال تعيين مظلوم عبدي محافظاً للحسكة)، هو التجسيد الأوضح لعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي؛ حيث تذوب السلطات الموازية في بوثقة السيادة الوطنية بمجرد استعادة الدولة لزمام المبادرة.

إن تجربة “قسد” تظل درساً بليغاً في أن الاستقواء بالخارج على حساب التوازنات الوطنية والاجتماعية هو مسار محتوم بالفشل. فالشرعية لا تُستمد من الغطاء الجوي العابر، بل من الاندماج في النسيج الوطني والاعتراف بحقائق الجغرافيا السياسية التي تؤكد دائماً أن “الدولة” هي الثابت الوحيد في معادلة الاستقرار.

الثورة السورية

———————————

ما حقيقة المسألة الكردية في سوريا؟/ عبد القادر العبيد

يناير 21, 2026

في زمن تتكاثر فيه التحليلات وتتناسل فيه المصطلحات السياسية كما تتناسل الغيوم في سماء مثقلة بالعواصف، يغدو من السهل أن تتحول الكلمات إلى حقائق مزعومة، وأن تُستعار المفاهيم من سياقاتها الأصلية ثم تُزرع في تربة أخرى دون أن يُسأل أحد عن صلاحيتها أو انسجامها مع الواقع.

من هنا تبدأ الإشكالية. فالمسألة الكردية في سوريا تُقدَّم في كثير من المنابر بوصفها “قضية سورية كردية”، بينما يذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الوصف ذاته يحتاج إلى مراجعة دقيقة، لأن جذوره السياسية والفكرية لا تنبع من التاريخ السوري بقدر ما تعود إلى سياقات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها العلاقة التركية الكردية.

من هذه الزاوية، يرى عدد من الدارسين أن ما جرى في سوريا خلال العقود الماضية لم يكن نشوء قضية قومية مستقلة بقدر ما كان امتداداً لتجاذبات إقليمية استُخدمت فيها الورقة الكردية كأداة ضغط. ففي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، استضاف النظام السوري بقيادة حافظ الأسد تنظيم حزب العمال الكردستاني، المعروف اختصاراً بـ PKK، ووفّر له مقاراً ومعسكرات وتسهيلات لوجستية.

لم يكن ذلك بدافع الإيمان بمشروع قومي كردي داخل سوريا، بل ضمن لعبة سياسية هدفها ممارسة الضغط على تركيا في ملفات الحدود والمياه والنفوذ. هكذا وُلد حضور التنظيم في سوريا بوصفه ورقة سياسية، لا بوصفه تعبيراً عضوياً عن واقع اجتماعي سوري خالص.

هذا التمييز بين الأصل المستورد والسياق المحلي ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو مفتاح لفهم كثير من الالتباسات اللاحقة. فحين تُطرح “القضية السورية الكردية” وكأنها امتداد طبيعي لتاريخ قومي متجذر، يُغفل أن جزءاً كبيراً من البنية التنظيمية والخطاب الأيديولوجي جاء من خارج الحدود، محمّلاً بتجربة تركية مختلفة في جذورها ومآلاتها. وبذلك انتقلت صراعات غير سورية إلى الداخل السوري، لتُقرأ لاحقاً على أنها تعبير عن مظلومية محلية خالصة.

ومن هنا، نصل إلى المفهوم الثاني الذي يثير جدلاً واسعاً، وهو فكرة “الوطن القومي الكردي” أو ما يُسمّى أحياناً “كردستان الكبرى”. هذه الفكرة، كما يراها منتقدوها، لا تقوم على معطيات تاريخية أو جغرافية راسخة بقدر ما تنتمي إلى عالم الأيديولوجيا والشعارات. فهي تشبه، في بنيتها الذهنية، مشاريع قومية أخرى حلمت بوطن يمتد على رقعة واسعة تتجاوز الدول القائمة، كما في تجربة أنطون سعادة حين تحدث عن “الأمة السورية”، أو في خطاب جمال عبد الناصر الذي بشّر بوطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج.

تلك المشاريع، على اختلاف خلفياتها، اصطدمت جميعاً بواقع التنوع والحدود والمصالح، وبقيت في معظمها أحلاماً أكبر من قدرتها على التحقق. في الحالة الكردية، تُطرح خريطة لكيان قومي مفترض تمتد عبر أراضٍ تسكنها شعوب متعددة، في مقدمتها العرب والسريان والآشوريون وغيرهم. هذا الطرح، بحسب منتقديه، يتجاهل البنية السكانية المعقدة للمنطقة، ويستبدلها برؤية عرقية تبسيطية لا تنسجم مع تاريخ المشرق ولا مع حاضره.

وحتى في مجال الآثار والتاريخ القديم، كثيراً ما جرى تأويل مكتشفات حضارية على أنها دليل على “دولة كردية” غابرة، قبل أن يتبين في دراسات لاحقة أنها تعود إلى حضارات آشورية أو سريانية أو غيرها من حضارات الهلال الخصيب. هنا لا يكون الخلاف حول هوية حجر أو نقش فحسب، بل حول منهج قراءة التاريخ ذاته، وهل يُقرأ بوصفه تراثاً مشتركاً أم بوصفه ملكية حصرية لجماعة بعينها.

أما المفهوم الثالث، وهو الحديث عن “مناطق كردية” في سوريا، فيخضع هو الآخر لمراجعة نقدية. فالجغرافيا السورية، كما يعرفها المؤرخون، قامت على التداخل السكاني منذ قرون. المدن والبلدات في الجزيرة والفرات والشمال لم تكن يوماً ذات لون واحد، بل كانت فضاءً لتعايش العرب والأكراد والسريان والأرمن وغيرهم. في هذا السياق، يصبح وصف منطقة ما بأنها “كردية خالصة” تبسيطاً يتجاهل هذا التداخل العميق.

الأكراد جزء أصيل من النسيج السوري، لكنهم ليسوا وحدهم فيه، كما أن وجودهم لا يلغي وجود الآخرين ولا يُحوّل الجغرافيا إلى ملكية قومية مغلقة. تُستدعى في هذا الإطار مسميات تاريخية أو رمزية مثل “روح آفا” لتضفي على الواقع السياسي الراهن مسحة من الأصالة، لكنها في نظر كثير من الباحثين تبقى مفاهيم حديثة الصياغة، لم تكن جزءاً من الذاكرة الجغرافية التقليدية للمنطقة. فهي تُستخدم أكثر كأدوات تعبئة سياسية، لا كمرآة أمينة للتاريخ أو للديموغرافيا.

كل ذلك لا يعني إنكار معاناة الأكراد في سوريا أو غيرها، ولا التقليل من حقوقهم الثقافية واللغوية والسياسية. فالتاريخ الحديث في المنطقة حافل بسياسات الإقصاء والتهميش التي طالت جماعات متعددة، وكان الأكراد من بين من دفعوا أثماناً باهظة لها. غير أن الدفاع عن الحقوق لا يستلزم تبنّي سرديات غير دقيقة أو مشاريع تتجاهل تعقيد الواقع. على العكس، إن الاعتراف بالتعددية، وبأن سوريا فضاء لمكونات متداخلة، يفتح الباب أمام حلول أكثر عدلاً واستدامة.

الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذه القراءة هي أن كثيراً من المفاهيم المتداولة حول المسألة الكردية في سوريا تحتاج إلى إعادة تمحيص. فبين ما هو مستورد من صراعات إقليمية، وما هو مؤدلج في خطاب قومي عابر للحدود، وما هو مبسّط في توصيف الجغرافيا والسكان، يضيع أحياناً جوهر المسألة الحقيقي. ذلك الجوهر يتمثل في البحث عن صيغة عيش مشترك تحترم حقوق الجميع دون أن تختزلهم في شعارات أو خرائط متخيّلة.

في عالم يتسارع فيه إنتاج الخطاب أكثر من إنتاج المعرفة، يصبح واجب الصحافة والفكر أن يعيدا للكلمات وزنها وللتاريخ عمقه. فليس كل ما يُقال حقيقة، وليس كل ما يُرفع شعاراً قابلاً لأن يصير وطناً. وبين الوهم والواقع، تبقى الحقيقة غالباً أكثر تواضعاً، لكنها أيضاً أكثر قدرة على البقاء.

الثورة السورية

———————————

من أجل خطاب وطني جامع للكرد والعرب/ خلف علي الخلف

يناير 21, 2026

منذ انطلاق عملية ردع العدوان وما تلا ذلك من تحرير البلاد، تسارعت الأحداث على امتداد الجغرافيا السورية لتقدم عوامل جديدة ومختلفة كل يوم لقراءة الوضع في سوريا. وأزعم أن خطاب قائد معركة ردع العدوان وسلوك قواته في المناطق المحررة كانا عوامل رئيسية فاعلة في إنجاز عملية التحرير بتلك السرعة والسلاسة التي أدهشت العالم.

من هذه المقدمة أنطلق إلى حقائق جديدة حدثت على الأرض في الأيام الماضية تمثلت بعودة الجزيرة إلى الانضمام إلى خارطة البلاد. هذه الحقيقة سبقها مرسوم تاريخي للسيد الرئيس أحمد الشرع، حل قضية عالقة منذ أكثر من مئة سنة، أي منذ تشكيل الدولة السورية. تعاقبت الأنظمة على هذه البلاد وبقيت القضية الكردية عالقة، واستثمرت فيها الأنظمة المتعاقبة استثمارا سياسيا سلبيا بلغ ذروته في ظل النظام البائد.

إذاً، نحن الآن أمام حقائق جديدة؛ هناك مرسوم تشريعي صدر يعالج قضية الكرد السوريين بشكل جذري ومستدام، ويعطيهم حقوقهم التمييزية كجماعة سورية لها لغة وثقافة وتاريخ ووجود، ويرفع عنهم ظلماً تاريخياً لحق بهم، مضافاً إلى الظلم الذي لحق بالسوريين جميعاً. كما أن الاتفاق الذي وقع بين السيد الرئيس والأخ مظلوم عبدي حل مشكلة “قسد” كتنظيم مسلح، وأنهى نظرياً وعملياً عسكرة القضية الكردية.

من هذه الحقائق أنطلق إلى القول إنه يجب الآن تبني خطاباً وطنياً جديداً يغفل الماضي وينظر إلى المستقبل لجهة العلاقة الكردية – العربية، وإذا كان هناك واجب على “النخب” الثقافية والسياسية العربية والكردية التي تريد لهذه البلاد أن تنهض وتصبح وطنا لجميع أبنائها، فإن الواجب الرئيس يقع على عاتق الدولة بكافة مؤسساتها، وتحديداً وسائل إعلامها.

وقد قدم الرئيس الشرع خطابا مسؤولا تجاه هذه القضية منذ البداية، لا بل قبل أن يقود معركة ردع العدوان، كما أن الخطاب الذي كان يتحدث به الأخ مظلوم عبدي طوال فترة رئاسته لـ”قسد” لا يبتعد عن ذلك، ولم أسمعه يوما يتحدث بخطاب تفرقة أو احتراب بغض النظر عن الوقائع السابقة.

على السوريين أن يعرفوا أن الوضع في الجزيرة أعقد من تصوراتهم وتبسيطاتهم، ولا أريد أن أنحو إلى خطاب تبسيطي معاكس، لكن الحقائق تقول إن العشائر الكردية والعشائر العربية وبقية الجماعات عاشت قرونا على أرض واحدة قبل ولادة الدولة الحديثة، وفي ظل غياب الدولة لفترات طويلة من التاريخ كانوا يحتكمون لقضائهم العرفي ولشرعهم في حل المشكلات بينهم، وهذا كان يحدث بين الجماعات نفسها العربية والكردية والسريانية.

الجزيرة واقع متشابك من الأعراق والجماعات المختلفة لغوياً ودينياً. واستخدم مفهوم الجماعة هنا متعمداً، لأن عند الكرد من أصله عربي، وعند العرب من أصله كردي، وعند السريان من أصولهم عربية وكردية.

منذ نشوء الدولة القومية الحديثة كانت عاملاً للتقسيم والتفريق بين هذه الجماعات، ليس في سوريا وحدها بل في كل المناطق التي توزعت فيها جماعات مختلفة لغوياً وثقافياً ودينياً، وما نريده ونطالب به ليس فقط أن تكف الدولة عبر خطابها وإجراءاتها عن كونها عاملاً تقسيمياً بين سكان الجزيرة، المعني بهم هذا المقال، بل أن تكون عاملاً توحيدياً يكف عن الاستثمار في التفريق والانحياز والتقريب والإبعاد.

إن الدولة، بوصفها جهة سيادية، ملزمة كلياً بحل قضايا سكانها. وعليه، فإن الكرد اليوم مسؤولية الدولة، عليها حماية لغتهم وثقافتهم ووجودهم وإشراكهم في إدارة الدولة في كل مؤسساتها.

أما إدارة المناطق ذات الغالبية الكردية فهي لا تحتاج أكثر من قانون إدارة محلية عصري يعطي صلاحيات موسعة للبلديات على مستوى التجمعات السكانية وفق التسلسل والتقسيم الإداري المعمول به حالياً؛ قرية – ناحية – منطقة – مدينة – محافظة، وأن تكون السلطات البلدية مركزة بشكل عكسي، حيث تنخفض صلاحيات السلطة كلما ارتفعنا إلى المستوى الأعلى.

ونحن هنا لا نخترع حلاً سحرياً، بل  ما هو معمول به في كثير من دول العالم. وعليه، يمكن للكرد أن يديروا مناطق تجمعاتهم السكانية كما تدير الجماعات الأخرى أيضاً تجمعاتها السكانية وفق هذا القانون، ويمكن أن تلحق الإدارة الشرطية بالبلديات في عموم سوريا ليحافظ أبناء هذه المناطق على أمنهم. أما المشاركة السياسية فيجب أن تكون متاحة للجميع على المستوى الوطني، وأدعو في هذه المناسبة الدولة إلى أن تمنع مستقبلاً تشكيل الأحزاب السياسية على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي.

كل ذلك مقدمة لأقول إن على الدولة أن تبث خطاباً إعلامياً وطنياً جامعاً تجاه الجزيرة وسكانها، لا بوصفه تكتيكاً في معركة من أجل كسبها، بل بوصفه ركيزة أساسية في نهوض البلاد. وعلى مؤسسات الدولة أن تراقب منتسبيها حتى في منشوراتهم وأحاديثهم الإعلامية خارج المؤسسات التي يعملون بها، وهذا أيضاً ليس اختراعاً، فهو معمول به ليس فقط في المؤسسات الحكومية للدول بل في كل المؤسسات الرصينة.

لا يمكن التعويل على النيات، مهما كانت صادقة، ولا على خطابات المناشدة أيا كان دورها. على الدولة أن تفي بالتزاماتها ومبررات وجودها تجاه مواطنيها، وأن تتصدى لخطاب التفرقة والتقسيم والكراهية الذي يبثه سوريون جهلاً أو عمداً في الداخل والخارج، وذلك بسن تشريعات وقوانين بشكل عاجل تجرّم هذا الخطاب وتفرّقه عن حرية التعبير.

إن الذين يبثون خطاب التفرق والانقسام هم في الغالب يجلسون على الشاشات على بعد آلاف الأميال أحياناً من أماكن عيش الكرد والعرب. الجزيرة نسيج متشابك تاريخياً حمته الجماعات الأهلية بنفسها لقرون طويلة، وعلى الدولة أن تكون عاملاً مساعداً الآن لا غداً، فالاحتقان والتوتر في الجزيرة في أعلى درجاتهما، وأي كلمة غير مسؤولة ستورطنا جميعا. ويجب أن يتوقف السوريون عموما، والإعلام خصوصاً، والعاملون فيه، عن بث خطاب “النصر والهزيمة”، فقد انتصرنا جميعاً، وأي خسارة هي خسارتنا جميعاً.

الثورة السورية

——————————-

سجون تنظيم الدولة وورقة قسد الأخيرة/ وائل علوان

وصلت المعارك بين الحكومة السورية و”قسد” إلى مدينة الشدادي، لتعيد فتح ملف لم يطوَ، وتذكر بأمر بالغ الخطورة والأهمية لا يمكن أن ينسى، وهو ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم الدولة “تنظيم الدولة” وعائلات قادته وعناصره من نساء وأطفال.

هرب المئات من عناصر التنظيم، بينهم مقاتلون جهاديون أجانب من سجن الشدادي، وقد يصل عدد الهاربين إلى 1500 عنصر، بحسب رواية المسؤولين في “قسد” الذين حملوا المسؤولية في ذلك للحكومة السورية، بينما أكدت الحكومة السورية أن عدد الهاربين من سجن الشدادي 120 عنصرا فقط، ألقي القبض على 81 عنصرا منهم في عملية أمنية واسعة نفذتها القوات الأمنية في المنطقة يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026.

في نفس اليوم الذي أثير الحديث فيه عن سجن الشدادي وهروب من فيه أثارت “قسد” إنذارا بإمكانية هروب العشرات من عناصر التنظيم وقادته من سجن الأقطان شمال مدينة الرقة، بعد أن استعصت فيه مجموعات من “قسد” ومن فلول النظام البائد ورفضوا نقل السجن لحماية الحكومة السورية، كما ينص على ذلك الاتفاق الجديد الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم 18 يناير/ كانون الثاني 2026.

ملف السجون والمخيمات كان الورقة الأهم التي تضمن لـ”قسد” الأهمية والدعم والدور في الخريطة السورية، وكان الحديث عن إدارة هذا الملف حاضرا في المفاوضات التي استمرت بين الحكومة السورية و”قسد” منذ اتفاقهما في مارس/ آذار 2025 حتى انتهاء فترة تنفيذ الاتفاق دون أن ينفذ نهاية 2025.

خلال المفاوضات التي كانت ترعاها وتديرها الدبلوماسية الأميركية كانت “قسد” تتحفظ على ملف نقل إدارة السجون والمخيمات، وتضع العراقيل أمام تنفيذ هذا البند تحديدا، في مقابل الاهتمام الأميركي الكبير بالتقدم خطوة فيه.

فهل كانت “قسد” تعلم أن ملف السجون والمخيمات سيكون الورقة الأخيرة في يدها حين تفقد باقي الأوراق؟

سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عوائلهم

مع معارك التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وتحديدا بعد معركة الباغوز في الربع الأول من عام 2019، وهي المعركة الأهم والكبرى والأخيرة، أقامت “قسد”، وهي الشريك المحلي لقوات التحالف الدولي مجموعة من السجون والمعتقلات لمن ألقي القبض عليه من عناصر التنظيم وقادته، وأعادت ترتيب الحماية الأمنية للمخيمات التي تضم العائلات من النساء والأطفال.

إعلان

مخيمان رئيسيان، كان كل منهما مجتمعا للحفاظ على حاضنة التنظيم واستمرار نشاطه، بعلم “قسد” وإدارتها ذلك، فضلا عما ضمه المخيمان من شبكات الفساد والتهريب والاتجار بالبشر، وإعادة إنتاج الإرهاب والاستثمار به.

الأول؛ مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، وبالتحديد عند المدخل الجنوبي لبلدة الهول جنوب شرق مدينة الحسكة، وهو التجمع الأكبر -ربما على مستوى العالم- الذي يضم عائلات تنظيم الدولة، وهم موزعون في 9 أقسام (تسمى محليا “فيزات”)، من الأول حتى السابع تضم جنسيات سورية وعراقية، ثم “الفيز” الثامن، وهو الأخطر، يضم شخصيات أجنبية من مختلف الجنسيات، ويسمى “فيز المهاجرات”، وفي المخيم قسم للخدمات يضم ما يقارب 100 محل تجاري.

يبلغ عدد قاطني مخيم الهول عام 2023 أكثر من 51 ألف شخص، نسبة 59% منهم أطفال، و32% منهم نساء، و9% منهم رجال، بينما تشير الإحصائيات إلى أن العدد انخفض بشكل كبير عام 2024 وعام 2025؛ بسبب عمليات نقل وتسلم العائلات وخاصة العراقية، وهروب الكثير، ونقل من يبلغ من الأطفال للمعتقلات.

الثاني؛ مخيم روج قرب المدخل الشمالي لقرية تل أسود بريف المالكية شمال شرق مدينة الحسكة، أصغر حجما من مخيم الهول، ويقسم إلى قسمين منفصلين عن بعضهما:

    الأول للفارين من السوريين والعراقيين من تنظيم الدولة والذين استقروا في المخيم منذ تأسيسه عام 2015.

    والقسم الآخر لعائلات التنظيم من النساء والأطفال والذين قدر عددهم عام 2023 بما يقارب 3 آلاف شخص، 65% منهم أطفال، و35% منهم نساء، ويتم نقل الأطفال عند بلوغهم سن 12 عاما إلى أماكن احتجاز في محيط المخيم، أو إلى مركز احتجاز خاص يطلق عليه اسم “هيمو” ويقع قرب مدينة القامشلي.

بشكل عام فإن عدد أفراد العائلات في المخيمين (الهول وروج) يقدر منتصف عام 2025 بما يقارب 43 ألف شخص.

عناصر التنظيم وقادته موزعون على سجون ومعتقلات بعضها سري، ويقدر عددهم بما يقارب 9 آلاف سجين، ويقدر عدد السجون الخاصة بعناصر تنظيم الدولة وقادته بـ 24 سجنا، تديرها القوات الخاصة التابعة للأسايش “HAT”، ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لـ”قسد” “YAT”، وأشهر هذه السجون:

    سجن غويران: في المنطقة الصناعية ضمن مدينة الحسكة، وهو أكبر السجون، واشتهر بحالات استعصاء السجناء، والهروب والمنظم الجماعي.

    سجن الشدادي: يقع شمال شرق مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، وهو من السجون الرئيسية والكبيرة.

    سجن جركين: يقع في مدينة القامشلي، وهو قسمان: الأول السجن القديم في مركز الأعلاف في المدينة، والثاني الجديد، وهو سجن كبير تحت الأرض في نفس الموقع.

    سجن ديريك: ويطلق عليه اسم السجن الأسود، ورغم أنه من أكثر السجون حماية وتأمينا فقد اشتهر بعد محاولة الاستعصاء والفرار التي قام بها عناصر تنظيم الدولة في أبريل/ نيسان 2019.

    بينما تنتشر باقي السجون الأخرى وهي أقل حجما في الرقة والحسكة ومنها اثنان كانا في دير الزور، وهذه السجون غير مختصة بسجناء تنظيم الدولة، لكنها تحوي أقساما لهم.

وفي عام 2024 وعام 2025 نقلت القوات الأميركية بالتنسيق مع “قسد” السجناء من قادة الصف الأول في التنظيم من السجون العامة أو التي حصلت فيها حوادث، أو يتوقع أن تشهد حوادث مثل سجون الرقة ودير الزور، إلى سجون غالبا هي داخل سوريا، لكنها تخضع لإشراف مباشر من قبل القوات الأميركية.

حارس الوحش: دور “قسد” الذي حاولت الحفاظ عليه

حاولت “قسد” الاستفادة من الوحش الذي تحرس سجونه بمقدار ما يشكل هذا الوحش قلقا إقليميا ودوليا، وهي رغم استثمارها بتنظيم الدولة وعناصره وخلاياه؛ تجنيدا وتوظيفا وتوجيها، ضد خصومها -تماما كما كانوا يفعلون أيضا- فإنها كانت حريصة على دورها في حماية السجون والمخيمات على حد سواء.

إعلان

الدول المعنية جميعا كانت تزور السجون وبشكل أكبر المخيمات، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، وكانت تكتب لجانها التقارير التي لم تخلُ من التحذيرات، حيث كان واضحا الإهمال المتعمد للسجون والمخيمات بما يجعل التنظيم حيا وقائما فيها.

ومع ذلك لم تكن الدول ذات الصلة قادرة على التعامل مع هذا الملف إلا بما هو عليه، وكانت قوات التحالف الدولي تغض البصر أو ربما فعلا لا تبصر حالة الفلتان التي تتعمدها “قسد” في السجون، فحصلت العديد من حالات الهروب والاستعصاء والمواجهات، الأمر الذي كانت تحظى به “قسد” من خلال زيادة دعمها والاعتماد عليها لضبط الأمر ومنع تكراره.

ويبدو الأمر أخطر في المخيمات التي باتت مجتمعات مغلقة، عاد فيها التنظيم إلى النشاط، مع قدرة عالية على الاتصال الخارجي والتنقل والانتقال داخل سوريا وخارجها عبر شبكات من الفساد التي تشكلت ضمن صفوف القوات المسؤولة عن حماية المخيمات وإدارتها.

الورقة الأخيرة قد تكون اللغم القاتل

بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، استمرت “قسد” باستخدام ورقة حماية السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم وقياداته، إلى جانب أوراق أخرى كانت تستقوي بها وهي تفاوض الحكومة الجديدة في دمشق منها سيطرتها على السدود المائية ومرافقها شمال البلاد، ومنها السيطرة على معظم حقول النفظ والغاز في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ومنها الاستقواء العسكري والأمني بالواقع الميداني الذي كانت ترسمه خرائط النفوذ والسيطرة خلال عام 2025.

لم تستفد “قسد” من أوراق القوة هذه سياسيا، ولم تفهم حقيقة الموقف الأميركي بشكل خاص وحقيقة الموقف الإقليمي والدولي بشكل عام، والذي وجد الانتقال السياسي في سوريا فرصة عظيمة للانتقال من استقرار سوريا إلى استقرار المنطقة بما يحقق مصالح الغرب وحلفائه الإقليميين.

مضى عام 2025 دون أن تنفذ “قسد” اتفاق مارس/آذار، ودون أن تبدي أي مرونة ليس فقط مع الحكومة السورية، وإنما مع الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، والتي كانت تريد أن تضمن تنسيق “قسد” مع الحكومة السورية على الأقل في ملف مكافحة التنظيم أو أنه في صدارة الأولويات، خاصة بعد انضمام سوريا بحكومتها الشرعية للتحالف الدولي، الأمر الذي كانت واشنطن بحاجة إليه، ولم يكن ممكنا فترة نظام الأسد.

في المقابل عملت “قسد” على احتواء فلول نظام الأسد وإيجاد مساحة تحرك ونشاط لهم في شمال شرق سوريا، بما يقوض الاستقرار الذي تعمل عليه الحكومة السورية، وتدعمه الإدارة الأميركية.

ومع انتهاء المدة المقررة لتنفيذ اتفاق مارس/آذار واستفزاز “قسد” الحكومة السورية مما اضطرها لخيار لم تكن تريده، تسارعت الهزائم التي منيت بها “قسد”، وظهر الخلل الداخلي في صفوفها تماما كما حصل مع نظام الأسد بعد معارك ردع العدوان.

فقدت “قسد” كل أوراق القوة التي كانت تعتمد عليها، وخسرت مكتسباتها السياسية بالانهيار الميداني، لتلوح بالورقة الأخيرة التي ظنتها لا تزال بيدها، وهي ورقة حماية السجون والمخيمات، وعمليا هذه الورقة نجحت الحكومة السورية في أخذها نظريا وكانت تنسق مع الولايات المتحدة لاستلامها، بيد أن التهديد بها من قبل “قسد” بهذا الشكل سيأتي بعكس ما ترجوه “قسد” وتتوقعه.

فإطلاق عناصر التنظيم الخطر لن يجعل قوات التحالف تقنع بضرورة الحفاظ على “قسد” حاميا لهذا الوحش المكبل، بل سيجعل قوات التحالف تتدخل بشكل مباشر لأخذ المفاتيح وتسليمها للجهة الشرعية التي لا يتوقع منها استغلال هذا الملف بهذه الطريقة المزعجة.

وخلاصة القول: إن ملف حماية سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عائلاتهم لم تقم به “قسد” بالشكل الأفضل بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين، لكن مع نظام الأسد المارق لم يكن أمام هؤلاء الفاعلين بديل، ومع الانتقال السياسي في سوريا وتسلم حكومة موالية للتحالف الدولي، بل أصبحت جزءا منه، فإن هذا الدور لـ”قسد” قد انتهى، ومحاولة الضغط به ستفقدها دور المساهم أو الشريك مع الحكومة السورية في إدارة هذا الملف.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث مختص في الشأن السوري

الجزيرة

———————

كيف تخلّت واشنطن عن قسد في لحظة الحسم؟

الكشف عن الانهيار المفاجئ لقسد أمام قوات الجيش السوري

الأربعاء 21 يناير 2026

شهدت مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا تحولات ميدانية درامية، تمثلت في سقوط هذه المناطق بسرعة بيد الجيش السوري، بدعم من العشائر العربية التي أعلنت فض الشراكة مع قسد في مناطق نفوذها. هذا المشهد أزال سريعًا الصورة التي كانت تظهرها قسد كقوة متماسكة، وكذلك الحبل السري الذي ربطها بواشنطن قبل أن تعلن الأخيرة، وعلى لسان مبعوثها توم باراك وسفيرها في أنقرة، أنها ستكتفي بتلزيم دمشق وحدها بمحاربة داعش، مع ترك المكاسب الثقافية والاجتماعية للأكراد وفق مرسوم الرئيس الشرع الأخير.

ويعرض المحلل السياسي السوري خالد الفطيم عدة عوامل أدت إلى انهيار قسد وتسليمها مساحات واسعة من الأراضي للجيش السوري قبل انسحابها إلى مناطقها الكردية في الحسكة والقامشلي. وقال إن “خطأ قسد التاريخي تمثل في عدم إدراكها لطبيعة العشائر العربية، التي انحازت بشكل متوقع إلى الجيش السوري وسهلت سيطرته على مناطقها التاريخية، التي اعتقد الأكراد أنهم قادرون على حكمها بمعزل عن الدولة السورية”. وأضاف أن دعم العشائر لم يأتِ لأسباب وطنية فحسب، بل أيضًا نتيجة طبيعة الحكم المستبد الذي مارسته قسد ضدهم، ما دفعهم لتولي زمام المبادرة بعد تراجع قسد في معارك الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.

من جانبه، يرى المحلل السياسي جمال رضوان أن قسد ضيعت فرصًا كانت ستمكنها من المشاركة في الحكم السوري على مستويات عليا، والتحكم بالقرار السياسي، وتقاسم إيرادات النفط مع دمشق. وأوضح أن اتفاق 10 مارس منح قسد هذه المزايا، لكن المماطلة والانتظار لتأكيد الدعم الأمريكي والإقليمي، إضافة إلى التحالفات المحلية مع قوى المعارضة – التي ثبت أنها مجرد “قنابل صوتية” – أدت إلى فقدانها هذا الرصيد وتحولها إلى كيان هش، يقبل أقل مما كان متاحًا له سابقًا. وأضاف رضوان أن قرارات قسد لم تكن وطنية، بل هيمنت عليها الأوهام القومية لحزب العمال الكردستاني، ما قوض المطالب الوطنية المشروعة للأكراد، وعارض المجتمع الدولي هذا التوجه.

في المقابل، يؤكد المفكر السوري الكردي جمال حمو أن قسد كانت تجربة ديمقراطية متقدمة في سوريا، شملت كل مكونات الجزيرة السورية من عرب وكرد وسريان وآشوريين، وإن لم تكن مثالية، لكنها سبقت النظام السوري في مجال الحريات. وأوضح لموقعنا أن ارتباكًا ساد صفوف قسد بعد الانسحابات السريعة من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، خصوصًا في مناطق تسكنها العشائر العربية، التي فضلت سلطة دمشق على التوجهات الديمقراطية التي رفعتها قسد خلال العقد الماضي. وشدد حمو على أن قسد أخطأت في تقديرها السياسي، معتقدة أن واشنطن لن تستغني عنها، وأن صعود حكم دمشق الجديد لن يغير من دورها في مواجهة داعش، بينما هجوم تدمر وسقوط قتلى أمريكيين زاد من إيمان قادة قسد بهذه الفكرة.

وأشار حمو إلى أن فرنسا، حليفة قسد الأولى، فضلت الصمت، بينما وجدت إسرائيل في المكاسب التي منحها الشرع في الجنوب ما يمنعها من تقديم دعم للأكراد كما حصل في السويداء صيف العام الماضي. ومع ذلك، أكد حمو أن القضية الكردية في سوريا لم تنتهِ، وأن الحقوق التي حصل عليها الأكراد، رغم كونها بموجب مرسوم رئاسي وليس مادة دستورية، كانت ممكنة بفضل وجود قسد كقوة عسكرية. وأوضح أن الأكراد الذين انسحبوا إلى مناطقهم يظلون جزءًا من المعادلة الوطنية السورية، ما يتيح لهم نيل بقية حقوقهم ضمن إطار وطني جامع. وختم بالقول إن وجود قسد على الأرض أعاد القضية الكردية إلى الواجهة، وإن جاءت نهاياتها على غير ما يشتهي بعض الأكراد، بينما قد تدرك واشنطن خطأها التاريخي في فك الشراكة معهم، إذا استمرت داعش بالاستفادة من تغييبهم عن المشهد الميداني السوري المعقد.

ايلاف

—————————————

 رواية أميركية جديدة لفرار عناصر “داعش” من الشدادي

الثلاثاء 2026/01/20

غطّت وسائل الإعلام الأميركية واقعة فرار عناصر متهمين بالانتماء لتنظيم “داعش” من سجن الشدادي في محافظة الحسكة، بلغة متباينة تراوحت بين التحفظ في السرد وتضارب الأرقام وتجنّب التوصيف السياسي المباشر، مع بروز تغطية قناة “فوكس نيوز” بوصفها الرواية الأكثر تفصيلاً والأقرب إلى سردية الإدارة الأميركية، إذ اعتمدت على مصادر قالت إنها حكومية.

“فوكس نيوز”

وقدمت شبكة “فوكس نيوز”، القريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سردية مختلفة عن وسائل الاعلام الأميركية، اعتمدت فيها على “مسؤولين أميركيين ومصادر حكومية”، وأدرجت تحت بند تقرير خاص، لا نقلاً عن وكالات.

ووفقاً لما نشرته القناة، فإن سجن الشدادي كان يضم في السابق أقل من 1000 محتجز، وانخفض عددهم إلى نحو 200 وقت عملية التسليم، قبل أن يقدم سكان محليون على كسر بواباته وإخراج السجناء، من دون أن توجه القناة أي اتهام صريح للحكومة السورية أو لقوات سوريا الديموقراطية.

والأهم في هذه الرواية، أن الولايات المتحدة كانت قد نسقت مع “قسد” قبل توقيع الاتفاق على نقل الأخطر من المقاتلين الأجانب إلى مراكز احتجاز أكثر تحصيناً، ما يعني أن من تبقى في سجن الشدادي هم عناصر محليون “منخفضو المستوى”، وبهذا جرى نزع الصفة الدولية عن الواقعة، وحصرها في إطار تداعيات محلية لعملية تسليم غير منضبطة، مما سمح للرواية الأميركية الرسمية بالتموضع على مسافة واحدة من أطراف النزاع من دون تحميل أحدهما مسؤولية مباشرة.

“أسوشييتد برس”

ونشرت وكالة “أسوشيتد برس” تغطية مختصرة، أعادت صحيفة “واشنطن بوست” نشرها حرفياً، وتجنبت تحديد عدد السجناء الذين فروا، مكتفية بالإشارة إلى بعض المحتجزين الذين تمكنوا من الإفلات “وسط الفوضى”، وركزت في المقابل على تفكك الاتفاق الأمني بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، وعلى فشل الضبط الميداني في أعقاب ما وصفته بتفاهم هشّ، وبدت التغطية حريصة على وضع الحادثة في إطار أوسع لا يتضمن توجيه اتهامات لأي طرف.

في المقابل، اختارت وكالة “رويترز” نهجاً عددياً أكثر وضوحاً لكنه متناقض المصادر، فنقلت عن وزارة الداخلية السورية تقديرها لعدد الفارين من السجن بـ120 شخصاً، بينما نسبت لموقع “روداو” تصريحاً الى متحدث باسم “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) تحدث فيه عن فرار نحو 1500 شخص، قبل أن تعود لنقل أرقام تقول إن السلطات أعادت توقيف 81 منهم، وتجسّد هذه الرواية طبيعة الاختلافات بين روايتي الحكومة و”قسد”، بل وقدمت الأرقام المتضاربة على قدم المساواة من دون تحليل لمساراتها.

مدنيون فتحوا أبواب السجن

في سياق التبرير ذاته، يرى مراقبون أن من قام بفتح السجن هم مدنيون يحتمل أن يكونوا من أقارب السجناء، مستفيدين من لحظة الانهيار الأمني خلال انسحاب قسد، ما يعفي الطرفين العسكريين من تهمة الإفراج العمد أو التقصير الممنهج وهي الرواية الوحيدة حتى الآن التي ذهبت إلى هذا المستوى من تحديد الفاعل ومسؤولية الفوضى وإن بشكل غير قاطع.

وبينما توزعت التغطية الأميركية بين ضبط الأرقام وتخفيف وقع الحدث وتوسيع السياق السياسي، بقي القاسم المشترك هو تجنب تحميل أي طرف مسؤولية مباشرة عن فتح السجون، وهو ما يجعل من حادثة الشدادي، كما عكستها الصحافة الأميركية، ملفاً عالقاً بين روايات أمنية متضاربة وأسئلة قانونية وحقوقية لم تجد بعد طريقها إلى التحقيق المستقل.

——————————–

 إنهاء “قسد” واعتماد المسار السوري: النموذج الذي يراد للبنان؟/ منير الربيع

الأربعاء 2026/01/21

“دور قسد انتهى”. هي إحدى الجمل التي أطلقها المبعوث الأميركي توم باراك، والتي تحمل أبعاداً كثيرة. يمكنها أن تشكل خلاصة خالصة لكيفية التعاطي الأميركي مع ملفات المنطقة. يُراد لهذا النموذج أن يعمم على دول المنطقة. وكأن هناك من يشير للبنان إلى الاهتداء بالخطوات السورية. موقف باراك يعبّر عن توجه أساسي داخل الإدارة الأميركية، خصوصاً عندما يتحدث عن رفض منطق الانفصال أو الفيدرالية أو التقسيم، وهو في السابق كان قد صرّح بأن نموذج الفيدرالية في منطقة المشرق العربي لم ينجح، لذلك ركز على دمج قوات سوريا الديمقراطية بالجيش السوري والوصول إلى تفاهمات.

حديقة خلفية لواشنطن

ما جرى في سوريا يُراد له أن يسري على لبنان، سواء بما يتعلق بملف السلاح، أو بالتفاهم مع الأميركيين، أو بالوصول إلى اتفاق أو ترتيبات معينة مع إسرائيل. بمعنىً أوضح، فإن الولايات المتحدة الأميركية تريد لمنطقة الشرق الأوسط أن تكون حديقة خلفية لها، بغض النظر إن حصل ذلك عبر تحالفات موضعية مع جماعات وقوى محلية، أو في حال تغيرت الأحوال وأصبحت علاقتها المباشرة وسيطرتها الكاملة قائمة من خلال العلاقات مع الدول، كما حصل في سوريا التي أصبحت لديها علاقات جيدة مع أميركا، وتُحتسب ضمن الفلك الأميركي. وبناء على هذا الاتفاق، تمنح أميركا سوريا الدعم السياسي لتثبيت الحكم أو السلطة، وتعزيز وضعيتها الداخلية والخارجية، مع السيطرة على أرض الموارد والثروات التي ستكون في النهاية على المسار الأميركي نفسه، طالما الأهداف الاستراتيجية الأميركية تتحقق من خلال الدولة، وهذا ما حصل في سوريا بالتحديد.

انتفاء الحاجة إلى الفرع

كانت واشنطن تراهن على قوات سوريا الديمقراطية لمحاربة داعش، والسيطرة على السجون، إضافة إلى التمركز في نقاط استراتيجية في سوريا والسيطرة على حقول النفط والزراعات الأساسية. بعد سقوط نظام الأسد، ووصول الرئيس أحمد الشرع، وبناء علاقة ممتازة مع الأميركيين، أصبحت المصالح الأميركية مضمونة. وما تضمنه “المركزية” تنتفي الحاجة فيه للفرع أو الحالة الانفصالية غير المستقرة. وعليه، أصبحت سوريا من الدول الحليفة في تحالف محاربة الإرهاب، ولا سيما تنظيم داعش. كما أن دمشق تتفاهم مع واشنطن على كيفية إدارة كل ملف النفط الذي سيكون متاحاً للشركات الأميركية في سبيل الاستثمار به، ما يعني الانخراط في المشروع الاستراتيجي الأميركي لتصور المنطقة. والنقطة الأبرز تبقى في مسار العلاقة مع إسرائيل، والتي دخلت سوريا في مفاوضات مباشرة معها على مستوى وزاري عال، تمهيداً للوصول إلى اتفاق ترتيبات أمنية، وربما الوصول لاحقاً إلى اتفاق سلام. وهذا أكثر ما تفضله واشنطن: التعاطي مع طرف واحد قوي. وهو وصف أطلقه ترامب على أحمد الشرع المتفاهِم مع أميركا وأهدافها.

نصائح للبنان

باراك، وغيره من المسؤولين الأميركيين مرّروا رسائل كثيرة للمسؤولين اللبنانيين بضرورة الالتفات لما تقوم به سوريا وتسريع الخطى بالاتجاه نفسه. حالياً، وصل لبنان إلى نقطة مفصلية في ضوء تعطيل مسار الميكانيزم، وسعي إسرائيل إلى رفع مستوى التفاوض والانتقال إلى مستوى وزاري. بحسب المعلومات، فإن عدم تحديد موعد لاجتماع الميكانيزم يرتبط بأسباب عديدة، أبرزها أنه يبقى محصوراً بالجانب التقني، بينما تل أبيب تريد مفاوضات سياسية وديبلوماسية وحول التعاون الاقتصادي. وهنا يُنصح لبنان بخيارات عديدة أبرزها:

*القبول برفع مستوى التمثيل التفاوضي نحو المستوى الوزاري، أو اعتماد نموذج سوريا.

*اختيار مكان آخر للتفاوض خارج مقر الأمم المتحدة في الناقورة، وربما البحث عن دولة ثالثة تجري فيها المفاوضات.

*أن لا يتم حصر المفاوضات بالجانب العسكري أو التقني وتوسيعها للإطار السياسي والاقتصادي.

اتفاق مع إسرائيل

المطلوب أميركياً وإسرائيلياً، هو موقف لبناني علني يلتزم بالوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، بغض النظر عن تسمية هذا الاتفاق، والذي يفترض أن تكون له شروط، أبرزها سحب السلاح بشكل كامل وحصره بيد الدولة، تماماً كما هو العنوان الذي رفعته واشنطن في سوريا، وعبّر عنه توم باراك بوضوح، عندما قال إنه يجب دمج قسد بالجيش السوري، بالإضافة إلى انهاء الحالة الفصائلية. ومن بين الشروط أيضاً الدخول في مفاوضات حول ترسيم الحدود والمنطقة الاقتصادية وغيرها، بينما لبنان يتمسك بضرورة إعادة إعمار الجنوب وعودة السكان.

إحياء لجنة نيسان 1996

سوريا تطالب إسرائيل بالعودة إلى اتفاق 1974. في لبنان، ربما المخرج الوحيد يكون بالعودة إلى هدنة العام 1949، وهي الاتفاقية الوحيدة التي أقرتها السلطات اللبنانية الثلاث بما فيها مجلس النواب. بحسب بعض المسؤولين داخل لبنان وخارجه، فإن هذه الاتفاقية لا تزال صالحة، خصوصاً على أعتاب انتهاء عمل قوات الطوارئ الدولية اليونيفيل، ومغادرتها لبنان، بينما يفترض العمل على إعادة إحياء لجنة مراقبة الهدنة بين لبنان وإسرائيل، في مقابل تجديد فكرة إحياء لجنة مراقبة تفاهم نيسان 1996، في موازاة سعي الأوروبيين لتشكيل قوة أوروبية ونشرها في الجنوب. لكن الأميركيين والإسرائيليين يعتبرون أنه في حال تم الوصول إلى اتفاق، لن تعود هناك حاجة إلى وجود أي قوة خارجية.

فكرة باراك

قبل فترة، صرح باراك قائلاً إنه لا يجب للجيش اللبناني أن يتسلح لقتال إسرائيل، وهو موقف ترجمه كثيرون بأن المطلوب من الجيش هو مواجهة حزب الله وسحب سلاحه. وربما فكر الإسرائيليون بهذا الأمر كثيراً، لكن لبنان لا يمكن أن يقبل بذلك أو يتورط به. وهنا تختلف تماماً التجربة اللبنانية عن التجربة السورية التي واجه فيها الجيش السوري بعمليات عسكرية قوات سوريا الديمقراطية من ريف حلب الشرقي، إلى الرقة ودير الزور وصولاً إلى الحسكة، لأجل فرض وقائع عسكرية من شأنها أن تخدم الوجهة التفاوضية التي أرادتها دمشق لدفع قسد إلى القبول بالشروط المعروضة عليها.

اختلاف لبنان وسوريا

في لبنان، لا يمكن وضع الجيش بمواجهة حزب الله، فهذا ينذر بانفجار كبير. كما أن موازين القوى الداخلية مختلفة جداً. من هنا، تبرز الأفكار العديدة التي تطرحها جهات خارجية حول كيفية تحقيق مسألة الاندماج أو ابتكار صيغة التسوية، وهي الصيغة التي يفترض فيها أن يتم العمل على حصر السلاح بيد الدولة كاملاً، واقتناع حزب الله بهذه الفكرة والعمل على تحقيقها، بناء على تسوية سياسية شاملة. في السياق، هناك من يعود إلى استعراض عروض كثيرة طرحت من قبل على الحزب وتحديداً منذ حرب الاسناد، عندما عُرض عليه تعزيز وضعيته السياسية وانتخاب حليفه رئيساً للجمهورية مع مزايا أخرى، مقابل وقف الحرب، لكنه رفض. بعدها جاءت عروض كثيرة لتسليم السلاح والدخول في حوار جدي حول التركيبة أو الصيغة السياسية، وهذا لا يزال متعثراً حتى الآن. لكن هذه الأفكار لا تزال مطروحة لأجل تجنب المزيد من الحرب أو التصعيد الإسرائيلي ولمنع حصول صدام داخلي.

المدن

——————–

بعد تسلم مراكز احتجاز تنظيم “الدولة”.. ثلاثة مستويات للسجون في سوريا

دمشق: يمثل انتقال مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والمخيمات الأمنية في سوريا من سلطة التشكيلات المحلية إلى عهدة الحكومة تحولا جذريا في إدارة أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية في البلاد.

ومن شأن هذه الخطوة أن تُنهي حقبة الشرعية المجزأة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، وتضع حدا لمخاطر تحول هذه المراكز إلى بؤر لتوليد الإرهاب العابر للحدود، ما يهدد الاستقرار الإقليمي.

وبرز ملف هذه المراكز مؤخرا كواحد من أعقد الملفات التفاوضية، خاصة مع محاولات تنظيم “قسد” استخدامه “ورقة ضغط” سياسية وأمنية في حواراته مع الحكومة السورية والقوى الدولية، عبر التلويح بخطر انفلات آلاف الإرهابيين.

تحول قانوني

إلا أن التفاهمات الأخيرة ستعيد ترتيب المشهد القانوني عبر تحرير هذه الملفات من توصيفها كـ”رهائن سياسية”، ونقلها إلى عهدة الدولة السورية التي ستتولى تحويلها إلى مسار قضائي أصولي تحت إشراف وزارة العدل.

وتشمل الخارطة الجديدة للمنظومة العقابية السورية ثلاثة مستويات متكاملة، تبدأ بـ”السجون المركزية الرسمية” التي تديرها وزارة الداخلية، وتعد الركيزة الأساسية للنظام القضائي.

المستوى الأول: السجون المركزية

تضم هذه القائمة سجن عدرا المركزي بدمشق (العاصمة)، وسجن حلب المركزي (شمال)، بالإضافة إلى السجون المركزية في محافظات حمص (وسط)، وحماة (وسط)، واللاذقية (الساحل)، وطرطوس (الساحل)، والسويداء (جنوب)، ودرعا (جنوب).

هذه المنشآت تخضع بالكامل للمعايير القانونية الوطنية، وشهدت مؤخرا تحديثات إدارية واسعة لضمان مواءمتها مع متطلبات حقوق الإنسان وتفعيل برامج الإصلاح والتأهيل للنزلاء، بعيدا عن صراعات النفوذ العسكري.

المستوى الثاني: مراكز الاحتجاز

أما المستوى الثاني، فيضم مراكز الاحتجاز التي كانت توصف بـ”الاستثنائية” في مناطق شرق نهر الفرات.

وتتأهب الدولة لاستلام وإدارة شبكة من السجون الاستراتيجية التي كانت تمثل عصب قوة تنظيم “قسد” (واجهة تنظيم واي بي جي في سوريا) التفاوضية.

ويتصدر القائمة سجن الصناعة (غويران) في الحسكة (شمال شرق)، وسجن الرقة المركزي (الصوامع)، وسجن الطبقة (سجن عايد)، بالإضافة إلى سجون “سيني” بالشدادي و”علايا” بالقامشلي و”الكسرة” بدير الزور.

ومع إحالة هذه المواقع للسيادة المركزية تنتهي محاولات توظيفها سياسيا، ويسمح للدولة بتدقيق ملفات آلاف المقاتلين الأجانب والمحليين، وفقا لقانون مكافحة الإرهاب السوري والاتفاقيات الدولية.

المستوى الثالث: المخيمات الأمنية

وهو الأكثر تعقيدا، ويتمثل في “المعسكرات المفتوحة” أو “المخيمات الأمنية”، وعلى رأسها مخيمي “الهول” و”روج” بريف الحسكة.

وتعتمد رؤية دمشق لعام 2026 على تحويل هذه المخيمات من “أدوات للمساومة الدولية” إلى مراكز فرز ومعالجة قانونية، تهدف إلى تسريع وتيرة “المصالحات الوطنية” للسوريين والضغط على المجتمع الدولي لاستعادة الرعايا الأجانب.

وبإتمام هذا الدمج، تستكمل سوريا بناء منظومة أمنية وقضائية موحدة تنهي كافة أشكال الاحتجاز خارج إطار الدولة، وتضمن عدم استخدام قضية الإرهابيين والمحتجزين وسيلة لابتزاز السيادة الوطنية أو زعزعة الأمن الإقليمي.

وأعلنت رئاسة الجمهورية السورية، الثلاثاء، عن توصل الحكومة وتنظيم “قسد” إلى “تفاهم مشترك” يضع آليات دمج عسكرية وإدارية وسياسية واسعة النطاق بدأ تنفيذ بنوده الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي من مساء ذات اليوم.

تفاهمات ودمج

وكشفت الرئاسة السورية عن توافق الطرفين على “دمج جميع القوات العسكرية والأمنية” التابعة لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين مع استمرار المشاورات حول التفاصيل الفنية لهذا الدمج.

ومساء 18 يناير/ كانون الثاني الجاري، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع “قسد” وإدماج عناصره بالحكومة.

ومن أبرز بنود الاتفاق دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم الدولة “داعش” بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الأخيرة المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل.

وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري قبل أيام، استعاد من خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات “قسد” المتكررة لاتفاقاته الموقعة مع الحكومة قبل 10 أشهر وتنصله من تطبيق بنودها.

وسبق أن تنصل “قسد” من تنفيذ اتفاق مارس/ آذار 2025 مع الحكومة السورية، الذي ينص على احترام المكون الكردي ضمن حقوق متساوية لجميع مكونات الشعب، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.

وتبذل إدارة الشرع جهودا مكثفة لضبط الأمن وبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.

(الأناضول)

——————————————

ميدل إيست آي: باراك انتقد محاولات عبدي جر إسرائيل للحرب في سوريا وأمريكا تخلت في شهر عن مشروع رعته عقدا

نشر موقع “ميدل إيست آي” تقريرا أعده فيصل عيدروس، قال فيه إن المبعوث الأمريكي لسوريا، توم باراك انتقد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، ومحاولاته جر إسرائيل للتدخل في شؤون سوريا.

وجاءت انتقادات باراك وهو سفير الولايات المتحدة في أنقرة، أثناء لقاء مغلق قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ووصفت مصادر مطلعة لموقع “ميدل إيست آي” اللقاء بأنه كان متوترا. وقال دبلوماسيان إن اللقاء عقد في أربيل وحضره الزعيم الكردي مسعود بارزاني، في وقت كانت فيه القوات السورية تتقدم بالمناطق التي تسيطر عليها “قسد” منذ انهيار تنظيم الدولة الإسلامية.

وقالت المصادر إن باراك انتقد بحدة عبدي لأنه أخّر تنفيذ خطة دمج قوات “قسد” في الجيش السوري والتي تم التوافق عليها في آذار/مارس 2025، وقضت بدمج هذه القوات مع نهاية ذلك العام. واتهم المبعوث الأمريكي، الذي يدعو للحفاظ على وحدة سوريا، قائد قسد بـ”المماطلة، وعدم تنفيذ الاتفاق مع الحكومة السورية والاعتماد على قوى أجنبية”، وفقا للمصادر.

وأفادت المصادر أن باراك قال لعبدي: “أنت تحاول جر إسرائيل إلى الصراع، وهذا لن يحدث”، محذرا من أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى الدمار وتهدد بتوتر العلاقات بين اثنين من أهم حلفاء واشنطن الإقليميين، تركيا وإسرائيل.

واعترفت شخصيات بارزة في “قسد” علنا بالتواصل مع مسؤولين إسرائيليين، وأبدت انفتاحها على تلقي الدعم من أي جهة خارجية قادرة على حماية المجتمعات الكردية ومكتسباتها السياسية. وقالت إلهام أحمد، وهي مسؤولة رفيعة في “قسد” للصحافيين يوم الثلاثاء: “هناك شخصيات معينة من جانب الدولة الإسرائيلية تتواصل معنا، وإذا أفضت هذه المحادثات إلى تقديم الدعم، فسنكون منفتحين على تلقيه، من أي جهة”.

وأبلغ باراك عبدي خلال الاجتماع بأنه ما يزال يتعامل مع سوريا وكأن بشار الأسد لا يزال في السلطة، رغم انهيار النظام السابق وظهور واقع سياسي جديد. وقال باراك: “ما زلتم تريدون التعامل مع الوضع كما لو كان بشار الأسد يحكم سوريا، هناك تغيير جوهري؛ دمشق شريكتنا اليوم في مكافحة الإرهاب”.

وأفادت المصادر أن بارزاني، الذي كان حاضرا في الاجتماع أيضا، اتخذ موقفا مختلفا خلال المحادثات. وصف السياسي المخضرم، الذي شغل منصب رئيس إقليم كردستان العراق من عام 2005 إلى 2017، اجتماعه الأخير مع الشرع بأنه إيجابي. ومع ذلك، طلب بارزاني أيضا المساعدة في حماية المدنيين الأكراد، وقدم أدلة مصورة موثقة بالفيديو تظهر التهديدات التي تواجه المجتمعات الكردية، وفقا للمصادر.

وأفادت مصادر بأن بارزاني طلب من باراك ترتيب اجتماع متابعة بين الشرع وعبدي لمراجعة اتفاقية آذار/ مارس 2025، وأبلغهما بأنه في حال التوصل إلى اتفاقية جديدة، فسيكون هو “الضامن الجديد”. وأعلنت الحكومة السورية في يوم الأحد، التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار مع “قسد”، حيث سيطر الجيش السوري بشكل شبه كامل على البلاد، وفكك القوات الكردية التي سيطرت على شمال شرق البلاد لأكثر من عقد.

وظلت “قسد” خلال الحرب الأهلية السورية، الحليف الأهم للولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، لكن الحكومة السورية الجديدة اتهمت “قسد” بالتساهل مع الموالين للأسد وأعضاء حزب العمال الكردستاني المحظور. وبعد ساعات من إعلان الحكومة السورية عن الاتفاق، قال عبدي بأن “قسد” قد قبلت الاتفاق الذي ينص على انسحابها من محافظتي الرقة ودير الزور “لوقف إراقة الدماء”.

 وينهي تفكك “قسد” التي دعمتها القوات الأمريكية، ملفا أثار التوتر في العلاقات الأمريكية- التركية. وفي تقرير أعده شون ماثيوز من واشنطن لموقع “ميدل إيست آي” أشار فيه إلى ما قاله الخبراء بأن تفكيك إدارة ترامب السريع لـ”قسد” عقب الهجوم العسكري الذي شنه الرئيس أحمد الشرع، يزيل مصدر التوتر الرئيسي في علاقة الولايات المتحدة مع تركيا، حليفة الناتو.

وقالت غونول تول، مديرة برنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط، لموقع “ميدل إيست آي”: “لقد أدى صعود روجوفا إلى تسميم علاقة تركيا بالولايات المتحدة بشكل كبير”. وأضافت: “الآن، تتفكك روجوفا بمباركة واشنطن. وهذا لا يزيل مصدر توتر رئيسيا في العلاقات الأمريكية التركية فحسب، بل يدعم أيضا جهود أردوغان لترسيخ سلطته”.

وروجوفا هو الاسم الذي يستخدمه الأكراد لوصف المساحة الشاسعة من شمال شرق سوريا التي سيطروا عليها وتعاملوا وكأنها دولة شبه مستقلة حتى هذا الأسبوع.

وقد انهارت محاولة الحكم الذاتي الكردي المدعوم من الولايات المتحدة، والتي بدأت خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية بشكل مذهل في أقل من شهر، حيث شنت القوات الموالية للحكومة المركزية السورية هجوما على “قسد”.

وبدأ القتال في المناطق ذات الأغلبية الكردية في حلب في أوائل كانون الثاني/ يناير. وبعد طرد “قسد” من هناك، استمرت قوات الحكومة في مسيرتها شرقا عبر سوريا، مما أدى إلى سيطرة دمشق على مناطق شاسعة لأول مرة منذ أكثر من عقد، بما في ذلك محافظتي دير الزور والرقة الغنيتين بالنفط.

وجاء في التقرير أن دعم الولايات المتحدة لـ”قسد” في عام 2015 أثناء الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كان نقطة خلافية مع أنقرة التي تعاملت مع التشكيل العسكري باعتباره امتدادا لحزب العمال الكردستاني “بي كي كي” المحظور في تركيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا. وتجري تركيا حاليا محادثات سلام مع الحزب.

وتضم قوات سوريا الديمقراطية قبائل عربية وعددا قليلا من المقاتلين الآشوريين والسريان المسيحيين، لكن الغالبية العظمى من قواتها تنتمي إلى وحدات حماية الشعب الكردية أو “واي بي جي”، وهي الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اشتكى العرب وجماعات أخرى من القمع السياسي الذي تمارسه قسد في المناطق التي تسيطر عليها، وقد غيرت قبائل عربية رئيسية ولاءها مع تقدم قوات الشرع شرقا. ولأكثر من عقد من الزمان، رفضت واشنطن قطع علاقاتها مع الأكراد في سوريا، حيث كانت تعول على مقاتليهم حتى يوم الثلاثاء، للحفاظ على أسرى تنظيم الدولة الإسلامية وعائلاتهم.

وبعد هزيمة ما يسمى بـ”الخلافة” عام 2019، بدأت التساؤلات حول مبررات الولايات المتحدة لاستمرار دعمها لـ”قسد”. وفي ظل الرئيس السوري السابق بشار الأسد، تعامل مع علاقات الولايات المتحدة مع “قسد” كورقة ضغط. ويتمركز حوالي 900 جندي أمريكي في شمال شرق سوريا، وقال المدافعون عن هذه المهمة إن دعم استقلال قوات سوريا الديمقراطية، حرم الأسد وحلفاءه الإيرانيين من الأراضي.

ولم يعد هذا المنطق قويا بعد انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتزامن وصول الشرع إلى دمشق مع تولي دونالد ترامب ولايته الثانية، وقد كان الرئيس متشككا من المهمة الأمريكية في سوريا، إلا أن المسؤولين في الأمن القومي أقنعوه بالحفاظ على القوات هناك.

وقد ألمح ترامب منذ بداية ولايته الثانية، إلى أن سوريا تقع ضمن نطاق النفوذ التركي. وفي تصريح شهير، قال إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قام بـ”استيلاء غير ودي” على سوريا، في إشارة إلى علاقات أنقرة مع هيئة تحرير الشام، الجماعة المسلحة التي قادها الشرع سابقا. وكان قرار ترامب بتعيين صديقه الملياردير توم باراك مبعوثا إلى سوريا، وسفيرا لدى تركيا، بداية عهد جديد في العلاقات بين حليفي الناتو . وسعى باراك، المعروف بميله إلى ارتداء البدلات ذات الياقات المدببة والحديث بإسهاب عن التاريخ العثماني، إلى توحيد جهود أنقرة وواشنطن في المنطقة. وبالنسبة لـ”قسد”، عنى ذلك أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة للتدخل لوقف الهجمات من تركيا أو دمشق.

