نصائح سعودية لدمشق: احتواء الأقليات والإصلاح السياسي/ مصطفى محمد

الاثنين 2025/08/04
كشفت مصدر سوري مقرب من دوائر القرار السعودية، لـ”المدن”، أن الحكومة السورية تلقت توصيات ونصائح من المملكة العربية السعودية، متعلقة بضرورة الإصلاح السياسي ومشاركة الأقليات في الحكم، وذلك بهدف الخروج من حالة عدم الاستقرار في البلاد.
وقال المصدر إن التوصيات سُلمت إلى دمشق، وتتعلق بضرورة احتواء الأقليات في سوريا، من خلال منحهم بعض المناصب القيادية في الدولة السورية. وأضاف أن النصائح تهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين الحكومة السورية، لإدارة البلاد بكفاءة أعلى، والتركيز على تحسين الجانب الاقتصادي، الأمر الذي لا بد منه للاستقرار.
وأوضح المصدر أن النصائح السعودية التي سُلمت لدمشق، تعبر كذلك عن وجهة نظر الأردن، خصوصاً أن الأخيرة يهمها كثيراً استقرار الجارة سوريا.
إقصاء المتشددين
من جهة أخرى، أكد المصدر أن الرياض نصحت دمشق بإبعاد الشخصيات الإشكالية عن المناصب القيادية، خصوصاً المتشددة منها، نزولاً عند هواجس الأقليات السورية، والولايات المتحدة والغرب.
وقال إن السعودية تعتقد أنه بإمكان دمشق إعطاء مناصب هامة لأبناء الأقليات السورية، لضمان مشاركتهم في الحكم، وكذلك امتثالا للمطالب الأميركية، على اعتبار أن الرياض هي الضامنة للإدارة السورية أمام واشنطن.
ووفق المصدر، فإن أحداث العنف التي شهدتها السويداء ذات الغالبية الدرزية، أضرّت كثيراً بصورة الإدارة السورية في أميركا، غير أن الوقت لا يزال سانحاً لتجاوز ارتدادات الفترة الماضية.
هل تستجيب دمشق؟
لكن لا يبدو للمصدر أن دمشق مستعدة للامتثال لكل النصائح السعودية. وقال: “السلطة السورية تتسم بالعناد عندما يتعلق الأمر بشكل الحكم، والاقتراب من أي إجراء يضعف الحكم المركزي”.
لكن موقف السعودية ودعمها القوي لدمشق قد يدفع بالحكومة السورية إلى الاستماع لتوصيات الرياض، التي تعزز من حضورها في البلاد.
وتعتزم السعودية استئناف استثماراتها في سوريا بنحو 4 مليارات دولار، بعد توقف المشاريع السعودية في سوريا منذ 12 عاما، حسبما ما أفادت مصادر سعودية رسمية، موضحة أن الرياض تعتزم المساهمة في قطاعات الزراعة والصحة والتعليم والبناء والعقارات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة والتجارة والتصنيع.
وبذلك، يبدو أن السعودية مصرة على النهوض بسوريا، مستندة على العلاقات القوية التي تربطها مع الإدارة السورية، وعلى حاجة الأخيرة للدعم الاقتصادي والسياسي.
علاقة “جيدة” مع “قسد”
كذلك، يمكن للرياض أن تلعب دوراً مفصلياً في نزع فتيل توتر محتمل بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تربطها علاقات مع السعودية.
ويدل على ذلك، ترحيب قائد “قسد” مظلوم عبدي، بأي دور سعودي إيجابي يمكن للرياض أن تلعبه في حال دخولها كوسيط مع الحكومة السورية، وذلك في مقابلة أجراها مع قناة “العربية”، الأسبوع الماضي.
وتشير قراءات سعودية إلى أن الرياض تعتمد في مقاربتها للملف السوري، على السياسة والأمن والاقتصاد، وتعتقد أن استقرار سوريا لا ينعزل عن استقرار المنطقة برمتها، ما يدفعها إلى الاهتمام بإدارة سوريا في هذه المرحلة الصعبة والحساسة.