ونقل الموقع عن روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق، قوله إن إدارة ترامب تفهمت مظاهر قلق تركيا الأمنية أكثر من مناشدات الأكراد. وقال: “تدرك إدارة ترامب أن للأتراك مصلحة أمنية قومية حيوية في سوريا، وهي تحترم ذلك على نحو لم يفعله آخرون في واشنطن”.

وفي يوم الثلاثاء، قال باراك إن الشراكة الأمنية الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية قد “انتهت إلى حد كبير”. ودعم بقوة وقف إطلاق النار الذي يرى المحللون أنه يقضي على أي أثر لاستقلال “قسد”. وفي تنازل كبير تم التوصل إليه قبل أسابيع قليلة، يلزم الاتفاق مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية بالاندماج في الجيش السوري كأفراد، وليس كفرق كردية. ومن بين بنود التوحيد، عدم دخول القوات السورية إلى المدن والبلدات ذات الأغلبية الكردية التي لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تسيطر عليها، مثل القامشلي والحسكة. إلا أن الاتفاق يرفض رفضا قاطعا الدعوات إلى شبه حكم ذاتي أو “نظام فيدرالي” للحكم، والتي أيّدها البعض في واشنطن.

ونقل الموقع عن عمر أوزكيزيلجيك، الباحث غير المقيم في مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلنطي، قوله إن الولايات المتحدة، بتفكيكها لقوات سوريا الديمقراطية، قد “حلت تقريبا، أو حلت تماما نقطة الخلاف الرئيسية” في علاقة حلفاء الناتو. وأضاف أن هذا قد تكون له تداعيات على غزة وأوكرانيا، وهما نزاعان يسعى ترامب فيهما إلى كسب تأييد تركيا. وقال أوزكيزيلجيك: “يبدو أن كل الظروف مواتية. سيكون لهذا تداعيات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وربما خارجه، الولايات المتحدة وتركيا متحالفتان”.

ويرتبط ترامب وأردوغان بعلاقات وثيقة. وقد أشاد الرئيس الأمريكي بنظيره التركي وولي العهد السعودي لإقناعهما برفع العقوبات عن سوريا وضم الشرع إلى النفوذ الأمريكي. ومع ذلك، يقول بعض الخبراء إنه حتى اللحظات الأخيرة، لم يكن بإمكان تركيا الاعتماد على دعم ترامب الكامل لدمشق ضد قوات سوريا الديمقراطية.

وشن السناتور الأمريكي ليندزي غراهام، وهو حليف رئيسي لترامب، هجوما لاذعا على الشرع عندما شنت قواته هجوما على قوات سوريا الديمقراطية. وهدد بالدعوة إلى إعادة فرض العقوبات على دمشق. وكتب غراهام على موقع “إكس”: “إذا واصلت قوات الحكومة السورية تقدمها شمالاً باتجاه الرقة، فسأضغط لإعادة فرض عقوبات قانون قيصر بشكل مشدد”. وأضاف: “إذا كنتم ترغبون في صراع مع مجلس الشيوخ الأمريكي وإلحاق ضرر دائم بالعلاقات الأمريكية السورية، فاستمروا في مسعاكم”.

وجاءت تصريحات غراهام الحادة خلال زيارة لإسرائيل. وتسعى الولايات المتحدة لاحتواء التوترات بين حليفيها في سوريا. وقد ضغطت على كليهما العام الماضي لفتح خط فاصل لتجنب الاشتباك، وفقًا لما كشفه موقع “ميدل إيست آي”.

وقد استغلت إسرائيل سقوط الأسد لاحتلال منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة في جنوب سوريا، وشنت غارات جوية وصلت إلى العاصمة دمشق خلال الصيف.

واحتلت إسرائيل جبل الشيخ، أعلى قمة في المنطقة. كما سعت، بحسب خبراء، إلى تصوير نفسها كمدافعة عن الأقلية الدرزية في سوريا من خلال دعم الشيخ حكمت سلمان الهجري بالسلاح.

وقالت تول، من معهد الشرق الأوسط، إن إسرائيل بذلت جهودا حثيثة لإظهار قدرتها على دعم الأقليات في سوريا، بما في ذلك الأكراد، ضد دمشق. وأضافت: “لطالما كان السؤال الذي يطرح نفسه على تركيا: إذا شنت دمشق هجوما على الأكراد، فهل ستفعل إسرائيل ما فعلته في السويداء؟”، و”في النهاية، لم تحرك إسرائيل ساكنا، وهو ما سبب ارتياحا كبيرا لأنقرة”.

—————————–

=====================

تحديث 20 كانون الثاني 2026

———————————

لماذا تخلت الولايات المتحدة عن قسد؟/ شعبان عبود

يخطئ من كان يعتقد أن الولايات المتحدة ستدعم الميليشيا الكردية “قسد” على حساب دولة كبيرة وذات نفوذ اقليمي وثاني أكبر قوة في حلف الناتو هي تركيا.

يُخطئ من كان  يظن ّ أن الولايات المتحدة ستدعم ميليشيا ما  على حساب الدولة السورية والاستقرار الإقليمي واتفاقيات إبراهام للسلام في المنطقة.

هل يوجد عاقل يعتقد أنه وبعد انضمام الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش أن هناك أي دور لقسد من الممكن أن تلعبه في هذه الحرب؟

هل هناك عاقل يعتقد أن الولايات المتحدة من الممكن أن تُغضب دولاً حليفة لسورية مثل المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر  من أجل ميليشيا قسد؟

هل هناك عاقل يعتقد أنه يمكن للولايات المتحدة أن تتجاهل كل هذا الإجماع العربي والاقليمي والدولي على “وحدة وسيادة الدولة السورية على كل أراضيها”؟

هل هناك عاقل يعتقد أن الرئيس دونالد ترامب الذي يحارب العالم كله من أجل ملأ الخزينة الأمريكية وتجفيف النفقات سيستمر بدفع 130 مليون دولار سنويا لهذه الميليشيا مقابل لا شيء؟

هل يوجد عاقل في  الدنيا لا يستطيع التمييز بين “الشركاء” المؤقتين   الذين خُلقوا لتنفيذ أدوار محددة،  وبين الشركاء الاستراتيجيين  الدائمين الثابتين للولايات المتحدة في المنطقة؟

هل يمكن تجاهل “الكيمياء ” الخاصة بين ترامب وأردوغان، أو “غزل” ترامب المستمر بالرئيس أحمد الشرع، وغياب مثل هذه الكيمياء بينه وبين “الأكراد”، لا بل انتقاده لهم بين الفينة والأخرى، واعتباره أن حزب العمال الكردستاني تنظيماً ارهابيا أكثر خطراً من داعش!!

هل هناك من يعتقد أنه يمكن نهوض وإعادة إعمار سوريا بدون سيطرتها على ثرواتها النفطية وغير النفطية ، وهل  هناك من يعتقد أنه يمكن الاستثمار في سوريا بدون حسم ملف قسد وإنهاء سيطرتها على تلك الثروات؟

نهاية تنظيم قسد كانت متوقعة، كانت مسألة وقت فقط، ولم تكن تحتاج إلا إلى سيناريو ما حتى لا  تُحرج الولايات المتحدة وتظهر بمظهر من يتخلى عن “شركائه”. السيناريو المفضل لديها كان من خلال المفاوضات واتفاق العاشر من آذار، لكن حين راوغت قسد، حين راهنت على الوقت وعلى  حروب وفوضى داخلية تُحدثها هذه المجموعة أو تلك،  سواء في الغرب أو الجنوب، كان لا بد من سيناريو آخر، كان لا بد من السيناريو العسكري، وهذا حصل بضوء أميركي أخضر وساطع..

————————————-

 اللحظة الأخيرة لـ”قسد”: تفاصيل الانهيار المتسارع لقوات مظلوم عبدي خلال 24 ساعة شرق سوريا

عربي بوست

2026/01/20

لم يكن اتفاق “الاندماج” الذي وُقّع في 18 يناير/ كانون الثاني 2026 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي تتويجًا لمسار تفاوضي طويل، بقدر ما كان إعلانًا متأخرًا عن واقعٍ ميداني تغيّر بسرعة غير مسبوقة في شرق الفرات. خلال أقل من 24 ساعة، أُغلقت واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية تعقيدًا في سوريا أبوابها على نحو مفاجئ.

بحسب مصادر دبلوماسية وعسكرية تحدثت إلى “عربي بوست”، فإن الاتفاق كان خيارًا اضطراريًا فُرض بفعل انهيار متسارع طال البنية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية لـ”قسد”، بعد سلسلة خسائر ميدانية وضغوط عشائرية وانسحابات داخلية لم تستطع القيادة احتواءها. ومع فقدان السيطرة على النفط والسدود، وتفكك الغطاء العشائري، تحوّل الاتفاق من ورقة سياسية إلى مخرج أخير.

هذا التقرير يرصد، استنادًا إلى مصادر ميدانية ودبلوماسية متقاطعة، كيف انتقلت “قسد” من موقع الشريك الإجباري في شرق الفرات إلى لحظة القبول باتفاق اندماج كامل، وما الذي جرى فعليًا في الساعات التي سبقت التوقيع، ولماذا يرى مراقبون أن ما حدث لا يمثل مجرد تحول عسكري، بل نهاية مسار سياسي بُني على توازنات لم تعد قائمة.

من دير حافر إلى الطبقة: تسلسل ميداني محسوب

تفيد مصادر عسكرية سورية لـ”عربي بوست” بأن العمليات بدأت مع دخول وحدات من الجيش السوري إلى دير حافر ومسكنة شرق حلب، قبل أن تتوسع باتجاه مناطق غرب الفرات، وصولاً إلى مدينة الطبقة وسد الفرات، في مسار اعتُبر تمهيدًا مباشرًا للضغط على الرقة وريفها.

وبالتوازي، شنّت مجموعات من العشائر العربية هجمات منسّقة على مواقع “قسد” وعناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في دير الزور والحسكة، مستفيدة من حالة الارتباك الداخلي وضعف التنسيق بين قيادات التنظيم، ما أدى إلى انهيار سريع في خطوط الدفاع وسقوط مناطق واسعة خلال ساعات.

وتشير المصادر إلى أن هذا التقدم لم يواجه مقاومة جدية، نتيجة الانسحابات المتتالية لعناصر “قسد”، وعجز القيادة عن إعادة تجميع الوحدات المنتشرة على جبهات متباعدة، بالتوازي مع قرار سوري واضح بحسم الملف وعدم تركه رهينة عامل الوقت.

السيطرة على الموارد الاستراتيجية شرق الفرات

وفقاً لمصادر عسكرية سورية، شكّلت السيطرة على الموارد الاستراتيجية أحد الأهداف المركزية للعملية. فقد تمكن الجيش السوري، بمساندة عشائرية مباشرة، من السيطرة على مدينة الطبقة وسد الفرات، إضافة إلى قواعد جوية ومواقع عسكرية وحقول نفط وغاز تُعد من الأهم في البلاد.

وتشمل هذه الحقول حقل العمر، الأكبر في سوريا، إلى جانب كونيكو والجفرة والتنك وصفيان و”ثورة”. وتشير تقديرات عسكرية إلى أن الدولة السورية استعادت ما بين 70 و80% من إنتاج النفط والغاز خلال أيام قليلة، مع بقاء خارطة السيطرة متحركة في بعض مناطق الحسكة.

وتوضح المصادر أن فقدان “قسد” لهذه الموارد الحيوية شكّل ضربة قاصمة لبنيتها المالية والإدارية، وأفقدها القدرة على تمويل أجهزتها العسكرية والأمنية والمدنية، أو الاستمرار في إدارة نموذج “الدولة الموازية” الذي قامت عليه الإدارة الذاتية.

العشائر العربية: من الاحتقان إلى الحسم

العامل العشائري كان الحاسم في سرعة الانهيار، تؤكد مصادر حكومية سورية لـ”عربي بوست”. فقد انخرطت قبائل عربية في دير الزور والرقة والبوكمال بشكل مباشر في القتال، مع حرصها هذه المرة على العمل ضمن إطار جامع، لا باسم قبيلة واحدة، لتفادي تفكيك التحرك أو احتوائه عبر وساطات جزئية.

وتشير المصادر إلى أن العشائر السورية لعبت دورًا مزدوجًا في سيطرة الحكومة السورية على المنطقة: عسكرياً عبر الهجمات المباشرة، وسياسياً عبر دعوة أبنائها للانشقاق عن “قسد”، في خطاب تماهى بشكل واضح مع خطاب الدولة السورية حول وحدة البلاد ورفض السلاح خارج مؤسساتها.

بحسب المصادر ذاتها، فإن هذه الانتفاضة تختلف عن محطات سابقة بقيت محدودة زمنياً، إذ جاءت هذه المرة على وقع تغيّر فعلي في موازين القوى، وتراجع الغطاء الدولي الذي كانت تعتمد عليه “قسد” لاحتواء أي تمرّد محلي.

استمالة العشائر: مستشار الشرع على الخط

أكدت مصادر حكومية سورية لـ”عربي بوست” أن القيادة السورية فضّلت منذ بداية التصعيد اعتماد مسار تفكيك تدريجي للمسار الفصائلي الكردي سياسياً وعشائرياً، بدلاً من خوض معركة عسكرية مفتوحة في شمال وشرق البلاد، كانت ستُخلّف خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتفتح الباب أمام تعقيدات إقليمية ودولية إضافية.

ووفق هذه المصادر، يتمثل الهدف غير المُعلن للرئيس أحمد الشرع في إنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، مع السعي في الوقت نفسه إلى دمج ما تبقى من “قسد” ضمن بنية الدولة السورية الجديدة، بما يضمن تمثيل المكوّن الكردي داخل المؤسسات العسكرية والمدنية الرسمية، من دون الإبقاء على أي كيان مسلح مستقل أو إطار أمني موازٍ.

وتكشف معلومات محدثة حصل عليها “عربي بوست” من مصدر عسكري سوري أن إخراج مقاتلي “قسد” من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لم يكن نتيجة ضغط عسكري مباشر فقط، بل جاء ثمرة مسار تنسيقي داخلي بدأ قبل نحو شهر، وشمل قنوات تواصل مع عناصر عشائرية فاعلة داخل الحيين.

وبحسب المصدر الذي تحدث لـ”عربي بوست” شريطة عدم ذكر اسمه، لعبت مجموعات من أبناء عشيرة البكارة، المرتبطة بـ”قسد” منذ عام 2012، دورًا محوريًا في تمرير هذه المرحلة وتحييد جزء من القوة المقاتلة، ما سهّل انسحاب التنظيم من دون معركة واسعة داخل الأحياء المكتظة.

وتشير المصادر إلى أن عدداً من هؤلاء العناصر انتقلوا لاحقاً إلى دمشق، وتحديداً إلى منطقة المرجة، حيث جرى التعامل معهم ضمن مسار تسويات فردية وتدقيق أمني، تحت إشراف مباشر من جهاز الأمن الداخلي السوري، في إطار نموذج تعمل القيادة السورية على تعميمه في مناطق أخرى.

كما تؤكد المصادر أن هذا المسار جرى بإشراف مباشر من أبو أحمد زكور، مستشار الرئيس السوري لشؤون العشائر، الذي يدير منذ أشهر شبكة تواصل عشائري ممتدة من ريف حلب الشرقي إلى الرقة ودير الزور، ضمن مشروع أوسع لإعادة ضبط شرق الفرات وتفكيك البنية الاجتماعية والعسكرية التي استندت إليها “قسد”، وإعادة إدماج العشائر العربية والكردية ضمن سلطة الدولة المركزية، بالتوازي مع التطورات الميدانية الأخيرة.

الخسارة الخامسة على التوالي لـ”قسد”

وفق مصادر دبلوماسية عربية، فإن ما جرى يُعد الخسارة العسكرية الخامسة لـ”قسد” منذ عام 2018، لكنها تختلف جذرياً عن سابقاتها. ففي جولات عفرين، وتل أبيض ورأس العين، وتل رفعت ومنبج، ثم الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، نجحت “قسد” في امتصاص الضربات وإعادة التموضع، مع الحفاظ على نواة مشروعها.

أما في جولة 2026، فقد طالت الخسارة القلب الجغرافي والسياسي لما يُعرف بالإدارة الذاتية، وأدّت إلى تفكك بنيتها العسكرية وانهيار صورتها كقوة جامعة متعددة المكونات.

وبحسب مصادر عسكرية سورية، أدّت الانسحابات الجماعية للتشكيلات العربية، وتفكك المجالس العسكرية المحلية في دير الزور والرقة والحسكة، إلى عودة قوات سوريا الديمقراطية عملياً إلى نواتها الأصلية المرتبطة بوحدات حماية الشعب (YPG).

وتشير المصادر إلى أن التنظيم الذي تأسس عام 2015 كمظلّة عسكرية عابرة للهويات لتجاوز الحرج السياسي المرتبط بحزب العمال الكردستاني فقد الغطاء الذي مكّنه من التوسع، وبات يُنظر إليه محلياً كقوة كردية صِرفة تفتقد القاعدة الاجتماعية في معظم مناطق انتشاره السابقة، لا سيما مع تغلغل أيديولوجيا حزب العمال الكردستاني داخل مؤسساته.

الحسكة والشدادي: نقطة اللاعودة

تؤكد معلومات عسكرية سورية أن مناطق الحسكة والشدادي وجبل عبد العزيز شهدت فوضى أمنية غير مسبوقة مع بدء العمليات. ومع تصاعد التمرّد العشائري وانسحاب المقاتلين العرب، لجأت قوات “قسد” إلى إجراءات أمنية مشددة في محاولة أخيرة لضبط المشهد.

غير أن هذه الإجراءات، بحسب المصادر، عمّقت القطيعة النهائية مع المجتمع المحلي، وأسهمت في سقوط ضحايا مدنيين، ما سرّع انهيار ما تبقى من شرعية الإدارة الذاتية، وخلق واقعاً ميدانياً مهّد للقبول باتفاق الاندماج.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر دبلوماسية عربية أن الاتفاق الموقع لا يقوم على تقاسم سلطة أو إدارة مشتركة، بل على شروط اندماج كامل. فمع تفكك البنية متعددة المكونات، بات الدمج يطال أساساً بقايا التشكيلات المرتبطة بـ”قسد”، وبأعداد أقل بكثير مما كانت عليه القوة في ذروتها.

وتشير المصادر إلى أن تنفيذ الاتفاق يعني عملياً حلّ “الإدارة الذاتية” بكل مؤسساتها السياسية والمدنية، من مجلس سوريا الديمقراطية إلى المجالس المحلية والخدمية، وتحويل التجربة إلى مرحلة منتهية، مع الإبقاء فقط على ما سيُكرّس دستورياً من حقوق ثقافية وسياسية للمواطنين السوريين الكرد، إضافة إلى تسويات فردية لبعض القيادات.

نهاية مشروع، لا نهاية صراع

تخلص المصادر العسكرية والدبلوماسية إلى أن ما جرى في شرق سوريا لا يُعد مجرد تحوّل ميداني عابر، بل نهاية مسار سياسي وعسكري بُني على الرهان على القوة والغطاء الدولي، وتجاهل التوازنات الاجتماعية السورية.

وبهذا المعنى، فإن قوات سوريا الديمقراطية، ككيان جامع تأسس عام 2015، انتهت فعلياً. وما تشهده المنطقة اليوم ليس اندماجاً متكافئاً، بل تفككاً تدريجياً انتهى بذوبان النواة المسلحة داخل الدولة السورية، وعودة السيطرة المركزية على واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيداً خلال العقد الأخير.

عربي بوست

——————————————-

هل تم طي صفحة قوات سوريا الديمقراطية؟/ بكر صدقي

تشير التطورات السريعة التي جرت خلال الأسبوع الماضي في سوريا، مرة أخرى، إلى تصميم إدارة دونالد ترامب على مواصلة دعم إدارة الشرع في سوريا. ففي حين كانت التوقعات الأولية تشير إلى توافق أمريكي ـ تركي على إبعاد قوات قسد إلى شرق نهر الفرات، انتهى الأمر إلى إخراجها من كامل محافظتي دير الزور والرقة الواقعتين هناك، إضافة إلى المواقع الواقعة غربي النهر، لتبقى لها فقط محافظة الحسكة. وعمل المبعوث الأمريكي توماس براك بنشاط على خط أربيل ـ دمشق ليصل إلى اتفاق لوقف النار جبّ بمضمونه اتفاق العاشر من آذار 2025، وقع عليه مظلوم عبدي في أربيل وأحمد الشرع في دمشق. كان لافتاً عدم اجتماع الرجلين في العاصمة السورية للتوقيع بصورة مشتركة، كما كان متوقعاً، وقال عبدي، في تصريح مقتضب، إنه سيصل إلى دمشق لاحقاً «لاستكمال» الاتفاق، مضيفاً إنه وافق على الاتفاق «حقناً للدماء» وإنه سيدافع عن «مكتسبات الشعب الكردي» بعدما ظهر في نص الاتفاق أن كل ما يتعلق بالإدارة الذاتية أو اللامركزية الإدارية قد بات شيئاً من الماضي.

الواقع أن هذه التطورات قد كشفت تفاصيل إضافية مما جرى في اجتماع باريس، أوائل الشهر الجاري، بين الوفدين الإسرائيلي والسوري بإشراف أمريكي، ومشاركة غير مباشرة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. بات واضحاً الآن تقاسم النفوذ على الأراضي السورية بين تركيا وإسرائيل، بما يتضمن تغيير خرائط النفوذ في الشمال الشرقي بما يرضي أنقرة، مقابل إقرار الأخيرة بنفوذ إسرائيلي على المنطقة الجنوبية. لا نعرف، إلى الآن، ما الذي ينتظر محافظة السويداء في هذا الإطار، هل تبقى الأمور على حالها وفق اتفاق عمان، أم ستدعم واشنطن إعادة سيطرة سلطة دمشق على المحافظة ولكن من غير تواجد لجيشها كما تصر إسرائيل.

من المحتمل أن قيادة قوات سوريا الديمقراطية لم تقرأ جيداً مدى التحول في الموقف الأمريكي في غير مصلحتها، ولا يمكن استبعاد التفسير القائل بأن سبب ذلك يعود إلى نفوذ قيادة حزب العمال الكردستاني لدى قسد، لحسابات تخص العملية السياسية الجارية بينها وبين الحكومة التركية، وبموجبها حل الحزب نفسه، وكان يعول على تعويض ذلك بالحصول على مكتسبات كبيرة في سوريا، الأمر الذي أدى إلى تلكؤ قيادة قسد في عملية الاندماج وفقاً لاتفاق العاشر من آذار. لم تفهم قيادة قسد التحول الأمريكي إلا بعد سيطرة قوات سلطة دمشق على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، فاستجابت بسرعة في دير حافر ومسكنة، لتفاجأ بعد ذلك بانقلاب قوات العشائر العربية ضدها في الرقة ودير الزور، لتصل إلى الإذعان لاتفاق جديد أعلنه الشرع في دمشق من طرف واحد.

واستبق الشرع هذا الاتفاق بإصدار مرسوم يعترف فيه بالحقوق الثقافية للكرد في سوريا، بما في ذلك اعتبار اللغة الكردية «لغة وطنية»! وعيد النوروز عطلة رسمية. قد يمكن اعتبار مضمون هذا المرسوم إيجابياً بهذا المعنى، لكنه يبقى من نوع «المكرمة» التي يتفضل بها قائد كلي القدرة، ويمكنه أن يتراجع عنها في أي وقت، في حين يتطلع الكرد إلى ضمانات دستورية بهذا الاعتراف لا يمكن التراجع عنها إلا بتغيير الدستور أو تعديله من قبل سلطة تشريعية منتخبة تمثل الشعب بكل فئاته. من هذا المنظور كانت لافتة استقالة نائب وزير الدفاع في حكومة الشرع فهيم عيسى احتجاجاً على ما اعتبره امتيازات خص بها المرسوم المكون الكردي وحده. وهو احتجاج محق بالنظر إلى انتماء الرجل إلى المكون التركماني. ففي سوريا المتنوعة قومياً ودينياً وطائفياً يحتاج الأمر إلى توافقات وطنية تنظم حقوق الأفراد والجماعات وواجباتها، في مؤتمر وطني عام يتمثل فيها كل السوريين. وهي فرصة فوتتها سلطة الشرع حين عقدت ما أسمته «مؤتمر حوار وطني» لم ترض أحداً إلا السلطة نفسها. بل إن الإعلان الدستوري الذي أقرته السلطة لا يمنح الرئيس صلاحية إصدار مرسوم من هذا النوع الذي من الواضح أن إصداره كان بدوافع تكتيكية تهدف إلى الفصل بين الكرد وقوات قسد.

هل سينجح هذا الفصل كما تريد السلطة؟ هذا يتوقف على كيفية تعاطيها مستقبلاً مع مطالب القوى السياسية الكردية من خارج إطار قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي. فثمة عدد كبير من القوى السياسية الكردية، بعضها مؤطر في «المجلس الوطني الكردي» ومعروف أنها تطالب بنظام فيدرالي لكل سوريا، مقابل مطالبة قسد بنظام لامركزي. طبعاً لا تملك هذه الأحزاب السياسية قوة عسكرية تسند مطلبها الفيدرالي، ومن المحتمل، بعد التطورات الأخيرة، أن تتراجع عن هذا المطلب لتكتفي بمطلب الحقوق الثقافية. لكن هذا في طور الاحتمال فقط. فلا يمكن المصادرة من الآن على ما يمكن أن يفرزه الوعي القومي الكردي الذي قد يتجاوز هذه الأحزاب. المغزى أن تحجيم قسد لا يعني انتهاء المسألة الكردية، ولا بالطبع مجرد إصدار مرسوم جمهوري قد يبدو «بالغ السخاء» من منظور سلطة مركزية تعي نفسها كذات عربية سنية، ومنظورها لبناء الدولة شديد الضيق تجاه التنوع المجتمعي القومي والديني والطائفي، يقوم على وجوب خضوع الجميع للسلطة القائمة.

في عودة إلى عنوان المقال، يمكن القول من الآن أن واشنطن التي أشرفت على تحويل «قوات حماية الشعب» الكردية إلى «قوات سوريا الديمقراطية» بضم قوات عربية إليها، في 2015، قد دفعتها الآن إلى التفكك بعد انفصال قوات العشائر عنها، لتعود إلى أصلها كقوات كردية، على تناقض هذا المسار مع ما أراده الشرع من مرسومه بالفصل بين قسد وقاعدته الكردية. غير أن اتفاق وقف إطلاق النار يتضمن حل هذه القوات وانضمامها «بصورة فردية» إلى الجيش التابع لدمشق. من المحتمل أن هذا مسار سينطوي على آلام إضافية في مقبل الأيام.

كاتب سوري

القدس العربي

————————–

“المسألة الكردية” ليس لها أرضية في سوريا/ حسين الشرع

20 يناير 2026

في سوريا التي هي درّة بلاد الشام، والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية بعد معركة مرج دابق شمال حلب 1516، حيث انتصرت الجيوش العثمانية على المماليك الذين كانوا يحكمون بلاد الشام ومصر، وكان شعارهم في ذلك: الفتح الإسلامي وجمع ممالك المسلمين في المنطقة العربية، واستمر ذلك لنحو 400 عام من 1516 إلى 1916 حيث قامت الثورة العربية الكبرى بتحريض واضح من قبل بريطانيا العظمى والقوى الغربية بعد أن اتفق ثلاثة من القناصل لاقتسام بلدان المشرق العربي وخاصةً بلاد الشام والعراق. وسمّيت هذه باتفاقية “سايكس-بيكو” في 1916، وهما سياسيان من فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى القنصل الروسي في زمن الحكم القيصري لروسيا، لكن بعد ثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول في عام 1917، كشف الثوار الروس عن هذه الاتفاقية وخرجوا منها. وقد استمرت مفاعيل هذه الاتفاقية، فكان وعد بلفور المشؤوم في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، ثم الانتداب البريطاني-الفرنسي 1920 على بلاد الشام، ثم تقسيمها بين بريطانيا وفرنسا، وتنفيذها بعد إسقاط الدولة العربية وإخراج الملك فيصل بن الحسين وإنهاء هذه الدولة الوليدة التي كانت تحكم بلاد الشام بأقاليمها الأربعة.

في فترة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الأردن، والوصاية على حكم العراق وتنصيب الملك فيصل بن الحسين ملكاً عليه تحت سلطة الإدارة البريطانية، وتأسيس الأمير عبدالله بن الحسين لمملكة الأردن في شرق النهر.

في فترة الانتداب على سوريا، بدأت الثورات المناطقية (نسبة للمناطق) في جميع الأراضي السورية، وكانت أولى هذه الثورات ثورة الزعيم الوطني السوري إبراهيم هنانو، وهو كردي الأصل، لكنه اندفع بوصفه مواطناً سورياً وعربياً ضد هذا الانتداب، وكان ثواره من منطقة كفر تخاريم وجبل الزاوية من العرب، وانتقلت إلى حلب وريفها. كانت ثورته هذه مشهوداً لها، ولم يقل إنني كردي، بل فعل ذلك وقاد ثورته لأنه سوري ورفاقه عرب، وهو كبيرهم، وكان لهذا المثابر الكبير وهو حقوقي ومتنور، دور هام في الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، وقد حوكم وحُكم عليه بالإعدام، وكان ذلك إيماناً منه بضرورة مقاومة المحتل دفاعاً عن بلده سوريا وأمته العربية.

هل هناك مسألة كردية؟

وإذا كنا بصدد مناقشة المسألة الكردية في سوريا، فهذه لم تكن حاضرة في التكوين السوري أبداً، وكان الكرد في سوريا في المدن السورية والأرياف السورية، موجودين كمواطنين بثقافة عربية ودينهم الإسلام، ولم تثر أية عنفيات قومية لهم، كما يحدثنا التاريخ، لا من قريب ولا من بعيد. وغوصاً في التاريخ، فإن الشخص الذي أثّر في تاريخنا هو البطل صلاح الدين الأيوبي، وهو من سلالة الأسرة الأيوبية، وهي أسرة كردية نشأت في العراق في مدينة تكريت، وهو ربيب الأسرة الزنكية المشهورة وهي عائلة كردية.

ونور الدين الزنكي موحد البلاد الشامية مع البلاد المصرية، ظهر كزعيم عروبي مسلم، وكان قائد المرحلة صلاح الدين الأيوبي الذي وحّد الإمارات العربية المتصارعة، ولما أنجز المهمة قام بتشكيل جيش عربي إسلامي من بلاد الشام والعراق ومصر وأجهزَ على الصليبيين في بلاد الشام، وكانت معركة حطين في فلسطين من بلاد الشام في 4 يوليو/تموز 1187 ميلادية الموافق 25 ربيع الثاني سنة 583 هجرية، وانتصر على الصليبيين ووقّع معهم معاهدة صلح، الأمر الذي أدى، في نهاية المطاف، إلى تحرير بلاد الشام من الصليبيين.

 إذن هذا التداخل بين العرب والكرد أصيل وعميق، ولا يدعو إلى التمييز، تماماً كما حدث في معركة عين جالوت أيضاً في فلسطين التي قادها الملك سيف الدين قطز ضد المغول في 3 سبتمبر/أيلول عام 1260م الموافق 25 رمضان 658 هجرية.

هذا تاريخ لا يمكن نسيانه، أو التفريق فيه بين العرب والآخرين، ذلك أن هذا كان نسيجاً معرفياً وتراثياً ودينياً، لا تفريق فيه ولا دعوات وإثارة مسائل ليست في صلب الأحداث والتوجّهات.

تاريخ مشترك في سوريا

وفي سوريا تاريخياً، كان التاريخ المشترك والشعب المختلط متمازجا ومنصهرا بين كل المكوّنات الكبيرة والصغيرة ومتناهية الصغر، ولو جئت لبلاد الشام والعراق، سوف تجد أن أكثر من خمس عشرة حضارة عاشت ونمت في هذه البلاد، وتركت آثاراً، وأخيراً أوجدت لنا لُحمة وطنية، مستقرة وثابتة وقوية.

ومن يدّعي أن الوطن السوري في مجموعه له مواصفات عرقية يقع في خطأ كبير، لأن التوازن الثقافي والفكري والوطني كله مندمج لا تستطيع أن تفرز هذا عن ذاك، ولم تكن هذه مسألة ذات بال، أو تبحث عن حل، فالكرد والتركمان والآشوريون والآراميون شعبٌ واحدٌ وطني وسوري وعربي، لأن الطابع الأعم والغالب هو الطابع العروبي فكراً وثقافة ومنهجاً وسلوكاً. لذلك وجدت في سوريا عالماً جليلاً هو محمد كرد علي يترأس المجمع اللغوي والاتحاد الفكري العربي، وهو يدعو له ويتبناه، ولم يقل إنه مجمع كردي أو غير ذلك، بل عربي، وقد دعا إلى وحدة الأمة العربية والإسلامية، وكتاباته ومناظراته شاهدة على ذلك.

 ولو تقدمنا قليلاً، لوجدنا- كما أسلفنا- إبراهيم هنانو، لم يكن إلاّ سورياً وعروبياً، والعروبة ليست امتيازاً عنصرياً، ولكنها ثقافة وفكر ولغة، حتى وإن كانوا يتقنون لغات أجنبية أخرى، فمن أتقن الفرنسية لم يكن فرنسياً ومن أتقن العثمانية لم يكن عثمانياً، وكذلك الإنكليزية.

إذن الانتماء للعروبة، ممارسةً وثقافةً وتشرّباً، ينطبق على الكثير من العائلات والعشائر، رغم البحث في الأصول والفروع الذي ظهر أخيراً مع الاستبداد والتفرقة، لكن هؤلاء كانوا من أكثر الناس حماسةً للدولة السورية والعروبة التي هي تاج كل المراحل.

وإذا جئنا للتخصيص هنا، ففي حماة عائلة كبيرة وذات شأن وإقطاعية، اسمها البرازي، ظهر منها من تبوأ مراكز مهمة في التاريخ السوري والتوجهات العروبية.

فقد ترأس سوريا الزعيم حسني الزعيم وهو من أصول كردية، وكان قائداً للجيش السوري بعد الجلاء في أبريل/نيسان 1946، ثم انقلب على الحكومة المنتخبة برئاسة شكري بيك القوتلي، وزج به في السجن وتولى منصب رئيس الجمهورية السورية. وكان رئيس وزرائه السيد محسن البرازي من عشيرة البرازي في حماة، ولم يقولوا نحن كرد، بل قالوا إننا سوريون أصلاً وفصلاً، ويحكمون بلدا عربيا نص دستوره على ما يلي: “الجمهورية السورية، بلد عربي وينتمي للأمة العربية”. وهذه الديباجة موجودة في كل الدساتير السورية من 1920 إلى الآن وتتعامل مع الشعب الذي هو صاحب السيادة، كما نصت كل الدساتير، أي بالمواطنة، بغض النظر عن المذهب والعرق والدين.

وفي سوريا أيضاً تسلّم منصب رئيس أركان الجيش السوري اللواء توفيق نظام الدين، وهو من الجزيرة السورية وكردي، ولكنه كان قائداً عربيا سوريا لجيشٍ عربي سوري، كان ذلك قبل الوحدة المصرية-السورية في فبراير/شباط 1958، واستمر بعدها لفترة محدودة حيث تم استبداله باللواء عفيف البزرة أيضاً، وربما كان من أصول كردية، وأنا أعرف أخاه صلاح الدين البرزة الذي عمل ضابطاً في المكتب الثاني في الجيش السوري، وكان أحد الذين حققوا صفقة الأسلحة التشيكية المعروفة لكلٍ من مصر وسوريا أو ما يسمى “كسر احتكار السلاح”. وفي كل الحكومات السورية المتعاقبة لم يُسأل عن عرق هذا الوزير أو ذاك، وكان من أبرز وزراء الوحدة السورية-المصرية.

شخصيات كردية سورية

الوزير الوحدوي والقومي العربي محمد علي بوظو، وهو من أصول كردية، وكذلك الرياضيون السوريون والعروبيون اللواء فاروق بوظو، وشقيقه المعلق الرياضي الأشهر عدنان بوظو. وأضف إلى ذلك العائلات الأشهر في دمشق، الصالحية، مثل شمدين آغا وأعمر آغا. وكان هؤلاء من العائلات الدمشقية الكردية زعامةً، ومن عائلتنا نحن أم هذين الزعيمين ولا زالت ساحة شمدين آغا في دمشق.

بنود اتفاق اندماج قوات “قسد” بالدولة السورية

وجبل الأكراد في دمشق يضم معظم العائلات ذات الأصول الكردية، ولكنها عروبية وأكثر، ونذكر منهم فضيلة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام في سوريا لأكثر من ثلاثين سنة، والداعية الإسلامي الدكتور محمد رمضان البوطي، وأصله من بوط، لكن نهجه الإسلامي كان عروبياً ويفتخر به، وكذلك آل شيخو الذي ظهر منهم المذيع المقتدر مروان شيخو وأخوه عدنان شيخو. وأتذكر السيد محمد الأيوبي الذي كان وزيراً ورئيساً للوزراء في حكم حافظ الأسد، وعضواً في القيادتين القومية والقطرية لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي”. ولكنه لم يقل أنا كردي، وهناك آخرون لم يقولوا بذلك، لأنهم أنفسهم ينزعون نحو الأمة العربية. ولعلكم تتذكرون الصحافي عرفان نظام الدين وهو من القامشلي، فهل سمعتموه يقول أنا كردي؟

ومن العائلات ذات الأصول الكردية في دمشق، عائلة بكداش ومنها المرحوم خالد بكداش وزوجته وابنه الدكتور عمار بكداش، وهؤلاء من قادة “الحزب الشيوعي السوري” وتوجهاتهم كانت دائماً وأبداً سورية وعروبية. وعائلة حمو ليلي وشمسوا، والزركي، والألوسي، وغيرها، وهؤلاء أصولهم كردية، لكن توجهاتهم دائماً كانت سورية وعروبية، ولا يوجد فرز عملي لمن هو كردي أو تركماني أو شركسي أو أرناؤوطي وآرامي وآشوري وآثوري، فكل ما ذكرت كانت لغتهم العربية وكان انتماؤهم للأمة العربية، وأنا أقول ذلك ليس تعسفاً ولكنها الحقيقة.

الجزيرة

وفي منطقة الجزيرة التي تشمل المحافظات الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، ومعها القامشلي، كان يوجد تجمع للكرد في جبل اسمه كرد طاغ، ونسبتهم مقارنة بتعداد السوريين نحو 3 في المئة. وأكراد “كرد طاغ” لهم آغا. ونظراً لأن القامشلي هذه مدينة يسكنها المسيحيون في الأعم الأغلب، والعرب من الآشوريين والآثوريين وغيرهما، فقد هاجروا في الستينات من القرن الماضي صوب الولايات المتحدة وأوروبا لأسباب اقتصادية، وقد باعوا معظم أملاكهم للكرد القادمين من جنوب تركيا أو من جبل كرد طاغ، فأصبح للكرد وجود في القامشلي وفي الضّيع المنتشرة.

والوجود الكردي في محافظة الحسكة التي تضم القامشلي يشكل نحو 20 في المئة وهم يسكنون في مناطق متناثرة ومتباعدة أهمها عامودة، وعين العرب، والقحطانية، واليعربية، وهم لا يشكلون أرضية للعرق الكردي لتداخله بين العشائر العربية، والمنطقة الوحيدة التي فيها تجمُّع كبير للكرد هي عفرين التابعة لحلب، وقد ظهرت مظلومية الكرد حينما جرى إحصاء 1962، حيث إن من كان حاضراً تم تجنيسه، ومن لم يكن موجوداً جرى استبعاده وتزويده بالورقة الحمراء أو أي شيء باعتباره أجنبياً، وكان رأي الدولة أن معظم هؤلاء مهاجرون من جنوب تركيا، وليسوا سوريين، لكن المزيد منهم هم سوريون كانوا ربما يعملون في محافظات أخرى، ولم يتم تدارك ذلك، وخاصةً عندما استلم حزب “البعث” السلطة في سوريا، وطغت على نظام الحكم ظاهرة التعريب لهذه المناطق، وخفض الوجود الكردي فيها خاصةً وأن الظاهرة الكردية والمسألة الكردية بدأت بالظهور والبروز في تركيا وإيران والعراق.

إيران وتركيا والعراق

في إيران أقيمت دولة كردية في الشمال الغربي من إيران في مدينة مها آباد عام 1946 لفترة قصيرة، واستمرت 11 شهراً، وكانت بدوافع من الاتحاد السوفياتي ثم تم إنهاؤها. ويوجد في إيران نحو 15 مليون كردي، وكذلك في شرق تركيا في بعض المدن والمناطق، وقد أسسوا حزباً مسلحاً هو “حزب العمال الكردستاني” بدعم سوري زمن حافظ الأسد، هو ظاهرة عبدالله أوجلان، كي يُحدث انقساماً في الدولة التركية، وبدأوا قتالا مسلحاً واتخذوا من جبال قنديل الوعرة بين العراق وتركيا منطلقاً لهم منذ نحو خمسين سنة.

وفي العراق، تحرك الزعيم الملا مصطفى بارزاني وكانت قد سبقته ثورة في عام 1931 في زمن الملك غازي ملك العراق، بقيادة أحمد البارزاني، واستمر شقيقه مصطفى البارزاني في التمرد على الدولة العراقية وسُمّيت “الثورة الثانية” عام 1943 وكان هدفها الحصول على الحكم الذاتي، وحركات محمود البرزنجي في السليمانية بين عامي 1919 و1931، وتعاظمت ثورة البارزاني عام 1961 بعد نجاح حركة انقلاب 1958 التي قادها الزعيم عبدالكريم قاسم حيث دعا الملا مصطفى بارزاني الذي شكل “الحزب الديمقراطي الكردستاني” حين كان لاجئاً في الاتحاد السوفياتي منذ عام 1945.

وثورة سبتمبر/أيلول قامت في المنطقة المعروفة بـ”كردستان العراق”، ومنذ 1961 إلى 1991 لم يتحقق لهم أي شيء إلا في تورط صدام حسين في غزو الكويت حيث تم تحقيق نوع من الحكم الذاتي في إقليم كردستان المقسوم بين أربيل والسليمانية بسبب الانقسام بين “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”حزب الاتحاد الوطني الكردستاني” الذي كان يقوده جلال الطالباني، ولا زال الانقسام موجوداً ومتوارثاً، وقد حاول الرئيس مسعود بارزاني تحقيق الاستقلال بعد الاستفتاء منذ سنوات لكن لم يُسمح له.

سوريا و”البعث”

أما في سوريا فلم يحدث مثل ذلك أبداً، وفي زمن “البعث” الذي كان يحكم سوريا تشكلت جملة أحزاب كردية صغيرة متنافرة، لكنها في معظمها ذات انتماء وطني وبعضها ذات توجه ماركسي، إلى أن تم إيجاد تنظيم “الإدارة الذاتية”، وإقامة تنظيم عسكري سمّوه “قسد” اختصاراً لـ”قوات سوريا الديمقراطية”.

وفي زمن الثورة السورية بعد 2011 وجدت بعض القوى الكردية العابرة للحدود أن الوقت جاء لصالحهم، فتم اقتطاع ثلاث محافظات من سوريا واستولوا عليها وشكّلوا قيادة متفرعة من “حزب العمال الكردستاني” التركي، ظناً منهم أنهم يستطيعون أن يقيموا إقليماً كردياً شبيهاً بإقليم كردستان رغم ضآلة عدد السكان ورأي المجتمع الدولي، مستغلين ظاهرة “داعش”، وركوب موجة مقاومة الإرهاب “الداعشي” والاتصال مع الأميركيين والتحالف الدولي، ووضع أمرهم بيد الولايات المتحدة.

لكنّ هذه المحافظات كلها عربية ولا وجود للكرد فيها. في الرقة صفر، في دير الزور صفر. وفي محافظة الحسكة نحو 20 في المئة من السكان هم من الكرد المنتشرين على مساحات غير مترابطة، ولذلك فقد لجأوا لتجنيد العاطلين عن العمل من المكون العربي، فكان أن تم تشكيل قوة مسلحة معظمها من العرب، وقيادتها من جبال قنديل.

وبعد انتصار الثورة السورية أضافوا إليهم بعضاً من قادة فلول النظام مستغلين حالة السيولة التي كانت تعيشها سوريا، لكن في الثورة السورية هذه لم يكن لهم أي دور فيها، فكان لاتحاد الأحزاب الكردية نضال سياسي معروف، وهؤلاء لا يتبنّون مواقف “قسد” ولا يؤيدونها بل هم مؤيدون للوحدة الوطنية السورية والجمهورية العربية السورية، وبدأت “قسد” تمارس ضدهم كل أنواع الجريمة المنظمة وتقتل من يقف في طريقها، وقد اغتالوا القائد الكردي الوطني السوري مشعل تمو وآخرين، واضطروا لتوقيع اتفاق مع الدولة السورية الجديدة في 10 مارس/آذار 2025، وماطلوا في تنفيذه لأن الآمر الناهي قادة جبال قنديل.

لذلك كله لم تكن توجد في سوريا تاريخياً وحالياً ما سمّي “المسألة الكردية”، فهي طارئة وليس لها نصيب من الواقع. فالكرد السوريون منتمون للدولة السورية، وهناك عشائر كردية ولكنها عروبية، لأن العروبة مغزى ومعنى، فكر وثقافة، وليست عنصرية. فقد أقطعت الدولة العثمانية المزيد من الكرد إقطاعيات واسعة من الأراضي السورية، مثل عائلات اليوسف الدمشقية، والألوسي، والزركي، والقره شولي، والبرازي. وكذلك الآغوات في جبل كرد طاغ، ولكن هؤلاء ظلوا عروبيين على مر التاريخ ولم تكن لهم أطماع انفصالية أو عنصرية، فهم سوريون وهم عرب من حيث الانتماء، تظهر منهم الأسماء الكبيرة التي تولت مناصب هامة في الدولة السورية، وفي الأحزاب القومية العربية، مثل “الحزب السوري الاجتماعي” وحزب “البعث” و”حركة القوميين العرب” والأحزاب السورية السابقة مثل “حزب الشعب” و”الحزب الوطني” وأحزاب أخرى، و”الكتلة الوطنية السورية”.

إن سوريا بلد واحد موحد، كما أن ثقافته وفكره عربيان وإسلاميان، ولم يكن أبدا عنصرياً ضد أحد.

المجلة

———————————

 التعددية الوطنية والاعتراف بالحقوق الكردية: نحو مواطنة مدنية وهوية جامعة/ فضل عبد الغني

2026.01.20

يُعدّ سؤال كيفية استيعاب الدول الحديثة للتنوع العرقي واللغوي، مع الحفاظ على التماسك الوطني، من أبرز التحديات المستمرة في النظرية السياسية والتصميم الدستوري؛ ويتمثل جوهر هذا السؤال في توتر مفاهيمي بين نموذجين متنافسين للهوية الوطنية: نموذج يقوم على التجانس العرقي أو اللغوي، وآخر يقوم على تعددية شاملة تُقرّ بأنَّ التنوع عنصرٌ تأسيسي في بناء الأمة. ويكتسب هذا التوتر أهمية خاصة في مجتمعات ما بعد النزاعات، الساعية إلى إعادة بناء المجتمع السياسي بعد فترات من الإقصاء الممنهج.

من القومية الإقصائية إلى المواطنة المدنية التعددية

يمثل الإطار الأيديولوجي للإقصاء القومي العربي، الذي يصوّر الهويات غير العربية بوصفها تهديدًا للتماسك الوطني، ما يُشار إليه في الأدبيات بوصفه نموذجًا لأيديولوجية الدولة التي تُؤسّس الانتماء الوطني على التطابق العرقي واللغوي. وفي ظل هذه النماذج، تُهمَّش الأقليات وتُحصر في خانة “الآخر” الداخلي؛ فيُتسامح مع وجودها في أحسن الأحوال، في حين تُنكر هويتها المتميزة إنكارًا بنيويًا. ويُنتج هذا التصور تناقضًا عميقًا داخل الأطر الدستورية التي قد تُعلن المساواة الشكلية في الوقت نفسه الذي تُعرّف فيه الأمة بمصطلحات إقصائية.

ويقوم البديل المفاهيمي للقومية الإقصائية على نظريات القومية المدنية التي تُرسّخ الهوية الوطنية في المواطنة المشتركة والانتماء السياسي، لا في التجانس العرقي أو اللغوي. ويتجلى هذا التحول في إعادة صياغة الهوية الوطنية بوصفها “موحّدة ومتنوعة”، بما يفيد أنَّ الوحدة لا تتحقق عبر محو الفوارق، بل عبر الاعتراف بالاختلاف ودمجه ضمن إطار سياسي جامع. ووفق هذا المنظور، لا تُعامل هوية الأقليات باعتبارها هامشًا يُسمح به، بل تُفهم بوصفها مكوّنًا أصيلًا من مكوّنات الأمة ذاتها.

ويمثل هذا التحول ما يمكن فهمه بوصفه عقدًا اجتماعيًا جديدًا. فبدلًا من اشتراط الامتثال لهوية عرقية مهيمنة بوصفه شرطًا ضمنيًا للمواطنة، يرتكز التعدد المدني على المساواة في الوضع القانوني والسياسي بغض النظر عن الأصل العرقي. وتكمن أهميته النظرية في إعادة تعريف أسس المجتمع السياسي نفسه، إذ يُعاد تصور القوة الوطنية بوصفها ثمرةً للتنوع، لا نتيجةً للتوحيد القسري.

ويوفّر القانون الدولي لحقوق الإنسان أساسًا معياريًا متينًا لفهم التزامات الدول تجاه الأقليات. وينص حظر الحرمان التعسفي من الجنسية، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنَّ لكل فرد الحق في جنسية، وأنَّه لا يجوز حرمان أي شخص منها تعسفًا. ولا يقتصر أثر هذا المبدأ على الضمانات الإجرائية، بل يمتد ليشكّل قيدًا جوهريًا على سلطة الدولة التقديرية في تنظيم الجنسية وتحديد آثارها.

ويُرسّخ إطار حقوق لغات الأقليات في التعليم، كما صاغته اليونسكو وتدعم ملامحه صكوك متعددة من منظومة حقوق الإنسان، أنَّ تحقيق تعليم فعّال للأقليات اللغوية يستلزم اعتماد اللغة الأم، ولا سيما في السنوات التأسيسية. وتُظهر الأبحاث المقارنة أنَّ الأطفال الذين يتعلمون بلغة مألوفة يحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يتلقون تعليمهم بلغات غير مألوفة. وتُبرز هذه الأدلة أنَّ حقوق اللغة لا تتعلق بصون التراث الثقافي فحسب، بل تُسهم كذلك في ترسيخ العدالة التعليمية بوصفها حقًا أساسيًا ومقومًا من مقومات تكافؤ الفرص.

ويُقرّ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، أو إثنية، أو دينية، أو لغوية بأنَّ على الدول التزامات إيجابية تتجاوز مجرد الامتناع عن التدخل. فهو يُلزم الدول باتخاذ تدابير تهيئ ظروفًا مواتية تمكّن الأقليات من التعبير عن خصائصها وتطوير ثقافتها، ولغتها، وتقاليدها، وعاداتها. ويُميّز هذا الإطار بين واجبات سلبية تتمثل في عدم التمييز، وواجبات إيجابية تتطلب دعمًا فعّالاً من الدولة لضمان إمكانات التنمية الثقافية واللغوية للأقليات ضمن المجال العام.

ويُنشئ تصنيف لغة الأقلية بوصفها لغة “وطنية” مستوىً من الاعتراف يمنحها شرعية عامة، مع تمييزها في الوقت نفسه عن اللغة الإدارية الرسمية. ويتيح هذا التمييز اعترافًا عمليًا بالتعددية اللغوية دون الإخلال بوحدة الإدارة العامة، محولًا حقوق اللغة من استخدام خاص مسموح به إلى حق مُعترف به رسميًا ضمن منظومة الحقوق العامة.

العدالة الانتقالية واستعادة المواطنة الفعلية

يقدّم الإطار النظري للعدالة الانتقالية أدوات مفاهيمية لفهم كيفية معالجة المجتمعات للمظالم التاريخية التي لحقت بالأقليات. وتُعدّ استعادة الجنسية للفئات التي كانت مُستبعدة سابقًا صورةً مركزية من صور جبر الضرر ضمن هذا الإطار. ومع ذلك، تُؤكد المقاربات النظرية أنَّ استعادة الوضع القانوني الرسمي لا تكفي وحدها ما لم تُستكمل بتدابير تعويضية متعددة الأبعاد. فالتعويض المادي يعالج الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرمان من الملكية والعمل والفرص التعليمية. أما التعويض المعنوي، عبر الاعتراف الرسمي وإعادة الاعتبار، فيسهم في ترميم الكرامة الاجتماعية والقانونية لمن عانوا من التهميش الممنهج. وتعمل برامج إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي على تمكين المواطنين المُعترف بهم حديثًا من ممارسة حقوقهم عمليًا، لا بوصفها حقوقًا نظرية فحسب.

ويكتسب مفهوم ضمانات عدم التكرار أهمية نظرية خاصة، إذ يتصل بالبعد الاستشرافي للعدالة الانتقالية. فالغرض لا يقتصر على معالجة الانتهاك الماضي، بل يتعداه إلى منع تكراره عبر ضمانات دستورية وتشريعية تحظر الحرمان التعسفي من الجنسية مستقبلًا، بما يستلزم مواءمة المعايير الدولية وإدماجها في البنى القانونية الوطنية على نحوٍ واضح وقابل للإنفاذ.

ويتناول الإصلاح المؤسسي الآليات التي استمرت من خلالها أنماط التمييز تاريخيًا. كما يتطلب تفكيك السرديات الرسمية التي حصرت الهوية الوطنية في تعريفات إقصائية، والانتقال إلى خطاب شامل يعكس التعددية بوصفها مكوّنًا تأسيسيًا للمجتمع. ويستند هذا المطلب إلى إدراك أنَّ المساواة القانونية الشكلية قد تتعايش مع تهميش فعلي ما لم يُنجز تحول ثقافي ومؤسسي عميق يطال سياسات الدولة وخطابها وممارساتها.

الضمانات الدستورية لحماية التعددية واستدامة الحقوق

تعتمد استدامة حماية حقوق الأقليات بصورة حاسمة على تكريسها في الدستور. فالمراسيم التنفيذية أو التشريعات العادية، رغم أثرها الفوري، تبقى قابلة للتعديل أو الإلغاء بفعل تغير موازين القوى السياسية أو تبدل الإدارات. وتوفر الحماية الدستورية ضمانات أقوى، لا سيما عند اقترانها بقيود إجرائية مشددة على التعديل، مثل اشتراط أغلبية معززة أو معايير خاصة لحماية الحقوق الأساسية.

وتوجّه عدة مبادئ نظرية تصميم الدساتير في المجتمعات التعددية. ويشكل الاعتراف الواضح بالتنوع القومي في النصوص الدستورية التأسيسية المرجعية الفكرية التي تنطلق منها ضمانات الحقوق اللاحقة. وينبغي أن تُقرّ الديباجة والمواد التأسيسية بالتكوين متعدد الأعراق واللغات بوصفه سمة وطنية مميزة، لا بوصفه إشكالًا ينبغي احتواؤه أو تحديًا يتطلب إدارة أمنية أو سياسية.

ويُعدّ التمييز بين الأحكام الدستورية القابلة للتقاضي والأحكام الدستورية الطموحة ذا أهمية بالغة. فحقوق الأقليات حين تُصاغ بوصفها حقوقًا أساسية قابلة للإنفاذ القضائي تمنح حماية أمتن بكثير من البيانات الإنشائية التي تفتقر إلى آليات إنصاف فعّالة. ويمكن للمؤسسات المستقلة المعنية بحماية حقوق الأقليات، المصممة على غرار مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية، أن تؤدي دورًا داعمًا عبر المراقبة والتحقيق في الشكاوى وتقديم توصيات ملزمة أو مؤثرة، بما يعزز المساءلة ويمنع الانزلاق إلى صيغ اعتراف شكلية.

ويمثل التوتر بين المركزية واللامركزية تحديًا خاصًا في المجتمعات التعددية. وقد تتيح اللامركزية الإدارية المحدودة للمجتمعات المحلية إدارة التعليم والشؤون الثقافية والخدمات العامة المحلية، مع الحفاظ على التماسك الوطني في مجالات السيادة مثل الدفاع والشؤون الخارجية والسياسة الاقتصادية الكلية. ويسهم التحديد الدستوري لاختصاصات المركز والوحدات المحلية، إلى جانب آليات فعّالة لحل النزاعات، في تجنب تآكل الوحدة الوطنية من جهة، وتجنب إفراغ الحكم المحلي من محتواه من جهة أخرى. ويُطرح رفض الحكم الذاتي الإقليمي لصالح المواطنة ضمن أطر موحدة بوصفه أحد حلول هذا التوتر، مع بقاء السؤال حول مدى كفاية هذه الصيغة لتلبية تطلعات الأقليات إلى حكم ذاتي فعّال موضوعًا مستمرًا للنقاش.

خاتمة

يسهم الإطار النظري لفهم الحقوق الكردية ضمن التعددية الوطنية السورية في إضاءة تساؤلات أوسع تتعلق بالعلاقة بين التنوع والوحدة في التصميم الدستوري. ويمثل الانتقال من القومية الإقصائية القائمة على التجانس العرقي إلى التعددية المدنية القائمة على المواطنة، بغض النظر عن الأصل، إعادة صياغة جوهرية لمفهوم المجتمع السياسي وحدود الانتماء فيه.

وتقدّم المعايير الدولية لحقوق الإنسان توجيهات معيارية تُرسّخ واجبات سلبية تتمثل في عدم التمييز، إلى جانب التزامات إيجابية تتطلب دعمًا فعّالاً من الدولة للتنمية الثقافية واللغوية للأقليات ضمن المجال العام. وتوفّر أطر العدالة الانتقالية أدوات لاستعادة الحقوق ومعالجة المظالم التاريخية، مع التأكيد على أنَّ المساواة القانونية الرسمية تحتاج إلى استكمالها بتعويضات شاملة وإصلاح مؤسسي وتحول ثقافي يبدد أنماط التهميش المتراكمة.

ويُوفر التكريس الدستوري لحماية الأقليات ديمومةً لا تستطيع التشريعات العادية توفيرها، على أنَّ عملية الصياغة الدستورية ذاتها تؤثر تأثيرًا بالغًا في شرعية هذه الحماية وفاعليتها. وفي المحصلة، يكمن التحدي في تجاوز الثنائيات الزائفة بين الوحدة والتنوع، وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للاعتراف بجميع المكونات على قدم المساواة وبأصالة انتمائها، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك اللازم للحكم الفعّال. وتستند هذه المقاربة إلى مبدأ مفاده أنَّ القوة الوطنية لا تنبع من محو الاختلاف، بل من دمجه على نحوٍ منصف داخل مجتمع سياسي مشترك.

تلفزيون سوريا

———————————

تحول مهم وإيجابي في سوريا/ محمد عايش

الحسم الذي نجحت به الدولة السورية تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يُشكل تحولاً إيجابياً بالغ الأهمية على الساحة السورية، بل إن إسقاط «قسد»، ولجم توسعهم في البلاد يُشكل – من الناحية الاستراتيجية – أهمية تتفوق على أهمية إسقاط نظام بشار الأسد، وذلك لأسباب عديدة أهمها، أن «قسد» كانت – وربما لا تزال- تُشكل مشروعاً بالغ الخطورة في سوريا.

لا شك بطبيعة الحال، أن للأكراد حقوقهم ومطالبهم التي ينبغي تلبيتها، ولا شك أنَّ أيَ انتهاك لحقوقهم، سوف يتناقض مع آمال السوريين وطموحاتهم بدولة جديدة وحديثة ومتقدمة، خلفاً للنظام القمعي السابق، ولكن المؤكد أيضاً هو أنه لا يُمكن لدولة حديثة وموحدة أن تقوم في ظل وجود ميليشيات مسلحة تسيطر على مناطق ومحافظات ومدن داخل البلاد، إذ إن هذه الحالة تتناقض مع جوهر الدولة الوطنية الحديثة.

الحسم الذي نفذته قوات الحكومة السورية، والتوصل إلى اتفاق مع قوات «قسد»، وهو الاتفاق الذي من المفترض أن ينتهي إلى دمج هذه القوات في الجيش النظامي السوري، يُشكل تحولاً بالغ الأهمية في الطريق نحو بناء الدولة السورية الجديدة، وذلك لأسباب عديدة في ما يلي أهمها:

أولاً: هذا الحسم، أو هذا الاتفاق، يشكل انهياراً للمشروع الأمريكي الإسرائيلي الرامي الى تقسيم سوريا، حيث كانت هذه الميليشيا تتلقى الدعم والتسليح والتمويل من الولايات المتحدة، وكان يسود الاعتقاد بأنها من الممكن أن تكون نواة لانقسام داخلي سوري، أو نواة لدولة كردية تنفصل تماماً عن الدولة المركزية السورية، ليأتي هذا الانكفاء ويُنهي هذه التكهنات ويضع حداً لهذا المشروع.

ثانياً: ما حدث خلال الأيام الماضية هو رسالة مهمة للذين يحاولون الاحتماء بإسرائيل، من الدروز في مدينة السويداء، الذين أيضاً ساد الاعتقاد منذ شهور بأنهم قد يتلقون الدعم والحماية من إسرائيل للانفصال عن سوريا، على غرار ما حدث في جنوب السودان قبل سنوات. ما حدث يُشكل تأكيداً من الدولة السورية الجديدة، أن أي مشروع للانفصال لن يتم تمريره ولا القبول به، وأن الحسم العسكري هو خيار مطروح على أي حال.

ثالثاً: انكفاء قوات «قسد» يؤكد أن الاحتماء بالخارج لا يُمكن أن ينجح، ولو كانت الدولة ضعيفة، أو وليدة، أو تحت التأسيس وقيد التشكيل، فالمشاريع ذات الامتداد الخارجي، أو الحاصلة على دعم أجنبي، لا يُمكن أن يُكتب لها النجاح؛ إذ من حق الشعوب أن تحتج على أنظمتها وأن تطلب التغيير، ولكن ليس من حق أحد أن يستقوي بالخارج على إخوانه من أبناء شعبه، وهذه صيغة لا يُمكن أن تنجح على أي حال.

رابعاً: أصبحت سوريا اليوم أبعد بكثير من الانزلاق نحو حرب أهلية، أو اقتتال داخلي، وهي الحالة التي كان الكثيرون يتوقعونها منذ انهيار النظام، في أواخر عام 2024، حيث كان ثمة جيش يتبع السلطة في دمشق، وآخر كردي يُسيطر على عدد من المحافظات، ومساحة ليست قليلة من الأراضي السورية، وكان يسود الاعتقاد بأن هذا الشكل من الانقسام سيؤدي إلى الاقتتال حتماً، وهو ما ثبت أنه احتمال ليس حتميا ولا قدرا مكتوبا على الدولة السورية الجديدة.

ما حدث في سوريا خلال الأيام الماضية، هو تحول بالغ الأهمية إذن، ومن المهم عدم تسطيحه ولا تبسيطه، إذ هو تحول استراتيجي بالغ الأهمية، ويأتي بالتزامن مع ما يجري في اليمن؛ إذ انهار مشروع التقسيم في كل من البلدين معاً، وكلاهما كان مشروعا للتفتيت يرمي إلى بناء دويلات ضعيفة على أنقاض هذه الدول العربية.

ويجب على العرب أن يكونوا متفقين بأن أي انقسام داخلي، أو تفتيت للدول المنقسمة أصلاً، لا يُمكن أن يصب في مصلحتهم، بل إن العرب كانوا جميعاً وحدة واحدة وجاء تقسيم «سايكس بيكو» ليعبث بوحدتهم وقوتهم، وبكل تأكيد فهم ليسوا بحاجة لتقسيم جديد ولا لـ»سايكس بيكو» جديدة.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

—————————-

 انتهت قسد فهل تنتهي أوهام الانفصاليين؟/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/01/20

آلت محافظتا دير الزور والرقة إلى سيطرة دمشق، وبقيت محافظة الحسكة تحت سيطرة قسد حتى كتابة هذه السطور. إلا أن هذه الوضعية مؤقتة بموجب الاتفاق الجديد الذي وقّعه الشرع، وينصّ على سقف أدنى لقسد مما كان في اتفاق العاشر من آذار. فالاتفاق الجديد الذي يدفن سابقه واضح لجهة غياب الشراكة السياسية بين الجانبين الموقّعين عليه، لصالح دمج عناصر قسد كأفراد ضمن سلطة المركز. وكان المطلب الرئيسي لقيادة قسد أن تُدمج قواتها ككتلة لها نوع من الاستقلالية ضمن الجيش وقوات الأمن.

إذاً، ما لم تحدث تطورات دراماتيكية، قد لا يطول الوقت قبل إسدال الستار على قسد وباقي المنظومة العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي. وحتى بقاء قسد لبعض الوقت في الحسكة لن يكون له الثقل الذي كان لها أثناء السيطرة على المحافظات الثلاث. والحسابات لا تقتصر على المساحة الواسعة التي خسرتها مؤخراً، فهناك آبار النفط والغاز التي خسرت إيراداتها، ما يجعلها أكثر بكثير من قبل رهْن المساعدات الأميركية، وتالياً توجهات واشنطن، التي لم تمانع في شن العملية العسكرية التي أخرجت قسد من حيين في حلب، ثم من ريف حلب وصولاً إلى حدود الحسكة.

جدير بالتذكير أن ترامب في ولايته الأولى كان عازماً على الانسحاب من سوريا، وتراجع تحت ضغوط الحلقة الأمنية التي كانت ترى في البقاء مكسباً أكثر من تكاليفه. ذلك أيام حكم الأسد، أما وقد سقط الأخير، وهناك حكم بديل على علاقة جيدة مع واشنطن وحلفائها، فلن يلاقي الانسحاب اعتراضاً في دوائر القرار الأميركية. على سبيل المثال، أثناء التطورات السورية الأخيرة انسحبت القوات الأميركية من قاعدة في العراق، وحدث ذلك بصمت تام، ومن المحتمل حدوث ذلك في سوريا قريباً.

ولا يخطئ أنصار السلطة الذين رأوا في التطورات الأخيرة رسالة لا تقتصر على أكراد سوريا، بل تذهب إلى آخرين طامحين إلى الانفصال عن المركز، إما عبر انفصال تام أو لا مركزية موسعة جداً. وبالطبع لا تزال فرضيات أخرى تلقى الرواج، تقوم بمعظمها على رغبات أصحابها بلا سند واقعي. منها مثلاً أن انكفاء قسد يمهد لفيدرالية بعد إعادة الرقة والدير بأغلبيتهما العربية، وأن هذه الفيدرالية ستُطبّق أيضاً في الساحل والسويداء. إلا أن رواج الأقاويل يشي بإفلاس سياسي، وبتعويل على مجهول يُحاك في الخفاء، مبنيٌّ على عدم تصديق السلوك المعلن لقوى دولية وإقليمية ليس إلا.

وكان التنظير لتقسيم سوريا قد لقي رواجاً بعد سقوط الأسد، خصوصاً بعد مجازر الساحل ثم السويداء، أيضاً من دون انتباه إلى عدم تأثير تلك الانتهاكات على السياسات الدولية. جدير بالتذكير أيضاً أن قوى دولية، منها أميركا، وقوى إقليمية عديدة كانت مستعدة لإعادة تدوير الأسد والتطبيع معه بعد ارتكابه مجازر كبرى وإدانته في المحافل الدولية. أما تغيير الخرائط فمن الخطأ الظنّ أنه يحدث بسهولة، أو أن القوى الفاعلة ترغب فيه، أو تدفع في اتجاهه. وفي التاريخ القريب هناك تجربة إقليم كردستان في العراق، إذ مُنع استقلال الإقليم بعد استفتاء حاز فيه مؤيدو الاستقلال أغلبية لا جدال فيها، مع التنويه بأن الإقليم يحظى بحكم ذاتي قريب عملياً من الاستقلال.

صحيح أن الحدود الحالية لدول المنطقة رُسمت قبل قرن بإرادات دولية، والصحيح أيضاً أن الإرادات الدولية غير متوفرة لإعادة رسم خرائط المنطقة. وتجارب الاحتراب الداخلي في العديد من الدول، إذا كانت تشير إلى أزمات في التعايش بين جماعاتها، فهي تؤكد في المقابل على أن خيار التقسيم لم يكن واراداً، ودونه إرادات دولية، مثلما دونه المزيد من إراقة الدماء بين الجماعات التي ستقاتل كلّ واحدة منها للاستحواذ على نصيب من الأرض والثروة. وفي حالات نادرة جداً أثبت الانفصال أن مقولة “نريد ديكتاتوراً من جماعتنا” لا تصنع فرقاً حقيقياً، وهو ما حدث في سوريا المقسّمة خلال السنوات الماضية بين سلطات أمر واقع غير ديموقراطية. في السنوات ذاتها رأى السوريون كيف استخدمت قوى الخارج الفصائل العسكرية السورية، بمختلف تناقضاتها، بعيداً عن أي هدف وطني، وكان يكفي أن تتفاهم قوى الخارج لينصاع الداخل على النحو الذي كان فاقعاً بقوة في اتفاقيات خفض التصعيد.

من الخطأ بعد التطورات الأخيرة عدم رؤية توجهات إدارة ترامب في المقام الأول، وقد أكّدت في العديد من المناسبات على “سوريا موحَّدة”، وعلى دعمها مشروع اندماج. الرسائل الأميركية غير بعيدة عن المطالبات الداخلية بالفيدرالية أو اللامركزية، أي أن واشنطن لا تتبنى هذه المطالبات ولا تشجّع عليها. وفضلاً عن مزاج ترامب الشخصي، من المنطقي للإدارة الأميركية، وللعديد من قوى الخارج، أن تفضّل التعامل مع قوة محلية واحدة منضبطة على التعاطي مع قوى متنافرة، ما لم يكن للقوة الخارجية مصلحة مباشرة في الإبقاء على الانقسام. وبقاء جيب منعزل هنا أو هناك لن يغيّر في المنحى العام، بل ستكون إعادته إلى المركز مسألة وقت.

لكن ستبقى المشكلة مزمنة إذا بقي الذين سينضوون مُكرَهين تحت حكم المركز على قناعاتهم بأن الحل الوحيد هو بالانفصال عنه. فهذا التصور يستثني سلفاً إمكانيات التغيير ضمن المركز نفسه. القناعة بحتمية الانفصال ستساهم في صنع قضايا من نوع “قضية درزية” و”قضية علَوية” وبالطبع ثمة “قضية كردية جاهزة”، والواضح أن أدبيات هذه “القضايا” تستند إلى أفكار حركات التحرر العائدة لزمن مضى، والتي انتعشت في ظروف استعمارية مختلفة عن الصراعات الداخلية حالياً.

نعود للتأكيد على أن الانفصال، حتى إذا كان ممكناً على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية…، هو قضية مشتركة، ما يقتضي أولاً اتفاقاً بين مختلف الأطراف كي لا تدخل في حرب أهلية لا تُعرَف نهايتها. أيضاً، الانفصال ليس شأناً داخلياً على الإطلاق، ما يقتضي توفر البيئة الدولية المساعدة عليه، وذلك لا يعني قطعاً أن يحصل أي طرف على دعم خارجي مؤقت بطبيعته، أي لا يتبنى فيه الخارج بشكل واضح الطموحات الانفصالية.

يبقى أن هناك خياراً غير مفكَّر فيه، هو تعاون القوى ذات المصلحة المشتركة من مختلف الجماعات الأهلية، أي على الضد مما جُرِّب بدرجات متفاوتة في الماضي القريب والبعيد وأوصل السوريين جميعاً إلى هذا الدرك من الانقسام. ينطلق هذا الخيار من قناعة مختلف الأطراف بحتمية التعايش، ومن أن عقلنة العيش المشترك هي أولوية مستدامة، وهي التي توجّه الأفكار نحو أفضل السبل لتحقيقه، فلا يكون هناك محرمات تتعلق بالنظام السياسي بوصفه وسيلة للعيش المشترك وضمانة للأفراد أيضاً.

سوريا، بهذا المعنى، ليست معطى بديهياً، بل تتأسس مجدداً بمجموع الإرادات المشتركة لسوريين لا ينتظرون من أية سلطة أن تقدّم لهم ما يشتهون، خصوصاً وهم منقسمون كما تشتهي أية سلطة. قد يبدو هذا مستحيلاً في ظل الانقسامات الدموية الراهنة، لكن التفكير فيه يبدأ من مقارنته بسيناريوهات ليس لها حظ أوفر من النجاح، لا في سوريا ولا في دول الجوار. أليست الواقعية، بحسب مقولة شهيرة، هي في طلب المستحيل؟

المدن

————————

 كواليس ما قبل وبعد اتفاق الشرع-عبدي.. وانهياره/ منير الربيع

الثلاثاء 2026/01/20

مجدداً، يتعثر تطبيق الاتفاق الذي يتم التوصل إليه بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). يتبادل الطرفان الاتهامات بتعطيل الاتفاق أو نقضه، وهو ما حصل مساء أمس الاثنين، بعد اجتماع دام لساعات بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي. الاتفاق الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية، تركية، وكردستان العراق، وينص على دخول القوات الحكومية السورية إلى شمال شرق سوريا، خصوصاً محافظات الرقة، دير الزور والحسكة. كان الشرع ومنذ أشهر قد عمل على تحضير الأرضية لخوض المعركة. وعمل على أكثر من خط.

أولاً، دخل في مسار التفاوض مع “قسد” لتطبيق اتفاق 10 آذار.

ثانياً، بدأ حملة التضييق العسكري على “قسد” في الأشرفية الشيخ مقصود في حلب.

ثالثاً، عمل على التواصل مع العشائر العربية السورية واستقبل عدداً من وجهائها تحضيراً لانقلابها على قوات “قسد” عندما يحين الوقت.

رابعاً، عمل الشرع على توفير كل الظروف الإقليمية والدولية لخوض المعركة ومحاولة فرض شروطه. وكلما كان يحقق تقدماً في مسار العلاقة مع الأميركيين وفي تطويق خيارات “قسد” الراديكالية، كانت تخرج جهات من “قسد” والذين تتهمهم دمشق بأنهم محسوبون على حزب العمال الكردستاني، لتنفيذ عمليات ضد الحكومة السورية.

مع بداية السنة الجديدة، بدا واضحاً أن “قسد” لن تذهب إلى تطبيق اتفاق 10 آذار، لأسباب عديدة أبرزها:

1 التمسك بالمطالبة بعدم دخول القوات الحكومية السورية إلى شمال شرق سوريا.

2 الإصرار على انخراط “قسد” ككتل عسكرية كبيرة في الجيش السوري.

3 ان تبقى القوات الكردية هي التي تسيطر على المحافظات الثلاث (الرقة، دير الزور، الحسكة) حصراً.

4 إصرار “قسد” على الاحتفاظ بحصة كبيرة من منتجات النفط السورية.

الشرع في إدلب

كل هذه الشروط رفضتها دمشق، ومضى أحمد الشرع في التحضير للعملية العسكرية، حتى أنه في الأسبوع الاول من العام الجديد كان قد زار إدلب ومكث فيها لمدة أسبوع، تحضيراً للمعركة العسكرية التي سيطلقها. عندما كان الشرع في إدلب، كان يتم تسريب أخبار بأن اختفاءه لمدة ستة أيام حصل بسبب تعرضه لمحاولة اغتيال. لكنه عملياً كان يضع الخطة العسكرية للعملية، والتي ركز فيها على شنّ عملية في حلب، ومنها تنطلق القوات باتجاه الرقة للسيطرة على مدينة الطبقة، في المقابل، تتحرك العشائر العربية في دير الزور للسيطرة على المحافظة وإخراج قسد منها.

في موازاة خوض المعركة العسكرية واعتماد أسلوب القضم، كان الشرع قد وفر الغطاء اللازم لعمليته مع المبعوث الأميركي توم باراك، ومع تركيا التي كانت أكثر المتحمسين لخوض هذه العملية العسكرية وإنهاء حالة قوات سوريا الديمقراطية. على وقع المعارك، تجددت المفاوضات التي أفضت يوم الأحد 18 كانون الثاني/يناير 2026، إلى اتفاق يقضي بدخول القوات السورية إلى شمال شرق سوريا، ودمج “قسد” بالجيش كأفراد لا ككتل.

انهيار الاتفاق

كانت بعض مراكز القوى في قوات سوريا الديمقراطية، رافضة للاتفاق وتضعه في خانة الهزيمة التي لا يمكنها الموافقة عليها. وبينما وصل مظلوم عبدي إلى دمشق لتوقيع الاتفاق، كانت المناوشات مستمرة في الرقة والحسكة، وفُتحت فيها معركة “سجون داعش” وإطلاق سراح المساجين فيها. اتهمت دمشق “قسد” باستخدام هذه الورقة، بينما اتهمت القوات الكردية القوات الحكومية السورية بالعمل على مهاجمة السجون لإطلاق سراح الدواعش. كان ذلك مؤشراً على أن الاتفاق لن يطبق أو لن يستمر. ساعات قليلة حتى خرجت التسريبات التي تشير إلى أن الاجتماع لم يكن إيجابياً.

وجهت القوى الكردية اتهامات لباراك بأنه متآمر مع الشرع، كما وجهت الاتهامات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان. في المقابل، فإن دمشق تتهم “قسد” بأنها تتراجع عن الاتفاق، وأن عبدي يبدو مرة جديدة أنه غير قادر على الالتزام بالاتفاقات وتطبيقها. وأصرت دمشق على ضرورة تسليم القوى الكردية بمنطق الدولة السورية والانضواء ضمن مؤسساتها، والاندماج في الجيش ولكن ليس كفرق عسكرية مستقلة،.

أصرت “قسد” على رفض دخول القوات السورية إلى المناطق الكردية. بينما تصرّ دمشق على ضرورة سيطرة قواتها على كامل الأراضي السورية وأنها لا تقبل بأن يكون هناك مساحة غير خاضعة لها ولسيطرتها. اعتبر مظلوم عبدي أن الاتفاق المعروض عليه هو فرض الاستسلام وأنه يجب حفظ خصوصية الأكراد، وطالب بمهلة خمسة أيام للتشاور مع القيادات الكردية الأخرى، إلا أن الشرع رفض منح أي مهلة.

السيناريوهات المتوقعة

في حال تطورت الأمور نحو معركة عسكرية، في ضوء الدعوات من قبل قوات “قسد” لحمل السلاح وخوض معارك مقاومة شعبية، فإن الشرع سيسعى إلى سيطرة قواته على جبل عبد العزيز سريعاً، وبذلك سيكون سيطرة على النقطة الاستراتيجية الأهم، وبذلك تنتهي المعركة بالمعنى العسكري، والتي من الممكن أن تتحول إلى حرب شوارع ومناوشات.

وبحسب المعلومات فإن الشرع كان قد توافق مع رئيس إقليم كردستان-العراق مسعود بارازاني، على ضرورة دعم موقف مظلوم عبدي الذي وافق على اتفاق 10 آذار، ومن ثم على اتفاق 18 كانون الثاني الجاري، بينما الأجنحة الأكثر تطرفاً في قوات سوريا الديمقراطية ترفض أي اتفاق، وتعمل على معارضته ووصلت إلى حد الدعوة لخوض معارك شعبية ضد الحكومة السورية. يمكن للمعركة بحال استمرت أن تؤدي الى انفجار الأوضاع، وانفلاتها من عقالها، وسط مخاوف من تكرار ما حصل في الساحل أو السويداء، خصوصاً بحال أخذت الاشتباكات طابعاً فصائلياً وشملت المناطق والأحياء السكنية. وهذا ما دفع جهات عديدة إلى السعي لمنع انفجار الأوضاع.

في السياق، جاء الاتصال الهاتفي بين الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يوضع في سياق حصول الشرع على غطاء أميركي للمضي قدماً في عمليته العسكرية أو السياسية. بينما كان هناك آراء داخل الإدارة الأميركية تدعو إلى الضغط على الشرع أكثر ومنع من ضرب الأكراد، ومن بين هؤلاء نائب الرئيس جي دي فانس. إلا أن بعض المعلومات تفيد بأنه خلال اتصال الشرع بترامب كان دي فانس موجوداً، كما أن باراك قد واكب الاتصال. وهو ما لا ينفصل عن اتصالات الشرع بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو اتصاله بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

هذه الاتصالات بدت وكأنها تجتمع على عنوان واحد وهو انهاء الحالة العسكرية في سوريا والالتزام بوحدة سوريا ومؤسساتها، ما يعني أن الشرع سعى لتأمين المظلة اللازمة لتحقيق ما يريده لقطع الطريق على أي مشروع لكيان ذاتي، أو للفيدرالية أو التقسيم. وهذا ما يريد الشرع أن يستثمره في مناطق سورية أخرى، خصوصاً في الساحل وفي الجنوب مع السويداء. وهو ما لا يمكن فصله عن السياق الإسرائيلي وموقف تل أبيب من هذه التطورات.

جاءت المعارك ضد “قسد” بعد تجدد المفاوضات مع إسرائيل في باريس. وهنا لا بد من التذكير بأن الشرع ولدى لقائه ترامب طلب منه المساعدة لتحقيق ثلاثة أهداف:

الأول، رفع العقوبات عن سوريا وإلغاء قانون قيصر.

الثاني، دعم سوريا في الحفاظ على وحدة أراضيها ومنع قيام كيان كردي مستقل ودمج قوات قسد في الجيش السوري ومؤسسات الدولة.

الثالث، تراجع إسرائيل إلى خط فض الاشتباك عام 1974، أي التراجع عن الأراضي التي احتلتها بعد 8 كانون الأول 2024.

عملياً، تحقق الهدف الاول، أما الثاني فلا تزال واشنطن تدعمه وهو اندماج “قسد” بالدولة السورية مع الحفاظ على وحدة سوريا ومنع تقسيمها، وهو ما ورد في بيان الاتصال بين ترامب والشرع. وبغض النظر عن الاشتباكات والتعثر، إلا أنه سيكون الخيار الأوحد. أما الهدف الثالث فيبقى المشكلة الأساسية، وسط معلومات تشير إلى ضغوط أميركية على إسرائيل للانسحاب من بعض النقاط في سوريا. وفي السياق سربت وسائل إعلام اسرائيلية عن زيادة الضغوط الأميركية ومناقشات داخلية اسرائيلية حول الانسحاب من بعض النقاط، إلا ان الجيش الاسرائيلي أوصى بعدم الانسحاب. ذلك سيقود الى استكمال المفاوضات السورية-الإسرائيلية لأجل التفاهم على كيفية ترتيب الوضع في جنوب سوريا، وتثبيت المناطق الخالية من السلاح، أو الاتفاق على طرف ضامن للوضع في الجنوب السوري وعلى الأرجح أن يكون هذا الطرف هو الجانب الأميركي.

المدن

—————————-

 هل تطوي سوريا صفحة الميليشيات؟/ عدنان علي

2026.01.20

مع توقيع الاتفاق الجديد بين الرئيس أحمد الشرع وقائد تنظيم «قسد» مظلوم عبدي، يُفترض أن تكون سوريا قد انتقلت إلى عهد جديد تُحكم فيه الدولة، وتتنحّى الميليشيات والفصائل المسلحة إلى غير رجعة. ويأتي هذا الاتفاق في لحظة سياسية وأمنية حسّاسة، تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وترسيخ مفهوم الدولة المركزية بوصفه الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها.

وسبق الاتفاقَ تحرّكٌ عسكري رشيق للجيش السوري، مدعوم بعشائر وأهالي مناطق الجزيرة السورية، أفضى إلى سيطرة قوات الجيش على معظم أراضي محافظتي الرقة ودير الزور، بدءًا من مناطق غرب نهر الفرات، وقبل ذلك حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب. وقد حمل هذا التحرك رسائل واضحة مفادها أن الدولة قادرة على فرض معادلات جديدة على الأرض، بعيدًا عن منطق الأمر الواقع الذي حاولت بعض القوى تكريسه خلال السنوات الماضية.

هذه التطورات المتسارعة في ما اصطلح على تسميته بملف «شمال شرقي سوريا» دفعت هذا الملف خطوات بعيدة نحو الحل والانفراج النهائي، بعد ما يربو على عام من المماطلات من جانب قيادة «قسد»، وخصوصًا شقّها القندِيلي. كما أسهم الضغط الشعبي في تلك المناطق، الناتج عن تردّي الأوضاع المعيشية والخدمية، في تعجيل الوصول إلى هذه المرحلة المفصلية.

لا شك أن هذه التطورات تُسجَّل نجاحًا بارزًا للحكومة السورية التي رفضت الخضوع لابتزاز ومماطلات «قسد»، واختارت، بالتنسيق مع الجهات الفاعلة المعنية، ولا سيما الولايات المتحدة وتركيا، مواجهة المشكلة بدل الاستمرار في تأجيلها. وبفضل هذا الحزم، أمكن وضع النقاط على الحروف في زمن قياسي، وبأقل قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية، مع الحفاظ على مستوى من التوازن السياسي يمنع انفجار الأوضاع مجددًا.

وإضافة إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، وممارستها حقها السيادي في السيطرة على الحدود والسجون، فإن استعادة السيطرة على الموارد والثروات، ولا سيما النفط والغاز والسدود، ستشكّل إضافة مهمة للاقتصاد الوطني بعد أن حُرم منها الشعب السوري طوال السنوات الأربع عشرة الماضية. كما يُتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تخفيف الأعباء المعيشية، وتعزيز قدرة الحكومة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية.

غير أنه، وكما عبّر المبعوث الأميركي توم باراك، فإن الأصعب في المرحلة المقبلة هو تطبيق الاتفاق، ولا سيما أن لـ«قسد» تاريخًا حافلًا بالتنصّل من الاتفاقيات، وتحويرها، وتفسيرها على خلاف نصّها وروحها، كما دأبت طوال الشهور الماضية على تفسير مسألة اندماجها بالدولة السورية على نحو أقرب إلى اندماج الدولة بها، لا العكس. وهو ما يستدعي آليات رقابة واضحة، وضمانات سياسية وأمنية تحول دون تكرار تجارب الفشل السابقة.

وتبرز هنا، بشكل خاص، مخاوف من بعض البنود، مثل ذلك المتعلق باعتماد قائمة قيادات مرشّحة مقدَّمة من قيادة «قسد» لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية، إذ قد تُفسّر «قسد» ذلك بوصفه احتكارًا لتمثيل المكوّن الكردي. إضافة إلى البند الذي ينصّ على التزام «قسد» بإبعاد كوادر حزب العمال الكردستاني إلى خارج سوريا، وهو أمر محلّ شك في ظل هيمنة كوادر الحزب على القرار داخل التنظيم، فضلًا عن التعقيدات المرتبطة بتفاصيل دمج عناصر «قسد» في الجيش السوري، وإعادة تأهيلهم ضمن العقيدة العسكرية الوطنية.

ومع ذلك، فإن هذه التطورات تبشّر بمرحلة جديدة يسود فيها حكم الدولة وسلطة القانون، وينتهي احتكار فصيل مشكوك في هويته الوطنية لمناطق شاسعة من الأراضي السورية، وسط معاناة وشكاوى مستمرة من أهالي تلك المناطق، من عرب وكرد، من ممارسات التنظيم، وفرض الإتاوات، والتجنيد الإجباري في مناطقهم.

ومع هذا الاتفاق، يُفترض أن تلتحم مناطق الجزيرة السورية مجددًا مع بقية الجسد السوري، بعد أن جرى فصلها عنوة طوال السنوات الماضية، وهو التحام له أبعاده الشعبية والأمنية والاقتصادية، التي تشكّل مجتمعة إضافة مهمة للدولة السورية، وتسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.

ولا شك أن هذه التطورات في شرقي سوريا ستكون لها انعكاساتها على الملفات الأخرى، سواء في الجنوب، ولا سيما في السويداء، أو في الساحل السوري. وعلى القوى المتمرّدة على الدولة هناك استخلاص العِبر، بأن الدولة السورية عازمة على بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، من القامشلي إلى اللاذقية إلى السويداء، وأن هذا المسعى يحظى بدعم دولي واضح، ولا سيما من الولايات المتحدة التي كانت «قسد» تعتبرها ظهيرها الأساسي في مواجهة الدولة السورية.

لقد انتهى «مشروع قسد»، وتبيّنت هشاشته على أرض الواقع، حيث لا يحظى بأي حاضنة شعبية حقيقية، وينبغي أن ينتهي معه عصر الميليشيات، وهو ما ينطبق أيضًا على ما تبقّى من تشكيلات مسلّحة في مناطق أخرى، ولا سيما ميليشيا الهجري في السويداء، لتدخل سوريا مرحلة جديدة عنوانها الدولة الواحدة، والسلطة الشرعية، والسلاح المنضبط تحت مظلة القانون.

تلفزيون سوريا

—————————————

 سوريا.. من الدولة الممر إلى الوطن النهائي/ مجيب مصطفى خطاب

2026.01.20

على مدار قرن من التحوّلات العاصفة، ظلّت سوريا في الوعي السياسي للنخب المتعاقبة كيانًا يفتقر إلى صفة «النهائية»؛ إذ جرى استلاب الجغرافيا الوطنية لصالح أيديولوجيات حوّلت البلاد إلى «دولة ممر» أو حيّز مكاني مؤقّت لخدمة مشروعات عابرة للحدود. وبين أحلام الأممية، وطموحات القومية العابرة، وتصورات الجغرافيات القومية الفرعية، غاب مفهوم «الوطن النهائي» بوصفه مرجعية عليا للانتماء، ما أنتج حالة من التشظّي الهويّاتي انفجرت لاحقًا في أزمات سياسية واجتماعية ذات طابع وجودي.

اليوم، يبرز المرسوم رقم 13 الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية السورية كمنعطف تاريخي يتجاوز دلالته القانونية الصرفة؛ إذ يمثّل إعلانًا سياديًا ينهي حقبة الارتهان للمشاريع الموازية، ويؤسّس لسردية وطنية جديدة تؤكّد أن سوريا هي الوطن الجامع والنهائي لكل من ينتمي إلى نسيجها التاريخي.

الدولة الممر: أزمة الأيديولوجيات والهوية

لفهم عمق التحوّل الجاري، لا بدّ من العودة إلى تاريخ الفكر السياسي السوري الذي تشكّل منذ نشأة الدولة السورية على تصوّرات تتجاوز حدودها الوطنية. فقد تأسّس حزب البعث العربي الاشتراكي على اعتبار سوريا قطرًا ضمن وطن عربي أوسع، ما أفضى إلى التعامل مع الهوية السورية بوصفها حالة ناقصة أو مرحلة انتقالية. وفي السياق ذاته، نظرت جماعة الإخوان المسلمين إلى سوريا باعتبارها جزءًا من مشروع أكبر، حيث جرى تهميش الجغرافيا الوطنية لصالح رابطة حزبية عابرة للحدود.

وعلاوة على ذلك، تبنّت الأحزاب القومية العربية موقفًا رافضًا لحدود سايكس – بيكو، وعدّتها تعبيرًا عن إرادة استعمارية فاقدة للشرعية السياسية والتاريخية. وفي الاتجاه نفسه، قام الحزب السوري القومي الاجتماعي على تصور «سوريا الطبيعية» التي تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، منكرًا الحدود السياسية المعترف بها دوليًا، ومقدّمًا تصورًا جغرافيًا بديلًا عن الدولة القائمة.

كما شكّل التيار الناصري في سوريا أحد أبرز القوى التي أسهمت في تعزيز الانتماء العابر للحدود الوطنية، حيث بلغت هذه الحالة ذروتها إبّان تجربة الوحدة مع مصر عام 1958، حين جرى اختزال الكيان السوري في مسمّى «الإقليم الشمالي» ضمن الجمهورية العربية المتحدة. وعلى صعيد آخر، مثّل التيار الشيوعي السوري نمطًا مختلفًا من تجاوز فكرة الوطن النهائي، من خلال ارتباطه الفكري والتنظيمي الوثيق بالمركزية الدولية التي كان يقودها الاتحاد السوفيتي سابقًا، وتبنّتها روسيا لاحقًا، إذ جرى تأطير القضايا الوطنية السورية ضمن سياق الصراع الطبقي العالمي والمصالح الجيوسياسية للقوى العظمى.

وعلى صعيد آخر، تبنّت غالبية الأحزاب السياسية الكردية تصوّر «كردستان الكبرى» الممتدة بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، ما جعل الانتماء الوطني السوري، في كثير من الحالات، ملتبسًا أو ثانويًا أمام سردية قومية أشمل. وقد أدّى هذا التموضع الأيديولوجي، بالتوازي مع الموروث السياسي العابر للحدود الأخرى، إلى خلخلة ركائز الدولة الوطنية.

وبناءً على ما تقدّم، أفضى تراكم هذه التصوّرات طوال عقود إلى تشكّل هوية سياسية مأزومة، تجلّت في بنية دولة تفتقر إلى سردية وطنية جامعة. ورغم المنعطف الذي أحدثته الثورة السورية، وما تلاها من سقوط النظام البائد، والجهود الحثيثة التي بذلتها الحكومة السورية الجديدة لتوحيد البلاد، والتي تجسّدت سياسيًا في اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، فإن هذا المسار التصالحي لم يجد طريقه إلى النفاذ؛ إذ سرعان ما جرى تفريغه من مضمونه، وإعادة إنتاجه ضمن قوالب أيديولوجية فرضتها قوى الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا («قسد»).

وعلاوة على ذلك، عمدت هذه القوى إلى إعادة صياغة الهويات المحلية وفق توازنات القوة الجديدة، ناصبةً نفسها فاعلًا يحتكر تمثيل السوريين الكرد ويتحدّث باسمهم بصفة حصرية، الأمر الذي أدّى بالضرورة إلى عرقلة الالتزام باستحقاقات الاتفاق المذكور. ونتيجةً لهذا التصلّب، بدا المشهد السوري وكأنه يندفع نحو استنساخ انقسام جديد، يتّشح هذه المرّة بعباءة المطالب الحقوقية والقومية، بما يبرهن على استعصاء أزمة تعريف الوطن، وتجذّر إشكالية الانتماء في الوعي السياسي المعاصر.

المرسوم 13 وإعادة التأسيس للعقد الاجتماعي

جاء المرسوم رقم 13 ليُحدث تحوّلًا جوهريًا في مقاربة الدولة لمسألة الهوية والانتماء الوطني؛ إذ أسهم، من جهة، في نزع الذريعة السياسية والأخلاقية من أي فاعل يسعى إلى احتكار تمثيل جماعة بعينها أو التحدّث باسمها خارج إطار مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى، وضع أساسًا لمفهوم جديد للمواطنة يقوم على الفصل بين الحقوق والولاءات، وعلى الاعتراف بالهويات بوصفها مكوّنات أصيلة داخل الوطن، لا مسارات بديلة عنه. ونتيجةً لذلك، بات الانتماء الوطني قائمًا على المواطنة المتساوية، لا على الانخراط في مشاريع سياسية موازية.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تكمن أهمية هذا المرسوم في قدرته على سحب الشرعية من القوى الأيديولوجية التي نصّبت نفسها وصيّة على المكوّنات السورية، ولا سيما الكرد. فمن خلال مأسسة الحقوق الثقافية واللغوية، تقوم الدولة بقطع الطريق على «الوسطاء السياسيين» و«أمراء الحرب» الذين يقتاتون على خطاب التهميش لتبرير سلطتهم ومشاريعهم العابرة للحدود.

وتتأصّل هذه الرؤية دستوريًا في كون المرسوم يمثّل الترجمة الإجرائية والتفسير العملي للمادة السابعة من الإعلان الدستوري، التي تنصّ على أن الدولة تكفل التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوّناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين. ومن هنا، فإن هذا الإجراء التشريعي يُعدّ خطوة تنفيذية تمنح تخصيصًا قانونيًا للمكوّن الكردي السوري، بحيث تنقل القضية الكردية من حيّز الهواجس الأمنية والمقايضات السياسية إلى حيّز الحقوق الدستورية، ولا سيما اللغوية والثقافية، ضمن بنية الدولة.

وبالإضافة إلى ذلك، يحمل اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية في مناطقها، والاعتراف بعيد النيروز عيدًا وطنيًا لكل السوريين، دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتعلن ولادة عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل والعيش المشترك تحت مظلّة القانون. فالدولة السورية الجديدة لا تنظر إلى التعدّد الثقافي باعتباره خطرًا يتطلّب الاحتواء الأمني، وإنما بوصفه رصيدًا مجتمعيًا يُدمج في السردية الوطنية الجامعة. وعلاوة على ذلك، يأتي هذا الاعتراف من داخل فكرة الدولة الواحدة، بما يعزّز وحدتها عوضًا عن دفعها نحو مسارات التدويل والتقسيم.

وبهذا المعنى، لا يشكّل المرسوم 13 مكسبًا لفئة دون أخرى، بل يمثّل انتصارًا لفكرة طال تأجيلها، مفادها أن سوريا ليست ساحة لتصارع المشاريع المتنافسة، وإنما هي وطن نهائي للسوريين جميعًا، لا يُضطر فيه الأفراد إلى البحث عن هويات بديلة خارج حدوده، ولا إلى الاحتماء بسرديات عابرة للجغرافيا السياسية.

إن بناء الدولة السورية الجديدة لا يقتصر على إسقاط الاستبداد أو الشروع في إعادة الإعمار المادي، بل يستدعي إجابة واضحة عن سؤال الهوية السياسية: لمن تكون هذه البلاد؟ والجواب الذي يقدّمه هذا التحوّل يتمثّل في أن سوريا ملك لجميع السوريين، بكل لغاتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم، من دون وصاية داخلية أو خارجية. ونتيجةً لذلك، يتأسّس المعنى الحقيقي لـ«الوطن النهائي» بوصفه شرطًا للاستقرار طويل الأمد، وعدالة مستدامة، وسلم أهلي يقوم على الاعتراف.

الخاتمة

في المحصّلة، تؤسّس التحوّلات التي تشهدها سوريا اليوم لانتقال تاريخي يغادر منطق الإنكار والارتهان للمشاريع العابرة للحدود، إلى أفق وطني يعيد الاعتبار للدولة بوصفها الإطار النهائي والوحيد للانتماء السياسي. ويأتي المرسوم رقم 13، المرتكز على أسس دستورية، ليجسّد هذا التحوّل في أبهى صوره، بوصفه خطوة تأسيسية لا تقتصر على معالجة مسألة حقوقية أو ثقافية، بل تُرسّخ دعائم سردية وطنية جديدة تعترف بالتعدّد وتدمجه في قلب الهوية السورية الجامعة.

إن ترسيخ هذا المسار يقتضي تحويل الاعتراف القانوني إلى ممارسة مجتمعية يومية، تقوم على المواطنة المتساوية، وفك الارتباط بين الحقوق وأي شكل من أشكال الوصاية الخارجية أو الاحتكار الفئوي. ونتيجةً لذلك، تصبح وحدة سوريا نتاجًا طبيعيًا للاندماج والاعتراف المتبادل، لا ثمرة للقسر أو لتوازنات القوى المؤقتة.

عندها فقط، تطوي سوريا قرنًا كاملًا من الالتباس الهويّاتي، لتستقر أخيرًا بوصفها الوطن النهائي لجميع أبنائها، حيث تتعايش اللغات والثقافات ضمن دولة واحدة، وسيادة راسخة، ومستقبل مشترك يملكه السوريون وحدهم.

تلفزيون سوريا

——————————-

كرد سورية… إلى متى البقاء خارج اليقين الوطني؟/ محمد أمين

20 يناير 2026

لعل السؤال الأكثر تداولاً بين السوريين منذ تحرير بلادهم من نظام مستبد: ماذا يريد الكرد؟

الكرد الذين لطالما تعرضوا للاضطهاد، لا سيما خلال عهد النظام البائد، هم اليوم على مفترق طرق. ما زالوا متردّدين. لم يدخلوا في يقين وطني سوري يتشكّل. مطالبهم ومقارباتهم حول الهوية والدولة تبدو خارج النقاش الوطني السوري المحتدم منذ عام. فوحدة البلاد وهويتها مقدستان لدى العرب السوريين الذين يشكلون الغالبية الساحقة من السكان.

كان الكرد ممنوعين من كل شيء؛ من التحدّث بلغتهم علناً، ومن تعلمها في مدارس. عشرات الآلاف كانوا محرومين من الجنسية ومن حق المواطنة وواجباتها. الثورة التي بدأت في ربيع عام 2011، وكان الظلم والإقصاء والفساد دوافعها وروافعها، كانت فرصة انتظرها الكرد للحصول على حقوقهم، ولكن النظام البائد الذي لطالما استثمر بحزب “العمال الكردستاني”، فتح باب البلاد أمام كوادره، فظهرت وحدات “حماية الشعب”، وهي الذراع العسكري لحزب “الاتحاد الديمقراطي”، الذي يُنظر إليه على أنه نسخة سورية من “العمال” الكردستاني” الذي يتحكم اليوم بكل مفاصل القرار شمال شرقي سورية. غالبية قادة “حماية الشعب” قادمون من جبال قنديل مركز هذا الحزب ذي النزعة اليسارية. مدّها النظام البائد بالسلاح لمحاصرة الحراك الثوري ضده في عام 2012 في المناطق الكردية، وفق ما صرّح به رئيس الوزراء السابق في سورية، رياض حجاب، إثر انشقاقه الشهير عن نظام الأسد في ذلك العام.

سيطر هذا الفصيل على الشارع الكردي بشكل كامل، غيّب كل الأصوات الكردية الوطنية ليسود خطاب واحد قادم من وراء الحدود يمجّد عبد الله أوجلان (التركي) وفلسفته السياسية. وفي عام 2015 أسّس التحالف الدولي ما عُرفت بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، نواتها الرئيسية تلك الوحدات التي تلقت لاحقاً تدريباً رفيعاً وتسليحاً متطوراً. حاربت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحت غطاء ناري من طيران التحالف الذي اعتمد عليها ذراعاً برية لمواجهة التنظيم المتطرف. ما بين عامي 2015 و2019 سيطرت قوات “قسد” على الثلث الأهم في البلاد، الذي يضم ثرواتها، وباتت هي القوة المسيطرة بلا منازع. وأسّست إدارة ذاتية لمناطق نفوذها وفرضت قوانينها ونظامها التعليمي، ومجالس محلية، ولكن عينها كانت على الشمال حيث الجيش التركي المتربص بها، فهو يعتبرها تهديداً لأمن تركيا القومي.

طيلة سنوات، تحولت هذه القوات التي أخذت بعداً قومياً كرديّاً فاقعاً إلى لاعب رئيسي في المشهد السوري، وورقة ضغط بيد قوى إقليمية ودولية. احتكرت القرار في مناطق سيطرتها التي يشكّل العرب غالبية سكانها. تحكمت بالثروة كما تشاء، ولكن لم تصرفها لإحداث تنمية حقيقية في هذه المحافظات التي عانت من الإقصاء والتهميش طوال قرن. غيّبت العرب تماماً عن المشهد، وحيّدت كل القوى السياسية الكردية، واحتكرت القرار بشكل كامل.

لم تفلح كل المحاولات من أجل اعتماد مرجعية سياسية للكرد السوريين في مرحلة ما قبل سقوط الأسد. لم يقبل “الاتحاد الديمقراطي” أياً من أشكال الشراكة، واحتكر القضية الكردية، وربطها بمشروعات خارجية دخيلة، ما أفقدها جوهرها الوطني. بعد سقوط الأسد المدوّي، استغلت هذه القوات حالة الفراغ، ووسّعت نطاق سيطرتها فاقتربت أكثر من خاصرة حلب الشرقية، وبات لها موطئ في عمق البادية السورية. اعترفت بالواقع السياسي الجديد في دمشق من باب المناورة السياسية لا أكثر. كانت تراهن على فشل الإدارة الجديدة، بل ربما شعرت في وقت ما بأنها ستكون البديل الجاهز. ولكن العالم اعترف بالتغيير الذي جرى في سورية ورحّب به، فتبدلت حسابات قيادة (قسد) تماماً. اضطرت إلى توقيع اتفاق شهير في آذار من العام الفائت نصّ على دمجها في الجيش السوري الوليد. وقدمت قسد مطالب من أجل المضي في عملية الاندماج، لا يمكن لدمشق أن تتحمّلها؛ مطالب تنزع سيادة الدولة على نحو ثلث البلاد، وتعبّد الطريق أمام تقسيم على أسس طائفية وعرقية. قوات “قسد” التي ما تزال تحظى بدعم التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة لا تريد حل نفسها، وتسليم سلاحها، وتصرّ على البقاء في المعابر الحدودية، وتريد حصة من الثروة النفطية في الشمال الشرقي التي تضع يدها عليها منذ سنوات، وترى أن الفرصة سانحة للحصول على مكاسب سياسية للكرد محصّنة في الدستور، بل إنها تطالب بالمشاركة بكل مفاصل القرار في البلاد، وخصوصاً السياسي والعسكري، معتمدةً على فائض قوة تملكه نتيجة دعم غربي لأكثر من عقد، إلى حد المطالبة بـ “لا مركزية سياسية”، في محاولة لاستنساخ تجربة كردستان العراق. لم تدرك أن الظروف مختلفة عن تلك الموجودة في العراق، إذ إن الكرد يشكلون غالبية سكان إقليمهم هناك، بينما هم أقلية في شمال شرقي سورية الذي تنتشر فيه قبائل وعشائر عربية ترفض تماماً أي مشروعات انفصالية. قبلت هذه القبائل بتحكم قوات “قسد” طيلة سنوات، لأن البديل كان نظام الأسد البائد.

لعبت قوات “قسد” على الوتر الأخطر في سورية وهو وتر الأقليات الطائفية. دعمت مليشيات درزية متعاونة علناً مع الكيان الصهيوني المحتل، مادياً وعسكرياً، وجعلت من الشمال الشرقي ملاذاً آخر لفلول نظام الأسد البائد، بل ضمّت كثيرين منهم إلى صفوفها لتستقوي بهم على الإدارة السورية الجديدة وجيشها الوليد.

في مقابل مطالب “قسد”، تُريد دمشق اندماج هذه القوات في الجيش السوري على شكل فرق وألوية تنتشر في مناطق شمال شرقي سورية، وتريد فصلاً تاماً ما بين ملفي “قسد” والكرد في سورية. فشل الجانبان (دمشق وقسد) في تطبيق اتفاق آذار، فجولات التفاوض التي جرت سواء في شمال شرقي سورية أو في العاصمة دمشق بلا نتائج. التباين كبير وهوّة الخلاف واسعة وردمها باتفاقات فرعية لم ينجح. تفجّر الموقف أخيراً، وكان لا بدّ من انتزاع ورقة ابتزاز سياسي من يد قسد، وهي حيّا “الأشرفية” و”الشيخ مقصود” المكتظان بالسكان عرباً وكرداً، خرجت من حلب عاصمة البلاد الاقتصادية أخيراً، إذ كانت تراهن على دفاع مستميت يستمر لشهور كفيل بالضغط على دمشق يجبرها على تقديم تنازلات “مؤلمة”.

كانت تراهن على انتهاكات بحق السكان شبيهة بتلك التي حدثت في الساحل والسويداء لتأليب المجتمع الدولي ضد دمشق، وخلق مظلومية كردية جديدة، ولكن الجيش أثبت أنه استوعب درس آذار وتموز، إذ قدم أداء وطنياً عالي المستوى عزّز ثقة السوريين به. نُذر مواجهة كبرى ما بين دمشق و”قسد” لم تعد خافية، فتوحيد سورية مجدداً من أكبر المهام وربما أصعبها أمام دمشق.

المقاربات السياسية لملف قسد والملف الكردي في سورية غائبة، فالمشهد الميداني والسياسي والعسكري معقّد إلى حد كبير، فالاشتراطات “غير واقعية” وغير ممكنة التطبيق، ولكن “قسد” لا تمثل كل الكرد السوريين، ولا يمكن اختزالهم في هذا الفصيل، فالمجلس الوطني الكردي الذي يضم أحزاباً وتيارات سياسية عدة، ينافسها في المشهد الكردي، ويحاول دفعها إلى إشراكه في القرار، ولكن افتقاده إلى شوكة عسكرية يجعله على هامش “اللعبة”. وهناك تيّار ثالث، وهو تيّار المستقلين الذين يؤمن بدولة مواطنة جامعة للعرب والكرد. وحتى “قسد” تبدو نهب تيارات داخلها، فالصقور لا يريدون أي حل مع دمشق ينزع عنهم سلطتهم، ونفوذهم الاقتصادي، والحمائم تبحث عن اتفاق مع دمشق يحقّق الحد المعقول من المطالب الكردية، فالصدام العسكري في حال اتساعه مع ضوء أخضر أميركي لتركيا للتدخل يعيد الملف الكردي إلى مربع عام 2011، وربما ينزع من أيديهم كل المكاسب التي حُققت على مدى أكثر من عقد. 

لا يتمركز الكرد السوريون في منطقة جغرافية بعينها، فهم ينتشرون في عموم البلاد، ولكن هناك تجمعاً كبيراً في محافظة الحسكة، ولا سيما في مدينة القامشلي وريفها المحاذي شمالاً لتركيا وشرقاً لإقليم كردستان العراق. ويشكل الكرد غالبية سكان منطقتي عين العرب (كوباني) وعفرين في ريفي حلب الشمالي والشمالي الشرقي. وسكن الكرد خلال النصف الثاني من القرن الفائت في مناطق عدة، في حلب وفي دمشق التي تضم حياً سكنه الكرد منذ قرون، وهو المعروف اليوم بحي ركن الدين. قالت الأمم المتحدة في عام 2017 إن نسبة السوريين الكرد تصل إلى 5%، بينما الأوساط الكردية تقول إنها أكبر.

العربي الجديد

——————————

الموضوع السوري الكردي قضية وطنية عامة/ عبد الباسط سيدا

20 يناير 2026

يذكّر ما حصل (ويحصل) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمآلات الأمور بين الحكومة التركية وحزب العمّال الكردستاني، في نهاية العملية السلمية التي انطلقت بين الطرفَين في أواخر عام 2012، وتوقّفت إثر اندلاع اشتباكات بينهما في أواخر عام 2015. فرغم التفاؤل في ذلك الحين بقرب التوصّل إلى حلٍّ مستدامٍ للقضية الكردية في تركيا، تفجّرت الصراعات عنيفة في أماكن مختلفة، خصوصاً في شرناق ونصيبين وديار بكر، وتوقّفت العملية المعنية على مدى عقد تقريباً، ليعود الحديث عنها، بأسماء مختلفة، بعد مبادرة رئيس الحركة القومية التركية، دولت بهجلي، وتجاوب رئيس حزب العمّال، عبدالله أوجلان، معها. فبعد الاتفاق الذي وُقّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، برعاية أميركية في 10 مارس/ آذار الماضي (2025)، استبشر السوريون، بمختلف انتماءاتهم المجتمعية وتوجّهاتهم السياسية، خيراً، وتوقّعوا أن يكون هذا الاتفاق بدايةً واعدةً لإعادة جسور التواصل بين سائر المكوّنات السورية، وهي الجسور التي كانت سلطة الأسد تحرص على تفجيرها، وتعمل على منع (بل قمع) أيّ محاولة لترميمها أو إعادة بنائها. وما أضفى أهمية خاصة على الاتفاق المعني أنه حصل في أجواء أحداث الساحل المؤسفة، والخشية من استمرارية تلك الأحداث وانتقالها إلى مناطق سورية أخرى. فقد كان ذلك الاتفاق تهدئةً للأوضاع والنفوس، وخطوةً واعدةً منحت السوريين الأمل بإمكانية معالجة قضاياهم بالحوار والتفاهم والحلول السلمية البنّاءة.

ورغم ضبابية بنود الاتفاق، وإمكانية تفسيرها بطرائق مختلفة تتواءم مع رغبات كل طرفٍ وتصوّراته ونيّاته، كان الاعتقاد السائد بين السوريين أن الطرف الراعي (الولايات المتحدة) سيستمر في دفع التفاهمات نحو خواتيمها المرجوّة عبر التطبيق المقبول للاتفاق؛ الأمر الذي كان (وما زالت هذه الإمكانية قائمة إذا تمكّن الطرفان من ضبط النفس واللجوء إلى الحكمة والحوار) من شأنه قطع الطريق أمام محاولات التصعيد والتهويل والتجييش كلّها، الرامية إلى تفجير الأوضاع خدمةً لمشاريع لا تتقاطع مع مصالح السوريين وتطلّعاتهم.

وجاءت أحداث حيّ الشيخ مقصود والأشرفية المؤسفة في حلب لتؤكّد مشروعية هذه الهواجس، وصحّة توقّعات أصحابها. وتوقّفت عملية الحوار بين الحكومة و”قسد”، وهي العملية التي كانت (وما زالت) المخرج الأمثل لتجاوز حالات الاستعصاء وانسداد الآفاق. ومن شأن العودة إلى هذه العملية وتطويرها، من خلال إشراك القوى الكردية السورية من المجلس الوطني الكردي، والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، أن تعطي الأمل بإمكانية اعتمادها في مقاربة الأوضاع في الساحل والسويداء، وتعزيز أسس الأمان والاستقرار في سائر الربوع السورية.

وبناء على التجارب السابقة والمعطيات المعروفة، يبدو أن هناك قوى متضرّرة من المآلات الإيجابية التي كان ينتظرها السوريون، والسبب تعارض ذلك مع خططها وحساباتها الخاصّة بالمنطقة. وبالنسبة إلى الموقف الأميركي من تقدّم القوات الحكومية ضمن مناطق شمال شرقي سورية مقابل انسحابات واضحة من “قسد”، فهو يثير تساؤلات عديدة تتمحور في معظمها حول وجود تفاهمات إقليمية – محلّية بشأن ما يجري، وما ستسفر عنه الأمور في الأيام المقبلة.

مهما حصل، وبغض النظر عن التطوّرات الميدانية السريعة المتلاحقة، يبقى السوريون من جميع المكوّنات محكومين بالعيش المشترك بموجب وقائع التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والمصالح المشتركة؛ وهذا ينسجم مع ما تؤكّده المواقف الإقليمية والدولية المُعلَنة حتى اللحظة على الأقل. لكنّهم (السوريون) يحتاجون إلى جملة خطوات لتحسين شروط هذا التعايش، ليصبح بيئة تفاعلية بنّاءة جاذبة أساسها الثقة المتبادلة واحترام الآخر المختلف في أجواء آمنة مستقرّة تطمئن الجميع من دون أيّ استثناء، فالأمن والاستقرار على المستويَين الجمعي والفردي هما أساس كل نهضة مستدامة، والشرط الذي لا استغناء عنه لكل عملية تنموية حقيقية تضمن شروط العيش الكريم للجميع.

لدى السوريين مخاوف مشروعة نتيجة تراكمات الماضي وتجاربه، ونتيجة الحوادث المؤسفة التي كانت في عدة مناطق سورية، والخشية من تكرارها في المناطق عينها أو غيرها. ومن دون تفهّم هذه المخاوف ومعالجة أسبابها ستظلّ كل الوعود العامة والمجاملات الإنشائية مجرّد تطمينات آنية، تتآكل مصداقيتها مع الوقت، ما لم تُدعَم بخطوات عملية.

ولتبديد مخاوف السوريين وهواجسهم، لا بدّ من عقود مكتوبة تلتزم بها السلطة ومؤسّسات الدولة؛ عقود تطمئن الجميع من سائر الانتماءات والتوجّهات وفي جميع الجهات، وتكون حصيلة التوافق الوطني عبر حوارات يشارك فيها ممثّلو سائر المكوّنات والتوجّهات السياسية بعقل وقلب مفتوحين، يسعى الجميع من خلالها إلى مدّ الجسور وتذليل العقبات. وفي موازاة هذه الخطوة المحورية، لا بد أن تكون هناك خطوة أخرى لا تقلّ عنها أهميةً، وتتمثّل في جملة القوانين والإجراءات والممارسات التي تعزّز الثقة، وتؤكّد أن ما يُعلن ويُقال يعبر عن توجّه أكيد ثابت (من سيعمل ماذا ومتى؟)، وليس مجرّد وعود مجاملاتية غير ملزمة؛ وعود غير مدعومة بآليات واضحة تساعد في الالتزام بما يُعلن (تحديد المعنيين بالتنفيذ، ووضع قواعد واضحة لإجراءات مساءلة ومحاسبة المقصّرين).

وضمن هذا السياق، يُعدّ المرسوم الرئاسي 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع خطوةً مهمّةً واعدةً يمكن البناء عليها لتكون أرضيةً لتقديم رؤية متكاملة بشأن حلّ واقعي مستدام يطمئن مختلف الأطراف المعنية بالموضوع السوري الكردي، يُتوصّل إليها من خلال الحوارات المعمّقة بين القوى السياسية والفعّاليات المجتمعية الكردية والسورية، لتصبح هذه الرؤية (بعد تعديلها بناء على التوافقات والمقترحات) رؤية وطنية شاملة تكون جزءاً من العقد الاجتماعي الذي من المفترض أن يكون ركيزةً لصياغة الدستور المنتظر. وهو الدستور الذي لا بدّ أن يطمئن سائر المكوّنات المجتمعية السورية، ويؤسّس لسلام مجتمعي لا يمكن لأيّ شكل من أشكال الاستقرار أن يجد طريقه إلى التحقّق من دونه.

ومن الضروري في هذا المجال تجاوز عقلية اختزال الكرد في “قسد”؛ فالموضوع الكردي في سورية أكبر وأقدم من “قسد” وحزب العمّال الكردستاني، وهو موضوع سوري وطني بامتياز، لا بدّ أن يُعالج ضمن الحوارات والتوافقات السورية – السورية، بعيداً من الأجندات والحسابات العابرة للحدود. ويوجب هذا الأمر اعتماد الخطاب الوطني الجامع الذي يحرص على سلامة النسيج المجتمعي الوطني السوري ووحدته، واتخاذ الإجراءات التي تطمئن سائر السوريين عبر إبعاد شبح نزعات الانتقام والاستقطابات المذهبية والقومية وغيرها.

تعب السوريون كثيراً، وضحّوا بما لا يُوصف من أجل القطع النهائي مع الاستبداد والفساد، ومن حقّهم اليوم أن يستمتعوا بحرّيتهم، وأن يكونوا على ثقة تامة بأنّ حريتهم حقيقةٌ واقعةٌ محميّةٌ دستورياً، وكرامتهم مصانة، ومستقبل أجيالهم المقبلة مضمونٌ مشرق.

وبقي أن نقول إن المرحلة التي نمرّ فيها على غاية التعقيد في مختلف المستويات: الوطنية والإقليمية والدولية. والأمور في مختلف المستويات متداخلة ومتفاعلة يؤثّر بعضها في بعضها الآخر. لذلك، هناك ضرورة ماسّة للتوافق على بناء آلية وطنية لإدارة الخلافات ومعالجتها بالطرق السلمية عبر حوارات مفتوحة، وتفاهمات توافقية، سقفها الالتزام بالمصالح السورية المشتركة ضمن إطار وحدة الشعب والوطن.

العربي الجديد

—————————-

رفٌّ جديدٌ في الخزانة الوطنية/ يعرب العيسى

20 يناير 2026

يتراكم العقد الاجتماعي على مدار الساعة، يصنع نفسه مما يجري فيه وعليه، في أثناء عبور الزمان بعاديّة إيقاعه. ليس العقد الاجتماعي توصيات ندوة علمية، ولا تمريناً فكرياً، ولا مجموعة تعليمات مرتّبة تحت بعضها، ولا وصفة يكتبها خبراء.

يتفق الناس على قواعد تحكم علاقتهم بالدولة، وعلاقتهم ببعضهم، يفعلون ذلك يوماً بيوم، وحدثاً فحدَث، يتراجعون، يتقدّمون، يتناطحون، ويستمر العقد بصوغ نفسه، كخوارزميةٍ تعيد تقييم نفسها مع كل نقرة كيبورد.