المدن
جهدٌ سعوديّ من أجل سوريا موحّدة ومستقرّة/ حسن المصطفى
منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، برز زخم سعودي واضحٌ حيال سوريا، يتخذ أشكالاً متنوعة في الدعم: إنسانياً، سياسياً، أمنياً، واقتصادياً، مبنيٌ على اقتناع لدى الرياض بأن وجود الفراغ في دمشق سيؤدي إلى تحولها “دولة فاشلة”، ما يجعل الكيان السوري بكلّه مهدداً بالفوضى والتقسيم على أسس عرقية وطائفية! من هنا، فإن زيارة الوفد السعودي الرفيع المستوى بتوجيه من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للعاصمة السورية دمشق، في 23 تموز/يوليو 2025، برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح، ليست مجرد خطوة ديبلوماسية أو اقتصادية عابرة، بل تمثل استمرارية للعقيدة السياسية للمملكة، التي ترتكز على التفاهم والتعاون والعمل الاستباقي. الوفد الذي ضم أكثر من 130 رجل أعمال ومستثمر سعودي، وصل إلى سوريا في ظروف أمنية معقدة، عقب الاشتباكات الدامية في محافظة السويداء، وما شابها من توترات طائفية راح ضحيتها عدد من المدنيين الأبرياء، وتزامنت مع ضربات عسكرية إسرائيلية على وزارة الدفاع السورية ومواقع أخرى. وبينما تبقى التحديات كبيرة أمنياً واقتصادياً، قد تمهد الإرادة السعودية السياسية الواضحة الطريق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء في سوريا، خصوصاً أن الرياض مهتمة بشكل كبير بعدم وجود فراغ سياسي في دمشق، وبأن تكون هناك عملية سياسية ناجحة تحفظ الدولة السورية من الانهيار، وتمنع تحولها إلى ساحة للميليشيات المسلحة. السعودية، بما تمارسه من ديبلوماسية نشطة أقنعت الإدارة الأميركية برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ودفعت نحو انخراط النظام الجديد في دمشق ضمن محيطه العربي، ومن هنا تبدو الرياض في موقع مثالي لقيادة هذا التحول التدريجي، ليس لمصلحة سوريا فحسب، بل أيضاً لإعادة صوغ النظام الإقليمي بأكمله على أسس صلبة! هذا التوجه السعودي في السياسة الخارجية، يراد منه ألا تكون سوريا ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، وأحد البوابات الرئيسة للحد من الصراعات، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وأن تكون هنالك بنية تحتية تتيح لهم الحصول على الخدمات الضرورية اليومية: الصحة، التعليم، المواصلات، الاتصالات… وسواها؛ إضافة إلى قدرة الحكومة على الحد من التضخم وغلاء الأسعار والبطالة. إجمال الاستثمارات السعودية المعلن عنها حديثاً في سوريا بلغ نحو 6 مليارات دولار، خلال المؤتمر الذي عقد في تموز 2025، مقارنة بـ 2.8 مليار دولار قبل عام 2011. هذا الانخراط السعودي السياسي والاقتصادي يهدف إلى تعديل التوازنات، من دون صدام مباشر مع الحلفاء التقليديين السابقين لنظام بشار الأسد، كإيران وروسيا، ومن دون الدخول في صراع حادٍ مع جيران لهم مصالح في سوريا كتركيا وإسرائيل. إعادة إعمار سوريا، هي الهدف الأهم في المرحلة المقبلة، وتوفير بيئة مدنية مستقرة يحكمها القانون العادل، تحتكر فيها الدولة السلاح، وتمارس فيها الحكومة الإدارة بعيداً من المحاصصة الطائفية والعرقية، كل ذلك سيجعل المستثمرين يثقون بالسوق السورية، ويتشجعون على القدوم. الحكومة السورية تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة، في الحد من الميليشيات المسلحة وإنهاء النزاعات الطائفية والإثنية والتجاوزات حيال المدنيين، والدخول في حوار عملي شفاف يقود إلى بناء هوية وطنية جامعة يشعر جميع السوريين أنهم جزء منها. السعودية قامت وتقوم بأدوارٍ إيجابية كبيرة نحو سوريا وأمنها واستقرارها ونجاح التجربة الجديدة فيها، إلا أن تحقيق فوائد هذه “الاتفاقات التجارية” يبقى مرتبطاً بتحقيق الاستقرار الداخلي، وتأمين بيئة شفافة، وإشراك المجتمع المدني السوري في المراقبة والتنفيذ، لكي يكون أيضاً المستثمرون المحليون والمواطنون جزءاً من عملية الإصلاح وبناء الدولة المدنية.
النهار العربي