تحصل الأشياء تحت الضغط أحياناً، تحصل لظروف آنية ولمفاجآت، تحصل بسبب التهوّر، المزاج، نوبة عاطفية، تفادياً لمأزق أكبر. لكن الأمم عادة، إذا ما رأت في حدثٍ ما خيراً لها، تحمل هذا الشيء الذي حصل لأي سبب، وتضعه في خزانتها. سيصبح ملكاً لها، وما لم تفقد مفتاح الخزانة، كما قد يحصل في الحروب الاهلية، او ما لم ينتزعه شرير ما، كما قد يحصل في حقب الطغيان، فهي تحافظ عليه، حتى لو نسيت متى وصل إلى الرف العلوي، ومن أتى به. وهذه الأشياء التي تتراكم في الخزانة هي ما تصنع الأمة، وتصنع هويتها، وتصوغ عقدها الاجتماعي.

في خزانتنا الوطنية اليوم أشياء تركها حسني الزعيم، الذي جاء بانقلاب عسكري، لم يدم سوى أربعة أشهر، لم نتخلَّ عنها، رغم المياه الكثيرة التي جرت في هذا النهر. ربما ألقينا بلجنته الدستورية إلى سلة المهملات، وتبرّأنا من تسليم أنطون سعادة ليعدم في لبنان. لكننا احتفظنا بمرسوم منح المرأة حقّ التصويت والترشيح. تراجعنا عن تحالفه مع مصر الملك فاروق، وحافظنا على اتفاقية الهدنة مع إسرائيل. شطبنا إجراءاته الاقتصادية الراديكالية، وتمسّكنا بقانون الأحوال الشخصية.

هكذا تجري الأمور، والمرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع واحدٌ من هذه الأمور، التي علينا أن نحملها ونضعها في الخزانة الوطنية، ولا نتخلى عنها أبداً. ولتعبر في هذا النهر أي مياه تشاء، فالثقافة الكردية جزء أصيل من الثقافة السورية، واللغة الكردية لغة وطنية ثانية، والنيروز عيد وطني، والكرد سوريون.

منذ زمن طويل، كان على أحد ما أن يفعل هذا، أن يخرج شجاع ما، ويقول: سورية بلاد متنوعة، ولا يمكن توحيد الجميع بطريقة انصهارية. ليس من عام 1962، حين أعلنت نتائج الإحصاء الظالم في الجزيرة السورية، الذي حرم عشرات آلاف من الجنسية، ولا من الإجراءات القومجية التي جاء بها “البعث” عام 1963، والتي وصلت إلى حد إجبار كردي وآشوري وتركماني وشركسي على القسم بأن يموت فداءً للقومية العربية. بل ربما قبل ذلك بكثير، ربما كان على صلاح الدين نفسه، أو أحد أبنائه أن يصدر بعض مواد هذا المرسوم. وربما كان على البند المتعلق باعتبار النيروز عيداً وطنياً أن يصدر قبل ذلك بكثير، ربما من أيام النبي سليمان أو إبراهيم. فهو أول عيد احتفل به البشر منذ وعوا وجودهم، وأدركوا معنى الربيع.

المهم أن هذا المرسوم صدر، ويمكن القول: هذا الأسبوع أضيف إلى معنى سورية حرف جديد. ولعلها بدأت تدرك أن معناها في تنوعها.

لا يهم أن المرسوم صدر فيما الأصابع على الزناد، فلطالما وُقّعت قرارات واتفاقيات كبرى، فيما الفوهة على الصدغ، ولكنها بقيت، وحققت هدفها، وتركت أثرها.

لا يهم أن السلطة التي أصدرت هذا المرسوم انتقالية، لم تكتمل أركانها الدستورية بعد، ففي الوقت المناسب، سنفتح الخزانة، ونجرّد ما جمعناه منذ قرن، وسندستر كل ما فيه خيرنا.

العربي الجديد

——————————

تقرير أوروبي يحذر من تداعيات هروب عناصر تنظيم “الدولة

شكل هروب عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” من سجون كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، في شمال شرقي سوريا، تطورًا أمنيًا بالغ الخطورة، بحسب ما جاء في تقرير  “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات”.

هروب العناصر جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة، فقد تزامن مع انسحاب “قسد” من مناطق استراتيجية وانتقال السيطرة تدريجيًا إلى الحكومة السورية، ما جعله مؤشرًا على خلل بنيوي في إدارة ملف معتقلي التنظيم، وليس مجرد حادث أمني عابر، بحسب التقرير، الذي نشر اليوم الثلاثاء 20 كانون الثاني.

ويعرف المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات عن نفسه كمركز إستشاري مستقل، يصدر دراساته من ألمانيا و هولندا.

وقعت عملية الهروب في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بحسب المركز الأوروبي، شارحًا “تميزت بتفكك الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة بين التحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية”، وبانحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز.

كما ترافقت مع تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق بشأن آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون، ما أفرز فراغًا أمنيًا مؤقتًا سرعان ما تحول إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة.

وكانت وزارة الداخلية السورية، قد قالت إن حادثة الهروب التي شهدها سجن “الشدادي” في ريف محافظة الحسكة، أسفرت عن فرار نحو 120 عنصرًا من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وألقت القبض على 81 عنصرًا منهم، اليوم الثلاثاء.

كما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري اليوم، أن “قسد” تركت حراسة مخيم الهول وأطلقت من كان محتجزاً بداخله، ويضم المخيم آلاف السجناء من مقاتلي تنظيم الدولة، وعشرات الآلاف من أسرهم من النساء والأطفال. 

التداعيات الأمنية داخل سوريا

يوفر هروب عناصر “متمرسة” قتاليًا فرصة حقيقية لتنظيم “الدولة” لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيدًا من خبرات ميدانية راكمها خلال سنوات الصراع، بحسب تقرير المركز الأوروبي.

كما يمثل الحدث مادة دعائية للتنظيم، تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها سابقًا لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.

وتؤكد تجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، أن مثل هذه الحوادث غالبًا ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.

وأعادت الحادثة تسليط الضوء على هشاشة منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا، حيث تحولت السجون من أدوات احتواء إلى نقاط ضعف استراتيجية، ويعود ذلك إلى غياب إدارة موحدة، ونقص الحماية التقنية والاستخباراتية، فضلًا عن استخدام ملف السجون كورقة ضغط وتفاوض سياسي بين الأطراف المحلية المتصارعة.

تداعيات إقليمية تتجاوز الحدود السورية

لا تقتصر انعكاسات هروب سجناء التنظيم على الداخل السوري، وفقًا لتقرير المركز الأوروبي، مفسرًا “بل تمتد إلى الإقليم، مع تزايد احتمالات تسلل العناصر الفارّة إلى العراق عبر البادية السورية.

ويعزز ذلك التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.

كما يسعى التنظيم إلى استثمار الحدث دعائيًا، لتأكيد استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه.

من جهة أخرى، من المرجح أن يؤدي هذا التطور إلى تجدد التوتر التركي–الكردي، إذ تستخدم أنقرة مثل هذه الحوادث لتأكيد موقفها القائل بعدم أهلية “قوات سوريا الديمقراطية” لإدارة ملفات أمنية عالية الخطورة، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو تحركات عسكرية إضافية في شمال سوريا.

أبعاد مقلقة على الأمن الأوروبي

التقرير يرى أن حادثة الهروب تحمل أبعادًا مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصًا أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعدادًا من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون، ويعني ذلك ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة.

كما تعيد الواقعة إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية.

استغلال الفراغ بين “قسد” ودمشق

استفاد تنظيم “الدولة”من الفراغ السياسي والأمني الناتج عن الخلاف بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع.

فضعف التنسيق الأمني وتضارب الأولويات بين الطرفين أوجدا مساحة رخوة أمنيًا، اعتاد التنظيم استغلالها تاريخيًا لإعادة التموضع، دون الحاجة إلى سيطرة مكانية واسعة، شرح التقرير.

كما يمثل ملف السجون إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في المرحلة الحالية، في ظل غياب اتفاق واضح ومستقر حول الجهة المسؤولة عن إدارتها وحمايتها.

وتتيح هذه الثغرات للتنظيم ليس فقط تنفيذ عمليات هروب، بل أيضًا التواصل مع عناصره داخل السجون وإعادة تنشيط شبكات الدعم الخارجي.

الحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات

التقرير خلص إلى أن هذه التطورات تفرض الحاجة إلى تحرك على مستويات عدة.

أوروبيًا: تبرز ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى المعالجة الجذرية عبر تسريع إعادة المقاتلين الخاضعين للولاية القضائية ومحاكمتهم، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية.

على مستوى التحالف الدولي: يبرز ضرورة إعادة تفعيل دوره بما يشمل حماية مراكز الاحتجاز، ودعم القدرات الاستخباراتية المحلية، واستمرار الضغط العسكري على خلايا التنظيم.

سوريًا وإقليميًا: تبرز أهمية تحييد ملف السجون عن الصراع السياسي، وتعزيز التفاهم بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، إلى جانب توثيق التعاون مع العراق لضبط الحدود ومنع إعادة تنشيط التنظيم.

ويشكّل هذا المسار حجر الزاوية في سد الفراغات الأمنية، ومنع إعادة إنتاج تنظيم داعش بصيغ أكثر مرونة ولا مركزية.

خلاصة واستنتاجات

التقرير، توصل إلى جملة استنتاجات، تمثلت في:

    لا يمكن فصل استقرار شمال وشرق سوريا عن مسار التفاهم بين “قسد” والحكومة السورية، ولا عن عمق التعاون مع الحكومة العراقية. فتعزيز هذه المسارات الثلاثة يشكّل حجر الزاوية في منع إعادة إنتاج تنظيم “الدولة”، وتحويل المرحلة الانتقالية من مصدر تهديد إلى فرصة لإرساء حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا والمنطقة.

    تشير المعطيات الراهنة إلى أن التنظيم لم يُهزم أيديولوجيًا، وأن استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة في إدارة ملف المعتقلين ينذر بعودة التهديد بصيغة أكثر لامركزية ومرونة.

    يمثل هروب سجناء التنظيم في سوريا جرس إنذار استراتيجي للمجتمع الدولي وأوروبا على وجه الخصوص.

    يشكل تفعيل التحالف الدولي عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والأوروبي. فالتجربة أثبتت أن أي انتكاسة في مكافحة التنظيم في سوريا والعراق تنعكس مباشرة على أوروبا.

    تفعيل دور التحالف الدولي ضد التنظيم لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية والتحولات الاستراتيجية في المنطقة.

    يمثل التنسيق السوري–العراقي عنصرًا حاسمًا في ضبط الحدود المشتركة، لا سيما في مناطق البادية التي تشكّل ممرًا تقليديًا لتحركات التنظيم.

استلام إدارة سجون عناصر تنظيم “الدولة”

أعلنت وزارة الداخلية السورية جاهزيتها بشكل كامل لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” في محافظة الحسكة، “وفق المعايير الدولية المعتمدة، وبما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار”.

وأكدت الوزارة في بيان، الاثنين 19 كانون الثاني، تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام السجون وتأمين محيطها وإدارتها الداخلية، مع تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأوضحت استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأمريكي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمّلت الوزارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر التنظيم من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، معتبرة ذلك “خرقًا أمنيًا خطيرًا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي”.

وجددت رفضها القاطع لما وصفته محاولات “قسد” استخدام ملف معتقلي تنظيم “الدولة” كورقة ابتزاز سياسي ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى “خطر السجون”، مؤكدة أن “هذه المحاولات مكشوفة ولا تخدم سوى إعادة إنتاج الفوضى وتهديد أمن المدنيين”.

واتهمت هيئة العمليات “قسد” بإطلاق سراح عدد من عناصر التنظيم من سجن الشدادي، مشيرة إلى أن الجيش تدخل لتأمين المدينة والسجن، وبدأ عمليات تمشيط بحثًا عن العناصر الذين أطلق سراحهم.

وكانت قالت “قسد” ، أعلنت أن سجن “الشدادي” في الحسكة، الذي يضم سجناء من تنظيم “الدولة الإسلامية”، خرج عن سيطرتها، بعد تعرضه لهجمات متكررة من الحكومة السورية.

واتهمت “قسد”، في بيان لها الاثنين، قاعدة التحالف الدولي في المنطقة، التي تبعد عن السجن نحو كيلومترين اثنين، بعدم التدخل، رغم الدعوات المتكررة.

عنب بلدي

———————————–

سوريا..موسم الهجرة الى الشمال/ ساطع نور الدين

معجزة سورية جديدة صنعتها الاقدار، والصدف التي وضعت العرب والكرد مرة أخرى على طريق المصالحة التاريخية المستحيلة.

معجزة سورية جديدة ترفع حاكم دمشق الجديد، الرئيس احمد الشرع، الى مستوى عربي وعالمي لم يبلغه أي حاكم سوري من قبل.

معجزة سورية جديدة، تجعل زعيم أكراد سوريا مظلوم عبدي يستعيد، بشكل شبه حرفي، سيرة الزعيم الأقوى للقضية الكردية عبد الله أوجلان، الذي كانت هزيمته الأولى في دمشق بالذات، ورايته البيضاء مرفوعة في البوسفور.

لكنها ، ككل المعجزات، غير مفهومة وغير منطقية. فجأة، يتولى حاكم دمشق تسلم السلاح الكردي، الذي كان يحكم عنوة شمال الشرق السوري لنحو عقدين من الزمن، بشراكة ملتبسة مع سلاح العشائر العربية المتمردة على كل سلطة سورية.. قبل ان يجرد العلويين والدروز وغيرهم من سلاحهم المنتشر على مسافة أقرب الى العاصمة دمشق، وعلى عتبة أخطر من حافة الهاوية، هاوية الفدرالية المنشودة.

التوقيت تركي بلا أدنى شك. قرر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، قبل مدة أنه سيسلم تركيا خالية من الإرهاب، في الداخل وعلى تخومها الحدودية. كانت “قسد”، جرحا غائراً، وخطراً داهماً: كيان كردي شبه مستقل، يحمي المظالم الكردية، ويحرك المواجع التركية، مع أنه كان أقل الكيانات الكردية الشبيهة، تهديداً للامن القومي التركي، حتى عندما نال تفويضاً اميركياً مستحقاً بإدارة الشمال الشرقي لسوريا، وما فيه من أغلبية عربية حاسمة، نتيجة شجاعته الاستثنائية في قتال داعش، وإعتقال محاربيها وعائلاتهم.

طبعا، يضاف الى هذا الدور، المكافأة الأميركية ل”قسد”، بالاستفادة من حقول النفط السورية المهملة، والاشراف على المخزون الغذائي الأهم الذي كانت تحتويه تلك المنطقة الخصبة من شمال شرق سوريا. لكن “قسد”، ظلت عقدة تركية لا تحتمل التسامح ولا التفاوض.. وقد قيل حتى في ذروة الزحف على حلب ومنها الى دمشق في الثامن من كانون الأول العام 2024، أن الهدف التركي الأول والاهم لم يكن بشار الأسد، بل كان مظلوم عبدي. فكان أن سقط الأول سهواً، وحصل الثاني على تأجيل للحكم بإنهاء كيانه.

ما يجري الان ليس سوى تنفيذ لقرار تركي سابق، بتقويض تلك الحالة الكردية الناشزة، حتى بالمعايير العراقية والإيرانية، لكن ليس بالمعايير السورية التي كانت ولا تزال تحتمل الخوض في أولويات مختلفة، عن إرسال الجيش السوري الحديث النشأة لاستعادة السيطرة على المثلث الحدودي في شمال شرق سوريا، مقابل وعود للكرد بالجنسية والشراكة الوطنية لا تستطيع سلطة غير مكتملة الأركان في دمشق ان تنفذها.

التوقيت التركي حاسم حتى في واشنطن، التي لم تتردد في رعاية تلك العملية الانتقالية الخاطفة، عملية التسلم والتسليم، بين سلطة سورية تحتاج كل يوم الى إثبات شرعيتها وجدارتها، وبين سلطة كردية فقدت وظيفتها وشرعيتها.. وكل ذلك تحت شعار وحدة وطنية سورية ما زالت قيد الاختبار، ولم يكن الكرد خطرها الأكبر، ولن تكون مساهمتهم في صونها وترسيخها، إلا شكلية، خاصة عندما تصطدم دمشق مع مطالب العشائر العربية وحقوقهم الشرعية في الحكم والمؤسسات.

والكلام عن أن إلتحاق الكرد بالدولة السورية يضيف الى مكوناتها العرقية والطائفية الأخرى شريحة “مدنية” كبرى مناهضة بالتعريف للحكم الإسلامي الجديد، يبدو الآن سابقاً لأوانه، ولا شيء يوحي الآن بأن الاستسلام الكردي التام، يؤهل الكرد السوريين عموما لدور تأثير جدي في عملية صنع القرار في دمشق.. مثلهم كمثل العلويين والدروز الذين ينتظرون منذ أشهر تلقي الدعوة للشراكة الوطنية.

الأقرب الى المنطق، هو ان زوال الكيان الكردي السوري يؤجل عملية الانتقال السياسي المتعثرة في دمشق، ولا يسرعها، كما هو الشائع الآن.. إلا إذا حصلت معجزة سورية أخرى.

بيروت في 20 / 1 / 2026

صفحة الكاتب

—————————–

الإنسان أولاً.. أبناء الجزيرة ليسوا أرقاماً على هامش الثروات/ محمود الشمالي

يناير 20, 2026

بالتزامن مع استعادة الدولة السورية سيادتها على أجزاء واسعة من منطقة الجزيرة السورية – محافظات الرقة ودير الزور والحسكة – من تنظيم “قسد”، تتداول منصات التواصل الاجتماعي أخباراً ومشاهد مصورة توحي باختزال المنطقة بمجرد جغرافيا تختزن النفط والمعادن وأرض للزراعة، ليطفو سؤال جوهري على السطح: أين موقع الإنسان في هذه المعادلة؟

بالمقابل، لاقى هذا التداول الذي ركز، بشكل أحادي على ثروات منطقة الجزيرة السورية، انتقادات واسعة، خاصة من أبناء الجزيرة السورية أنفسهم، ودعت هذه الانتقادات إلى تحويل النظر نحو الجوهر الحقيقي لهذه المناطق، التي عاش أبناؤها لعقود مضت تحت التهميش وسوء الخدمات التي أظهرتها معظم التقارير الإعلامية مع دخولها إلى المنطقة عقب خروج تنظيم “قسد” منها، وتكريس صفة “المناطق النائية” عليها، وعلى أنه من المفترض اليوم أن تتمثل المسؤولية في كسر هذه السردية القديمة وبناء رؤية جديدة تجعل من المنطقة وأهلها محوراً للاستثمار والتنمية، لأن الأرض تكتسب قيمتها من قيمة الإنسان الذي يعيش عليها، وليس العكس.

تنميط المنطقة واختزالها

تتعدد أوجه الصورة النمطية التي كرست لعقود عن الجزيرة السورية وأهلها، ففي مقابلة مع إحدى القنوات العربية، ظهر رجل في الخمسين من عمره يُقسِم بأنه خرج للمرة الأولى ليهتف ابتهاجاً، معلناً عن لحظة تحول شخصي عميق، حيث شعر للمرة الأولى بأنه “مواطن سوري” كامل الحقوق بعد تحرير منطقته، ووصف حالته السابقة قائلاً: “كنا نشعر بأننا مواطنون بلا حقوق، وكأننا من عالم آخر… حتى أننا لسنا بشراً”.

وفي السياق يوضح الكاتب الصحفي فراس علاوي في حديثه لـ “الثورة السورية” بأن الجزيرة السورية مثلها مثل أي منطقة في سوريا، فيها من جميع نخب المجتمع، ولها ماضيها وتاريخها العريق، والنظر لها كمجتمع عشائري هو نمط أوجده نظام الأسد المخلوع لأسباب سياسية، وهذا التنميط يجب أن يزول بأي شكل خاصة أن سنوات الثورة السورية أدت لانصهار في المجتمع السوري، واستمرارها سيسبب تفكك لهذا المجتمع أكثر من توحده.

ويضيف علاوي: “هذه النظرة النمطية عن الجزيرة السورية على أنها منطقة ثروات وزراعة وأهلها غير مساهمين في المنتج الحضاري السوري وكان يعاقب من يخالفه بالنقل للعمل في دير الزور على سبيل المثال، والابتعاد عن حقيقتها وحقيقة شعبها هي نظرة مسيئة لها بشكل عام”.

ومع اندلاع الثورة السورية تصدر الكثير من أبناء المنطقة المشهد بحسب علاوي، وحاولوا تغيير النظرة عنها، ولكن للأسف “بعد التحرير مازال التنميط السابق موجوداً، متجاهلاً أهل المنطقة ومصلحتهم والذين هم في النهاية لهم مشاركتهم في الدولة ولهم حضورهم المميز ومن غير المنطقي تجاهلهم اليوم”.

كذلك توضح مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري كندة حواصلي، بأن النظام المخلوع كان ينظر للبشر بدون أي قيمة، سواء في الجزيرة السورية أو غيرها وهذه السياسات الطولية وحالة التجهيل، أدت لعدم معرفة المجتمعات السورية ببعضها، وبقيت لا تعرف عن بعضها سوى ما كان يتم تدريسه في المناهج، وكانت هذه السياسة قائمة على مبدأ “فرق تسد” والتي عززت الشروخ المناطقية ما بين المجتمع السوري وتصنيفه ما بين متقدم ومتخلف، حضر وبدو، وغيرها من تصنيفات.

وهذا ما يفسر، بحسب حواصلي، ظهور تلك المقاطع المصورة المختزلة، وتوضح أن سياسات النظام المخلوع أبعدت السوريين عن بعضهم وعززت عدم شعورهم بالمواطنة ككتلة بشرية واحدة لأنهم في حال إدراك هذه القيمة ممكن أن يصنعوا فارقاً، ولكي يداري على سياسات ضعف التنمية التي أوصلت سكان الجزيرة السورية إلى حالة الإهمال في الخدمات الأساسية والبنية التحتية التي نشاهدها اليوم بعد سيطرة الدولة عليها”.

وتضيف: “وبالتالي فمن الطبيعي حينما لا تعرف الجهة الأخرى سوف تبني عليها تصوراً مسبقاً بناء على المعلومات المتوفرة عنها، وهذا هو السبب الذي أدى لظهور هذه المقاطع واختزال ما يجري بمصالح شخصية وبالانطباعات والمعلومات البسيطة المختزنة في ذاكرتهم”.

ويتجسد هذا الاختزال اليوم، في الخطاب الرسمي نفسه، فمن وجهة نظر الباحث حسن عبد الله الخلف، المهتم بتاريخ الجزيرة السورية والتي أوضحها في حديثه لـ “الثورة السورية”، فإن الخطاب الرسمي للحكومة “يضع الإنسان الفراتي وإنسان الجزيرة السورية في المرتبة الثانية، وربما الثالثة، فدائماً ما يسبقه في الأولوية الحديث عن النفط والقمح والغاز والكهرباء والسدود، وبعد كل ذلك يُذكر الإنسان وحقوقه وكرامته وحريته في أرضه”. ويضيف الخلف: “خطاب التحرير الذي تقدمه الدولة اليوم لا يراعي الإنسان بقدر ما يراعي الثروة، فلا تُذكر الجزيرة السورية إلا عند الحديث عن استعادة القمح والقطن والنفط والمياه والكهرباء، بينما يُترك سكانها في الخلفية، وكأنهم مجرد أرقام إضافية “.

بناء الكرامة قبل بناء المشاريع

معادلة النجاح الحقيقية في مرحلة ما بعد تحريرالجزيرة السورية يجب أن تنقلب رأساً على عقب، فبدلاً من أن يكون الإنسان تابعاً للثروة، يجب أن تكون الثروة أداة لتحرير الإنسان وضمان كرامته.

من وجهة نظر الخلف، فإن “أي حديث عن تحرير الجزيرة السورية يجب أن يبدأ بالإنسان، وحقه في الكرامة، والحرية من سلطات القمع والاستبداد التي تعاقبت على المنطقة لعقود، ويجب وضع سكانها في صدارة أي خطّة لإعادة البناء والتنمية، لأن أي استثمار أو ثروة تُستعاد قبل تحرير الإنسان سينقلب إلى أداة قمع، ولن يكسب السلطة الجديدة شرعية أو احتراماً من السكان”.

ويجب الانتباه الى حقيقة أن الجزيرة ليست مجرد أرض لإنتاج القمح أو النفط ، وليست خريطة ثروات تدار من المركز، بل هي مجتمع حي له تاريخ وهوية وقدرة على الفعل السياسي والاجتماعي، ومن غير الاعتراف بهذه الحقيقة، لن تنجح أي محاولة لإعادة الإعمار أو إقامة دولة حقيقية، بحسب الخلف.

يذكرنا المشهد في الجزيرة السورية بمقولة العلامة ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة: “إنّ الدولة إذا اعتزّت بأبنائها، اعتزّت بها الأوطان”، ولطالما رأى مؤسس علم الاجتماع أن قوة الأمم تُقاس بصلاح رعيتها وتماسكها الاجتماعي، لا بوفرة مواردها الطبيعية فقط.

وإذا أسقطنا هذه الرؤية على الواقع اليوم في الجزيرة السورية فنجد نموذجاً حياً على صحتها؛ فبالرغم من مرور المنطقة بفترة احتلال وتهميش، إلا أن تماسك النسيج الاجتماعي – رغم محاولات تفكيكه – هو الذي حافظ على الهوية وصمود الأهالي.

وترى حويصلي أن موارد الجزيرة السورية، رغم توافرها تاريخياً، لم تُستثمر لخدمة السوريين تحت سيطرة النظام المخلوع ولا تنظيم “قسد”، بسبب غياب الإدارة الوطنية التي تحوّل الثروات إلى تنمية حقيقية للإنسان.

وتشدد على أن التركيز اليوم يجب أن ينصب على الكتلة البشرية في المنطقة، التي ظُلمت وأهملت لعقود، لكنّها قادرة الآن على قيادة تنميتها، وتصحيح الصور النمطية المغلوطة عنها، وتؤكد أن تعزيز القيمة البشرية يمر عبر حوارات مجتمعية تعرّف الناس بثقافات بعضهم وتاريخهم المشترك، مما يبني أسس تنمية مستدامة تضع الإنسان في صلب أولوياتها، ولتحقيق ذلك، يجب أن تبدأ التوعية من الحكومة نفسها.

كما يشير الصحفي فراس علاوي: “تبدأ التوعية من الحكومة نفسها، فمن المفروض أن تكون بيانات الحكومة واضحة وموجهة لسكان المنطقة على أنهم جزء من سوريا الواحدة والابتعاد عن تنميط المنطقة على أنها خزان للنفط وحقل للزراعة”.

وتحرير الإنسان أولاً يضمن أن تتحول الثروات إلى وسيلة للتنمية والحياة الكريمة، لا إلى ذريعة للاستغلال والإقصاء، بحسب الخلف الذي أضاف “بينما البدء بالثروات أولاً يكرس شعور السكان بأنهم مجرد أرقام إنتاج، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالسلطة الجديدة، كما حصل طوال العقود الماضية”.

وفي هذا السياق، يطالب الخلف بتخصيص نسبة من عائدات الثروات الباطنية والقمح لإعادة بناء وتنمية المنطقة بشكل مباشر، بدلاً من صرف هذه العائدات بالكامل في المركز، “فمن غير المعقول أن المنطقة الشرقية التي تنتج جزءاً كبيراً من ثروات البلاد تظلّ محرومة من الصناعات الثقيلة، وأن تُؤسس جامعاتها متأخراً (كما في دير الزور عام 2006) مع غياب أغلب الكليات في محافظاتها الأخرى”.

ويضيف الخلف “أن موارد المنطقة السياحية والتراثية قد أُهملت تماماً، مثل نهر الفرات وبحيرة سد الفرات التي لم تُستثمر سياحياً، وكان ممنوعاً على أبناء الفرات إقامة أي مشاريع عليها، رغم كونها مصدر حياة وثقافة وتاريخ للمنطقة”، ما يستدعي اليوم التفكير الفعلي باستثمارها وتنمية المنطقة من خلالها أيضاً.

لا شك أن استعادة السيادة على الحقول النفطية في الجزيرة السورية تمتلك بعداً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية لدعم الاقتصاد الوطني، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الثروة إلى رافعة تنموية شاملة للإنسان في سوريا، ونجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى قدرة الخطط التنموية على ذلك، وهذا التركيز على التنمية المحلية من عائدات الإنتاج بحسب الخلف “يضمن أن تصبح الثروات أداة حقيقية لتقوية المجتمع والاقتصاد المحلي، وهو ما سيمنح أهل الجزيرة الشرعية والكرامة التي طالما تمّ تجاهلها”.

وهكذا، فالتحرير الجغرافي سيبقى ناقصاً ما لم يكتمل بتحرير الإنسان وكرامته، مع تحول الثروات إلى جسر لتنمية حقيقية تجعل من أبناء البلد شركاء حقيقيين في بناء مستقبلهم، فالمعادلة البسيطة والعميقة تتلخص بأن الأرض تُبنى بيد أبنائها، والثروات لا قيمة لها إلا عندما تصون كرامة من ينتجونها ويعيشون فوقها.

الثورة السورية

——————————–

“حقوق الأكراد” ومشروع بناء الدولة الوطنية السورية/ فيصل علوش

19 يناير 2026

على مدى عقود طويلة، عانى أكراد سوريا من التهميش والقمع وانتقاص الحقوق الأولية والطبيعية، في ظل الأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال، قبل وصول حزب البعث إلى السلطة في العام 1963 وبعده. وقد وصل التشدد لدى بعض السوريين حدّ إنكار وجود الأكراد أصلًا، واعتبارهم ضيوفًا قدموا من الخارج، وعليهم الالتزام بآداب الضيافة، بل أن يكونوا “مؤدبين”، على حد تعبير كثيرين من العرب المتشددين!

من هنا تبرز أهمية ما جاء في المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي عدَّ “المواطنين الكرد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري”، وأنَّ “هويتهم الثقافية واللغوية جزءٌ لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة”، وأن “اللغة الكردية لغة وطنية، يُسمح بتدريسها في المدارس”. كما ألغى “العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة”. ونص على أن “تُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات”. إضافة إلى اعتباره “عيد النوروز (21 آذار/مارس) عطلة رسمية وعيدًا وطنيًا”.

ومن المعروف أن إحصاء الحسكة الاستثنائي لعام 1962 حرم نحو 120 ألف كردي (في حينه) من جنسيتهم، وتاليًا حُرموا من حقوق المواطنة الأساسية مثل العمل والتملك والسفر، فضلًا عن حرمانهم من الحقوق المدنية، مثل حق الترشح والانتخاب والعمل السياسي، وذلك بذريعة أنهم مهاجرون في الأصل، مما خلق أزمة إنسانية وحقوقية لا تزال آثارها باقية إلى اليوم بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في تاريخ الدولة السورية، على الرغم من خطوات التجنيس التي أُجريت لاحقًا بعد الاحتجاجات الشعبية عام 2011. فحسب بيانات رسمية وحقوقية، تم منح الجنسية السورية (حتى عام 2018) لنحو 375 ألف كردي من “فئة الأجانب” و”مكتومي القيد”، ولم يبقَ سوى عشرات الآلاف منهم لم يخضعوا لما يسمى بـ”تصحيح أوضاعهم”.

ومن المفارقات الصارخة التي أشارت إليها بعض المصادر، في سياق إحصاء 1962، تجريد شخصيات وطنية معروفة من الجنسية، مثل اللواء توفيق نظام الدين، أحد قادة الجيش السوري آنذاك، وشقيقه الوزير عبد الباقي نظام الدين، رغم امتلاك عائلتهما مساحات واسعة من أراضي القامشلي.

يُذكر هنا أنه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن الماضي ودخول سوريا مرحلة الانتداب الفرنسي، ظلت الحدود السورية التركية غير مستقرة قرابة 15 سنة، ولم تُرسَّم إلا عام 1939، باعتماد خط سكة حديد بغداد – إسطنبول حدًا فاصلًا. وبعد ذلك، شرعت سلطات الانتداب الفرنسي في منح الجنسية إلى كل من كان يقيم ضمن حدود الدولة السورية الجديدة، وسحب الجنسية العثمانية منه.

وقد أصاب هذا التحول القانوني المناطق الكردية في شمال وشرق سوريا باختلال عميق، بسبب تقسيم العشائر والعائلات الكردية بين دول حديثة النشوء، وعدم منح أكراد المنطقة كيانًا مستقلًا خاصًا. ومع الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال، برزت مخاوف ديمغرافية تجاه الأكراد، واتخذت طابعًا أمنيًا ممنهجًا بعد مجيء حزب البعث إلى السلطة، تُوِّجت بتوجهات رسمية دعت صراحة إلى تجريد الكرد من الجنسية وإنكار هويتهم الثقافية.

وعليه، حين يرد في المرسوم الجديد أن الهوية السورية متعددة وموحّدة، فهذا ليس تفصيلًا نافلًا، بل ينطوي على إقرار بالحاجة إلى دولة تعددية وجامعة في آن معًا، وليس دولة قومية متعصبة متشددة مع الهويات العرقية والأثنية الأخرى، ولا ترى بديلًا من سياسة عدم الاعتراف والإقصاء، وربما الإبادة، بحق تلك الهويات.

تساؤلات وملاحظات

لكن، وعلى الرغم من الإيجابيات العديدة التي تضمنها المرسوم، إلا أنه يثير، في الوقت نفسه، الكثير من التساؤلات والهواجس المتصلة بتوقيته والسياق الذي جاء فيه. فلماذا لم يتم تضمين الحقوق القومية والثقافية الكردية في الإعلان الدستوري، وهو ما كان يمكن أن يتكفل بخلق مناخ مؤات بالفعل لتطبيق اتفاق العاشر من آذار/مارس الموقع بين الرئيس الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي؟ علمًا أن هذا الإعلان صدر بعد يومين فقط من توقيع اتفاق آذار/مارس. وعلى ذلك، يصبح من المشروع أن يتساءل البعض؛ تُرى، هل كان الغرض من المرسوم التمهيد والعمل من أجل إدماج الأكراد وغيرهم من المكونات السورية في النسيج الوطني السوري، أم التوظيف والاحتواء السياسي لأكراد سوريا، وذلك عبر الاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية وانتزاع ورقة “المظلومية القومية” من التداول، بهدف سحب البساط من تحت أقدام “قوات سوريا الديمقراطية”، أو تغذية الانقسامات والشروخ داخلها، ودفع الأكراد، أو جزءًا منهم على الأقل، فضلًا عن العشائر العربية، إلى الانفضاض عنها، في ظل المعارك العسكرية والسياسية الدائرة معها الآن؟

وما يعطي مشروعية أكبر لمثل هذا التساؤل هو أن نهج الاندماج الوطني يتطلب مشاركة حقيقية في التمثيل والقرار والإدارة، وهو ما لم يحصل في مناسبات رئيسية سابقة (لا مع الأكراد ولا مع غيرهم من المكونات السورية الأخرى)، مثل مؤتمر الحوار الوطني الذي جرى سلقه على عجل، أو صياغة الإعلان الدستوري، أو “همروجة” الانتخابات التشريعية وتشكيل البرلمان الذي لم يكتمل بعد. هذا ناهيكم عن الجوانب المتصلة ببنية السلطة وآليات تفكيرها وسياساتها الفئوية المحدودة والضيقة.

وإذا صحت مثل هذه التساؤلات والمخاوف، فإن هذا يعني الانزلاق إلى تسييس الحقوق والمبادئ وتحويلها إلى أوراق وأدوات ضغط قابلة للتوظيف والاستثمار الظرفيّ الميدانيّ، وليس إبقاؤها كحقوق أصيلة غير قابلة للمس في إطار مشروع وطني جامع. وفي سياق المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا حاليًا، فمن الأهمية بمكان تكريس شرعية جديدة للدولة الناشئة، شرعية لا تقوم على مبدأ الغلبة والقوة، بل على عقد اجتماعي ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن الدولة ليست ملكًا لجماعة بعينها، مهما كانت أكثريتها العددية، بل هي دولة مواطنة متساوية وإطار جامع للجميع، تحت سقف القوانين والمؤسسات التي تساوي أيضًا بين جميع المواطنين.

يضاف إلى ذلك بعض الجوانب القانونية والدستورية المتعلقة بقضايا الهوية والمواطنة والحقوق القومية والثقافية، وهل من الجائز طرحها من خلال مراسيم رئاسية مؤقتة قد تكون قابلة للتصرف، أم أن المكان الأنسب لطرحها وتثبيتها هو البرلمان (الذي يضمن تمثيل مختلف أطياف وتلاوين الشعب السوري الاجتماعية والسياسية)، والدستور (الذي يفترض به أن يعبر كذلك عن إرادة جميع تلك الأطياف والتلاوين). ومن المتعارف عليه في الأدبيات السياسية والدستورية أن الضمانة الحقيقية لحقوق الأفراد والجماعات تكمن في العقود الاجتماعية والدساتير الدائمة التي تعبر عن إرادة الشعوب والمكونات كافة.

وهنا حريّ بنا أن ننوهَ إلى أن المرء يميل إلى هذا القول، على رغم أنه في بلاد مثل بلادنا، فإنه حتى القوانين والدساتير لا تكفي وحدها لتحصين أية نصوص وحقوق مجردة أو تنفيذها، إذ إن الدساتير التي اعتمدت خلال الحكم الأسدي نصّت على الكثير من الحريات والحقوق المدنية والسياسية، ولكنها بقيت جميعها حبرًا على ورق ولا تساوي، في الواقع الفعلي، شيئًا!

وفي سوريا، نحن أحوج ما نكون، بعد قرابة عقد ونصف من القتل والدمار والخراب والتهجير والتشريد، إلى الكف عن الاقتتال والحروب، وإلى تثبيت الأمن والاستقرار، وترسيخ السلم الأهلي والمجتمعي، والعمل يدًا بيد في سبيل النهوض بمشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة، دولة المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، دولة تضمن الشراكة الحقيقية وتؤسس لمسار سياسي مستقر ومستدام ويكسب فيه جميع السوريين.

الترا سوريا

———————————–

الراعي الأمريكي ينقل البندقية… إلى أين تنتهي “قسد” والأكراد؟/ عمار جلّو

الثلاثاء 20 يناير 2026

عبر اتفاق أُعلن عنه يوم الأحد 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، تم وقف القتال الدائر بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”. ساعات بعد الإعلان عنه، وبينما كان الجيش السوري يوسّع انتشاره في شمال سوريا وشرقها، وقع الخلاف على تفاصيله، في أثناء اللقاء الذي عُقد أمس في دمشق، بحضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والموفد الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، ووفد “قسد” برئاسة مظلوم عبدي، والذي أعلن بعد “اللقاء غير الإيجابي”، النفير العام داعياً “إلى التوحّد والانضمام إلى المقاومة”، لتعود الاشتباكات من جديد خاصةً في محافظة الحسكة.

جاء الاتفاق في أعقاب تقدّم عسكري حكومي سوري واسع في شمال سوريا وشرقها، بدأ من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب في السادس من الشهر الجاري، ليمتدّ إلى مناطق شرقي حلب والرقة ودير الزور.

وأتى الإعلان عنه بعد لقاء الشرع بالمبعوث الأمريكي، توم باراك، ولقاء الأخير بالزعيم الكردي مسعود بارزاني، وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا” (مسد)، إلهام أحمد، ورئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا محمد إسماعيل، في أربيل.

خلال اللقاء، تم التأكيد على ضرورة حلّ الخلافات بالحوار والطرق السلمية، مع إعراب بارزاني عن شكره لدور الولايات المتحدة الأمريكية في المساعدة على إيجاد “معالجات” للأزمة السورية، بجانب الإشارة إلى أهمية ضمان حقوق الشعب الكردي في مستقبل سوريا.

خطوة أولى إيجابية

قضى الاتفاق بوقف كامل لإطلاق النار، مع دمج “قسد” والأجهزة الأمنية الكردية في مؤسسات الدولة السورية (الدفاع والداخلية)، بجانب تسليم الإدارة الكردية الذاتية محافظتَي الرقّة ودير الزور للحكومة السورية بشكل فوري، ونقل مسؤولية ملف سجناء وعائلات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المحتجزين لدى الأكراد، إلى الحكومة السورية.

بالتزامن مع ما سبق، أصدر الشرع مرسوماً يتضمّن منح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية (بمن فيهم “مكتومي القيد”)، وإلغاء جميع القوانين الاستثنائية الناتجة عن إحصاء محافظة الحسكة لعام 1962، مع اعتراف بعيد النوروز يوم 21 آذار/ مارس من كل عام كعطلة وطنية رسمية، باعتباره يوماً للتآخي والربيع.

بجانب ذلك، أكّد المرسوم على أصالة الكرد كجزء من الشعب السوري، وأنّ هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة، بالإضافة إلى حماية التنوع الثقافي واللغوي وضمان حق الكرد في إحياء تراثهم، واعتبار اللغة الكردية لغةً وطنيةً، مع السماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية، وإلزام المؤسسات الإعلامية والتربوية بتبنّي خطاب وطني جامع، وحظر أيّ تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، مع معاقبة كل من يحرّض على الفتنة القومية وفق القانون.

في المقابل، وصفت “مسد”، المرسوم بأنّه “خطوة أولى إيجابية” نحو الاعتراف بحقوق الكرد، إلا أنها عدّته غير كافٍ لتحقيق تطلعات الشعب السوري عامة، مشيرةً إلى أنّ الحقوق يجب أن تُصان بموجب دستور دائم يضمن مشاركة جميع المكوّنات ويعبّر عن إرادتها، وليس فقط عبر مراسيم قابلة للتعديل أو الإلغاء.

تكرار لـ”ردع العدوان”

تصاعد الصراع المحدود بين الحكومة السورية وقوات “قسد”، وتطوّر إلى عملية عسكرية موسعة بعد الانهيار السريع والكبير في صفوف “قسد” إثر معركة دير حافر تحديداً، بصورة شبيهة بانهيار قوات الأسد في معركة “ردع العدوان”، مما أجبرها في النهاية على القبول بالاندماج الفعلي في الدولة السورية، حسب الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان.

ويؤكد علوان في حديثه إلى رصيف22، أنّ “الانهيار السريع والمتتالي في صفوف ‘قسد’ هو الشرارة التي دفعت دمشق لتوسيع عمليتها العسكرية من هدف محدود (حماية حلب وسحب ورقة الضغط من منطقة الشيخ مقصود)، إلى هدف إستراتيجي هو تأمين حلب فعلياً”.

يضيف علوان: “بعد معركة دير حافر، بدت الظروف مواتيةً لبسط سلطة الدولة على مناطق أوسع، واستغلت فصائل المعارضة والعشائر في منطقة الفرات هذا الضعف، مما زاد من حدّة الانهيار الداخلي لـ’قسد’ وفقدانها التماسك والدعم الخارجي الذي كانت تعتمد عليه. لكن التفاهمات الإقليمية والدولية أوقفت العمل العسكري بعد أن حقّق هدفه الرئيسي بإرغام ‘قسد’ على القبول بالاندماج مع الحكومة السورية، وهو ما تراه دمشق حكمةً لتحقيق مكاسب مشتركة”.

الباحث في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية، معاذ القاسم، يشكّك في قدرة “قسد” على تنفيذ بنود الاتفاق الأصعب، خاصةً المتعلقة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، متوقعاً استمرار التحديات أمامه.

يقول في حديثه إلى رصيف22: “معظم بنود الاتفاق الجديد قابلة للتطبيق، باستثناء البند المتعلق بإخراج عناصر الـPKK من سوريا”، ويتساءل عن مدى سلطة “قسد” عليهم. ويضيف أنّ التحدّي الأكبر هو احتمال قيام عناصر متطرفة بتشكيل “كانتون” كردي منعزل في مناطق مثل القامشلي وريف الحسكة، مما قد يؤدّي إلى عمليات تطهير عرقي لغير الأكراد.

وينبّه القاسم، إلى أنّ أسباب تجدّد الصراع بين الطرفين ناتجة عن مماطلة قيادات “قسد” و”PKK” في تنفيذ الاتفاقيات السابقة، بالإضافة إلى تجاوزات أمنية وعسكرية متكررة لعناصر الأولى في حلب، أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وعناصر حكومية، بالإضافة إلى ضرورة إخراجها من المناطق الحيوية (كحلب وريف دير الزور والرقة والحسكة)، الغنية بالثروات لإطلاق عجلة التنمية الوطنية.

معادلة صعبة

تؤكد واشنطن، عبر باراك، التزام دمشق باتفاقية آذار/ مارس 2025، كإطار لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على الحقوق الكردية، ناقلاً رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للّحظة الحالية بأنها “فرصة تاريخية” لبناء سوريا جديدة جامعة لكل مكوناتها، مشيراً إلى أنّ الهدف الأمريكي المعلن هو دعم وحدة سوريا وسيادتها وتحقيق سلام داخلي وإقليمي قائم على المساواة والعدالة.

بدورها، تؤكد دمشق، عبر مدير إدارة الشؤون الأمريكية في الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، على توافقها مع واشنطن على هدفين رئيسيين؛ توحيد سوريا وضبط السلاح، باعتبارهما طريقاً للاستقرار. وتتهم “قسد” بالمماطلة في تنفيذ الاتفاقية، وتحذّر من أنّ التأخير يهدد أجندة الاستقرار والتنمية. وعليه، تبرّر العمليات العسكرية المحدودة بعدم التزام “قسد” بالانسحاب، وتعلن أنّ هدفها هو “فرض واقع” جديد يسمح بالاندماج. لذا، تشترط دمشق لوقف العمليات العسكرية وجود “إرادة حقيقية” لدى “قسد” لتطبيق الاتفاق سلمياً.

في ظلّ ذلك، تواجه “قسد” معادلةً صعبةً، حسب ما ذكر منهل باريش، في صحيفة القدس العربي، فهي لا تستطيع القبول الكامل بشروط دمشق، لأنّ ذلك يعني تفكيك مشروع الإدارة الذاتية بشكل شبه كامل. في الوقت عينه، تفتقر إلى ضمانات أمريكية قوية تسمح لها بمواصلة سياسة المماطلة أو الحماية طويلة الأمد. ومع هذا الضغط العسكري (ولو كان محدوداً)، يُرجّح الكاتب وهو صحافي خبير في الشأن السوري، وجود انقسامات داخل صفوف “قسد”. كما أنّ العمليات العسكرية الأخيرة جعلت اتفاق آذار/ مارس “بحكم المنتهي”، ولم يعد إطاراً فعّالاً يحكم العلاقة، ما يفتح الأسئلة حول مستقبل الإدارة الذاتية ومصير المقاتلين.

بالإضافة إلى ذلك، هناك تحوّل نوعي في الخطاب الحكومي، لم يعد يقتصر على الحرب النفسية، بل أصبح يسعى إلى فرض معادلة جديدة على طاولة المفاوضات، مستفيداً من ظروف إقليمية ودولية مواتية. مع استخدام دمشق أسلوب النداء المباشر لمقاتلي “قسد” (كرداً وعرباً)، للانشقاق والعودة إلى “الدولة والأهل”، بهدف استنزاف قاعدتها البشرية وتحقيق اختراق عميق قد يكون أكثر تأثيراً من استهداف القيادة السياسية والعسكرية العليا.

وكان اتفاق آذار/ مارس الماضي الموقّع بين الجانبين بوساطة أمريكية قد نصّ على وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية، مع الحفاظ على وحدة سوريا، ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية، والاعتراف الدستوري بحقوق الكرد، وعودة جميع المهجرين إلى منازلهم وممتلكاتهم.

أجندة تركية؟

لكنّ الصراع الحالي في سوريا مدفوع بأجندة إقليمية (تركية بشكل أساسي)، ويهدف إلى الفتنة والتقسيم، حسب أستاذ الدراسات العليا في جامعة كويه في أربيل، سربست نبي، مما يعيق أيّ مسار حقيقي للمصالحة الوطنية، بينما توعد المنطقة بمرحلة تحوّل سياسي وجيوسياسي جديدة مع بروز أدوار فاعلة لأطراف كردية، مشيراً إلى وجود حرب ذات أبعاد عرقية وطائفية تُدار من قبل فاعلين محليين بدوافع عرقية ضيقة.

يقول نبي: “الهدف الأساسي من هذه الحرب، هو دفع المجتمع السوري نحو التقسيم”، محمَّلاً أطرافاً إقليميةً، خاصةً تركيا، المسؤولية الرئيسية عن تأجيج الصراع، متّهماً إياها بأنها تصنع خطاب الكراهية وتموّله وتدفع بأجندة تهدف إلى استهداف الوجود الكردي في سوريا عبر وكلاء محليين.

“أنقرة أفسدت اتفاقيات محتملةً وفرضت سيطرتها على رأس السلطة الانتقالية المذكورة، مما يبقيها تحت ضغوط تركية مباشرة”، يضيف نبي في حديثه إلى رصيف22، فبينما يرغب المجتمع الدولي في رؤية السوريين يتوصلون إلى تفاهم مشترك حول مستقبلهم وتعايشهم، يُعدّ التدخل الإقليمي (خاصةً التركي)، عاملاً معرقلاً لأنه لا يخدم مصلحة قيام سوريا مستقرة ومتصالحة، بل يخلق فوضى عرقيةً وطائفية.

ويستطرد: “لذا فإنّ المشهد متغيّر، فمع انتهاء المعارك الرئيسية في مناطق الإدارة الذاتية، تتم تهيئة المسرح لمرحلة جديدة قد تشهد انقساماً سياسياً حادّاً وترسيم خرائط جديدة على الأرض السورية”، وينوّه بدور إقليم كردستان العراق “كحاضنة قومية وطرف سياسي ذي خبرة في إدارة الصراع والتوازنات الإقليمية. وعليه، فهو معني بشكل مباشر بالتطورات في سوريا، لا من منطلق قومي فحسب، بل سياسي أيضاً”.

تحوّل في السياسة الأمريكية

تدعم الولايات المتحدة الأكراد سورياً (قسد)، وعراقياً، وتعدّ “قسد” حليفها الرئيسي في مكافحة داعش. سابقاً، توسّطت لدمج “قسد” في هيكل أمني سوري موحّد بحلول 2025، لتحقيق هدفين أساسيين، حسب مركز صوفان، هما بناء هوية وطنية موحّدة وتهدئة المخاوف التركية، التي ترى في “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وتشكّل تهديداً لأمنها.

مع ذلك، فشلت الوساطة الأمريكية في سدّ الفجوة بين الجانبين، نتيجة خلاف جوهري حول آلية الدمج، حيث تريد “قسد” الدمج كوحدة متكاملة، بينما تصرّ دمشق على تفكيكها ودمج الأفراد بشكل منفرد في الجيش السوري.

بجانب ذلك، لم يكن هناك تغيير في الوضع الدستوري ولم يتم إجراء دمج فعليّ للمؤسسات، حيث تسير الأمور في دمشق وكأنّ الاتفاق غير موجود، مع رفض أيّ حديث عن اللامركزية أو الفيدرالية أو حكم ذاتي كردي، واعتبارها مشاريع انفصاليةً، حسب موقع ديفاكتو.

ويشير الموقع إلى أنّ قبول دمشق بحقوق ثقافية للكرد (كاللغة)، كان مقابل حلّ “قسد” و”مسد” وتسليم كل صلاحيات الأمن والجيش والإدارة والموارد بالكامل للحكومة. فيما تؤكّد “قسد” على وحدة سوريا مع موافقتها على منح الملفات السيادية (كالجيش والتمثيل الخارجي) لدمشق، مقابل ضمانات بالمحافظة على مكتسباتها (كالتعليم باللغة الأمّ وحقوق المرأة)، وحلّ الخلاف عبر شكل من أشكال اللامركزية، ورفض الاندماج غير المشروط. وقد عمّقت انتهاكات الساحل والسويداء عدم الثقة بين الجانبين، حيث ترى “قسد” فيها دليلاً على عدم رغبة النظام الحقيقية في التشاركية السياسية.

من جانبها، تعلن أنقرة دعمها الكامل لدمشق، وتطالب بحلّ أيّ “هيكل موازٍ”، معربةً عن استعدادها للدعم العسكري إذا لزم الأمر. ويأتي ذلك في ظلّ تحوّل في الموقف الأمريكي، حيث يكثر الترويج إلى أن “واشنطن باتت تنظر إلى الحكومة السورية كشريك بديل وأكثر أهميةً في مكافحة الإرهاب، مما قلّل من الاعتماد على قسد”، وهذا التفصيل ورد في عدة تحليلات ومنها في موقع ألترا سوريا.

ويشير الموقع في مكان آخر، إلى ضغوط متزايدة على “قسد”، تركية وغربية، بجانب المتغيرات الميدانية، مما يضعها أمام خيارين صعبين؛ إما المضي في التفاهم مع دمشق وإعادة التموضع ضمن الإطار الوطني الجديد (مع ما قد يعني ذلك من تنازلات كبرى)، أو المواجهة، وهو خيار غير مؤاتٍ في المرحلة الحالية ومحفوف بمخاطر كبيرة قد تهدد وجودها.

تتماشى إعادة فرض سيطرة الحكومة السورية على المناطق التي كانت خاضعةً لـ”قسد” مع معادلة إقليمية ودولية ترى في استقرار سوريا استقراراً للمنطقة. كما أنّ وجود دعم تركي غير مباشر لإنهاء وجود “قسد” على حدودها، يجنّب تركيا تدخلاً عسكرياً مباشراً، ويشير الموقع إلى وجود تفاهمات غير معلنة لحصر وجود “قسد” في شمال شرق سوريا، لكن الدخول السريع لقوات العشائر في القتال وسَّع نطاق المواجهات وكشف عن ضعف شرعية “قسد” واحتقان السكان المحليين منها، متوقّعاً لزعيم إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، دوراً وسيطاً مستقبلياً في الملف الكردي السوري لقبوله لدى تركيا والولايات المتحدة، مع تأكيده على الضعف الكبير لمشروع “الإدارة الذاتية” بعد الخسائر الإقليمية والإستراتيجية لـ”قسد”، لكن نهايته الكاملة رهن بتطبيق الاتفاق الأخير بالكامل وقدرة “قسد” على إدماج عناصرها في مؤسسات الدولة السورية.

يتشارك معه علوان في ذلك، بقوله إنّ مشروع “الإدارة الذاتية” الذي تتبناه “قسد” قد انتهى، وفقد مقومات وجوده على الأرض، ولم يعد مقبولاً كممثل للكرد في سوريا، مشيراً إلى أنّ غالبية المكوّن الكردي اندمجوا في الدولة السورية بعد المرسوم الجمهوري الخاص بهم، وأنّ “قسد” لم تقُم سوى بتدمير ذاتها وإضاعة الفرص. أيضاً، يتوقع علوان دوراً ضامناً لزعامة إقليم كردستان العراق للاتفاق الجديد وممارسة ضغط على “قسد”، حيث يُنظر إلى تطبيق الاتفاق الحالي على أنه “نظري جداً”، وأنّ “قسد” فقدت مكتسبات كبيرةً كانت ممكنةً بموجب اتفاق آذار/ مارس بسبب التغيرات الميدانية، خاتماً بالإشارة إلى أنّ الحكومة السورية حظيت بتفهّم ودعم إقليميين ودوليين في هذه الخطوة، بينما سخطت الأطراف نفسها على سلوك “قسد” الذي وُصف بأنّه “يعبث بأمن واستقرار المنطقة”.

رصيف 22

——————————-

النموذج السوري الفريد: بين نبوءة الفوضى وواقع الدولة/ سفيان السعدي

يناير 20, 2026

على مدار أربعة عشر عاماً من التيه السوري لم تتوقف ذاكرة السوريين بشتى أطيافهم عن نسج سيناريوهات “يوم السقوط” وما سيليه من تحولات؛ كانت تلك اللحظة المنتظرة ترتسم في الأذهان كلوحة تتقاذفها المخاوف، بين موالٍ سكنه الرعب من انتقام قادم، وثائر جريح أثقلت كاهله عقود من القمع، يرى في لحظة التمكين فرصة لتصفية حسابات تاريخية مع نظام لم يوفر وسيلة لتمزيق النسيج المجتمعي.

لم يكن هذا الاستشراف السوداوي مجرد خيال عابر، بل كان وقوداً لسياسات دولية كبرى تذرعت بهواجس “انفجار الوضع الأمني والسكاني” عقب أي سقوط عسكري لنظام الأسد، لتبرير تمسكها بمسارات انتقال سياسي باردة لا تلبي طموحات التغيير الجذري، غير أن التاريخ في مفاجآته التي لاتنتهي، قرر أن يكتب في الثامن من ديسمبر 2024 فصلاً مغايراً تماماً، ليكون ذلك اليوم أنصع تحرير عرفه التاريخ الحديث؛ تحرير غلبت فيه قيم الدولة على نزعات الثأر، رغم الشروخ العمودية التي حفرها حكم أقلوي طائفي عبث بالديموغرافيا وزرع الحساسيات في بنية المجتمع السوري.

لقد جاء هذا التحول مفاجئاً للجميع خاصة وأنه تم تحت قيادة تنظيم ذي خلفية جهادية، لكنه أثبت ميدانياً أنه صمام أمان منع انزلاق البلاد إلى دوامة الانتقام الدموي، مانحاً الأمان للجميع، وعافياً عمن ساندوا آلة القتل ما لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء.

واليوم وبعد عام ونيف من انطلاق معركة البناء، بدأت الدولة السورية الجديدة تخوض مواجهات في حلب والرقة ضد عصابات مارقة كانت وما زالت سكيناً في خاصرة العاصمة الاقتصادية، إلا أن اللافت في هذه المواجهة ليس الشق العسكري فحسب، بل المعركة الأخلاقية والقيمية التي خاضها جيش سوريا الجديد تجاه متمردين تمترسوا في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

هؤلاء الذين يحملون ماضياً تآمرياً أليماً، حين تحالفوا مع نظام الأسد قبل تسع سنوات لإطباق الحصار على أحياء حلب الشرقية وقطع شرايين الحياة عنها، لا يزالون اليوم يواصلون استهداف المدنيين بالقذائف والمسيرات، في محاولة يائسة لفرض واقع انفصالي مشوه.

ورغم هذا التاريخ المثقل بالخيانة، أظهرت الدولة السورية الجديدة رحمة بالغة وصبراً استراتيجياً أثار غضب الكثير من السوريين الذين رأوا في هذا الصبر تفريطاً لا يستحقه هؤلاء المارقون، فقد عوّل تنظيم قسد في هذين الحيين على بناء مظلومية زائفة من خلال استفزاز الجيش السوري، ظناً منهم أن رد الفعل العنيف من قبل الجيش السوري سيحصد أرواح الأبرياء في تلك المناطق المكتظة، مما يفتح الباب لتدويل القضية وإحراج حكومة الرئيس الشرع أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.

بيد أن وعي الجيش السوري وحسه بالمسؤولية الوطنية فكك هذا المخطط؛ فكان مشهد فتح المعابر الإنسانية، ومنح المهل المتكررة، ونشر خرائط الاستهداف مسبقاً لإتاحة الفرصة للسكان بالابتعاد، بمثابة عملية جراحية متطورة ومذهلة للمراقبين، حيث غابت مشاهد الدمار العشوائي والإعدامات الميدانية، ورافقت وسائل الإعلام العمليات خطوة بخطوة لتوثيق هذا الرقي العسكري، والمشهد نفسه تكرر في دير حافر ومسكنة، ثم في الرقة ومحيطها.

إن المشروعية التي يتحرك بها الجيش السوري اليوم تتجاوز القوة العسكرية لتستند إلى سردية وطنية وتنموية شاملة، في مقابل “العدم” الذي يمثله خصومه؛ فقد أثبتت سنوات حكم قسد منذ عام 2014 أنها النموذج الأسوأ للحكم الدكتاتوري الفاسد من بين مختلف الفواعل على امتداد الأرض السورية، مما أفقدها أي تعاطف شعبي حقيقي، خاصة بعد زوال مبرر وجودها بسقوط نظام الأسد.

وكان اتفاق العاشر من آذار الماضي بمنزلة حبل نجاة مده الرئيس الشرع لهؤلاء، منحهم فيه أهمية تفوق حجمهم الفعلي رغبة منه بحقن الدماء وتغليب لغة العقل والسلام، إلا أن التعنت السياسي والغباء في قراءة المشهد حوّل هذا الحبل إلى أداة خنق لمشروعهم، وهم يتراقصون على وهم القوة الزائف، بينما تمضي سوريا نحو استعادة سيادتها الكاملة بوعي وطني لا يقبل القسمة على المليشيات.

الثورة السورية

——————————

تنفيذ صعب لاتفاق دمشق و”قسد”/ محمد أمين و سلام حسن

19 يناير 2026

في أكبر تحوّل لخريطة السيطرة في سورية منذ إطاحة بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت الحكومة السورية تحكم قبضتها على محافظتَي الرقة ودير الزور اليوم الاثنين، بعد خروج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منهما، إثر اتفاق جديد وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مساء أمس الأحد مع “قسد”، التي اضطرت للتنازل عن اشتراطات كانت قد أعاقت تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار الماضي. لكن تنفيذ الاتفاق الجديد لم يسر على نحوٍ سلس، بل شهد خروقاً كبيرة واشتباكات بين الطرفين في أكثر من منطقة، على الرغم من أن زعيم “قسد” مظلوم عبدي كان يزور دمشق. وفي حين بدا أن “قسد” هي الخاسر الأكبر من الاتفاق الذي جاء في 14 بنداً، خصوصاً لجهة خسارة مساحات كبيرة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها، وما تحويه من ثروات طبيعية واقتصادية، إضافة لسقوط مشروع الحكم اللامركزي التي تمسّكت بها خلال جولات المحادثات مع السلطات في دمشق، فإنّ تنفيذ الاتفاق الجديد في المقابل يحمي سورية من حرب واسعة النطاق ودمار كبير سيدفع ثمنه المدنيون، فيما يقول بعض المراقبين إن “قسد” فشلت في قراءة التغييرات والمصالح الدولية في سورية فعرقلت تنفيذ اتفاق مارس الماضي لتضطر للقبول باتفاق جديد أسقط بعض مطالبها، بعدما خسرت الدعم الأميركي المفتوح لها.

انتشار الجيش السوري في الجزيرة

وبدأ الجيش السوري اليوم الانتشار في منطقة الجزيرة السورية وتحديداً محافظتَي الرقة ودير الزور تنفيذاً للاتفاق الذي وقع أمس الأحد، وذكرت هيئة العمليات في الجيش لوكالة “سانا” الرسمية أنه جرى تأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً لريف الحسكة الغربي. وجاء ذلك تنفيذاً للاتفاق الذي وُقّع الأحد وشمل 14 بنداً أبرزها وقف إطلاق نار شامل بين الحكومة و”قسد” على كل الجبهات، وتسليم محافظتَي الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل، ودمج كل المؤسّسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسّسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.

لكن تنفيذ الاتفاق شابته خروقات، مع اندلاع اشتباكات في أكثر من منطقة بين الطرفَين، وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن عناصر تنظيم العمال الكردستاني وفلول النظام السوري المخلوع استهدفوا قوات الجيش أثناء انتشارها في منطقة الجزيرة السورية ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وأضافت الهيئة أن “هناك بعض المجموعات الإرهابية تحاول تعطيل تنفيذ الاتفاق من خلال استهداف قوات الجيش ما أدى إلى مقتل 3 جنود وإصابة آخرين وذلك بعد عمليتَي استهداف طاولت القوات المنتشرة والتي تحاول تأمين المناطق باتجاه طريق “إم 4″ وريفَي الحسكة الشرقي والشمالي”.

من جهتها، اتهمت “قسد” في بيان قوات الجيش بمواصلة “هجماتها على قواتنا في كلّ من عين عيسى والشدادي (الحسكة) والرقة”، مشيرة إلى “اشتباكات عنيفة” في “محيط سجن الأقطان في الرقة الذي يضم معتقلين” من تنظيم “داعش”، كما أعلنت “قسد” تعرّض سجن الشدادي بحافظة الحسكة، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر “داعش”، لهجمات متكرّرة منذ ساعات صباح اليوم، قالت إنّ “فصائل تابعة لحكومة دمشق نفذتها”، وذكرت “قسد”، في بيان صادر عن مركزها الإعلامي، أن مقاتليها تصدّوا للهجمات وتمكنوا من كسرها مرات عدّة، مشيرة إلى سقوط “عشرات الشهداء والجرحى” في صفوف قواتها، وأضاف البيان أن سجن الشدادي خرج عن سيطرة قواتها. وفي وقت لاحق عصر اليوم، أعلن الجيش السوري أن قواته تقوم بتأمين سجن الشدادي ومحيطه وفرضت حظر تجوال كامل في المدينة التي تحمل الاسم نفسه وما حولها، وتقوم بعمليات تمشيط لإلقاء القبض على عناصر من “داعش” أطلقت “قسد” سراحهم من السجن، وحمّل الجيش السوري “قسد”، “كامل المسؤولية عن إطلاقهم لسراح عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي” مشدداً على أنه “سيقوم بما يلزم لإعادة ضبط المنطقة”.

من جهتها، قالت الحكومة السورية في بيان إنها “ترفض على نحوٍ حازم محاولات الابتزاز الأمني في ملف الإرهاب”، وتعهدت الحكومة السورية، بتأمين كل مراكز الاحتجاز وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة، وضمان عدم فرار أي من عناصر “داعش” المحتجزين وعودتهم إلى الساحة مجدّداً، وحذرت الحكومة قيادة “قسد” من مغبّة الإقدام على أي خطوات متهورة تتمثل في تسهيل فرار محتجزي “داعش” أو فتح السجون لهم إجراء انتقامياً أو ورقةَ ضغط سياسيةً.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أمل بعد توقيع الاتفاق أمام وسائل الإعلام، مساء الأحد في دمشق، أن يكون الاتفاق الجديد “فاتحة خير”، معتبراً أن المعركة التي جرت يومَي السبت والأحد بين القوات الحكومية والقوات الكردية “لا غالب فيها ولا مغلوب”، مضيفاً أن معركة من هذا النوع لا تهنأ فيها بنصر ولا ترضى فيها بهزيمة.

في المقابل، قال قائد “قسد” مظلوم عبدي الأحد إنّ انسحاب قواته من الرقة ودير الزور إلى الحسكة “كان حقناً للدماء ومنعاً لحرب أهلية” على حدّ قوله، وأشار إلى أنه “بعد عودتنا من دمشق سنشرح بنود وتفاصيل الاتفاق لشعبنا”، وقال عبدي إنّ المواجهات الأخيرة فُرضت على قواته منذ 6 يناير/كانون الثاني الحالي، رغم محاولات وقف الهجمات، وفق تعبيره. وأكد أن قواته ستواصل “المقاومة والنضال، وسيكون النصر حليفهم”، بحسب قوله، مضيفاً أن قواته اتخذت إجراءات لتجنّب اندلاع المواجهات، إلّا أن “بعض الجهات كانت قد اتخذت قرار الحرب”، ووفق عبدي فإنه سيجري التمسّك بما وصفه “مكتسبات الشعب”. من جانبه، وصف المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك الاتفاق بأنه “نقطة تحول محورية”، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك عمل شاق يتعين القيام به لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاق دمج شامل.

كما نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية تركية، أن، الاتفاق يمثل “نقطة تحول تاريخية”، وأن المخابرات التركية أجرت اتصالات ‍مكثفة قبل إبرامه لضمان ضبط النفس ⁠من جانب الأطراف على ‌الأرض، وأضافت المصادر أن تركيا ‍تعتبر الاتفاق بالغ الأهمية لاستعادة سلطة الدولة في أنحاء سورية كافّة، ولتحقيق هدف أنقرة المتمثل في القضاء على الإرهاب في الداخل وتعزيز جهودها طويلة الأمد لإحلال السلام مع ⁠حزب العمال الكردستاني.

وفي السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم، إنه يجب تنفيذ متطلبات الاتفاق بين دمشق وقسد ويجب تنفيذ الاندماج سريعاً، مشدداً على أن الحكومة التركية ستواصل العمل لتحقيق هدف خلو تركيا والمنطقة من الإرهاب.

ماذا خسرت “قسد”؟

وجاء هذا الاتفاق على أنقاض اتفاق أبرم في 10 مارس الماضي، نص على دمج قوات قسد في المنظومة العسكرية السورية الجديدة، لم يجد طريقه للتطبيق بسبب اشتراطات متبادلة، خصوصاً من جهة قوات “قسد”. وكانت الحكومة تشترط اندماجاً فردياً لقوات “قسد” في الجيش الجديد وهو ما تحقق في الاتفاق الجديد، واستلام محافظتَي الرقة ودير الزور والمعابر والثروة النفطية كلها في شمال شرقي البلاد من دون تفاوض، وتجاوزت التطورات الميدانية أغلب مطالب “قسد” التي أخرت تنفيذ اتفاق مارس، بما فيها “اللامركزية”.

ووصف الباحث السياسي المقرب من “الإدارة الذاتية” التابعة لـ”قسد”، إبراهيم مسلم، في حديث مع “العربي الجديد”، الاتفاق بالجيّد والقابل للتنفيذ”، مضيفاً: “لكنّنا بحاجة لمعطيات حول آليات التطبيق”، وأشار إلى أنه “أعطى خصوصية لمحافظة الحسكة بسبب الوجود الكردي فيها، ولكنه لم يتطرق لمنطقتَي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة”، وأبدى خشية من تكرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التطبيق “وهو الخلاف الذي حال دون تطبيق اتفاق مارس الماضي”، مضيفاً: عموماً الاتفاق جيّد خصوصاً لجهة التعاطي مع ملف كوباني (عين العرب).

من جهته، رأى الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الشرع “ربما شعر بالحاجة إلى توقيع الاتفاق مع قسد جزءاً من التزاماته الدولية خصوصاً تجاه الولايات المتحدة وفرنسا، ولا سيّما أنه اتخذ سمعة دولية بأنه يحترم تعهداته ويلتزم بها على عكس بشار الأسد”، وشكّك زيادة في التزام “قسد” بتعهداتها وفق ما نص الاتفاق، مضيفاً أن “تجربتنا معها على مدار السنوات السابقة تثبت أنها لم تلتزم بالاتفاقات التي تبرمها”، وتابع: “ربما تريد (قسد)، تحويل الحسكة إلى موقع انفصالي لها تستمر فيه بالحكم بنفس العقلية الأيديولوجية ذاتها بدون أي احترام لمبادئ الثورة السورية وإيمان بحرية السوريين وحقهم في بناء دولتهم التعددية والديمقراطية”.

وتعد الحسكة التي تتبع لها القامشلي إدارياً، وتتمركز فيها قوات “قسد” حالياً، من كبريات المحافظات السورية لجهة المساحة، وهي تتاخم العراق وتركيا وتضم النسبة الأكبر من أكراد سورية، إلّا أنّ العرب يشكلون الغالبية من سكانها. وتعد هذه المحافظة الأهم اقتصادياً فهي تضم جانباً كبيراً من ثروة سورية النفطية والزراعية فضلاً عن موقعها الجغرافي المتفرد.

ورأى الباحث السياسي زيد سفوك، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنّ الاتفاق “لا يحمل بنود شراكة”، مضيفاً: “في المحصلة هو اتفاق عسكري اقتصادي بين طرفَين على التسليم والاستلام. كان الأجدر تنفيذ اتفاق مارس كي لا تصل الأمور إلى هذا الحد”.

من جهته، اعتبر المحلل السياسي فريد سعدون، في حديث مع “العربي الجديد”، الاتفاق “الأكثر واقعية”، مشيراً إلى أن “الدولة رفضت مطالب قوات قسد أثناء جولات التفاوض لتطبيق اتفاق مارس، لجهة الثروة النفطية والمعابر والانضمام إلى الجيش كتلة واحدة، فضلاً عن مطلب الفيدرالية”، وبيّن أن الاتفاق “أكد أن لا نقاش ولا تفاوض على مسائل النفط والغاز والمعابر والحدود والجيش والرموز السيادية وشكل الدولة الذي تريده دمشق مركزياً مع إدارات محلية في المحافظات”، وأشار إلى أنّ الجانب التركي “ما كان ليسمح بتشكيل إقليم تقوده قوات قسد في شمال شرقي سورية؛ فهي بنظر أنقرة جزء من منظومة حزب العمال الكردستاني”، معرباً عن اعتقاده أن “الفيتو التركي كان وراء هذا الاتفاق، فضلاً عن التغيّر في المصالح الدولية”، مضيفاً أن واشنطن تدعم الحكومة السورية وسيطرتها على كامل الأراضي السورية، وتابع أن “المفاوض السياسي لقوات قسد فشل في إدراك عمق التناقضات في المشهد السوري خصوصاً المصالح الدولية في المنطقة. لم يقرأ المشهد جيداً ولم يكن واقعياً في مطالبه”، وأعرب سعدون عن اعتقاده أن الاتفاق الجديد “سينفذ”، مشيراً إلى أن عكس ذلك “يعني حرباً أهلية ودماراً كبيراً”.

————————–

 أكراد دمشق البعيدون عن “قسد”.. مع مشروع الدولة/ أيمن الشوفي

الثلاثاء 2026/01/20

يومان فقط فصلا بين صدور مرسوم تشريعي يعيد اعتبار “المواطنة” إلى  أكراد سوريا بوصفهم جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، واعتبار هويتهم الثقافية واللغوية هي الأخرى جزء لا يتجزأ من الهوية السورية المتعددة والموحدة، وبين اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، والذي سرعان ما انهار في اليوم التالي.

أكراد دمشق

وبين صدور المرسوم، وتوقيع الاتفاق، أظهر أكراد دمشق ميلاً نحو مشروع الدولة السورية مقارنةً بمشروع “قسد”. ويرى الباحث الاجتماعي خالد الكركي، أن “أكراد دمشق أظهروا ولاءً للدولة السورية أكثر من الولاء للقومية الكردية”، ويضيف لـ”المدن”ـ أن “اندماجهم بالبيئة الشامية جعلهم مثل العرب، حتى إنهم لا يتحدثون اللغة الكردية مع بعضهم البعض”.

ويستطيع محمد كسمو، وهو سائق سرفيس على خط ركن الدين، أن يؤكد ما ذهب إليه الكركي، قائلاً: “أنا أعمل منذ 33 سنة سائقاً على هذا الخط، ونحن مثل كل السوريين، مع مشروع الدولة”. يسمع كسمو أخبار المعارك التي كانت تدور في الرقة ودير الزور من إذاعة دمشق وهو يقود السرفيس. ويقول لـ”المدن”: “هذه عادة لم أغيّرها، منذ زمن الأسد، وبقيت تلازمني خلال الحكم الجديد لسوريا”، ثم يضيف “نحن مع الجيش السوري في معركته”.

ثمّة اختلافٌ بيّنٌ وجلي، بين أكراد دمشق، وأكراد الجزيرة السورية، فمعظم السيدات الكرديات في دمشق يلبسون المعطف الطويل، ويضعون الأبيض كحجاب، خلافاً للصبغة اليسارية المتحررة من الإيديولوجيا الدينية، والتي تسود الكرديات المقاتلات في تنظيم “قسد”، أو لدى حزب العمال الكردستاني. ويقول الكركي: “يمارس المكان واختلاف البيئة الحاضنة دوراً أساسياً في تحديد تقاليد وممارسات المكوّن الاجتماعي”.

حي ركن الدين

وبالرغم من رواج أسماء كردية مثل روشان وروج في حي ركن الدين ذي الغالبية الكردية، (كان يسمى سابقاً بحي الأكراد)، غير أن تلك الأسماء فقدت الاستغراق بالسردية القومية للأكراد. وتقول روشان سعد الدين، وهي مدرّسة، إن “المرسوم الأخير المرتبط بحقوق المكوّن الكردي، جاء بعد انتظار طويل، خصوصاً في شقّه المتعلق بمنح الجنسية السورية لمكتومي القيد، والسماح باللغة الكردية كلغة للتعليم في المناطق ذات الغالبية الكردية، واعتبار عيد النيروز (21 آذار/مارس) عيداً وطنياً وعطلة رسمية”.

وتضيف روشان لـ”المدن”، أن “نظام الأسد كان يمنع الاحتفال بعيد النيروز في دمشق، وكل من لم يشمله الإحصاء السكاني لعام 1962 في محافظة الحسكة، اعتبره النظام السابق مكتوم القيد، وحرمه من الجنسية السورية، وبالتالي حرمه من حقوق المواطن السوري”.

كما تنظر روج الحسن، وهي طالبة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، إلى المرسوم الأخير بأنه نزع كل الذرائع من الحديث عن حالة كردية خارج إطار الدولة السورية، وتخصص الحسن جزءاً من وقتها لزيارة أحياء دمشق القديمة. تجذبها المدرسة التعبيرية في الرسم، وتشعر بالانتماء لتلك الحارات القديمة حين ترسمها. تقول لـ”المدن”: “هناك مبالغة في رصد الخوف من السلطة الجديدة في سوريا، وهذا غير صحيح”

ثم تتمنى الحسن أن يغلّبَ الأكراد السوريون انتماءهم لسوريا الجديدة، على انتمائهم لقوميتهم، قائلة: “لم يعد هناك ما يبرر ذلك”.

المدن

———————-

مخيّم الهول يضع اتفاق دمشق وقسد على المحك

مع دخول تنفيذ اتفاق الحكومة السورية مع قوات قسد يومه الثاني، تتسارع التطورات الميدانية والأمنية، حيث اتهمت هيئة العمليات في الجيش السوري قوات قسد بترك حراسة مخيم الهول، الذي يضمّ الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، بينما أعلنت قسد أنها تخوض اشتباكات مع الفصائل التابعة لدمشق في محيط المخيم.

وقالت هيئة العمليات بالجيش السوري، في تصريح للجزيرة، إن قسد تركت حراسة مخيم الهول، وبذلك أطلقت من كان محتجزا بداخله.

وأكدت أن الجيش سيدخل بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي إلى المنطقة وسيتم تأمينها، مشددة على التزامها المطلق بحماية الأكراد وصون أمنهم.

من جهتها، قالت وزارة الداخلية السورية إنه بعد الاتفاق الأخير بين الحكومة وقسد أطلقت الأخيرة سجناء تنظيم الدولة وأسرهم من السجون.

وأوضحت أن عناصر قسد المكلفين بحراسة مخيم الهول انسحبوا دون أي تنسيق مع الحكومة أو التحالف الدولي، في خطوة تهدف لممارسة الضغط على الحكومة بملف مكافحة الإرهاب، حسب تعبير الوزارة، التي أكدت أنها تتابع الوضع عن كثب وتتخذ كافة الإجراءات اللازمة.

مخاطر ومطالب

في المقابل، قالت قسد إن قواتها تواجه مخاطر متزايدة، نظرا للامبالاة تجاه تنظيم الدولة وتقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته، مشيرة إلى أنها اضطرت إلى الانسحاب من مخيم الهول وإعادة الانتشار في محيط مدن شمال سوريا.

من جانبها، طالبت وزارة الدفاع السورية قيادة قسد بالوفاء بالتزاماتها وبتطبيق اتفاق 18 يناير/كانون الثاني بشكل عاجل، مشيرة إلى أن أولويتها تكمن في مكافحة تنظيم الدولة، وجددت رفض استغلال ملف السجناء كرهائن أو أوراق سياسية من قِبل قسد.

وأعلنت أن هدف الجيش استعادة الاستقرار وحماية المؤسسات الحكومية، مؤكدة جاهزيتها التامة لاستلام مخيم الهول وسجون تنظيم الدولة في المنطقة.

في السياق ذاته، قال مصدر في وزارة الدفاع السورية للجزيرة: إن سوريا أخطرت أمس الجانب الأميركي بنية قسد الانسحاب من مواقعها بمحيط مخيم الهول، ولفتت إلى أن نية قسد الانسحاب من محيط مخيم الهول استوجبت تحركا لتدارك أي فجوة أمنية.

إخطار واستعداد

الأمر الذي أكدته الحكومة السورية لاحقا، حيث قالت: (..) منذ ليلة أمس قمنا بإخطار الجانب الأميركي رسميا بنيّة قسد الانسحاب من مواقعها في محيط مخيم الهول، وهو ما استوجب تحركا فوريا لتدارك أي فجوة أمنية قد تنشأ.

إعلان

وتابعت: أكدنا للجانب الأميركي وللأطراف المعنية استعدادنا التام والمباشر لاستلام تلك المواقع وإدارتها أمنيا لضمان استقرار المخيم، ومنع أي محاولات لاستغلال هذا الانسحاب من قِبل التنظيمات الإرهابية.

واتهمت الحكومة السورية قسد بالمماطلة المتعمدة في إتمام عملية التسليم، مما يشير إلى محاولة لخلط الأوراق وتصدير أزمة أمنية جديدة في المنطقة، حسب تعبيرها.

انتشار أمني

وفي وقت سابق، انتشرت قوات الأمن السورية في مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة، أعلنت قسد إنها تخوض اشتباكات مع الفصائل التابعة لدمشق في محيط مخيم الهول بالمحافظة ذاتها.

وذكرت وزارة الدفاع السورية أنها أكدت لواشنطن وللمعنيين استعدادها لاستلام المواقع بمخيم الهول وإدارتها، وذلك لضمان استقرار المخيم ومنع استغلال التنظيمات الإرهابية لانسحاب قسد.

وقال مراسل الجزيرة إن قوات الأمن السورية انتشرت في مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة، عقب انسحاب قسد من المدينة، مشيرا إلى أن وحدات من الجيش ترافقها عناصر من وحدات المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، انتشرت في المدينة وفي محيط سجن الشدادي الذي شهد أمس هروبا لسجناء من تنظيم الدولة الإسلامية قبل انسحاب قوات قسد منها.

وفي السياق ذاته، أعلنت الداخلية السورية إلقاء القبض على 81 عنصرا من تنظيم الدولة، من أصل نحو 120 فرّوا من السجن، مشيرة إلى أن العمليات الأمنية لا تزال مستمرة لتعقّب بقية الفارين.

تحديات أمنية

ويرى مختصون أن “مخيم الهول يمثل أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم الدولة الإسلامية، ويعتبرون أن “أحداث القتل المتكرر ووقائع الاختفاء القسري دليل قاطع على التهديد الأمني الذي يشكّله المخيم”.

ويعتقد آخرون أن المخيم “بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، إذ تحاول بعض الأمهات نشر وتعزيز أيديولوجيا التنظيم بين أبنائهن”، مما يثير مخاوف من تحوله إلى “حاضنة للتطرف”.

وفي مطلع مايو/أيار 2025، شنت قوات “قسد” حملة أمنية داخل المخيم بهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة، وشملت الحملة تفتيش الخيام والمرافق واعتقال المشتبه بهم.

وفي 25 يونيو/حزيران 2025، كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن خلية تابعة لتنظيم الدولة، انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل 25 وإصابة العشرات.

ووفق التحقيقات الرسمية، فإن الانتحاري الذي نفذ التفجير، والعنصر الآخر الذي ألقي عليه القبض قبل تنفيذ عملية ثانية، قدِما معا من مخيم الهول عبر البادية السورية، بدعم من قيادي في التنظيم يُدعى محمد عبد الإله الجميلي المعروف بـ”أبو عماد”.

المصدر: الجزيرة + وكالات

———————-

هل يطوي الاتفاق الجديد صفحة الإدارة الذاتية الكردية في سوريا؟/ عمار دروبي

دمشق- مع تسارع الأحداث الميدانية لصالح الجيش السوري شمال شرقي البلاد، تتزايد التساؤلات حول مستقبل “الإدارة الذاتية” الكردية، بوصفها مشروعا سياسيا وإداريا نشأ خلال سنوات الحرب والصراع على النفوذ بين القوى العسكرية.

وتأتي هذه التطورات في سياق تحولات أوسع تشهدها الساحة السورية، حيث أعادت التفاهمات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد رسم العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لا سيما اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة لملف شمال البلاد وشرقها.

ويشكل التقدم الميداني للجيش السوري في محافظات الرقة ودير الزور وحلب والحسكة عاملا ضاغطا على واقع “الإدارة الذاتية”، خاصة أنها بنت نفوذها خلال السنوات الماضية على معادلات عسكرية وأمنية معقدة، ارتبطت بدور التحالف الدولي ومحاربة الإرهاب.

فقدان أوراق القوة

ولطالما شكل طرح الحكم اللامركزي جوهر مطالب “الإدارة الذاتية” خلال جولات الحوار مع دمشق، باعتباره الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها وخصوصيتها الإدارية. غير أن التفاهمات الأخيرة توحي بوجود توجه لتجاوز هذا الطرح، في مقابل اعتراف رسمي بحقوق وطنية للأكراد، شمل اللغة والجنسية والتمثيل، مما اعتبره البعض بديلا سياسيا عن نموذج هذه الإدارة.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وقّع -مساء أول أمس الأحد- اتفاقا لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، بعد تطورات أمنية وعسكرية دراماتيكية خلال الأيام القليلة الماضية.

ويرى الباحث والمحلل السياسي فراس علاوي أن الاتفاق الأخير بين دمشق و”قسد” يجرّد “الإدارة الذاتية” من جميع أوراق القوة التي كانت بحوزتها، والتي بدأت تفقدها منذ سيطرة الحكومة السورية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب شمال سوريا.

وقال علاوي -للجزيرة نت- إن الاتفاق الأخير يعطيها فقط ميزات إدارية تتعلق بالمناطق التي توجد فيها أغلبية كردية في سوريا، في حين بات الحكم اللامركزي السياسي بالشكل الذي كانت تريده أو تتبناه طوال المرحلة السابقة بحكم المنتهي بصورة نهائية.

استرداد للمواطنة

وحول مستقبل مؤسسات “الإدارة الذاتية” التي أحدثتها “قسد” في مناطق شمال وشرق سوريا، أكد الباحث علاوي أن ما يفيد الدولة السورية منها سوف يتم دمجه ضمن المؤسسات الرسمية الحكومية ويتم إدارته من قبلها، “أما ما يخدم فقط توجهات هذه الإدارة فسيتم إلغاؤه أو تحويله بما يخدم الحكومة والمنطقة وسكانها”.

ووفقا له، فإن اعتراف الحكومة السورية بحقوق الأكراد واجب دستوري ألغاه سابقا نظام الأسد، معتبرا أن ما يحدث اليوم هو عملية استرداد للمواطنة عبر المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، “الذي هو ليس بديلا عن نموذج الإدارة الذاتية”، لافتا إلى أنها كانت جسما إداريا أدار المنطقة تحت سلطة الأمر الواقع.

وإن كان تم عسكريا حسم وجود “قسد” ومؤسساتها في محافظتي دير الزور والرقة، فإن الثقل الأبرز لها لا يزال ممثلا في الحسكة شمال شرقي البلاد، إضافة إلى مناطق في ريف حلب الشرقي الذي تسكنه غالبية من المكون الكردي، لا سيما مدينة عين العرب (كوباني).

الاختبار الأهم

ومع تعثر محتمل لتنفيذ بنود الاتفاق الأخير، تبدو الحسكة مرشحة لأن تكون ساحة الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة، نظرا لما تمثله من مركز ثقل لـ”قسد” على المستويين العسكري والإداري. كما تحافظ مناطق ريف حلب الشرقي، وفي مقدمتها عين العرب، على خصوصية سياسية واجتماعية تجعلها خارج منطق الحسم السريع، وتفرض مقاربات أكثر تعقيدا.

من جانبه، أكد الباحث المتعاون مع مركز الشرق الأوسط للدراسات سامر الأحمد أن “الإدارة الذاتية” و”قسد” أصبحتا من الماضي بعد توقيع الاتفاق الذي ينص على الحل والدمج بمؤسسات الدولة بشكل كامل في كل المحافظات، ودمج “قسد” كأفراد.

وقال الأحمد -للجزيرة نت- إن هناك تعثرا في الوقت الحالي بتطبيق الاتفاق في الحسكة، مع عدم وضوح الرؤية، وسط تقدم للجيش السوري في ريف المحافظة نحو المدينة والمناطق الحدودية مع العراق شرقا.

وشدد على أن “قسد لا تمثل المسألة الكردية السورية، فهي كانت بمثابة مليشيات وسلطة أمر واقع انتهى دورها الوظيفي وتم رفع الغطاء عنها من قبل التحالف الدولي، لتصبح بحكم المنتهية”.

المصدر: الجزيرة

————————-

هل أنهت الحكومة السورية مشروع “قسَد”؟/ عمر كوش

أخذت الأحداث الأخيرة في سوريا مسارا متدرجا ومتسارعا، أعاد رسم خرائط السيطرة الميدانية وتوازن القوى على الأرض، ليرسم مشهدا جديدا ومغايرا، فما بدا أنه عملية أمنية محدودة، بدأت في حيي الأشرفية، والشيخ مقصود في مدينة حلب، تحول إلى عملية عسكرية واسعة، امتدت إلى بلدتي دير حافر، ومسكنة، وشملت بلدة الطبقة، وسد الفرات ومحافظتي الرقة، ودير الزور، وصولا إلى قرى وبلدات عديدة في محافظة الحسكة، فأوجدت معادلة جديدة، فرضت واقعا جديدا، وحملت معها نهاية مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

اتفاق جديد

كان واضحا بعد نجاح قوات الحكومة السورية في إعادة حيي مدينة حلب إلى كنف الدولة السورية، أن القيادة السورية قررت المضي قدما لفرض واقع جديد، ينهي الحالة التي كانت تمثلها “قسد”، وذلك بعد أن ماطل قادتها أشهرا عديدة، وتهربوا من تنفيذ اتفاق 10 مارس/ آذار، الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد “قسد” مظلوم عبدي.

    لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة “قسد” بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات

بمجرد انتهاء الموعد النهائي لتنفيذ هذا الاتفاق، أدركت السلطات السورية فشل حالة الضبط المستمر الذي فرضته على نفسها، وقررت إنهاء الوضع الشاذ في مدينة حلب، لكن التراجع الذي بدأ فيها، تحولَ فيما بعد إلى هزيمة كبرى لـ”قسد”، فهي لم تقتصر على خسارتها مساحات جغرافية كبيرة، كانت تسيطر عليها طوال أكثر من عشر سنوات مضت، بل هي هزيمة بنيوية، أنهت جوهر المشروع العسكري الذي قامت عليه، إضافة إلى المشروع السياسي والإداري لما كان يسمى “الإدارة الذاتية”.

ما يزيد حجم الهزيمة هو أن قادة “قسد” اضطروا تحت ضغط الواقع الميداني إلى قبول توقيع اتفاق جديد في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، جرى التمهيد له باجتماعات في أربيل، عقدها مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، مع وفد من “قسد”، وبمشاركة الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق مسعود البارزاني.

إعلان

جاء الاتفاق الجديد بعد الواقع الميداني الجديد، الذي فرض معادله السياسي، وباتت الدولة السورية تبسط سيادتها على الجزيرة السورية، ما يعني نهاية حالة التقسيم التي كانت قائمة، والتوجه نحو الوحدة، وتعزيز الاستقرار الأمني، وبما يمكن الدولة السورية من تنفيذ خططها التنموية، ومشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

نهاية المشروع

يعبر الاتفاق الجديد عن نهاية مشروع “قسد”، كونه لا ينص فقط على وقف إطلاق النار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، بل ينص أيضا على دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين بشكل “فردي”، بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، ما يعني حل هيكلها التنظيمي العسكري، وانصهارها كليا.

إضافة إلى التزام “قسد” بإخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج حدود سوريا.

ووفق ما سبق، فإن تطبيق الاتفاق يعني عمليا نهاية “قسد” بوصفها كيانا عسكريا جامعا تشكل عام 2015، وكذلك نهاية “الإدارة الذاتية”، بجميع مؤسساتها السياسية والمدنية، من “مجلس سوريا الديمقراطية” إلى المجالس المحلية والإدارية.

جاءت نهاية مشروع “قسد” بعد تعنت قادتها المتشددين (المنحدرين من حزب العمال الكردستاني) نتيجة العمى الأيديولوجي الذي أصيبوا به، وجعلهم يعتقدون أنهم بإمكانهم الإبقاء على سيطرتهم على مناطق ليس بوسعهم إدارتها، واتّباعهم سياسات مهينة ومسيئة للسكان، عربا وأكرادا وسواهم، وذلك بقيامهم بخطف القاصرات وتجنيدهن، ونهب محاصيل السكان والاستيلاء على ثروات سوريا.

نهاية المظلومية

كشفت التطورات التي جرت في حلب وما بعدها عن فشل “قسد” في نيل تأييد شعبي حقيقي بين الأوساط الشعبية الكردية، الأمر الذي يكشف زيف ادعائها تمثيلهم، وذلك على الرغم من البروباغندا التي صرفت عليها كثيرا. إضافة إلى فشلها في حث تلك الأوساط على الالتزام بعقيدتها التي تبنتها واستنسختها من عقيدة حزب العمال الكردستاني، رغم الضغوط التي كانت تمارسها.

اللافت هو أن التغيرات الميدانية بعد بسط السيادة السورية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ترافقت مع إصدار الرئيس الشرع المرسوم رقم (13)، الذي نص على الاعتراف الصريح بالحقوق الثقافية واللغوية للسوريين الأكراد، ورفع المظالم التي لحقت بهم جراء الإحصاء السكاني عام 1962، ومنح جميع مكتومي القيد الجنسية السورية.

الأهم هو أن هذا المرسوم لم يُطرح تحت ضغط خارجي ولا كرد فعل لاحتواء حراك أو تمرد داخلي، بل بوصفه جزءا من رؤية الحكومة السورية الهادفة إلى تفكيك الأساس الذي حاول قادة “قسد” بناء مظلومية كردية عليه، طوال السنوات الماضية، وبالتالي، نجحت القيادة السورية في سحب الذرائع من أيدي قادة “قسد”، الذين ادعوا أنهم يدافعون عن حقوق السوريين الأكراد، ويسعون إلى انتزاعها.

إذ، لم يعد الصراع يدور حول من هي القوة التي يمكنها السيطرة على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في سوريا، بل حول الجهة التي تمتلك مشروعية تمثيل الكرد السوريين.

إعلان

ولعل صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) عنى أن الدولة هي الجهة الوحيدة، التي تمتلك المشروعية، كونها تكفل حقوقهم الوطنية والفردية والثقافية، وليست التنظيمات العسكرية الخارجة عن سلطة القانون، وهو أمر يعيه جيدا غالبية السوريين الأكراد، الذين يجدون مكانهم الطبيعي ضمن الدولة السورية، وذلك بعد انتهاء المشروع القائم على خطاب سردية المظلومية، الذي استثمر فيه طويلا قادة “قسد”، من أجل التغطية على أيديولوجيتهم القومية العابرة للحدود، التي عفّى عليها الزمن.

كما أن انتفاض سكان محافظتي الرقة ودير الزور ضد “قسد”، والانتهاكات التي قام بها بعض عناصرها عند الانسحاب، وخاصة تصفية سجناء في مدينة الطبقة، واستهداف قناصتها المدنيين في الشوارع والساحات، وتدمير الجسور والمقرات التي كانوا فيها، كل هذا يشي بأن هذه القوات تعاملت وفق منطق الانتقام من أبناء المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وكانت تمثل قوة طارئة وخارجة عن إرادتهم.

المواقف الدولية

أيدت دول عديدة الاتفاق الجديد، وحظيت الإجراءات التي قامت بها القيادة السورية بدعم العديد من الدول العربية والإقليمية والدولية، واعتبرتها تهدف إلى بسط سيادتها وتثبيت الأمن في كافة المناطق السورية.

حصل تغير كبير في الموقف الأميركي، إذ لم تلق “قسد” ذلك الدعم الأميركي الكبير الذي كانت تحظى به طوال السنوات الماضية، وبات الموقف الأميركي يتحدد بالعلاقة المتنامية مع دمشق، ويحكمه رغبة أميركية في نقل الشراكة في ملف محاربة تنظيم الدولة “داعش” من “قسد” إلى الحكومة السورية، والحرص على وحدة الأراضي السورية، والدعم باتجاه وضع آليات من أجل دمج “قسد”، وبما يضمن سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها.

إضافة إلى أن هذا الموقف حيّد الموقف الإسرائيلي، ومنعه من التدخل لصالح “قسد”، بالرغم من مراهنة بعض قياداتها المتشددة.

لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة “قسد” بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات، فيما منعت القوات الأميركية في سنوات سابقة القوات الروسية وقوات النظام السابق من القيام بذلك، بل وقصفت مليشيات “فاغنر” حين حاولت التوغل إلى شرقي الفرات في أوائل فبراير/شباط 2018.

أخيرا، يرسم الاتفاق الجديد ملامح مرحلة جديدة في سوريا، ويرتبط تطبيقه بمدى تجاوب قادة “قسد”، المعروف عنهم جنوحهم نحو عدم تطبيق الاتفاقيات التي يوقعونها، مثلما حصل في اتفاقياتهم مع “المجلس الوطني الكردي” واتفاق 10 مارس/آذار، لكن الأمر مختلف هذه المرة، كونهم محكومين بظروف وأوضاع مختلفة، وذلك بعد أن فقدوا معظم المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، وما يعنيه ذلك من فقدانهم مصادر الثروة.

والأجدى اغتنام الفرصة والاندماج في مؤسسات الدولة، للشروع في المشاركة في بناء مستقبل أفضل لبلادهم، أسوة ببقية السوريين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

————————–

=====================

تحديث 19 كانون الثاني 2026

———————————

 الشرع لـ”المدن”: المعركة مع قسد بلا غالب ولا مغلوب

الأحد 2026/01/18

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في سياق تطورات ميدانية متسارعة و”جهود تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية واستعادة سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية”.

وقال الشرع في حديث لـ”المدن”: “نفتح المجال لتطبيق بنود الاتفاق تدريجياً حتى نصل إلى الهدوء التام في سوريا”، مضيفاً “كنا على موعد مع السيد مظلوم عبدي، لكن بسبب الأحوال الجوية تأخر الموعد إلى الغد، ولأجل التقليل من التوتر وتهدئة الأوضاع ارتأينا توقيع الاتفاق عبر الاتصالات، على أن نتابع غداً، إن شاء الله، تفاصيل باقي بنود الاتفاق”.

وكان الشرع وقّع على اتفاق وقف إطلاق النار مع “قسد” ودمج كافة المؤسسات المدنية ضمن الدولة السورية، وذلك عقب لقاء مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك.

وفيما يتعلق بالمعركة مع “قسد”، قال الشرع: “معركة من هذا النوع، لا تُقاس بنصر ولا تُرضى بهزيمة. فهي، إن شاء الله، معركة لا غالب فيها ولا مغلوب، بل انتصار لكل السوريين. ونأمل أن تكون بداية جيدة للإثبات والتنمية والإعمار”.

نحو الريادة والتقدم

وأشار الشرع إلى أن “سوريا تنهي حالة التقسيم القائمة وتتجه نحو الوحدة والتقدم والريادة، وهي أيضاً فرصة لتعزيز الاستقرار الأمني في الوضع السوري، إضافة إلى مكافحة تنظيم داعش والتنظيمات الأخرى”. وأضاف “عندما تكون سوريا موحدة، يكون ذلك أكثر ضماناً للاستقرار الأمني فيها”.

ولفت إلى أن “الدولة السورية دولة موحدة ومركزية في القرار، وستدخل المؤسسات السورية إلى كامل الجغرافيا السورية لتدير شؤون المناطق كافة، إلا أن هناك بعض الحساسيات في بعض المناطق، لذلك سيتم تنسيب العناصر الأمنية من أبناء تلك المناطق لتفادي أي إشكالات”. موضحاً أنه “نوصي عشائرنا العربية هناك بالالتزام بالهدوء والسكينة، وفتح المجال لتطبيق بنود الاتفاق تدريجياً حتى نصل إلى الهدوء التام في سوريا”.

وأشار الشرع إلى وجود اهتمام دولي كبير بالاتفاق، موضحاً أن دولاً عدة تابعت التطورات خطوة بخطوة، من بينها الولايات المتحدة (الرئيس دونالد ترامب ونائبه والسفير توم باراك)، ومسعود بارزاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إضافة إلى دول عربية كالسعودية وقطر، وكذلك تركيا.

وينص الاتفاق المؤلف من 14 بنداً، على وقف إطلاق نار شامل وفوري على كافة الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقوات “قسد”، والبدء بدمج كافة المؤسسات المدنية بمحافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، وتسلم الحكومة السورية مسؤولية المعابر الحدودية في مناطق شمال شرق سوريا، والتزام الحكومة السورية بعدم التعرض لمقاتلي “قسد” وموظفي الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.

المدن

————————

لماذا خسرت “قسد” مناطقها شرق سوريا في أقل من 48 ساعة؟/ صبحي فرنجية

انهيار فكرة الحكم اللامركزي

19 يناير 2026

أُجبر قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي على توقيع اتفاق جديد مع الحكومة السورية، يسحب من “قسد” كثيرا من الفرص التي أتيحت لها خلال الأشهر الماضية، وذلك على وقع انهيار متسارع جدا لقواتها في محافظتي دير الزور والرقة والحسكة، حيث خسرت “قسد” محافظتي دير الزور والرقة خلال أقل من 48 ساعة أمام “قوات العشائر العربية” التي بدأت التقدم نحو محافظة الحسكة قبيل ساعات من التوصل إلى اتفاق بين “قسد” والحكومة السورية بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك الذي وصل دمشق صباح الأحد 18 يناير/كانون الثاني بعد يوم من لقاء مظلوم عبدي في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني.

ووقع الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الأحد 18 يناير/كانون الثاني اتفاقا جديدا مع “قسد” بعد مفاوضات مع مظلوم عبدي استمرت لساعات على الهاتف بحضور المبعوث الأميركي وعلى وقع تقدم “قوات العشائر” في مناطق شرق الفرات السوري. الاتفاق يتضمن دخول “قسد” ضمن الجيش السوري على شكل أفراد وليس جماعات وبعد تدقيق أمني، وتسليم “قسد” لمحافظتي الرقة ودير الزور، كل آبار النفط والحدود السورية العراقية، إضافة إلى تسليم “قسد” للمؤسسات المدنية والعسكرية للحكومة السورية، ودمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم “داعش” بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الحكومة السورية المسؤولية القانونية والأمنية، وبنود أخرى لم تكن “قسد” لتقبل بها قبل أيام.

انهيار “قسد” المتسارع والذي شكّل عامل صدمة لقياداتها التي كانت تتحدث مرارا بفخر عن حجم قوات “قسد” وإمكانياتها، كان نتيجة عدّة عوامل متراكمة خلال السنوات الماضية وفي مرحلة ما بعد سقوط الأسد، وعلى الرغم من أن أبرزها هو تراجع الدعم الدولي لها وتوجه الداعم الرسمي لـ”قسد” (الولايات المتحدة) إلى دمشق الجديدة لبناء تحالفات استراتيجية معها أكثر استدامة من تحالفاتها مع “قسد”، إضافة إلى الغضب الشعبي من “قسد” داخل مناطقها وسط تحركات حكومية لكسب المدنيين في شرق الفرات، وفقدان “قسد” الزخم الدولي والدعم الممكن من جانب روسيا نتيجة خطوات قامت بها الحكومة السورية تجاه روسيا، وانشغال كثير من قادة “حزب العمال الكردستاني” بالتفاهمات مع تركيا وسط انقسامات بينية داخله. إلا أن هذه العوامل ليست وحدها. “المجلة” تستعرض أبرز مقدمات وعوامل انهيار قوّة “قسد” الداخلية المتراكمة لسنوات، والخارجية التي سببها انهيار نظام الأسد وتشكل حكومة جديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إضافة إلى خطوات الحكومة السورية التي قوّت عوامل الانهيار الداخلي لـ”قسد”:

البنية العسكرية والتيارات

1- البنية العسكرية غير المتوازنة والمتناسقة لـ”قسد”، فنشأة “قسد” (أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015) وبنيتها العسكرية المتنوعة لم تكن نتيجة تفاهمات حقيقية بين “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” ذات القوام الكردي، وبين بقية المكونات العربية والآشورية والسريانية. هذا التنوع كان بطلب من الجانب الأميركي الذي كان لا يريد إثارة مخاوف تركيا بشكل كبير في البداية، ولذلك فقد تمت لقاءات سريعة بين ممثلين عن “وحدات حماية الشعب” وبعض الفصائل العربية والسريانية لدعوتهم للانضمام لقتال “داعش” بدعم من التحالف الدولي، المكونات العربية قبلت الانضمام لتنفيذ مهمة قتال “داعش”، دون أن يكون لديها تصور بأن مشروع “وحدات حماية الشعب” أكبر من قتال “داعش”، والذي تكشف مع الوقت للمكونات العربية والسريانية وبات أكثر وضوحا مع إعلان تشكيل “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” عام 2018. هذه البنية العسكرية المتأرجحة وكثيرة الخلافات البينية لعب دورا في إضعاف الثبات العسكري لـ”قسد”.

2- وجود تيارات كردية متشددة داخل قوات “قسد”، وهذه التيارات قوامها مقاتلون غير سوريين وسوريون على ارتباط وثيق مع “حزب العمال الكردستاني” المُصنف على قوائم الإرهاب عند كثير من دول التحالف الدولي، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، هذه التيارات مع مرور الزمن امتلكت نفوذا واسعا داخل “قسد” ومؤسسات “الإدارة الذاتية”، وذلك ما أثار غضب كثير من الأحزاب الكردية، والمكونات العربية والآشورية والسريانية. النفوذ الذي امتلكته هذه التيارات كانت له تداعيات سلبية جدا على شعبية “قسد” في مناطقها، وفي مناطق المعارضة السورية، إضافة إلى ازدياد القلق التركي على أمنه القومي، وهو ما قاد إلى قيام المعارضة السورية بدعم تركي بعمليتين عسكريتين (2018-2019).

3- سياسات “قسد” في تهميش وإضعاف المكون العربي داخل صفوفها، وذلك بدأ بعد تحرير الرقة من “داعش”، عندما سارعت “قسد” إلى تفكيك “لواء ثوار الرقة” في عام 2018، وحاولت “قسد” التحرك في الاتجاه ذاته مع “قوات الصناديد” ثاني أهم كتلة عربية في قواتها بعد “لواء ثوار الرقة”، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل نتيجة إدراكها لخطورة الخطوة على شعبيتها من جهة، وتدخل التحالف لضمان وجود المكون العربي في القوات. بعدها قامت “قسد” بتحجيم دور القوات العربية مع إبقائها في صفوفها، إلا أن ذلك لعب دورا كبيرا في زعزعة الثقة لدى المكون العربي في “قسد”، لكنّ وجود التحالف الدولي والولايات المتحدة لعب دورا في تخفيف التوترات بين آونة وأخرى داخل صفوف القوات الشريكة لها في محاربة “داعش”.

4- الاعتقالات التعسفية التي نفذتها “قسد” بحق كثير من أبناء “العشائر العربية” في مناطقها بعد سقوط تنظيم “داعش” في عام 2019، كانت تتم بتهم الإرهاب أو التعاون مع المعارضة السورية، خصوصا في مناطق ريف دير الزور والرقة، وهذه الاعتقالات زادت من الغضب الشعبي ضد “قسد”، وكثيرا ما أجرت “العشائر العربية” لقاءات مع ممثلين عن التحالف الدولي تطالب بوقف سياسة الاعتقال التعسفي في صفوف العرب، وكان لافتا في عام 2020 اعتقال “قسد” لرئيس المجلس المحلي في الشحيل حمود النوفل بتهمة أنه قيادي في “داعش” وتصويره مع كثير من الأسلحة، وذلك بعد أيام من لقاء الهفل مع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي. ساعات قليلة وسارعت “قسد” إلى إطلاق سراحه بعد تكشف مكانته وعدم ارتباطه مع “داعش”، بل كونه من الشخصيات الذين تعتمد عليهم “قسد” في محاربة “داعش”. الاعتقال التعسفي بعد سقوط النظام السوري حمل تهما جديدة منها التعاون مع الحكومة السورية الجديدة أو محاولة زعزعة الاستقرار. وكثير من الذين تم اعتقالهم عبر سنوات بتهمة الإرهاب تمّ تحويلهم إلى محكمة الإرهاب أو ما يُطلق عليها اسم محكمة “الدفاع عن الشعب” والتي كانت تتضمن نحو10 قضاة، كلهم من المكون الكردي، وهو ما أثار كثيرا من الانتقادات في صفوف المكونات الأخرى في شرق الفرات واتهامات لـ”قسد” بتنفيذ أحكام مبنية على التمييز.

تهميش وتجنيد

5- تهميش المناطق العشائرية من الناحية الخدمية، والاهتمام بالمناطق ذات الثقل الاستراتيجي لـ”قسد”، حيث كانت قرى دير الزور التي تخضع لسيطرة “قسد” تعاني من حالة سيئة جدا من ناحية الخدمات ومشاريع إعادة الإعمار ودعم المزارعين والأهالي الذين كانوا يرون أن قيادات “قسد” يسرقون عائدات النفظ والزراعة ويحرمون الأهالي منها، حتى إن بعض الأهالي الذين خرجوا من مخيم الهول ضمن ما يُطلق عليه الكفالات العشائرية طالبوا بالعودة إلى المخيم نتيجة انهيار الوضع في مناطقهم وعدم وجود أماكن للإقامة فيها في ظل تردّي الوضع الاقتصادي لأقاربهم وأهاليهم، ونتيجة سوء الأوضاع الخدمية في المخيمات المؤقتة لاستقبالهم في تلك المناطق. هذا التهميش أثّر على وحدة المزاج تجاه “قسد” بين العشائر العربية في المنطقة، والذي انفجرت آثاره عام 2023 بعد اعتقال “قسد” لقائد مجلس دير الزور العسكري، أحمد الخبيل أبو خولة، حيث أخذت التوترات شكل اشتباك عسكري مباشر بين “العشائر” و”قسد” سمحت لإيران والنظام بالتدخل لتأجيجه ولولا تدخل الولايات المتحدة حينها لفقدت “قسد” مناطق دير الزور بشكل شبه كامل، واستمرت الاشتباكات المتقطعة بين الطرفين حتى سقوط النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول عام 2024.

6- سياسة التجنيد الإجباري في مناطق “قسد” لعبت هي الأخرى دورا في زيادة الاحتقان الشعبي ضدها، فكثير من الشباب في صفوف “قسد” في الأصل تم تجنيدهم بشكل إجباري، ما يعني أن وجودهم في صفوفها لم يكن بناء على قناعة أو دعم لمشروع “قسد”، وهو أمر أيضا دفع كثيرا من الأهالي إلى تهريب أبنائهم من مناطق “قسد”، ورغم الشكاوي والاحتقان الشعبي الذي سببته هذه السياسة فإن “قسد” لم تتوقف عنه، فكانت سياستها هذه أحد عوامل انهيارها الداخلي مع بدء التحركات العسكرية للحكومة السورية تجاه مناطق غرب الفرات في شهر يناير/كانون الثاني الجاري.

7- مع سقوط النظام، لم تتحرك “قسد” نحو التغيير التاريخي الحاصل في سوريا، بل إنها منعت الأهالي من الاحتفالات في كثير من المناسبات، ورغم توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي، فإن الاتفاق لم يتم التقدم في تطبيقه وسط تأخير وعرقلة من قبل “قسد” التي كانت تسعى إلى نوع من اللامركزية وإبقاء مناطقها تحت سلطتها وحكمها، وشنت حملات اعتقال كثيرة ضد كل المدنيين الذين كانوا يعلنون دعمهم للتغيير الحاصل في سوريا، وهو ما سبّب شرخا في مناطق “قسد”، حتى إن كثيرا من “العشائر” فتحت أبواب التواصل مع الحكومة السورية وأخبرتها أنها جاهزة لدعم أي عمل عسكري ضد “قسد” لاستعادة مناطق شرق الفرات ودمجها مع الحكومة السورية.

8- سياسة الحكومة السورية التي بُنيت على إعادة الدور التاريخي للعشيرة في مسيرة ترسيخ الاستقرار والأمن في سوريا ما بعد الأسد، هذه السياسة تضمنت فتح قنوات تواصل مع “العشائر العربية” في شرق الفرات، وإقناعهم بأن الدولة السورية هي التي ستفاوض باسمهم، ولا حاجة لأن يقوموا بأي تشكيلات أو تحركات عسكرية، وبذلك أصبحت الحكومة السورية هي الممثل لمطالبهم والمؤثر على تحركاتهم، ولعب مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر جهاد عيسى الشيخ (المعروف باسم أبو أحمد زكور) دورا كبيرا في تهيئة الانهيار الداخلي لـ”قسد” فيما يخص سحب ورقة “العشائر” من “قسد”، وكان لقاء الرئيس الشرع مع شيخ مشايخ قبيلة شمّر، التي تشكل الحامل الرئيس لـ”قوات الصناديد”، مانع حميدي دهام الجربا، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني هو حجر الأساس في سحب البساط العشائري من يد “قسد”، يضاف إليه لقاءات مكثفة قام بها جهاد عيسى الشيخ مع قادة “العشائر” في دير الزور والرقة تمهيدا لمرحلة التحول الكبير في شرق الفرات، وهذا ما حصل بالفعل، حيث إنه خلال أقل من 24 ساعة أعلنت غالبية القبائل العربية دعمها لتحركات الحكومة في شرق الفرات ودعت كل أبنائها للانشقاق عن قوات “قسد”، وهو ما سبب حالة فوضى وانهيار متسارع في صفوف “قسد” في محافظتي دير الزور والرقة خلال يومي 17-18 يناير/كانون الثاني الجاري.

9- تراجع الدعم الأميركي والدولي لفكرة بقاء “قسد” ووجود حالة من الفصل الجغرافي بين شرق الفرات ومناطق الحكومة السورية الجديدة أثر داخليا على قدرة “قسد” على إقناع عناصرها والعاملين معها بأن الدعم الدولي لها مستمر ولن يتوقف. المزاج الأميركي والدولي كان يرى أن بقاء “قسد” والفصل الجغرافي سيكون له أثر كبير على جهود إعادة الإعمار وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي ودول الجوار، كما أن بقاء الجغرافيا السورية غير موحدة سيُعرقل من قدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن، وسيفتح الباب أمام روسيا، إيران والميليشيات التابعة لها، و”داعش” لاستغلال حالة الفوضى وبذل جهود لإعادة النفوذ الذي خسروه مع سقوط النظام، يُضاف لها أن حالة عدم الاستقرار ستؤثر على جهود إنهاء تصنيع وتهريب المخدرات من سوريا إلى الدول المجاورة والعالم.

التحالف الدولي

10- دخول الحكومة السورية إلى التحالف الدولي شهر سبتمبر/أيلول الماضي كان له دور كبير في تراجع معنويات “قسد” وشعبيتها، وكان له دور في إضعاف إضافي للدعم الأميركي والدولي المقدم لها. فواشنطن والغرب يرون في الحكومة السورية حليفا أقوى من الناحية القانونية مقارنة بـ”قسد”، فالحكومة السورية من الناحية الرسمية ذات ثقل أكبر مقارنة بـ”قسد” التي هي عبارة عن قوّة محلية غير متوازنة وبحاجة إلى تدخل دائم لمنع الانهيار الداخلي وتسبب توترات مع دول الإقليم بما فيها تركيا. كما أن وجود سوريا في التحالف الدولي ستكون له مكاسب كبيرة للغرب، منها أن الحرب على الإرهاب ستكون على كافة الأراضي السورية وليس في منطقة شرق الفرات فحسب، وهو ما يعني فاعلية أكبر في إنهاء نفوذ وبقايا التنظيم، ومن المكاسب أن التحالف سيكون لديه شريك حكومي، فسجون “قسد” التي فيها عناصر وقادة “داعش” العرب والأجانب هي إشكالية قانونية بحاجة إلى حلّ، ودخول الحكومة السورية إلى التحالف الدولي يعني وجود مخرج قانوني، فالحكومة السورية ستتولى ملف السجون وستجري محاكمات رسمية للعناصر وسيكونون سجناء وفق القانون السوري في السجون السورية نتيجة انتهاكات ارتكبت على الأراضي السورية.

11- الخلافات البينية داخل “قسد”، وتعدد المشاريع وتضاربها، كان لها دور في خلق حالة من الفوضى الداخلية في صفوفها وإضعاف وحدة قرارها وتفاعلها مع المجريات العسكرية المتسارعة، وبحسب المعلومات فإن “قسد” كانت تعاني من تضارب رؤيتين إحداهما كانت ترى في تراجع الدعم الدولي لـ”قسد” على حساب توجهه إلى الحكومة السورية مؤشر خطر ويدعو إلى اتخاذ خطوات جدية للتفاهم مع دمشق، في حين كان هناك تيار أكثر تشددا تقوده شخصيات مرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”، وهذا التيار كان يرى أن المواجهة مع الحكومة هي الحلّ وأن الهدف هو نظام فيدرالي يجعل شرق الفرات منفصلا عن بقية سوريا ويُهيئ لنظام حكم شبيه بإقليم كردستان العراق، إضافة لضمان بقاء الجغرافيا ملاذا آمنا لعناصر الحزب الرافضين للاتفاق مع تركيا.

12- ومن العوامل التي سارعت في انهيار “قسد” قيام الحكومة السورية بإظهار نهج مضبوط خلال معارك حيي الأشرفية والشيخ مقصود مطلع شهر يناير/كانون الثاني، ومنع أي حالات تجاوز بحق المكون الكردي في الأحياء، كما سارعت الحكومة إلى إنهاء سردية “قسد” بأنها تُمثل الأكراد في سوريا، حيث قام الرئيس الشرع بتوقيع المرسوم رقم (13) يوم الجمعة 16 يناير/كانون الثاني الجاري، والذي حمل جملة بنود تضمن حقوق الأكراد في سوريا، كمكوّن رئيس في البلاد، وتدعم خصوصية لغتهم، وتمنح الجنسية السورية لجميع السوريين الأكراد الذين حُرموا منها خلال العقود الماضية. هذه الخطوة فككت كثيرا من التأييد الكردي لـ”قسد”، فكثير من الأكراد بدأوا يسألون لماذا نستمر في دعم “قسد” إذا كانت الحكومة السورية قد ضمنت حقوقنا؟ وهل “قسد” بالفعل تدعم حقوقنا أم إنها تدعم مشروع تيارات داخلها لتحقيق مكاسب خاصة لهم؟

كل العوامل السابقة لعبت دورا في انهيار قوى “قسد” في مناطق شرق الفرات، وخسارتها لمحافظتي دير الزور والرقة في أقل من 48 ساعة، وحالات انشقاق جماعية في صفوفها، إضافة إلى حالات هروب القادة نحو الحسكة والقامشلي. وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي وقّع الاتفاق الجديد مع الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن الخطوات التنفيذية لهذا الاتفاق قد تُعاني من انتكاسات في محافظة الحسكة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حالة الخلافات البينية داخل “قسد”، وتضارب الرؤى حيال الاتفاق الذي أجبرت “قسد” على توقيعه نتيجة الانهيار المتسارع لقواتها، وفقدانها لأهم دعائم الاقتصاد (آبار النفط)، وانهيار فكرة الحكم اللامركزي لمنطقة شرق الفرات. وفي ظل هذه التحولات الجديدة يبقى السؤال هل ستلتزم “قسد” بتنفيذ الاتفاق تحت الضغط الشعبي والأميركي وتغير الموازين وخسارة الموارد، أم إن خلافاتها البينية ستؤثر على التزاماتها وتقود إلى مرحلة اقتتال جديد في جغرافيا ضيقة عسكريا ونتائجها شبه محسومة لعدم قدرة “قسد” على الصمود اقتصاديا في الحسكة وحدها.

المجلة

—————————-

 كيف سقط مشروع قسد بين الهزيمة الميدانية والعزلة السياسية

الاثنين 2026/01/19

وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، في 18 كانون الثاني/يناير، اتفاقاً مفصلياً في مسار الصراع السوري، نصّ على وقف شامل لإطلاق النار ودمج “قسد” بشكل كامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، العسكرية منها والمدنية. جرى الاتفاق بوساطة أميركية مباشرة قادها المبعوث الخاص توماس باراك، وبضمانة سياسية من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، في مشهد عكس حجم التحولات العميقة التي أصابت موازين القوى في شمال وشرق سوريا خلال فترة زمنية قصيرة.

غير أن الاتفاق، رغم طابعه الرسمي، لم يكن تتويجاً لمسار تفاوضي متكافئ، بقدر ما شكّل مخرجاً اضطرارياً فرضته وقائع ميدانية قاسية. ففي غضون أيام معدودة، خسرت “قسد” السيطرة على كامل الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات لصالح الجيش العربي السوري، كما انسحبت أو أُخرجت من معظم محافظة دير الزور على الضفة الشمالية الشرقية، إضافة إلى مدينة الرقة وأجزاء وازنة من محافظة الحسكة. وبهذا المعنى، لم تكن الخسارة جغرافية فحسب، بل بنيوية، أصابت جوهر المشروع السياسي والعسكري الذي قامت عليه “الإدارة الذاتية”.

الهزيمة الخامسة… ولكن الحاسمة

تُعد هذه الخسارة العسكرية الخامسة لـ”قسد” منذ عام 2018، لكنها تختلف نوعياً عمّا سبقها. فبعد عفرين، ثم تل أبيض ورأس العين، ثم تل رفعت ومنبج، ثم الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، بدا أن “قسد” قادرة في كل مرة على امتصاص الضربة وإعادة التموضع، مع الحفاظ على نواة المشروع. أما خسارة 2026، فقد استهدفت القلب الجغرافي والسياسي للإدارة الذاتية، لا أطرافها، وأطاحت فعلياً بإطارها العام.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة المشروع نفسه، ولا عن السياق الذي نشأ فيه وتوسّع ضمنه.

وتشكّلت “قسد” رسمياً في تشرين الأول/أكتوبر 2015، بوصفها مظلة عسكرية جامعة ضمّت عدداً من الفصائل العربية والكردية والسريانية، أبرزها “جيش الثوار”، و”لواء ثوار الرقة”، و”مجلس دير الزور العسكري”، إلى جانب نواتها الصلبة: وحدات حماية الشعب (YPG)، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).

كان الهدف المعلن من تأسيس “قسد” تقديم إطار “متعدد المكونات” قادر على استيعاب الدعم الدولي في الحرب ضد تنظيم “داعش”، وتجاوز الحرج السياسي المرتبط بتصنيف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمنظمة إرهابية، الذي تُعد “YPG” امتداده السوري العضوي. بهذا المعنى، لم تكن “قسد” قطيعة مع “YPG”، بل غطاءً سياسياً وعسكرياً لها، أتاح توسيع السيطرة الجغرافية، واستجلاب الدعم الأميركي، وبناء مؤسسات أمر واقع.

غير أن التطورات الأخيرة، وانسحاب معظم التشكيلات العربية من بنيتها، وتفكك مجالسها العسكرية المحلية، يعيد “قسد” عملياً إلى حالتها الأصلية: قوة كردية صِرفة تتمحور حول “YPG”، بعد انهيار الإطار الائتلافي الذي قامت عليه منذ عام 2015. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يُنهي “قسد” بوصفها قوة عسكرية فحسب، بل يُسقط الفكرة التي قامت عليها: فكرة التمثيل المتعدد والشراكة العابرة للهويات.

من أربيل إلى الإدارة الذاتية

غالباً ما ارتبطت نشأة الإدارة الذاتية بالتحالف الدولي ضد “داعش” عام 2014، في محاولة لإضفاء شرعية “وظيفية” عليها. غير أن العودة إلى الجذور تكشف مساراً أقدم. فقد بدأ المشروع فعلياً مع توقيع اتفاقية أربيل (هولير) في 12 تموز/يوليو 2012، التي أسست “الهيئة الكردية العليا” بالشراكة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، وبرعاية مسعود بارزاني.

كان الهدف المعلن حينها إدارة الشأن الكردي ضمن تفاهمات داخلية، بعيداً عن الصدام مع بقية المكونات السورية. إلا أن هذه الشراكة لم تعمّر طويلاً. سرعان ما انفرد حزب الاتحاد الديمقراطي بالقرار، وأقصى المجلس الوطني الكردي، وربط المشروع سياسياً وأمنياً بحزب العمال الكردستاني، ما أفقده توازنه الداخلي، ووضعه في مواجهة محيطه السوري والإقليمي.

منذ عام 2014، توسّعت جغرافيا الإدارة الذاتية من ثلاث مقاطعات إلى كيان واسع شمل سبع مقاطعات بحلول عام 2023. رافق هذا التوسع تضخم كبير في الأجهزة العسكرية والأمنية والمؤسسات المدنية، وتحولت الإدارة إلى دولة أمر واقع بضرائبها وسجونها وأجهزتها.

غير أن هذا الاتساع لم يقابله قبول اجتماعي مماثل، لا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية، حيث ظلت العلاقة مع “قسد” محكومة بمنطق القوة أكثر من الشراكة. ومع تراجع الغطاء الدولي وتغيّر موازين القوى، انفجر هذا التناقض عند أول اختبار جدي.

الحسكة: القطيعة النهائية

مع الهجوم الأخير، دخلت مناطق الحسكة والشدادي وجبل عبد العزيز مرحلة من الفوضى الأمنية غير المسبوقة. ومع انسحاب واسع للمقاتلين العرب من صفوف “قسد”، وتصاعد التمرّد العشائري، لجأت القوات الكردية إلى سياسات أمنية قاسية في محاولة أخيرة لضبط المشهد.

تتحدث مصادر محلية عن سقوط مئات الضحايا المدنيين في الحسكة وريفها وفي الشدادي، في عمليات اتسمت بطابع انتقامي، وعمّقت القطيعة النهائية بين “قسد” والمجتمع المحلي. ومع تأخر دخول وحدات الجيش السوري إلى بعض المناطق، تشكّلت وقائع ميدانية زادت من تعقيد المشهد، لكنها في الوقت نفسه سرّعت انهيار ما تبقى من شرعية الإدارة الذاتية.

في ضوء هذه الوقائع، لم يعد الاتفاق يدور حول تقاسم سلطة أو إدارة مشتركة، بل حول شروط الاندماج. فمع تفكك البنية متعددة المكونات لـ”قسد”، بات الدمج يطال أساسًا بقايا التشكيلات المرتبطة بـ”YPG”، وبأعداد يُرجّح أنها أقل بكثير مما كانت عليه القوة في ذروتها.

وبالتالي، فإن تطبيق الاتفاق يعني عملياً الحلّ الكامل للإدارة الذاتية، بكل مؤسساتها السياسية والمدنية، من “مجلس سوريا الديمقراطية” إلى المجالس المحلية والخدمية، وتحويلها إلى تجربة منتهية، لا إطاراً قابلاً للتطوير.

لا يتجاوز ما تبقى من المشروع سوى ما كُرّس في الإطار الدستوري والقانوني الجديد من حقوق ثقافية وسياسية للمواطنين السوريين الكرد، طالما طالبوا بها، إضافة إلى تسويات فردية قد تشمل بعض قيادات الصف الأول.

أما “قسد”، بوصفها كياناً جامعاً تشكّل عام 2015، فقد انتهت فعلياً. وما تشهده اليوم ليس اندماجاً متكافئاً، بل عودة إلى الأصل: تفكك الغلاف الائتلافي، وانكشاف النواة، ثم ذوبانها داخل الدولة السورية.

بهذا المعنى، لم يسقط المشروع بفعل الاتفاق وحده، بل نتيجة مسار طويل من العزلة، والرهان على القوة، وتجاهل التوازنات الاجتماعية والسياسية في سوريا، حتى جاءت الهزيمة الأخيرة لتضع نقطة النهاية.

المدن

———————-

الجزيرة السورية تطوي صفحة وتفتح أخرى: قسد خارج الرقة ودير الزور، واتفاق جديد بعد مواجهة عسكرية محدودة

19-01-2026

        أعلن الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، مساء أمس، أمام عدد من الصحفيين في قصر الشعب بدمشق، عن توقيعه الاتفاق الجديد مع قائد قسد مظلوم عبدي، الذي وقَّعَ النص إلكترونياً بسبب تعذر وصوله إلى دمشق أمس «نتيجة سوء الطقس».

        وقال الشرع أمام الصحفيين عقب توقيع الاتفاق، إنّ هذا النوع من المعارك ليس فيه «غالب ولا مغلوب»، وإن النتيجة هي «انتصار لكل السوريين» لأنها تنهي «حالة التقسيم الحاصلة وتذهب إلى حالة الوحدة» حسب تعبيره. وجواباً على سؤال أحد الصحفيين حول مصير الإدارة الذاتية، أكَّدَ الشرع أنّ الاتفاق ينهي مرحلة الإدارة الذاتية وبأنّ الحكم في سوريا سيكون مركزياً.

        من جهته قال قائدُ قسد مظلوم عبدي، في خطاب عبر تلفزيون روناهي ليل أمس، إنّ هذه الحرب لم تكن خيارهم بل فُرضت عليهم، وأنهم قد فضلوا سحب قواتهم من دير الزور والرقة إلى الحسكة «لكي لا تكون حرباً بين الشعوب» و«منعاً لاندلاع اقتتال داخلي بين مواطني الجزيرة». وأضاف عبدي أنّه سيقوم بشرح تفاصيل الاتفاق كاملة بعد عودته من دمشق، مشدداً على أنّ قسد لن تتنازل عن حماية «مكاسب شعبنا» و«خصوصية مناطقنا». ويُجري مظلوم عبدي مباحثات في دمشق اليوم بشأن خطوات تنفيذ الاتفاق وتفاصيله.

        أبرز مضامين اتفاق 18 كانون الثاني (يناير) بين السلطة المركزية وقسد:

        – تَسلُّم السلطات المركزية للإدارة في محافظات الجزيرة الثلاث، بما فيها ملفات المعابر الحدودية والنفط والغاز، وضمان وضع خاص في المناطق ذات الأغلبية الكردية في مسألة الأمن المحلي.

        – خروج جميع عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا.

        – دمج عناصر قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم.

        – تسلُّم السلطات المركزية لملف محاربة تنظيم داعش بما في ذلك السجون والمخيمات.

        – اعتماد قائمة مرشحة من قيادات قسد لشغل مناصب عليا في هيكلية الدولة المركزية.

        وعلى الصعيد الدولي أشادت الولايات المتحدة بالاتفاق الموقع بين السلطة المركزية وقسد في بيان لمبعوثها إلى سوريا توم باراك، الذي أكَّدَ أنّ العمل «يبدأ الآن لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاقية دمج شاملة»، مُعتبِراً أنّ هذا الاتفاق يُشكّل «نقطة تَحوُّل محورية، حيث يتبنى الخصمان السابقان الشراكةَ بدلاً من الانقسام».

        كذلك رحبت الخارجية السعودية في بيان لها ليل أمس بالاتفاق، آملةً بأن يُساهم «بتعزيز الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة»، وجددت الخارجية السعودية على دعم الرياض لجهود الحكومة السورية في تعزيز السلم الأهلي والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

        من جهته قال الزعيم الكردي مسعود بارزاني، في بيان صدر قُبيل الإعلان عن الاتفاق، إنّه يأمل التوصل إلى وقف التصعيد الحاصل، مرحباً بالمرسوم الصادر عن الشرع بشأن حقوق الأكراد، آملاً «أن يُشكل أرضيةً يتم تعزيزها وإثراؤها بموافقة الأطراف المعنية».

        ميدانياً، كانت قوات السلطة المركزية قد سيطرت خلال يوم أمس على كامل محافظة دير الزور ومعظم محافظة الرقة، عقب معارك اندلعت إثر تقدمها في دير حافر في ريف حلب الشرقي يوم الجمعة الفائتة، ومن ثم مواصلة الهجوم نحو مدينة الطبقة وسط معارك متفاوتة الحدة مع مجموعات من قسد. ومنذ أول أمس السبت، بدأت مجموعات عشائرية في محافظتي الرقة ودير الزور بمهاجمة مواقع قسد، ما أتاح لقوات السلطة التقدمَ سريعاً والسيطرة على كامل ريف دير الزور الشرقي بما في ذلك أكبر حقول النفط في سوريا.

        ومنذ فجر أمس الأحد، أعلنت السلطات المركزية سيطرتها على مدينة الطبقة، قبل أن تتقدم لاحقاً في مدينة الرقة، حيث هاجمت مجموعات عشائرية مواقع لقوات قسد، ما دفع الأخيرة للانسحاب من دون قتال يذكر، فدخلت قوات السلطة المركزية بعد ظهر يوم أمس. وأشارت مصادر محلية ليل أمس إلى أنّ قسد بدأت تُخلي مدينة عين عيسى شمال الرقة، التي تُعتبر المركز الإداري والعسكري الرئيسي لقسد و«الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا»، وذلك تنفيذاً لبنود الاتفاق. وفي السياق نفسه أعلنت قسد ظُهر أمس، بدء سحب قواتها من محافظتي دير الزور والرقة باتجاه الحسكة، بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، فيما أشارت مصادر محلية عن وقوع اشتباكات محدودة شمال الرقة لم تؤثر على مصير الاتفاق والمسار العام لوقف الاشتباكات.

        في المقابل أفادت مصادر وصفحات محلية من مدينة الرقة بمقتل أكثر من عشرة مدنيين برصاص قناصة تابعين لقسد واصلوا استهداف المدنيين حتى مساء أمس، وأشارت المصادر إلى إصابة عدد آخر بسبب العمليات، فيما تحدث أهالي عن القبض على أحد القناصين والتأكد من تبعيته لقسد.

        من جهة أخرى، وثق ناشطون نزوح ما يقارب 10 آلاف مدني كردي من محيط مدينة الطبقة نحو الحسكة، معظمهم من مهجري عفرين الذين يعيشون في مخيمات. وأشارت مصادر محلية في الحسكة إلى أن مجموعات تنسيق محلية بين الأهالي والمنظمات الإنسانية تُحاول الاستجابة وتقديم الخدمات للنازحين، وتجهيز بعض المواقع مثل المدارس لاستقبال العائلات التي انتقلت في ظل طقس بارد وأوضاع إنسانية بالغة السوء وغيابٍ للاحتياجات الأساسية.

        إلى ذلك، انتشرت ليلاً شائعات عن ارتكاب قسد مجازر في محافظة الحسكة راح ضحيتها أكثر من مئة مدني عربي، إلا أن مصادر محلية نفتها لاحقاً. وقالت إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إن «هذه الأخبار تصدر عن جهات مرتبطة بأطراف تسعى إلى تخريب اتفاق وقف إطلاق النار وتأجيج التوترات».

        ونقلت منصة «تأكد» نقلاً عن سكان في قرية العشرة بريف الحسكة أن القرية «شهدت توتراً قرب نقطة عسكرية لقسد» بعد أن «توجه عدد من الأهالي نحوها»، وأن عناصر ردوا بإطلاق النار ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وجرح آخرين، مؤكدة نقلاً عن مصادرها أن «الأعداد المتداولة حول ضحايا الحادثة مبالغ فيها بشكل كبير».

موقع الجمهورية

—————————-

الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف/ غسان شربل

19 يناير 2026 م

طلبَ الجنرال مظلوم عبدي من الرئيس أحمد الشرع ما لا يستطيع تقديمَه. لا يستطيع الشرع توزيعَ «سوريا الجديدة» على مكوناتها. اللامركزية الفعلية للمناطق الكردية تطرحُ على الحكم موضوعَ علويي السَّاحل ودروز السويداء. من دون سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ لا يمكن إغلاقُ الملعبِ السوري أمام اللاعبين الإقليميين. لا بدَّ من سوريا متماسكة للاستقرار الإقليمي. لا بدَّ منها لمنع عودةِ إيران. هكذا يفكر المهندسُ الدوليُّ للمصائر. الحلّ ليس تفكيكَ سوريا. الحلُّ إنصافُ الأكرادِ تحت سقف دولة عادلة. وقصةُ الكردي مع الخريطة مؤلمةٌ وطويلةٌ وتتعدَّى مسرحَها السوري.

يخافُ الكردي من الخريطة. لم يشارك في رسمِها. ولم تسأله عن تطلعاتِه. يرى حدودَها سدّاً لا جسراً. يراها جداراً بين أفراد العائلة. أحلامُه تفيض عن حدودها وتصطدم بها. ثم إنَّه أقلية فيها. وليس من عادةِ الخرائط التساهل مع الأقليات.

تخافُ الخريطة من الكردي. تشمُّ رائحةَ تبرّمه. يخالجُها شعورٌ أنَّه أُرغم على الصعود إلى القطار وأنَّه يتحيَّن فرصة القفز منه. تتَّهمه بفتح نوافذَ مشبوهة على علاقات مشبوهة.

يخاف الكرديّ من الخريطة. إنَّه مختلف في رحابها. وليس من عادةِ الخرائط القبول بحقّ الاختلاف. لا تنام الخريطةُ قريرةَ العين إلا إذا اتكأت على التَّشابه. تفضل الزِّيَّ الموحد. أن يشربَ سكانُها من النبع نفسه. وأن يتكلَّموا اللغةَ نفسها. وأن لا يضلعوا في مغامرات تقضُّ مضجعَها.

تخاف الخريطةُ من الجماعاتِ الموسومةِ بلونٍ مختلف. من الثقافة المغايرة. والفولكلور المختلف. ومن الأحلام السّرية التي تتفاقم وراءَ الستائر المغلقة. من المرارات التي يتوارثها الأولاد والأحفاد. من ذاكرة الانتفاضات المجهضة والأعراس الممنوعة.

ومن الظّلم اتهامُ الخرائط. لم ترسم أصلاً بحبر أبنائها. ولا بحبر أكثرياتِها. رسمَها الأقوياء وفق مصالحهم. لا يحضر الصغار على موائد الكبار. وما ذنبُ الخرائط الحالية إذا كانت معاهدة لوزان (1923) أطاحت الوعدَ الذي أغدقته على الأكراد اتفاقيةُ سيفر (1920)؟

هكذا توزَّع الأكراد خلافاً لإرادتهم أقليات في تركيا وإيران والعراق وسوريا. وفي غياب الأنظمةِ الرحبة الواثقة من شرعيتها يصعب تحقيقُ الاندماج أو الاعتراف بحق الاختلاف.

قبل نحو عقدين ذهبتُ لإجراء حوارٍ مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني. وجدت الرَّجلَ يجلس قرب علمين. علم العراق وعلم الإقليم. والمشهد ليس بسيطاً في هذا الجزء من العالم. وما كان للإقليم أن يولدَ مستنداً إلى الدستور لولا رغبةُ إيران وحلفائها في الداخل العراقي في إعطاء الأولوية المطلقة للتخلص من نظام صدام حسين.

استوقفني يومَها أنَّ الرَّجلَ الجالسَ قرب علمين وُلد في جمهورية مهاباد الكردية التي أُعلنت على الأراضي الإيرانية في 1946 ولم يُتحْ لها أن تحتفلَ بالشمعة الأولى. أعدمتِ القواتُ الإيرانية زعيمَ مهاباد قاضي محمد بتهمة الخيانة لكنَّ قائدَ قواتها المسلحة الملا مصطفى بارزاني تمكَّن من المغادرة في رحلته الملحمية إلى الاتحاد السوفياتي.

غادرت مقرَّ الإقليم وأنا أتساءل عن الرسالة التي يبعث بها المشهد إلى الأكراد المقيمين في سوريا وتركيا وإيران، الذين شكوا مراتٍ عديدة من المحاولاتِ القسرية التي تعرَّضوا لها للتعريب والتتريك والتفريس. أدرك مسعود بارزاني في ضوء تجربته الطويلة أنَّ أكرادَ العراق اغتنموا فرصةً تاريخيةً وحصلوا على إقليم يطمئنهم. أدرك في الوقت نفسِه أنَّ هذه التجربة غيرُ قابلة للنقل إلى خرائطَ أخرى، ولهذا نصح وفوداً كرديةً عدةً بالاكتفاء بتحسين ظروف حياة الأكراد داخل خرائطهم الحالية. نصائحه بسلوكِ طريق الواقعية وُجّهت أيضاً إلى الجنرال مظلوم عبدي ورفاقِه حين دخلت الخريطة السورية مرحلة الاضطراب الكبير.

لا يمكن إنكارُ أنَّ الكردَ تعرَّضوا لظلمٍ كبير ومديد. لكنَّ الواقعيةَ تفرض القول إنَّ الحلَّ لمشكلاتهم لا يكمن في تفكيك الخرائط الحالية لتسهيل تواصلهم الجغرافي والسكاني. عمليةُ تفكيكِ الخرائط في الشرق الأوسط ولادةٌ لحروب طويلة لا تنتهي.

ولا يمكن إنكارُ التضحيات التي قدَّمها أكراد سوريا في مواجهة تنظيم «داعش». وُلدت «قوات سوريا الديمقراطية» على دويّ هذه المواجهة وبرعاية أميركية كاملة. لكنَّ هذه القوات لم تكن صاحبةَ الدور الحاسم في إسقاطِ نظام بشار الأسد لتحجزَ لنفسِها حصةً موازيةً لتلك التي حصل عليها أكرادُ العراق الذين كانَ دورُهم معبراً إلزاميّاً لإسقاط نظام صدام حسين.

كانَ التغيير الذي حصلَ في سوريا كبيراً وهائلاً وأكبرَ من قدرة أكرادها على توظيفه لضمان تطلعاتهم أو جزءٍ كبير منها. وكانَ على الجنرال عبدي أن يتوَّقفَ طويلاً عند مشهد الرئيس أحمد الشرع يصافح الرئيسَ دونالد ترمب وعند خبرِ موافقة واشنطن على إلغاءِ كل مفاعيل قانون قيصر. وأن يتمعَّنَ طويلاً بإعلان الشرع أنَّ سوريا الجديدة لن تكونَ مصدر تهديد لأي من جيرانها، ما يعني خروجَ سوريا من الشّق العسكري في النزاع مع إسرائيل. وكانَ عليه أن يتعاملَ مع حقيقة أنَّ سوريا الشرع ترمز إلى تفكيك «محور الممانعة»، وأنَّها الضمانة لإبعاد إيران و«حزب الله» عن الخريطة السورية. كانَ عليه الالتفات إلى أنَّ سوريا المستقرةَ حاجة إقليمية ودولية وهذا يتقدَّم على تحالفات مع الأكراد فرضتها ظروف معينة.

الانتصار على «قسد» شيءٌ والانتصار على الأكراد شيءٌ آخر. يمكن معالجةُ الانتصار الأول بإعطاء الأكراد حقوقَهم الكاملةَ كمواطنين واحترام خصوصيتهم. الانتصارُ الثاني لا يؤسس إلا للمزيد من المآسي. وحدَها سوريا العادلةُ تستطيع كسرَ حلقةِ الكردي الخائفِ والكردي المخيف.

الشرق الأوسط

———————————

سوريا بعد “قسد”.. اختبار إدارة التنوع واستعادة الدولة

19 يناير 2026

في مشهد فاق كل التوقعات، انهارت مواقع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” تباعًا في الرقة ودير الزور (وريف الحسكة الجنوبي)، دون قتال حاسم أو مقاومة تُذكر. ولم تكن هذه الخسارة حدثًا يخص الميدان وحسب، بل تعبيرًا عن تصدّع داخلي طالما تم تجاهله.

على مدى سنوات، حافظت قسد على صورة الكيان السياسي والعسكري القوي، الممسك بمناطق واسعة من الشمال الشرقي، بدعم من التحالف الدولي. لكن خلف هذه الصورة راحت عوامل الانفجار تتراكم، بسبب غياب عقد اجتماعي متين، واحتكار السلطة من قيادة مرتبطة بـ”PKK”، وتدهور في مستوى الخدمات، وتهميش الكوادر المحلية، وتآكل في شرعية الوجود العسكري نفسه.

ولأن قسد لم تنجح في تحويل نفوذها الأمني إلى شرعية سياسية أو اجتماعية، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية العربية، شهد أول اختبار حقيقي انسحابًا لكثير من المقاتلين العرب، وتحول العشائر من شريك إلى خصم، ما جعل المشروع ينهار من الداخل قبل أن يُسقطه الخارج.

المسار البياني للانهيار

بدأ الانهيار الميداني بانسحابات غير منسَّقة من دير حافر ومسكنة، تلته مواجهات محدودة ثم انهيارات متتالية في ريف الرقة. تخلّى مقاتلون محليون عن مواقعهم، وأعلن عشرات منهم الانشقاق، فيما آثرت القيادة الكردية الانكفاء نحو الشرق، تاركة خلفها فراغًا ملأته العشائر بسرعة. تمركز القوات الحكومية في الطبقة والمنصورة كان لحظة فاصلة، أعادَ للدولة السورية رمزية السيادة في مناطق ظلت خارجة عن السيطرة لقرابة عقد من الزمن.

في المقابل، تبدو السلطة السورية أمام فرصة واختبار في آن. فاستعادة الأرض لا تعني استعادة الثقة. والمطلوب ليس مجرد سيطرة عسكرية، بل شراكة جديدة تعترف بالتعدد وتبني نموذجًا من الإدارة اللامركزية العادلة، يطمئن الجميع ويعيد بناء سوريا من الأطراف نحو المركز، لا العكس.

حين انفجرت الأزمة، لم تتحرك “قسد” كجسم موحّد، بل بدأت بالانكماش من الداخل، حيث انشق مقاتلون عرب أو رفضوا القتال، وتحوّلت العشائر من شريك إلى خصم. لم يُسقطها الجيش السوري وحده، بل أسقطها السكان المحليون الذين لم يروا في سلطتها سوى مرحلة عابرة.

    لن يُقاس مستقبل سوريا بمن امتلك القوة أو وسّع السيطرة أو فرض الغلبة، فهذه أدوات من عصرٍ ولّى. سيكون المعيار الحقيقي هو القدرة على إدارة التنوّع، والاعتراف بالحقوق قولًا وفعلًا، وتفكيك إرث الهيمنة القومية والطائفية

نشأت قوات سوريا الديمقراطية، أو قسد، بذريعة محاربة “داعش”، وبقيت في جوهرها مظلّة عسكرية هجينة، تجمع بين وحدات كردية صلبة ترتبط أيديولوجيًا وعسكريًا بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وفصائل عربية محلية جرى استيعابها دون تمثيل حقيقي في صناعة القرار.

وحين تَمَّ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع دمشق، لم تُظهر “قسد” نية جادة لتنفيذه، بل راوحت بين خطاب الانفصال والتفاوض، وطرحت شروطًا غير واقعية، كدمج مقاتليها بالجملة داخل الجيش السوري (ككتل لا كأفراد) دون إصلاح سياسي متكافئ.

ومع اشتداد الضغط العسكري والاجتماعي، لم تجد “قسد” مرجعية سياسية تتحدث باسمها بوضوح – فقد كانت تفوّض المهمة تارةً إلى مجلس سوريا الديمقراطية، وتارة إلى “الإدارة الذاتية”. وبدا أخطر ما في المشهد أن هذه الحالة لم تطوّر جناحًا مدنيًا يُواكب تطلعات السكان أو يُدير تفاوضًا وطنيًا باسمهم، بل ظل حبيس منطق “الأمن أولًا”، متجاهلًا أهمية صياغة مشروع سياسي واضح المعالم.

الولايات المتحدة.. من الشراكة إلى الافتراق

كان الغائب الأبرز هو ردّ الفعل الأميركي. فرغم الشراكة العميقة التي ربطت “قسد” بالتحالف الدولي طيلة عقد من الحرب على “داعش”، لم تتدخل واشنطن عسكريًا أو سياسيًا لحماية حليفها من التفكك أمام الجيش السوري والحراك العشائري.

لم يكن ذلك الصمت مفاجئًا، بل نتيجة تحوّل استراتيجي بطيء بدأ يتبلور منذ نهاية 2019، حين أعلنت إدارة ترامب “هزيمة داعش بنسبة 100%”، وبدأت تُراجع جدوى الاستثمار في مشروع غير قابل للاندماج.

فعليًا، لم تعد “قسد” بالنسبة للبنتاغون أكثر من قوة محلية مهمتها حماية السجون، وملاحقة الخلايا النائمة. تراجع التمويل الأميركي بنسبة النصف منذ 2019، وتوقّف الدعم الثقيل، وانحصر التعاون في وحدات محددة مثل مكافحة الإرهاب (YAT) والقوات الخاصة (HAT)، ما أضعف “قسد” في الدفاع عن مناطقها الشاسعة.

هنا تبلور تحوّل جوهري: بدلًا من الدفاع عن قسد، بدأت واشنطن تُهندس خروجها الآمن من المعادلة، عبر تفاهم غير معلن مع دمشق رعاه المبعوث توم باراك، يقوم على السماح للجيش السوري بدخول الرقة ودير الزور، والتزام دمشق بدمج تدريجي لقسد ضمن مؤسسات الدولة، دون قسر شامل، وإصدار مرسوم رئاسي يضمن الاعتراف بالهوية الكردية، ويؤسس لتمثيل سياسي مستقبلي (المرسوم رقم 13).

وبهذا لم تتخلَّ واشنطن عن “قسد” تمامًا، لكنها تخلّت عن شكلها الحالي، ودعمت إعادة تدويرها ضمن الدولة السورية الجديدة، كجزء من حل لا يشعل الحرب مجددًا، ولا يُبقي على كيان ذي طموحات انفصالية محكومة بفشل داخلي.

كان التراخي الأميركي مدروسًا، ويعبّر عن انتقال واشنطن من منطق “بناء حليف مسلح”، إلى منطق “إغلاق ملف معقّد” بأقل الخسائر، بعد أن فشل هذا الحليف في التحوّل إلى شريك سياسي موثوق أو إلى حامل لمشروع تعددي مستقر.

تركيا.. فاعل صامت

رغم أنها لم تطلق رصاصة واحدة في المعارك الأخيرة، كانت تركيا أحد أكبر المستفيدين من الانهيار السريع لـ”قسد”. منذ منتصف 2025، رفعت أنقرة منسوب التهديد باجتياح منبج وتل رفعت وعين العرب (كوباني)، ما دفع “قسد” إلى حالة ارتباك دائم، بين الاحتماء بواشنطن أو التفاهم مع دمشق.

هذا الضغط الاستراتيجي، الذي لم يتحوّل إلى تدخل مباشر، عطّل قدرة “قسد” على بناء استراتيجية واضحة. في المقابل، استثمرت أنقرة خطاب “وحدة الأراضي السورية” ورفض الفيدرالية، وهو خطاب لاقى قبولًا لدى المعارضين للنظام والإدارة الذاتية معًا.

إضافة إلى ذلك، مارست تركيا نفوذًا ناعمًا على بعض العشائر العربية، واستخدمت حضورها الإقليمي لتقليص نفوذ “قسد” دون تدخل مباشر، بانتظار لحظة مناسبة للمساومة السياسية مع دمشق أو واشنطن.

اختبار بناء الدولة

أفضى انهيار “قسد” وتوقيع اتفاق الاندماج إلى مكاسب جوهرية للسلطة المركزية في دمشق، يمكن وصفها بأنها الأكبر منذ اندلاع الصراع السوري عام 2011. فقد استعادت الدولة سيطرتها على جغرافيا شاسعة في شرق الفرات، تضم حقول النفط والغاز، وسدودًا استراتيجية، ومعابر حدودية، وسجون تنظيم الدولة، ما يرمز إلى استعادة رمزية “السيادة الوطنية” للمرة الأولى منذ سنوات، دون تدخل مباشر من موسكو أو طهران.

هذه الاستعادة سياسية وليست عسكرية فقط، فهي أول انتصار يحققه الرئيس أحمد الشرع في مسيرته، ويعزز شرعيته كرئيس انتقالي قادر على إدارة ملفات معقدة دون الدخول في صراع شامل.

ويمثّل تفكيك “قسد” ككيان عسكري وإداري منفصل، ودمج بنيتها ضمن مؤسسات الدولة، خطوة أولى على طريق إنهاء الإدارات الموازية. للمرة الأولى منذ 2013، تنتقل السلطة من مجرد استرجاع الأرض إلى فرض نموذج اندماجي لا يقوم على المحاصصة أو الفيدرالية، بل على وحدة المؤسسات، وإن بشكل تدريجي.

غير أن هذه المكاسب تصطدم بجملة من التحديات الهيكلية والسياسية والأمنية. فالثقة بين الدولة والمكونات المحلية – العشائر العربية، والكرد، والسريان – ما تزال هشة، ومجرد توقيع اتفاق لا يكفي لمعالجة ذاكرة ممتدة من الإقصاء والتمييز.

كذلك، فإن الملفات الشائكة مثل إدارة مخيم الهول، وسجون داعش، وملف المعتقلين السابقين، تضع الدولة أمام مسؤوليات ضخمة لم تُصمَّم مؤسساتها بعد للتعامل معها.

ومن المؤكد أن مكاسب دمشق لن تتحول إلى استقرار ما لم تُترجم إلى بنية سياسية قابلة للحياة. فالاختبار ليس في سرعة بسط السيطرة، بمقدار ما يكمن في قدرة الدولة على تحويل السيطرة إلى حقوق، وقلب معادلة الأمن إلى معادلة القانون، وتجاوز منطق الغلبة إلى منطق شراكة.

هل ندخل مرحلة جديدة؟

لا يمكن اختزال الحدث الكبير في عناوين مثل “هزيمة قسد” أو “انتصار الدولة” أو “توحيد الأرض السورية”، لأننا أمام لحظة انتقال غامضة، سقطت فيها منظومة، لكنها لم تسقط وحدها، إنما سقطت معها تصورات عن بناء كيان دون عقد اجتماعي، وعن فرض مشروع سياسي على مجتمع مفكك الهوية ومتعدد الولاءات.

صحيح أن قسد لم تكن كيانًا منسجمًا، لكنها مثّلت – في لحظة ما – محاولة لتصوّر بديل، حتى وإن شابه الغموض ورافقه التهميش والاستعلاء. وفي المقابل، فإن الدولة السورية لا يمكنها أن تكرر ذات الأنماط الأمنية والبيروقراطية التي فجّرت البلاد من قبل. والمشهد هو اختبار للقدرة على طيّ صفحة الماضي بمفهوم الإدماج السياسي والمجتمعي، وليس بالمعنى القمعي.

لن يُقاس مستقبل سوريا بمن امتلك القوة أو وسّع السيطرة أو فرض الغلبة، فهذه أدوات من عصرٍ ولّى. سيكون المعيار الحقيقي هو القدرة على إدارة التنوّع، والاعتراف بالحقوق قولًا وفعلًا، وتفكيك إرث الهيمنة القومية والطائفية، وبناء أسس وطنية جامعة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، على قاعدة الشراكة والمواطنة المتساوية.

الترا سوريا

———————————

 دمشق ودمج الكرد في الدولة.. السياسة تسبق الميدان/ صهيب جوهر

2026.01.19

في المشهد الذي يتشكّل شرقي حلب وصولاً إلى دير حافر ومحيط الرقة، يصبح من الصعب التعامل مع ما يجري بوصفه مساراً عسكرياً منفصلاً عن السياسة أو مجرد تطور ميداني في صراع مفتوح.

ما يُعاد رسمه هنا هو توازن مختلف، قاعدته الأساسية ليست عدد القرى التي دخلها الجيش السوري ولا سرعة الانتشار، بل القرار السياسي الذي سبق النار ورافقها، والمتمثل بالمرسوم الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع والمتعلق بحقوق المواطنين السوريين الكرد.

هذا القرار لا يمكن وضعه في مرتبة موازية للتحرك العسكري، بل يتقدّم عليه من حيث الأثر والوظيفة. فالسيطرة على دير حافر، مهما بلغت أهميتها، تبقى قابلة للتبدل أو لإعادة التفاوض حولها، بينما المرسوم أعاد صياغة الإطار الذي يُدار داخله الصراع كله، هو نقل المواجهة من منطق إدارة الوقائع بالقوة إلى منطق إعادة تعريف الشرعية السياسية، ومن خطاب السلاح إلى خطاب الدولة.

على الأرض، أظهرت المواجهة في دير حافر حدود قدرة “قوات سوريا الديمقراطية-قسد” على الصمود في مناطق ذات غالبية عربية، كما كشفت أن قرار الانسحاب لم يكن خطوة واثقة بقدر ما كان محاولة لتفادي خسائر أكبر، وامتصاص اندفاعة دمشق المتسارعة.

الاتهامات المتبادلة حول خرق التفاهمات، ووقوع قتلى من الجيش السوري، ثم تسارع دخول القوات وانتشار المدرعات، كلها مؤشرات على أن ميزان القوى كان يميل بوضوح لمصلحة الدولة السورية، غير أن هذه التفاصيل، على أهميتها العملياتية، لا تفسّر وحدها لماذا بدت “قسد” في موقع أضعف سياسياً مما كانت عليه في أي جولة سابقة.

السبب الجوهري يكمن في أن الشرع اختار أن يفتح المعركة من بوابة مختلفة، المرسوم المتعلق بحقوق الكرد السوريين لم يُطرح كردّ فعل، ولا كخطوة لاحتواء ضغط خارجي، بل كجزء من رؤية تهدف إلى تفكيك الأساس الذي قامت عليه سردية “قسد”، طوال السنوات الماضية، الاعتراف الصريح بالهوية الثقافية واللغوية، وإلغاء آثار إحصاء 1962، ومنح الجنسية للمكتومين، كل ذلك سحب من يد “قسد” الادعاء بأنها الطرف الوحيد القادر على انتزاع الحقوق أو حمايتها.

بهذا المعنى، لم يعد الصراع يدور حول من يسيطر على دير حافر أو مسكنة، بل حول سؤال أعمق: من يمتلك مشروعية تمثيل الكرد السوريين؟ المرسوم أجاب على هذا السؤال بلغة الدولة والقانون، لا بلغة البيانات العسكرية، وهو بذلك وجّه رسالة مزدوجة؛ الأولى للكرد السوريين أنفسهم، مفادها أن مكانهم الطبيعي في بنية الدولة وصناعة قرارها، والثانية لـ”قسد”، بأن الاستثمار في خطاب المظلومية بات بلا رصيد فعلي.

التزامن بين القرار السياسي والتحرك العسكري لم يكن مصادفة، فالمرسوم أدخل إلى المواجهة كأداة ضغط نوعية، لا لتبرير القوة، بل لتحجيم الحاجة إليها، لقد نُقلت “قسد” من موقع الطرف الذي يفاوض باسم قضية، إلى موقع تنظيم مسلح يفتقر إلى الغطاء الأخلاقي والسياسي الذي كان يتكئ عليه، وبعد هذه الخطوة، أصبح أي استمرار في القتال مكلفاً لها على مستوى جمهورها، لا فقط على مستوى انتشارها.

الأبعد من ذلك، أن هذا المسار يرّسخ تحولاً أوسع في طريقة تعامل الدولة السورية مع المشاريع الانفصالية، بدل الإنكار أو القمع الأعمى، جرى الفصل بوضوح بين المكوّن الاجتماعي المشروع، الذي تُعاد له حقوقه كاملة، وبين البنية العسكرية التي تحاول توظيف هذا المكوّن لخدمة مشروع سياسي خاص.

هذا الفصل يسحب من التنظيمات المساّحة القدرة على الاختباء خلف الهويات، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعاً على السلطة والسيادة، لا على الحقوق والوجود.

في هذا السياق، يبدو واضحاً أن أي مبادرة سياسية جديدة، سواء عبر أربيل أو من خلال الاتصالات الأميركية التي يقودها المبعوث توماس باراك مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، ستنطلق من معطيات مختلفة تماماً.

دمشق لم تعد تدخل هذه المسارات وهي في موقع الدفاع أو البحث عن تسويات اضطرارية، بل وهي تحمل ورقة سياسية ثقيلة تعيد ترتيب شروط النقاش وحدوده، المرسوم، هنا، لم يكن خطوة مرافقة للتقدم الميداني، بل عاملاً أعاد صياغة المشهد الذي سيجري التفاوض داخله.

النتيجة الأهم أنّ ما يجري اليوم يتجاوز استعادة مناطق أو تثبيت خطوط سيطرة، ما يُعاد بناؤه هو مفهوم الدولة نفسها، وحدود علاقتها بمكوناتها، وكيفية إدارتها للتنوع من دون أن يتحوّل إلى أداة تفكيك، في هذا الإطار، يمكن القول إن قرار الشرع أصاب جوهر المشكلة، لا أعراضها، ووضع خصومه أمام معركة خاسرة في معناها قبل أن تُحسم على الأرض.

تلفزيون سوريا

——————

مثقفون في حماية الجماعة/ إسلام أبو شكير

يناير 19, 2026

لطالما آمنتُ بأنّ الأزمات أو لحظات التحوّل الكبرى هي المختبر الحقيقيّ للأفكار. ففي أوقات الاستقرار والهدوء والرخاء السياسيّ أو الاجتماعيّ يسهل على الجميع تداول الكلمات البرّاقة ذات المضامين الكبيرة، وادّعاء أنّها تعبّر عنهم، وتشكّل جوهر مواقفهم من الحياة، ثمّ لا تلبث العاصفة أن تأتي، فيبدو عدد غير قليل من هؤلاء عراةً تماماً، في مشهد فاضح يكشف زيف ادّعاءاتهم، وهشاشة مواقفهم.

تجربة تحرير حيّي الأشرفيّة والشيخ مقصود في حلب كانت الاختبار الأخير لتلك الفرضيّة عندي. لم أكن الوحيد الذي تعرّض لطوفان مجنون من الاتّهامات بالشوفينيّة تارة، وبممالأة السلطة سعياً لمكاسب شخصيّة تارة أخرى، ثمّ بالاصطفاف إلى جانب دعاة الإبادة والتطهير، وبخيانة قيم المواطنة والتعايش التي كنت أنادي بها، إلى جانب كمٍّ هائلٍ من الشتائم التي نالت من العرض والشرف والكرامة.

لكنّ المثير للدهشة، والأشدّ إيلاماً، لم يكن الهجوم بذاته، بل مصدره: نخبة من الأصدقاء والزملاء من كتّاب وأدباء وفنّانين وإعلاميّين، سوّقوا لأنفسهم سنواتٍ كحرّاس لقيم حرّيّة الرأي والتعبير والحقّ في الاختلاف.

لقد كان تمييزي، وتمييز آخرين ممّن تعرّضوا لهذه الحملة، واضحاً منذ البداية بين “قسد” كتنظيم أو كجسم سياسيّ أو عسكريّ خاضع للنقد والمحاسبة، وبين “الكرد” كمكوّن أصيل ومتجذّر في النسيج السوريّ تعرّض كما تعرّضت المكوّنات الأخرى لظلم فادح لا يجادل أحد في أهمّيّة الحاجة إلى رفعه وعلاج الآثار المؤلمة التي ترتّبت عليه، لا كحقّ، بل كضرورة إنسانيّة وأخلاقيّة واجبة.

حتّى السياق الذي جاءت به إدانة قسد كان سياق حرص على كرامات سكّان هذين الحيّين، وفيهم أعداد كبيرة من الكرد، خصوصاً بعدما تعرّضوا له طيلة السنوات الفائتة من عزل، وتضييق، أي أنّ الأمر كان من منطلق الحرص والإحساس بالمسؤوليّة تجاههم، لا من منطلق التحريض والتجييش. كما أنّه جاء من باب الإيمان بضرورة فرض القانون الذي طالما شكا أصدقاؤنا من غيابه في فترة حكم البعث خصمهم اللدود، وخصمنا وخصم كلّ حرّ عاقل بطبيعة الحال.

المفارقة الكبرى التي تثير السخرية المريرة أنّ عدداً من هؤلاء كانوا من أشدّ المنتقدين لقسد، وسياساتها، ومرجعيّاتها، وارتباطاتها الخارجيّة المشبوهة، والفساد المستشري داخلها، وانعدام الكفاءة في صفوف قياداتها. فجأةً تحوّل انتقاد قسد إلى خطاب كراهية، وإلى فاشيّة وتحريض على الإبادة. حدث ذلك عندما خرج الانتقاد عن الدائرة الضيّقة التي يتحرّك داخلها هذا العدد غير القليل من الأصدقاء، وكأنّ الانتقاد يفترض شروطاً أهمّها أن يكون صادراً عنهم هم فقط، باعتبارهم أمناء على الهويّة الصغرى التي ينتمون إليها.

افتراض سوء النيّة لمجرّد رأيٍ في ظاهرة أثّرت على حياة السوريّين كلّهم، وعلى مستقبل بلدهم، أمر يدعو إلى التساؤل، بل يبدو مثيراً للشكّ في دوافعه وجذوره، خصوصاً أنّ الرأي في أصله وحيثيّاته وتفاصيله لا يختلف عن آرائهم هم..

ولو أردنا الصراحة، فإنّ هذا الموقف في تحريم انتقاد قسد وتجريم من يقترب منها هو الذي ينطوي على عصبيّة ضيّقة، وهو الذي يشجّع على الكراهية، وهو الذي يسعى إلى قطع كلّ طرق التواصل والتشارك؛ الاتّهامات نفسها التي تُكال للآخرين دون تمييز. ذلك أنّه يضع شرطاً مجحفاً وغريباً لمن يريد امتلاك وممارسة هذا الحقّ، وهذا الشرط عنصريّ بطبيعته، لأنّه يفترض انتماءً إلى جماعة دون غيرها..

هنا يطفو على السطح سؤال غريب: ما الذي يجعل مثقّفاً يفترض أنّه تمرّس على التفكير الهادئ المتّزن والمؤمن بضرورة الحكم العادل المنصف على القضايا والظواهر، يتخلّى بهذه السهولة عن أدواته؟! ما أخشاه أنّ السبب الكامن خلف ذلك هو الخوف من خسارة الجماعة التي يعتقد هذا المثقّف أنّه بحمايتها، وأنّها هي التي أعطت وجوده قيمة ووزناً، ولو كان ذلك على حساب سمعته التي هي رأسماله الأهمّ والأكثر ديمومة.

سيكون مفجعاً حقّاً، وقد تمّ القضاء على نظامٍ أفسد حياة الجميع بجرائمه واستبداده وطائفيّته وعنصريّته، وانفتح المجال أمام مرحلة جديدة مليئة بالإمكانات، أن يضحّي المثقّف، والمثقّف بالذات، بدوره الواجب في التزام الموضوعيّة والعقلانيّة والحياد والنزاهة والإخلاص للحقيقة، لصالح مواقف ضيّقة إلى هذا الحدّ، مقيّدة إلى هذا الحدّ، أنانيّة ومحدودة الأفق إلى هذا الحدّ.

ما لا نريده أن يتجاوز الخلاف بعده السياسيّ باتّجاه البعد الأخلاقيّ. فقسد التي تحوّلت في خطاب هؤلاء إلى “تابو” لا يجوز المساس به، ليست في مآلها الأخير سوى عارض سياسيّ سيمضي كما مضى غيره (الأسديّة مثالاً)، لكنّ الأثر العميق الذي يتركه سقوط المثقّف في فخّ التحيّز هو الذي سيبقى ندبةً في وجه مستقبلنا السوريّ.

إنّ آخر ما نحتاجه في هذا المرحلة -إذا كنّا صادقين في حرصنا على المصلحة الوطنيّة العليا، وحلمنا الخاصّ بكيان جامع- هو هذا النوع من الإرهاب الفكريّ الذي يسعى إلى اغتيال الرأي الآخر تحت عناوين كبيرة مجتلبة من خارج السياق، ومفرغة من مضمونها الواقعي.

يبقى في نهاية المطاف أنّ الأذى سيقع أوّلاً وأخيراً على هذه الفئة من المثقّفين في موقفهم المتشنّج الذي تحكمه ردود الأفعال والانفعالات أكثر من العقل والمنطق والحكمة والضمير، فالصورة التي يقدّمون أنفسهم بها مهزوزة ومشوّهة، لا تليق بأشخاصهم، كما لا تليق بالقضايا التي يزعمون أنّهم يدافعون عنها..

الثورة السورية

———————–

الهوية الكردية بين الذاكرة الجريحة ومشروع الدولة الجامعة/ محمد نزال

يناير 18, 2026

على امتداد سنوات الصراع السوري ظلّ المجتمع الكردي أحد أكثر المكونات تعرضاً لسوء الفهم والاختزال السياسي، سواء من قبل النظام المخلوع أو من قبل مشاريع عسكرية-سياسية ادعت تمثيله لاحقاً مثل بي كي كي و”قسد”، وبين هذين المسارين تشكّلت فجوة نفسية وسياسية عميقة ما زالت تعوق أيّ حوار جادٍّ حول مستقبل العلاقة بين الكرد والدولة السورية والمجتمع السوري.

يتميز المجتمع الكردي بخصوصية اجتماعية وثقافية تشكّلت عبر عقود طويلة من التهميش وسوء الإدارة السياسية، ما جعله مجتمعاً مغلقاً وحذراً تجاه السلطة المركزية. في هذا السياق، برزت “قسد” بوصفها قوّة عسكرية قدمت نفسها حامياً للأكراد، وروّجت خطاباً قومياً مبسطاً استثمر المخاوف التاريخية، وعمّق القطيعة مع الدولة السورية، وصوّرها كخطر وجودي على الهوية الكردية، قامت بذلك لصالح أجندة تصدر من جبال قنديل في تركيا حيث تتواجد قيادات حزب بي كي كي المهيمن على القرار داخل قسد.

ساهم عامل اللغة بما تحمله من رمزية عميقة في الهوية وتعدّد اللهجات الكردية في تعقيد التواصل، بينما فتح المجال أمام خطاب تعبوي يختزل المجتمع الكردي في سردية واحدة مغلقة، كما لعبت ممارسات “داعش” في الرقة وما رافقها من فوضى وانتهاكات وسلوكيات دور “الذاكرة الجريحة” التي يتمّ استدعاؤها باستمرار لإعادة إنتاج الخوف وربط أيّ حديث عن الدولة أو الشراكة الوطنية بتلك التجربة.

في ظلّ هذه المعطيات، تشكّل لدى شريحة واسعة من الأكراد تصور بأنّ الدولة السورية بصيغتها الحالية لا تزال تتعامل معهم بوصفهم “مشكلة قومية” لا مكوناً وطنياً أصيلاً وهو تصوّر غير سليم، ويشكّل عائقاً نفسياً وسياسياً حقيقياً أمام أيّ تفاهم.

إنّ أيّ خطاب سياسي أو إعلامي موجّه إلى المجتمع الكردي لا يمكن أن يكون فعّالاً ما لم يُبن على الطمأنة قبل الإقناع وعلى الاعتراف قبل الطلب وعلى الشراكة قبل السلطة، فكلما شعر المجتمع بأن هويته ليست موضع تهديد زادت قابليته لسماع الأفكار والانخراط في مشروع وطني جامع، وهذا ما قام به السيد الرئيس مع مظلوم عابدي قائد قسد خلال المفاوضات، وهو ذاته ما تحدّث به السيد الرئيس في اللقاء الأخير، حيث قال إنّ حقوق الكرد ليست محلّ تفاوض، وواجب علينا حفظها وصونها.

كما يتطلّب الأمر تفكيك سرديات الخوف عبر التمييز الواضح بين الأكراد كمكوّن وطني وبين المشاريع السياسية أو العسكرية التي تدّعي تمثيلهم، فالصراع القائم هو صراع سياسي على السلطة والنموذج، لا صراع هوية أو وجود، ومن هنا تبرز أهمية كسر سردية “نحن أو هم” والتأكيد على أنّ الخيارات ليست محصورة بين “قسد” أو العداء للدولة.

أما التعامل مع الذاكرة المؤلمة فيجب أن يقوم على الاعتراف بالمخاوف لا إنكارها، وعلى تقديم نماذج مختلفة تثبت إمكانية وجود مسار آخر، والإشارة إلى تجارب تعامل ناجحة في مناطق مثل الشيخ مقصود والأشرفية.

المدخل الحقيقي للاستقرار لا يكمن في الحلول الأمنية، إنما في الشراكة السياسية، لذلك قدمت الدولة نفسها مراراً وتكراراً كإطار جامع وحام للتنوّع لا طرفاً في صراع قومي، وهذا يشكّل حجر الأساس لأيّ علاقة مستقبلية، فاستقرار سوريا لا يمكن أن يتحقّق دون مشاركة فعلية للمجتمع الكردي في القرار الوطني محلياً ومركزياً، ويتطلّب ذلك الفصل بين السلاح والمجتمع والتأكيد على أنّ المجتمع الكردي ليس مشروعاً مسلحاً، إنّما مجتمع مدني متنوّع في توجهاته السياسية والفكرية والدينية.

ولابد من تفكيك تجربة قسد بقراءة متوازنة، فمن الناحية الإدارية اعتمدت قسد نموذجاً مركزياً مغلقاً تركزت فيه السلطة بيد جهاز عسكري-أمني، فيما بقيت الهياكل المدنية شكلية، ما أضعف الإدارة المحلية وقلّل من الشفافية وأقصى كفاءات محلّية واسعة.

خدمياً، ورغم توفّر الموارد، تراجع التعليم والصحة والخدمات، مع مناهج غير معترف بها وخدمات خضعت للاعتبارات الأمنية لا لحاجات السكان. وسياسياً، جرى احتكار التمثيل وفرض خطاب واحد مع تضييق المجال العام وإقصاء القوى الكردية والعربية الأخرى. واقتصادياً، أُديرت مناطق غنيّة بالنفط والزراعة دون تنمية حقيقية، وارتفعت معدّلات الفقر والبطالة والهجرة، أمّا اجتماعياً فقد أسهم التجنيد الإجباري والتضييق على الحريات في خلق حالة نفور ويأس خاصة بين الشباب.

إنّ نقد القومية المغلقة لا يعني إنكار الحقوق القومية، فهذه الحقوق لا تتناقض مع الانتماء الوطني الجامع أما التقسيم والعزلة لا يحميان الهوية الكردية بل يضرّان بها وبعلاقتها مع محيطها السوري. ولابدّ من إعادة تعريف مفهوم “الحماية”: هل تتحقق الحماية بعزل المجتمع وتسليح شبابه قسراً أم بدمجه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في دولة تحترم التنوّع وتضمن المواطنة المتساوية؟ الإجابة عن هذا السؤال تُلزم قسد بفتح أفق حقيقي للمشاركة والاستماع عبر إدارة محلية حقيقية وتمثيل سياسي متنوع وحوار جادٍّ مع النخب الثقافية والاجتماعية والشباب الجامعي.

في النهاية، الطريق إلى سوريا مستقرّ يمرّ عبر الشراكة والتدرّج في الطرح والانتقال من منطق الخوف إلى منطق السياسة، وهو طريق لا يمكن أن يُسلك دون المجتمع الكردي، وهذا يتطلّب عزل قسد عن الكرد.

الثورة السورية

—————————–

بين كانونين/ نور الدين الإسماعيل

يناير 19, 2026

أعادت مشاهد فرح الأهالي في مناطق ريف حلب الشرقي ومحافظة الرقة، واستقبالهم الجيش العربي السوري؛ الذاكرة بمعظم السوريين، إلى مشاهد التحرير الأولى في كانون الأول من عام 2024، ليعيش السوريون مشاعر الفرح مجدداً بعودة الأرض لأصحابها.

فرح السوريين الكبير والواسع، اليوم، بتحرير مناطق في الجزيرة السورية يأتي من نقاط عدة، أهمها: ما عاشه أهالي تلك المناطق من حرمان وقمع وتقييد لسنوات، وآخره: تكميم الأفواه بشكل جنوني عاماً كاملاً، عبر منع الأهالي من مشاركة إخوتهم في بقية المحافظات في أي فعالية أو تظاهرة، خلال الاستحقاقات الماضية التي عاشتها البلاد، ما زاد لدى الجميع الشعور بالألم.

طوال السنوات الماضية، تنظيم “قسد” الذي كان يستجدي عطف نظام الأسد المخلوع بعرض خدماته عليه، والتي قابلها الأخير بالرفض، بات “يتدلل” على السلطة السورية الجديدة، ويتمنع، ويراوغ، ويحاول كسب الوقت بتوقيع اتفاقات لا يلتزم بأي منها، حيث إنه خلال عام كامل؛ أضاع فيه التنظيم كل الفرص التي أتيحت له في الاندماج ضمن سوريا الوطن الموحد للجميع، كما أضاع من حياة أبناء المناطق التي يسيطر عليها الكثير مما يمكن لهم أن يحققوه.

الأهالي الذين كانوا يشكلون بركاناً تحت الرماد، وفي لحظة الحقيقة، انفجروا في وجه من يحتل أرضهم، فكانوا اليد الضاربة التي لم يتوقعها التنظيم في العمق، فحرر أبناء الأرض قراهم ومدنهم بالقليل من العتاد والكثير من العزيمة والإصرار والقهر، حتى قبل أن يصل مقاتلو الجيش السوري إليهم.

ارتباط التنظيم بمشاريع عابرة للحدود حوّل السكان إلى رهائن في قبضة مجموعة من الأشخاص الذين لا يجيدون سوى لغة القتل والتدمير والتهجير والتفخيخ، ولا يعرفون من الحوار سوى المراوغة والمخاتلة والمكر، وهو الأمر الذي دفع الأهالي لحمل ما توفر من السلاح، والخروج في وجهه بعد تفجيره للجسور ونقاط العبور التي كان من الممكن أن يعبرها الجيش السوري للوصول إليهم، في محاولة لعزلهم عن محيطهم.

سيناريو؛ كانت الدولة السورية تحاول جهدها الابتعاد عنه، لكنه كان حتمياً في ظل تعنت التنظيم وقادته، ويمكن القول: إنه جرى بأفضل التوقعات، في ظل عدم تسجيل أرقام عن ارتقاء ضحايا من المدنيين خلال العملية سوى من اغتالتهم عناصر “قسد” غدراً خلال احتفالهم بالتحرير، ما يعد امتداداً لمعركة التحرير الكبرى “ردع العدوان” وبالطريقة نفسها، والنتائج ذاتها.

الفكر القنديلي الذي نشأ وانتعش في فترة الثمانينيات من أواخر القرن الماضي، لم يعد اليوم قادراً على استدراج ضحاياه بسهولة، إلا لبعض البسطاء الواهمين الغارقين في أحلام الانفصال، بعد ما عاين الجميع ما فعله قادة ذلك الفكر من خراب وقتل ودمار، فكل شيء تغير، لكن قادته يصرون على سياستهم، بالعقلية نفسها المنفصلة عن الواقع.

وبالرغم من ذلك، لم يتعلم قادة “قسد” من غيرهم، وقادهم تعنتهم إلى نهايتهم على يد من لا يتوقعون، ولم يخدمهم تجنيدهم للأطفال، ولا إرهابهم للمجتمعات المحلية، ولا خطفهم للقاصرات، ولا أنفاقهم التي حولت باطن مدينة الرقة إلى جحور لا تفيد حتى للاختباء من بركان الأهالي وغضبهم، لكن دروس التاريخ قاسية، والعاقل من اتعظ بغيره.

الثورة السورية

—————————

مرسوم رئاسي سوري وإسقاط ذرائع… هندسة المواطنة والدولة/ ماهر علوش

19 يناير 2026

في المنعطفات التاريخية التي تعيد تشكيل الدول، لا تُقاس كفاءة القيادة السياسية بقدرتها على إدارة الصراعات المحلّية، إنما بقدرتها على تدوير الزوايا الحادّة، وتخميد الصراعات القائمة، واجتراح الحلول البنيوية التي تُحوِّل الأزمات الوجودية إلى فرص تأسيسية لإعادة بناء الدولة. لم يعد مفهوم رجل الدولة مرتبطاً بقدرته على إشعال الحرب، بل بقدرته على منع حدوثها، أو تحديد نطاقها، والحدّ من تأثيرها إذا ما فرضتها الظروف. هنا يظهر الفارق الحقيقي بين رجال الدولة الذين يفكّرون بمنطق البناء والاحتواء، وأمراء الحرب الذين يفكّرون بمنطق السيطرة والنفوذ، ويعيدون إنتاج المظلومية أداةَ تعبئةٍ في مشاريعهم الخاصة وصراعاتهم المفتوحة.

من هذا المنطلق، ينبغي قراءة المرسوم الرئاسي رقم 13 بشأن المواطنين السوريين الكرد، الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، لا بوصفه استجابةً ظرفيةً، ولا مكرمةً سياسيةً، ولا بوصفه مناورة تكتيكية لامتصاص احتقان داخلي، بل باعتباره جزءاً من رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على أساس منح السلام فرصةً حقيقيةً لإنهاء الحرب. فنحن لسنا أمام إجراء عابر، بل أمام هندسة دقيقة تعيد تشكيل المجتمع السوري والدولة السورية الجديدة على أساس المواطنة المتساوية.

الدولة السورية، بعد مخاض عسير وصبر استراتيجي طويل، أدركت أن استمرار النزيف في شمال شرقي سورية لم يعد مقبولاً بمنطق الأمن القومي. ومن هنا جاء هذا المرسوم ليؤكّد ثابتاً استراتيجياً في عقيدة الدولة السورية الجديدة: السلم الأهلي ووحدة التراب السوري هما الركنان الأساسيان في تشكيلها، والحرب استثناءٌ تفرضه الضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها. إننا أمام لحظة انتقال حقيقي من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الفوضى إلى هندسة الاستقرار.

الحرب ليست خياراً، بل هي جراحة تفرضها الضرورة. ومن الأهمية بمكان، عند تحليل السلوك السياسي والعسكري للدولة السورية الجديدة، التمييز الدقيق بين منطق الحرب ومنطق الدولة؛ فما شهدته/ أو تشهده الجغرافيا السورية من تحرّكات عسكرية أخيراً، وما قد تفرضه الضرورة القصوى مستقبلاً، ليس سوى جراحات أمنية عقلانية محدودة، هدفها معالجة سلسلة من الانتهاكات الجسيمة الصادرة من عصابات مسلّحة تدّعي أنها تحمل فكراً سياسياً أو نضالياً، بينما تمارس على الأرض أبشع أنواع الظلم والاضطهاد بحقّ من تدّعي الدفاع عنهم، قبل أن تمتدّ آثارها إلى غيرهم.

لا تستهدف هذه الجراحات شعباً، ولا هُويّة، ولا أيَّ مكوّن اجتماعي، بل تستهدف كيانات وظيفية خارجة عن إطار الدولة، وتضع حدّاً لحالات الانفلات المسلّح التي تهدّد وحدة الدولة السورية وأمن مواطنيها. وهي في فلسفتها إجراء استثنائي تفرضه الضرورة، لا سياسة دائمة، ولا مساراً تأسيسياً بذاته.

كان الرهان الحقيقي للدولة وسيبقى على السلم الأهلي، وعلى إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، لا على إخضاعهم بالقوة أو فرض سياسة الأمر الواقع عليهم بالسلاح. العصابات التي تدّعي احتكار النضال القومي، بينما تمارس فعلياً أدواراً وظيفيةً لخدمة أجندات خارجية لا صلة لها بمصالح الكرد، هي الهدف الحصري لهذه الجراحات. ومن ثمّ، المعادلة الاستراتيجية للدولة السورية واضحة: السلام هو الخيار الأول، والأعمال العسكرية المحدودة إجراءات استثنائية تهدف إلى إنهاء مسارات مدمّرة لا يمكن السكوت عنها، وغايتها فرض سيادة القانون لا فرض القهر. فلا تفاوض مع السلاح، ولا تمثيل بلا تفويض. وثمة إشكالية كبرى حاولت بعض الأطراف الدولية والمحلّية تكريسها أمراً واقعاً، وهي ضرورة التفاوض مع سلطات الأمر الواقع (المليشيات المسلّحة) شرطاً لإنجاز أيّ حل سياسي في الملف الكردي. وهنا يأتي المرسوم الرئاسي ليحسم الجدل على نحوٍ قاطع، مُرسِّخاً مبدأً سيادياً لا يقبل المساومة أو التأويل: الدولة لا تفاوض بندقية خارجة عن القانون تحت عنوان سياسي، ولا تمنح صكّ التمثيل السياسي لمن يفرض نفسه بقوة السلاح بلا تفويض شعبي أو مستند ديمقراطي حقيقي.

لا تعترف الدولة بكيانات مسلّحة، ولا بكتل سياسية لا يوجد ما يثبت أنها تمثّل الشعب الكردي أصلاً، وتمثيل الكرد سياسياً لا يختلف عن تمثيل غيرهم من العرب والتركمان والسريان وسائر السوريين: ينتخبهم الشعب، لا تعيّنهم البنادق، ولا تفرضهم الجغرافيا المسلّحة. إنّ أي محاولة لربط حقوق الشعب الكردي بموافقة هذا التنظيم أو ذاك هي، في حقيقتها، مصادرة لإرادة الكرد أنفسهم قبل أن تكون تحدّياً للدولة السورية الجديدة.

تكشف القراءة المتأنّية لمضامين المرسوم فصلاً منهجيّاً تامّاً بين الشعب الكردي، وهو مكوّن تاريخي أصيل، وشريك مؤسّس في الهُويّة السورية، وجزء من النسيج الاجتماعي السوري، والتنظيمات المسلّحة، وهي حالة طارئة دخيلة تعمل أداةً وظيفيّةً تحت إشراف قوىً خارجية.

قرار الدولة مخاطبة المواطنين الكرد مباشرةً عبر هذا المرسوم، وتجاوز الهياكل الوسيطة العسكرية والسياسية كافّة، عقلاني وأخلاقي رفيع المستوى، فالدولة لو قبلت بالتفاوض مع تلك المليشيات على حقوق الكرد، لكانت قد ارتكبت خطيئتَين استراتيجيتَين: شرعنة السلاح المنفلت بمكافأة المتمرّدين، ما يغري مكوّنات أخرى بانتهاج السلوك نفسه لانتزاع المكاسب نفسها، وخيانة الشعب الكردي، عبر اختزاله في تنظيم عسكري شمولي وتسليمه رهينةً لأمراء الحرب الذين لا يملكون تفويضاً انتخابياً ولا شرعية شعبية.

الرسالة هنا بالغة الدقّة والوضوح: الدولة تمنح الحقوق لمواطنيها لأنهم مواطنون، ولا تحتاج سماسرة لتمرير هذه الحقوق، وهي لا تطلب مقابل ذلك منهم إلّا أن يكونوا مواطنين. إنها تؤسّس لعلاقة مباشرة بين الدولة وأبنائها، بعيداً عن محاولات فرض الوصاية السياسية والعسكرية على أيّ من المكوّنات السورية. ما نقوم به ليس قطيعةً مع السياسة، كما قد يتوهّم بعضهم، بل هو تصحيح لمسارها وإعادة ضبط لأدواتها.

ومن الضروري تفكيك سردية المظلومية واستثمارها السياسي. إذ اعتمدت المشاريع الانفصالية العابرة للحدود عقوداً على رأسمال رمزي قوامه المظلومية التاريخية التي تعرّض لها الكرد، وتحديداً في ملفَّي “الهوية الثقافية” و”إحصاء عام 1962″. وبالنظر إلى لغة الأرقام والحقائق، فقد خلّف ذلك الإحصاء واقعاً مأساوياً طاول عشرات الآلاف (ما بين أجانب ومكتومي القيد)، فجرى تعليق وجودهم القانوني والمدني وحرمانهم من أبسط حقوق المواطنة.

اليوم، وفي لحظة تاريخية، ومن خلال رسالة رئاسية واثقة ومدروسة، جرى تجفيف المنابع الأيديولوجية للتطرّف والانفصال، وسحب البساط بالكامل من تحت أقدام المتاجرين بالقضية الكردية. فكانت المواد (1،2،3) تمثّل الاعتراف الصريح والدستوري بالهُويّة الثقافية واللغوية للكرد بوصفهم جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري والهُويّة الوطنية الجامعة، وليس ملحقاً هامشياً في الدولة السورية. ثم أتت المادة 4 بالإلغاء الشامل والنهائي للآثار القانونية المترتبة من إحصاء الحسكة 1962، ومنح الجنسية السورية فوراً لكل من طاوله هذا الظلم. يعيد هذا الإجراء الاعتبار القانوني والإنساني لعشرات الآلاف، ويحوّلهم من مجرّد سكّان إلى مواطنين يتمتّعون بكامل الحقوق.

واعتبرت المادة 5 عيد النوروز مناسبةً وطنيةً رسميةً، في دلالة رمزية بالغة على القبول بالآخر وجودياً وثقافياً. وبذلك لا يصحّح هذا المرسوم خطأً تاريخياً فحسب، بل ينسف الأساس الأخلاقي الذي تقتات عليه المليشيات المسلّحة؛ فعندما تزول المظلومية ينتفي مبرّر وجود المتاجرين بها. إنه نقلة نوعية من حالة الاغتراب الوجودي إلى حالة الشراكة التامة في الدولة والهُويّة والمصير.

ولعلّ النقطة الأكثر دقّةً وحساسيةً في هذا السياق (قد تُثار شبهةً أو تساؤلاً من بعض المراقبين أو المشكّكين): لماذا اقتصر المرسوم الرئاسي على الحقوق المدنية والثقافية، ولم يتطرّق إلى الحقوق السياسية (شكل الحكم، الفيدرالية، الإدارة الذاتية)؟… تكمن الإجابة في صلب الفقه الدستوري ومفهوم الديمقراطية الحقيقية، ويمكن تأصيلها في نقطتَين جوهريَّتَين: الأولى؛ الحقوق التنفيذية الفورية، وتشمل الحقوق الطبيعية والمدنية والإنسانية التي وردت في المرسوم، وكانت معطّلةً بقرارات إدارية وسياسية جائرة من النظام السابق. هذه الحقوق واضحة، ولا يمكن الاختلاف عليها، وتقع في صلب صلاحيات رئيس الجمهورية وواجباته الأخلاقية والدستورية، وكان لا بدّ من إعادتها إلى أصحابها بعيداً عن أيّ تفاوض أو مقايضة. الثانية؛ الحقوق السياسية التأسيسية، وهي المرتبطة بتحديد شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطات (اللامركزية الإدارية أو السياسية، الفيدرالية… إلخ). فهي قضايا ضمن صلاحيات السلطة التشريعية، ولا يحقّ لرئيس الجمهورية (مهما كانت صلاحياته واسعة) البتّ فيها بمرسوم منفرد، لأنّ ذلك سيكون تكريساً للديكتاتورية ومصادرةً لإرادة الشعب.

باختصار: الحقوق السياسية مكانها الدستور، وأداة تحصيلها البرلمان المنتخب. وهنا الدولة تقول للكرد ولغيرهم بوضوح تام: نحن لا نملك تفويضاً لرسم شكل الدولة النهائي نيابة عنكم، لكنّنا نجتهد في توفير الآليات الديمقراطية لتحقيق ذلك، كلجنة صياغة الدستور والبرلمان، لتكونوا شركاء فاعلين في صياغة العقد الاجتماعي الجديد.

ليس ما جرى تأجيله أو عدم ذكره في المرسوم قهراً أو كسراً لإرادة أحد، بل هو احترام لإرادة المجموع. وليس من شأنه منع أي حقّ متأوَّل لدى أصحابه، بل هو انتظار لتأكيد صحة هذا التأويل من السلطة التشريعية، وإحالة للملفّات المصيرية إلى المؤسّسات الشرعية التي سيشارك الجميع في بنائها وتشكيلها؛ فالحقوق السياسية تُنتزع تحت قبة البرلمان من خلال الحوار الوطني الهادئ، فلا تُمنح كهبات، ولا تُفرض بقوة السلاح.

نحن اليوم أمام لحظة انكشاف تاريخي للحقيقة، ولم يعد بإمكان أحد تحريفها أو تزويرها. الرسالة وصلت بوضوح إلى كل بيت في القامشلي والحسكة وعفرين… إلخ. الدولة السورية الجديدة قدّمت أطروحتها على نحوٍ متكامل: دولة مواطنة، عدالة، اعتراف، والسيادة أولاً وآخراً؛ لأنها تصنع الأمن للجميع من دون استثناء.

بات الخيار واضحاً أمام أهلنا الكرد وأمام النُّخب السياسية والثقافية: إمّا الدولة السورية: وهذا يعني الانخراط في الدولة ومؤسّساتها، مع الاعتراف بكامل الحقوق. والدولة تمنحك القوة والشرعية والحقّ في صياغة دستور بلادك عبر ممثليك المنتخبين ديمقراطياً، وتصون ثقافتك ولغتك جزءاً من التراث والثراء الوطني. وإما الكيانات الوظيفية: وهذا يعني بقاء الارتهان لتنظيمات مسلّحة تستخدمك وقوداً لمعارك عبثية، وتجعلك ورقة تفاوض في البازارات الإقليمية والدولية، وتبقيك في صراع دائم مع محيطك الجغرافي والتاريخي.

لقد أدّى الرئيس السوري ما عليه من واجب وطني وأخلاقي وتاريخي، ودفن بجرأته السياسية عقوداً من الأخطاء المتراكمة. والكرة الآن في ملعب العقلاء والنُّخب الوطنية من أهلنا الكرد ليلتقطوا هذه اللحظة التاريخية الفارقة، وينحازوا إلى منطق الدولة والسلم الأهلي، عازلين بذلك كل صوت يوقد نار الفتنة، وكل بندقية تتاجر بدماء السوريين.

ختاماً… ليس هذا المرسوم مجرّد وثيقة قانونية، بل هو خطوة تأسيسية وخريطة طريق استراتيجية لبناء سورية الجديدة؛ سورية التي تتّسع لجميع أبنائها، وترفض أيَّ سلاح خارج عن سلطتها وإرادتها. هذا المرسوم ليس نهاية الطريق، بل بدايته الصحيحة. هو تحوّل مدروس وانتقال واعٍ: من زمن المتاجرة بالمظلومية إلى زمن المواطنة، ومن منطق العصابات إلى منطق الدولة، ومن خطاب الحرب الدائمة إلى أفق السلام الدائم.

العربي الجديد

————————–

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة: أربع مقاطع عن المدينة والجزيرة والبلدم ياسين السويحة

19-01-2026

        1

        بُني جسر الرقة القديم بين منتصف شتاء ونهاية ربيع عام 1942، على يد وحدات هندسية بريطانية ومن قوات فرنسا الحرّة، التي كانت بحاجة إلى معبر على الفرات يُسهّل تقدمها من العراق نحو الشامية السورية في خضم الحرب العالمية الثانية. كانت عملية البناء معقّدة، بدأت من الضفتين في آنٍ واحد للالتقاء في منتصف النهر، واستُخدِمت فيها قساطل معدنية جُهّزت بخردة أنابيب من شركة نفط العراق، إلى جانب مخلفات حربية متنوّعة. بعد الاستقلال أُلبِسَ نصف الجسر الجزراوي هيكلاً إسمنتياً، ثم حُقنت دعاماته بالباطون. وبعد أن خسر أهميته لصالح «الجسر الجديد»، الأعرض والأمتن، الذي بُني بإشراف فني يوغسلافي أواسط الستينيات، أُغلقَ الجسر القديم طويلاً أمام السيارات خلال الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن يُعاد فتحه أمام السيارات الصغيرة مطلع الألفينات.

        من نشأته بقيت لوحة تذكارية بالإنكليزية في طرفه الجزراوي تروي سيرة بناء الجسر، كما بقيت حجرات إسمنتية للحراسة على طرفيه فيها فتحات قنّاصة. وعنه أُلِّفت أغنية «من فوق جسر الرقة سلّم عليّا بايده». لعقدين ونيف كان هو جسر الرقة، قبل أن يصير جسراً «عتيجاً» يقابله غرباً جسر جديد يصل بينهما كورنيش من الضفة الجزراوية بطول كيلومترين.

        قصفَ طيران التحالف الدولي جسري الرقة في أوائل شباط (فبراير) 2017، خلال عملية عزل المدينة تمهيداً للمعركة ضد تنظيم داعش الإجرامي. وخلال حكم قسد، وبدعم أميركي، جرى إصلاح الجسرين: القديم بشكل مهلهل وغير سليم هندسياً، والجديد بتأنٍ أكبر، مع زركشة وألوان وبريق أكثر. صباح أمس الأحد، وقبيلَ انسحابها من المدينة، فجّرت قوات قسد الجسرين المُرمَّمين، وكأنها تتأكد من ألا تترك شيئاً من عهدها يُتحسَّر عليه.

        بجسور مدمّرة ابتدأَ حكمُ قسد لمدينة الرقّة، وبجسور مدمّرة انتهى.

        2

        كانت قوات سوريا الديمقراطية قوات المشاة في حرب التحالف الدولي لطرد تنظيم داعش الإجرامي من الرقة. كانت حرباً ذات أساس عادل، استهدفت تنظيماً مُوغِلاً في الوحشية، بلغ في مشهدية القتل والتمثيل بالموت مصاف البورنوغرافيا. ومن سوء حظ الرقة أن ولادة داعش في حربه الأهلية الجهادية مع جبهة النصرة حصلت فيها، وأن التنظيم تمترس في المدينة بعد حرب مطلع 2014 التي نجحت في دحره من حلب وإدلب. ورغم عدالة الحرب ضد داعش، ورغم كون أهل الرقة المادة الأولية التي مارس عليها التنظيم تفننه في القتل والتنكيل والتمثيل بالجثث، فقد حُرموا من اعتبارهم شركاء في تلك الحرب، وعُومِلوا، هم ومدينتهم، كأعداء خلال حرب صيف 2017. دُمِّرت النسبة الأوسع من المدينة، وقُتل آلاف من أهلها وأهل ريفها القريب في قصفٍ عديم الاكتراث بمصير المدنيين.

        بعد انتصار التحالف واندحار داعش، تصرّفت قسد كقوة احتلال في المدينة. استثمرت في التحطّم الاجتماعي لمدينة مكلومة لتزيده تحطيماً، وتحت عناوين برّاقة مُستعارة من أدبيات ما بعد الحداثة وتنظيرات أوجلان الأحدث، حكمَ تنظيمٌ ستالينيٌ قمعي المدينة عبر ممارسة إبادة سياسية تامة لسكانها، وحصارهم في لا-ذات صامتة، سالبة، لا تبحث إلا عن العيش، وفقط العيش، بلا صوت. أي نشاط سياسي سابق كان سبب قمع أو نفي، وأي نشاط حالي -خدمي وتنموي حصراً- خارجَ الأطر الضيقة المتاحة يُعرِّضُ صاحبه لتهمة الانتماء إلى داعش.

        اعتُقلَ أحمد الهشلوم، مدير مبادرة تنموية صغيرة ومُرخَّصة من سلطات الأمر الواقع، في شباط (فبراير) 2020 مع ثلاثة من زملائه. رُكِّبَت لهم ملفات مغرقة في البوليسية حول أدوار قيادية مزعومة في داعش، ونشرت وكالة تابعة لقسد تأكيداً أن الهشلوم نفسه «أمير» في التنظيم. بعد أسابيع طويلة من الاعتقال والتنكيل، أُطلق سراحهم بتدخل من التحالف الدولي. وبعد فترة قصيرة اضطرَ الهشلوم إلى مغادرة الرقة تحت التهديد، ويعيش اليوم في دمشق محروماً من بيته وأهله.

        وفوق المَحق السياسي الكامل للسكان، وخنقِ أصواتهم وإراداتهم، وتغريبهم عن شؤون مدينتهم وبلدهم، امتلأت المدينة بديكورات «الإدارة الذاتية» وكومبارساتها: بالمجالس والمؤتمرات واللجان، وبالتجمعات واللقاءات والتظاهرات للمطالبة بحرية القائد آبو، بمشاركة متحمسة من زمرة من الرجال «لابسين عرب» وبشوارب غليظة، لعبوا بكثير من الحماس وبانعدامِ كرامة دورَ الديكور البليد في المشهديات المزركشة، و«انشقَّ» جُلّهم عن قسد بين مساء أول أمس السبت وأمس الأحد.

        وفي إدارة الشؤون العامة، ساد اقتصادُ محاسيب وفساد فاحش قد يُفسِّر، ولو جزئياً، الاندحار السريع الذي حصل.

        مع سقوط نظام الأسد، أوغلَ سلوك قسد كقوة احتلال في المدينة في اللامعقولية. كان هناك توقٌ عامٌ لدى أهل الرقة، المقيمين والنازحين داخل سوريا وخارجها، لأن يكونوا جزءاً من سوريا المُحتمَلة بعد سقوط الأسد. لم يُسمح لهم بذلك. لم تُحترَم إرادتهم، وقُمعت احتفالات الأيام التي تلت سقوط النظام نهاية 2024، بما في ذلك فتح النار مباشرة على متظاهرين في وسط المدينة وسقوط قتلى بينهم. كما قُمعت مظاهرات احتفالية باتفاق عبدي–الشرع في آذار (مارس) الماضي. وباسم محاذير أمنية خُلبيّة، مُنعت الاحتفالات بالذكرى الأولى لسقوط النظام، فاحتفل أهل المدينة داخل منازلهم أو ملثمين في «مظاهرات طيّارة». كان باقي البلد في عام 2025، بكل فظاعته وعظمته؛ في حين كانت الرقة مرمية في هوتة عام 2012 لا نهاية له.

        بين هذه الأحداث لم تتوقف حملات الاعتقال، سواء بغرض التجنيد الإجباري أو لأسباب سياسية. عبدالله دربوك مُغيَّب قسراً في سجون قسد منذ أكثر من أربعة أشهر ولم يظهر بعد. وفتح سجن التعمير أرانا مشاهد فظيعة لزنزانات مكتظة بالنساء والأطفال الصغار، يبقى في عهدة المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية أن تكشف عن معاناتهم وتُعينهم على حياتهم بعد هذه المحنة.

        أمس، وقبل أن تدخل سيارة عسكرية واحدة تابعة لقوات السلطة المركزية المدينة، وفيما كان أهل المدينة بلا مياه، وتحت رحمة قنّاصة قتلوا عدداً غير محصيٍ بعد من السكان، بينهم طفلة ووالدها أثناء محاولتهما الهرب من منطقة الخطر، كان الإعلام الحربي لقسد يُعلن أن قواته تتصدى لتسرّب عناصر من داعش إلى المدينة. قِسدُ الختام.

        3

        سيرة قسد في الرقة، وفي ما يُشبهها ديمغرافياً من الجزيرة السورية، هي سيرة ممارسات قوة احتلال. هذا كان يُرى بالعينين.

        وكان يُرى أيضاً أن لقصة قسد، كقوة عسكرية فاعلة في سوريا، تضاريسُ كثيرة. فهي النسخة الأخيرة من تطورات بدأت بعسكر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وأعادت إنتاج نفسها داخل المسار السوري الفظيع، وإن دوماً بعينٍ ونصف مشغولةٍ دوماً بتركيا. ومنذ انطلاقتها تحالفت هذه القوة، ضمناً أحياناً وبصراحة أحياناً أخرى، مع جيش الأسد في أكثر من موضع، في الجزيرة وفي ريف حلب. كما كان يُرى بالعينين أن لهذه القوة شرعية كردية، لأنها تمكنت، بدعم لا غبار عليه من التحالف الدولي، من حماية أهلها من إبادة على يد داعش كانت وشيكة. وبالعينين أيضاً أَمكنَ، خلال الأيام الأخيرة، رؤية أن في داخلِ ما عُدَّ دوماً تنظيماً صلباً نفوسٌ وأهواءُ متضاربة. عينان قد لا تكفيان لمشاهدة ما اقترفه أبو عمشة وأضرابه (من ضباط حاليين وقادة فرق في «الجيش العربي السوري» الجديد) في عفرين من نهب وتهجير وقتل واعتداء على نفوس أهلها الأكراد وكراماتهم، بما في ذلك منعهم من الاحتفال بالنوروز، تحت الحجج ذاتها التي استخدمتها قسد لمنع أهل الرقة من الاحتفال بذكرى سقوط الأسد، وبنهج قوّة الاحتلال نفسه. أدوات الأمن القومي التركي هؤلاء ليسوا نكاتاً وأغاني ذاتَ إيقاع لاصق فحسب، بل مجرمون فاقعون ولصوص.

        لا يوفر النظر في سِيَرِ عموم فصائل هذا البلد وجيوشه وقوى أمره الواقع كثيراً من الجمال والبهاء، لا بعين ولا بعينين؛ ولا الجماعات الأهلية التي (لا) تمثلها هذه القوى تَظهرُ فعلاً على صورة ملائكة صرفاً، ولا شياطين محضاً.

        وبعينين تنظران إلى تاريخ هذا البلد وهذه المنطقة، يجب القول إن الاكتفاء بشعار أن قسد لا تُمثّل الأكراد غير كافٍ لبناء سياسة وطنية سورية، حتى بحدّها الأدنى. لا لأن قسد تمثل الأكراد، ولا لأن العكس صحيح، بل لأن حقوق الأكراد الثقافية واللغوية لم تظهر في خطاب السلطة – ومن الجيد جداً أنها ظهرت – إلا في سياق عمليتها السياسية مع قسد، سواء في اتفاق آذار أو في المرسوم الأخير بعد معارك حلب، ودوماً تحت الرعاية والإشراف الأميركيين. هذه واحدة من خطايا كثيرة في مسار «بناء الدولة» لدى سلطة مسكونة بالمركزية، وبتمركُز فئوي على رمزية عربية–سُنّية إقصائية، وضمن دائرة حكم غير شفافة وشديدة الضيق. وهو ما يرتبط أساساً بأن الحقوق السياسية لعموم السوريين والسوريات لم تظهر، حتى لفظياً، إلا على سبيل الغفلة، سواء في «مؤتمر الحوار الوطني» المُخزي وتحضيراته الهزلية، أو في الإعلان الدستوري، أو في طريقة إعداد «مجلس الشعب».

        بعينين نرى أن فرصة أخرى ستضيع إن ساد، مجدداً، زهوُ انتصار فئوي يترك سوريين وسوريات خلفه، ويُعمِّقُ اغترابَ أناسٍ عن مصيرهم ومصير بلدهم. إن كان عزلُ أهلِ الرقة عن الواقع السوري الجديد بعد سقوط الأسد واحدة من خطايا قسد الأشنع، فإننا نرى شَبَه ذلك اليوم في آثار نبرة انتصارية تترك سوريين وسوريات، من كرد ودروز وعلويين وغيرهم، خلفاً. حين وُقِّعَ اتفاق آذار بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي كَتبتُ أن الاتفاق يمكن أن يكون فرصة عظيمة لمستقبل سوريا، كما يمكن أن يذوب في اللاشيء. لم يكن عظيماً، ولا كان لا شيء. وبالنَّسق نفسه، يمكن لاتفاق أمس أن يكون فرصة لمسار تَسوَوي، أكثر سياسة وأقل درامية، يفتح ديناميكية جديدة مختلفة عن عقليات «الحسم» سورياً، وبما فيه نفعٌ للجميع؛ كما يمكن أن يكون لا شيء أو شَبَهه. قسد، بتعدّد نفوسها الداخلية، مسؤولة عن مصيره، لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق «الدولة»، وعلى عاتق المراهنين عليها من فاعلين في الشأن العام. ما جرى خلال الأشهر الماضية في الساحل والسويداء من فظائع يُبيّنُ أن كثرة الكلام العمومي، مهما كان جيداً، لا تكفي حتى لتغليف مقطع «عوّي ولاك» واحد.

        4

        استخدمتُ في هذا النص تسميتي «الجزيرة» و«الشامية» لوصف ضفتي الفرات: الأولى على يسار جريانه، باتجاه دجلة؛ والثانية على يمينه، باتجاه حلب فالبحر المتوسط وبادية الشام فدمشق. هذه أسماء تاريخية، أقدم من سوريا نفسها، يعرفها أهل المنطقة، كل أهلها. كان مُخزياً شيوع مصطلحات عسكرية من نوع «شرق الفرات» و«غرب الفرات» خلال السنوات الماضية، ومن العيب أن تستمر، وخصوصاً على الألسن الرسمية.

        أفدحُ وأعمقُ عيباً أن يُقال عن الجزيرة السورية إنها «الجزيرة العربية»، خاصة من قبل إعلام رسمي ومسؤولين في «الدولة السورية». لا مكان هنا لأي تقريشٍ في نِسَبِ «المكوّنات»: لم تُسَمَّ المنطقة كذلك يوماً، ولم تظهر هذه التسمية إلا نكاية بالأكراد، وفقط نكاية بالأكراد. هذا أَحطُّ استخدامٍ للعروبة، التي تُذَمّ، ويا للعجب، في مقامات أخرى على ألسنة عروبيي النصف-دوام نفسهم.

        مؤسف أيضاً الإصرار على استخدام تسمية «الجيش العربي السوري» لوصف القوات التابعة للسلطة المركزية. فلا مقومات جيش قائمة بعد، ولا للعروبة مقامٌ بنّاء، حتى لو افتراضياً، في وظيفة هذه القوات في «سوريا الجديدة»: فلا هي تُقاتل من أجل وحدة عربية، ولا يُتوقَّع أن تواجه أعداء الأمة العربية، ولا أي أعداء خارجيين من أي نوع. لكن السبب الأعمق للنفور من هذا الاسم هو كونه الاسم البعثي–الأسدي الذي ارتُكبت تحته فظائع العقد ونصف العقد الماضيين. سلطة غيّرت كثيراً من رموز البلد دون اكتراث بالإجراءات أو الطقوس أو الشرعية المؤسساتية، كان يُفترض أن تكمل معروفها وتغيّر هذه التسمية المقيتة. لم تفعل. ولا قراءةَ لذلك إلا بوصفه مُثيراً للأسى.

        مثيرٌ للأسى كذلك تَلاحُقُ التصريحات الرسمية وشبه الرسمية المُحتفِلة بـ«الموارد» العائدة إلى كنف «الدولة»، ولا سيما النفط والحبوب. في هذا استمرارٌ لسلوك الاستعمار الداخلي الذي مارسته الدولة السورية تاريخياً مع الجزيرة، واستمرارٌ لتغييب ناسها، كل ناسها، كبشر ذوي أهلية وإرادة وتاريخ وكرامة.

        استمراريات كثيرة، بنيوية ورمزية، تحتاج إلى عهد قطيعة معها إن كان لهذا البلد أن يبلغ مُستقَرَّه. نحتاج إلى الصراحة، والتواضع، والإيثار، والكرم والكرامة، وجبر الضرر والخواطر. لا تكفي عينان. البلد بحاجة إلى عيون كثيرة. سوريا بحاجة إلى القَطْع مع الفئوية الانتصارية، وإلى مؤتمر وطني تأسيسي يحضر فيه الجميع، كل الجميع، أحراراً ومتساوين.

        ونحتاج إلى جسور.

موقع الجمهورية

————————

“لبّت لبّت”.. أيقونة الاحتفالات بعد سقوط الأسد وتحرير الرقة ودير الزور

“لبّت لبّت” أغنية شعبية باتت حاضرة في جميع احتفالات الشعب السوري، تتزامن مع الأحداث الكبيرة وتعود إلى الواجهة مع كل محطة مفصلية، وآخرها سيطرة الجيش السوري على محافظتي دير الزور والرقة التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، حيث احتفل الأهالي على أنغامها، صغارا وكبارا، لتغطي أصداؤها معظم الأراضي السورية.

وأصبحت “لبّت لبّت” ترندا متصدرا لمشاهد الرقص على أنغامها في منصات التواصل الاجتماعي، وهي من أداء المغني الشعبي دحام الموسى، وقد نشرت للمرة الأولى في 14 ديسمبر/كانون الأول 2024، أي بعد أسبوع واحد فقط من سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وتنتمي الأغنية إلى الأهازيج الشعبية المعروفة لدى أبناء المنطقة الشرقية في سوريا، وتقول كلماتها:

“لبّت لبّت ها ها ها لبّت لبّت

كل الأبواب نسدّت وأزمِه يا أهل الله وعدّيت

لمن فات الجيش الحر ولبّت يولو ولبّت

بكرة ترجع تتعمر ما يبقى بيها مدمّر

سوريا لبست أخضر ونيران قليبي طفَت

بزنود رجال الثورة سوريا صارت حرّة الثورة”.

ويفسر أبناء المنطقة الشرقية كلمات أغنية “لبّت لبّت” بمعنى “تلبية النداء” وهي تدل على الاستجابة السريعة والحماس. وتقال “لبّت” عندما تشتعل النار بقوة، فيقال “لبّت” كناية عن شدة اشتعالها، واستخدام الكلمة في سياق الأحداث الأخيرة وما سبقها يشير إلى وقوع أمر جلل، وإلى اشتداد الموقف أو اشتعال الحماسة.

وتداولت منصات التواصل مقطع فيديو لسيدتين في سوريا وهما ترقصان على أنغام الأغنية احتفالا بسيطرة الجيش السوري ومقاتلي العشائر العربية على مدينة الرقة بعد طرد قسد.

كما استخدم مدونون كلمات الأغنية في مقاطع فيديو تظهر تقدم الجيش السوري في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.

وبعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، ما تزال أغنية “لبّت لبّت” حاضرة بقوة في مشهد الاحتفالات السورية، داخل البلاد وخارجها.

إعلان

وارتبطت الأغنية منذ اللحظات الأولى لانهيار النظام بأجواء الفرح في الشوارع والساحات، حتى تحولت ساحة الأمويين في دمشق إلى أحد أبرز رموز هذا الارتباط بين الأغنية وذاكرة النصر والاحتفال لدى السوريين.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

—————————–

الطبقة.. مدينة السد والمحور الذي تتجاذبه الجغرافيا والسياسة

17 يناير 2026

بعيدًا عن تصدّر اسمها عناوين المواقع الإعلامية المختلفة اليوم، ومع اقتراب الجيش السوري من السيطرة عليها، برزت مدينة الطبقة خلال السنوات الأخيرة كواحدة من بؤر الالتهاب المركزية في المشهد السوري، لا سيما بعد تحولها إلى عاصمة افتراضية لتنظيم “داعش”، ثم مسرحًا لمعركة تحرير طاحنة على يد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

لا تقتصر أهمية هذه المدينة على كونها ثاني كبرى مدن محافظة الرقة، بل تتعداها إلى موقعها الجيوستراتيجي الفريد وارتباطها الحيوي بمشروع سد الفرات.

أهمية استراتيجية واقتصادية حيوية

تقع مدينة الطبقة في الريف الغربي لمحافظة الرقة، متكئة على الضفة الجنوبية لنهر الفرات، وعلى مسافة تقارب 55 كم غرب مدينة الرقة و180 كم شرق حلب. هذا الموقع جعلها تقليديًا نقطة وصل بين منطقتي حلب والرقة، وحلقة وصل في شبكة المواصلات والتبادل التجاري في شمال سوريا.

تتعاظم الأهمية الاستراتيجية للمدينة بسبب وجود سد الفرات (سد الطبقة) الذي يُعد أحد أكبر السدود في سوريا والوطن العربي. لا يقتصر دور السد على توليد الكهرباء، بل يشكل عصبًا للمشاريع الزراعية المروية في المنطقة، ما يجعله ورقة ضغط سياسية واقتصادية بالغة الحساسية. أي تهديد للسد لا يعني فقط كارثة محلية، بل قد يؤدي إلى فيضانات تغرق مساحات شاسعة في سوريا والعراق.

تحولات مصيرية وهوية مركبة

شهدت المدينة تحولات جذرية منذ اندلاع الثورة السورية. فهي تجمع في هويتها بين “الطبقة” القديمة المتجذرة في التاريخ، و”مدينة الثورة” الحديثة التي نشأت في ستينيات القرن الماضي لاستيعاب عمال وفنيي السد.

انتقلت السيطرة عليها من النظام السابق إلى المعارضة المسلحة (الجيش السوري الحر) في فبراير 2013، ثم وقعت بالكامل تحت سيطرة تنظيم “داعش” في نهاية العام نفسه، لتصبح لاحقًا جزءًا من معقل التنظيم الإداري والعسكري الرئيسي في سوريا.

دفعت المدينة ثمنًا باهظًا خلال سنوات سيطرة “داعش”، حيث انخفض عدد سكانها من قرابة ربع مليون نسمة إلى ما دون المئة ألف، وعانى من بقي فيها من قمع منهجي وطمس للهوية ومنع للتعليم.

معركة التحرير ونموذج التعافي الذاتي

شكل تحرير المدينة في أيار/مايو 2017، بعد معركة “غضب الفرات” التي قادتها “قسد” بدعم من التحالف الدولي، منعطفًا حاسمًا. لكن التحدي الأكبر كان في إعادة إعمار مدينة مدمرة بنسبة كبيرة. هنا، تحولت الطبقة إلى مختبر لتجربة الإدارة المحلية التشاركية تحت مظلة “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا.

نهضت المدينة بجهود ذاتية محلية، تمثلت في إعادة تأهيل البنى التحتية من طرق وشبكات مياه وكهرباء، وإعادة افتتاح مئات المدارس والعشرات من المراكز الصحية، وإحياء القطاع الزراعي المرتبط بالسد، وتشجيع المبادرات الاقتصادية الصغيرة. كما أُعيد إحياء النسيج الثقافي والاجتماعي من خلال المركز الثقافي والفني، في محاولة لاستعادة هوية المدينة التعددية.

واليوم، ومع اقتراب الجيش السوري من السيطرة عليها، تواجه الطبقة تحديات جسيمة تتمثل في الدمار الهائل، والتلوث بالألغام، والتهديد الأمني المستمر من خلايا “داعش” النائمة، بالإضافة إلى أزمة انخفاض منسوب مياه الفرات التي تهدد الزراعة وتوليد الكهرباء.

الترا سوريا

———————————

سوريا ترحّب باتفاق توحيد المؤسسات ووقف إطلاق النار مع “قسد”/ هلا ماشه

يناير 19, 2026

رحّبت الجمهورية العربية السورية، أمس الأحد 18 كانون الثاني، باتفاق توحيد المؤسسات ووقف إطلاق النار الشامل مع “قسد”، مؤكدةًّ أن وحدة الشعب السوري وتماسك مؤسساته تشكل الأساس الصلب لأي استقرار دائم.

وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان، إن الدولة السورية ماضية في خطواتها لترسيخ وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة عليها، مشيرة إلى أن مسار الاندماج المؤسسي والعسكري لـ “قسد” في مؤسسات الدولة يجري وفق ترتيبات واضحة تضمن الأمن والاستقرار وتكرّس مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة في إطار القانون.

وأضاف البيان أن المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 الصادر مؤخراً، ينص على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكُرد السوريين، ومعالجة ملفات مكتومي القيد وحقوق الملكية المتراكمة، بما يعكس التزام الدولة ببناء دولة جامعة تنصف مواطنيها وتحمي حقوقهم دون أي تمييز.

وبيّنت الخارجية أن الاتفاق يشمل وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات وخطوط التماس، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة السورية إدارياً وعسكرياً، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة الإدارية وتثبيت العاملين في مواقعهم ضمن الوزارات المختصة.

وشدّدت الوزارة على أن هذا الاتفاق يجسّد نهج الدولة القائم على تغليب لغة الحوار والحلول التوافقية، حفاظاً على الكرامة الوطنية وحقن الدماء وصون المكتسبات، مؤكدة أن الاتفاق يمثل خطوة مفصلية نحو مرحلة جديدة عنوانها توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار والانطلاق في مسار وطني شامل للتعافي وإعادة البناء، داعية المجتمع الدولي إلى دعم هذا المسار بوصفه فرصة لترسيخ الأمن والسلام المحلي والإقليمي.

وفي السياق، أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن الاتفاق الموقع يشكّل حلقة جديدة في مسار توحيد سوريا أرضاً وشعباً ومقدرات، وبداية مرحلة جديدة من البناء والازدهار. وقال في منشور عبر منصة “إكس” إن “هذا التحوّل النوعي في المشهد السوري يفرض مسؤوليات إضافية ولا سيما في الجانب الأمني”، مشدّداً على أهمية “الوقوف بحزم أمام أي محاولات للعبث بأمن المنطقة وسلامة أهلها”.

وأعرب الوزير خطاب عن اعتزازه بتضحيات الجيش العربي السوري التي مهّدت لتحقيق هذا الإنجاز، مؤكداً أن “سوريا اليوم تزهر أمناً بفضل دماء الشهداء الذين صانوا وحدة الوطن”، موجهاً العاملين في وزارة الداخلية إلى حسن التعامل مع المواطنين وخدمتهم في كل المحافظات بما يصون الأمن والطمأنينة.

من جانبه، عبّر وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري عن أمله في أن يكون الاتفاق خطوة في طريق الحكمة ولمّ الشمل وصون الدم السوري، قائلاً عبر منصته على “إكس”: “ماضون بعون الله نحو وطن واحد تسوده العدالة ويعلو فيه صوت الحق وتُصان كرامة أبنائه جميعاً”.

كما أكّد وزير العدل مظهر الويس، أن “سوريا اليوم هي المنتصرة بوحدة شعبها وأرضها ومؤسساتها التي تحمي الحقوق وتكرّس سيادة القانون والدولة”، معتبراً أن الاتفاق الأخير “تأكيد جديد على أن وحدة السوريين هي أساس النصر والاستقرار”.

بدوره، وجّه وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة تحية تقدير لأبطال الجيش العربي السوري على شجاعتهم وانضباطهم خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى أن “الجيش ظل على الدوام ساهراً على أمن المواطنين وحمايتهم، وقد أثبت اليوم كما في كل المراحل أنه جيش الشعب ومنه وله”.

من جانبه، أكّد مدير الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية قتيبة إدلبي، وجود ارتياح تام في الموقف الأميركي حيال اتفاق وقف إطلاق النار، موضحاً أن واشنطن ترى في الاتفاق خطوة أساسية نحو ترسيخ الاستقرار في سوريا والمنطقة.

وأوضح إدلبي، أن المحدد الرئيسي للسياسة الأميركية في شراكتها مع الدولة السورية يتمثل في فرض الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن تأخر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار كان يخلق حالة من القلق لدى الولايات المتحدة.

ولفت إلى وجود توافق إقليمي حول ضرورة تحقيق الاستقرار، مؤكداً أن اتفاق وقف إطلاق النار يعزز هذا الاتجاه في المنطقة. وأضاف أن المشكلة القائمة اليوم تعود إلى الإرث الذي خلّفه النظام المخلوع وحزب البعث، مبيناً أن الحكومة السورية ستتعامل وفق القانون مع أي مجموعات عسكرية غير منضبطة خارجة عن إطار الدولة.

وأشار مدير الشؤون الأميركية إلى أن الحكومة تعوّل على وعي السوريين لإنجاح اتفاق وقف إطلاق النار وضمان استمراره، مؤكداً أن سوريا اليوم باتت دولة موحدة تحت نظام أمني واحد يوفر الاستقرار لجميع أبنائها.

وبيّن إدلبي أن عملية الاندماج الفردي أسهمت في تعزيز روح “أخوة السلاح” بما يضمن حماية الشعب والوطن، موضحاً أن الحكومة ستركز خلال المرحلة المقبلة على استثمار موارد الجزيرة السورية بما يخدم عملية التنمية والاستقرار.

وشدّد على أن السيد الرئيس أحمد الشرع أكد أن حقوق الكرد ليست موضوع تفاوض بل واجبٌ وطني تتحمله الدولة، مشيراً إلى أن الدولة لا تواجه أي مشكلة مع الكرد وإنما مع تنظيمات مسلحة خارجة عن إطار القانون.

وختم إدلبي تصريحه بالتأكيد على أن ما يجري اليوم في سوريا ينعكس إيجاباً على مجمل أوضاع دول المنطقة، ويعزز الحاجة لبناء جسور التعاون والعلاقات التي حُرم منها الشعب السوري نتيجة السياسات السابقة للنظام المخلوع.

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع أعلن في مؤتمر صحفي مساء أمس، توقيع اتفاقية اندماج “قسد” مع الحكومة السورية ووقف إطلاق النار، مؤكداً أن كل الملفات العالقة مع قسد سيتم حلها.

وفي سياق متصل، قال وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني: “قريباً سينضم إلينا محافظا الحسكة والرقة في اجتماع المحافظين، لمناقشة الواقع الخدمي على كامل التراب السوري ومشاركتهم الواجبات والمسؤوليات”.

وأضاف الوزير: خدمة أهلنا في كل المحافظات حقّ ثابت والتزام لا حياد عنه، وسنعمل على ترسيخه أينما وُجد المواطن السوري.

ونصت بنود اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقسد على وقف شامل وفوري لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقسد، بالتوازي مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لقسد إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.

وتشمل الاتفاقية بتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بشكل كامل وفوري، بما يشمل استلام جميع المؤسسات والمنشآت المدنية، مع إصدار قرارات فورية بتثبيت الموظفين الحاليين ضمن الوزارات المختصة التابعة للدولة السورية، والتزام الحكومة بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي قسد والإدارة المدنية في المحافظتين، إلى جانب دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية.

———————————

صحف عالمية: دمشق تخطت أكبر العقبات لبسط سيطرتها على كامل البلاد

قال تقرير في صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية إن قوات الحكومة السورية حققت مكاسب إستراتيجية واسعة ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرقي البلاد.

وأضافت الصحيفة أن هذا التقدم يُعد اختراقا كبيرا من الرئيس السوري أحمد الشرع في جهوده لتوسيع سيطرة حكومته على كامل الأراضي السورية بعد أكثر من عام على سقوط نظام المخلوع بشار الأسد.

وأشارت الصحيفة إلى أن المساحة التي كانت تسيطر عليها قسد شمال شرقي سوريا تمثل إحدى أكبر العقبات أمام تعزيز سلطة الحكومة الجديدة.

ونقل التقرير عن محللين أمنيين ومسؤولين أميركيين أن جزءا كبيرا من هذا التقدم السريع تم بمساعدة قوات العشائر العربية في المنطقة التي كانت موالية لقسد ثم اختارت الانحياز إلى جانب الحكومة المركزية في دمشق.

وفي سياق متصل، استطلعت صحيفة معاريف الإسرائيلية رأي خبير في شؤون الشرق الأوسط حول التطورات الجارية شمالي سوريا.

وأكد الخبير أن سيطرة الحكومة السورية على حقول النفط في شرقي البلاد ليست مجرد تطور تكتيكي، بل إنه حدث ذو دلالة إقليمية عميقة، موضحا أنها المرة الأولى التي تستعيد فيها دمشق السيطرة على معظم موارد الطاقة في البلاد، منذ اندلاع الثورة السورية.

وأضاف الخبير أن هذا التطور يغير ميزان القوى الداخلي والإقليمي في آن معا، مشيرا إلى أنه بعيدا عن الأهمية الاقتصادية، تمثل هذه الخطوة رسالة سياسية حازمة مفادها أن سوريا لا تعود كدولة فدرالية أو لامركزية، بل تعود كيانا مركزيا يسعى لاستعادة السيادة الكاملة حتى لو كان الثمن مواجهات داخلية خطيرة.

————————————

دخول الرقة.. مشاهد تكشف أسرارها من الداخل

الأحد 2026/01/18

أعادت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة من مدينتي الرقة والطبقة إلى الأذهان، مشاهد يوم سقوط نظام الأسد من حيث طبيعة الاحتفالات وكثافة الرموز البصرية، والمخفي في منطقة بقيت بعيدة عن عدسات الكاميرات طوال سنوات، وبدأت تتكشف أسرارها لحظة دخول مقاتلي الحكومة السورية إليها.

وعكست طريقة تفاعل الأهالي مع اللحظة، احتفالات تعيد فرحة “التحرير” للمرة الأولى بعد مرور أكثر من سنة على سقوط نظام الأسد.

وتداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لنساء ورجال من داخل الطبقة والرقة، وهم يرحبون بدخول القوات الحكومية، مرددين عبارات تصف اللحظة بأنها “فرحة تحرير سوريا”، حيث ظهرت مشاهد استقبال في الشوارع وتفاعل مباشر بين الأهالي والجنود.

كما انتشرت منشورات لسوريين من خارج الرقة، يباركون فيها لأهالي المدينة تحريرهم من قسد وعودتهم إلى سوريا، مستخدمين لغة تهنئة واضحة وواصفين ما جرى بأنه نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في حياة المدينة.

تحرير الرقة والطبقة

وخلال الساعات التي تلت دخول القوات الحكومية إلى الرقة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تداولاً واسعا لمقاطع فيديو ومنشورات توثق مشاهد متعددة، ربطت جميعها بما وصفه ناشروها بـ”تحرير الرقة والطبقة” وخروج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من السيطرة عليهما.

في مقدمة هذه المشاهد، برز مقطع مصور أظهر كنيسة مدمرة في مدينة الطبقة، جرى تداولها على أنها كانت مستخدمة مقراً عسكرياً ومنصة لإطلاق المسيرات، وفق ما ورد في الفيديوهات المتداولة وهو مشهد استخدم على نطاق واسع للإشارة إلى عسكرة أماكن مدنية ودينية خلال فترة السيطرة السابقة على المدينة.

أحياء الفقر

في المقابل، ركزت مقاطع وصور أخرى على واقع مدينة الرقة الخدمي، حيث أظهرت شوارع وبنى تحتية متدهورة، ومظاهر فقر في عدد من الأحياء، وهو ما دفع متداولين إلى التساؤل حول مصير الموارد المالية التي كانت تحصل عليها “قسد” من عائدات النفط، خصوصا أن الرقة تعرف بأنها مدينة زراعية تقع على ضفاف نهر الفرات. واعتبر عدد من المستخدمين أن المدينة لم تحظ بأي استثمار أو اهتمام خدمي خلال سنوات السيطرة السابقة.

مشاركة العشائر

كذلك، لاقت مقاطع تتعلق بمشاركة عشائر محلية في المواجهات ضد “قسد” انتشاراً واسعاً، حيث جرى الاحتفاء بما وصفه المتداولون بـ”انقلاب العشائر” على القوات المسيطرة سابقاً، وتقديم ذلك على أنه عامل أساسي في تغيير موازين السيطرة داخل المدينة ومحيطها.

سجون الرقة

إلى جانب ذلك، انتشرت منشورات ومقاطع تتحدث عن فتح سجون داخل مدينة الرقة من بينها “سجن التعمير”، مع تداول مشاهد قيل إنها توثق خروج محتجزين، وخصوصا نساء، وهو ما تفاعل معه مستخدمو وسائل التواصل بكثافة باعتباره جزءا من مشاهد التغيير التي رافقت دخول القوات الحكومية والتي تذكر بمشاهد فتح السجون في المدن الكبرى عقب تحريرها من نظام الأسد.

سدّ تشرين

وإلى جانب المشاهد المتداولة من داخل الأحياء، برزت على نطاق واسع صور ومقاطع مصورة لسد “تشرين” في مدينة الطبقة الاستراتيجية، بوصفه واحداً من أكثر الرموز حضوراً في التداول، حيث اعتبره مستخدمو وسائل التواصل دلالة مباشرة على إعادة السيطرة على المدينة ومحيطها. وجرى التعامل مع السد، الذي يعد من أهم المنشآت الاستراتيجية في سوريا، كرمز للتحكم بمصادر المياه والطاقة، وهو ما منح المشهد بعداً خاصا في الذاكرة الجمعية للسوريين الذين ربطوا ظهوره في التداول بمرحلة استعادة الموارد الحيوية المرتبطة بالحياة اليومية والاقتصاد الوطني.

المدن

———————

الداخلية السورية تحقق في وقوع مجازر بالحسكة/ عدنان علي

19 يناير 2026

بعد ورود أنباء ومعلومات متضاربة حول وقوع مجازر ليل الأحد بحق المدنيين في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في محافظة الحسكة أقصى شمال شرقي سورية، صدرت عدة توضيحات من جهات رسمية ومحلية، تنفي وقوع مجازر بالطريقة التي جرى الترويج لها. وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان مقتضب، بعيد منتصف الليل، إنها تتابع “ببالغ الاهتمام والجدية التقارير الواردة حول وقوع مجازر في محافظة الحسكة، وتؤكد أن أجهزتها المختصة باشرت فوراً إجراءات التحقيقات اللازمة للتثبت من المعلومات الواردة”.

كما ذكر مصدر حكومي رسمي أن الجيش السوري والقوى الأمنية هما الجهتان المخوّلتان حصراً ببسط السيطرة وفرض الأمن على الجغرافيا السورية كاملة، و”لن يُسمح لأي جهة خارجة عن إطار الدولة بتهديد أمن المواطنين أو العبث بالاستقرار العام”. ودعا المصدر “أبناء شعبنا إلى عدم الانجرار خلف الشائعات والأخبار المضللة التي تُروَّج في هذه المرحلة الحساسة بهدف إثارة الفوضى وزعزعة الأمن”. ‏وأوضح أنه “سقط شهداء من أبناء جبل عبد العزيز ومدينة الحسكة نتيجة اعتداءات وردّات فعل انتقامية نفذتها عصابات قنديل وفلول نظام الأسد البائد، عقب الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها تلك المجموعات”. وقال: “تؤكد الجهات المختصة أن القوات السورية تتجه حالياً إلى المنطقة لاستكمال مهامها في بسط الأمن والاستقرار” لافتاً إلى أن منطقة الشدادي (جنوب الحسكة) ومحيطها مؤمّنة، مع وجود عناصر من مليشيا “قسد” ما زالوا متحصنين داخل سجن “الكمّ الصيني” وبعض مساكن الجبسة”. ‏وأوضح أنه تجري اتصالات مباشرة مع قوات التحالف الدولي لضبط الوضع، ومنع أي تصعيد أو أعمال انتقامية.

وأعلن في وقت سابق عن حظر تجوال في مدينة الشدادي، وذلك تمهيداً لسحب عناصر “قسد” اليوم الاثنين، ودخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية لتسلّم مهام حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة. وحث المصدر الأهالي في المنطقة على “توخي الحذر، وحماية منازلهم وقراهم وبلداتهم إلى حين وصول القوات المختصة وانتشارها الكامل”.

 من جانبه، قال الناشط ‏عبد العزيز الخليفة‏ الموجود في مدينة الحسكة، في تسجيل مصور، إن أربعة أشخاص قتلوا وأصيب ستة آخرون برصاص عناصر من قوات “قسد” بعد أن اقترب متظاهرون كانوا يحتفلون باندحار قوات “قسد” من مواقعهم في قريتي تل مجدل والعشرة، وذلك بالتوازي مع انشقاق العشرات من عناصر “قسد” في المنطقة. وأوضح أن إطلاق النار كان مصدره مدرسة موجودة في قرية العشرة، وهذه مدرسة يُعرف بأنها تضم عناصر من “حزب العمال الكردستاني” وفلول النظام السابق.

وبالنسبة لما جرى في حي النشوة بمدينة الحسكة، أوضح الخليفة أن مجموعة من المدنيين كانوا يحتفلون بما حصل أمس، حين صادف تجمعهم مع مرور رتل من قوات “قسد” قرب الحي، وقد هاجم المتظاهرون آليات الرتل وأحرقوا اثنتين منها، فجرى استدعاء تعزيزات للمنطقة، وإطلاق نار باتجاه المحتجين، ما أدى الى إصابة عدد من المدنيين. على صعيد آخر، ذكر مصدر محلي لـ”العربي الجديد”، أن رتلاً من الهلال الأحمر الكردي، برفقة قوة من التحالف الدولي، اتجه من الحسكة باتجاه الرقة بهدف إجلاء الجرحى والقتلى ممن سقطوا في المعارك يوم أمس.

ويأتي هذا بعدما قال ناشطون في محافظتي الحسكة والرقة شمال شرقي سورية، إن عناصر “قسد” أقدموا على قتل مدنيين في المحافظتين خصوصاً مع حلول ساعات المساء، وذلك بعد ساعات قليلة على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين قيادة المليشيا والحكومة السورية.

العري الجديد

—————————–

سوريا: ما الذي كشفته الأحداث الأخيرة؟

رأي القدس

سجّلت القوات الحكومية السورية تقدّما جديدا على أكثر من جبهة في شمال شرق البلاد، قابلتها انسحابات لـ«قوات سوريا الديمقراطية» وهي قوات كردية وعربية يقودها كرد موالون لـ«حزب العمال الكردستاني» التنظيم المسلّح الذي نشأ في تركيا عام 1978.

يجيء ذلك بعد سيطرة القوات الحكومية على حيّي الأشرفية والشيخ المقصود في مدينة حلب، ثم بلدتي مسكنة ودير حافر القريبتين، لكن العمليات العسكرية الجديدة شكّلت فارقا نوعيّا بالسيطرة على مدينة الطبقة وسد الفرات، غرب النهر، ومناطق في شرق محافظة دير الزور، التي تضم أبرز حقول النفط والغاز.

سبق هذه العمليات إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الجمعة، إصدار مرسوم خاص يؤكد فيه أن المواطنين السوريين الكرد هم جزء أساسيّ وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، ويحظر المرسوم أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقيّ أو لغوي. هدف هذا المرسوم، قبل العمليات العسكرية، إلى نزع ورقة مطالب القومية الكردية من «قوات سوريا الديمقراطية».

بعد إضعاف السردية القومية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» استهدفت السلطات السورية البنية الاجتماعية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» وذلك عبر مشاركة مقاتلين محليين من أبناء العشائر، بينهم مقاتلون انشقوا عن «قوات سوريا الديمقراطية» وهو ما أظهر التناقض الاجتماعي والسياسي الداخلي في منظومة «قوات سوريا الديمقراطية» التي حملت طابعا قوميّا كرديّا متشددا (مثل إغلاق المدارس العربية والمسيحية في محافظتي الحسكة والقامشلي) في الوقت الذي كانت نسبة كبيرة من مقاتليها عربا.

يظهر حماس السكان في المناطق التي دخلتها تلك السلطات، مثل مدن دير الزور والرقة والطبقة، وما اتهمت «قسد» خلال الانسحابات السريعة لها بفعله، من قبيل تدمير الجسر العتيق في الرقة، وتصفية سجناء في مدينة الطبقة، واستهداف قناصتها للمدنيين في الرقة، هشاشة المشروع السياسيّ لهذه القوات، والطابع الوظيفي والخدميّ لتكوينها، منذ تأسيسها عام 2014، على عجل، لتنفيذ العمليات الميدانية لـ«التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية» الذي أنشئ عام 2013، وللتصرف كـ»مقاول أنفار» أكثر من كونها منظومة عسكرية ذات مشروع سياسي حقيقي للسوريين الذين يقيمون تحت سيطرتها.

تبيّن تصريحات بعض قادة «قسد» التي تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بدعمها لصد القوات الحكومية السورية هذا الجانب أيضا، وهو أمر تعرض لانكشاف بائس أيضا عبر مثال انسحاب القوات الأمريكية من حقل كونيكو في ريف دير الزور، والذي تبعته سيطرة قصيرة لـ«قسد» تبعها طردها من قبل الجيش السوري والعشائر ومن ثم السيطرة على باقي الحقول وكامل الريف الشمالي لدير الزور، وهو ما وصفه البعض بأن المشغّل يوقف التوكيل الذي كان ممنوحا لـ«الكردستاني» و«قسد» ونظيراتها بمسميات أخرى.

اختتمت التحرّكات العسكرية، التي بدأت في حلب واتسعت في اتجاه مدن «الجزيرة السورية» بلقاء ضم الرئيس السوري بالمبعوث الأمريكي توم برّاك، وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، أمس الأحد، أدى إلى توقيع اتفاق جديد.

قضى الاتفاق بوقف كامل لإطلاق النار ودمج جميع مؤسسات «قسد» المدنية والعسكرية ضمن الحكومة السورية، وتضمن تسليم محافظتي دير الزور والرقة، ودمج كل المؤسسات في محافظة الحسكة، واستلام الحكومة للمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، ودمج عناصر «قسد» العسكرية والأمنية ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية بشكل «فردي».

تطبيق هذا الاتفاق، سيعني، ضمن أشياء عديدة، أن ملف «قوات سوريا الديمقراطية» بتفاصيله الآنفة الشائكة، قارب على إغلاقه، وهو ما سيعني إغلاقا تدريجيا لملفّات معقّدة أخرى، منها ملف تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي ارتبط نشوء «قسد» بنشوئه، كما أنه يعني أن سوريا ستتدرج في اتجاه حالة «الدولة الطبيعية» وليس «الدولة المارقة» التي نسج نظام عائلة الأسد أركانها لأكثر من نصف قرن.

القدس العربي

—————————–

 الجيش يسيطر على سد تشرين ويبدأ عملية الانتشار في الجزيرة السورية

2026.01.19

أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري اليوم الإثنين، أن الجيش بدأ بتأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي وريف الحسكة الغربي، بالإضافة إلى نشر قواته في منطقة الجزيرة السورية لتأمينها بموجب الاتفاق بين الدولة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وفي محافظة دير الزور، أفاد مراسل تلفزيون سوريا بعبور رتل عسكري ضخم نهر الفرات عبر الجسر الترابي من جانب المدينة، ودخوله إلى منطقة الجزيرة (الريف الغربي) التي انتزعتها مؤخراً قوات العشائر من “قسد”، مشيراً إلى أن الرتل يتكوّن من مئات المركبات والآليات العسكرية.

اتفاق وقف إطلاق النار

ومساء أمس الأحد، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع على بنود اتفاق جديد مع “قسد” يقضي بوقف كامل لإطلاق النار بين الجيش السوري و”قسد”، ودمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن الحكومة السورية.

وتضمّنت الاتفاقية 14 بنداً، أبرزها:

    وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ “قسد” إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.

    تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ويشمل ذلك استلام كل المؤسسات والمنشآت المدنية.

    دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية.

    استلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد للدولة السورية.

    دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ “قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل “فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم.

ترحيب دولي بالاتفاق

ورحّبت عدد من الدول بالاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية و”قسد”، من بينها المملكة الأردنية التي أصدرت وزارة خارجيتها بياناً قالت فيه إن هذه الخطوة تعزّز وحدة سوريا واستقرارها وأمنها، كما ثمّنت دور الولايات المتحدة في التوصل إلى الاتفاقية، وأكدت على ضرورة تنفيذ بنودها بما يخدم مصلحة سوريا ويدعم جهود التعافي والبناء.

بدورها، عبّرت الخارجية التركية عن أملها في أن يسهم الاتفاق في أمن وسلام الشعب السوري، وأن يؤدي إلى دفع جهود إحلال الاستقرار على أساس وحدة الأراضي السورية، وأن تدرك كل الجماعات في سوريا أن مستقبلها ليس في “الإرهاب والانقسام، بل في الوحدة والتكامل”.

من جانبها، قالت الخارجية القطرية إن الاتفاق يُعد خطوة مهمة لتوطيد السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار.

فيما قال بيان للخارجية السعودية إن المملكة ترحب باتفاق وقف إطلاق النار، كما تشيد بجهود الولايات المتحدة في التوصل إلى هذا الاتفاق.

وأضاف أنها تأمل بأن يسهم هذا الاتفاق في تعزيز الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، وتطبيق القانون بما يلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق في التنمية والازدهار، مجددةً دعمها الكامل للجهود التي تبذلها الحكومة السورية في تعزيز السلم الأهلي والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

ضحايا برصاص “قسد”

وعقب دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، تحدثت مصادر محلية عن سقوط عشرات الضحايا برصاص قناصة “قوات سوريا الديمقراطية” في الرقة، حيث قالت شبكة “الرقة تُذبح بصمت” إنها وثّقت مقتل وإصابة 100 شخص.

وكان مراسل تلفزيون سوريا أكد أن قناصي “قسد” يواصلون استهداف المدنيين في الرقة، وسط وصول أكثر من 40 إصابة إلى أحد المستشفيات في المنطقة.

وفي السياق، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن تنفيذ “قسد” مجازر بحق أبناء بعض المناطق في الحسكة. وقالت وزارة الداخلية السورية إنها تتابع ببالغ الاهتمام والجدية التقارير الواردة حول وقوع مجازر في محافظة الحسكة، وأكدت أن أجهزتها المختصة باشرت فوراً إجراءات التحقيق اللازمة للتثبت من صحة المعلومات الواردة.

عبدي: الاتفاق جاء لحقن الدماء

وفي وقت متأخر من مساء الأحد، قال القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي، إن الاتفاق مع الحكومة السورية جاء بهدف “حقن الدماء”، مؤكداً أنه سيتوجه إلى دمشق يوم غدٍ لاستكماله، على أن يتم الإعلان عن تفاصيله لاحقاً.

وأكد عبدي أن ما وصفها بـ”مكتسبات الشعب” سيتم التمسك بها، موضحاً أن قرار الانسحاب من الرقة ودير الزور، وإعادة التموضع في الحسكة، جاء في إطار السعي إلى وقف إراقة الدماء.

وختم عبدي بالقول إن تفاصيل الاتفاق مع الحكومة السورية سيتم الإعلان عنها بشكل أوسع بعد عودته من دمشق.

——————————-

سوريا ترحّب باتفاق توحيد المؤسسات ووقف إطلاق النار مع “قسد”/ هلا ماشه

يناير 19, 2026

رحّبت الجمهورية العربية السورية، أمس الأحد 18 كانون الثاني، باتفاق توحيد المؤسسات ووقف إطلاق النار الشامل مع “قسد”، مؤكدةًّ أن وحدة الشعب السوري وتماسك مؤسساته تشكل الأساس الصلب لأي استقرار دائم.

وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان، إن الدولة السورية ماضية في خطواتها لترسيخ وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة عليها، مشيرة إلى أن مسار الاندماج المؤسسي والعسكري لـ “قسد” في مؤسسات الدولة يجري وفق ترتيبات واضحة تضمن الأمن والاستقرار وتكرّس مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة في إطار القانون.

وأضاف البيان أن المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 الصادر مؤخراً، ينص على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكُرد السوريين، ومعالجة ملفات مكتومي القيد وحقوق الملكية المتراكمة، بما يعكس التزام الدولة ببناء دولة جامعة تنصف مواطنيها وتحمي حقوقهم دون أي تمييز.

وبيّنت الخارجية أن الاتفاق يشمل وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات وخطوط التماس، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة السورية إدارياً وعسكرياً، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة الإدارية وتثبيت العاملين في مواقعهم ضمن الوزارات المختصة.

وشدّدت الوزارة على أن هذا الاتفاق يجسّد نهج الدولة القائم على تغليب لغة الحوار والحلول التوافقية، حفاظاً على الكرامة الوطنية وحقن الدماء وصون المكتسبات، مؤكدة أن الاتفاق يمثل خطوة مفصلية نحو مرحلة جديدة عنوانها توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار والانطلاق في مسار وطني شامل للتعافي وإعادة البناء، داعية المجتمع الدولي إلى دعم هذا المسار بوصفه فرصة لترسيخ الأمن والسلام المحلي والإقليمي.

وفي السياق، أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن الاتفاق الموقع يشكّل حلقة جديدة في مسار توحيد سوريا أرضاً وشعباً ومقدرات، وبداية مرحلة جديدة من البناء والازدهار. وقال في منشور عبر منصة “إكس” إن “هذا التحوّل النوعي في المشهد السوري يفرض مسؤوليات إضافية ولا سيما في الجانب الأمني”، مشدّداً على أهمية “الوقوف بحزم أمام أي محاولات للعبث بأمن المنطقة وسلامة أهلها”.

وأعرب الوزير خطاب عن اعتزازه بتضحيات الجيش العربي السوري التي مهّدت لتحقيق هذا الإنجاز، مؤكداً أن “سوريا اليوم تزهر أمناً بفضل دماء الشهداء الذين صانوا وحدة الوطن”، موجهاً العاملين في وزارة الداخلية إلى حسن التعامل مع المواطنين وخدمتهم في كل المحافظات بما يصون الأمن والطمأنينة.

من جانبه، عبّر وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري عن أمله في أن يكون الاتفاق خطوة في طريق الحكمة ولمّ الشمل وصون الدم السوري، قائلاً عبر منصته على “إكس”: “ماضون بعون الله نحو وطن واحد تسوده العدالة ويعلو فيه صوت الحق وتُصان كرامة أبنائه جميعاً”.

كما أكّد وزير العدل مظهر الويس، أن “سوريا اليوم هي المنتصرة بوحدة شعبها وأرضها ومؤسساتها التي تحمي الحقوق وتكرّس سيادة القانون والدولة”، معتبراً أن الاتفاق الأخير “تأكيد جديد على أن وحدة السوريين هي أساس النصر والاستقرار”.

بدوره، وجّه وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة تحية تقدير لأبطال الجيش العربي السوري على شجاعتهم وانضباطهم خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى أن “الجيش ظل على الدوام ساهراً على أمن المواطنين وحمايتهم، وقد أثبت اليوم كما في كل المراحل أنه جيش الشعب ومنه وله”.

من جانبه، أكّد مدير الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية قتيبة إدلبي، وجود ارتياح تام في الموقف الأميركي حيال اتفاق وقف إطلاق النار، موضحاً أن واشنطن ترى في الاتفاق خطوة أساسية نحو ترسيخ الاستقرار في سوريا والمنطقة.

وأوضح إدلبي، أن المحدد الرئيسي للسياسة الأميركية في شراكتها مع الدولة السورية يتمثل في فرض الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن تأخر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار كان يخلق حالة من القلق لدى الولايات المتحدة.

ولفت إلى وجود توافق إقليمي حول ضرورة تحقيق الاستقرار، مؤكداً أن اتفاق وقف إطلاق النار يعزز هذا الاتجاه في المنطقة. وأضاف أن المشكلة القائمة اليوم تعود إلى الإرث الذي خلّفه النظام المخلوع وحزب البعث، مبيناً أن الحكومة السورية ستتعامل وفق القانون مع أي مجموعات عسكرية غير منضبطة خارجة عن إطار الدولة.

وأشار مدير الشؤون الأميركية إلى أن الحكومة تعوّل على وعي السوريين لإنجاح اتفاق وقف إطلاق النار وضمان استمراره، مؤكداً أن سوريا اليوم باتت دولة موحدة تحت نظام أمني واحد يوفر الاستقرار لجميع أبنائها.

وبيّن إدلبي أن عملية الاندماج الفردي أسهمت في تعزيز روح “أخوة السلاح” بما يضمن حماية الشعب والوطن، موضحاً أن الحكومة ستركز خلال المرحلة المقبلة على استثمار موارد الجزيرة السورية بما يخدم عملية التنمية والاستقرار.

وشدّد على أن السيد الرئيس أحمد الشرع أكد أن حقوق الكرد ليست موضوع تفاوض بل واجبٌ وطني تتحمله الدولة، مشيراً إلى أن الدولة لا تواجه أي مشكلة مع الكرد وإنما مع تنظيمات مسلحة خارجة عن إطار القانون.

وختم إدلبي تصريحه بالتأكيد على أن ما يجري اليوم في سوريا ينعكس إيجاباً على مجمل أوضاع دول المنطقة، ويعزز الحاجة لبناء جسور التعاون والعلاقات التي حُرم منها الشعب السوري نتيجة السياسات السابقة للنظام المخلوع.

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع أعلن في مؤتمر صحفي مساء أمس، توقيع اتفاقية اندماج “قسد” مع الحكومة السورية ووقف إطلاق النار، مؤكداً أن كل الملفات العالقة مع قسد سيتم حلها.

وفي سياق متصل، قال وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني: “قريباً سينضم إلينا محافظا الحسكة والرقة في اجتماع المحافظين، لمناقشة الواقع الخدمي على كامل التراب السوري ومشاركتهم الواجبات والمسؤوليات”.

وأضاف الوزير: خدمة أهلنا في كل المحافظات حقّ ثابت والتزام لا حياد عنه، وسنعمل على ترسيخه أينما وُجد المواطن السوري.

ونصت بنود اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقسد على وقف شامل وفوري لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقسد، بالتوازي مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لقسد إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.

وتشمل الاتفاقية بتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بشكل كامل وفوري، بما يشمل استلام جميع المؤسسات والمنشآت المدنية، مع إصدار قرارات فورية بتثبيت الموظفين الحاليين ضمن الوزارات المختصة التابعة للدولة السورية، والتزام الحكومة بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي قسد والإدارة المدنية في المحافظتين، إلى جانب دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية.

———————————

الدفاع تعلن بدأ الانتشار في الجزيرة السورية

وحدات الجيش تدخل إلى محيط سد تشرين وريف الرقة الشمالي وغربي الحسكة

2026-01-19

أعلنت وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية اليوم الاثنين، عن بدأ نشر قواتها في مناطق الجزيرة السورية شمالي شرقي البلاد.

وقالت هيئة العمليات في وزارة الدفاع، إن قوات الجيش بدأت عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية بموجب الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد).

وأضافت الهيئة في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن قوات الجيش دخلت حتى الآن إلى سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً لريف الحسكة الغربي.

وأشارت هيئة العمليات إلى ضرورة التزام المدنيين بالتعليمات الصادرة عن قوات وزارة الدفاع وعدم التحرك في المنطقة إلا عند الضرورة.

وأمس الأحد، أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع عن توقيع اتفاق جديد من قوات سوريا الديموقراطية بعد أيام على التصعيد العسكري في محافظات حلب ودير الزور والرقة.

وتضمن الاتفاق وقف إطلاق نار شامل وفوري على كافة الجبهات ونقاط التماس وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً فوراً للحكومة السورية مع دخول المؤسسات الحكومية إلى محافظة الحسكة ودمج جميع المؤسسات المدنية هناك.

وأكد الاتفاق على دمج جميع عناصر قوات سوريا الديموقراطية ضمن هيكلية وزارة الدفاع بشكل فردي بعد التدقيق الأمني اللازم وضمان خصوصية المناطق الكردية.

وأشار إلى تسلم الحكومة كامل حقول النفط والمعابر وسجون ومخيمات عائلات “داعش” كما تلتزم الدولة السورية بمكافحة التنظيم، مع اعتماد قائمة أسماء مرشحة من قوات سوريا الديموقراطية لتعيينها في الدولة وإصدار مرسوم رئاسي لتعيين محافظ في الحسكة.

وشمل الاتفاق أيضاً، إخلاء السلاح الثقيل من مدينة كوباني وتشكيل قوة أمنية محلية تتبع لوزارة الداخلية والعمل على تفاهمات لعودة المهجرين إلى عفرين والشيخ مقصود في مدينة حلب وريفها.

كما شدد على التزام قوات سوريا الديموقراطية بالامتناع عن استيعاب بقايا النظام السابق وتقديم قوائم بأسماء الضباط الموجودين في شمال شرق سوريا وإخراج جميع قيادات وأعضاء حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج البلاد.

———————————

محافظة دير الزور تدعو موظفي الجزيرة للبقاء على رأس عملهم

دعوات للحفاظ على عمل المؤسسات الحكومية بالجزيرة السورية

2026-01-19

دعت محافظة دير الزور، اليوم الاثنين، الموظفين الموجودين في مؤسسات الجزيرة السورية للبقاء على رأس عملهم.

وطلبت المحافظة من جميع الموظفين في مناطق الجزيرة البقاء على رأس عملهم، والاستمرار في أداء واجباتهم الوظيفية في الوقت الحالي.

وأكدت في بيان نشر على منصة “فيسبوك”، أن بقاء الموظفين على رأس عملهم يأتي لضمان استقرار العمل وسير الخدمات بشكل طبيعي.

وفي وقت سابق اليوم أعلنت وزارة الدفاع السورية، عن بدأ نشر قواتها في مناطق الجزيرة السورية شمالي شرقي البلاد.

وقالت هيئة العمليات في وزارة الدفاع، إن قوات الجيش بدأت عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية بموجب الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد).

وأضافت الهيئة في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن قوات الجيش دخلت حتى الآن إلى سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً لريف الحسكة الغربي.

وأشارت هيئة العمليات إلى ضرورة التزام المدنيين بالتعليمات الصادرة عن قوات وزارة الدفاع وعدم التحرك في المنطقة إلا عند الضرورة.

وأمس الأحد، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن توقيع اتفاق جديد من قوات سوريا الديموقراطية بعد أيام على التصعيد العسكري في محافظات حلب ودير الزور والرقة.

وتضمن الاتفاق وقف إطلاق نار شامل وفوري على كافة الجبهات ونقاط التماس وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً فوراً للحكومة السورية مع دخول المؤسسات الحكومية إلى محافظة الحسكة ودمج جميع المؤسسات المدنية هناك.

وأكد الاتفاق على دمج جميع عناصر قوات سوريا الديموقراطية ضمن هيكلية وزارة الدفاع بشكل فردي بعد التدقيق الأمني اللازم وضمان خصوصية المناطق الكردية.

وأشار إلى تسلم الحكومة كامل حقول النفط والمعابر وسجون ومخيمات عائلات “داعش” كما تلتزم الدولة السورية بمكافحة التنظيم، مع اعتماد قائمة أسماء مرشحة من قوات سوريا الديموقراطية لتعيينها في الدولة وإصدار مرسوم رئاسي لتعيين محافظ في الحسكة.

وشمل الاتفاق أيضاً، إخلاء السلاح الثقيل من مدينة كوباني وتشكيل قوة أمنية محلية تتبع لوزارة الداخلية والعمل على تفاهمات لعودة المهجرين إلى عفرين والشيخ مقصود في مدينة حلب وريفها.

كما شدد على التزام قوات سوريا الديموقراطية بالامتناع عن استيعاب بقايا النظام السابق وتقديم قوائم بأسماء الضباط الموجودين في شمال شرق سوريا وإخراج جميع قيادات وأعضاء حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج البلاد.

————————

 الجيش السوري: عناصر من “العمال الكردستاني” وفلول النظام تحاول عرقلة الاتفاق

الجيش السوري: وحداتنا وصلت لمشارف الحسكة ضمن خطة الانتشار المتفق عليها

العربية.نت ووكالات

19 يناير ,2026

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، الاثنين، مقتل 3 جنود وإصابة آخرين، في عمليتين استهدفتا القوات السورية، فيما أكد الجيش أن وحداته وصلت لمشارف الحسكة ضمن خطة الانتشار المتفق عليها، ودخلت إلى عين عيسى في ريف الرقة.

وأوضحت هيئة العمليات في الجيش السوري، في تصريحات نقلتها الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” أن “هناك بعض المجاميع الإرهابية من تنظيم (حزب العمال الكردستاني) وفلول النظام البائد، تحاول تعطيل تنفيذ الاتفاق من خلال استهداف قوات الجيش العربي السوري”.

من جانبها، اتهمت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الحكومة السورية بشن هجمات على قواتها في عين عيسى والشدادة والرقة.

وأضافت، في بيان، “تشهد هذه الأثناء اشتباكات عنيفة بين قواتنا وتلك الفصائل على محيط سجن الأقطان، بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش الإرهابي، في تطور بالغ الخطورة”.

وأفادت الوكالة العربية السورية للأنباء، في وقت سابق اليوم، بأن قوات الجيش بدأت عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية لتأمينها بموجب الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

ونقلت الوكالة عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري قولها إنه جرى تأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً إلى ريف الحسكة الغربي حتى الآن.

ونبهت الهيئة المدنيين بالالتزام بالتعليمات الصادرة عن وحدات الجيش وعدم التحرك في المنطقة إلا عند الضرورة.

يذكر أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، كان قد وقع، أمس الأحد، على بنود اتفاق جديد مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، يقضي بوقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة و”قسد”.

وينص الاتفاق الجديد على “وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقسد، بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لقسد إلى منطقة شرق الفرات، بوصفها خطوة تمهيدية لإعادة الانتشار”.

وأشارت بنود في الاتفاق إلى تسليم الحكومة السورية محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً بالكامل فوراً، وكذلك كامل حقول النفط والمعابر الحدودية، إلى جانب إصدار مرسوم رئاسي لتعيين محافظ في الحسكة ودمج جميع المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن الدولة السورية.

وتنص الاتفاقية على “دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجيستية أصولاً، وحماية خصوصية المناطق الكردية”.

وكذلك ينص الاتفاق على “إخلاء عين العرب (كوباني) من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة مدنية من أبناء المدينة”، و”دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء تنظيم داعش في مؤسسات الحكومة السورية لتتولى الحكومة المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل”.

وتلزم الاتفاقية “قسد” بـ”إخراج كل قيادات وعناصر حزب (العمال الكردستاني) (PKK) غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار”.

————————-

 واشنطن تشيد بجهود الحكومة السورية وقسد في التوصل لاتفاق

قبيل التوجه لدمشق.. مظلوم عبدي يؤكد قبول الاتفاق حقناً للدماء

19 يناير ,2026

في آخر التطورات السورية، والاتفاق المبرم بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية على وقف النار ودمج عناصر قسد بالدفاع والداخلية، أشاد المبعوث الأميركي الخاص توم براك، في بيان الاثنين، بالحكومة السورية وقوات قسد على جهودهما البناءة للتوصل لاتفاق وقف النار.

توم براك

توم براك

وأوضح براك أن الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اتفقا على رؤية مشتركة لتحرير سوريا وشعبها من الظلم ورسم مستقبل أفضل للسوريين.

وكان الرئيس السوري قد التقى قبل ذلك ببراك في دمشق، وأكد له أهمية وحدة سوريا وسيادتها على كامل أراضيها، كما شدد على أهمية الحوار في المرحلة الراهنة.

وكان قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي أكد قبول الاتفاق مع الحكومة السورية حقنا للدماء وتجنباً لحرب أهلية.

وقال إن الحرب كانت مفروضة على قواته، مشيراً إلى أنه سيذهب إلى دمشق لإتمام الاتفاق قبل الإعلان عن تفاصيله.

وأضاف أن قسد انسحبت من دير الزور والرقة إلى الحسكة، لكنها لم تهزم أو تفشل وستحافظ على مكتسباتها.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قال إنه سيتم إنجاز الاتفاق بين القوات الحكومية السورية وقسد، وأشار إلى أن التفاهمات الجديدة هي من روحِ اتفاق العاشر من مارس (آذار)، كما شدد على أن مؤسسات الدولة ستدخل محافظات شمال شرق سوريا الثلاث، وفق الاتفاق.

من جهة أخرى، أفادت وزارة الداخلية السورية أنها تتابع ببالغ الاهتمام والجدية التقارير الواردة حول وقوع مجازر في محافظة الحسكة، مضيفة أن أجهزتها المختصة باشرت فوراً إجراءات التحقيقات اللازمة للتثبت من هذه المعلومات.

كما بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيسِ الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستجدات الأوضاع في سوريا.

وقالت وكالة “سانا” للأنباء إن الشرع أكد خلال اتصاله مع بارزاني على وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها.

وقال مستشار رئيسِ الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في تصريحات لـ”العربية” و”الحدث” إن الحزب نصح قيادة قسد بالمبادرة إلى الحوار مع الحكومة السورية.

——————————

 الدفاع السوري تتهم “قسد” بتعمد إطلاق دواعش من سجن الشدادي

قوات سوريا الديمقراطية: السجن الذي يضم الآلاف من معتقلي داعش تعرض لهجمات متكررة

الرياض: العربية.نت والوكالات

19 يناير ,2026

نفت وزارة الدفاع السورية اليوم الاثنين تصريحات قوات سوريا الديمقراطية حول تعرض سجن الشدادي في الحسكة (شمال شرق سوريا) لهجمات، وأكدت أن “قسد” تعمدت إطلاق سراح مساجين منه.

وكانت “قسد” قد ذكرت في وقت سابق من اليوم أن “جماعة مسلحة” هاجمت سجن الشدادي الذي قالت إن الآلاف من مسلحي تنظيم داعش محتجزون فيه، مؤكدةً أنه بات الآن خارج سيطرتها.

من جهتها نفت وزارة الدفاع السورية بيان “قسد” عن هجوم على السجن. كما أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن “قوات الجيش تبدأ دخول مدينة الشدادي جنوب الحسكة بعد قيام قسد بإطلاق سراح عناصر من تنظيم داعش من سجن الشدادي”.

مصرف سوريا يفتتح فرعاً في مدينة الرقة ويوضح آلية استبدال الليرة

اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يفتتح فرعاً في مدينة الرقة ويوضح آلية استبدال الليرة

وكانت “قسد” قد أشارت في وقت سابق من اليوم إلى أن هناك اشتباكات مع قوات الحكومة السورية قرب سجن الأقطان على ⁠مشارف مدينة الرقة، والذي يضم أيضاً معتقلين من داعش. ووصفت الاشتباكات بأنها “تطور بالغ الخطورة”، وقالت إن سيطرة القوات الحكومية على السجن قد يترتب عليها “تداعيات أمنية خطيرة تهدد الاستقرار”.

وبموجب اتفاق اندماج شامل تم التوصل إليه أمس الأحد، من المفترض أن تنقل مسؤولية السجون التي تضم معتقلين من تنظيم داعش إلى الحكومة السورية.

في سياق آخر، أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الاثنين، أنها نفذت انتشاراً ميدانياً واسعاً في ريف دير الزور الشرقي. وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان: “نفذت وحدات وزارة الداخلية انتشاراً ميدانياً واسعاً في مناطق وبلدات ريف دير الزور الشرقي تعزيزاً للأمن والاستقرار، وحمايةً للمواطنين وممتلكاتهم، وضمان بيئة آمنة ومستقرة، ومكافحة لكل ما يهدد النظام العام، ضمن جهود الوزارة المستمرة للحفاظ على سلامة المجتمع وحفظ النظام العام”.

————————-

الجزيرة ترافق الجيش السوري خلال عملية السيطرة على سد تشرين

رافقت قناة الجزيرة قوات الجيش السوري خلال عملية السيطرة على سد تشرين الإستراتيجي في ريف حلب بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منه، في تطور يمنح دمشق السيطرة على أحد أهم مصادر الطاقة والمياه في البلاد.

وقال الجيش السوري للجزيرة، اليوم الاثنين، إنه استكمل تأمين سد تشرين بريف حلب وكذلك تأمين ريف الرقة الشمالي وريف الحسكة الغربي، تزامنا مع بدء انسحاب قوات قسد من المنطقة بعد معارك محتدمة على جانبي نهر الفرات خلال اليومين الأخيرين.

ويبعد السد نحو 90 كيلومترا عن مدينة حلب و80 كيلومترا عن الحدود السورية التركية، ويمثل موقعا إستراتيجيا بالغ الأهمية.

ورصد مراسل الجزيرة ميلاد فضل دخول القوات العسكرية السورية إلى السد بآليات ثقيلة ودبابات وأرتال عسكرية، وبدأت عمليات تمشيط وفحص شاملة للمنطقة.

وواجهت القوات تحديات كبيرة في تأمين الموقع بسبب عشرات الألغام التي زرعتها قسد على الطرق وحوافها قبل انسحابها. ونجحت فرق الهندسة العسكرية في تفكيك عدد كبير من تلك الألغام، وفجَّرت بعضها على مدخل السد والطريق المؤدي إليه.

وحذرت القيادات العسكرية الصحفيين المرافقين للقوات من السير على حواف الطريق، وطالبتهم بالالتزام بالطرق المعبدة التي فحصتها فرق الهندسة حرصا على سلامتهم من الألغام المزروعة.

وتقدمت القوات نحو منطقة القوس التابعة للسد، وبدأت عمليات التمشيط والفحص خوفا من وجود مفخخات أو خلايا نائمة.

واستمرت عمليات التأمين ساعات قبل إعلان السيطرة الكاملة على الموقع وانتشار القوات على جسم السد والجسر الرابط بين الضفتين.

أهمية السد

ويحمل سد تشرين أهمية إستراتيجية واقتصادية بالغة للحكومة السورية، فهو ثاني أكبر السدود في سوريا، ويُنتِج نحو 630 ميغاوات من الكهرباء، ودخل الخدمة عام 1999، ويُعَد من المنشآت الحيوية في البلاد.

إعلان

وتحتجز بحيرة السد نحو ملياري متر مكعب من المياه، وتشكّل شريان حياة لمساحات زراعية واسعة في المنطقة، إذ يعتمد الأهالي على مياه البحيرة ونهر الفرات في ري محاصيلهم الزراعية والحصول على مياه الشرب، كما توفر الكهرباء المنتجة من السد الطاقة اللازمة لتشغيل معامل ومنشآت صناعية متعددة.

ويربط السد بين ضفتي نهر الفرات الشرقية والغربية عبر جسر إستراتيجي، وكان يمثل نقطة وصل رئيسية بين المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد في عين العرب (كوباني) وصولا إلى منطقة الحسكة.

وسيطرت قسد على الموقع عام 2015 بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منه، واستمرت سيطرتها عليه أكثر من عقد.

وكان من المفترض أن تنسحب قسد من السد بموجب اتفاق الأول من أبريل/نيسان 2025 الخاص بمدينة حلب، لكن الانسحاب لم يحدث إلا بعد التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وخاصة في حي الشيخ مقصود بحلب والرقة والطبقة.

وتعتزم الحكومة السورية إدخال وزارة الطاقة والمهندسين المختصين خلال الأيام المقبلة لإعادة تأهيل العنفات وتفعيل السد بشكل نظامي. وتركز الجهود الحالية على تأمين الموقع بالكامل من المفخخات والألغام قبل البدء بعمليات الصيانة والتشغيل الكامل للمنشأة.

المصدر: الجزيرة

—————————

“لبّت لبّت”.. أيقونة الاحتفالات بعد سقوط الأسد وتحرير الرقة ودير الزور

“لبّت لبّت” أغنية شعبية باتت حاضرة في جميع احتفالات الشعب السوري، تتزامن مع الأحداث الكبيرة وتعود إلى الواجهة مع كل محطة مفصلية، وآخرها سيطرة الجيش السوري على محافظتي دير الزور والرقة التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، حيث احتفل الأهالي على أنغامها، صغارا وكبارا، لتغطي أصداؤها معظم الأراضي السورية.

وأصبحت “لبّت لبّت” ترندا متصدرا لمشاهد الرقص على أنغامها في منصات التواصل الاجتماعي، وهي من أداء المغني الشعبي دحام الموسى، وقد نشرت للمرة الأولى في 14 ديسمبر/كانون الأول 2024، أي بعد أسبوع واحد فقط من سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وتنتمي الأغنية إلى الأهازيج الشعبية المعروفة لدى أبناء المنطقة الشرقية في سوريا، وتقول كلماتها:

“لبّت لبّت ها ها ها لبّت لبّت

كل الأبواب نسدّت وأزمِه يا أهل الله وعدّيت

لمن فات الجيش الحر ولبّت يولو ولبّت

بكرة ترجع تتعمر ما يبقى بيها مدمّر

سوريا لبست أخضر ونيران قليبي طفَت

بزود رجال الثورة سوريا صارت حرّة الثورة”.

ويفسر أبناء المنطقة الشرقية كلمات أغنية “لبّت لبّت” بمعنى “تلبية النداء” وهي تدل على الاستجابة السريعة والحماس. وتقال “لبّت” عندما تشتعل النار بقوة، فيقال “لبّت” كناية عن شدة اشتعالها، واستخدام الكلمة في سياق الأحداث الأخيرة وما سبقها يشير إلى وقوع أمر جلل، وإلى اشتداد الموقف أو اشتعال الحماسة.

وتداولت منصات التواصل مقطع فيديو لسيدتين في سوريا وهما ترقصان على أنغام الأغنية احتفالا بسيطرة الجيش السوري ومقاتلي العشائر العربية على مدينة الرقة بعد طرد قسد.

كما استخدم مدونون كلمات الأغنية في مقاطع فيديو تظهر تقدم الجيش السوري في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.

وبعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، ما تزال أغنية “لبّت لبّت” حاضرة بقوة في مشهد الاحتفالات السورية، داخل البلاد وخارجها.

إعلان

وارتبطت الأغنية منذ اللحظات الأولى لانهيار النظام بأجواء الفرح في الشوارع والساحات، حتى تحولت ساحة الأمويين في دمشق إلى أحد أبرز رموز هذا الارتباط بين الأغنية وذاكرة النصر والاحتفال لدى السوريين.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

—————————–

قتلى وجرحى بمعارك بين الجيش السوري وقسد شرقي البلاد

قُتل 3 جنود في الجيش السوري وأصيب آخرون، اليوم الاثنين، في عملية استهداف من قوات قسد في منطقة الجزيرة شرق سوريا، وذلك تزامنا مع إعلان الجيش السوري السيطرة على سد تشرين بريف حلب الشرقي شمالي البلاد.

وقالت هيئة العمليات بالجيش السوري للجزيرة إن مجموعات من قسد وفلول النظام استهدفت قوات الجيش، حيث قُتل 3 جنود وأصيب آخرون في عمليتي استهداف لقوات الجيش السوري المنتشرة في منطقة الجزيرة .

كما أفادت وزارة الدفاع السورية بأن قواتها الجوية نقلت مدنيين مصابين بجروح خطرة من دير الزور إلى دمشق وحلب.

وأفاد مراسل الجزيرة نقلا عن مصدر عسكري باندلاع اشتباكات بين الجيش السوري وقوات قسد في منطقة بئر الأعمى قرب سد تشرين بريف حلب الشرقي في شمال سوريا، قبل أن تنسحب قوات قسد في وقت لاحق إلى عين العرب شمالي حلب بعتاد ثقيل وأعداد كبيرة.

وأوضح مراسل الجزيرة أن الجيش السوري فتح الطريق لقسد للانسحاب باتجاه عين العرب بعد اشتباكات بين الطرفين.

في المقابل، قال تنظيم قسد إن الجيش السوري يواصل هجماته على قواته في كل من عين عيسى والشدادة والرقة.

تأمين شد تشرين

وقال الجيش السوري للجزيرة إنه استكمل تأمين سد تشرين بريف حلب، كما استكمل تأمين ريف الرقة الشمالي وريف الحسكة الغربي.

وأفاد مراسل الجزيرة نقلا عن مصدر عسكري باندلاع اشتباكات بين الجيش السوري وقوات قسد في منطقة بئر الأعمى قرب سد تشرين بريف حلب الشرقي في شمال سوريا.

وفي وقت سابق، أكد الجيش السوري أن قواته انتشرت في منطقة الجزيرة لتأمينها بموجب الاتفاق المُوقع بين الحكومة السورية وقسد، وطالب المدنيين بالالتزام بتعليمات الجيش وعدم التحرك في المنطقة إلا عند الضرورة.

في غضون ذلك، أفاد مراسل الجزيرة بأن الجيش السوري بسط سيطرته الكاملة على منطقة سد تشرين في ريف حلب شمالي سوريا، ودفع بمزيد من التعزيزات إلى المنطقة.

إعلان

وقال مراسل الجزيرة إن قوات الجيش تقوم بعمليات تمشيط بمنطقة سد تشرين، وإن فرق الهندسة التابعة للجيش السوري فجَّرت لغما خلال تقدمها بالمنطقة، مشيرا إلى أن قوات قسد زرعت ألغاما في الطرق المحيطة بسد تشرين.

كما أفاد مراسل الجزيرة بأن طائرة مسيَّرة حاولت استهداف قوات الجيش السوري أثناء تمشيطها للمنطقة المحيطة بسد تشرين، مشيرا إلى أن الجيش السوري فتح بعض الطرق المؤدية إلى المنطقة.

بيان لوزارة الداخلية

في الأثناء، قالت وزارة الداخلية السورية إن وحداتها بدأت الدخول إلى ريف محافظة دير الزور الشرقي، مشيرة إلى أن ذلك يأتي ضمن خطة تهدف إلى التمركز المنظَّم في جميع البلدات والقرى.

وقالت الوزارة إن الخطوة تأتي ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات قبيل لقاء مرتقب بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي اليوم الاثنين، كما تأتي بعد إعلان الرئاسة السورية أمس الأحد توقيع اتفاق مع قسد لوقف إطلاق النار ودمجها بالكامل في الجيش السوري.

وينص الاتفاق المكون من 14 بندا على تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية بالكامل وفورا، ودمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة وإخلاء عين العرب من المظاهر العسكرية الثقيلة.

وبموجب الاتفاق تتسلم الحكومة السورية كل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، كما تلتزم قيادة قسد بعدم ضم فلول النظام السابق إلى صفوفها وتسليم قوائم بأسمائهم.

المصدر: الجزيرة + وكالات

————————

عبد الرحمن سلامة محافظا جديدا لمحافظة الرقة السورية

عُيّن نائب محافظ حلب عبد الرحمن سلامة محافظا لمحافظة الرقة شمال شرقي سوريا، وذلك عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقسد.

وأعلن محافظ حلب عزام الغريب هذا التعيين عبر حسابه الرسمي على منصة إنستغرام اليوم الاثنين، وقال “نبارك للأخ الكبير عبد الرحمن سلامة، صديق درب الكفاح ومسيرة التحرير، على تسلُّمه منصب محافظ الرقة”

كما أثنى الغريب على الجهود القيّمة التي بذلها سلامة خلال فترة عمله في محافظة حلب.

يُذكر أن عبد الرحمن سلامة وُلد في عندان بريف حلب عام 1971، وانضم إلى صفوف الثورة السورية عام 2011، وشغل مناصب عسكرية مهمة في حلب.

ويأتي هذا التعيين في إطار الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقسد، الذي ينص على دمج كل المؤسسات المدنية التابعة للتنظيم ضمن مؤسسات الدولة السورية، كما سيُدمج أفراد قسد في وزارة الدفاع السورية، بدلا من تشكيل كتائب أو ألوية مستقلة كما كان الحال سابقا.

ويتضمن الاتفاق أيضا نقل السيطرة على جميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى حكومة دمشق.

ومن بين البنود الرئيسة الـ14 في الاتفاق، تسليم محافظتي دير الزور (شرق) والرقة (شمال شرق) إداريا وعسكريا إلى الحكومة السورية فورا.

وجاء هذا الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري أخيرا، استطاع خلالها استعادة مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، ردا على خروق قسد المتكررة لاتفاقات سابقة وعدم التزامه بتطبيق بنودها المُوقعة قبل 10 أشهر.

1:56

بسط الأمن

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت، أمس الأحد، بدء دخول وحداتها إلى مدينة الرقة تمهيدا لبسط الأمن والاستقرار بها.

وقالت الوزارة في بيان “بدأت وحداتنا بالدخول إلى مدينة الرقة، تمهيدا للانتشار المنظم في جميع أحيائها، ضمن خطة شاملة تهدف إلى بسط الأمن والاستقرار، وحماية المواطنين وممتلكاتهم العامة والخاصة”

إعلان

وأضافت “هذه الخطوة تأتي في إطار جهود الوزارة المتواصلة لضبط الوضع الأمني في مختلف المدن والمناطق، وضمان بيئة آمنة ومستقرة لجميع المواطنين”.

وتبذل الحكومة السورية جهودا مكثفة لضبط الأمن في البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

المصدر: وكالة الأناضول

——————-

خبير عسكري: “قسد” تفتقر إلى مركزية القيادة وفصائلها تتمرد على الاتفاق

قال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تفتقر إلى مركزية في منظومة القيادة والسيطرة على فصائلها المتعددة، مما يفسر حالة التمرد وعدم الانضباط التي تشهدها بعض المجموعات في الالتزام بالاتفاق المُوقع مع الحكومة السورية.

وأرجع هذه الإشكالية إلى طبيعة التحالف الذي يضم مجموعات عسكرية متباينة، إذ لا تستطيع القيادة المركزية فرض سيطرة كاملة على جميع الفصائل لضمان التزامها بالاتفاق.

وأوضح الخبير العسكري -خلال فقرة التحليل العسكري- أن هذا الوضع يفسر الاشتباكات المتفرقة التي تحدث في بعض المناطق، مشيرا إلى أن هيئة العمليات تتحدث عن محاولات تعطيل من قِبل وحدات تابعة لقسد وبعض “الفلول”.

ولفت إلى أن هذه الاشتباكات لا تدل على وجود معركة منسقة أو منظمة، ومن ثَم فهي ليست قرارا مركزيا بالمواجهة إنما مجرد جيوب تقوم بعمليات مقاومة متفرقة لانتشار الجيش، مشيرا إلى أن افتقار المركزية يخلق حالة من الفوضى وعدم الانضباط في صفوف بعض الفصائل، ورجَّح استمرار ظهور متمردين على الاتفاق ضمن هذه المجموعات.

تثبيت السيطرة

وأكد جوني أن الجيش السوري لا يتوقف بل يتقدم في تنفيذ مهمته ويحرز تقدما ميدانيا ويثبت السيطرة تباعا وفقا لأهمية الأهداف وأفضليتها، لافتا إلى أن وصول وحدات من الجيش السوري إلى مشارف مدينة الحسكة يمثل تطورا نوعيا في استكمال عملية الانتشار شرق نهر الفرات.

وأوضح أن الجيش يوسع انتشاره ويثبت سيطرته على المنطقة بالكامل وصولا إلى الحسكة وريفها، في حين تواجهه تحديات لإعادة تثبيت السيطرة الكاملة على بعض المناطق.

وعلى صعيد آخر، نبَّه الخبير العسكري إلى أن الجيش يعمل وفق أهمية المناطق، إذ بدأ بتثبيت السيطرة على سد تشرين لأنه منطقة حيوية، ثم تابع على اتجاهات عدة يعالج فيها التحديات التي تواجهه.

إعلان

وعزا بعض هذه التحديات إلى فقدان آلية التنسيق الفعالة لتنفيذ الاتفاق وبعض الأمور التنفيذية لتثبيته على الأرض، وهو ما يرتبط مباشرة بغياب المركزية في قيادة قسد.

المصدر: الجزيرة

————————–

 قسد تعلن فقد السيطرة على سجن الشدادي والجيش يتقدم لمشارف الحسكة

أفادت هيئة العمليات بالجيش السوري أن وحدات الجيش وصلت إلى مشارف مدينة الحسكة ضمن خطة الانتشار وفقا للاتفاق المبرم مع قوات قسد، كما دخلت وحدات أخرى بلدة عين عيسى في محافظة الرقة بعد انسحاب قوات قسد منها، بحسب مراسل الجزيرة.

وفي وقت سابق، قالت قوات قسد إن اشتباكات عنيفة تدور بين قواتها والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم الدولة، متهمة الجيش بمواصلة هجماته على قواتها في كل من عين عيسى والشدادة والرقة.

وكان الجيش السوري أعلن مقتل 3 من جنوده وإصابة آخرين بعد استهدافهم بعمليتين عسكريتين شنتهما قسد في مناطق شرق الفرات، وذلك تزامنا مع تجدد الاشتباكات في المنطقة.

وقالت هيئة العمليات بالجيش السوري للجزيرة إن مجموعات وصفتها بـ”الإرهابية” من قسد وفلول النظام السابق، تحاول تعطيل الاتفاق وتستهدف قوات الجيش في منطقة الجزيرة السورية.

———————-

«قسد»: اشتباكات بمحيط سجن يؤوي معتقلي «داعش» في الرقة

دمشق: «الشرق الأوسط»

19 يناير 2026 م

أفادت «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، اليوم الاثنين، بوقوع اشتباكات عنيفة بين عناصرها والقوات الحكومية في محيط سجن يؤوي معتقلي تنظيم «داعش» في الرقة بشمال شرقي البلاد.

وقالت «قسد»، في بيان صحافي، اليوم: «رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلَن والبيانات الرسمية الصادرة بهذا الشأن، تُواصل الفصائل التابعة لحكومة دمشق هجماتها على قواتنا في عين عيسى والشدادي والرقة».

وأشارت إلى أنه «في هذا الوقت، تدور اشتباكات عنيفة بين قواتنا وتلك الفصائل في محيط سجن الأقطان في الرقة الذي يؤوي معتقلي تنظيم (داعش) الإرهابي، والذي يمثل تطوراً في غاية الخطورة».

وأكدت أن «مستوى التهديد يتصاعد، بشكل كبير، وسط محاولات من هذه الفصائل الوصول إلى السجن والاستيلاء عليه»، مشيرة إلى أن «مثل هذه الأعمال يمكن أن تؤدي إلى تداعيات أمنية خطيرة تهدد الاستقرار وتفتح الباب لعودة الفوضى والإرهاب».

وحمّلت «قسد» الأطراف المهاجمة المسؤولية الكاملة عن أي عواقب كارثية قد تنتج عن استمرار هذه الهجمات.

وكان الجيش السوري قد أعلن، اليوم، مقتل ثلاثة من جنوده، وإصابة آخرين، خلال عمليتي استهداف لتنظيم «بي كيه كيه» (حزب العمال الكردستاني).

ووقّع الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء أمس الأحد، اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع قوات «قسد»، ودمجها بالكامل في الجيش السوري.

——————————

السعودية تُرحِّب باتفاق الحكومة السورية و«قسد»

رحَّبت السعودية، الاثنين، باتفاق وقف إطلاق النار واندماج قوات سوريا الديمقراطية بكامل مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، مشيدةً بجهود الولايات المتحدة في التوصل إليه.

وأعربت السعودية في بيان لوزارة خارجيتها عن أملها بأن يسهم هذا الاتفاق في تعزيز الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، وتطبيق القانون بما يلبي تطلعات الشعب السوري في التنمية والازدهار.

وجدَّد البيان دعم السعودية الكامل للجهود التي تبذلها الحكومة السورية في تعزيز السلم الأهلي، والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

—————————–

تركيا تراقب وقف إطلاق النار بين دمشق و«قسد»

إردوغان أكد للشرع استمرار دعم وحدة سوريا واستقرارها

أنقرة: سعيد عبد الرازق

19 يناير 2026 م

جددت تركيا دعمها وحدة سوريا، وسلامة أراضيها، مؤكدة أنها ستراقب من كثب تنفيذ وقف إطلاق النار الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي.

وأجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتصالاً هاتفياً مع الشرع عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار مع «قسد»، مساء الأحد، لبحث آخر التطورات في سوريا.

وقالت الرئاسة التركية إن إردوغان أكد للشرع أن دعم تركيا لوحدة سوريا وسلامة أراضيها واستقرارها وأمنها سيستمر بشكل متزايد في العديد من المجالات، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.

وأضافت أن إردوغان شدد على أن تطهير الأراضي السورية بالكامل من الإرهاب أمر ضروري من أجل سوريا، والمنطقة بأسرها.

«منطقة خالية من الإرهاب»

وقال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل الذي أُعلن عنه في سوريا يُعد مرحلة مهمة في إطار مسار «منطقة خالية من الإرهاب».

وأكد أن الطريق إلى الاستقرار الدائم في سوريا يمر عبر ضمان حقوق جميع المكوّنات العرقية والمذهبية على أساس المواطنة المتساوية، وأن «سوريا التي تحافظ على وحدة أراضيها، وتطهَّر من التنظيمات الإرهابية هي مفتاح السلام الإقليمي، ومن هذا المنطلق فإن الخطوات التي تتخذها الإدارة السورية والجهود التي تبذلها تُعد مهمة».

وأضاف أن تركيا «فاعل قوي على الأرض ومؤثر على طاولة المفاوضات، وتتبنى السلام كمبدأ، والاستقرار كهدف، ولا تفصل أمن جارتها عن أمنها».

وقالت مصادر أمنية تركية، ​الاثنين، إن المخابرات التركية أجرت اتصالات مكثفة ‌مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وصفته بأنه «خطوة تاريخية»، ‌لضمان ضبط ‌النفس ⁠من ​جانب ‌الأطراف على الأرض.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن المصادر أن الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا ستستمر بلا هوادة، لافتة إلى أن إرساء الاستقرار ⁠والأمن في سوريا يعد أمراً ‌بالغ الأهمية لتحقيق هدف «تركيا خالية من الإرهاب» الذي يمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» وجميع أذرعه، وصولاً إلى «منطقة خالية من الإرهاب».

دعم جهود دمشق

في السياق ذاته، قالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إنه بعد إدراك الحقائق الميدانية على أرض الواقع، نأمل أن يكون قد اتضح بشكل تام لجميع المكونات والأفراد في سوريا أن مستقبل البلاد يمر عبر الوحدة والتكامل والاندماج، وليس من خلال الإرهاب والانقسام.

وأكد البيان أن تركيا ستواصل دعمها لجهود الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب، وجهود إعادة إعمار البلاد التي تقوم بها حكومة دمشق في إطار «نهج عملي شامل وتكاملي يستند إلى رضا الشعب».

بدوره، أكد نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم المتحدث باسم الحزب، عمر تشيليك، أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة داخل دولة، أو جيش داخل جيش، لافتاً إلى أن سعي «قسد» للعمل بوصف أنها «دولة داخل دولة، وجيش داخل جيش» هو مهمةٌ أوكلتها إليها قوى تسعى إلى نشر الشر في سوريا والمنطقة.

وتعليقاً على اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد»، رأى تشيليك، في بيان عبر حسابه في «إكس» الاثنين، أن الأمر الجوهري هو أن يصبح إخواننا العرب والتركمان والأكراد إلى جانب أتباع جميع الأديان والطوائف عناصر متساوية وكريمة في سوريا موحدة وكاملة، من خلال نموذج اجتماعي وسياسي ودستوري شامل.

وقال «إنه بالنسبة لإخواننا الأكراد في سوريا فإن المكسب الحقيقي هو خريطة الطريق التي بدأت باتفاق اندماج (قسد) في الجيش السوري في 10 مارس (آذار)، واستمرت بالمرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع يوم الجمعة الماضي، والذي يضمن حقوقهم، وتُوِّجت أخيراً باتفاق وقف إطلاق النار».

وأضاف أن أولئك الذين يعتبرون احتلال المنظمات الإرهابية «مكسباً» إنما يصبحون داعمين لمشاريع سياسية خبيثة تهدف إلى إلحاق الدمار بإخواننا وأخواتنا الأكراد، وبسوريا بأكملها.

من جانبه، وصف نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، في بيان عبر حسابه في «إكس»، اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية و«قسد» بأنه «تطور واعد للمستقبل».

وأكد أن تركيا ستتابع من كثب العملية المتعلقة بتنفيذ بنود الاتفاق، معرباً عن أمله في أن يلتزم الطرفان بتعهداتهما في المرحلة المقبلة لنقل العملية إلى حالة من الاستقرار، وأن تنتهي الكيانات التي جرى تشكيلها بدعم خارجي في ظل فراغ السلطة المركزية والمتبقية من المرحلة السابقة.

—————————

 عبدي: الاتفاق مع الشرع أوقف الحرب.. وانسحبنا “حقناً للدماء”

الأحد 2026/01/18

قال قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، إن الاتفاق الجديد مع الرئيس السوري أحمد الشرع أوقف الحرب، مؤكداً أن قواته ستعمل على “الحفاظ على خصوصية مناطقهم” بعد انسحابهم من الرقة وديرالزور.

عبدي: تجنبنا حرباً أهلية

وقال عبدي في كلمة مصورة بثّتها فضائية “روناهي” الكردية، إن الحرب “فُرضت” على “قسد” منذ كانون الثاني/يناير الماضي، وإن قرار “انسحاب” قواته من الرقة وديرالزور إلى الحسكة، جاء “حقناً للدماء” ومنع “حرب أهلية”.

وأضاف أن “عدة جهات خططت” لهذه الحرب بشكل مسبق، من دون أن يسمها، وأن القبول بالاتفاق الجديد مع الدولة السورية كان من أجل إيقاف الحرب، موضحاً أن سيتوجه غداً الاثنين، إلى دمشق لإجراء محادثات حول بنود الاتفاق.

وفيما لفت عبدي إلى أنه سيطلع الجميع على بنود الاتفاق وتفاصيله بعد عودته من دمشق، قال: “سنحمي إنجازات شعبنا وخصوصية منطقتنا. لدينا القوة وسنواصل جهودنا حتى النهاية نحن واثقون من أننا سننجح”.

وأكد سقوط قتلى من قوات “قسد” الأمنية والعسكرية وجرى “تهجير الأهالي”، و”فعلنا ما يلزم لعدم وقوع هذه الحرب”.

وهذا أول تعليق من عبدي على اتفاق وقف إطلاق النار بين “قسد” والجيش السوري، الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي ينص على دمج كافة المؤسسات المدنية ضمن الدولة السورية، إلى جانب 13 بنداً أخرى.

وعقب توقيع الاتفاق، قال الرئيس السوري للصحافيين، إن عبدي كان من المفترض أن يصل إلى دمشق، الأحد، لكن زيارته تأجلت بسبب الظروف الجوية.

وساطة أميركية

وجرى توقيع الاتفاق بوساطة أميركية، حيث اجتمع الشرع مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، قبيل إعلانه عم توقيع الاتفاق.

وكان باراك اجتمع مع عبدي، السبت الماضي، في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، “برعاية مباشرة” من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني.

وقالت تقارير إن الاجتماع ركز على خفض التصعيد بين “قسد” والحكومة السورية، وبحث “جملة من الملفات الاستراتيجية”.

————————-

الشرع يؤجل زيارته إلى ألمانيا على وقع التطورات في سورية

19 يناير 2026

 أكد متحدث باسم الحكومة الألمانية لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، مساء الأحد، أن الرئيس السوري أحمد الشرع أَجَّل زيارته إلى ألمانيا التي كان مقرراً أن يقوم بها غداً الاثنين، وعزا المتحدث التأجيل إلى الوضع السياسي الداخلي في سورية في الوقت الحالي.

وكان من المقرر أن يلتقي الشرع، الثلاثاء، بالمستشار الألماني فريدريش ميرز، وعدد من الوزراء الاتحاديين وممثلين عن القطاع الاقتصادي. وكان يُفترض أن تتصدر جدول المباحثات قضايا إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم وإعادة إعمار البلاد بعد ما يقرب من 14 عاماً من الحرب الأهلية. وكان ميرز وجّه دعوة إلى الشرع لزيارة ألمانيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وشهدت سورية خلال الأيام الماضية تصاعداً جديداً واندلاع مواجهات عسكرية بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، قبل الإعلان مساء الأحد عن التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب المليشيا من مدن في شمال البلاد وشرقها. ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن نص الاتفاق أن “وقفاً فورياً وشاملاً لإطلاق النار” سيسري “على جميع الجبهات” بين قوات “قسد” والقوات الحكومية.

وخلال توقيعه على الاتفاق، قال الشرع: “ارتأينا أن نوقع اتفاقاً مع تنظيم قسد من خلال الاتصالات لتهدئة التوترات الآن، وسنتابع تفاصيل باقي بنود الاتفاق غداً (الاثنين)” عندما يصل قائد قسد، مظلوم عبدي إلى دمشق. وأضاف: “الاتفاق الذي توصلنا إليه اليوم مع قسد هو من روح اتفاق 10 مارس /آذار، ومؤسسات الدولة ستدخل إلى كل المحافظات الثلاث شرقي وشمال شرقي البلاد”.

(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

————————————

 مظلوم عبدي يلتقي الشرع اليوم بدمشق والجيش ينتشر في الجزيرة

19 يناير 2026

يتوجه قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي إلى دمشق اليوم الاثنين للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيش السوري وعناصر المليشيا في شمال وشرق سورية. وقالت وسائل إعلام كردية الأحد إن عبدي وافق على الانسحاب الكامل لقواته من محافظتي دير الزور والرقة بموجب الاتفاق الذي نص على عدة بنود، وقال الشرع إنه جاء بروح اتفاق مارس/آذار الماضي.

إلى ذلك، قالت وزارة الداخلية السورية إنها تتابع “ببالغ الاهتمام والجدية” التقارير الواردة حول وقوع “مجازر في محافظة الحسكة” شمال شرقي سورية على يد عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار. وذكر ناشطون أن عناصر المليشيا استهدفوا المتظاهرين والمحتفلين بتوقيع الاتفاق في مدينتي الرقة والحسكة ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى.

وتوصلت الحكومة السورية، مساء الأحد، إلى اتفاق مع قسد، ينص على وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ”قسد” إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار. وجاء في بيان تلته الرئاسة في قصر الشعب يوم الأحد، وحضره “العربي الجديد”، أنه جرى التوقيع على اتفاق جديد مع “قوات سوريا الديمقراطية” بحضور المبعوث الأميركي براك، ووقعّه أيضا مظلوم عبدي وإن لم يحضر الاجتماع.

وقال عبدي، مساء الأحد، إن الاتفاق مع الحكومة السورية جاء بهدف “حقن الدماء”، مؤكداً أنه سيتوجه إلى دمشق اليوم لاستكماله، على أن يتم الإعلان عن تفاصيله لاحقاً. وفي مقطع مصوّر نشرته قناة “روناهي”، ونقلته وكالة أنباء “هاوار” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” الكردية، قال عبدي إن المواجهات الأخيرة فُرضت على قواته منذ السادس من يناير/ كانون الثاني الجاري، رغم محاولات وقف الهجمات، وفق تعبيره. وأشار الى أن المواجهات أدّت إلى سقوط قتلى في صفوف القوات العسكرية والأمنية، إضافة إلى تهجير عدد من الأهالي. وأضاف عبدي أنه، وقبيل زيارته إلى دمشق، أراد توضيح عدد من النقاط، مؤكداً أن قواته ستواصل “المقاومة والنضال، وسيكون النصر حليفهم”، بحسب قوله، مضيفاً أن قواته اتخذت إجراءات لتجنّب اندلاع المواجهات، إلا أن “بعض الجهات كانت قد اتخذت قرار الحرب”، على حد قوله.

ووفق عبدي، فإنه سيتم التمسك بما وصفها “مكتسبات الشعب”، موضحاً أن قرار الانسحاب من الرقة ودير الزور، وإعادة التموضع في الحسكة، جاء في إطار السعي إلى وقف إراقة الدماء، لافتاً إلى أن تفاصيل الاتفاق مع الحكومة السورية سيتم الإعلان عنها بشكل أوسع بعد عودته من دمشق.

——————————–

اتفاق يوقف الحرب بين دمشق و«قسد»… وقائد كردي يطالب إسرائيل بالتدخّل/ هبة محمد

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، التوصل لاتفاق، برعاية أمريكية، مع قيادة “قوات سوريا الديمقراطية”، يقضي بوقف إطلاق نار شامل وفوري، وبسط سيطرة الدولة سياسيا وعسكريا على الرقة ودير الزور، واستلام المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وبدء تنفيذ ترتيبات لدمج عناصر “قسد” بشكل فردي في الجيش السوري، الذي سيتولى كذلك مسؤولية ملف سجناء تنظيم “الدولة الإسلامية” وعائلاتهم المحتجزين لدى الأكراد.

وأتى إعلان الاتفاق إثر لقاء الشرع في دمشق المبعوث الأمريكي توم براك الذي كان التقى السبت قائد “قسد” مظلوم عبدي في أربيل شمال العراق. كما جاء إثر تقدم القوات الحكومية في مناطق الجزيرة وتحقيق مكاسب على حساب “قسد”.

وقال الشرع “أوصي الآن في الوقت الحالي بوقف إطلاق النار بشكل كامل”. وأوضح “كنا اليوم على موعد مع السيد مظلوم عبدي، لكن بسبب الأحوال الجوية، تأخر الموعد إلى الإثنين، مضيفا “لأجل تهدئة الاوضاع ارتأينا أن نوقع الاتفاق من خلال الاتصالات” على أن يتم استكمال بحث التفاصيل الإثنين. براك اعتبر على منصة “إكس”: أن الاتفاق “يمثّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ يختار الخصوم السابقون الشراكة بدلاً من الانقسام”، مشيدا بجهود الطرفين “البنّاءة” لإبرام اتفاق “يمهّد الطريق أمام تجديد الحوار والتعاون نحو سوريا موحّدة”. ونشرت الرئاسة السورية على “إكس” نسخة عن الاتفاق مذيّلة بتوقيع الشرع وعبدي.

وحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، نصّ الاتفاق الذي جاء بـ14 بنداً، على وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية بشكل كامل وفوري.

وتضمن الاتفاق دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد إلى خزينة الدولة.

كما نصّ على دمج جميع العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ “قسد” ضمن هيكليتي وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي، وأيضا دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم “الدولة الإسلامية” والقوات المكلفة بحماية هذه المنشآت، ضمن مؤسسات الدولة السورية، لتتولى الحكومة المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنها.

وتضمّن الاتفاق اعتماد قائمة قيادات مرشحة مقدمة من قيادة “قسد” لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة.

ورحّبت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية بالاتفاق، معتبرة أنه خطوة مهمة نحو تعزيز وحدة سوريا واستقرارها وأمنها.

وبعد الإعلان عن توقيع الاتفاق، أعلنت وزارة الدفاع وقف إطلاق النار على كافة الجبهات مع تنظيم “قسد”.

وكانت منطقة الجزيرة السورية شمال شرقي البلاد قد شهدت تسارعا في التطورات، وسط انسحابات متلاحقة لقوات “قسد” من محافظتي الرقة ودير الزور، بالتزامن مع وصول القوات الحكومية، مدعومة بقوات عشائرية، إلى الأطراف الجنوبية لمحافظة الحسكة التي تضم أبرز معاقل “قسد”.

ودعا قائد وحدات حماية ‌الشعب ‌الكردية، سيبان حمو، خلال تصريحات لرويترز الولايات المتحدة للتدخل لوقف هجوم الجيش السوري.

ونفى تلقي وحدات “حماية الشعب الكردية” أي دعم من إيران أو روسيا، وعبر عن أمله في أن تتدخل إسرائيل لصالح الأكراد في سوريا.

وقال حمو “طبعا نعتبر ‌أن إسرائيل دولة قوية في المنطقة ولها مشروع قي الأول والأخير، نحن نتمنى أن الموقف الذي أخذته بلدان المنطقة تجاه بعض الأقليات في سوريا يكون نفس الموقف للكرد كمان. نتمنى ذلك”.

ولدى سؤاله حول ما إذا كان يشير إلى موقف إسرائيل من الأقلية الدرزية الصيف الماضي، عندما شنت إسرائيل غارات جوية على وزارة الدفاع وقرب القصر الرئاسي في دمشق وعلى القوات السورية المتقدمة نحو المدن الدرزية، أجاب حمو قائلا “طبعا”.

القدس العربي

————————-

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى