المقاتلين الأجانب و داعش في سوريةالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن جريمة تفجير المصلين في كنسية مار إلياس في حيّ الدويلعة جنوبي دمشق

تحديث 15 تموز 2025

 دفاعا عن سوريا التعدّديّة، لا عن البطريرك يوحنا العاشر/ محمد علي الأتاسي

4 تموز 2025

لم تكن الكلمة المرتجلة لغبطة البطريرك يوحنا العاشر يازجي في تابين شهداء التفجير الانتحاري في كنيسة مار الياس في حيّ الدويلعة في مدينة دمشق، هي الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يتخذ فيها رأس بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ومقرّها دمشق، موقفاً عالي النبرة، سياسياً وإنسانياً بشأن الأحداث المصيرية التي تخصّ بلاد الشام عموماً، وسوريا خصوصاً.

لكنّ هذه الكلمة التي حملت مطالب سياسية واضحة تخصّ إرساء الديموقراطية ودولة المواطنة، وتضمّنت عبارات نقدية حادّة بحق الرئيس أحمد الشرع وحكومته، أثارت عاصفة من ردود الفعل المستنكرة لمضمونها في الأوساط القريبة من الحكومة أو في بعض الأوساط المؤيدة للثورة السورية، تارةً بحجة ضرورة عدم تدخّل رجال الدين بالسياسة، وتارةً اعتراضاً على ماضي البطريرك اليازجي على رأس الكنيسة، والذي تضمن الحفاظ على العلاقات البروتوكولية مع رأس الدولة السورية خلال كل سنوات القتل والمجازر بحق الشعب السوري، وسكوته المديد عن هذه الجرائم المروعة بحق المدنيين العزل، ويقظته السياسية المستجدة عندما طال الإرهاب الأسود رعايا كنيسته أثناء تأديتهم للصلاة في كنيسة مار الياس.

سنتناول قضية صمت البطريرك اليازجي على جرائم النظام في الجزء الثاني من هذه المقالة.

أمّا في ما يخص الرأي الذي يقول بضرورة إبقاء رجال الدين بعيدا عن السياسة، فإن هذا الرأي يكون محقاً إذا كان يعني إبقاء رجال الدين بعيداً عن التدخل المباشر في الحقل السياسي وأحزابه وبرامجه وانتخاباته ودهاليزه وضرورة الامتناع عن الانحياز لطرف من الأطراف السياسية المتصارعة، لكن ليس من حق أحد أن يصادر على رجل الدين حقه في أن يكون له رأي سياسي محدّد يعبّر عنه كمواطن في صندوق الاقتراع وفي الفضاء العام. فكيف إذا كان لبعض رجال الدين اعتبارات ومناصب مؤسساتية تفرض عليهم في بعض الأحيان تصدير مواقف واتخاذ قرارات تحمل أبعاداً سياسية واضحة لا يمكن تجاهلها.

لقد لعب الكرسي البطريركي للروم الأرثوذكس في أنطاكية وسائر المشرق دوراً سياسياً واجتماعياً وروحياً بارزاً منذ نهاية القرن التاسع عشر، تاريخ تعريبه وعودة أبناء المشرق لتبوّؤ سدّة الرئاسة فيه. وهذا لا يعود فقط لكون طائفة الروم الأرثوذكس هي الطائفة المسيحية الأكبر في هذا المشرق، ولكن للدور الرئيس الذي لعبه أبناؤها مع إخوتهم من الروم الكاثوليك في النهضة الفكرية التي شهدتها منطقتنا منذ نهاية القرن التاسع عشر، وخصوصًا مع وصول البطريرك غريغوريوس الرابع حداد لسدة رئاسة الكرسي البطريركي في الفترة الممتدة بين العامين 1906 و1928، حيث كان لهذا البطريرك مواقف إنسانية وسياسية مشهودة، سواء لجهة مساعدة ضحايا المجاعة من مسلمين ومسيحيين في سوريا ولبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، أو في وقوفه إلى جانب الأمير فيصل والحكومة العربية في وجه سلطات الانتداب الفرنسي. كما كان لخلفه البطريرك الياس الرابع معوض الذي تبوّأ سدة الكرسي البطريركي بين العامين 1970 و1979، مواقف مشهودة في الدفاع عن عروبة القدس وضرورة إبقائها مدينة مفتوحة لجميع الأديان.

أما البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، ابن مدينة محردة الذي كانت فترة تبوُّئه الكرسي البطريركي الأطول بين أقرانه وامتدت من العام 1979 الى العام 2012، فقد تميز بجرأته في قول الحق وبثقافته الفلسفية الموسوعية وإطلاعه المعمق على الفكر الإسلامي الكلاسيكي، واعتداده بكنيسته الأرثوذكسية التي كان يعتبرها أمّ الكنائس المشرقية.

البطريرك هزيم والوكالة السوريّة للإعلام (سانا)

لقد كان لي أثناء كتابتي في ملحق النهار ونشاطي في فترة ربيع دمشق بداية الألفية الثانية، شرف لقاء البطريرك والتعرّف عن قرب على وطنيته الصادقة واختبار جرأته الفذّة. ولي قصّة معه جديرة بأن تروى هنا.

ففي أعقاب وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي ذروة مراسم التأليه التي أحاطت بموته وصولاً لتوريث الحكم لابنه، دُعيَ البطريرك هزيم إلى جانب عدد من الضيوف لإلقاء كلمات قصيرة في الحفل التأبيني الذي أقيم في القرداحة في ذكرى الأربعين لرحيل الأسد الأب بتاريخ 22 تموز 2000 وبثه التلفزيون السوري على الهواء مباشرة. تتالى الخطباء على المنبر لتقديم طقوس التبجيل والرياء للرئيس الراحل ولإظهار الولاء الكاذب للرئيس المقبل بشار، ثمّ جاء دور البطريرك هزيم الذي صعد بهدوء إلى المنبر وبدأ كلامه متوجّهاً للرئيس الشاب يومها بالقول: في ظننا أنك تريد أن يعرف المواطنون انك تريد أن تكون الإنسان مع الناس لا المتعالي والمترفّع أو كما يريد البعض المتألِّه.

أما بخصوص الرئيس الراحل الذي لم ينفك أتباعه عن تأليهه، وعلى رأسهم الشيخ البوطي الذي كان حاضراً يومها الحفل، فأهمّ ما قاله البطريرك هزيم بحق الرئيس الراحل هو الآتي: وفي الأخير يقف الانسان أمام خالقه وتقف أعماله بجانبه فيراها وتخاطبه لكي يتعرف إليها ويقر بها أمام من لا يخفى عليه شيء وهي التي تدينه.

وفي اليوم التالي تصدرت صفحات الجرائد السورية كلمات الخطباء كما وزعتها عليهم الوكالة السورية للأنباء، لنكتشف أنه تم التلاعب بنص كلمة البطريرك هزيم. فاختفت عبارة «كما يريد البعض المتأله» من النص، أما كلمة «تدينه»، فقد فهمها محرّر سانا بمعنى الإدانة السلبي وقرر تحويرها لتصبح «وهي التي تديره»!

استشاط البطريرك هزيم غضباً على تجرّؤ وكالة سانا على التلاعب بأقواله، وبعث بنص كلمته كما سمعها ملايين السوريين إلى صديق دراسته الجامعية غسان التويني الذي نشرها كاملةً بعد عدة أيام في جريدة النهار. وكتبتُ مقالاً صغيراً نشرتُه في ملحق النهار بتاريخ 18 آب 2000 بعنوان «بين البطريرك هزيم والوكالة السورية للأنباء»، وضّحت فيه الحادثة وبيّنتُ فيه كل المقاطع التي تم فيها التلاعب بكلام البطريرك.

لم يمضِ عام على هذه الواقعة، حتى تكرّرت من جديد، وعادت الوكالة السورية للأنباء للتلاعب بكلام البطريرك هزيم، محوِّرةً ومبدِّلةً في عظة عيد الفصح التي ألقاها في الكنيسة المريمية في دمشق بتاريخ 16 نيسان 2001. فقد نسبت الوكالة للبطريرك هزيم أقوالا لم تصدر عنه وحذفت أهمّ مقطع في كلمته، وهو الذي احتجّ فيه ضمنياً على حالة الجمود السياسي التي أدخل فيها بشار الأسد البلد بحجة الاستقرار:

أنا لا أفهم أولئك الذين يتكلمون بالجمود ويتكلمون بالاستقرار بحجة أن ذلك مريح… لا خوف من التبديل، لا خوف من التغيير، لا خوف من أن نرى الأشياء في كل ساعة تتطلب منا عقلا جديداً، فكراً جديداً، تصوراً جديداً، ورؤية جديدة من هذا العالم. لا سمح الله أن نكون في حال استقرار أي في حال جمود. وحدها المقبرة مستقرة…

ومرّةً أخرى، بعث البطريرك نص كلمته الكاملة إلى جريدة النهار، ونشرتُ بدوري مقالاً في ملحق النهار تحت عنوان «بين البطريرك هزيم ووكالة الأنباء السورية، مرة أخرى»، بيّنتُ فيه من جديد المقاطع التي تمّ حذفها من كلمته والعبارات التي أُقحِمت عليها.

في حضرة غبطة البطريرك هزيم

في أعقاب اعتقالات ربيع دمشق، زرت المدينة آتياً من بيروت في العام 2002 وكان جو الصمت والخوف قد بدأ يسود من جديد في أوساط المثقفين والمعارضين السياسيين، ولم أجد سوى الثمانيني الرائع الأستاذ أنطون مقدسي الذي وافق على التحدث بجرأة وعلانية منتقداً الاعتقالات وجو الترهيب الذي حاول بشار الأسد فرضه على المجتمع. وفي أحد الأيام كنت أمشي محبطاً من الجو السياسي الخانق لأجد نفسي أمام الكاتدرائية المريمية في الشارع المستقيم، فطرقت بابها من دون موعد مسبق وطلبت لقاء البطريرك هزيم، الثمانيني الآخر في المدينة الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، وكان لي ذلك في صباح اليوم التالي لأتفاجأ أنني بحضرة رجل، واسع الثقافة، متّقد الذهن، عزيز النفس، يحمل على كاهله ميراث انطاكية وسائر المشرق الذي يخصّ مسلمي هذه البلاد كما مسيحييها، ويحمل هذا الرجل الكثير من المرارة والغضب على الأسد الأب، كما الابن، لما آلت إليه حال البلاد والعباد. بدأ البطريرك هزيم بالكلام واستأذنت منه أن أدوّن على دفتري بعض رؤوس الأقلام، وافق بشرط تأجيل النشر لمرحلة لاحقة.

سأسمح لنفسي هنا بإيراد بعض ما دوّنته على لسان البطريرك هزيم، لأن فيه الكثير من العبر والمعاني لما نحن فيه اليوم.

يشير البطريرك هزيم الى ان مشكلتنا هي في الديكتاتوريات، ويضيف قائلا هناك من يقول لك أنهم معصومون. وهذا لا يجوز، بحسب البطريرك، لأنه ليس هناك إلا الله هو المعصوم، يجب أن لا نؤلّه غير الله. الناس اليوم، بحسب البطريرك هزيم، فئتان: فئة إسمها المحكومون، وفئة إسمها الحكام، وهم أنصاف الله من طريقهم يقال الحق والباطل. أما فئة المحكومين وعموم الناس، فطريقهم وحياتهم كلها هي العمل والكدح والركض وراء لقمة العيش.

ويشير غبطة البطريرك إلى أنهم عملوا البلد طبقتين: طبقة تأخذ كل شيء وطبقة تشتغل ولا تفتح فمها، وكأنها بحالة عبودية. ويضيف غبطته أنه بات هناك طبقية وهرمية من نوع معين تشبه منطق السيد والعبد، والعبد يجب أن يلتزم حدوده، وهذا لا يعمل وطناً. لذلك ضعفت فكرة الوطن، بعد أن كان الجميع أخوةً.

ويتساءل البطريرك هزيم لماذا أُحبّ ربَّكم ستالين وأترك ربّي. وربّي لم يعمل سجوناً ولم يقتل أحداً، ويضيف: زادت السجون والمعتقلات ولم تزد المدارس. نحن مع المواطن وليس مع الحكومات. فالحكومات كل يوم شكل، ونحن لا نتغير.

ويشدّد البطريرك أنهم كانوا يقولون لنا: ويلنا إذا تغيّر هذا الحكم، لأنه سيكون هناك حكم الإخوان المسلمين. ويقولون لنا إنّ حكم الأقلية يتضامن مع بقية الأقليات، وإذا جاءت الأكثرية فهي سنّية. ويضيف هذا كله لم يقدر أن يجرفنا ولم نمشِ به على الإطلاق.

ويؤكد البطريرك هزيم: أنا قلت لهم أنا مع البلد، ومع مَن هو مع البلد. نحن لم نكن مع حزب ولا نريد أن نكون حزباً. فالأحزاب هي وسائل وليست غايات. أنا ميّال لشو ما كان ما عدا أن نبقى كما نحن. أنا أريد أن أرى الإنسان حرّاً. يتحرّك ويعبّر عن رأيه بحرية. لأنه بدون الحرية لا يوجد فضيلة ولا يوجد إنسان.

أما بخصوص حال الإسلام في عصرنا الراهن، والبطريرك هزيم كان من الملمّين بالدراسات الإسلامية، فيقول البطريرك: من طفولتي والناس يللي بتقعد مع أبي هم جيراننا المسلمون. أول رفاقي بالحارة في المحردة هم الأولاد المسلمون. أفتقد الإسلام الذي أعرفه، عندما أرى المحطات الإسلامية بما فيها من هجوم وانتقاد وتجييش، وكأن الناس جميعا ليسوا من خلق الله!

ويضيف البطريرك محتجّاً على صعود التيارات الإسلامية المتطرفة: دعونا ننصف الإسلام، اتركوا الإسلام لنا. الإسلام الذي تقدمونه، تدفعون به المسلمين للقتال، بينما الإسلام لم يأتِ ليجعل الناس يتقاتلون. هو يحمل رسالة للإنسان للمشاركة بالحياة.

أما عن حاله وهو المقيم في دمشق وعلاقته بالسلطة الاسدية، فيشير البطريرك إلى انه يجب أن يشعر الإنسان أنه مقبول ومرحب به في وطنه. في لبنان أحس نفسي حرّاً لأني أستطيع أن أحكي، أما في سوريا، فلا أستطيع أن أسمع صوتي في الإذاعات ولا أن أطلع على التلفزيون. في التلفزيون لا ترى صورتي إلا مرّةً أو مرّتين بالسنة عندما يبعث لي القصر وزير شؤون رئاسة الجمهورية للتهنئة في الأعياد، بدلاً من أن يأتي الرئيس بنفسه للتهنئة في هذا الصالون البطريرك الذي استقبل في تاريخه الكثير من الملوك ورؤساء الدول.

ولدى سؤالي البطريرك لماذا لا يدعونك لتحكي وتوصل صوتك إلى السوريين؟ كان جوابه: هذا سؤال لك وليس لي.

البطريرك يوحنا العاشر يازجي والسلطة الأسديّة

الوزيرة هند قبوات مع البطريرك يوحنا العاشر.

انتُخب البطريرك اليازجي لتبوُّؤ سدّة الكرسي البطريركي الأنطاكي نهاية العام 2012 وتولى مهامه في نيسان 2013  في لحظة مشحونة سياسياً شهدت توحّش النظام في مواجهة الثورة وبيئاتها الحاضنة، كما تم فيها بتاريخ 22 نيسان 2013 اختطاف مطرانَيْ حلب للروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس من مناطق سيطرة جبهة النصرة شمال حلب، وبينهما شقيقه المطران بولس اليازجي، ولا يزال إلى اليوم مصيرهما مجهولا. وتبع ذلك اختطاف راهبات دير مار تقلا الأرثوذكسي في بلدة معلولا نهاية العام 2013 على يد جبهة النصرة، ليتمّ الإفراج عنهنّ بعد ثلاثة أشهر في صفقة تبادل للأسيرات والرهائن من النساء لدى النظام السوري.

منذ البداية، لم يحد البطريرك يوحنا العاشر عن ميراث أسلافه البطاركة في الحفاظ على العلاقات الرسمية والبروتوكولية مع الدولة السورية التي تستضيف عاصمتُها مقرّ الكرسي البطريركي لأنطاكية وسائر المشرق. لكنه، على عكس البطريرك هزيم الذي- وإن لم ينتقد السلطة السياسية علناً- حرص على حماية استقلالية الكنيسة وعلى التمايز عن السلطة الأسدية والامتناع عن تقديم أي دعم سياسي مباشر لها، ذهب البطريرك يوحنا العاشر إلى الرهان الخاطئ على حماية الدولة السورية، ممثَّلةً بالسلطة الأسدية، للمسيحيين في وجه الأخطار الوجودية التي باتت تهدّدهم، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ مواقف تتلاقى مع الخطاب الرسمي، سواء لجهة رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا ورفض كل أشكال التدخل الأجنبي، إذا لم يأتِ بطلب من الدولة السورية. كما أنه لم يتوانَ في عظاته عن شكر الدولة ورئيسها ومؤسساتها وجيشها في كل مناسبة وطنية أو دينية لدورهم في الحفاظ على وحدة البلاد.

نعم، لقد أخطأ غبطة البطريرك اليازجي في الرهان على حماية الدولة السورية للمسيحيين، في ظل سلطة يتولاها مجرم فاسد من مثل بشار الأسد. لكنه في كل هذا، حافظ على مكانة الكرسي البطريركي وعلى كرامته الشخصية وأبقى على مسافة معينة من النظام وخطابه الإقصائي وممارساته الإبادية، ولم يذهب بعيداً في تمجيد وتبجيل رموز السلطة، ولم يقدّم فروض الطاعة والولاء المذلة لشخص بشار الأسد على جري عادة بعض رجال الدين المسيحيين والمسلمين في سوريا الأسد، من أمثال الشيخ البوطي والمفتي حسون والمطران لوكا الخوري والأب الياس زحلاوي.

نعم إنّ من حق السوريين اليوم، مسلمين ومسيحيين، أن يُسائلوا البطريرك يوحنا العاشر، ويطلبوا منه توضيحات بشأن مواقفه الملتبسة من النظام الأسدي، لكنّ هذا لا يجعل من غبطة البطريرك شريكاً للنظام في جرائمه بحق الشعب السوري، وهذا لا ينزع بأي شكل من الاشكال المشروعية عن مواقفه الوطنية والسياسية المستجدّة بعد وصول جبهة النصرة إلى الحكم في سوريا.

البطريرك يوحنا العاشر يازجي والسلطة الجديدة

بعد أيام قليلة من سقوط النظام الأسدي، ألقى البطريرك يوحنا العاشر يازجي بتاريخ 15 كانون الأول 2024، عظة دينية في كنيسة الصليب المقدس في دمشق، ضمّنها مواقف سياسية مستجدة عبّرت بوضوح عن تغيير جذري ومبشِّر في موقف رأس الكنيسة الأرثوذكسية وتبدّل في جدول أولوياته باتجاه الانخراط  بفاعلية أكبر في الحوار الوطني بخصوص هوية البلد ومستقبله السياسي، وضرورة قلب صفحة الماضي التي كان البعض فيها يظن أن الاستبداد هو حامي الأقليات، في حين بات واضحا اليوم أن الديمقراطية ودولة المواطنة هي الضامن الحقيقي لكل فئات المجتمع.

ففي هذه الكلمة التاريخية بامتياز، أكّد البطريرك اليازجي على أن البلد على أعتاب مرحلة جديدة وأن المسيحيين ليسوا ضيوفا في هذه الأرض، بل هم من أساس تكوينها، وأن سوريا التي يريدها هي سوريا دولة المواطنة وسوريا دولة العيش المشترك والسلم الأهلي وسوريا دولة القانون واحترام الأديان، وسوريا دولة احترام الحريات الجماعية منها والفردية، وسوريا دولة احترام حقوق الإنسان وضمان استقلالية القضاء، وسوريا دولة الديمقراطية: حيث السيادة للشعب، والقانون هو الحَكَم، ويتم تداول السلطة فيها بطرق سلمية. وختم البطريرك عظته بالتأكيد على أن الضامن الأول والأخير لتحقيق كل ما ذُكر هو الدستور، ولذلك يجب أن تكون عملية صياغة الدستور عمليةً وطنيةً شاملةً وجامعة.

للأسف الشديد، فإن هذه الكلمة الوطنية الجامعة لغبطة البطريرك، لم تلقَ من السلطة الجديدة آذاناً صاغية، وكان مصيرها التطنيش والتجاهل، كمصير الكثير من الدعوات والبيانات التي حاولت عبثاً تبنّي ذات المطالب وتنبيه السلطة القائمة بضرورة المشاركة السياسية والمجتمعية في بناء الدولة الجديدة وصياغة الدستور القادم. وكانت النتيجة أن تمّ الاستعاضة عن ذلك بمؤتمرات معلبة ومشروعية ثورية مفترضة ولجان معينة من الأعلى بعيداً عن أي تمثيل شعبي، وصولاً الى إعلان دستوري مطبوخ في الدوائر الضيقة يفتقد الى ألف باء النصوص الدستورية الناظمة للمراحل الانتقالية.

ومع اندلاع أحداث الساحل وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزَّل، وفي 8 آذار 2025، أصدر البطاركة الانطاكيون المشرقيون الثلاثة (مقرّهم دمشق)، وهم على التوالي بطاركة الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والسريان الأرثوذكس، بياناً مقتضباً أكدوا فيه:

أنّ الكنائس المسيحية، إذ تدين بشدة أي تعدٍّ يمسّ السلم الأهلي، تستنكر وترفض المجازر التي تستهدف المواطنين الأبرياء، وتؤكد على ضرورة وضع حدٍّ لهذه الأعمال المروعة التي تتنافى مع كل القيم الإنسانية والأخلاقية. كما تدعو الكنائس إلى الإسراع في توفير الظروف الملائمة لتحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب السوري، والعمل على تأمين مناخ يسمح بالانتقال إلى دولة تحترم جميع مواطنيها، وتؤسّس لمجتمع قائم على المواطنة المتساوية، والشراكة الحقيقية، بعيدًا عن منطق الانتقام والإقصاء.

كما ناشدوا فيه بكل وضوح الجهات المعنية، داخل سوريا، لتحمل مسؤولياتها في إيقاف دوامة العنف، والسعي نحو حلول سلمية تحفظ كرامة الإنسان وتصون وحدة الوطن.

لكن جرس الإنذار الجديد هذا، ذهب بدوره أدراج الرياح، وذهبنا من مجازر الساحل الى الاقتتال والانتهاكات في جرمانا وأشرفية صحنايا، ومضت السلطة الجديدة في محاولتها الإمساك بزمام الدولة والمجتمع بعيدا عن أي مشاركة أو شفافية أو محاسبة، اللهم الا محاسبة الناس في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم والتضييق عليهم في أمور حياتهم الخاصة وحرياتهم الفردية.

البطريرك يوحنا العاشر وتفجير الكنيسة والوكالة السورية للأنباء

كنيسة مار الياس في اعقاب التفجير الانتحاري.

مَن يعتقد أن تفجير الانتحاري لنفسه في كنيسة مار الياس أتى من فراغ؟ يكفي لمن شاهد في الشهور الأخيرة سيارات الدعوة السلفية تجوب المناطق المسيحية، ولمن سمع وشاهد فيديوهات الجهاديين المنتشرين على كامل التراب السوري والتي تتوعد من تسميهم «عبدة الصليب» بالحساب، ولمن عاين بأمّ عينه حال سكان الأحياء المسيحية في المدن السورية وحالة التوجس والقلق التي كانوا يعيشونها في ظل انتشار المظاهر المسلحة غير المنضبطة بين ظهرانيهم، يكفي كل هذا ليدرك أن فاجعة تفجير الكنيسة كان من الممكن تجنّبها، وكان من الممكن قطع الطريق على من يريد زعزعة السلم الأهلي بسوريا، لو تم الاستماع لهواجس المسيحيين وقياداتهم الروحية والمجتمعية. 

من هنا يمكن تفهُّم غضب البطريرك يوحنا العاشر في كلمته المدوّية في كنيسة الصليب المقدس أمام جثامين الشهداء الذي سقطوا في هذا التفجير الإرهابي.

غضبَ البطريرك لأن السلطة القائمة لم تعِر تحذيراته ومطالبه المحقّة في الشهور السابقة أي اهتمام.

غضبَ البطريرك لأنّ الجيش يُنشأ والوزارات تُشكَّل والبيان الدستوري يُكتَب والنقابات تُعلَّب ومجلس الشعب يُعيَّن، بعيداً عن أي مشاركة شعبية وبعيداً عن أي تشاور مع الشخصيات السياسية والنقابية والدينية ذات الصفة الاعتبارية في مجتمعنا.

غضبَ البطريرك لأن دم أبناء طائفته الأبرياء سال بتفجير انتحاري اثناء تأديتهم للصلاة في حضرة الله.

غضبَ البطريرك لأن الرئاسة السورية في بيان تعزيتها لم تمنّ عليهم حتى بلقب الشهداء.

غضبَ البطريرك لأن السلطة السورية لم تخصّص يوم حداد واحداً على أرواحهم.

غضبَ البطريرك لأن السلطة الحالية لم ترسل الى موقع الجريمة سوى الوزيرة المسيحية الوحيدة السيدة هند قبوات التي تفتقد أصلاً لأي صفة تمثيلية او شعبية في بيئتها المسيحية، فكيف في حقيقة تمثيلها للدولة السورية.

المؤسف والمخزي أنّ كلمة غبطة البطريرك يوحنا العاشر الجريئة والغاضبة، لم يتمّ فقط قطع البث المباشر عنها عندما تناولت بالنقد السلطة الحالية، لا بل أن وكالة الأنباء السورية (سانا) عادت لممارساتها الأسدية القديمة مع البطريرك هزيم، وتلاعبت في مضمون الكلمة عند صياغتها للخبر الصحفي بخصوص جناز الشهداء في الكنيسة، مفرِّغةً الكلمة من أي نقد تجاه السلطة ورئيسها ونسبت للبطريرك عبارات كاملة لم يقلها ولم تأتِ على لسانه. فخبر

السورية للأنباء يشير الى أن البطريرك يوحنا العاشر قال في كلمته، إنّ ما جرى في الدويلعة لا يمثل سوريا ولا ينسجم مع أخلاق أبنائها، واصفاً العمل الإرهابي بأنه مرفوض من جميع الديانات والمبادئ الإنسانية، ومشدداً على أن المسيحيين والمسلمين في سوريا يشكّلون نسيجاً اجتماعياً واحداً لا يمكن تمزيقه. وأضاف: إن هذه الأفعال لن تنال من وحدتنا، وإن وجود الجميع اليوم في هذه الصلاة يحمل رسالة دعم وعزاء لأهالي الضحايا ولكل السوريين، كما دعا إلى الثبات في الإيمان وعدم الخوف، مستشهداً بقول السيد المسيح: أنا في وسط الكنيسة ولن تتزعزع.

طبعاً يستطيع أيّ شخص ان يعود الى تسجيل فيديو كلمة البطريرك الكاملة، والذي بات متاحاً على الإنترنت، ليكتشف أن معظم هذه العبارات التي وردت في خبر وكالة سانا لم ترد أساساً على لسان غبطة البطريرك. أما مخاطبة البطريرك الحقيقية، فهي في

للرئيس الشرع وقوله:

سيادة الرئيس، تكلمتم البارحة هاتفياً مع سيادة الوكيل البطريركي لتنقلوا لنا عزاءكم. لا يكفينا هذا. أنتم مشكورون على المكالمة الهاتفية. ولكن الجريمة التي تمت هي أكبر وتستحق أكثر من مكالمة. نأمل أن تعمل الحكومة على إنجاح أهداف الثورة التي هي كما قلتم وقال الجميع: الديمقراطية، الحرية، المساواة والقانون. هذا ما ننتظره وما نريده وما نعمل من أجله.

فهذا بالضبط ما لم تورده الوكالة السورية للأنباء، لأن ما ينتظره ويريده ويعمل من أجله أغلب فئات الشعب السوري بعد نصف قرن من الاستبداد هو «الديمقراطية والحرية والمساواة والقانون». وهذا على ما يبدو ما لا تريد أن تراه ولا أن تسمعه ولا أن تعمل من أجله السلطة الحالية ووكالة أنبائها «السوريّة».

ميغافون

——————————–

تحديث 29 حزيران 2025

——————————–

لكن، هل تتحمّل السلطات السورية مسؤولية هجوم مار الياس؟/ ملاذ الزعبي

26.06.2025

الحادثة تشير مجدّداً إلى فشل مركّب لسلطات دمشق في إدارة البلاد عموماً، مع انقضاء أكثر من ستّة أشهر على سقوط نظام الأسد، وفي التعامل مع الهجوم وما قد يتبعه خصوصاً.

من المستبعد جداً أن يكون للسلطات السورية أي دور في الهجوم المروّع الذي استهدف كنيسة مار الياس في حيّ الدويلعة في دمشق، ومن غير المرجّح بصورة كبيرة أن يكون لعناصر ضمن بنية النظام الأمنية الجديدة، دور في التخطيط لهذه العمليّة أو تنفيذها. وكذلك تبدو غير واقعية  على الإطلاق وبلا أي دليل، تلك النظرية التآمرية الاتّهامية التي تقول إن النظام قد يقف وراء عمل كهذا، كي يقدّم نفسه للمجتمع الدولي كقوّة معتدلة، بالمقارنة مع تنظيمات إسلامية غاية في الراديكالية، أو لإرسال رسائل ابتزاز لأطراف داخلية وخارجية.

وفوق هذا وذاك، لا بدّ من الإشارة إلى أن حدوث هجوم من هذا النوع في سوريا لا يجعل من الأخيرة استثناء، فعشرات الدول المستقرّة وغير المستقرّة، الديمقراطية والسلطوية، الغنيّة والفقيرة، شهدت هجمات دامية نفّذها جهاديون أفراداً أو تنظيمات تتوخّى العنف وسيلة للتغيير.

ومع ذلك، فإن الحادثة تشير مجدّداً إلى فشل مركّب لسلطات دمشق في إدارة البلاد عموماً، مع انقضاء أكثر من ستّة أشهر على سقوط نظام الأسد، وفي التعامل مع الهجوم وما قد يتبعه خصوصاً.

فشل أمني متجدّد

أول ملامح هذا الإخفاق أمنية استخباراتية، فبدلاً من أن يستتبّ الأمن تدريجياً بعد الفوضى المفهومة، التي طبعت الأسابيع الأولى اللاحقة للتغيير، فإن الأوضاع الأمنية لا يبدو أنها تسير في هذا الاتّجاه، وما هجوم بهذا الحجم إلّا دليل إضافي على ذلك، ويلتحق بمجموعة من الأحداث الأمنية بالغة الخطورة التي شهدتها وتشهدها البلاد، كسلسلة التفجيرات التي عرفتها منطقة منبج في ريف حلب، وبلغت ذروتها مع السيارة المفخّخة التي أودت بحياة ٢٠ شخصاً على الأقلّ أوائل شباط/ فبراير الماضي، والهجوم المنظّم لعناصر من فلول النظام السابق في منطقة الساحل في السادس من آذار/ مارس الذي قُتل فيه عشرات من عناصر الأمن، ثم عمليّات القتل الجماعي التي تلت ذلك، وشاركت فيها قوّات تابعة للحكومة وراح ضحيّتها مئات المدنيين، عدا الفلتان الأمني المستمرّ في محافظة درعا جنوباً، حيث تتواتر عمليّات اغتيال بشكل شبه يومي طالت مدنيين ووجهاء وعناصر سابقين في فصائل المعارضة المسلّحة، والدبلوماسي المنشقّ نور الدين اللبّاد الذي كان يزور بلدته الصنمين للمرّة الأولى منذ سقوط النظام.

ولم تُطح أي من هذه الأحداث بوزير الداخلية مثلاً، ولم يتقدّم أي مسؤول أمني باستقالته بعدها، وهو ما تكرّر طبعاً مع الفشل في معالجة التوتّرات مع السوريين الدروز، بعيد تسريب تسجيل صوتي يتضمّن إساءات بحقّ النبي محمد ونُسب تلفيقاً إلى رجل دين درزي، فشهدت بعض المدن مظاهرات تحريضية تضمّنت دعوات صريحة إلى القتل، ثم حدثت أعمال عنف في جرمانا سرعان ما امتدّت إلى أشرفية صحنايا. وبدلاً من أن تتّجه الوزارة لمحاسبة المحرّضين، فإنها أصدرت بياناً أعربت فيه عن “شكرها وتقديرها للمواطنين الكرام على مشاعرهم الصادقة وغيرتهم الدينية”.

ومما جعل أداء وزارة الداخلية أكثر ضعفاً، استبعادها للعديد من الضبّاط والعناصر المنشقّين عن النظام السابق، أو ممّن كانوا على رأس عملهم لغاية الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الفائت، وخاصّة في الأمن الجنائي.

إقصاء للآخرين

عدم وقوف الدولة على الحياد تجاه مواطنيها، أو تجاه بعض مكوّنات المجتمع الدينية والطائفية والعرقية، كما يظهر مثلاً بشكل فجّ في بيان الداخلية المشار إليه أعلاه، يعقّد من السياق العامّ الذي يحدث فيه أي هجوم، ويعزّز حالة عدم الثقة تجاه الدولة، التي تشعر بها أي فئة مجتمعية في حال استهدافها، ويفاقم من تبعات أي حادثة وتداعياتها، ومما زاد من الطين بلّة في حالة هجوم كنيسة مار الياس، شعور غالب لدى كتلة وازنة من السوريين المسيحيين بالإقصاء السياسي والثقافي والرمزي في سوريا الجديدة.

ومن معالم هذا الإقصاء سيّارات دعوية إسلامية وأخرى تبثّ آيات قرآنية، عمدت خلال الأشهر المنصرمة إلى التجوّل في مناطق الكثافة السكانية المسيحية (ومنها الدويلعة) بطريقة تهدف إلى الاستفزاز أكثر من التبشير، من دون أن تجد رادعاً من السلطات. بينما لم تتمّ الاستعانة بأبناء هذه المناطق لتعزيز الأمن المحلّي، فيما يتمّ استبعادهم بشكل كلّي من الجيش السوري الجديد، الذي يتحوّل تدريجياً إلى جيش سنّي حصرياً بعقيدة قتالية إسلامية.

وعلى صعيد لا يقلّ أهمّية عن سابقه، نصّ الإعلان الدستوري الذي تشوبه أساساً مشكلات متعدّدة، على علاقة ببعض أعضاء لجنة صياغته وسرعة إعداده وطريقة الإعلان عنه وتكريسه السلطات بمنصب الرئاسة، على أن “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”، فيما تصدر عن بعض شخصيّات السلطة ودوائرها الإعلامية، مواقف وتصريحات تتعامل مع مكوّنات المجتمع السوري بطريقة تُعيد إلى الأذهان نظام الملل العثماني.

وبين هذا وذاك، تبدو الاستعانة بشخصيّات من مختلف المكوّنات السورية لشغل بعض المناصب الوزارية وغيرها كعمليّة تزيينية، وهو ما ينطبق على المسيحيين طبعاً. بل إن هذه الاستعانة تبدو وكأنها صورة مقلوبة لما كان يفعله نظام الأسد، من توظيف مشابه لشخصيّات غير تمثيلية وليست ذات وزن من السنّة وغيرهم، للزعم بمشاركتهم في الحكم.

تخبّط واضح

وكان للبيانات الرسمية التي أعقبت الهجوم دلالة مزدوجة، فمن ناحية أولى أضافت إلى حالة عدم الثقة تجاه الدولة ومشاعر التمييز والإقصاء، عبر عدم تضمين كلمة “شهداء” فيها، خاصّة إذا عرفنا أن البيان الرئاسي الذي أعقب حادثة تفجير منبج كان قد استخدم الكلمة دون أي لبس. ومن ناحية ثانية أشار تعدّد البيانات إلى حالة التخبّط المؤسّسية السائدة، فما الذي دفع وزارة الخارجية مثلاً لإصدار بيان إدانة؟ وما معنى أن ينصّ البيان على أن “الجمهورية العربية السورية تتقدّم بخالص التعازي لأسر الضحايا وترجو الشفاء العاجل للمصابين”، وكأن هؤلاء مواطنو دولة أخرى؟

أما الساحة الأبرز للتخبّط، فكان الإعلام الرسمي الذي فشل في مواكبة الحادثة، وكان أداء قناة الإخبارية الرسمية كارثياً ومحط انتقادات كثيرة محقّة، قد لا يكون هنا مكان استعراضها التفصيلي، وقد يكون من الأجدى أن نشير إلى خلفية هذا الأداء وجذوره، فالسلطات الجديدة وكما في مجالات أخرى، فضّلت إبعاد العشرات من الإعلاميين المنشقّين، أو ممكن كانوا على رأس عملهم لحظة سقوط النظام، وكذلك تجنّبت الاستعانة بالخبرات الإعلامية السورية داخل البلاد وخارجها، ممن راكموا سنوات طويلة من الخبرة والتجارب في لبنان والخليج والغرب.

وبدلاً من ذلك، عيّنت في مناصب مفتاحية في المنظومة الإعلامية أشخاصاً من المحسوبين عليها، يفتقرون الخبرة المطلوبة لتلك المهمّات، هذا إن كانوا يملكون الخبرة المطلوبة لمناصب أدنى وأقلّ أهمّية بما لا يقاس. وفي مقدّمة هذه التعيينات مدير “هيئة الإذاعة والتلفزيون” علاء برسيلو، ومدير “قناة الإخبارية” جميل سرور، وكلاهما لا تشير سيرتهما الذاتية الفقيرة جداً إلى الخبرات المطلوبة من النواحي الفنّية والإدارية والتحريرية لمثل هذه المهام، ولم يسبق لكليهما أن أشرف على مؤسّسات كبيرة الحجم بهذا العدد من الموارد البشرية، ولا تضمّنت أعمالهما السابقة هذا الحجم من المعدّات والتقنيات، ولا تعاون مع شبكة من المراسلين، أو وضع سياسات تحريرية، أو أدار غرفة إخبارية، أو أشرف على تغطيات مفتوحة ومباشرة وغيرها.

مرّة أخرى، ليست السلطات هي من نفّذ هجوم مار الياس الدموي والحزين، وما من شكّ أيضاً في أن حكم أحمد الشرع يواجه معارضة من على يمينه إن جاز التعبير، معارضة ترغب في رؤية سوريا بصبغة إسلامية أشدّ، وقد تجعل حساباته أكثر تعقيداً في شأن مسائل متعلّقة بالخطاب العامّ والحرّيات وغيرها.

بيد أن ما لا شكّ فيه أيضاً أن السلطات لم تتحمّل مسؤولية الفشل في الوقاية مما حدث، ولم تحسن التعامل معه، ولم تستعن في الإطار العامّ بالعديد من الخبرات الفردية والقوى السياسية والمجتمعية التي قد تزيد من شرعيّة الحكم، وتجنّب البلاد والعباد هجمات أخرى أو على الأقلّ تخفّف من تداعياتها.

– صحافي سوري

درج

———————————

 كنيسة مار إلياس.. فراغ الدولة وتفجير العنف/ مالك داغستاني

2025.06.26

مساء الأحد، في الثاني والعشرين من حزيران الجاري، تعرّضت كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة الدمشقي لهجوم مسلح، أعقبه تفجير انتحاري خلّف عددًا من القتلى والجرحى المصلّين. حدثٌ موجع في بلد لم يتعافَ بعد من آثار أكثر من عقد دموي، وهو بالكاد يخطو بخجل نحو بناء دولة جديدة على أنقاض نظام إجرامي شمولي، وحروب متشابكة ومعقّدة داخلياً وخارجياً.

السلطات السورية سارعت إلى اتهام تنظيم داعش، قبل أن تتبنى الهجوم جماعة غير معروفة نسبياً، تُدعى “أنصار السنّة”. ثم لم تلبث الجريمة أن تحوّلت إلى مادة سجالية بين السوريين، لا سيما ضمن النخب الثقافية والسياسية، فانقسم الرأي بين من حمّل الدولة الجديدة مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة، ومن اعتبر الهجوم مجرد نتيجة “إرهاب منفلت” لا علاقة للسلطة به. وآخرون، أقلّ عددًا رغم أنهم أكثر استفزازاً، ذهب هؤلاء إلى أن فكر الانتحاري المهاجم لا يبتعد كثيراً عن بعض التوجهات الفكرية والأيديولوجية لأطراف وشخصيات مشاركة في الإدارة الراهنة.

لكن أين تقف الحقيقة في هذا المشهد المعقّد؟ وما حدود المسؤولية الفعلية للدولة؟ وما المطلوب منها لتتحمل واجباتها في حماية شعب متنوع المذاهب والديانات والأعراق؟ طبعاً لا إجابات حاسمة ويقينية في ظل وضعنا المعروف ومع ذلك سأحاول. في أي دولة ذات سيادة، تكون مسؤولية حماية المواطنين وضمان سلامتهم الجسدية والروحية من أخصّ واجبات السلطة التنفيذية، وفقاً للشرائع الدولية لحقوق الإنسان، كما للدساتير الحديثة التي تنص صراحة على كفالة حرية العبادة وممارسة الشعائر، دون خوف أو تمييز.

قد لا تكون الدولة مسؤولة “جنائياً” عن كل فعل فردي أو إرهابي يقع على أرضها، لكن غياب الإجراءات الأمنية الرادعة، أو الاستخبارات الوقائية، أو الفشل في خلق بيئة سلم أهلي، يجعلها مسؤولة سياسياً وأخلاقياً. فالدولة ليست حارسة جدران فقط، بل يفترض بأنها الراعية لعقد اجتماعي، يحمي الأقلية والأكثرية، والمختلف معها قبل المتماهي في كل ما تذهب إليه.

يُفترض، بل ومن البديهي أن من واجبات الدولة الأساسية مكافحة الحواضن الفكرية للعنف، لا فقط ملاحقة مرتكبيه بعد وقوع الفعل. وهذه مسؤولية ثقافية وتشريعية وتربوية لا تُختصر في القبضة الأمنية. بل لها برامجها التي لم يلحظ السوريون حتى اليوم أي توجهات جدّية للبدء بها، وهذا ما يمكن وصفه بأنه فشل سياسي في احتواء التنوع.

سوريا اليوم ليست مجرد “دولة ما بعد النزاع”. إنها دولة على مفترق طريق وجودي، تحاول إعادة تعريف ذاتها السياسية والاجتماعية، في ظل تركة ثقيلة من الانقسام الطائفي والعنف الرمزي والمادي، زرعته عقود من الحكم الأمني، وتفاقم خلال العقد الأخير. في مثل هذا السياق، كان يُفترض أن تكون أولوية السلطة الجديدة بناء خطاب وطني جامع، ينأى بلغته عن الاصطفاف الديني والمذهبي، ويعيد ثقة المكوّنات، ومنهم المسيحيون، الذين لعبوا أدواراً محورية في الحياة المدنية السورية تاريخياً، قبل أن يتحولوا إلى ضحايا مزدوجين، لنظام يبتزهم بذريعة حمايتهم، ولجماعات متشددة تحمّلهم تبعات ما لا يد لهم فيه.

لكن هذا لم يحصل للأسف، أو أنه يحصل لماماً، من بعض شخصيات السلطة بشكل إفرادي، ببطء لا يناسب حجم الجراح. ما أدى إلى بقاء كثير من السوريين، من كل الطوائف، أسرى للشعور بأن الدولة الوليدة ما زالت تفتقد إلى روح المواطنة العادلة، وأن بعض رموزها أو مؤسساتها تتعامل بمنطق الغلبة لا الشراكة.

مع بعض، ربما الكثير، من التعديلات الإيجابية لسلوك وخطاب السلطة، كان يمكن لهذه الجريمة أن تتحول إلى لحظة توحّد وطني حول الدولة، وأن تُستثمر لإعادة تشكيل مفهوم “العيش المشترك”، والتأكيد على أن الدولة هي المظلة الحامية للجميع. لكن ذلك لم يحصل، بسبب أن رد الفعل الرسمي جاء تقليدياً ويفتقد إلى أية روحيّة مختلفة. أقرب إلى بيان مكرر، خالٍ من الحس السياسي العميق. طبعاً إضافة إلى عدم إظهار مستوى كافٍ من الشفافية حول ملابسات الحادثة، حين سارعت لاتهام طرف قبل التحقق من المعطيات، مما أثار شكوكاً وشائعات. وهذا كما أرجِّح، بسبب أن بعض الخطابات والممارسات في المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية، ما زالت تتعامل مع التنوع السوري بوصفه ملفاً حساساً لا أولوية وطنية.

كانت رسالة قوية، لو تم الإعلان عما يشبه حالة طوارئ أمنية في دور العبادة، ووضع خطة صارمة لحمايتها. وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة، تضم قضاة، وممثلين عن الطوائف، وخبراء أمنيين، لإظهار جدية في تحقيق العدالة. والأهم زيارة رسمية عالية المستوى إلى موقع الجريمة، من قبل رئيس الدولة، لإظهار التقدير والتضامن. ومن ثمّ إطلاق خطاب رسمي جامع، يتجاوز الإدانة الشكلية، ويتحدث عن حماية التعدد كواحدة من المهام الوجودية للدولة.

أما ما يجب أن يلي تلك الإجراءات السريعة، فإن الأهم هو القيام بمراجعة مناهج التعليم والإعلام الرسمي والديني، لتجفيف منابع الكراهية، وتحصين الجيل الجديد من السقوط في فخ العنف الطائفي.

الخلاصة الأهم أنه لا أمن ولا عدالة من دون وقاية ثقافية، ولا دولة بلا مواطنة. ففي نهاية المطاف، لن تُبنى سوريا المستقبل على أنقاض العنف السابق الذي نتكئ عليه للتبرير كلما واجهتنا معضلة مصيرية. إنها تبنى على الاعتراف العميق بأن دولة العدالة لا يمكن أن تقوم إذا لم يشعر الفرد بأنه محمي من التمييز، ومن الخوف، ومن الاستهداف بسبب دينه أو طائفته.

هذه الجريمة ليست الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، لكن اختبار الدولة الحقيقي ليس باعتقال المنفّذين، بل في قدرتها على تغيير السياق الذي أنتجهم. في كنيسة مار إلياس، لم يُقتل المصلّون فقط، بل كُسرت مرة أخرى صورة سوريا التي حلم بها كثيرون: وطن لكل أبنائه، لا مجرد ساحة تصفية حسابات بين التطرف وما يشبه الصمت أو التعامي.

التفجير الإجرامي، يحيلنا للاعتقاد والتمنّي، بأن أجراس كنيسة مار إلياس التي سكتت مساء الأحد، لم تكن تنادي للصلاة فقط، بل كانت تدقّ في هشيم ذاكرة وطنٍ أنهكته الدماء. ففي تلك اللحظة، لم يتجمّد الزمن والنشيد فقط. لم تُقتل أرواح فقط، بل كُسرت أعين كانت ترفع للسماء دعاءً في أمان، وهُشمت قلوب كانت تحمل في ضلوعها آخر ما تبقّى من طمأنينة الإنسان في بلاده.

في هذه المادة أهملت عامداً العامل الخارجي، فالتصدي لهذا التحدي له مقام آخر وهو في حقل آخر تماما، يختلف عما أنا بصدد الحديث عنه هنا. فهذه الجريمة، ليست مجرد رقم جديد في سجل العنف السوري، بل صفعة تُذكّرنا مرّة أخرى أن بناء الدولة ليس أمراً إدارياً، بل فعل أخلاقي قبل كل شيء. فلا يمكن لوطن أن يُبنى على أنقاض الألم إذا لم يُحط ضحاياه بالكرامة، وإذا لم يشعر الناجون بأن ما حدث لن يُعاد.

في حيّ الدويلعة الشعبي، سقط دمٌ سوري فقط، ولو كنا في بلد طبيعي، كان الأجدر عدم السؤال عن الطائفة. من أجل هذا الدم، ومن أجل دماء سفكت في ظروف مشابهة في الفترة الأخيرة، ومن أجل مئات آلاف الضحايا ممن سقطوا خلال 14 عاماً، يجب أن تُعاد صياغة العقد السوري. عقدٌ لا يُشعِر أحداً أنه غريب في بيته، ولا يُقتل أحدٌ لأنه صلّى في كنيسة أو مسجد. ما لم نواجه هذه اللحظة بما تستحق من وعي ومسؤولية، فسنخسر ليس فقط من قُتلوا، بل سنخسر كل ما نحاول بناءه من جديد.

تلفزيون سوريا

——————————-

أنصار السنة”… من هم؟ وما علاقتهم بتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق؟/ صبحي فرنجية

الأطراف التي تريد زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا كثيرة، بعضها داخلي

آخر تحديث 26 يونيو 2025

هزّ العاصمة السورية دمشق تفجير يوم الأحد 22 يونيو/حزيران داخل كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة أودى بحياة أكثر من 25 مدنياً وعشرات الجرحى، في حادثة صادمة استهدفت المسيحيين السوريين داخل كنيستهم لأول مرّة منذ عقود، وعلى الرغم من إعلان وزارة الداخلية السورية من اليوم الأول للتفجير أن تنظيم “داعش” هو الذي يقف خلف استهداف الكنيسة، صدر بيان يوم الثلاثاء عن تنظيم “سرايا أنصار السنة” والذي ظهر اسمه خلال الأشهر الأخيرة على الإعلام، يتبنّى فيه التفجير ويهدد بعمليات أكثر خلال الفترة القادمة.

وجاء في بيان “سرايا أنصار السنة” أن التنظيم استهدف كنيسة مار إلياس “بعد استفزازٍ من نصارى دمشق في حق الدعوة وأهل الملَّة، استفزازا جاوز التلميح إلى التصريح، وتعدَّى الهزل إلى الجد، تطاولوا فيه على أصول الدعوة”، وبحسب البيان فإن الذي نفّذ التفجير هو شخص اسمه “محمد زين العابدين أبو عثمان”، وهدد التنظيم بأن “القادم لن يمهلكم، ولن يرحم غفلتكم، فجنودنا- من استشْهَاديين وانغِمَاسيين- على أتمِّ الجاهزية، عُدَّة وعددًا، ورباطًا لا يعتريه وهن، ولا تعرف صفوفه التراجع”. وتابع: “من ابتغى النجاة، فباب التوبة لا يزال مفتوحًا، فليُبادر قبل أن يُغلق، فإنَّا إذا أقبلنا لا نلتفت، وإذا مضينا لا نُمهل”.

وزارة الداخلية السورية أعلنت يوم الثلاثاء 24 يونيو أيضا أنها ألقت القبض على الخلية التي كانت متورطة في التفجير، وأوضحت أنها نفذّت مداهمة أمنية أسفرت عن “تحييد” أحد المتورطين “في التفجير الغادر بكنيسة مار إلياس، وإلقاء القبض على انتحاري آخر كان في طريقه لتنفيذ عملية في مقام السيدة زينب قرب العاصمة دمشق”، وبحسب الوزارة فإن نتائج تحقيقاتها تؤكد أن الخلية تتبع لتنظيم “داعش”، وأن هذه الخلية يتزعمها “شخص سوري الجنسية، يدعى محمد عبد الإله الجميلي، ويكنى أبو عماد الجميلي، وهو من سكان منطقة الحجر الأسود في دمشق، وكان يعرف بوالي الصحراء عند (داعش)”. وقالت الوزارة إن الانتحاريين الاثنين، الذي استهدف الكنيسة والذي كان في طريقه لاستهداف مقام السيدة، زينب، غير سوريين و”قدما إلى دمشق من مخيم الهول، عبر البادية السورية، وتسللا بعد تحرير العاصمة، بمساعدة المدعو أبو عماد الجميلي، مستغلين حالة الفراغ الأمني بداية التحرير”.

ماذا نعرف عن “سرايا أنصار السنة”؟

بدأ تنظيم “سرايا أنصار السنة” في الظهور إلى العلن شهر فبراير/شباط الماضي، وذلك بعد أن بدأ بإعلان استهداف الطائفة العلوية بشكل رئيس في مناطق نفوذها وتجمعاتها في الساحل السوري، ثم ليعلن عن مشاركته في عمليات القتل التي استهدفت المدنيين خلال أحداث الساحل السوري مطلع شهر مارس/آذار الماضي، متوعدًا بمهاجمتهم ومهاجمة الدروز وباقي الأقليات في سوريا، ومتهماً الدولة السورية ورئيسها أحمد الشرع بأنهم عملاء للغرب.

التنظيم بحسب بياناته على “تلغرام”، يقوده شخص اسمه أبو عائشة الشامي، والمسؤول الشرعي فيه شخص يُدعى أبو الفتح الشامي، كما يشغل شخص آخر اسمه أبو سفيان الدمشقي منصباً شرعيا في التنظيم. وتبنّى التنظيم عبر قناته على “تلغرام” 25 عملية ضدّ الطائفة العلوية في مناطق متفرقة من الساحل السوري خلال شهر رمضان وحده. العمليات تضمنت الاغتيال والتخريب وحرق الممتلكات، ودعا أكثر من مرّة الراغبين بالانتساب إليه للتواصل عبر قناته على “تلغرام” التي انشئت أواخر شهر يناير/كانون الثاني الماضي. 

مصادر “المجلّة” أكدت أن الدولة السورية على علم بتحركات بعض الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا التنظيم، وأن العدد الكلي في الوقت الحالي لا يتجاوز العشرات، متفرقين في أكثر من منطقة جغرافية في سوريا، أبرزها إدلب والمناطق المحاذية للساحل السوري، إضافة إلى بعض الأفراد في حمص وريف دمشق. وبحسب المعلومات فإن التنظيم كان موجودا في إدلب قبل سقوط النظام، إلا أن أهدافه كانت مختلفة حينها، فهذا التنظيم كان يضم بشكل رئيس أشخاصاً غاضبين من توجهات “هيئة تحرير الشام” عندما كانت تحكم إدلب، وكانوا ينادون بإسقاط “الهيئة” لأنها “خرجت عن تعاليم الإسلام وخانت العهود التي قطعتها على الذين انتموا إليها”.

وبعد سقوط النظام، ووصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق والبدء بإجراء تغييرات جوهرية على منهج “الهيئة” وطرائقها في الحكم، وانفتاحها على العالم العربي والغرب، بدأت هذه المجموعة باستغلال غضب بعض العناصر والأفراد من توجهات حكومة الشرع وحاولت استدراجهم إلى صفوفها وغيّرت أهدافها المباشرة إلى محاولة إضعاف صورة الدولة السورية ورئيسها من خلال استهداف الأقليات في سوريا، وبثّ رسائل عداء لهم. المصادر أوضحت أن التنظيم هذا يعتمد مبدأ اللامركزية ومبدأ العمليات الفردية العشوائية، من حيث عدم وجود هيكل تنظيمي واضح لها، واعتمادها على الأفراد المتوزعين لا الجماعات المنظمة.

المعلومات تشير أيضا إلى أن الداخلية السورية تراقب عناصر في المجموعة وتترصد تحركاتهم، واعتقلت أكثر من شخص منهم خلال الأشهر الماضية، وتحاول تتبع الأفراد لمنع أي هجمات قد تحصل، وللوصول إلى قادة التنظيم. ورجّحت المصادر أن غالبية الاستهدافات التي تبناها التنظيم قد تكون من أجل كسب التأييد أكثر من كونها عمليات نفّذها التنظيم حقا، خصوصا في مناطق الساحل وحمص كون أن بعض الأعمال التخريبية وعمليات الاستهداف كانت من باب الانتقام وتم إلقاء القبض على الفاعلين.

وعن تفجير الكنيسة في دمشق، قالت المصادر إنه تبين بعد التدقيق أن تنظيم “داعش” هو من يقف خلف التفجير، وأن إعلان تنظيم “سرايا أنصار السنة” جاء بعد يومين من التفجير، ما يُرجح أنه “تبنٍّ من أجل كسب القوّة الوهمية”. كما أكدت عدّة مصادر في الأمن العام أن التفجير الذي استهدف الكنيسة كان بفعل المجموعة التي تم إلقاء القبض عليها من قبل وزارة الداخلية، وأن هذه الخلية مرتبطة بتنظيم “داعش” بشكل مباشر. واستبعدت المصادر أيضاً أن يكون تنظيم “سرايا أنصار السنة” هو المسؤول عن العملية، إلا إن كان هذا التنظيم قد بايع “داعش” وأصبح جزءًا منه.

سرديات متخبطة

وقامت “المجلّة” بتحليل اللغة التي اعتمدها تنظيم “سرايا أنصار السنة” منذ نشأة قناته على “التلغرام”، وكان ملاحظاً وجود تخبّط في اللغة وتفاوت في منهجيتها وأسلوب الكتابة. فأحيانا تعتمد الجمل القصيرة المنمّقة والتي تركز على النغم الصوتي النثري، وفي أحيان أخرى يتم اعتماد مبدأ النسخ من الكتب الشرعية مع التعديل، في حين أن بعض النصوص تأتي بلغة مبتذلة وعامية. كما أن لغة القناة تتناقض في بعض الأحيان، فهي تُمجّد شخصيات كانت في “داعش” سابقاً، وتُحرّم استخدام كلمة “داعش” للدلالة على “الدولة الإسلامية في الشام والعراق”، ثمّ في لحظة أخرى تكتب عنهم باستخدام اللغة التهكميّة مثل نعت التنظيم بكلمة “الدواعس”.

الثابت الأول في نصوص القناة على “تلغرام” هو العداء للحكومة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع، وإلصاق صفة “الكفر” بكل العاملين معها أو المتعاونين معها، أما الثابت الثاني فهو تهديد وتوعّد باستهداف الأقليات في سوريا، من علويين ودورز وإسماعيليين، وإصدار فتاوى بإباحة قتلهم، بحجة أن “الفتنة أشد من القتل” فلذلك لا ينبغي النظر إلى عامل إراقة الدماء لأنه أقل خطرًا من الفتنة، بحسب سرديات التنظيم.

في 15 أبريل/نيسان نشرت القناة أن “عفو الحكومة السورية عن شبيحة الدم المجرمين ليس من الدين في شيء، فإن في معاقبتهم الردع والزجر؛ فتهدأ الثائرة، وتبرد مشاعر الانتقام عند أولياء الشهداء”، لتتبعه ببيان يوم 17 من الشهر نفسه تتحدث فيه عن صفات الحكومة السورية والتي جاء في بعضها أن الحكومة هي عبارة عن “استضافة وحماية المتورطين بجرائم الحرب ضد المدنيين، التقايض مع أرباب الفساد والإجرام من أزلام أسماء الأسد، ومخلوف، ومحمد حمشو، ووفيق رضا سعيد، وفادي صقر وغيرهم، حكومة إسلامية الشكل، ديكتاتورية الموضوع، علمانية القالب، تخضع للثقافة السائدة على حساب الدين والمبادئ، وعمالة للتحالف الدولي، وتسليم للمطلوبين، والتعاون مع المخابرات التركية والأميركية لحرب المجاهدين”، واتهمت في منشور آخر حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع بأنها “انسلخت من ربقة الإسلام انسلاخ الأفعى من جلدها، نكصت على أعقابها، وارتدت على أدبارها، قد خلعت بيعة الله من أعناقها، ورفعت راية الشِّرك على منابرها”.

ونشرت القناة مطلع شهر مايو/أيار الماضي مقطعاً للقيادي السابق في تنظيم “داعش” أبو محمد العدناني، الذي وصفه تنظيم “سرايا أنصار السنة” بأنه “الشيخ المُسدد”، يتحدث فيه عن الدول العربية والغربية ويتهمها بالكفر. ثمّ حرّم التنظيم بعد أيام لفظ “داعش”، لكنه في مطلع يونيو انتقد الحكومة السورية وأفعالها في منشور آخر وقال إن “عدد الدواعس يتزايد يوميا بشكل لا يُصدق بسبب قرارات حكومة الجولاني”.

التنظيم أيضاً بدأ مع شهر مايو الخروج عن هدفه الجغرافي في منشوراته، فتحدث عن وجود خلايا له في لبنان، وأن هذه الخلايا جاهزة لاستهداف العلويين والدروز، ثمّ في وقت لاحق نشر أن “سرايا أَنصار السنة في سوريا ولبنان” تُعلن تأييدها لمجموعة غامضة ظهرت على قنوات “التلغرام” تحت اسم “حركة الملثمين الأحرار”.

ومن خلال تحليل منشورات القناة، يتبيّن أن تنظيم “سرايا أنصار السنة” لا يحمل في طيّاته أي بنية تنظيمية وأدبية واضحة، كما أن التفاوت في النصوص يعكس التخبط الذي تعيشه المجموعة من الناحية المنهجية، ورغبتها في الصعود الإعلامي، وهو ما جرت ملاحظته من منشورات القناة التي تضع روابط وفيديوهات التقارير التي تنتقد التنظيم وتتحدث عنه، وذلك في سياق إظهار شهرة التنظيم ومدى المخاوف التي يُشكلها في الأوساط السورية والعربية.

“داعش” أم “أنصار السنة”… التهديد مستمر

يُشكل استهداف كنيسة مار إلياس نقطة تحوّل جديدة في الواقع الأمني في سوريا وفي طبيعة التهديدات التي تواجه السوريين عموما، وجهود الحكومة السورية الجديدة بشكل خاص. ويضع هذا التحوّل الحكومة السورية أمام واقع صعب وسط محدودية الأدوات والمعرفة الاستخباراتية، خصوصاً في ظل انشغال الدولة بمهام أمنية كبيرة أبرزها الحدود السورية وتأمينها ومنع امتداد أي صراع من خارج حدود الدولة السورية إلى الداخل، إضافة إلى مهام متصلة بمنع بقايا النظام السابق والخلايا الإيرانية من زعزعة الاستقرار، وجهود كبيرة أخرى لمواجهة تنامي خطر تنظيم “داعش” في سوريا، فضلا عن عمليات محاربة تجارة وتهريب مخدر الكبتاغون الذي غزا العالم من سوريا زمن النظام السابق.

الأطراف التي تريد زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا كثيرة، بعضها داخلي، وآخر يحظى بتمويل ودفع من خارج الحدود. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة السورية الجديدة لمنع انتشار الفوضى، وتوحيد الجغرافيا عبر عمليات التفاوض، فإن الخطر جدّي وموارد الحكومة محدودة في ظل تعدد التهديدات والأولويات، وفي ظلّ انتشار ملايين قطع السلاح المنفلت بأيدي السوريين والمجموعات المسلحة الخارجة عن مظلّة الدولة السورية.

المجلة

———————————-

سوريا الضحية الكبرى/ سميرة المسالمة

الثلاثاء 2025/06/24

من اغتالت يد الإرهاب؟ سؤال لا يُجاب عليه بتوجيه الأصابع نحو الخارج فحسب، بل يتطلب نظرة فاحصة إلى الداخل. فحين يُستهدف الأمان والسلام في قلب العاصمة دمشق، يعني أن هناك من يرى في الاستقرار خطراً على مصالحه، وفي الأمن تهديداً لسلطته أو نفوذه. فالعملية الإرهابية التي استهدفت كنيسة في دمشق الأحد، تثير أسئلة كثيرة حول توقيتها وأهدافها، وعن الأطراف التي تسعى لتقويض الاستقرار في لحظة سياسية حساسة. فالإرهاب لا يظهر صدفة، بل يُستدعى عندما يشعر البعض بأن ميزان القوى بدأ يميل لصالح الاستقرار، وبأن الدولة بدأت تستعيد جزءاً من وظائفها الطبيعية، سواء في شكلها أو في بنيتها المؤسساتية، فلا يبقى له أي دور يعول عليه أو يستظل به.

ولهذا، فإن الخوف الحقيقي مما جرى، جراء تفجير كنيسة القديس مار إلياس في الدويلعة، يتمثل في اتساع آلام المجتمع، وفي أن المنفذين اختاروا دور العبادة أداةً للترهيب، ليوجهوا رسالتهم إلى كل السوريين.

فكل رصاصة أطلقت هناك، واخترقت صدور المصلين في الكنيسة، استقرت في قلوب المسلمين في مساجدهم، وبيوتهم، ومقرات عملهم.

ما حدث في واقع الحال، محاولة جديدة لاختطاف سوريا إلى حضن الإرهاب والاقتتال. وهي عملياً لا تختلف عن عمليات الخطف المتكررة للسوريين في كل المدن السورية من دون رادع يحول دون تكرارها، فننام على خبر فقدان هنا، ونصحو على اغتيال ضحية هناك. هي خطة لترك البلاد تنزلق مجددًا إلى دوامة العنف، عبر هجمات متنقلة، تستهدف الرموز والمؤسسات والمجتمع الأهلي، بهدف تعطيل مسار التغيير السياسي والاقتصادي، وإرباك الحكومة الانتقالية، وإعادة إنتاج مشهد يخدم القوى التي اعتاشت على الفوضى.

إن مكافحة الإرهاب تبدأ من مساءلة منظومة الحماية نفسها، ومن بناء بيئة قانونية تشاركية، يشعر فيها كل مكون سوري أنه شريك في أمن البلاد، وليس ضحية لصراع الآخرين على النفوذ. فالإرهاب لا يواجه بالخطابات، بل ببناء منظومة عدالة فعالة، وإعلام مسؤول، وسياسات عادلة تمنع الانفلات الأمني وفوضى السلاح، والتهميش والتطرف، والعبث بمعتقدات الناس وطرائق حياتهم، والتدخل بشؤونهم.

ما يعني أن البحث عن سيناريوهات حماية سوريا يبدأ من إجراءات أمنية مسؤولة، تحمي العادات السورية، وتحترم تسامحها وتآلفها ووسطيتها الدينية، فاستقرار سوريا يعني منع التراخي الأمني تجاه مظاهر التطرف، سواء مارسته الأطراف بشكله السلمي “الدعوي” الفردي، او كجماعات مسلحة، فكلاهما يؤسسان لنتيجة واحدة هي الإخلال بأمن السوريين وسلامهم، سواء جاؤوا من داخل مناطق السلطة، أو عبر الثغرات الأمنية المفتوحة باتجاهات عديدة، ولمصالح متضاربة.

سوريا اليوم في قلب معركة مزدوجة: مع الإرهاب العابر للحدود، ومع من يحاول استخدامه أداة للضغط أو الانتقام، أو خلط الأوراق. والحل يبدأ من الداخل، عبر مصارحة وطنية ومراجعة جريئة لسؤال: من المستفيد فعلاً من تفجير الأمان في سوريا. وهو السؤال ذاته، الذي نردده مع كل خبر عن تجاوزات على حريات الناس: كيف ينجو المعتدون بأفعالهم حين يتسللون إلى البيوت والساحات العامة والمطاعم وأماكن السهر، ويمارسون إرهابهم على الناس باسم الدين مرة، وتحت سطوة السلاح مرات كثيرة؟

الربط بين هذه الجريمة الإرهابية والتهديدات التي تطال دور عبادة هنا أو هناك، وبين تحركات القوى التي خسرت مواقع نفوذها، ليس افتراضًا سياسيًا فقط، بل هو ضرورة تحليلية، في ضوء تجارب مشابهة خاضتها سوريا طوال السنوات الماضية، فالفوضى لم تكن يوماً عفوية، بل كانت أداة فاعلة لأي قوة خائفة من التغيير أو تفتقد شرعية البقاء، أو موظفة من الخارج.

التفجير الأخير في الكنيسة لم يكن يستهدف فقط أرواحاً بريئة، بل وجّه ضربة معنوية لمجتمع يسعى لاستعادة ثقته بنفسه، والعودة من ماض موغل بالعنف والقتل والتهجير، إلى الحياة الحرة الكريمة. وهذه الدماء الطاهرة وضعت سوريا أمام لحظة اختبار حقيقية، ومواجهة مع الواقع لا مفر منه، للإجابة عن تساؤلات من نوع، من هؤلاء الذين يعبثون بأمان بلادنا ويعيشون بيننا، ويعلنون نواياهم الجرمية على وسائل التواصل الاجتماعي من دون خوف من عقاب؟ هل تعرفهم الجهات المعنية؟ هل وثقت قيودهم؟ هل تستطيع أن تحمي أمنها بهم؟ أو تحمينا منهم؟ الإجابة قد تنجي البلاد ممن يريدون إغراقها مجددًا في الفوضى.

لا شك هو يوم حزين، ومن الصعب أن تمارس حياتك، وخصوصاً الصحافية، وكأن ما حدث لم ينتزع منك قلبك، ولم تأخذك الرهبة منه، الجثث المتناثرة، والعيون المتجمدة، ذلك الذهول الذي يعتلي الوجوه، وذلك السؤال الذي يحز حلقك، ماذا تقول لطفل يستلم ما تبقى من جسد أمه، يد تصلّب بأصابعها لتدعو له، أو لأم تحتضن وجه طفل فاتحاً ثغره ليغني أنشودة السلام، أو كيف تبرر قتل رجل يمسح على جبينك زيت الشفاء من الضغائن؟ ماذا تفعل؟ إن لم تشهر كل أسئلتك بوجه هذا العالم بحثاً عن العدالة لكل الضحايا، ولسوريا الضحية الكبرى!

المدن

———————————

التعاطي مع تفجير كنيسة مار إلياس: الطاعة بديلًا عن الدولة/ مالك الحافظ

السؤال الأهم اليوم يتمحور حول جدوى مؤسسات تُحاكي الشكل الحداثي للدولة، لكنها تُدار بمنطق الجماعة المغلقة وتُؤسّس شرعيتها على الطاعة لا على الإرادة العامة.

25 حزيران 2025

منذ اللحظة التي ارتقت فيها السلفية الجهادية من هامش القتال إلى مركز السلطة، ومن موقع المواجهة العقائدية مع الدولة إلى موقع التحكم بمفاصلها، بدا المشهد السوري كما لو أنه دخل مرحلة الارتطام البنيوي بين منطق الطاعة ومنطق الدولة. إذ لم تُجرِ هذه السلطة (ونواتها الأساسية “هيئة تحرير الشام”) مراجعة فكرية تتيح الانتقال من منطق الهدم إلى منطق التأسيس، بل عمدت إلى إعادة توطين شعاراتها القتالية داخل مؤسسات الحكم.

إن القفزة من التنظيم إلى الدولة، ومن “البيعة” إلى “الوزارة”، لم تكن سوى كشفٍ لعجز بنيوي عميق في قدرة المنظومة الجهادية على الانتقال من سلطة الطاعة إلى منطق التمثيل السيادي في سوريا. فالطاعة، في هذا السياق، هي بنية انضباطية تُعيد تشكيل الدولة كجهاز إخضاع، وتُفرغها من شروط السيادة التداولية التي تقوم على المساءلة والاعتراف المتبادل.

ما وراء تفجير كنيسة مار إلياس

مساء الثاني والعشرين من حزيران/يونيو الجاري، دوّى انفجار في كنيسة مار إلياس بحيّ الدويلعة في دمشق، مخلفًا ضحايا ودمارًا في أحد أقدم الأحياء المسيحية في العاصمة. الحدث الذي هزّ وجدان شريحة واسعة من السوريين، قوبل من السلطة الانتقالية ببيان صادر عن وزارة الخارجية، خالٍ من الترحم على أرواح الضحايا أو التعهّد بالملاحقة. فيما لم يزر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ولا وزير داخليته، ولا أي مسؤول محسوب على “هيئة تحرير الشام”، موقع التفجير الإرهابي. وقد أظهر هذا الغياب الرسمي انفصال السلطة عن المجتمع، وكشف كونها جهاز طاعة وليس دولة رعاية.

كما أظهر التفجير هشاشة النموذج السلفي الجهادي في الحكم، حيث يُبنى الأمن على “التمكين” لا على العقد، وتُوزّع الحماية بوصفها امتيازًا، دون أن تكون حقًا مواطنيًا. فحين تصبح الاستجابة للجرائم رهنًا بهوية الضحايا، تُعاد صياغة المجال العمومي بوصفه خريطة امتيازات عقائدية لا أكثر.

والفقه السياسي السلفي لا يكتفي بنفي المواطنة عن غير “أهل السنة والجماعة” كما يُعرّفها منظّرو الجهادية، بل يطوّع آليات الحماية الشرعية، مثل “العهد” و”الذمة”، لتصبح خاضعة لإرادة الحاكم وليس لحق قانوني متساوٍ. وهنا يُعاد تعريف الآخر ككيان مشروط البقاء، خاضع لتقلبات الولاء ومواقع البيعة، وهو ما يُنتج نمطًا تعسفيًا من الحماية ينتمي إلى منطق الغلبة لا إلى نظام حقوق.

والأخطر أن هذا النمط من التمييز يجد جذوره في البنية الفقهية التي تُدير السلطة الانتقالية. فمستشار الشؤون الدينية الحالي للرئاسة الانتقالية، عبد الرحيم عطون (المعروف سابقًا بأبي عبد الله الشامي)، والذي كان يشغل منصب الشرعي العام لـ “هيئة تحرير الشام”، سبق أن أورد في كتابه خلال المرحلة “الجهادية”، المعنون بـ “سلسلة اللطائف في مفهوم وأحكام الطوائف”، أن “النصارى كاليهود والباطنية يُقتلون إن امتنعوا بشوكة”، وأضاف أن الحماية لا تُمنح لهم إن لم يخضعوا.

ويمكن القول إنه حتى لو وُجّهت التهمة إلى أحد عناصر “داعش”، فإن المشكلة لا تكمن في هوية المنفّذ بقدر ما تتمثل في التربة الفكرية التي أنتجت فعله، وهي ذاتها التي أنتجت “هيئة تحرير الشام”. ويمكن أن نضيف أن التفجير كشف الحدود الأخلاقية والسياسية للسلطة، إذ بدت الجريمة “حدثًا تأويليًا” يُقاس بمقاييس الطاعة والبراء.

من البيعة إلى الدولة

كانت “البيعة” في التجربة السلفية الجهادية شكلًا بديلًا عن التعاقد السياسي الحديث، يُعيد تعريف السلطة بوصفها تفويضًا فوقيًا غير قابل للنقض، لا اتفاقًا أفقيًا بين فاعلين متساوين. وبهذا كانت تُكرّس علاقة رأسية بين “أمير” يُستمد سلطانه من النص، و”رعية” مُلزَمة بالطاعة دون أي اختيار.

“البيعة”، كما تُمارَس في النسق السلفي، هي فعل إذعان لا يتأسّس على الإرادة المشتركة، بل على مفهوم “السمع والطاعة” المغلق. وهذا ما يجعلها على الضد من كل تعاقد سياسي حديث، حيث يصبح الحكم محكومًا بمرجعية فوق ــــ سياسية تمنع المحاسبة والتداول، وتُعيد السلطة إلى نمط ما قبل ــــ حداثي.

ثمة فجوة مفاهيمية تجعل الجهادية غير قادرة على بناء دولة، حتى لو لبست لبوس المؤسسات ورفعت شعارات “الحكم الراشد”، لأن ما يُدير الدولة هنا الولاء العقائدي والبيعة والتمكين، بدلًا من القانون والتعاقد والمصلحة العامة.

وفي قلب هذا التصور العقدي، لا تجد الفئات غير المنتمية إلى المنهج ــــ من المسيحيين وغيرهم من المكونات الدينية أو المذهبية ــــ موضعًا في خريطة التمثيل أو الحماية. فالبنية الفقهية التي تقوم عليها “البيعة” السلفية لا تُنتج مواطنة شاملة، بل تُعيد تصنيف المجتمع إلى طبقات عقدية متفاوتة الشرعية.

وبهذا، تتحول الفئات التي تُوصَف بـ”الذمية” أو “الكافرة” إلى كيانات مؤجلة السيادة، لا تُخاطَب بوصفها تضم شركاء في الوطن، بل رعايا يُحتمل تأديبهم، أو التغاضي عن وجودهم ما لم يُظهروا الولاء. وهو ما يُفسر في المنطق الرمزي غياب أركان الدولة الوليدة عن حدث كتفجير كنيسة مار إلياس، إذ لا يُعدّ اعتداءً على المجتمع الأصيل، بل فعلًا يقع خارج مجال الحماية أصلًا، لأن ضحاياه خارج خريطة البيعة، وهو نهج إجرائي شبيه بما حصل ما بعد انتهاكات وجرائم الساحل السوري مطلع آذار/مارس الماضي.

من الغلبة إلى السيادة

لا يجد المقاتل الجهادي في الدولة إطارًا سياديًا مستقلًا عن الذات القتالية التي تشكّلت فيها هويته. فهو يتعامل معها بوصفها غنيمة مشروطة بالتمكين، وليست مسؤولية قائمة على التفويض العام. وعندما يُستدعى إلى موقع الحكم، لا يُقدَّم باعتباره موظفًا داخل جهاز الدولة، فهو سيظهر كحامل لشرعية مستمدة من خارج مفهوم الشعب.

ووفقًا لقراءة وائل حلاق، فإنّ الدولة الحديثة، حتى حين تتبنّى خطابًا إسلاميًا، تبقى نتاجًا لحداثة سلطوية لا تقبل التديّن إلا بوصفه أداة للضبط. أما في الحالة الجهادية السلفية، فالمفارقة تتعمّق، إذ تُعاد صياغة الدولة الحديثة بأدوات الفقه السلطاني، فتُنتَج بنية هجينة؛ لا هي دينية تقليدية، ولا هي مدنية عقلانية، بل هي نظام طاعة بلا مساءلة، يُمسك بالمقدّس بوصفه شرعية، وليس بوصفه سؤالًا أخلاقيًا أو مجتمعيًا.

يمكن القول إن السؤال الأهم اليوم يتمحور حول جدوى مؤسسات تُحاكي الشكل الحداثي للدولة، لكنها تُدار بمنطق الجماعة المغلقة وتُؤسّس شرعيتها على الطاعة لا على الإرادة العامة.

إن هذا التناقض البنيوي لا يُنتج دولة سورية حديثة، بقدر ما يُعيد إنتاج سلطة مقنّعة تتزيّن بلباس الدولة الحديثة. فالطاعة، مهما كانت منضبطة أو مخلصة، لا تُنتج شرعية. والدولة، مهما كانت مغطاة بالشعارات، لا تقوم إلا حين يكون المجتمع حاضرًا فيها بوصفه شريكًا وليس تابعًا.

إنّ ما تعيشه سوريا اليوم هو أزمة شرعية واختبارًا وجوديًا لفكرة الدولة نفسها. والسؤال الحقيقي يتمثل في مدى إمكانية أن تُحكم الدولة بلا تعاقد، وبلا تمثيل، وبلا إرادة عامة.

أوان

———————————–

حين أُطفئت الشموع في الكنيسة: ماذا تبقّى من سوريا؟/ وائل السواح

25.06.2025

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

أخيراً وقع في سوريا ما كنّا نخشاه ونستبعده: تفجير في كنيسة في حيّ قرب دمشق الشام، أدّى إلى مقتل أكثر من عشرين مؤمناً وإصابة عشرات آخرين. لا شيء يوجِع النفس أكثر من خسارة عزيز، وقد تركت ضخامة الخسائر ألماً عميقاً في الأرواح لمعظم السوريين، سيمكث طويلاً في الوجدان السوري، على أن المؤلم أيضاً هو الجرح الذي انفتح في الروح السورية.

كنا في سوريا نعتقد أننا محصّنون من الوصول إلى هذا الدرك، ونحسب أن هذه الحوادث تقع في العراق ومصر وباكستان، ولكن ليس في سوريا، وبالتأكيد ليس في دمشق الشام. وكأن ما حدث لا يكفي كمأساة، جاء ردّ فعل الحكومة السورية ليذكّرنا بأن ليس في سوريا من يواسي جروح المصاب، ويحسن عزاء العوائل المنكوبة، ويقيم العدل، ويحقّ الحقّ.

في البداية جاء بيان الحكومة السورية لـ “يُدين بأشدّ العبارات الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حيّ الدويلعة في دمشق،” وكأن حيّ الدويلعة يقع في اليونان، أو لكأن دمشق عاصمة اليمن. الحكومة لا تدين، بل تعلن عن المأساة وتصنّفها وتعد بتحقيق العدالة وتتعهّد بمنع تكرارها، باعتبارها المسؤولة عن أمن مواطنيها. هكذا فعلت أنغيلا ميركل في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف سوق عيد الميلاد في ساحة برايتشايدبلاتس في برلين في 2016، عندما عبّرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خطاب متلفز عن صدمتها العميقة وحزنها البالغ، وشدّدت على تمسّك الألمان بسيادة القانون والحياة الحرّة والمفتوحة.

وبعد ساعات، أعلنت الحكومة السورية أنها كشفت الشبكة المسؤولة عن التفجير، ونسبتها إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي. غير أن تنظيماً مجهولاً يُدعى “سرايا أنصار السنّة” تبنّى العمليّة وكشف هوّية المنفّذ الانتحاري، مؤكّداً أنه لا ينتمي إلى “داعش”، بل إلى جماعة متشدّدة منشقّة عن “هيئة تحرير الشام،” متخصّصة في استهداف الأقليات. التنظيم نفسه أعلن في مارس/ آذار الماضي مسؤوليّته عن مجازر في ريف الساحل. ورغم خطورة هذا المسار، لم تُصدر السلطات أي معلومات مسبقة عن هذا التنظيم أو تحرّكاته، ما يثير تساؤلات واسعة في الشارع السوري حول الغموض الذي يكتنف وجوده، وأسباب التكتّم الرسمي على ملابسات التفجير ونتائج التحقيق حتى اللحظة.

التفجير وردّ الفعل الرسمي عليه، إضافة إلى الخطر المتزايد لعودة الإرهاب الطائفي، تكشف عمق الانقسام بين السوريين. أما الشعور الذي اجتاح الكثيرين، وخصوصاً من المسيحيين السوريين، فكان مزيجاً من الذعر وفقدان الثقة بالحكومة والمجتمع والمستقبل.

خلّف التفجير صدمة عميقة في أوساط المسيحيين السوريين، ليس فقط بفعل دمويته وموقعه داخل مكان عبادة، بل أيضاً لما اعتُبر تقصيراً بالغاً من السلطة الجديدة في توفير الحماية، وردّاً رسمياً باهتاً لا يرقى إلى جسامة المأساة. وعلى الرغم من إعلان الحكومة إلقاء القبض على خليّة مرتبطة بالحادث، ساد الغضب والشكّ أوساط السكّان، الذين رأوا في تجاهل مطالبهم، ومنها الامتناع عن وصف الضحايا بـ”الشهداء”، دليلاً على تمييز ديني متجذّر.

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

لكنّ هذا كلّه ليس وليد اللحظة.

من الورد إلى الديناميت

خلال العقد ونصف العقد الماضي، انحدرت سوريا إلى هاوية عنف وكراهية لا سابق لها في تاريخها الحديث. تحوّل خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وبخاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقوداً لإشعال جولات جديدة من العنف وإراقة الدماء، ممزقاً النسيج الاجتماعي ومقوّضاً آمال التعايش الوطني.

البعض يستخدم هذه الخطابات وسيلة للهو، غير مدركِ – أو غير آبه ربما – لما يمكن أن تؤدّي إليه موجات إثر موجات من تبادل الكراهية والدعوة للعنف. والأدهى أن ذلك كله لم يعد تعبيراً رمزياً عن انقسام المجتمع عمودياً إلى سلسلة غير متناهية من الطوائف والمذاهب والقبائل والمناطق، بل تحوّل إلى أدوات فعّالة لتفتيت المجتمع بشكل حقيقي، ووضعه على حافّة انفجار أهلي جديد، وبات يُستخدم في حرب نفسية ضدّ جماعات بكاملها، لتجريدها من إنسانيتها وتبرير استهدافها. وتفاقمت هذه الظاهرة، في غياب أطر قانونية رادعة ورقابة على الفاعلين غير الحكوميين، معيقة جهود التعافي الوطني ومهدّدة ما تبقّى من تماسك اجتماعي.

لا مراء في أن نظام بشار الأسد هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا الانحدار، بسبب الجرائم المروّعة ضدّ الإنسانية التي ارتكبها، بما في ذلك الإعدام خارج إطار القانون، والتطهير العرقي والتعذيب والتجويع والحصار بحقّ جميع السوريين وتدمير المساكن والمستشفيات والمدارس والمخابز والمعابد. ومع انهيار النظام وهروب زعيمه، برزت مخاوف جدّية من موجة انتقامية طائفية دموية، كان يمكن أن تُغرق البلاد في متاهة لا خروج منها. على أن هذا السيناريو المتشائم لم يتحقّق بالكامل إلا أن العنف استمرّ، ولا يزال يحصد ضحايا من المدنيين الأبرياء بدلاً من مجرمي النظام الكبار، الذين – ويا للسخرية – يتمتّعون بحماية النظام الجديد – بعضهم على الأقلّ.

ثمّة جيل كامل من السوريين، الذين ولدوا ونشأوا إما قبيل الثورة أو خلالها، لم يعرف سوى مشاهد القتل والكراهية والانقسام. حتى أن بعضهم صار يعتقد أن هذه هي الحالة الطبيعية، بل ربما الأفضل. تتحدّى مقالتي هذه تلك الفكرة، مذكرةً القراء بأن الثورة السورية بدأت كانتفاضة سلمية، قبل أن يحوّلها تجّار السياسة الجغرافية والدم إلى حرب أهلية مدمّرة. هنا، أتتبّع لحظة الانهيار: متى وكيف تحوّل الأمل إلى يأس؟

حركة اللاعنف السورية

سيقول كثير ممن يقيّض لهم قراءة هذه السطور أشياء مثل “هذه نوستالجيا” أو “كفى سذاجة بحقّ السماء!”، ولعلّي لا أنفي عن نفسي السذاجة، فأنا من قلّة من الناس الذين لا يؤمنون أن السياسة فنّ الممكن، وأنها “وسخة”، بل أدّعي إن السياسة هي فنّ تحقيق المستحيل، وعلى من يتصدّى لها أن يعي ذلك جيّداً.

ولذلك، لن أملّ أبداً من تذكير الغافلين بالتحوّل الجذري للثورة السورية من بداياتها السلمية في عام 2011، إلى انزلاقها نحو العنف والعسكرة. ستعيد هذه السطور سردية الأشهر الأولى من الثورة السورية، وتتلمّس صعود فاعل سياسي جديد – بقيادة شبابية، سلمي، ومنفصل عن المعارضة التقليدية – تجسّد في لجان التنسيق المحلّية، وقدم نموذجاً للنضال المدني والثقافي والمقاوم ضدّ الطغيان.

عمل شباب الثورة الأولى في ظروف استثنائية. فالنظام، الذي تعلّم من دروس المعارك الإعلامية في مصر وتونس، طرد على الفور الصحافيين الأجانب وأغرق الإعلام الرسمي بالدعاية الطائفية. في مواجهة ذلك، خاطر أعضاء التنسيقيات بالاعتقال والتعرّض للتعذيب والموت، لنشر مقاطع مصوّرة مهتزّة من هواتفهم النقّالة وتسرّيب الشهادات العينية، لتشكيل الرأي العامّ العالمي، وربط أصوات السوريين بالعالم الخارجي. أدرك أولئك الشباب قوّة السرد، وخاضوا معركتهم من أجل الحقيقة – كادراً تلو كادر.

ومع ذلك، لم تكن قوّة الثورة في بداياتها محصورة في قدرتها على توثيق القمع ومخاطبة الرأي العامّ، بل في بنيتها الأخلاقية أيضاً. تجسّد هذا البعد بوضوح في داريا؛ البلدة الصغيرة جنوب غرب دمشق، التي تحوّلت إلى رمز للاعنف المنظّم، حيث رفض الناشطون، مستلهمين أفكار جودت سعيد، الانجرار إلى أي شكل من أشكال الردّ العنيف، وواجهوا الحصار بتوزيع الورود والماء على الجنود، في محاولة للوصول إلى إنسانيتهم، لا إلى أزيائهم العسكرية.

برز في هذا السياق اسم غيّاث مطر، الذي قضى تحت التعذيب، وصديقه يحيى شربجي، الذي غيّبه الاعتقال لسنوات قبل أن يُعرف نبأ مقتله. كلاهما كان من دعاة الانضباط اللا عنفي، لا في الفعل فحسب، بل في الخطاب أيضاً، ويحيى الذي قاد النشاط السلمي هو من دعا إلى تجنّب اللغة العدائية، مذكّراً بأن الثورة ليست وسيلة لتغيير النظام فحسب، بل اختبار لقدرتنا على تغيير أنفسنا أيضاً.

تكرّرت هذه المشاهد عبر سوريا. في حمص واللاذقية وسراقب ودرعا، أصرّ ناشطون مثل رزان زيتونة ومازن درويش ومنهل باريش وسميرة خليل على المقاومة السلمية حتى تحت وابل الرصاص، وآمنوا أن الموقف الأخلاقي للثورة هو أقوى أسلحتها، وأن الانزلاق إلى العنف يعني خسارة روح الانتفاضة.

وقد صمدوا شهوراً طوالاً. كان النظام المتوّحش الذي أصمّ أذنيه وفتح عينيه يردّ، كما كان متوقعاً، بعنف مفرط. حوصرت بلدات بكاملها، دوهمت المستشفيات، عُذّب الأطفال. ومع ذلك، ظلّ السوريون يملأون الشوارع، حاملين لافتات التنديد بالظلم وهتافات الكرامة. أصبحت الانتفاضة مرآة عكست همجيّة النظام من جهة، وصمود الشعب من جهة أخرى.

لكن مع تصاعد القمع وجبن الموقف الدولي والرعب الذي استبدّ بقوى إقليمية فاعلة، طغت القوى المسلّحة والتدخّلات الخارجية على هذه القوى السلمية، مما أضعف المشروع الديمقراطي، وأعاد إحياء خطاب الكراهية والانقسام. بعد أكثر من عقد على بدء الثورة، أحاول قراءة التجربة بمنظور نقدي، مجادلاً أن اللا عنف لم يكن ضعفاً وهشاشة من السوريين، ولكنه كان خياراً واضحاً اختاروه بأنفسهم وعن وعي منهم.

وبحلول أواخر 2011، بدأت موازين القوى تتغيّر. ظهور “الجيش السوري الحرّ” الذي شكّله جنود انشقّوا رافضين قتل المدنيين، شكّل نقطة تحوّل. ولئن كان سبب تشكّل الجيش الحرّ دفاعياً في البداية، فإن وجوده عزّز الدعوات للمقاومة المسلّحة. وكلما تصاعد قمع النظام، أصبح التمسّك باللا عنف أكثر صعوبة. ازداد العبء على المتظاهرين السلميين – عبئاً ثقيلاً جداً لم يعد بإمكانهم تحمّله وحدهم. وبينما كان الأسد يعطي الفرصة للمتظاهرين بالتسلّح، ويترك لهم الأسلحة عمداً، كان يعتقل ويغيّب ويقتل ويعدم القادة السلميين مثل عبد العزيز الخير ومشعل التمّو وعبد القادر الصالح ويوسف الجادر وباسل شحادة.

ومن لم يقتله أو يغيّبه النظام، تكفّلت به الفصائل الإسلامية المتطرّفة. فاختطف “جيش الإسلام” القادة السلميين الذين كانوا يوثّقون جرائم النظام والفصائل المسلّحة: رزان زيتونة، وسميرة الخليل، وناظم حمّادي، ووائل حمادة، ولا نعرف مصيرهم حتى اليوم. ولاحق “تنظيم الدولة” و”النصرة” الصحافيين السلميين والناشطين الذين كانوا يوثّقون انتهاكات حقوق الإنسان، وقتلوا نشطاء مثل إبراهيم عبد القادر وناجي الجرف وروعة القاسم.

وكانت النتيجة أن خلت الساحة من الصف الأول والثاني من قادة الثورة الأوائل، وبرّر قادة الفصائل المسلّحة المدعومة من قوى إقليمية بارزة، عنف النظام لاستخدام عنف مقابل، وانحدرت البلاد شيئاً فشيئاً نحو هاوية لا قرار لها.

في الخارج، بقيت المعارضة التقليدية والجديدة في المراحل الأولى من الثورة، عاجزة عن مواكبة الديناميات الجديدة التي فرضتها حركة الداخل، وعندما حاولت تدارك تأخّرها، تحرّكت بسرعة لملء الفراغ السياسي، لكنّها فعلت ذلك من موقع ارتباك وبأدوات قديمة. وحظي “المجلس الوطني السوري”، الذي جاء كاستجابة متأخّرة لضغوط إقليمية ودولية، باعتراف سياسي سريع، إلا أنه افتقر إلى قاعدة شعبية متينة أو هيكلية تنظيمية مستقلّة، وسرعان ما وقع تحت تأثير تنظيم “الإخوان المسلمين”، مما أدّى إلى استقطاب داخلي أضعف شرعيّته بوصفه إطاراً جامعاً.

في الوقت نفسه، كانت لجان التنسيق المحلّية، التي منحت الثورة بنيتها التنظيمية ورؤيتها السلمية، تتآكل تحت وطأة القمع والإنهاك الميداني، بينما بدأت تظهر فصائل أكثر تسليحاً، وأكثر قدرة على فرض حضورها الرمزي والعسكري. وانعكس هذا التبدّل في موازين القوى أيضاً على المقاربة الدولية، فانجذبت العواصم الغربية والعربية إلى الخطاب الجيوسياسي، على حساب دعم البنية المدنية للثورة. وتحوّل التركيز صوب تسليح الفصائل، في غياب رؤية شاملة للمرحلة الانتقالية، مما أضعف الزخم الأخلاقي والسياسي للانتفاضة.

وبهذا المعنى، لم يكن تراجع اللا عنف مجرّد نتيجة للعنف المفرط من قِبل النظام فحسب، بل نتاج لتحوّلات داخلية وخارجية أعادت تعريف أولويات الثورة. ومع الوقت، تفكّك المشروع الوطني الجامع إلى مشاريع متنافرة، وفقدت الثورة مركز ثقلها الأخلاقي، لصالح منطق السيطرة العسكرية والتحالفات الفصائلية. وبينما كانت البداية وعداً بتأسيس نظام ديمقراطي جديد، أفضت المسارات المتشابكة إلى واقع من الانقسامات الطائفية وحروب الوكالة المفتوحة، وهو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

جلّادون يغيّرون زيّهم

عندما سقط نظام الأسد وهرب الرئيس السابق أخيراً في أواخر 2024، كان يجب أن تتاح لسوريا لحظة تحرّر. انتصار طال انتظاره لشعب تحمّل ما لا يُحتمل. لكن التحرّر، كما اتّضح، لم يكن مرادفاً للعدالة، فسقوط الطاغية لم يعنِ قيام الجمهورية التي حلمنا بها.

في الأسابيع التالية لسقوط الطاغية، كنّا جميعاً نخشى الأسوأ: موجة انتقام دموية شاملة وانهيار تامّ لمؤسّسات الدولة. لحسن الحظ، لم يتحقّق هذا الكابوس. ولا بدّ هنا من نسْب الفضل إلى قيادة “هيئة تحرير الشام” ومن يقف وراءها، كما تبيّن لاحقاً. على أن ما ظهر بدلاً من ذلك كان انحداراً أبطأ وأذكى.

فبينما كان السوريون يترقّبون بزوغ عدالة تؤسّس لجمهورية جديدة، خرج الجلّادون من عتمة الذاكرة، وقد غيّروا وجوههم وارتدوا ثياب المصالحة. فجأة، أصبح سفّاح “التضامن” محامياً، وجلّاد “الدفاع الوطني” ضيف شرف في مجالس العزاء، يتلقّى العناق من مسؤولي الدولة التي نشأت على أنقاض الاستبداد.

فادي صقر، الذي لا تزال رائحة الموت عالقة على يديه، يُعاد تلميعه اليوم تحت لافتة السلم الأهلي، وبدلاً من محاسبته على جرائمه في محاكمة عادلة، نراه يتصدّر مشهد المصالحة، وتُكافأ الأيادي الملطّخة بالدم بفرص الظهور والبروز، وتُترك عائلات الضحايا لمواجهة مصيرها وحدها.

وبالفعل، منذ سقوط النظام، لم يُوجَّه الغضب نحو مرتكبي الجرائم بقدر ما وُجّه نحو جماعات بكاملها، على أساس طائفي أو مناطقي أو بحسب ولاءات مُفترضة. عائلات عارضت النظام منذ بداياته وجدت نفسها معاقبة أو مُضايقة لمجرّد انتمائها أو نسبها. أعرف شخصياً من دفع هذا الثمن: صديقتي هنادي زحلوط، الناشطة البارزة والمعارِضة العنيدة لعائلة الأسد، فقدت ثلاثة من أشقّائها، رغم أن أحداً منهم لم يكن من الموالين للنظام السابق لكي يكون شبيحاً. وصديقتي وفاء سلطان، التي واجهت نظام البعث طويلاً، فقدت أخاها وأولاده الثلاثة في ظروف مشابهة. في هذا المشهد، لا يبدو أن الانتماء الشخصي أو الموقف السياسي كانا كافيين لحماية أحد.

لكنّ العنف لم يتّخذ دائماً شكلاً مادياً مباشراً، إذ انتقل تدريجياً إلى الفضاء الرقمي، حيث ازدهرت أشكال جديدة من الاستهداف: حملات تحريض عبر الوسوم، مقاطع مفبركة، واستفزازات مقصودة تهدف إلى إشعال التوترات الطائفية. ما بدأ في الشوارع، انتقل إلى الشاشات؛ وما مُورس بالسلاح، بات يُدار بالخوارزميات.

بحلول العام 2025، لم تعد هشاشة سوريا تقتصر على مؤسّساتها المنهارة أو اقتصادها المنكوب، بل امتدّت إلى فضائها الرقمي غير المنظّم. أصبحت وسائل التواصل ساحة معركة منفلتة من أي ضابط قانوني أو أخلاقي، تُضخّم خطاب الكراهية وتروّج للتضليل. انتشرت مقاطع لجرائم حرب حقيقية إلى جانب لقطات مزيّفة يصعب التمييز بينها، ومع غياب إعلام مهني أو قضاء مستقلّ، راح المؤثّرون وسماسرة الأزمات يعيدون تدوير الكراهية، ويغلّفونها بلبوس جديد.

جوهر القضيّة

هذه، في جوهرها، هي مأساة سوريا اليوم. الثورة التي وُلدت من رحم الأمل والدعوة للديمقراطية، تجد نفسها في مشهد تشكّله الجراح المفتوحة، وانهيار الثقة، وانزلاق المجتمع نحو حافّة التفكّك. لقد تراجعت لغة العدالة، وحلّت محلّها لغة الانتقام.

لكن وسط هذا الظلام، تبقى حقيقة: الثورة السورية لم تبدأ بالعنف، ولا ينبغي أن تنتهي به.

إرث اللجان التنسيقية وداريا والاعتصامات السلمية والورود المقدّمة للجنود يظلّ مرجعاً، ليس كنوستالجيا، بل كخارطة طريق. الناشطون الذين خاطروا بحياتهم لتوثيق الاحتجاجات وطرح رؤية ديمقراطية ما زالوا بيننا، وإن تشتّتوا، أو جُرحوا، أو نزحوا. مهمّتهم اليوم أصعب، لكنّها لا تقلّ أهمّية: بناء ثقافة مدنية تقاوم الاستبداد وثقافة الانتقام معاً.

هذا يتطلّب أكثر من السياسة. يتطلّب ذاكرة وعدالة وحماية، ويتطلّب قبل ذلك مؤسّسات قادرة على ضمان الحقوق وفضّ النزاعات، لا ميليشيات أو حشود شعبية. محو أمية رقمية وإصلاح قانوني لمواجهة سموم التواصل الاجتماعي، لغة أخلاقية مشتركة لتمييز العدالة عن الثأر.

اليوم، إذا أردنا استعادة ما وقفنا من أجله، يجب أن نبدأ مما منح الانتفاضة معناها منذ البداية: الإيمان بأن لا سوري، بغض النظر عن أصله أو معتقده أو تاريخه، أقلّ قيمة من آخر، أن الكرامة لا تتجزّأ، وأن سوريا عادلة لا تُبنى على عظام ضحايا جدد. ولكنّ هذه المبادئ غير محقّقة في ظلّ الحكومة القائمة: لا هي محقّقة في الإعلان الدستوري، ولا في هيمنة الفكر الإسلامي السلفي المغلق، ولا في جيش المتملّقين القدامى والجدد، الذين ينتظرون على أبواب الحكم الجديد في دمشق.

درج

————————————–

تفجير كنيسة في دمشق ونقصان الأمن/ عمار ديوب

24 يونيو 2025

تقع كنسية مار إلياس قبالة حيّ الدويلعة جنوبي دمشق، وفيه غالبية مسيحية وخليط متعدّد من الطوائف كافّة. الحيّ شعبي بامتياز، بيوته من طابقين أو ثلاثة في معظمها، وفيه كثافة سكّانية كبيرة، يعمل معظم قاطنيه في القطاع الحكومي، وقدم سكّانه المسيحيون من مدينتَي درعا والسويداء قبل عقود طويلة، وإلى جواره حيّ الطبالة، بمواصفات مشابهة. فجّر الإرهابي (تفيد تحقيقات أولية بأنه ينتمي إلى تنظيم داعش) نفسه داخل الكنسية، بعد نفاد طلقات بندقيته، فكانت الحصيلة كارثيةً؛ 22 شهيداً وأكثر من 60 جريحاً، وضرر كبير في البناء والأيقونات والأثاث.

كانت العلاقات بين الطوائف في هذا الحي في أحسن أحوالها، تندُر فيه المشكلات الطائفية، وقد طرد شبابٌ من السُّنة قبل شهر سيّارةً كانت تدعو أهالي الحي إلى الإسلام، توقّفت أمام كنسية مار إلياس تحديداً، وهذا ينسجم مع تقاليد راسخة من التعايش القديم هنا، وكان ذلك رسالةً أهلية بالغة الأهمية، أن التغيّر في الحكم في سورية لا يغيّر من العلاقات بين الطوائف، وأن المسيحيين والسُّنة أبناء هذه البلاد، بغض النظر عن مفهومَي الأقلية والأكثرية، فيمكن للسُّنة أن يكونوا حماةً للمسيحيين وسواهم.

شعر السوريون المسيحيون، كما باقي الأقلّيات، بقلقٍ كثيرٍ على مستقبلهم، بعد أحداث الساحل والمجازر بحقّ السوريين العلويين، وكذلك المجازر بحقّ السوريين الدروز، لا سيّما في أشرفية صحنايا. سكّان صحنايا في الأصل مسيحيون، بينما سكن الدروز الأشرفية التي يسكنها اليوم خليط من الطوائف والقوميات السورية. ولم تشعر الأقليات فقط بالقلق والاستياء، بل كذلك السُّنة، فالأيديولوجيا السلفية للسلطة لا تتطابق مع الإسلام المعتدل، الذي يتبنّاه معظم السُّنة في سورية. الشعور بالقلق هو من طبيعة المراحل الانتقالية، فالنظام لم يستقرّ بعد. ولكن، حين ترتبط هذه المرحلة بالخوف من أيديولوجية الحكم ومن المستقبل، تصبح لدينا إشكالية عقائدية تتعلّق بالابتعاد عن الهُويَّة الوطنية، وبالتالي، على الحكم إعادة تعريف نفسه ممثلاً وطنياً. وتأتي هذه العملية الإجرامية تهديداً للسلم الأهلي. وبالتالي، رسالة إلى الداخل السوري بأكمله. من الصواب أن تعلن السلطة الحاكمة الحداد الوطني، لتكون رسالة إلى العالم، وإلى السوريين، وللتيّار السلفي الجهادي ذاته (ينتسب كثيرون من أتباعه إلى جهازَي الأمن والجيش، ويعملون في إدارات الدولة كافّة)، إن المسيحيين جزء من الشعب السوري، وإن التعايش السلمي الذي يتضمّن الاعتراف بهم مسألة غير قابلة للنقاش. كما هي رسالة إلى المسيحيين القلقين الخائفين أن ما حصل لا يمسّهم وحدهم، بل يهدّد السوريين كافّة.

لا يشعر السوريون المسيحيون بأن السلطة تحميهم، وحالهم هذا يشبه حال كثيرين من الأقلّيات، بل هو شعور السُّنة أيضاً وإن بدرجة أقلّ. هناك أسباب كثيرة للشعور بالقلق وعدم الاستقرار: غياب فرص العمل وتراجع مستويات المعيشة، وتأخّر البدء بإعادة الإعمار وبطء تدفّق الأموال إلى داخل البلاد، وطرد أعداد هائلة من العمل، وحلّ الجيش وجهاز الشرطة. أمّا أيديولوجية السلطة وتوجّهاتها السلفية فهي سبب مركزي للقلق العام؛ وقد صرّح رجال دين مسيحيون بعد التفجير إن الدولة لا تحميهم. ومع هذه العملية الإجرامية، سيتضاعف القلق، وسيكون هناك توجّه نحو الهجرة، وزادت الطين بِلّةً تصريحات غير مسؤولة من إعلاميي السلطة، إن منفّذي العملية (ومن خلفها)، هم “داعش” وفلول النظام وإيران، بدلاً من الاكتفاء بـ”داعش”، كما ذكرت تحقيقات وزارة الداخلية، التي أعلنت البدء بتحقيقات واسعة ودقيقة للوصول إلى الأطراف التي أعدّت للعملية ونفّذتها.

ينتقد أغلبية السوريين (ومنهم المسيحيون) السلطة لأنها لا تبدي حزماً جادّاً تجاه الفصائل والمجموعات المتطرّفة، وأن هناك عدة حوادث أمنية ضدّ الكنائس المسيحية في حمص وحماة وحلب ودمشق، وبلدة مشتى الحلو وسواها. ولم تعلن السلطة محاكمة أيّ فردٍ ارتكب انتهاكات، بل تُلاحَظ سرعة إطلاق سراح متهمين. مرّت ستّة أشهر، ولا يزال التهاون مستمرّاً. وتنبّه أوساط السلطة إلى أنها منعت عمليات انتحارية عديدة في الأشهر الماضية، وتؤكد تقارير أن تنظيم داعش أرسل أفراداً منه إلى داخل المدن السورية، والعملية في الدويلعة تأتي ضمن هذا المناخ. ضبط مسألة الأمن أحد المداخل للاستقرار، وكذلك تطبيق العدالة الانتقالية، وينبغي انتهاج سياسة إعلامية وطنية بعيداً من تسييس قضية الأقلّيات والأكثرية. السلطة معنية بشكل جادّ بالانتقال إلى سياسات وطنية، والكفّ عن تصوير نفسها ممثلةً للطائفة السُّنية، بينما يراها أغلبية السوريين ممثّلة لهيئة تحرير الشام وحلفائها، وتتحكّم بكل إدارات الدولة.

تخطئ السلطة كثيراً بتأخّرها في الانتقال إلى سياسات وطنية، وفي عدم تطبيق مبدأ فصل للسلطات والعمل المؤسّساتي، وفي عدم تفعيل القضاء والحفاظ على استقلاليته، وتُنتقد لغياب الشفافية في إدارة الدولة، وفي التوظيف، وفي الاتفاقات الاقتصادية مع الشركات الخارجية. تُخطئ كذلك في استمرار إقامة الدورات الشرعية داخل جهازّي الجيش والأمن، والتي تستبعد مباشرةً الأقلّيات أو غير المؤمنين من الجهازين، وتخطئ كذلك في الاعتماد على رجال الدين السلفيين المتشدّدين فيهما تاركة لهم القرار النهائي تجاه أيّ مشكلة تواجه المواطنين، بينما تقتضي المرحلة الانتقالية الاعتماد على شخصياتٍ وطنيةٍ وعلى تفعيل القضاء.

يتأكّد المُراقب لنقد السوريين في الداخل والخارج للشأن العام من رغبتهم في المشاركة بإنهاض الدولة، والحفاظ على وحدتها، ورفض التدخّل الخارجي، بل دعم السلطة لتتبنّى سياسات وطنية وممثّلة للجميع. المسيحيون الآن قلقون للغاية، والعلويون والدروز كذلك، وكثيرون من أبناء الطائفة السُّنية. على السلطة أن تقرأ هذا القلق الذي يستتبعه النقد دعماً لها، لا عدائيةً تجاهها. ولا بدّ من ضبط الأمن والإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية، ولا غنى للسلطة عن الثقة بالشعب وإشراكه في تمثيل نفسه في مؤسّسات الدولة، والتخلّي عن سياسات التعيين، آخرها تعيين شخصيات تشكّل مجلساً للشعب. ولا بدّ من إطلاق الحريات العامة وحرية تشكيل الأحزاب والنقابات، والتخلّص من الأيديولوجية السلفية مرجعيةً للسلطة. إن الأخذ بهذه القضايا وتناولها إعلامياً، والتوقف عن تحويل الأعلام منصّةً تعادي منتقدي السلطة وسياساتها، سيساعد في إعادة الثقة بالسلطة، ويضمن نجاح المرحلة الانتقالية.

العربي الجديد

——————————-

 قراءة هادئة في خطاب البطريرك/ أسعد قطّان

السبت 2025/06/28

حين أطلق البطريرك يوحنّا العاشر (يازجي) صرخته المدوّية، إبّان صلاة الدفن التي أقيمت لضحايا التفجير الإرهابيّ في كنيسة مار الياس في الدويلعة-دمشق، تعاطف معه كُثُر من المسيحيّين في سوريا وخارجها، وذلك على الرغم من أنّ الخطاب بدا انفعاليّاً وغير متماسك في أكثر من موضع – وربّما يكون هذا طبيعيّاً بفعل الارتجال وضغط اللحظة.

من حقّ السلطة السياسيّة في سوريا، طبعاً، أن تفنّد بالنقد بعض مضمون هذا الخطاب. لكنّ ما يبدو اليوم أشدّ أهمّيّةً بما لا يقاس، ضرورةُ أن تتفكّر هذه السلطة في مغزى هذا التعاطف مع موقف البطريرك. لماذا يا ترى؟ لماذا شعر كُثُر من المسيحيّات والمسيحيّين في سوريا بأنّ البطريرك ينطق باسمهم كما لو أنّه “رئيس الملّة” إبّان الزمن العثمانيّ؟

لعلّ السبب الرئيس هو تعثّر الدولة السوريّة الجديدة الفاقع حتّى اليوم في أن تصبح دولة. من مذابح الساحل، مروراً بالاشتباكات في جرمانا وصحنايا، وصولاً إلى مجزرة كنيسة مار الياس، يسيطر شعور على كُثُر من السوريّات والسوريّين، لا المسيحيّين وحسب، بأنّ مشروع دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في حمى القانون وتوفّر لهم الأمن والأمان، لم يتحقّق بعد بالحدّ الأدنى. يضاف إلى ذلك إحساس بأنّ السلطة السياسيّة غير محايدة تجاه الأديان، بل تحاول، كلّما سنحت لها الفرصة، أن تضيّق على بعض مساحات المجتمع، وأن تأخذه نحو شكل من أشكال الأسلَمة، خَفِر تارةً وسافِر طوراً.

حيال الخوف الذي يعتري المسيحيّين (وغيرهم) من الأسلمة وشعورهم بعدم الأمان، من الطبيعيّ أن يضعف التصاقهم بمشروع الدولة، وأن يشتدّ تماهيهم بالجماعة الدينيّة التي ينتسبون إليها، والتي يشعرون بأنّ انتماءهم إليها مهدّد. ولعلّ هذا ما يسوقهم إلى التعاطف مع قادة هذه الجماعة، واستحضار محطّات من ذاكرتهم التاريخيّة كان فيها هؤلاء القادة “رؤساء الملّة” والناطقين باسمها.

حيال تقهقر مشروع الدولة وعدم قدرته على فرض ذاته بالسرعة المطلوبة، كان من الطبيعيّ والمشروع والضروريّ أن يحمّل البطريرك الحكومة مسؤوليّة مجزرة الكنيسة، مستخدماً كلمات قاسيةً ومتهكّمة. فالقضيّة قضيّة حياة أو موت. وإذا بقيت سوريا على ما هي عليه اليوم، جمهوريّة موز، الكلمة فيها للرعاع وقطّاع الطرق، سيمعن الناس في الافتقار والهجرة، وربّما انفجرت حرب أهليّة لا تبقي ولا تذر.

بيد أنّ مشكلة خطاب البطريرك تكمن في موضعين: أوّلاً أنّه استعاد مذابح العام 1860 في دمشق من دون أيّ مبرّر واضح. ليس الموضوع أنّ الخطاب البطريركيّ ينكأ جراح التاريخ، إذ من حقّنا أن نتكلّم على التاريخ وأن نتفحّصه بالنقد. لكنّ الخطاب أعطى الانطباع أنّ البطريرك يحمّل مسؤوليّة مجزرة الكنيسة للدمشقيّين من أهل السنّة عموماً، وهذه مقاربة إشكاليّة تتجاهل مدى تضامن المسلمين مع المسيحيّين في إثر حادثة الكنيسة. يضاف إلى ذلك أنّ الحديث عن “طوشة 1860″، كما يحلو لأهل دمشق أن يسمّوها، لا يستقيم من دون الحديث عن عبد القادر الجزائريّ، الذي حمى آلاف المسيحيّين ومنع إخوته في الدين من قتلهم.

ربطُ مجزرة الكنيسة بمجازر العام 1860، سببه الخوف المتراكم في الوعي الجمعيّ لدى المسيحيّين لأسباب يجدر بالمؤرّخين وعلماء الاجتماع والسيكولوجيا أن يدرسوها. لكن من واجب الخطاب البطريركيّ أن يفكّك هذا الخوف، لا أن يزكيه.

المشكلة الثانية في كلمة البطريرك أنّها خاطبت السلطة السياسيّة بإسم المسيحيّين، لكنّها لم تقدّم خطاباً يتكلّم باسم السوريّات والسوريّين عموماً. في الآونة الأخيرة، كثيراً ما استرجع السيّد البطريرك مآثر سلفه مغبوط الذِّكر، غريغوريوس حدّاد. إنّ سيرة البطريرك الحدّاد تُظهر، بما لا يقبل الجدل، أنّ عبقريّة الديناميّة المسيحيّة تكمن في قدرتها على تقديم خطاب لا يتخطّى الخوف المسيحيّ القابع في مطاوي منظومة أهل الذمّة فحسب، بل يذهب إلى الحيّز الذي يتلاقى فيه السوريّات والسوريّون أجمعون بوصفهم أهل أرض واحدة يتشاركون في الهواء والخبز والإبداع والأحلام، ويستطيعون من هذا المنطلق أن يؤسّسوا عقداً اجتماعيّاً قوامه المشترك بينهم، أي المواطنة.

هذا البحث عن الحيّز المشترك يملي علينا أن نلقي عنّا، إلى غير رجعة، الغباوة التي تفترض، عن وعي أو عن غير وعي، أنّ دماء المسيحيّين أغلى من دماء سواهم، أو أنّهم يشكّلون في منطقتنا حالةً خاصّةً تبرّر لهم التعالي على سواهم. فالمسيحيّون لا يصبحون حالةً “خاصّة” إلّا عبر إخلاصهم لإنجيل المصلوب. وهذا الإنجيل يعلّمهم شيئاً واحداً: أن يكونوا “غَسَلة أرجُل”، وأن أيّ هويّة أخرى لهم من خارج هذه الهويّة الإنجيليّة تفضي بهم إلى اللامعنى.

في غمرة المذبحة، من الصعب أن يختطّ المرء الطريق الذي يأخذنا من الحلقة المفرغة المتّصلة بالهويّة المأزومة، إلى رحاب خطاب يشعر معه الجميع، كائناً مَن كانوا، أنّ أسقف الجماعة المسيحيّة ينطق بإسمهم كما لو كان شيخهم الصوفيّ. لكن هذا تحدّي الكبار. وإذا لم يعكف الكبار على هذه المهمّة، مَن يقوم بها؟

المدن

——————————————

من جامع بن عُمير إلى كنيسة مار إلياس/ رغيد عقلة

29 يونيو 2025

نشر نزار قباني، عام 1954 في مجلة الآداب البيروتية، أهم قصائده حتى تاريخه، وربما الأهم في مسيرته الشعرية، “خبز وحشيش وقمر”. … كانت خروجاً على المفاهيم المتوارثة والعادات والتقاليد السائدة، التي رأى فيها نزار تمسّكاً مبالغاً فيه من مجتمعه ومحيطه، الدمشقي خصوصاً والسوري عموماً، بمجموعة قيم وأفكار تتناقض مع روح العصر بحداثتها، وتضع قيوداً على طرق تفكير السوريين وتفاعلهم مع حاضرهم ونظرتهم إلى مستقبلهم. كانت القصيدة ثورةً حقيقية أثارت حفيظة تيار الإسلام السياسي المُمَثَّل في البرلمان وقتها بجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت لها مشاركتها الفعالة في الحياة السياسية والبرلمانية، كباقي الأحزاب على الساحة السورية، ناهيك عن نشاطها الاجتماعي المؤثِّر، وحضورها القوي في أغلب طبقات المجتمع السوري، على اختلاف منابتها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

اللافت في موقف نزار في قصيدته التي أقامت الدنيا ولم تقعدها أنها لم تنتقد أفكاراً بعينها، دينيةً كانت أو اجتماعية، بقدر ما انتقدت حالة “الاستسلام اللذيذ” من السوريين لطريقة عيش وتفكير معينة لا علاقة لها بالدين، واستمتاعهم بطقوسها، ومن هنا ربما جاء استخدامه مفردة “حشيش”، وإصراره أن تكون في عنوان قصيدته.

تعيش أطياف عريضة من السوريين اليوم، من منابت دينية وفكرية واجتماعية مختلفة، حالة خَدَرٍ شبيهة بالتي تحدثت عنها قصيدة نزار، لم تبدأ في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، مع فرار الوريث الساقط، وحلول هيئة تحرير الشام بنسختها المحدثة من الفكر السلفي الجهادي مكانه، بل لعلها بدأت فعلياً في 8 مارس/ آذار 1963 مع صعود حزب البعث إلى السلطة، ومصادرته كل أشكال الحياة السياسية والبرلمانية والفكرية السورية، باسم شعاراتٍ آمنت بها أطيافٌ عريضةٌ من السوريين، إلا أنها لم تقدّم لهم، في النهاية، إلا نموذج الحزب الواحد والقائد الأوحد، والفكر المسطّح الذي انتهى بهم إلى حكم العائلة لبلدٍ صار مزرعةً لها، وكما ترافقت حالة الأمس مع حضور العديد من السوريين المخلصين، الذين آمنوا فعلاً بكثير من الشعارات التي طرحها رفاق المرحلة، وتحوّلت، مع الوقت، طُعْمَاً اصطاد البلد كله في صنارة “القائد الخالد”، فإن الغالب من التيارات الشعبية التي تهلل اليوم لسلطة الأمر الواقع، وترفض أي انتقادٍ لها، تستند لحواضن شعبية تؤمن فعلاً بكل الشعارات الحقيقية التي تبناها السوريون في ثورتهم على النظام البائد، وتبارك حالة الانعتاق الكبير من سلطته الغاشمة التي لم تكتفِ باستباحة حرّياتهم، بل تعدت ذلك إلى مصادرة أسباب عيشهم، بمنظومات فساد أرادت السلطة والثروة معاً، يعود بعض أكبر رموزها اليوم إلى إعادة إنتاج أنفسهم بصور جديدة تتلاءم مع المشهد الجديد وكأن شيئاً لم يكن، وكما كيّفوا أنفسهم مع شعارات رفاق الأمس التي اقتادتهم إلى نظام حكم العائلة والمزرعة، ها هم يتماهون اليوم مع شعارات “مشايخ” اليوم، التي وإن اختلفت بمظهرها تتفق معها بمضمونها الفعلي وغاياتها الحقيقية، والأخطر من ذلك نتائجها.

حالة التسليم المطلق من تيار عريض من السوريين بأن هناك من حرّرهم فعلاً، وإنكارهم دور المعادلات الدولية والإقليمية المعقدة التي ساهمت في سقوط نظام الوريث بعد أن فقد صلاحيته عند الجميع، هي التي تستحقّ الوقوف عندها، خصوصاً أنها تستدعي عندهم فوراً حالة تفويض مطلق لـ”محرّريهم” المفترضين بإدارة كل شؤون بلدهم، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكأنهم لم يثوروا بالأمس على نظامٍ حَكَمَهُمْ بتفويضٍ مماثل، اغتصبه باسم “ثورة” 8 آذار، و”بَعث” وأهداف سامية لم يروا منها إلا صديدها وعفنها وقروحها، اغتالت أمسهم وصادرت حاضرهم، وقضت على مستقبلهم، رغم وجود بعثيين عديدين أخلصوا فعلاً لتلك الأهداف، فنجحوا بالأخلاق، وفشلوا بالسياسة، إلى أن استأصلهم الأسد الأب في حركته “التصحيحية”، وباشر التأسيس لحكم المزرعة الذي انتهى بتوريث الساقط، وصولاً إلى ثورة السوريين عليه التي كَلَّفَتهم جميعاً ومن دون استثناء، 13 عاماً من الدماء والسجون والتشرّد واللجوء، لينتهي بهم المطاف عند شعار “من يحرّر يقرّر”، الذي كان لافتاً أنه لم يتم طرحه وتسويقه أنه من السلطة الجديدة، بل على أنه نداء شعبي وأهلي طرحه وتبنّاه بعض السوريين، وهُمُ اليوم في حالة “خضوعهم اللذيذ” له، غير مستعدّين لسماع أي رأي أو نقد لأي أمر يتعلق بالشأن العام ويفسد عليهم حالة استمتاعهم بلفافة الحشيش نفسها التي تحدّث عنها نزار منذ عقود، أو يوقظهم من نشوتهم المزيّفة معها.

ليست حالة الخَدَر التي يعيشها السوريون اليوم متعلقة بأصالة مقابل حداثة، أو تَدَيُّن مقابل علمانية، بل هي مزيج من مكارثية وشعبوية ورغائبية شديدة بالانتقام من عهدي الأسدين، لها بكل تأكيد مبرّراتها المحقّة، على أنها لا يجب أن تحيل الضحية إلى شاهد زور، يرفض بإصرار أن يرى مؤشّرات كثيرة خطيرة تشي بالاتجاه الذي يسير البلد باتجاهه، ناهيك أن يعي مدلولاتها ونتائجها التي شملت وستشمل الجميع، وتحولهم من شهود زور إلى ضحايا، فالجو العام المشبع بالفكر الذي أباح الاعتداء على حلقة الذاكرين (السُنَّة) في جامع مصعب بن عمير في حماة المحافظة أواخر مارس/ آذار الماضي، ووصفهم بالمبتدعين والقبوريين واتهامهم بالشرك، والسكوت عنه، وعدم محاسبة من قاموا به على رؤوس الأشهاد، هو الذي مهّد الطريق لحادث كنيسة مار إلياس المأساوي وضحاياه الأبرياء، وضحايا كل عمل إرهابي، لا أستثني منهم على الإطلاق عناصر الأمن العام وجهودهم النبيلة في حماية أهلهم السوريين بمنتهى الغيرية. ومهما اختلف التوصيف الجنائي للحادثين ومن وراءهما، لا يمكن فصل ذلك كله عن حالة “الخروج” الفكري والديني الخطيرة التي يجري التمكين لها اليوم، في ظل حالة الخدر نفسها التي يعيشها بقية السوريين، ويستمتعون بها، لا يريدون لأي انتقاد أن يعكّر عليهم صفوها الآسِر.

كانت سورية الخمسينات أكثر وعياً وتسامحاً، وعندما استنكرت طبقتها الدينية قصيدة “خبز وحشيش وقمر” تم ذلك تحت قبة برلمان وطني منتخب، قدّم فيه نائب الإخوان المسلمين المُفَوَّه الشيخ مصطفى الزرقا مطالعةً رصينة رغم حدّتها، طالبت بمنع القصيدة وتسريح نزار قباني من سلك الخارجية، رَدَّ عليها الوطني الكبير خالد العظم بصفته وزير الخارجية بمطالعة غاية في الذكاء والنبل والوطنية… مأساة سورية عام 2025 أنه لم يعد فيها نزار قباني ولا مصطفى زرقا ولا خالد عظم، حتى الخبز والحشيش والقمر، لم تعد ضمن إمكانات السوريين العاديين … كل ما لديهم اليوم: تحرير وتفجير وَخَدَرْ.

العربي الجديد

——————————

 بين الرمزية الدينية والرسائل السياسية.. ما وراء تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق/ نوار شعبان

2025.06.26

شهدت سوريا مؤخرًا حادثًا إرهابيًا مروّعًا استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بالعاصمة دمشق، حيث أودى تفجير انتحاري بحياة العشرات من الأبرياء وأصاب عددًا كبيرًا من المصلين. يأتي هذا الهجوم في وقت حساس تمرّ فيه البلاد بمرحلة انتقالية واستقرار نسبي بعد سنوات الحرب، مما يجعله تحذيرًا وطنيًا خطيرًا من محاولات جديدة لزعزعة الأمن وضرب التعايش الأهلي. وعلى الرغم من أن الاستهداف وقع في دار عبادة مسيحية، إلا أن رسالته التخريبية موجّهة إلى السوريين جميعًا دون استثناء، في محاولة خبيثة لتمزيق النسيج الوطني المتعدد الأديان والطوائف.

أسفر الهجوم الانتحاري عن سقوط نحو 25 شهيدًا وما يزيد على 60 جريحًا وفق ما أعلنته وزارة الصحة السورية. وقد أفادت مصادر محلية بأن بين الضحايا نساءً وأطفالًا كانوا يشاركون في القدّاس، مما ضاعف من حجم المأساة في نفوس السوريين جميعًا.

وروى شهود عيان مشاهد مأسوية؛ فقد قال أحد الناجين إنه رأى أشلاء ومصابين يصرخون طلبًا للمساعدة، في حين عجزت الكلمات عن وصف هول المنظر داخل دار العبادة التي تحولت في لحظات إلى ساحة دامية.

سارع عناصر الدفاع المدني وفرق الإسعاف إلى موقع التفجير فور وقوعه. هرعت سيارات الإسعاف إلى نقل الجرحى إلى المستشفيات القريبة، في حين ضربت قوات الأمن طوقًا حول منطقة الكنيسة تحسبًا لأي طارئ أو وجود متفجرات أخرى. وعاش أهالي الحي لحظات عصيبة، إذ اختلطت أصوات صفارات الإنذار وبكاء الناجين بصور ذهول من فقدوا أحباءهم في ثوان معدودة. وقد أدّى سكان المنطقة دورًا إنسانيًا نبيلًا؛ حيث سارع متطوعون من مختلف الطوائف للتبرع بالدم للمصابين والمساعدة في جهود الإغاثة، في مشهد يعكس روح التضامن الشعبي رغم الفاجعة.

على الصعيد الرسمي، وصفت الجهات الأمنية التفجير فورًا بأنه “عمل إرهابي انتحاري جبان”. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها مباشرة بعد الهجوم، لكن وزارة الداخلية السورية كشفت في مؤتمر صحفي عاجل أن المؤشرات الأولية للتحقيق ترجّح تورّط تنظيم داعش الإرهابي في التخطيط والتنفيذ. ووفق رواية الوزارة وشهادات بعض الحاضرين، فإن المهاجم دخل الكنيسة كان ملثم الوجه، وبدأ بإطلاق النار على المصلين قبل أن يفجّر نفسه بحزام ناسف. كما تحدث بعض الشهود عن احتمال وجود مساعدين آخرين للإرهابي تمكنوا من الفرار، حيث ذكر شاهد أنه رأى شخصين آخرين برفقة الانتحاري خارج الكنيسة قبيل الهجوم. هذه التفاصيل إن صحّت تشير إلى هجوم مخطط له بعناية وليس مجرد فعل فردي معزول.

تجدر الإشارة إلى أن هذا أول تفجير إرهابي انتحاري تشهده دمشق منذ سنوات، خاصة بعد انتهاء المعارك الكبرى واستقرار الأوضاع نسبيًا إثر التغيير السياسي الأخير في البلاد. فقد عاشت العاصمة خلال الفترة الماضية حالة من الهدوء الأمني النسبي، مما جعل وقع التفجير أشد صدمةً وقلقًا لدى المواطنين. لقد استهدف الإرهابيون هذه الكنيسة في وضح النهار وأثناء قدّاس مزدحم، في دلالة رمزية خطيرة على نواياهم في ضرب حالة السلم الأهلي وإيصال رسالة دموية بأن يد الإرهاب ما تزال قادرة على الوصول إلى الأماكن الآمنة والمقدسة. هذا السياق يضع الحدث في إطار تحدٍ أمني كبير تواجهه السلطات السورية في المرحلة الراهنة، ويطرح تساؤلات ملحّة حول كيفية اختراق الإجراءات الأمنية في قلب العاصمة بهذا الشكل، وحول هوية الجناة الحقيقية ودوافعهم.

من المستفيد من هذا الهجوم؟

أثار هذا التفجير تساؤلات واسعة لدى الرأي العام حول الجهات التي يمكن أن تقف وراء مثل هذا العمل الإجرامي، فالهجوم لم يكن مجرد جريمة كراهية عشوائية، بل يبدو جزءًا من مخطط لزعزعة الاستقرار وضرب الوحدة الوطنية في سوريا. وفيما يلي تحليل لأبرز الأطراف التي قد تكون مستفيدة من ارتكاب أو تبنّي مثل هذا الهجوم الإرهابي، يقابله استعراض لمن هم الخاسرون والمتضررون منه بشكل مباشر أو غير مباشر:

• تنظيم داعش وخلاياه النائمة: يُعد تنظيم داعش المرشح الأول للاتهام في مثل هذه العمليات نظرًا لتاريخه الدموي في استهداف دور العبادة وقتل الأبرياء بهدف إثارة الفتنة الطائفية. فالتنظيم الذي خسر سيطرته الإقليمية على الأرض بعد حملات عسكرية مكثفة، يحاول إعادة إثبات وجوده عبر أعمال إرهابية نوعية تضرب أماكن غير متوقعة. إن استهداف كنيسة في قلب دمشق يتماشى مع نهج داعش الإجرامي في استهداف الأقليات الدينية لإحداث صدمة إعلامية وكسب دعاية سوداء، إضافة إلى محاولة جرّ البلاد إلى نزاع طائفي يتيح له أرضية لنشر فكره المتطرف مجددًا. التنظيم يستفيد مباشرة من زعزعة الأمن في مرحلة انتقالية حساسة تمرّ بها سوريا: فهو يوجّه رسالة بأن “الحرب لم تنته بعد” وأن بمقدوره الوصول حتى إلى العاصمة المحصنة نسبيًا. كما أن نجاحه (إن ثبت تورطه) في تنفيذ هذه العملية يشكّل دفعة معنوية لعناصره وخلاياه النائمة، ويجنّد عبرها متعاطفين جدداً مستغلًا حالة الاستقطاب والخوف. ومن زاوية أخرى، قد يهدف داعش إلى ضرب الثقة بين المكونات الدينية في سوريا؛ فإذا شعر المسيحيون مثلًا أنهم باتوا هدفًا دون حماية كافية، قد يتولّد احتقان أو شعور بالتهميش، مما يسهل على التنظيم ترويج خطاب “حماة السنة” زورًا والتحريض ضد المكوّنات الأخرى. باختصار، إن عودة التفجيرات إلى دمشق هو مكسب دعائي وأمني لداعش يسعى من خلاله إلى تقويض جهود الاستقرار، وإحياء دوامة العنف التي يقتات عليها وجوده.

• فلول نظام الأسد البائد: إلى جانب داعش، لا يمكن إغفال احتمال تورّط عناصر من النظام السابق أو المنتفعين منه في هذا الهجوم. فبعد سقوط نظام الأسد وتولي حكومة انتقالية السلطة، وجد العديد من القيادات والمجموعات الموالية للنظام المخلوع نفسها خارج دائرة النفوذ. بعض هؤلاء قد يلجأ إلى أسلوب انتقامي وتخريبي لهزّ ثقة المواطنين بالوضع الجديد وإرباك الحكومة القائمة. إن فلول النظام السابق يمتلكون خبرة أمنية طويلة وإلمامًا بتفاصيل الثغرات الأمنية في البلاد، وربما احتفظوا بشبكات ولاء قادرة على تنفيذ عمليات نوعية أو تسهيل تسلل إرهابيين إلى مناطق آمنة. مصلحتهم من هكذا تفجير تكمن في إيصال رسالة مبطنة مفادها أن “الأمن كان مصونًا في عهدنا وهو الآن ينهار”، على أمل أن يُشعل ذلك حنينًا أو شكًّا لدى البعض في جدوى التغيير الحاصل. كما قد يسعى موالون متشددون إلى تقويض جهود المصالحة الوطنية عبر ارتكاب فظائع تُعقّد إعادة اللحمة بين السوريين وتستفز بعض المكونات ضد الأخرى. ومن المحتمل أن بعض فلول الأجهزة الأمنية السابقة ممن لم ينضموا إلى مسار الدولة الجديد يضمرون العداء للسلطة الانتقالية ويسعون لإفشالها عبر خلق الفوضى. إن مثل هذه العمليات الإرهابية توفّر لهم فرصة لتصفية الحسابات وإثبات الوجود، حتى لو كان الثمن أرواح الأبرياء واستقرار الوطن برمته. ولا يُستبعد نظريًا حصول تنسيق في المصالح بين خلايا داعش وهؤلاء الفلول؛ فكلاهما يلتقي في الرغبة بزعزعة الحكم الجديد، رغم الاختلاف الإيديولوجي بينهما. بهذا المعنى، تتقاطع أهداف التطرف الداعشي مع أهداف الثورة المضادة إن صح التعبير، في إغراق سوريا مجددًا في دوامة العنف وعدم الاستقرار.

• إيران وجهات خارجية متدخلة: على الصعيد الإقليمي، برز اسم إيران كطرف يُحتمل استفادته من زعزعة الاستقرار السوري الحالي. فمن المعروف أن إيران كانت حليفًا وثيقًا للنظام السوري السابق وقد فقدت الكثير من نفوذها ومصالحها في سوريا بعد سقوط ذلك النظام عام 2024. إن استتباب الأمن في سوريا تحت حكومة انتقالية جديدة قد لا يصب تمامًا في مصلحة طهران، خاصة إذا كانت تلك الحكومة أقرب في توجهاتها إلى المعسكر العربي والدولي الذي يعارض النفوذ الإيراني. من هذا المنطلق، قد تسعى إيران, مباشرة أو عبر وكلاء لها على الأرض إلى إرباك المشهد السوري وإحراج الحكومة الجديدة من خلال أعمال تخريبية كالذي شهدناه. تفجير كنيسة مسيحية قد يخدم استراتيجية إشاعة الفوضى وإرسال رسائل متعددة: فمن جهة تريد إيران الظهور بمظهر “حامي الأقليات” في الشرق الأوسط فتلمّح (ضمنًا أو عبر إعلامها) إلى أن رحيل حليفها السابق جعل المسيحيين وغيرهم عرضة للإرهاب والقتل، ومن جهة أخرى توجه ضربة موجعة للحكومة السورية الجديدة عبر إظهارها بمظهر العاجز عن حماية شعبه وأماكنه المقدسة. وبالطبع، يصعب الجزم بمدى ضلوع طهران مباشرة في هكذا عملية دون أدلة دامغة، إلا أن التاريخ القريب للصراع في سوريا علّمنا أن ساحة الحرب كانت ملتقى لصراع إرادات إقليمية ودولية، استخدمت فيه بعض القوى سياسة التفجيرات والاغتيالات لخلط الأوراق. كما أن وجود ميليشيات مسلحة مدعومة من إيران في بعض المناطق السورية يمكن أن يشكّل عامل اضطراب إذا قررت تلك الميليشيات التحرك خارج سلطة الدولة سعياً لتخريب الوضع الداخلي. وعليه، تبقى فرضية تورط جهات ترتبط بإيران واردة ضمن سياق محاولة بعض القوى الإقليمية إبقاء سوريا ضعيفة ومنقسمة كي لا تخرج تمامًا من دائرة النفوذ القديمة.

• جهات محلية مخربة أخرى: إلى جانب التنظيمات التكفيرية وفلول النظام السابق والجهات الخارجية، هناك عناصر محلية أخرى مستفيدة من الفوضى قد تكون ضالعة أو مشجعة لمثل هذه الأعمال. يشمل ذلك أمراء الحرب وتجار السوق السوداء والمجرمين المنظمين الذين ازدهرت مصالحهم في غياب القانون خلال سنوات النزاع. هؤلاء يرون في عودة الاستقرار والنظام تهديدًا لنفوذهم غير الشرعي، وبالتالي قد يسعون إلى إطالة أمد الفلتان الأمني عبر أي فرصة سانحة. التفجير الإرهابي في كنيسة بالعاصمة قد يوفر لهؤلاء بيئة من الخوف والانقسام تمكنهم من الاستمرار في أنشطتهم التخريبية بعيدًا عن الأنظار. كذلك قد توجد مجموعات دينية متطرفة محلية غير مرتبطة رسميًا بداعش أو القاعدة، لكنها تحمل الفكر التكفيري نفسه وتستهدف المكونات المخالفة لها. هذه المجموعات الصغيرة قد تعمل بشكل مستقل أو بالتنسيق مع جهات أكبر لتحقيق غاياتها الظلامية. في المحصلة، كل من يتغذى على الفتنة والفوضى داخل المجتمع السوري هو مستفيد محتمل من هكذا جريمة، لأن انفلات الأمن وارتفاع منسوب التوتر الطائفي يسمح له بتوسيع نفوذه وتحقيق مصالحه الضيقة على حساب مصلحة الوطن.

توصيات أمنية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث

أمام خطورة هذا الهجوم ودلالاته، يصبح من الضروري اتخاذ إجراءات أمنية واستراتيجية عاجلة للحيلولة دون وقوع حوادث مماثلة في المستقبل. وفيما يلي مجموعة من التوصيات الفعّالة التي يمكن للجهات المختصة اعتمادها لتعزيز الأمن وحماية المواطنين ودور العبادة في عموم البلاد:

• تعزيز حماية دور العبادة والأماكن الحيوية: يجب رفع مستوى التأمين على الكنائس والمساجد وغيرها من أماكن التجمع، خاصة أثناء الصلوات والاحتفالات الدينية. يتضمن ذلك وضع نقاط تفتيش وحراسة مشددة على مداخل دور العبادة، واستخدام أجهزة الكشف عن المعادن والمتفجرات عند الضرورة، وتنظيم فرق حراسة شعبية مدربة من أبناء المنطقة بالتنسيق مع الشرطة لحماية التجمعات من أي تهديد محتمل.

• تكثيف الجهود الاستخباراتية والاستباقية: من المهم أن تبذل الأجهزة الأمنية جهودًا مضاعفة في رصد الخلايا الإرهابية النائمة وتتبع تحركاتها قبل أن تشرع في التنفيذ. ويتطلب ذلك تعزيز عمل الاستخبارات البشرية والتقنية، ومراقبة مصادر تمويل وتسليح الجماعات المتطرفة، واختراق شبكاتها المحتملة للحصول على معلومات استباقية. كما ينبغي التعاون مع أجهزة استخبارات الدول الصديقة وتبادل المعلومات حول تسلل الإرهابيين أو المخططات المكتشفة في الإقليم.

• مراقبة الحدود ومنع تسلّل الإرهابيين والأسلحة: نظرًا لأن الجماعات المتطرفة تعتمد أحيانًا على الدعم الخارجي والتسلل عبر الحدود، فإن إحكام السيطرة على الحدود والمعابر غير الشرعية ضرورة قصوى. يجب تعزيز قوات حرس الحدود وتزويدها بالتقنيات الحديثة للرصد، لمنع تسلل إرهابيين أو تهريب متفجرات وأسلحة قد تُستخدم في عمليات تخريبية داخل البلاد.

• تطوير التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية: لا بد من توحيد غرفة العمليات الأمنية بين مختلف الأجهزة (الشرطة، والأمن الداخلي، والاستخبارات، والجيش) لضمان سرعة الاستجابة وفاعلية تبادل المعلومات. المرحلة الجديدة تتطلب إزالة أي حواجز إدارية أو تنافس بين هذه الجهات، وتشكيل خلية أزمة دائمة تجتمع بانتظام لتقييم التهديدات ومتابعة تنفيذ الخطط الأمنية الوقائية في جميع المناطق، خاصة تلك التي كانت بؤرًا ساخنة سابقًا أو يحتمل استهدافها.

• إشراك المواطنين في منظومة الإنذار المبكر: يلعب المواطنون دورًا جوهريًا في حفظ الأمن؛ لذا يتوجب على السلطات إطلاق حملات توعية تشجع الناس على التبليغ الفوري عن أي تحركات مريبة أو أشخاص مشبوهين في أحيائهم. إن إنشاء قنوات تواصل آمنة وسريعة بين المجتمع والأجهزة الأمنية (كخطوط ساخنة أو تطبيقات هاتفية) من شأنه تعزيز قدرة الأمن على الاستجابة قبل وقوع الحادث. لقد أثبتت التجارب أن يقظة الأهالي وتعاونهم هي خط الدفاع الأول ضد الإرهاب.

• تعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الفتنة: قد تكون هذه توصية معنوية أكثر منها تقنية، لكنها الأهم والأجدى على المدى الطويل. يجب على جميع القوى السياسية والمرجعيات الدينية والاجتماعية أن ترفع صوتًا واحدًا في رفض الفتنة والكراهية، وأن تؤكد أن المستهدف هو السوريون جميعًا وليس طائفة بعينها. إن مشاهد التكافل بين المسلمين والمسيحيين إثر الهجوم (من تبرع بالدم إلى إدانة مشتركة في بيانات رجال الدين) يجب البناء عليها وتعزيزها. فوحدة الصف الداخلي وترسيخ ثقافة أن “الإرهاب عدو الجميع” سيجعلان من الصعب على المتطرفين تحقيق مآربهم، بل سيشكلان حصانة مجتمعية تتداعى أمامها مؤامرات التفريق والتخريب.

بتطبيق هذه التوصيات بشكل شامل وعاجل، ستكون سوريا أقدر على قطع الطريق أمام الإرهابيين والمتآمرين، وتصعيب مهمة تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلاً. إنها معركة أمنية وفكرية واجتماعية في آن واحد، تتطلب تكاتف الجميع دولةً وشعبًا لعبورها بسلام.

خاتمة

لا شك أن تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة مثّل ناقوس خطرٍ دوّى في ضمير الوطن السوري بأسره. فهذا الاعتداء الآثم لم يستهدف كنيسةً بعينها أو طائفةً محددة فحسب، بل حاول إصابة قلب سوريا النابض بالتنوع والوحدة. لقد أراد الإرهابيون ومن يقف وراءهم إيصال رسالة سوداء مفادها أن سوريا لن تنعم بالأمان، وأن التفرقة والفتنة قادمتان لا محالة؛ ولكن ردّ الشعب السوري جاء أقوى وأبلغ. ففي مواجهة الدم والدمار، توحدت أصوات المسلمين والمسيحيين وباقي مكونات المجتمع تندد بالجريمة وتقف صفًا واحدًا معزيةً ومواسيةً ومتضامنة. إن هذا التلاحم الوطني هو بالذات ما يخشاه أعداء سوريا في الداخل والخارج، وهو السلاح الأمضى لإفشال مخططاتهم.

سيحاول الإرهاب مرارًا اختبار صلابة مجتمعنا، وقد تتكرر المحاولات التخريبية بأقنعة وشعارات مختلفة، لكن دروس هذه المحنة واضحة: وحدتنا هي حصننا الحصين. وعليه، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القيادات والجهات الرسمية في ترجمة هذه الوحدة إلى خطط عمل تحمي جميع أبناء الوطن وتضمن عدم تكرار مثل هذه المآسي. كذلك يُطلب من المواطنين المزيد من اليقظة والتمسك بنهج العيش المشترك ونبذ أي دعوات مشبوهة للتعصب أو الانتقام، فهذه بالذات هي الفخ الذي يريد الإرهابيون جرّنا إليه.

في الختام، ورغم فداحة الثمن الذي دفع في تفجير كنيسة مار إلياس، يبقى الأمل معقودًا على قدرة سوريا وشعبها على النهوض مجددًا أكثر قوةً ومنعة. إن الدماء الزكية التي سالت في بيت من بيوت الله ستصبح بذارًا لوحدة وطنية أمتن، وسيذكر التاريخ أن السوريين وقت الشدائد كانوا جسدًا واحدًا لم تنل منه سهام الفتنة. تلك هي الرسالة الأقوى التي نوجّهها اليوم للعالم وللمتربصين: سوريا واحدة موحدة، بكل أطيافها، ترفض الإرهاب وتصمد أمام محاولات التخريب، وتمضي بثبات نحو مستقبل آمن ومستقر يسوده التضامن والسلام

تلفزيون سوريا

—————————–

 تفجير كنيسة مار إلياس: الفشل الكبير/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/06/24

ليس بالإخفاق الأمني الاستثنائي أن يتسلل إرهابي إلى كنيسة، ليقتل ما يزيد عن عشرين شخصاً ويتسبب بإصابة العشرات، بعدما أطلق النار ثم فجّر نفسه. من هذه الزاوية، تفجير كنيسة مار إلياس، في الدويلعة-دمشق، فيه فشل أمني، لكنه قد يحدث في أي بلد آخر، حيث يستحيل سدّ الثغرات الأمنية كافة.

فشل السلطات السورية ليس ناجماً عن ثغرة أمنية، فالمشكلة الأكبر هي وجود فلتان أمني على نطاق واسع. جزء منه يعود إلى طبيعة المرحلة التي تلت سقوط الأسد، وفتح أبواب السجون التي خرج منها المجرمون مثلما خرج معتقلو الرأي. فضلاً عن الأسباب الاقتصادية لازدهار الجريمة والجريمة المنظّمة وصولاً إلى الإرهاب، إذ دفع انسداد الأفق المعيشي عدداً ضخماً من الشبان إلى الانخراط في تنظيمات تؤمن لهم سبل العيش، ثم كان من السهل غسيل العقول أيديولوجياً.

في الأسابيع الأخيرة، ظهرت يومياً على الإعلام أو السوشيال ميديا حوادث تشير إلى الفلتان الأمني، وما يظهر هو دائماً أقل بكثير مما هو موجود. ومع ازدياد الحوادث زادت أيضاً الأخبار عن انتهاكات تقوم بها عناصر أمنية هنا وهناك، ومنها على نحو خاص تدخّل عناصر في بارات تقدّم الكحول، أو تعرّضهم لشبّان يلبسون الشورت.. إلخ. حوادث لا يمكن النظر غليها كتصرفات فردية بعد تكرارها بلا معاقبة، وبعدما أصدر وزير السياحة قراراً يحدد فيه لباس السباحة المسموح به على الشواطئ العامة، بما يُفهم منه حق تدخُّل السلطة فيما يلبس الناس.

ثمة بلد خارج من صراع دموي منهك وحالة انقسام وفوضى، وبدل الانصراف كلياً إلى معالجة الملف الأمني تُهدر الطاقات في مراقبة وتقييد الحريات الفردية. هذه ليست وصفة جيدة، ولا توحي بجدية السلطة في معالجة واحد من أخطر الملفات. جدير بالذكر أن السوريين لم يشهدوا في العهد الجديد أي عقاب ناله مَن يرتكبون الجرائم أو الانتهاكات، والسلطة وأنصارها لم يعترفوا بالوضع الأمني الحرج، لتُبنى على الاعتراف توجهاتٌ واضحة نحو المعالجة؛ توجهات صريحة معلنة توحي بالثقة للعموم. أيضاً تقتضي الواقعية الاعتراف بأن المنظومة الأمنية الحالية لم تهبط فجأة على السوريين من كوكب آخر، وعناصرها بمعظمهم من أبناء العسكرة التي لها سجل سابق من الانتهاكات، والنقلة إلى منظومة أمنية محترفة جديرة بالثقة تحتاج وضوحاً وحزماً على هذا الصعيد.

إعلامياً، يجوز الحديث عن فشل كبير، فوسائل الإعلام الرسمية تعاطت مع الضحايا بمنطق تمييزي سرعان ما كشفه نشطاء على السوشيال ميديا. من ذلك أن الإعلام الذي سبق أن وصف قتلى تفجير إرهابي في منبج بالشهداء، هو نفسه الذي وصف قتلى تفجير الكنيسة بالضحايا. بيان وزارة الخارجية الخاص بتفجير الكنيسة لم يترحم على ضحايا، وأدان العمل بصياغة لغوية تبدو فيها الإدانة كأنها تأتي من جهة غير سوريّة، حتى أنه يتحدث عن الطائفة المسيحية، لا الديانة المسيحية ولا عن مذهب منها بعينه.

الطامة الكبرى هي في ظهور مذيع على الإخبارية السورية يضحك، هو وضيوفه، بملء أشداقهم أثناء تغطية حدث الانفجار. واحد من ضيوف المذيع قال إن التفجير هو لمعاقبة المسيحيين على رفضهم الانخراط في حلف الأقليات المناوئ للسلطة الجديدة، وكان من الأفضل لو لم يتوقف المذيع عند هذه النقطة، خصوصاً لأنه بدا موافقاً لا معترضاً أو لديه وجهة نظر أخرى. المقصود بالكلام هو وجود حلف بين الأكراد والعلويين والدروز، رفضَ المسيحيون الانضمام إليه فعوقبوا بتفجير الكنيسة. أي أن داعش يخدم حلف الأقليات أيضاً، ولو على سبيل التقاء المصالح!

قد يُقال إن نقاش هذه المسائل على التلفزيون الرسمي يُحسب له، لأنه يقطع مع الإعلام السابق الذي كان يُمنع فيه نقاش من هذا القبيل. لكن الأمر، كما نعلم، ليس على هذه الشاكلة، فالإعلام الرسمي لا يمنح حصصاً متكافئة لمختلف الآراء، بما فيها أولئك المحسوبين على حلف الأقليات. وهكذا يظهر كأنما يروّج، من طرف واحد مهيمن، لمقولة حلف الأقليات، وهي بضاعة إعلامية غير جديدة، والأهم أنها بعد مجازر الساحل وما تلاها في جرمانا وصحنايا أصبحت بمثابة خطاب تحريضي يمسّ بالسلم الأهلي. وبالتأكيد لا نعني بتكافؤ الفرص أمام الآراء توزيعَها بمنطق المحاصصة، فقناة الإخبارية قدّمت واحداً من ضيوفها لمناسبة التفجير بوصفه ناشطاً مسيحياً، ولم تكن زلة لسان، وهو ليس ناشطاً دينياً ليوصف هكذا.

السلوك المتوقَّع في مثل هذه الحالات أن يُهرع وزير الداخلية إلى مكان التفجير، وهو ما لم يحدث، فذهبت إلى هناك وزيرة الشؤون الاجتماعية التي لا يُنظر إليها كجزء من الكتلة الصلبة للسلطة. أيضاً، كان من المستحسن على الأقل أن يظهر أحد رموز السلطة الكبار على شاشة التلفزيون، في المساء نفسه، ليترحّم على الضحايا ويقدّم التعازي لأوليائهم، وهو ما لم يحدث.

للتذكير، عندما حدثت مجازر الساحل التي أقرّت السلطة بها وشكّلت لجنة للتحقيق فيها، لم يظهر وقتها مسؤول على مستوى رفيع، ليقدِّم خطاباً يُبدي فيه تأثّر السلطة بمقتل عدد من السوريين. بالأحرى، يمكن القول إن هذه الحساسية مُفتقدة كلياً، فكان يمكن (لو وجدت) إعلان الحداد على ضحايا الأمن العام والمدنيين أثناء تلك الأحداث الأليمة. ما يلفت الانتباه أن وزارة الداخلية أعلنت حينذاك مقتل 300 عنصر من منتسبيها بهجمات للفلول، وحتى هؤلاء العناصر لم يحظوا على الأقل بجنازات تكريمية رسمية.

ثمة فشل كبير، سبق الهجوم وواكبه. هو فشل السلطة في التعاطي مع الملف الأمني بواقعية وشفافية، ما يضعها في موقع مسؤوليةِ مَن لم يبذل الجهد المطلوب في الحدود الدنيا، إذ لا يستقيم في ظرف أمني حساس أن ينصرف جزء من الاهتمام الأمني إلى ملبس الناس ومشروبهم. هذا في حده الأدنى هدرٌ لطاقات جهاز الأمن، وأبعد من ذلك هو من أسباب التوتر الاجتماعي، ومن ثم الأمني بما يعززه من أفكار متطرفة قد لا يبقى أصحابها في حيز التعبير السلمي عنها.

جزء من الفشل مردّه الأفكار التي تعتنقها السلطة، ولا يسهل عليها خلعها. لكن جزءاً كبيراً مردّه الاستئثار بمفاصل السلطة، ورفض مبدأ التشارك الفعلي. أيضاً، لا يجب فهم كلمة التشارك على مبدأ المحاصصة الطائفية، فجزء من التشارك المفقود هو مشاركة الكفاءات السورية. في مثال بسيط جداً، هذه السلطة تفتقر إلى مَن يكتب بها بياناً على أصوله، وتفتقر في الكثير من الأحيان إلى خبير قانوني جيد يدقق فيما تصدره من قرارات.

الاستئثار بالسلطة هو بوابة كبرى لتعميم انعدام الكفاءة أو تدنّيها، في وقت تحتاج فيها البلد إلى أوسع عملية تشاركية من أجل التقليل من آثار الفلتان الأمني، ومن أجل صيانة سلم أهلي حقيقي ومستدام. وعندما تستأثر السلطة بكافة مفاصل الدولة، ولا تشارك المجتمع على نحو حقيقي، فهي التي تضع نفسها أيضاً في موقع المسؤولية الحصرية عن كل ما يحدث، وعن الملفّ الأمني بكل سلبياته.

السوريون يميّزون جيداً بين المشاركة الفعلية وغير الفعلية، فعلى سبيل المثال كان في وسع السلطة الانتقالية تشكيل “مجلس تشريعي” من خبراء في هذا المجال، أما تسميته بمجلس الشعب من دون عملية اقتراع عامة، فهذا لا ينطوي على تقدير لمبدأ المشاركة. لقد حظيت هذه السلطة بمباركة داخلية وخارجية واسعة النطاق، وبالمعنى الفعلي هي سلطة بلا أعداء، ولم يكن يُنتظر منها حل المشاكل الموروثة دفعة واحدة، بل ألا تكرر الأخطاء التي أدت إلى تلك المشاكل؛ هذا يتطلب ألا تكون السلطة عدوة نفسها.  

——————————–

 ما زال يوجد الكثير من السكاكين في مطابخ سوريا/ نجيب جورج عوض

الثلاثاء 2025/06/24

ليست جريمة تفجير المصلين في كنيسة مار الياس في دويلعة بالجريمة الجمعية الطائفية الأولى في “سوريا هيئة تحرير الشام”، وهي برأيي لن تكون أبداً الأخيرة. شهدنا في الشهور الماضية عمليات قتل وعنف جمعية أودت إلى مذبحة موصوفة في حق العلويين في الساحل السوري، وبعدها محاولة ارتكاب مذبحة أخرى بحق الدروز في مناطق من ريف دمشق وجنوب البلاد. ولطالما نبهنا بأن اليد المسلحة المتروكة لتسرح وتمرح وتنكل بالعباد على هواها في سوريا هيئة تحرير الشام، سواء أكانت يداً سورية أو أجنبية يتم تجنيسها وفرضها على النسيج المجتمعي بأمر من أعلى سلطات الدولة، ستصل بعنفها وظلاميتها واستباحتها للدم واسترخاصها للقتل، إلى كافة الجماعات السورية المختلفة عن الجماعة التي تعتقد تلك الشرائح المجرمة بأنها تمثلها وتنطق باسمها وتحميها.

لم أتوقف خلال الشهور المنصرمة عن محاولة تنبيه الرأي السوري الجديد، وخصوصاً جمهور “الإدارة” المنتشي بالنصر والسطوة والهيمنة لدرجة الهلوسة، إلى ظاهرتين خطيرتين جداً جداً تعبران عن سياسة ممارسة سلطة وهيمنة مبرمجة مُسقطة من أعلى، تمارس بشكل منظم ومتدرج في سوريا الجديدة.

الظاهرة الأولى، هي ظاهرة العنف التأسيسي الذي يقوم على توظيف العنف الجسدي والفكري والمجتمعي والثقافي والأخلاقي والتشريعي في خدمة ترسيخ دعائم هيمنة وتسلط وسيادة شريحة معينة من شرائح المجتمع، بدلالة أنها جمهور السلطة الحاكمة وجماعتها المرتبطة وجودياً بها في علاقة تكافلية عضوية، بحيث تغذي كل منهما وجود الأخرى: الإدارة تستقي وجودها ومشروعيتها وحاكميتها من جمهور وشارع وسلاح وخطاب وعدة شغل هيئة تحرير الشام وماكينتها السلفية. وجمهور الهيئة وماكينتها المذكورة يستمدان تأثيرهما ودورهما ومشروعية ارتكاباتهما وعنفهما واستبدادهما في حق الجماهير السورية، من حماية وتفويض ورعاية وتبني الإدارة السياسية والجمهورية لهما.

هذا العنف التأسيسي وصل الآن إلى حدود تفشيه القصوى بحيث بتنا نرى اليوم أن مجرد انتماء الأفراد المسلحين التكفيريين السلفيين المرتزقة، أكانوا سوريين أم أجانب، إلى جماعة جمهور الهيئة وإلى إطار حماية وتفويض الإدارة، يمنحهم الغطاء العملياتي اللازم كي ينكلوا بباقي جماعات وشرائح الشعب السوري، وكي ينتهكوا حرماتهم وحيواتهم، ويهددوا وجودهم في سوريا وكجزء منها، بصورة عميقة وجراحية ستمزق سوريا من داخلها. وما جريمة كنيسة دويلعة الأخيرة سوى نموذج جديد من نماذج عديدة راح ضحيتها سوريون لا ينتمون لجمهور الهيئة وأتباع ورعايا الإدارة، وهي جماعات تضم المسيحي والعلوي والدرزي والكردي وحتى السني المناهض للوجه القميء، الذي يتفنن جمهور الهيئة ورعايا الإدارة بتقديمه باسم “بني أمية” أو “المحررون الذي باتوا يقررون”.  

أما الظاهرة الثانية، فهي ظاهرة تفشي آلاف الجهاديين الأجانب في البلد. هناك معطيات بأن مرتكبي جريمة كنيسة مار الياس هما مجاهدان من أصول باكستانية. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن علينا أن نتذكر أن الانتحار الجهادي وأعماله الإرهابية لا تتم بمنطق فردي واعتباطي وبقرارات خاصة يتحمل مسؤوليتها مقترف الجريمة لوحده أو لوحدها. هناك دائماً رأس مدبر ومصدر مخطط ومعطي أوامر. ما لم يتم القبض على تلك المرجعيات لن يكون التعريف بهوية من باتا الآن أشلاءً من بين أشلاء العشرات من الجثث التي ملأت أرضية الكنيسة ذا معنى أو جدوى. كل المعطيات التي لدينا حول الجرائم المذهبية والطائفية التي اقترفت حتى الآن تفيد بأن الإدارة لم تعلن عن تحميل مسؤولية تلك الجرائم إلى أي مصدر أوامر ومرجعية تخطيط، بل اكتفت بتسمية العناصر الأدواتية التي نفذت ما أمرت به. وحتى إن تمت تسمية بعض صناع القرار ومعطي الأوامر بخفر وتورية، فإنهم لم يتعرضوا لأي محاسبة.

لهذا، فإن تحديد هوية من فجرا نفسيهما وباتا اليوم من الموتى لن يفيد في أي شيء، ولن يتصدى لمرتكبي الجريمة الحقيقيين. لا بل إن ثبتت صحة هوية الإرهابيين الباكستانية، فإن هذا سيؤكد المخاوف والتحذيرات الشديدة التي أرسلناها إلى الإدارة بطرق مختلفة، بالامتناع عن احتضان المقاتلين الأجانب وتوطينهم في سوريا وتجنيسهم، لأنهم لا يفهمون طبيعة البلد ولا يمكنهم أن يصيروا جزءاً منه. واليوم، يدفع المسيحيون، كما دفع العلويون والدروز، ثمن وجود الأجانب وفرضهم على النسيج السوري من دمائهم وحياتهم وأمنهم.

في ضوء إعلان جريمة كنيسة مار الياس في دويلعة الصريح والصارخ عن فداحة تفشي وهيمنة هاتين الظاهرتين، تصبح الإجابة على سؤال من هو المسؤول عن ما حدث ويحدث من جرائم في حق السوريين في سوريا الجديدة إجابة ممكنة، إن لم تكن واضحة ولا لبس فيها. من يتحمل عادة مسؤولية أمن وسلامة المواطنين، ومن عليه أن يتولى مسؤولية فرض الأمان وحماية أفراد وشرائح المجتمع من عنفيات وجموح وتطرف ميولهم ومعتقداتهم وممارساتهم وقيمهم المختلفة والمتفاوتة؟ الجواب هو: الدولة والسلطة التي تدير البلد. من يتحمل المسؤولية الأولى والأساس والأكثر تاثيراً على مقتلة كنيسة مار الياس، وكذلك مذبحة الساحل وجرائم القتل الجماعي في المناطق الدرزية وسواها، هو الدولة والإدارة وفريقها الحاكم للبلد والذي يتألف بغالبيته العظمى المهيمنة، إن لم يكن برمته، من أفراد وجماعات هيئة تحرير الشام.

في الدول الحقيقية، وليس في حالة “اللادولة” و”جمهورية الموز” السورية الحالية، حين تحدث جرائم على هذا المستوى في العلن وأمام أنظار وأسماع الإدارة الحاكمة، تتم على أقل تقدير محاسبة كل أجهزة الأمن والشرطة التابعة للدولة، بدءاً بوزير الداخلية، وصولاً إلى قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية في المناطق التي حدثت فيها الجرائم المذكورة، وانتهاءً بعناصر حماية الأمن المولجة بمهمة حماية أهل البلد ورعاية الأمان في حياتهم اليومية.

لا يكفي أن يخرج رئيس الإدارة ويعلن الحداد الوطني، ولا يكفي إصدار البيانات الخلبية والمليئة بالكلام الفارغ، ولا يكفي الوعد بإجراء تحقيق وإعلان التمسك بالسلم الأهلي. الجميع في سوريا ومن كافة الشرائح يعلم علم اليقين من هي الأطراف المرتكبة لجرائم القتل على الهوية الطائفية والدينية والمذهبية في سوريا الجديدة. الكل يعلم أن جماعات وعناصر وشرائح بعينها، كانت وما زالت تنضوي تحت مظلة هيئة تحرير الشام وجهازها العسكري والفقهي والشرعي والسلطوي، هي التي ارتكبت وما زالت أبشع الجرائم في حق كل من هو  مدني وأهلي مختلف ومغاير، بما فيهم السنة السوريين أنفسهم. الإدارة هي من يتحمل مسؤولية ما جرى في كنيسة دويلعة، مثلما تتحمل مسؤولية مذبحة الساحل وجرائم القتل ضد الدروز وحالات الاعتداء والعنف المستمرة ضد الناشطين المدنيين والعلمانيين والمواطنين السوريين السنة وسواهم.

عنونَ صديقنا العزيز الراحل، خالد خليفة، إحدى رواياته الأخيرة “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”. ما تشهده سوريا اليوم من مذابح وعنف وحمام دم يخالف عنوانك، عزيزي خالد: ما زال هناك الكثير الكثير من السكاكين في مطابخ سوريا. والأبشع والأكثر رعباً هو أنه ما زال هناك الكثير الكثير، كما يبدو، من السكاكين في مطابخ السلطة وصناعة المصير والقرار في المطبخ السوري. متى نشهد يا خالد تحقٌّقَ عنوان روايتك. متى تخلو مطابخ السلطة والهيمنة في سوريا من السكاكين، يا خالد؟ أترانا سنعيش كي نشهد هذا اليوم؟ هل سيبقى سوريون مختلفون “آخرون” متنوعون لم تحز رؤوسهم سكاكين مطابخ الهيمنة في سوريا؟

المدن

————————-

 بماذا كان يؤمن “الانتحاري” في جريمة تفجير كنيسة “مار إلياس”؟/ إياد الجعفري

2025.06.27

بماذا كان يؤمن ذاك “الانتحاري” الذي فجّر نفسه داخل كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق؟ سؤال يجب أن يؤرقنا جميعاً.

ففي التراث الفقهي الإسلامي الضخم والمتنوع، حد التضارب في بعض الحالات، لا توجد فتوى تبيح قتل آمنين في دار عبادة. وهذه ليست أول مرة نعيش فيها شططاً صادماً وغرائبياً في فهم الدين الإسلامي، من جانب متطرف ما. لكنه مؤشر جديد على هشاشة هذا الفهم، في مفرداته الأولية، لدى شريحة من أتباع هذا الدين، بصورة أتاحت، أن تنبت وتعمّر، تجارب كتجربة تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش”، أو أشباه كثيرة لها.

في ذاك التراث الفقهي الإسلامي ومدارسه المتنوعة، نجد يميناً متشدداً، ووسطاً، وفي حالات، يساراً، إن صح التعبير. لكن حتى في مدارس “اليمين المتشدد” منه -تلك التي تشكّل روافد أساسية لـ “السلفية الجهادية”، التي من المفترض أن “داعش” وكل الفصائل المتشددة التي عرفتها الساحة السورية، تتحدر منها- نجد سقف المعاملة التمييزية حيال “غير المسلمين”، هو دعوتهم للإسلام، مع الإشارة إلى عدم مساواتهم بـ “المواطنة” مع المسلمين، وفرض “الجزية” عليهم، مقابل فرض “الزكاة” على المسلمين. مع التأكيد على عدم ظلمهم بالنفس أو المال أو العرض، وإباحة المعاملات معهم.

وبطبيعة الحال، عدم ظلمهم هذا، يحيل إلى حماية دور عباداتهم وحقوقهم في ممارسة تلك العبادات. أما “قتلهم”، من دون حق، فهو من “أكبر الكبائر”، وفق وصف فقه ذاك “اليمين”. مع التأكيد على أن “المسالم” من “غير المسلمين”، محقون الدم والمال في الإسلام.

ما سبق، نبذة موجزة عن أكثر المواقف الفقهية تشدداً حيال غير المسلمين، في التراث الفقهي الإسلامي. لكن حين التطبيق، على أرض الواقع، ذهب تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش”، وفي حالات، فصائل متشددة أخرى أيضاً، أبعد من ذلك كثيراً، حين التعاطي مع المسيحيين في مناطق سيطرة تلك التنظيمات خلال الـ 14 عاماً الفائتة بسوريا. وكان هناك فارق صارخ بين الفتوى، حتى المتشددة منها، وبين التطبيق، بصورة تُظهر أن غرائزية متعلقة بالانتماء، تتحكم بالأفعال على أرض الواقع، أكثر بكثير من الضوابط الفقهية. خاصة على صعيد تصرفات العناصر في تلك الفصائل، في القواعد، لا قريباً من أعلى هرم القيادات.

وفي حين كان “شرعيو داعش” ينسبون كثيراً من سياساتهم، إلى فقه “ابن تيمية”، لا يمكن أن نجد في فقه الرجل، ما يدلل على إباحة قتل مسيحيين يصلون داخل كنيسة. وهنا تجب الإشارة إلى أن فقه “ابن تيمية” القروسطي، ينتمي إلى مرحلة مأزومة، حينما كان ذاك “العالِم” المثير للجدل، يعمل على شد عصب “المسلمين” لمواجهة غزوات المغول، التي كانت تهدد دمشق حينها. كما أن فقهه، منفصل عن يومنا هذا. ففي زمنه كانت الدول تقوم على الانتماء الديني، لا المواطنة. وكانت جميعها، تنتهج معاملات تمييزية حيال غير المنتمين لدين الأكثرية. لذا، في عصره، كانت فتاواه منسجمة مع السياق السياسي المحلي والعالمي. لكن، حتى مع كل ما سبق، لا نجد في فقه “ابن تيمية”، ما يبيح قتل “أهل ذمة” في دار عبادة. مما يجعل السند “الشرعي”، حتى في أشد المدارس الفقهية الإسلامية تشدداً، غير متاح لتبرير جريمة التفجير في كنيسة مار إلياس.

فقدان السند الشرعي لم يمنع “داعش” من ارتكاب جرائم بشعة مشابهة. ففي كانون الأول 2016، تبنى التنظيم تفجير كاتدرائية “القديس مرقس” في العباسية بمدينة القاهرة، حيث قُتل خمسة وعشرون مسيحياً. وفي كانون الثاني 2024، تبنى التنظيم هجوماً على الكنيسة الإيطالية “سانتا ماريا” في إسطنبول التركية.

وهنا يصبح السؤال: كيف يعبئ “داعش” أو أي تنظيم متطرف شبيه به، فرداً “مسلماً” كي يقتنع بأن يفجّر نفسه داخل كنيسة، من دون وجود سند شرعي لذلك؟ الجواب متاح بكثرة في دراسات سبق وأجريت على المنتسبين للتنظيم حينما كان في أوجه. فالغالبية العظمى من هؤلاء، تحديداً، في القواعد، ممن يتم تعبئتهم للقيام بالأعمال الخطرة والانتحارية، لا يمتلكون معرفة شرعية جديرة بجعلهم قادرين على تمحيص ما يقال لهم. ببساطة هم جهلة، منقادون، تعبئهم الخطابة الكاريزمية البسيطة، ولديهم قدر كبير من العقد النفسية الكفيلة بجعلهم منساقين إلى حتفهم، من دون إدراك بأنهم يقتلون ويُقتلون، من دون سند شرعي حقيقي. وحتى وفق “اليمين المتشدد” في التراث الفقهي الإسلامي، هم يرتكبون “كبيرة”، من “أكبر الكبائر”.

للسعودية في ذلك تجربة فريدة. فهي التي خرج منها بعض من أبرز متزعمي تنظيم “القاعدة”، اشتقت مساراً تصاعدياً، بعيد أحداث 11 أيلول 2001، بغية لجم الميل للتطرف والفهم الشاذ للدين. وتمكنت السلطات السعودية خلال عقد ونصف بعد 2001، من تقليص هوامش الفهم المتطرف في مجتمعها، بصورة نوعية، عبر حرب فكرية وأمنية، بالتزامن.

في حالتنا بسوريا، اليوم، نحن أحوج ما نكون لذلك. فسواء كانت جريمة تفجير كنيسة مار إلياس، من تنفيذ “داعش”، أو فصيل متطرف آخر، فالحاجة ملحة لحرب على أكثر من صعيد. ومع الأهمية القصوى للبعد الأمني، فإنه وحده غير كفيل في منع تكرار ما حدث عشية ذاك الأحد الأسود، في دمشق. وتقع هنا مسؤولية كبيرة على عاتق رجال الدين الإسلامي في سوريا، بضرورة تكثيف التوعية الدينية، وتصعيد الخطاب القائم على الوسطية والاعتدال.

وتتحمل السلطات الرسمية في ذلك، مسؤولية كبيرة أيضاً، مع الحاضنة “المتدينة” الواسعة، المؤيدة لها، والقواعد ذات الخلفية “الجهادية” المحسوبة عليها. فهي الأكثر معرفة، والأكثر قدرة، على تجفيف منابع التطرف في سوريا، لا بالأدوات الأمنية فقط، بل أيضاً بالأدوات التعبوية. وفي التراث الفقهي الإسلامي، سعة كبيرة، لإيجاد أسس شرعية لهكذا تعبئة إيجابية.

تلفزيون سوريا

————————————-

من قناة تلغرام إلى فصيل شبحي: القصة الغامضة لـ”سرايا أنصار السنة”/ صهيب عنجريني

الأسئلة حول “سرايا أنصار السنة” تتجاوز التحقق من وجودها الفعلي إلى تحليل ما تمثله: هل هي تنظيم ناشئ بالفعل، يتلمّس طريقه في بيئة مضطربة؟ أم أنها ظل رقمي صُمّم لتأدية وظائف أمنية محددة؟

27/6/2025

في منتصف شهر آذار/مارس الماضي، ولغايات بحثيّة، خضت محادثة طويلة مع مصدر “جهادي” معروف. من ضمن تفاصيل عابرة سألته عَرَضًا عن تشكيل جديد كان اسمه قد راح ينتشر على نطاقات محدودة هو “سرايا أنصار السنة”، فأجاب المصدر جازمًا: “مجرّد قناة تلغرام”.

وقتذاك؛ رأى المصدر أننا أمام مجرد اسم “جرى اختراعه لرفع الحرج عن الهيئة”، في إشارة إلى “هيئة تحرير الشام” التي باتت عماد السلطة الحالية في دمشق، وأن الأمر قد لا يعدو كونه “مبادرة فرديّة أو لبضعة أشخاص، يريدون أن ينسبوا التصفيات والاستهدافات إلى هذا الاسم المُخترع”. ثم انتقلنا سريعًا إلى موضوع آخر، أكثر أهميّة.

بعد نهاية تلك المحادثة، عاودت تصفح قناة “تلغرام” المذكورة بشيء من التفصيل، وبالفعل لم يكن فيها ما يثير الاهتمام على نحو خاص؛ مجرد استعراض لانتهاكات وجرائم متفرقة، وتبنٍّ مزعوم لها، مع خطابات تعبوية شعبوية لا تُشير إلى “تأًصيلات شرعيّة” كما هي عادة الجماعات السلفيّة، ولا تُقدم خطابًا متّسقًا، وتحفل بالأخطاء اللغوية. لكن الأيام دارت، وتصدرت “أنصار السنة” واجهة الاهتمام على نحو لافت، خصوصًا إثر تبنّيها الاعتداء على كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق.

تحول دراماتيكي.. Rebranding

ثمة تفاصيل عديدة تستدعي الوقوف عندها في حكاية هذه “السرايا” برغم عمرها القصير، على رأسها أنّها خضعت لما يشبه الـ Rebranding بين أواخر شهر نيسان/أبريل، وأوائل شهر أيار/مايو. شملت العملية إغلاق قنوات “تلغرام” المرتبطة بها، وافتتاح أخرى جديدة، مع “تحديث للهوية البصرية”، فاعتمدت شعارًا جديدًا (Logo)، أضيفت إليه عبارة مُجتزأة من آية قرآنيّة هي: “وقاتلوا المشركين كافّة” (من الآية 36 من سورة التوبة).

أما التفصيل الأهم فمفاده أن “البصمة اللغوية” للمجموعة المزعومة قد تغيّرت بشكل جذري. فصرنا نقرأ عباراتٍ متماسكة، وجملًا فصيحة تكاد تخلو من الأخطاء، حافلة بـ”تأصيلات شرعيّة”، وإحالات، وخوض في قضايا فقهية، ومسائل من قبيل “الولاء والبراء”، و”السياسة الشرعيّة”، ونحو ذلك.

تزامن هذا التغير مع افتتاح قناة خاصة على “تلغرام” باسم “القسم الشرعي – سرايا أنصار السنة”، رُبطت بالقناة الأم من جهة، وبقناة أخرى باسم “د.أبو محمد الشامي” من جهة أخرى، وكلتاهُما أُنشئت في التوقيت ذاته (مطلع شهر أيار/مايو 2025). ويبدو واضحًا أن “الشامي” صبغ “السرايا” بصبغته، فمنشوراته تتكرر في معظم القنوات المرتبطة بها، وأسلوبه بات حاضرًا حتى في البيانات النصيّة التي تصدر عنها.

جماعة بلا بصمة

يُفضي تحليل محتوى جميع القنوات المرتبطة بـ”سرايا أنصار السنة” في نسخها الجديدة إلى جملة ملاحظات مهمة، أبرزها أنها لا تُقدم أي توثيق بصري لأيّ من نشاطاتها وعملياتها، ويقتصر الأمر على إعادة نشر بعض الصور المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لأشخاصٍ جرت تصفيتهم، أو مواقع شهدت أحداثًا واعتداءات، مع تبنٍّ مزعوم لتنفيذ تلك العمليات.

وعلى نحو مماثل، لا وجود لصوتيّات، أو مقاطع فيديو، أو إصدارات خاصة، ولا حتى لصيغة بصرية موحّدة للبيانات، وهذا يُخالف ما تنتهجه عادة الجماعات “الجهادية” في نشاطها الإعلامي. ولم يكن الأمر مختلفًا جذريًّا في النسخ السابقة من “القنوات” برغم وجود “ذراع إعلامية” تحمل اسم “مؤسسة العاديات”. قد يُردّ الأمر إلى محاذير أمنيّة، لكنه أيضًا قد يعود إلى أن الجماعة في الأصل نشأت بطريقة عشوائية أقرب إلى “نهج الهواة”، وبدون بنية تنظيمية واضحة أو حتى مستترة.

ثمة تفصيل صغير لكنه مثير للاهتمام في دهاليز “تلغرام” الخاصة بالجماعة المذكورة، ففي 8 أيار/مايو الماضي، نشرت قناة تتبع “السرايا” اسمها “قناة النور الدعوية” رابطًا لقناة “تلغرام” جديدة وطلبت من متابعيها دعم هذه القناة لأنها “تابعة لخلايا أنصار السنة في لبنان”، مُعرف القناة الوارد في الرابط يحمل اسم “saraia trabls1″، غير أن الرابط يقود إلى قناة أُعطيت اسم “قناة سوريا الاخبارية”، وتنقل أخبارًا تتبنى أسلوب خطاب “الإدارة الجديدة” في دمشق والوسائل الإعلامية المرتبطة بها، كما تنشر معلومات عن توزيع رواتب وزارة الداخلية، وعمليات الأمن العام، وخلل في تطبيق شام كاش.. إلخ.

“المرجعيّة الشرعيّة”

لا يعدو “أبو محمد الشامي” كونه اسمًا حركيًّا بطبيعة الحال، وهو اسمٌ سبق أن استُخدم في الساحة “الجهادية” مرات عديدة بعضها داخل “النصرة” سابقًا. هذا التشابه في التسمية قد يكون مقصودًا، إما للتمويه، أو لخلق صدى تاريخي في أذهان المتابعين.

ينطبق الأمر على “أنصار السنة”، فعلى سبيل المثال في العام 2013 كانت “جبهة الأصالة والتنميّة” تضم في صفوفها تشكيلًا حمل اسم “كتيبة أنصار السنّة”، فضلًا عن تشكيلين يدور اسماهما في هذا الفلك؛ هما “لواء أسود السنّة”، و”كتيبة صقور السنّة”، بينما تكررت مفردة “السنة” في أسماء عشرات التشكيلات والفصائل. يزعم أبو محمد الشامي في معرض التعريف عن نفسه أنه أستاذ جامعي سابق، وسبق أن كان “عضوًا في هيئات علمية عالمية”، و”باحثًا شرعيًّا في موقع الفتوى العالمي” (إسلام ويب).

يمكننا العثور على مخطوط للشامي على جميع قنوات “تلغرام” المرتبطة بـ”أنصار السنة”، كما على قناته الشخصيّة، وقد حمل عنوان “السّؤالات الشاميّة”. أما مضمونه فأسئلة يقول إنها وُجهت إليه، وردوده عليها، و”فتاواه” بشأنها. تدور معظم الأسئلة حول “فقه الجهاد والعقيدة”، و”السياسة الشرعية والخلافات الفصائلية”، ودور “العلماء والمرجعيات”، فضلًا عن بعض الأسئلة العامة (كتفسير أحاديث نبويّة).

ثمة مفارقة لافتة في المخطوط المذكور، تنبع إمّا من عشوائيّة واعتباطيّة، أو من رغبة في تزوير واختلاق تاريخ لـ”سرايا أنصار السنة”، فالسؤال الأول في المخطوط يخص “السرايا”، وهل “أفرادها مفسدون في الأرض”، كما تتكرر في متنه إشارات إلى كثير من الوقائع والمستجدات الراهنة، بينما يُؤرّخ المخطوط بتاريخ 25 – ذو القعدة – 1445، وهو تاريخ يقابله 2 حزيران/يونيو 2024!

الجولاني هو العدو المُعلن

يقع المخطوط في 160 صفحة تضم أكثر من 26 ألف كلمة، وقد وُضع له غلاف وفهرس بأسلوب بدائي وبإخراج بصري رديء. يتصدر ابن تيمية مرات الاستشهاد داخل الكتاب/المخطوط، فيُحال إليه بوصفه مرجعيّة 41 مرة، فيما يُحال إلى ابن عابدين 9 مرات، وابن القيم 5 مرات وابن حزم 4 مرات، فضلًا عن مرجعيات أخرى متفرقة مثل الشافعي، والطبري وسواهما.

أبرز التفاصيل التي تستوجب الوقوف عندها في “السؤالات الشاميّة” أنّ أيًّا من مفردات “النصارى”، “النصيريون”، “العلويون”، لم ترِد فيه ولا مرّة واحدة، وفي المقابل وردت مفردة “الجولاني” 32 مرة، علاوة على بضع مرات بصيغة ساخرة “الجهلاني”.

اللافت أن الأمر يتكرر في القناة الأساسية لـ”سرايا أنصار السنة” على “تلغرام”، فلا ترِد مفردة “النصارى” منذ إنشاء القناة سوى أربع مرات، وخامسة في صيغة مختلفة “نصارى دمشق”، وهي تلك التي تضمنها بيان تبني الاعتداء على كنيسة مار إلياس. فيما ترِد مفردة “نصيري/ة/يون” ثماني مرات فقط، و”شيعة” مرة واحدة، ولا ترد “روافض” نهائيًا. في المقابل ترد مفردة “الجولاني” 69 مرة، و”الجهلاني” ثلاث مرات.

كيان وظيفي أم نواة تنظيم؟

في المحصلة؛ يبدو تركيز “سرايا أنصار السنة” ومرجعيتها الشرعيّة منصبًّا بشكل أساسي على إظهار العداء تجاه أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) وفريقه، وحكومته، مع بعض الإشارات الواضحة إلى تمجيد تنظيم “داعش”. لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ظاهرة تحتمل تفسيرات متناقضة؛ إذ قد يكون هذا جوهر مُعتقدات “سرايا أنصار السنة” ومحور اهتمامها بالفعل، لكنه في الوقت نفسه قد يُقدّم حزمة “خدمات” للسلطات الحالية في دمشق تتجاوز “رفع الحرج” بأشواط بعيدة. ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذا العداء المعلن بوصفه غطاءً وظيفيًّا يوفر الشرعية لعمليات قد تنفذها أطراف أخرى.

الأسئلة حول “سرايا أنصار السنة” تتجاوز التحقق من وجودها الفعلي إلى تحليل ما تمثله: هل هي تنظيم ناشئ بالفعل، يتلمّس طريقه في بيئة مضطربة؟ أم أنها ظل رقمي صُمّم لتأدية وظائف أمنية محددة، سواء لتبرير عمليات، أو لضرب السلطات القائمة في دمشق، أو حتى لبث خطاب موازٍ يُفترض به أن يُفرغ الراديكالية من قوتها بإشغالها داخليًا؟

أوان

—————————————————–

كنيسة مار الياس: بين بطريرك غاضب و«مؤرّخ» هاوٍ/ صبحي حديدي

26 – يونيو – 2025

في 23 حزيران (يونيو) الجاري نشر «المؤرخ» السوري سامي مبيّض مقالة جزمت بأنّ التفجير الإرهابي الذي طال مؤخراً كنيسة مار الياس، في منطقة الدويلعة من العاصمة السورية دمشق، هو «الأوّل من نوعه منذ 1860»؛ أي منذ أحداث ما يُعرف باسم «طوشة النصارى» التي شهدت أعمال عنف دامية ضدّ المسيحيين في حي باب توما وبعض أرجاء حيّ القيمرية ذات الأغلبية المسيحية، فسقط عشرات الضحايا، وانتُهكت مقدسات وأماكن عبادة.

وكان مبيّض قد أصدر، في سنة 2021، كتاباً حول تلك الفتنة، بعنوان «نكبة نصارى الشام أهل ذمة السلطنة وانتفاضة 1860»؛ وبالتالي لم يتردد في القفز على عملية كنيسة مار الياس الإرهابية، وأطلق الاستنتاج القاطع بأنّ ذلك الاستهداف كان الأوّل منذ «الطوشة». ليس هذا السلوك جديداً على «مؤرّخ» هاوٍ، كدّس مراراً سلسلة فاضحة من الأخطاء والحماقات عن التاريخ السوري؛ بعضها كان يتعمد تسطيح الأحداث والوقائع على نحو يجنّبه المساءلة، كما يقرّبه من نظام بشار الأسد، ومن مؤسسة «وثيقة وطن» التي كانت تديرها بثينة شعبان.

وهو صاحب النماذج التالية من النبوءات: «في سوريا، لا أحد توقّع أنه سيأتي يوم يخرج فيه المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بتغيير النظام، من وحي الربيع العربي في تونس، وليبيا، ومصر»؛ أو: «لا أحد تخيّل أنّ الدولة سوف تُجبَر، تحت ضغط المتظاهرين الغاضبين أنفسهم، إلى تغيير الدستور». فإذا تصفّح المرء كتابه «فولاذ وحرير: رجال ونساء صنعوا سوريا 1900 ـ 2000»، الذي صدر بالإنكليزية سنة 2006، فسيجد معلومات من هذا النوع، تُنقل هنا بالحرف تقريباً:

ـ زكريا تامر روائي سوري، له 75 رواية (نعم، رواية!) وهو يُعتبر أبرز كتّاب أدب الأطفال في العالم العربي.

ـ رياض الترك صاحب خطّ ماويّ، اختلف فيه مع خالد بكداش؛ واعتُقل سنة 1980 وأفرج عنه سنة 1998 بعد أن تعهّد بـ «ترك السياسة وقضاء ما تبقى من حياته في سلام وأمان».

ـ بثينة شعبان في طليعة كتّاب وفناني سوريا الحديثة والمعاصرة.

وبعد نشر مقالة مبيض، كان يوحنا العاشر يازجي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يؤبن ضحايا التفجير الإرهابي، فشدد بدوره على أن هذه المجزرة هي الأولى ضدّ المسيحيين منذ «طوشة الشام»، حسب تعبيره. وليس المرء واثقاً من أنّ غبطته استند على «المؤرّخ»، بالنظر إلى أسبقية تاريخ نشر مقالة الأخير؛ أو أنه يتبنى الصلة أصلاً، من دون حاجة إلى سند راهن. وفي الحالتين، تجاهل مبيض والبطريرك حقائق ساطعة، برهنت عليها أدلة دامغة، حول عشرات الحالات من استهداف الكنائس ودور العبادة المسيحية، ابتداءً من آذار (مارس) 2011: من جانب النظام أوّلاً (40 واقعة) والجماعات المتشددة (7) وتنظيم داعش (6) وجبهة النصرة (1) وفصائل في المعارضة المسلحة (14)… وكلّ هذا موثق بالتفاصيل في تقرير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان».

وإذا كان أمراً مألوفاً أنّ «المؤرّخ» لم ينبس ببنت شفة حول «تأريخ» تلك الوقائع العنفية بحقّ الكنائس، فما بالك باستنكارها أو ربطها بأي «طوشة» سابقة؛ فإنّ المستغرب، في المقابل، هو الصمت المطبق الذي التزمه البطريرك يازجي إزاء تلك الانتهاكات الصارخة بحقّ مواطنيه وأبناء رعيته ودور عبادتهم. فإذا كان الارتهان للسلطة لدى «المؤرّخ»، وما ترافق معه من تدوين براءات الذمة لجرائم النظام وأجهزته وجيشه، هما بعض السبب؛ فما الذي أعاق غبطته عن النطق بالحقيقة في وجه المعتدين، أجمعين، وأياً كانت هوياتهم السياسية والتنظيمية والعقائدية؟ ثمّ إذا صحّ، بالفعل، أن انطواء صفحة «الحركة التصحيحية» مكّن البطريرك اليوم من حقّ التعبير الصريح، أسوة بسائر أبناء سوريا الجديدة؛ أفلا يُنتظر منه، هو في مقام أوّل، أن يمارس هذا الحقّ كاملاً متكاملاً غير منقوص، فيشير إلى جرائم الماضي والحاضر معاً؟

ليست هذه السطور المقامَ المناسب لإعادة فتح ملفات «طوشة 1860»، سواء لجهة توصيفها الأقصى كاحتراب أهلي ضيّق النطاق وقصير الأمد؛ أو البحث في جذور الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبينها خلفيات صناعة الحرير (وكانت «ثقيلة» في تلك الأيام!)؛ وصلاتها المحتملة مع عزل بشير الثاني، واضطرار بعض مسيحيي المشرق إلى البحث عن راعٍ غربي فرنسي؛ وما إذا كانت كتابات بطرس البستاني، وفصول «نفير سوريا»، معينة على جلاء الكثير من الغموض والالتباس أو التحريف التلقائي…

المقام، في المقابل، يستلزم المساجلة ضدّ الخلط المتعمد بين جريمة إرهابية، تمثّل عقلية جهادية إسلامية أصولية إرهابية، لا تغيب عن بواعثها كراهيةٌ ضمنية للآخر المختلف عموماً وللمسيحيين خصوصاً، في قطب أوّل؛ وبين تلميحات تجمع الغمغمة إلى الغمز إلى التلميح حول الجريمة ذاتها بوصفها غير مسبوقة إلا في سنة 1860، أو أنها تستهدف المكوّن المسيحي في قلب الاجتماع الوطني السوري، وتمهّد استطراداً لاحتراب أهلي، في قطب ثانٍ. للمرء أن يتفهم شيوع هذا الخلط على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث الحابل قرين النابل من دون أيّ ضوابط ومعايير تضمن تحكيم العقل والمسؤولية. بيد أنّ الأمر يختلف، وبالتالي يستوجب السجال والاعتراض والمناهضة، حين يشترك في إذكاء اللهيب «مؤرّخ» هاوٍ بائس، وبطريرك غاضب يتغافل عامداً عن جرائم سابقة كانت رعيته ضحية لها.

وهذه سطور لا تزعم امتلاك أي طراز من المعطيات حول اتكاء البطريرك على «المؤرّخ»، بل لا ترى دلالة إضافية في النفي أو الإيجاب بصدد الصلة بين المقالة وخطبة التأبين؛ لأنّ الاتفاق على اقتباس «الطوشة» إياها بصدد الجريمة الإرهابية ضدّ كنيسة مار الياس الدمشقية، بعد 165 سنة وسياقات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وطائفية متغيّرة، جوهرياً في كثير منها؛ إنما ينتهي إلى الإضرار بالقراءة العقلية والوطنية للواقعة الثانية، وإعادة قراءة الواقعة الأولى على نحو شديد الاختزال وبالغ الأذى.

وفي مناخات كهذه، قد لا يعدم المرء «قراءة» أخرى نسيج وحدها، كما يُقال، تفتح بوّابة منفلتة الحدود والأبعاد، وتفترض ما هو أبعد بكثير من اعتداء إرهابي همجي ضدّ مصلّين في كنيسة: أي إلى احتراب سوري أهلي/ أهلي، بين مسلمين ومسيحيين عموماً، بما يقبل استسهال التوسيع نحو حضور و/ أو غياب التنويعات داخل المكوّن الواحد (سنّي أساساً، أي ليس علوياً أو درزياً أو إسماعيلياً) في مواجهة مكوّن واحد (مسيحي أرثوذكسي أساساً، أي ليس كاثوليكياً أو بروتستانتياً)؛ وهنا درجة قصوى من خبط العشواء في قسر الاجتماع الوطني السوري داخل هندسة دينية ومذهبية افتراضية وصمّاء.

مفهوم تماماً، بالطبع، أن تنطوي خطبة البطريرك على مشاعر شتى عاطفية، بينها الغضب والأسى والتفجع والترحّم؛ وغبطته محقّ في ملامة سلطات الأمر الواقع، فالرئيس الانتقالي مسؤول في المقام الأول عن انفلات الأمن في بلد يزعم أنه يقود انتقاله من عقلية الثورة/ الفصيل إلى عقلية الدولة/ المؤسسة. غير مفهوم، في المقابل، وهو بالتالي غير مفيد إذا لم يكن يُلحق الأذى، أن تستبطن الخطبةُ أيّ معنى فئوي في التحريض أو التحشيد؛ ليس بحقّ السلطة وحدها، وإلا لأمكن تفهّم النبرة، ولكن بحقّ اجتماع وطني سوري ظلّ المسيحيون فيه أبناء متساوين مع أشقاء لهم مسلمين، بصرف النظر عن الطوائف والمذاهب.

هنا العتبى على غبطته، ومنها أيضاً يُستمدّ انعدام العتب على «مؤرّخ» هاوٍ ظلت نظرته إلى تاريخ بلده قاصرة حسيرة، محرَّفة ومحرِّفة؛ حولاء، باختصار، في كلّ حال ومآل.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

————————————-

جريمة الدويلعة… أول عمل إرهابي ضد كنيسة دمشقية منذ 165 سنة/ سامي مبيض

تعيد إلى الأذهان ما عرف بفتنة عام 1860

آخر تحديث 23 يونيو 2025

تعرضت كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة إلى تفجير إرهابي، هو الأول من نوعه منذ عام 1860. وقد وجه الإعلام السوري أصابع الاتهام إلى تنظيم “داعش”، وأدت العملية الانتحارية إلى مقتل 13 مواطنا سورياً حتى الساعة، في أكبر تحدٍ للرئيس أحمد الشرع منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.

لا يوجد إحصاء لعدد سكان سوريا منذ عام 2011، بعد تجهير الملايين ومقتل مئات الآلاف في المعارك والسجون، ناهيك عن المفقودين ومكتومي القيد والذين ولدوا في مخيمات اللجوء ولم يسجلوا بعد في السجلات السورية. ولكن عدد المسيحيين قد تراجع من 10 في المئة من إجمالي السكان قبل عام 2011 إلى 2 في المئة اليوم، وقد يؤدي هذا التفجير إلى تراجعهم أكثر فأكثر في الأشهر والسنوات المقبلة، مع أن السلطات السورية كانت حريصة جدا على حمايتهم خلال أعياد عيد الفصح الأخيرة، حيث لم يسجل أي اعتداء ضدهم لا في دمشق ولا في بقية المدن السورية.

فتنة عام 1860

حادثة اليوم تعيد إلى الأذهان ما عرف بفتنة عام 1860، يوم داهم الغوغاء الحي المسيحي داخل مدينة دمشق، ليحرقوه ويدمروه بالكامل. كان ذلك بعد اندلاع الفتنة الأصلية في جبل لبنان ذلك العام، بين المسيحيين الموارنة والدروز. بدأت هذه الأحداث الدامية بدمشق مع دخول فتيان المسلمين إلى منطقة باب توما في 7 يوليو/تموز 1860 ورسمهم الصلبان على الأراضي ودوسها بأقدامهم، ما أدى إلى اعتقالهم وإجبارهم على تكنيس الشوارع التي عبثوا بها. صاح أحد الأهالي: “يا مسلمين، يا أمة محمد، المسلمون يكنسون حارة النصارى”. اشتد الصراخ والعويل وردّ الجمع بصوت واحد: “يا غيرة الدين” في هذه الأثناء كان الأشقياء و”الزعران” والمرتزقة يتدفقون على منطقة باب توما من كل حدبٍ وصوب، وقد وصل عددهم إلى عشرين ألفا، بالتزامن مع انسحاب القوات العثمانية النظامية من الحيّ المسيحي. في غضون أسبوع، قتل 5000 مسيحي في دمشق، ما بين وافد من لبنان أو ساكن أصلي. أحرقوا جميع الكنائس وتهجموا على الرهبان وقتلوا ثمانية منهم في الساعات الأولى، ثم تهجموا على القنصليات والبعثات التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية، ودير الرهبان الإسباني ودير العازارية الفرنسي والمدرسة الآسية ومقر “أخوات الرحمة” للراهبات، المؤسس قبل أشهر قليلة في دمشق بدعم ماليّ من الإمبراطور نابليون الثالث. إضافة إلى الكنيسة المريمية، هُدم مصلى حنانيا الشهير، ودُمرت كنيسة سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك في باب توما، وكنيسة سيدة النياح للروم الكاثوليك في حارة الزيتون، وكنيسة القديس منصور للآباء العازاريين في باب توما، وكنيسة القديس بولس المجاورة لدير الرهبان الفرانسيسكان، وكاتدرائية القديس أنطونيوس المارونية في باب توما، وكنيسة القديس بولس للسريان الكاثوليك في باب شرقي، وكنيسة القديس سركيس للأرمن الأرثوذكس في باب شرقي أيضا. ووصلت يد الإجرام إلى ريف دمشق، حيث دُمرت ثلاثة بيوت مسيحية في وادي بردى، وقُتل خمسة مسيحيين في بلودان وحُرق 52 منزلا. تكرر المشهد ذاته في دمر والهامة وفي معرة صيدنايا وقرية معرونة التي ذُبح 15 من شبابها المسيحيين. وحدهم مسيحيو سرغايا نجوا من الموت بمساعدة أحد الأعيان المسلمين، كما لم يتعرض أحد، لا إلى المسيحيين ولا إلى الكنائس في حي الميدان، خارج سور دمشق.

الأمير عبد القادر الجزائري

فتح الأمير عبد القادر الجزائري أبواب داره في حي العمارة خلف الجامع الأموي، لاستقبال المسيحيين الهاربين من المجزرة. كان الأمير الجزائري نزيل دمشق منذ خمسينات القرن التاسع عشر وقد سانده في حماية المسيحيين عدد من الوجهاء المسلمين بفتح دورهم أيضا مثل صالح آغا المهايني، وصالح الموصلي، وعبد اللّه العمادي (شقيق جد وزير الاقتصاد محمد العمادي) وسعيد آغا النوري وعمر آغا العابد (الجد الأكبر لأول رئيس جمهورية محمد علي العابد) والمفتي محمود الحمزاوي (جد الشاعر خليل مردم بك)، والتاجر عثمان جبري، والشيخ سليم العطار (مدرس البخاري في جامع سليمان باشا)، والشيخ عبد الله البيطار (جد العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار) الذي حذر من نار الفتنة وسفك دماء المسيحيين خلال خطبته على منبر جامع الدقاق في حيّ الميدان. حمل الأمير عبد القادر السلاح وخرج أمام الجموع التي وصلت إلى باب داره في حيّ العمارة، صائحا: “أهكذا ترضون نبيكم محمدا؟ لن تنالوا من مسيحي واحد هنا، فجميعهم إخوتي”. أعجب العالم بشجاعة الأمير عبد القادر وحكمته، وبدأت الهدايا تنهمر على داره بصفته “حاميا للمسيحيين”، كان من بينها مسدسان حربيان مطليان بالذهب هدية من الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، وسيف من ملكة بريطانيا، وقلادة من الحبر الأعظم في الفاتيكان، ووسام الشرف الفرنسي من الإمبراطور نابليون. في عام 1915، أطلق اسم الأمير على مدينة في ولاية أيوا الأميركية، ولاحقا سميت إحدى المنح الدراسية باسمه في جامعة فيرجينيا، كذلك أقامت الأمم المتحدة ندوة حول دوره الإنساني في عام 2006، ووضع تمثال له في إحدى قاعاتها، وسُمي كرسيّ حقوق الإنسان في اليونسكو باسمه أيضا.

إعادة إعمار الكنائس

نشطت بعد عام 1860 عمليات إعادة إعمار الكنائس المدمرة في دمشق، تلتها حركة خجولة لبناء كنائس جديدة، بهدف استعادة الهوية المسيحية وتدعيمها. أُنشئت كنيسة يوحنا الدمشقي للروم الأرثوذكس في عام الفتنة، شمال شرق الكاتدرائية المريمية التي أعيد إعمارها عام 1867 وضمت إلى قسمها الشرقي مساحة كنيسة القديسين كبريانوس ويوستينا وكنيسة القديس نيقولاوس. أما في قسمها الغربي، فقد وُسِّع “درب مريم” المارّ من الجهة الغربية والمؤدي إلى حي القيمرية، وما بقي منه تحول إلى مدرسة ابتدائية جديدة عُرفت باسم “القديس نيقولاوس” (مكان قصر النارنج اليوم). أما كنيسة القديس بولس (للسريان الكاثوليك) الواقعة إلى يسار باب شرقي، فقد أعيد بناؤها عام 1863، مع إعادة افتتاح كنيسة سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك التي كانت وقتها مقرّ الرهبنة اليسوعية، وأصبحت في أربعينات القرن العشرين مطرانية الأرمن الكاثوليك. تلتهما كاتدرائية القديس أنطونيوس في باب توما عام 1864، وكنيسة القديس سركيس للأرمن الأرثوذكس التي كانت أساسا للسريان وتعود إلى ما قبل عهد الإسلام في دمشق.

أعيد افتتاح كنيسة سيدة النياح للروم الكاثوليك في حارة الزيتون عام 1865، على مساحة أوسع، وقد زُينت برسومات “الرخمجي” العريق يوسف وردة، وعمل معه لفيف من المهندسين الدمشقيين، مثل نقولا وردة ويوسف العنيد وأنطوان منصور ووهبة بهيت، تحت إشراف المعماري ميخائيل مسدية. كذلك أُعيد بناء كنيسة القديس سركيس للأرمن الكاثوليك وكنيسة منصور للآباء العازاريين عام 1866، وأعيد بناء مزار حنانيا عام 1870. أما عن الكنائس الجديدة التي جاءت بعد عام الفتنة، فكانت هناك الكنيسة الإنجيلية الوطنية في ساحة الدوامنة، التي اشترتها الإرسالية التبشيرية عام 1845، ونظرا لعدم الاعتراف بها طائفة مسيحية مستقلة، سُجل المكان باسم مالك البيت الذي تحول لاحقا إلى كنيسة لهم وبُنيت بعد التدمير، عام 1861. وجاءت كنيسة القديس بولس على السور (داخل باب كيسان)، أي باب بولس، خلف أرض تابعة لبطريركية الروم الكاثوليك، وكانت متصلة بكاتدرائيتهم سيدة النياح في حارة الزيتون. وقد منح الفرنسيون باب بولس للكاثوليك عام 1934 فحوّلوها إلى كنيسة على اسم القديس بولس، وهذا الباب هو الذي هُرِّب بولس الرسول منه عام 35م، بإنزاله ليلا بسلٍّ كبير من فوق الباب من قبل جاورجيوس البواب، هربا من اليهود. وقد هرب بولس الرسول إلى حوران، وكان مصير البواب القتل رجما، وقبره موجود في المقبرة الأرثوذكسية المقابلة في المقام مدفن الكهنة. ومن يومها صار المسيحيون الدمشقيون يدفنون موتاهم حول قبر هذا الشهيد، وصارت مقبرة تعرف باسم القديس جاورجيوس.

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فُتحت كنيسة القديسة تيريزا لطائفة الكلدان الكاثوليك في حارة بولاد بباب توما عام 1895. آخر الكنائس التي ظهرت في دمشق خلال العهد العثماني كانت كنيسة يوحنا بوسكو الإيطالية للاتين، وتقع خلف المستشفى الإيطالي، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بعام. الغريب أن فترة الانتداب الفرنسي لم تشهد بناء الكثير من الكنائس الجديدة، علما أن الفرنسيين حاولوا تبني المسيحيين الدمشقيين كما فعلوا مع موارنة لبنان، وحاولوا أيضا إثارة الفتنة مجددا بينهم وبين المسلمين، خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925، عندما أمروا جنودهم بالانسحاب من الأحياء المسيحية، أملا في أن يدخلها ثوار الغوطة لنهبها وتكرار مجازر 1860، ولكن هذا الأمر لم يحدث.

في زمن الفرنسيين، شُيدت كنيسة أنطوان البادوي لطائفة اللاتين في الصالحية وفي عام 1930 بُنيت كنيسة القديس كيرلس للروم الكاثوليك في حي القصاع. وفي عام 1932 بُنيت كنيسة الصليب المقدس للروم الأرثوذكس في بستان الصليب، وهو موقع دير الصليب المقدس الذي كان رهبانيا منذ مطلع القرن الخامس إلى تيمورلنك لتدميره وذبح رهبانه. وفي زمن الاستقلال، ظهرت كنيسة جديدة واحدة فقط عام 1951، هي كنيسة القديس جرجس للسريان الأرثوذكس في باب توما، دُشنت في عهد الرئيس هاشم الأتاسي، وبدأ العمل على بناء كنيسة يوحنا الدمشقي للروم الكاثوليك في شارع الأمير شكيب أرسلان، ولكنها لم تكتمل حتى عام 1963. أما في عهد الوحدة مع مصر، فلم يُفتتح إلا كنيسة واحدة، وهي كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس في شارع حلب عام 1961. ونشطت حركة العمران الكنائسي في الستينات، فكانت كنيسة القديس نيقولاس للروم الأرثوذكس في منطقة المزة عام 1965، وكنيسة السيدة فاطمة للسريان الكاثوليك في شارع حلب، وخلفها كنيسة يسوع نور العالم لطائفة الاتحاد المسيحي الإنجيلية في منتصف الثمانينات. وكانت كنيسة القديس ديمتريوس مقابل حديقة السبكي بالقرب من رابطة المحاربين القدماء، وهي للروم الأرثوذكس، اشترتها البطريركية الأرثوذكسية من عائلة أرثوذكسية وحولتها إلى كنيسة عام 1990.

بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، افتُتحت كنيسة القديس إغناطيوس أو كنيسة الممثلية الروسية لبطريركية موسكو في منطقة البزم (غرب المالكي) عام 1973. وفي يوم 7 أبريل/نيسان 1975، افتتحت كنيسة سيدة دمشق للروم الكاثوليك بالقرب من ساحة العباسيين. وفي عام 1980، وخلال المواجهات الدامية بين الأسد والإخوان المسلمين، شُيدت كنيسة ميخائيل للروم الأرثوذكس في كورنيش التجارة، وفي مايو/أيار عام 1992، بُنيت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الكاثوليك شرق التجارة. آخر الكنائس كانت باسم بولس الرسول في منطقة دُمَّر، وأُسست بهدف استيعاب جميع الطوائف المسيحية، دون أي تفريق بينهم.

المجلة

——————————-

نقطة صفر جديدة/ رشا عمران

27 يونيو 2025

يوضح التضارب في التصريحات حول المسؤولية عن العملية الإرهابية التي طاولت كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة في قلب دمشق، وخلفت أكثر من 25 شهيداً وعشرات المصابين، كيف أن سورية تعود أمنياً إلى نقطة الصفر، فبينما سارع إعلاميون ومحللون مؤيدون للحكومة المؤقتة باتهام “حلف الأقليات” بالتفجير لسحب المسيحيين، المسالمين والمطيعين كما يجرى توصيفهم حالياً، إلى هذا الحلف الافتراضي، وتحويلهم إلى أعداء للنظام الحاكم. أعلنت الحكومة نفسها أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو المسؤول عن العملية، وعرضت صور لمداهمات لعناصر التنظيم المسؤولين في سرعة استثنائية تشي بأن الحكومة تريد إغلاق هذا الملف بأسرع وقت ممكن، ليُصدر فصيل يدعى “سرايا أنصار السنة” بيانا يتبنّى فيه العملية، ويسمّي الجهادي الذي فجّر نفسه، ويتوعّد بالمزيد لمن يرفض التوبة والتخلّي عن دين الكفر والدخول في الإسلام.

هكذا يعود السوريون إلى نقطة الصفر في فهم ما يحدُث، وفي الخوف من عملياتٍ مشابهةٍ تستهدف الجميع، وفي مفهوم المواطنة والوطن، وفي مصداقية النظام الحاكم، ذلك أن هذا التضارب في تحميل المسؤولية لجهة ما يشي بالفجوة الكبيرة التي يعيشها السوريون وبالانقسام المهول في قلب المجتمع السوري، فحلف الأقليات الافتراضي وهم يشيعه أنصار النظام لإظهار أن الحكم الجديد محاطٌ بالأعداء الداخليين الذين يمنعونه من التقدّم أية خطوة في تحقيق ما وعد به. هذا الحلف شمّاعة جديدة تشبه شمّاعة إسرائيل والإرهاب في زمن نظام الأسد. بينما يشكل تنظيم داعش الورقة الرابحة في يد الحكومة التي تترك لأنصارها اختراع عدو داخلي (الأقليات)، ليعزّز مظلومية أكثريةٍ تؤجّل الغضب الشعبي العام، بسبب الفشل الحكومي في كل شيء؛ وتتبنّى هي محاربة “داعش” أمام الرأي العام العالمي؛ وهو ما يجنّب الحكومة أية مساءلة عن أي انتهاك أمني ما دام “داعش” موجوداً. لكن بيانات مثل بيان فصيل أنصار السنة يعيد تفنيد الحقائق والوقائع إلى البداية.

البداية أو نقطة الصفر هي أن المجتمع السوري يعيش حالة من الاستقطاب المهول، ويدلّ على أن الحكومة المؤقتة لا تفكر في بناء دولة (عن قناعة أو عن نقصٍ في فهم معني الدولة)، وتكتفي بمفهوم الفصيل الذي اعتمدته في حكم مدينة إدلب قبل انتقالها إلي دمشق. ويدلّ على أن الفكر المتطرّف السلفي التكفيري هو الحاكم اليوم، فتفجير كنيسة مار إلياس (أيا كان المسؤول) هو استهداف ديني بقدر ما هو سياسي، استهدافٌ للمختلف، لمن يؤمن بغير الذهنية المسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع حالياً، هو سعي إلى تحويل المجتمع السوري إلى مجتمع ذي لون واحد متجانس (ألم يفعل نظام الأسد الشيء نفسه؟) عبر ترهيب المختلف بالتلميح والتصريح ثم بالقوة. هل يمكن فصل هذا التفجير عن سلوك شبه يومي يستهدف عقائد الناس وعاداتهم وعن قرارات رسمية تحاول تغيير شكل سورية؟ هل يمكن فصله عن خطاب رسمي وشبه رسمي يقسم السوريين إلى مجموعات مذهبية ودينية وعرقية، ويطلق عليهم لقب “مكوّنات”، بينما يستثني الأكثرية الدينية العددية من هذا اللقب، بوصفها الأمة التي تحكم؟ وهل يمكن فصله عن التوصيف الرثّ والساذج “الأمويون الجدد”، والذي بات التوصيف الذي يطلق على السلطة الجديدة بكل ما له من دلالات تمييزية وتفئيتية؟

منذ وصولها إلى الحكم، تركت السلطة الجديدة الحبل على الغارب لكل أشكال الخطاب والسلوك المتطرّف، بما فيها القتل الطائفي، واصفة ذلك بالسلوك الفردي أو غير المنضبط، من دون أن يعاقب أي شخص على هذا السلوك، ومن دون أن يحاسب أي قاتل على جريمة طائفية موثقة، أو على خطاب تحريضي أوصل إلي ارتكاب المجازر. وهذا ما يجعل بياناً مثل بيان سرايا أنصار السنة يكذّب رواية السلطة (حتى لو كان بياناً مفبركاً) ينتشر ويلقى ترحيباً خفياً يتماهى مع حملة تحريض واسعة ضد بطريرك حمّل السلطة مسؤولية الجريمة، (محقّ كون واجب السلطة حماية مواطنيها)، تعيد التذكير بتاريخه المؤيد للأسد من دون ذكر السياقات الزمنية والوجودية لهذا التأييد. بينما مجرمون حقيقيون وقتلة معروفون هم في مراكز المسؤولية اليوم، أو في تحالف بنيوي مع جذر السلطة الحاكمة الآن.

العربي الجديد

————————–

في ضرورة تسريع التحوّل لدى “العناصر التكوينية” للمجتمع السوري/ سوسن جميل حسن

28 يونيو 2025

عند كل حادث، من اعتداء على المجال العام أو مجزرة، يشتعل الواقع السوري من جديد، ويزداد الشحن الطائفي وإطلاق الأحكام انطلاقاً من الوعي الجمعي الخاص بكل جماعة، هذا الوعي المتشكل عبر الزمن، والراسخ بقوة، مما يعوق التغيير المنشود. وعلى رأي الكاتب صقر أبو فخر في مقالته في “العربي الجديد” الأربعاء الماضي (25/6/2025)، فإن “العناصر التكوينية لهذه المجتمعات، كالطوائف والقبائل والإثنيات، شديدة الرسوخ، ولا تتحوّل إلّا ببطء شديد وعلى المدى البعيد”. يزداد رسوخاً على الرغم من التغيرات التي تحصل في العالم، خصوصاً في عصر العولمة والاتصالات، لكن المعتقدات التي يشملها الوعي الجمعي لكل مكوّن بمفرده تبقى وثيقة الصلة بالموروث، ولها علاقة بالماضي الذي لم تُغادره الجماعات، وهذا من الصفات المشتركة لمعظم مكوّنات الشعب السوري: العيش في الماضي وتقديسه.

في الواقع، تعدّ هذه المشكلة من أهم القضايا الجديرة بدراستها والعمل عليها من أجل تنقية الوعي العام الجمعي لدى الشعب السوري، أو بالأحرى التأسيس لوعي عام، بعدما جرى الاشتغال على تفتيته وتشويهه، وإحلال وعي عام آخر يخدم الأنظمة القائمة، والمتحالفة، من سياسية ودينية واجتماعية، فيرسّخ سطوتها وسيطرتها على المجال العام، بالتوازي مع تعزيز هويات جزئية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، مبنيةٍ على التمسّك الأعمى بثقافةٍ تستند بشكل أساس إلى العقيدة.

التفجير الإرهابي الذي وقع في كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة في دمشق، وراح فيه 25 ضحية سورية، وما يفوق 60 جريحاً ومصاباً، أشعل الواقع الفعلي والواقع الافتراضي بمنصّاته الاجتماعية المتنوّعة من جديد، وأعاد إلى الواجهة المجازر المرتكبة بحقّ بعض المكوّنات في الأشهر الماضية، ولم تقدّم اللجنة التي شكّلها النظام الحالي للتحقيق في القضية أي تقرير، حتى بعد نفاد المدّة التي منحت لها.

هذا السجال الحامي إلى حدّ إشعال الحرائق في المجتمع مؤشّرٌ خطر على الحالة المتردّية من الوعي التي وصل إليها الشعب السوري بعد سنوات الحرب التي سقط النظام في نهايتها سقوطه المدوي شأن أي نظام طغيان، ويميط اللثام عن الفظائع الكامنة تحت وجه المستنقع الذي رمى النظام الساقط فيه الشعب، ليس على مدى سنوات الحرب القذرة التي أدارها مع غيره من الأطراف التي تشبه فحسب، بل على مدى نصف قرن من القمع والشمولية التي قتلت الحسّ النقدي، مثل ما مسخت القدرة على السؤال، ما أدّى إلى تأطير التفكير وفق قوالب وأنساق يحدّدها النظام الحاكم، بالتعاون مع السلطات الأخرى التي فبرك أدواتها كما يريد، السلطة الدينية والاجتماعية وغيرهما.

لو تمعنّا قليلاً في ماهية الوعي الجمعي، وخطره وتأثيره، عندما يقَسّم إلى جماعات تعلي من شأن هويتها الدينية أو القومية على حساب بقية العناصر، ربما ساعدنا هذا التمعّن على فهم أو التقاط جذور المشكلة العضوية المتجذّرة في مجتمعاتنا، والتي تعيق مسيرة التقدّم، أو تحقيق أهداف الثورة الحقيقية التي أرادتها غالبية الشعب بعد عقود الطغيان والقمع والفساد ومصادرة الإرادة.

لكل جماعة، أو مكوّن من مكوّنات الشعب، معتقدات تشكّلت تاريخيّاً، تؤثر بشكل كبير في تشكيل الوعي الجمعي لهذه الجماعة، وذلك بصياغة وزرع كيفية إدراك الأفراد المعلومات وتفسيرها. إضافة إلى ردّات أفعالهم تجاه القضايا العامة، ويمكنها أيضاً أن تعزّز تصورات الناس لموضوع ما أو تُضعفها، وتؤثّر في اتخاذ القرار والسلوك. يحدُث هذا بآليات متنوعة، منها على سبيل المثال ما يُدعى في علم النفس الجمعي باسم “التحيز التأكيدي”، إذ يميل الأفراد عادة إلى قبول المعلومات التي تؤكّد معتقداتهم والاحتفاظ بها، بينما قد يتجاهلون أو يقلّلون من شأن المعلومات التي تتعارض معها. تقيّد هذه الظاهرة الوعي بوجهات النظر والحقائق البديلة، ولو أمعنّا النظر في العصف الذهني، والسجال الغاضب الذي يدور في مواقع التواصل الاجتماعي، لالتقطنا هذه الظاهرة المتوهجة اليوم. ويمكن للمعتقدات أيضاً أن تؤثر على كيفية تفسير الأفراد المعلومات التي يتلقاها أو حتى يبحث عنها، وما أكثرها في عصر المعلوماتية والأجهزة الرقمية، هذا قبل أن نتكلم عن ظاهرة “الذباب الإلكتروني”، خصوصاً في ما يتعلق بتفسير معلومات مضلّلة بالأساس، لدى شريحة واسعة من الشعب السوري، في معالجة كل حادثة وفهمها، شريحة تؤمن بنظرية المؤامرة، التي يبدو أنها أساسية لدى كل نظام حاكم، فتقدّم هذه الأحداث دليلاً على المؤامرة. ونرى أن الاستجابة العاطفية المبنية في الغالب على تمكّن المعتقدات في الوعي الجمعي للجماعة قد تصعّب تقبّل المعلومات أو وجهات النظر الجديدة التي تتعارض مع تصوّرها، إذ غالباً ما تكون المعتقدات مشتركة داخل المجموعات الاجتماعية، ويمكن تعزيزها من خلال الأعراف الاجتماعية. وقد يكون الأفراد أكثر ميلاً إلى تبنّي المعتقدات المشتركة في مجموعتهم الاجتماعية والدفاع عنها، حتى لو كانت هذه المعتقدات خاطئة أو مضلّلة، فهذا يمنحهم نوعاً من الشعور بالقوة والحماية.

أضفى الطابع الشعبي على مصطلح “الوعي الجماعي” عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، الذي استخدمه لوصف مجموعة المعتقدات والمشاعر التي يتشاركها أعضاء مجتمع معين. ليس هذا الوعي مجرّد مجموع للأفكار الفردية، بل هو ظاهرة تتجاوز الفرد، وتولد إحساساً بالهوية الجماعية. وتتجذّر هذه الأفكار في المجموعة الاجتماعية، فتنتقل من جيل إلى جيل، وتشكّل حياتها اليومية، هذه الأفكار والمعتقدات تزداد تطوراً وامتلاءً بما يخدم عقيدتها الأصلية وهدفها مع الوقت، خصوصاً في هذا العصر، عصر المعلومات والسرعة في الوصول، وعصر الحروب والأزمات العالمية. غالباً ما يتجلى الوعي الجمعي أو الضمير الجمعي في لحظات الأزمات، أو المناسبات الاجتماعية المختلفة، وسيلة لتعزيز الهوية الخاصة وإبرازها، خصوصاً في مناسبات الفرح بالنسبة لبلداننا، وإذا أخذنا سورية مثالًاً، نرى أدلة عديدة، منها مثلاً الانقسام بين مكوّنات المجتمع بشكل لافت حول أي اسم برز في مجالات الإبداع المتنوّعة، بينما في المواقف المأساوية، مثل الهجوم أو الكارثة الطبيعية، ترتفع موجة من التضامن. يجتمع الناس لدعم الضحايا، هذا له علاقة بمجموعة القيم العامة التي حملها بشكل أساس “ديوان العرب”، إنما في لحظة ما، تنتصر على هذا السلوك الضمائر الفرعية التي تخصّ كل مجموعة بمفردها. إذا كان الوعي الجماعي يمكن أن يعزّز الروابط الاجتماعية، فإنه يمكن أن يستبطن أيضاً أخطاراً. واحد من أكبر الأخطار هو التفكير الجماعي، حيث يمكن أن تؤدّي الرغبة في التنسيق داخل مجموعة إلى اتخاذ قراراتٍ غير عقلانية. وغالباً ما يحدث هذا في سياقاتٍ تُقمع فيها الآراء المتباينة للحفاظ على الوحدة. هذا ما نجده شائعاً اليوم في المجتمع السوري بمختلف مكوّناته المصنفة على أساس ديني/ طائفي/ قومي، فعلى سبيل المثال، تنامي ظاهرة تشكيل مجالس أو مجموعات تقدّم نفسها أنها تمثل جماعة معينة، خصوصاً لدى بعض الأقليات الطائفية أو الدينية.

لا بد للحكومة من أن يكون لديها توجّه عام، وخطط ضمن استراتيجية محدّدة، من أجل معالجة جراحات الماضي والندوب التي أزمنت في جسد المجتمع السوري ووجدانه. ولا بد أيضاً من الشفافية في إطلاع الشعب بكامله على نتائج تدبيرها وتعاطيها مع المشكلات التي تعزّز من سطوة المعتقدات وتقسيم الوعي العام الجامع للسوريين إلى أنماط مختلفة من الوعي الخاص بمكوناته المختلفة، ولا بد أيضاً من محاسبة كل المرتكبين بعد تحقيقات متخصّصة ونزيهة، بالإضافة إلى المباشرة بتطبيق العدالة الانتقالية التي ينتظرها معظم السوريين، وتفعيل ما يعزّز التفاعلات الاجتماعية، وبنشط العلاقات الشخصية الضرورية في المجتمع، بعدما كادت تجهز عليها ممارسات وخطاب الكراهية الذي ازدهر في الفترة الخيرة. وتنشيط الفكر النقدي أو تشجيعه، والقدرة على السؤال كي لا يقع الأفراد في فخ المعلومات المضلّلة، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل تضخّم الذباب الإلكتروني ودوره في تعزيز المعتقدات التخريبية.

من المهم إدراك تأثير المعتقدات لتطوير فهم أدقّ لمختلف القضايا، وتعزيز تواصل أكثر فاعلية. وبما أن الوعي الجماعي ليس ظاهرة ثابتة، بل هو فضاء ديناميكي في تطوّر مستمر، فهو يستحقّ أن يجرى استكشافه ورعايته من أجل السلم في المجتمع وطمأنينة أفراده ومكوناته.

العربي الجديد

————————————-

تحرك أمني بعد حدث حمل رسائل للرئيس والسوريين.. هل خُطط لتفجير الدويلعة قبل أشهر؟/ ثائر المحمد

2025.06.23

وقع يوم أمس تفجير دامٍ داخل كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، أسفر حتى الآن عن سقوط 25 شهيداً. الحدث كان مأساوياً من مختلف الجوانب، لكنه في الوقت ذاته يشكّل اختباراً أمنياً واستخباراتياً للدولة السورية، التي نفذت عمليات دقيقة وتمكنت من اعتقال مسؤولين عن التفجير بعد أقل من 24 ساعة على وقوعه.

الثابت أن التفجير يحمل في طيّاته رسائل ودلالات عديدة، ويشكّل نقطة فارقة تؤكد أن مرحلة ما بعد تفجير الدويلعة لن تكون كما قبلها، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل الأمني الجاد، خاصة مع توارد التقارير عن الأخطار المحدقة بسوريا وشعبها، بل وحتى برئيسها أحمد الشرع.

التوصيف السريع للتفجير في الدويلعة يتمثل بأن شخصاً مسلحاً دخل إلى كنيسة مار إلياس، ويبدو أنه اختار التوقيت بعناية، فيوم الأحد يحمل أهمية دينية خاصة للمسيحيين، ويُعتبر يوم العبادة الأسبوعي الرئيسي، يتجمعون فيه داخل الكنائس لأداء الصلاة. ووفق الشهادات التي بُثت لأشخاص تواجدوا في مكان الحدث، فإن ما بين 150 إلى 200 شخص كانوا يتجمعون في الكنيسة، عندما دخل المسلح، أطلق النيران عشوائياً وقتل وأصاب العشرات، ثم فجّر نفسه بواسطة حزام ناسف.

هرعت سيارات الإسعاف والفرق الطبية إلى المكان، وفرضت قوات الأمن الداخلي طوقاً أمنياً حول الكنيسة، ومنعت وسائل الإعلام من الدخول باستثناء عدد محدود من المراسلين والصحفيين، ثم بدأت الروايات الرسمية تتوالى عن مسؤولية تنظيم الدولة “داعش” عن التفجير، وتبع ذلك إدانات واسعة لما جرى من دول أوروبية وعربية وعالمية.

الرواية الرسمية للحدث

دانت وزارة الداخلية السورية التفجير، مشيرة إلى أنه هجوم انتحاري نفّذه أحد عناصر تنظيم داعش، وفقاً للمعطيات الأولية. وجاء ذلك في تصريحات أدلى بها المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، خلال مؤتمر صحفي عقدته الوزارة عقب التفجير، حيث أكد أن الهجوم الإرهابي أدى إلى سقوط شهداء مدنيين وإثارة الذعر بين المواطنين الآمنين.

وأشار إلى أن هذا النوع من الهجمات ليس الأول من نوعه، لافتاً إلى أن الوزارة أحبطت سابقاً محاولتين لتنفيذ تفجيرات إرهابية في مقام السيدة زينب وكنيسة معلولا، في عمليات وصفها بالدقيقة والمعقّدة.

وأوضح البابا أن الوزارة تعمل حالياً مع الجهات المعنية على استكمال التحقيقات وجمع الأدلة لتحديد هوية المنفّذ، مؤكداً أن العدالة ستطول كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن سوريا.

وفي معرض رده على أسئلة الصحفيين، ذكر المتحدث أن تنظيم داعش يسعى من خلال هذا الهجوم إلى بث الفرقة الطائفية، وتشجيع كل مكوّن في سوريا على حمل السلاح، في محاولة لإظهار الدولة السورية على أنها عاجزة عن حماية مواطنيها ومكوناتها، مؤكداً أن الدولة السورية سبق أن أحبطت هجومين انتحاريين مشابهين، أحدهما كان يستهدف كنيسة معلولا خلال أعياد الميلاد المسيحية، والآخر مقام السيدة زينب في دمشق، مشيراً إلى أن هذا التفجير يُعدّ الهجوم الثالث.

ورداً على سؤال حول كيفية توصل السلطات للجزم بأن منفّذ الهجوم ينتمي إلى تنظيم داعش، أوضح المتحدث أن التحقيقات الأولية تشير إلى وجود منفّذ واحد وليس اثنين، وقد تم التوصل إلى ذلك من خلال تهديدات سابقة أطلقها التنظيم عبر إعلامه الداخلي ورسائل بثّها لمنتسبيه، تم رصدها ومتابعتها من قبل أجهزة الدولة الأمنية.

وأكد أيضاً أن التنظيم كان قد حاول في السابق استهداف دور عبادة لمكونات سورية، وتم إحباط هذه المحاولات من قبل وزارة الداخلية، ما يعزّز من احتمالية وقوفه خلف هذا الهجوم أيضاً. كما أن طبيعة العملية، واستهداف الأبرياء في دور العبادة، تندرج ضمن أسلوب التنظيم، وهو ما يدفع للاعتقاد الراجح بأن داعش هو من نفّذ هذا الهجوم، في انتظار النتائج النهائية للتحقيقات التي ستكشف باقي الملابسات.

تحرك أمني وعمليات استخباراتية دقيقة

قال وزير الداخلية السوري أنس خطاب، إنه “في أعقاب الهجوم الإرهابي الغادر الذي استهدف كنيسة القديس مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق، واصلت وحداتنا الأمنية جهودها المكثفة. ومع جمع المعلومات وتحليل الأدلة وإنشاء غرفة عمليات مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة لمقاطعة المعلومات وتأكيدها، بدأنا بالكشف عن خيوط الحقيقة”.

وأضاف أنه “استناداً إلى المعلومات الأولية، وبتنسيق مشترك مع جهاز الاستخبارات العامة، نفذت وحداتنا الأمنية عمليات دقيقة في حرستا وكفربطنا، استهدفت مواقع لخلايا إرهابية مرتبطة بتنظيم داعش”.

وأسفرت هذه العمليات – وفق الوزير – عن اشتباكات تم خلالها القبض على متزعم الخلية وخمسة عناصر، بالإضافة إلى قتل اثنين، أحدهما كان المتورط الرئيسي في تسهيل دخول الانتحاري إلى الكنيسة، والآخر كان يجهز أيضاً لتنفيذ عمل إرهابي في أحد أحياء العاصمة.

وأردف: “خلال عملية المداهمة، ضُبطت كميات من الأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى ستر ناسفة وألغام. كما عُثر على دراجة نارية مفخخة كانت معدة للتفجير. نؤكد في وزارة الداخلية أن هذه الأعمال الإرهابية الجبانة لن تزيدنا إلا إصراراً على ملاحقة كل من يحاول العبث بأمن الوطن. ردُّنا سيكون حازماً ومستمرّاً ضد أوكار الإرهاب”.

هل خُطِّط للهجوم قبل أشهر؟

نقلت وكالة “سانا” عن مصدر في جهاز الاستخبارات العامة قوله: “تمكنا بعد عملية دقيقة، وفي أقل من 24 ساعة من الاستهداف الإرهابي لكنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة، من إلقاء القبض على المسؤول عن العملية وعدد من أفراد الخلية الإجرامية”، مضيفاً أن “الخلية الإجرامية منتسبة لتنظيم داعش وكانت تخطط للعملية الإرهابية منذ مدة”.

وقال الصحفي إبراهيم الجبين في منشور على صفحته في فيس بوك: “سأنشر هذا الكلام على مسؤوليتي لأني كنت شاهداً عليه فقط، ولن أكتم الشهادة، ولأن ما جرى يثير الغضب، وبناءً على طلب صاحب العلاقة. في مساء 18 آذار من هذا العام، تم تسليم السلطات في دمشق من جانب أحد أهم العقول المتخصصة بتفكيك البيانات وتحليلها، والتي تتمتع بالروح الوطنية السورية المخلصة، تقريراً مفصلاً يتضمن تحليل معطيات ومعلومات تؤكد وجود خلايا لداعش في دمشق، وتترصّد حركتها ومخططها”.

وأضاف: “كان الهدف من ذلك وأد هذه الخلايا في مهدها، ومنع وقوع أي تفجير أو حادث إرهابي. أضع هنا غلاف التحليل الذي تم تسليمه، ولكن مع الأسف تعاملت معه الجهات التي استلمته باستهتار.. وقد وقع التفجير الذي استهدف كنيسة مار إلياس بالضبط في التوقيت المحدد في الوثيقة، الأمر الذي لا بد وأنه يعني شيئاً لمن يفهم”.

وفي حديث مع موقع تلفزيون سوريا، قال الجبين إن “التقرير التحليلي هو مبادرة شخصية أعدّها خبير سوري يقيم في أوروبا، يتألف التقرير من 27 صفحة، وقد اعتمد فيه الخبير على تقنيات متقدمة لتحليل البيانات المفتوحة، وتمكن من استخلاص نتائج استباقية دقيقة، سبق بها التحذير الأميركي الصادر في 15 حزيران بثلاثة أشهر”.

وأشار إلى أن أبرز ما جاء في التقرير هو تحذير من “هجوم إرهابي قد تنفذه خلية تابعة لتنظيم داعش داخل العاصمة دمشق خلال شهر حزيران، وهو ما تطابق مع توقيت تفجير كنيسة مار إلياس”. واعتبر التقرير أن “الهدف المرجّح للهجوم قد يكون محاولة لاغتيال الرئيس أحمد الشرع أثناء وجوده في أحد المساجد، ما يرفع من مستوى التهديد إلى درجة قصوى”.

وبحسب المتحدث، فإن التقرير لم يكتفِ بالتنبؤ الزمني والمكاني للعملية، بل حدّد الجهة المنفذة وهي تنظيم داعش، وأشار إلى أن الاستهداف سيتم في دار عبادة داخل دمشق خلال الشهر نفسه، وهو ما حدث بالفعل في كنيسة مار إلياس. كما ورد في التقرير وصف دقيق لطريقة تنفيذ العملية، إذ أشار إلى احتمالية استخدام عناصر متعددة من التنظيم لتنفيذ تفجير انتحاري، مبيّناً أنه كان من الممكن إحباط العملية بالكامل لو جرى تتبّع وملاحقة الخلية المشار إليها ضمن توصيات التقرير.

تحذيرات سابقة من تهديدات للرئيس السوري

يأتي التفجير يوم أمس، وما طرحه الصحفي الجبين، بعد تزايد التقارير والتحذيرات الدولية خلال الأسابيع الماضية، بشأن المخاطر الأمنية التي تحيط بالرئيس السوري، أحمد الشرع، في ظل مرحلة سياسية حرجة تمر بها البلاد، عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد. وتسلّط هذه التقارير الضوء على محاولات اغتيال تستهدف الشرع، وسط تحرّكات متصاعدة لجماعات متشددة تسعى إلى عرقلة مسار التغيير.

وكشفت صحيفة “لوريان لو جور” اللبنانية الفرنسية، استناداً إلى مصادر دبلوماسية، أن الرئيس أحمد الشرع تعرّض لمحاولتي اغتيال على الأقل منذ تولّيه الحكم في كانون الأول الماضي، مشيرة إلى أن إحدى المحاولتين وقعت في آذار، في حين سُجّلت الثانية قبل نحو أسبوعين فقط.

وبحسب المعلومات التي أوردتها الصحيفة، فإن “جماعات جهادية”، من بينها “تنظيم الدولة”، تقف وراء هذه المحاولات، في محاولة لإعادة خلط الأوراق على الساحة السورية، مضيفة أن تنظيم داعش يسعى إلى استقطاب مقاتلين من هيئة تحرير الشام، ممن يعارضون التغييرات التي قادها الشرع في بنية الحكم.

التحذيرات لم تقتصر على الإعلام، ففي وقت سابق، حذّر سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، من تهديدات جدية تستهدف الرئيس السوري، أحمد الشرع، على خلفية محاولاته إشراك مختلف المكونات السورية والانفتاح على الغرب، مشيراً إلى أن فصائل متطرفة قد تسعى إلى اغتياله لعرقلة المسار السياسي الجديد في البلاد.

وفي مقابلة مع موقع “المونيتور”، قال باراك إن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، “قلقة من أن يصبح الرئيس الشرع هدفاً لاغتيال محتمل من قبل متشدّدين ساخطين”، داعياً إلى “تنسيق منظومة حماية” حول الرئيس الشرع، مشدداً على أن الرد يجب أن يكون عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحلفاء، وليس من خلال تدخل عسكري.

وأشار باراك إلى أن بعض الفصائل المنشقة من المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا مع الشرع في الحملة الخاطفة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، تحاول جذب هؤلاء إلى صفوف تنظيمات متطرفة مثل “داعش”، مضيفاً أنه “كلما تأخّرنا في تحقيق الإغاثة الاقتصادية، زادت فرص الجماعات المتطرفة لتعطيل المسار”.

ما الرسالة من الهجوم؟

قال الباحث المهتم بالصراعات الجيوسياسية في منطقة بلاد الشام، فراس فحام: “من الواضح أن الهدف من الهجوم كان إحداث أثر إعلامي واسع، وذلك من خلال استهداف كنيسة يوم الأحد، بهدف إثارة أكبر قدر ممكن من الضجة الإعلامية الموجهة للخارج وليس للداخل السوري”، مضيفاً أن رجال الدين المسيحي ظهروا في الفترة الأخيرة وكأنهم داعمون لجهود الدولة السورية، ما قد يكون دافعاً لمنفذي الهجوم لاستهداف كنيسة على وجه الخصوص.

وفي حديث لموقع تلفزيون سوريا، أشار فحام إلى أن الأطراف المستفيدة من هذا الهجوم متعددة، أولها فصائل ومكونات لا تزال ترفض الانخراط في الدولة وتحمل السلاح، في حين الطرف الأكثر تضرراً من التفجير هو السلطة السورية، التي يُظهرها الحدث وكأنها عاجزة عن السيطرة على الأوضاع الأمنية.

ورأى فحام أن مسارعة الحكومة السورية إلى تحميل تنظيم “داعش” مسؤولية التفجير قد تعود إلى امتلاكها معلومات فعلية بهذا الشأن، أو أنها تحاول توظيف الحادثة لحشد الجهود الدولية للتعاون معها في محاربة التنظيم، مؤكداً أن مسؤولية “داعش” عن الهجوم ليست مستبعدة، لا سيما مع تزايد التقارير عن تسلل خلايا التنظيم من البادية إلى المدن.

بداية “مرحلة جديدة”

من جهته، يرى مدير قسم تحليل السياسات في مركز “حرمون” للدراسات، د. سمير العبد الله، أن التفجير يمثل بداية لمرحلة جديدة في سوريا، مرحلة قد تشهد مزيداً من الأحداث الأمنية والتفجيرات من أطراف معارضة لسياسات الحكومة أو بناءً على أوامر خارجية، حيث إن هناك أطرافاً عديدة تسعى لإدخال سوريا في نفق مظلم، وتريد من خلال هذا التفجير إرسال رسائل خارجية بأن الحكومة غير قادرة على إدارة البلاد، بالإضافة إلى ضرب خطط بعض الدول والشركات للاستثمار في سوريا.

وأضاف العبد الله في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أنه “إذا كان لإيران دور في هذا التفجير كما قد تكشف التحقيقات، فإنها تهدف إلى إرسال رسالة بأنها قادرة على إحداث الفوضى في المنطقة، أما إذا كان الفاعل داعش أو تنظيماً راديكالياً آخر، فهو يريد إرسال رسالة للحكومة السورية بأن سياساتها المعتدلة لا تعجبهم، وأنهم قادرون على إحداث فوضى في سوريا”.

وشدّد على أن “العديد من الأطراف قد تستفيد من حالة الفوضى في سوريا، مثل بعض الدول الإقليمية كإيران وإسرائيل، وكذلك أطراف داخلية مثل قسد وبعض القوى في السويداء، وفلول النظام، إذ تعزز هذه التفجيرات سرديتها حول عدم قدرة حكومة الشرع على إدارة بلد متنوع مثل سوريا”.

وتابع: “في اعتقادي، كان الاتهام لتنظيم داعش سريعاً بناءً على شكل العملية وطريقتها التي تشبه عمليات التنظيم السابقة، ومع ذلك، أعتقد أنه يجب الكشف أولاً عن هوية الفاعلين وشبكاتهم قبل توجيه الاتهام أو تبني التنظيم نفسه للعملية”.

ووفق تحليل الباحث، فإذا كانت هذه التفجيرات جزءاً من سيناريو تصعيد أمني، قد تؤدي إلى ضغوط إضافية على الحكومة السورية، مما يعزز السرد الذي يُروّج لعدم قدرتها على فرض السيطرة الكاملة. ولكن إذا تمكنت الحكومة من التعامل الحاسم مع هذه التفجيرات، قد يعزز ذلك من صورتها كمواجهة للتهديدات الأمنية. بالتالي، قد تشكل هذه الحوادث اختباراً لحكومة دمشق في قدرتها على فرض الأمن والاستقرار، وقد تفتح المجال لتغييرات في السياسة الداخلية، خاصة إذا لم تتمكن الحكومة من احتواء تبعات هذه الحوادث بشكل فعّال.

4 رسائل و3 أطراف مستفيدة

ذكر الأكاديمي والباحث في الدراسات السياسية د. عبد الرحمن الحاج، في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أن العملية تستهدف الحكومة المركزية بشكل رئيسي، فاستهداف الكنيسة في دمشق هو استهداف لمؤسسة دينية ذات حساسية خاصة في مركز السلطة. لا شك أن ذلك يحمل عدة رسائل، وهي:

من جهة، ثمة رسالة لفريق ترمب المحافظ والمهتم بالمسيحية في الشرق الأوسط، أن الرئيس الشرع ليس قادراً على حمايتهم. وثمة رسالة للولايات المتحدة وللدول الغربية بأن التعويل على الحكم الجديد لن يجلب الأمن. الأمر موجه إلى الولايات المتحدة والدول الغربية بأن هذا في الواقع يخدم “قسد”، التي تشعر بأن خروج الملف من يدها أضرّها وأوقع عليها ضغوطاً لا تحتملها للانضواء تحت الحكم المركزي في دمشق.

الرسالة الثانية هي إلى الرئيس السوري أحمد الشرع والحكومة في دمشق بأنهم لن ينعموا بالاستقرار، وأن المعركة ضدهم مفتوحة من قبل تنظيم داعش، الذي كرّس طوال الأشهر الماضية بياناته ونشراته للتنديد بالشرع وحكمه، ولم يخفِ مخططاته.

الرسالة الثالثة موجهة إلى السوريين، وهي أن حكومة الشرع عاجزة عن تحقيق الاستقرار وبسط الأمن، وفي ظل ظروف صعبة، فإن موضوع الأمن يصبح أكثر أهمية للناس وأكثر حساسية.

الرسالة الرابعة موجهة إلى المسيحيين على وجه الخصوص، بأن دعمهم للسلطات الحالية لن يفيدهم ولن يبقيهم في مأمن، وبالتالي عليهم الانضمام إلى الأقليات الأخرى التي تظهر رفضاً للحكم المركزي في دمشق، وبشكل خاص العلويين والأكراد وفئة من الدروز المرتبطين بالهجري.

أما الطرف المستفيد من هذه العملية، فيرى الحاج أن “قسد” مستفيدة بالدرجة الأولى، لأن هذا يعزز الاعتماد عليهم وعدم التخلي عنهم. والطرف الآخر مناهضو الحكم المركزي بدمشق في الساحل والسويداء، والطرف الثالث هم داعش أنفسهم، الذين يهمهم فشل التجربة لخصمهم اللدود أحمد الشرع.

وأكد أن اتهام “داعش” منطقي لعدة أسباب، أهمها هو طبيعة العملية، فهي تحمل سمات عمليات التنظيم، ولا يوجد طرف في سوريا ينفذ عملية بهذه الصورة سوى داعش. والمؤشر الثاني هو تركيز داعش على مواجهة الحكم الجديد خلال الأشهر الفائتة، والتهديد المستمر له. والمؤشر الثالث هو المصلحة، حيث أن الأطراف التي لديها مصلحة مباشرة في ذلك هم تنظيم داعش، ويُستشف من كلام المتحدث باسم وزارة الداخلية في المؤتمر الصحفي أمس، أنه استنتاج قوي لكنه ليس نتاج معلومات توصلوا لها عبر التحقيق.

تلفزيون سوريا

——————————

تفجير كنيسة في دمشق: “داعش” لحظة سياسيّة قبل أن يكون تكفيرياً/ حازم الأمين

23.06.2025

“داعش” ليس جسماً منفصلاً عن مشهد عام، وهو لا يشتغل بمنأى عن وقائع عامة. ولعل معادلة “نومه” في الصحراء، سواء السورية أو العراقية، خير تمثيل لهذه المعادلة، ذاك أنه يغادر الصحراء ويتمدد نحو المناطق الحضرية حين يلتقط وظيفة تُعرض عليه من القوى “الحضرية”. عدة الشغل متوافرة دائماً. مجتمعاتنا مفخخة دائماً بما يمكن للتنظيم أن يستثمر فيه.

 التفجير الانتحاري الذي شهدته العاصمة السورية واستهدف كنيسة وقتل وجرح العشرات، حدث في لحظة سياسية شديدة الوضوح. الكثير من عناصر الخبر يشير إلى أن تنظيم “داعش” يقف وراء التفجير. انتحاري يحمل رشاشاً وزنّر نفسه بحزام ناسف، أقدم على ارتكاب الجريمة، وقبل أن يفجّر نفسه بالمصلّين، أطلق الرصاص وقتل عدداً منهم بحسب بعض الشهود. لطالما نفذ انتحاريو “داعش” السيناريو نفسه، في العراق وفي سوريا، وفي غيرهما من البلدان.

القول بأن “داعش” ارتكب جريمة دمشق حسب اتهام وزارة الداخلية السوريّة، لا يضعف فرضية “اللحظة السياسية” التي وقعت الجريمة في سياقها. ولنكن واضحين أكثر: تفجير الكنيسة حدث بينما كانت أميركا وإسرائيل تقضيان على البرنامج النووي الإيراني. لا بل كان سياقاً من الهزائم يحاصر إيران وأذرعها في كل الإقليم.

 أما افتراض الافتراق المذهبي بين إيران و”داعش”، فهذا لا يعني شيئاً إذا ما استعدنا تاريخاً من الوقائع التي وُظِّف فيها “داعش” وأخواته في مواجهات استثمرت خلالها أنظمة لا تمت الى “داعش” بقرابة مذهبية.

التجربة السورية على هذا الصعيد غنية بالأمثلة، فيوم أطلق النظام البعثي السابق سراح مئات من الجهاديين في الأيام الأولى للثورة بهدف عسكرتها وأسلمتها، فعل ذلك انطلاقاً من معرفته بما ستؤول إليه فعلته. فهو، أي النظام، راكم خبرات كبيرة في معرفة طبيعة الجماعات الجهادية، وفي أساليب عملها وكان يعرف تماماً إلى أين سيتوجه المفرج عنهم، وماذا سيفعلون. كما أننا لا ننسى دور النظام نفسه في احتضان وتنظيم وتسليح الجهاديين العراقيين وإرسالهم إلى بغداد لقتال الأميركيين.

إيران نفسها استعانت بالتجربة السورية في العراق. تدفق “داعش” على المدن العراقية كان جزءاً من مشروع إيراني. سقوط الموصل على يد حفنة من مقاتلي التنظيم، وانسحاب أكثر من خمسين ألف جندي عراقي من المدينة، كانا أمراً مريباً.

“داعش” موجود عند الطلب. استثمرت فيه طهران كما استثمرت أنظمة خليجية في سياق صراعها المذهبي مع إيران، وسهلت أنقرة له مهمة استقبال الجهاديين الوافدين إلى سوريا عبر أراضيها. في لبنان كلنا شهدنا كيف ولدت “فتح الإسلام” ومن أرسلها من سوريا إلى نهر البارد.

تنظيم “داعش” لا يمكنه أن ينشط ويستيقظ من دون “لحظة سياسية”، في العراق أقدم نوري المالكي، على حماقة، بتطبيق القمع الدموي لانتفاضة المدن السنية، فاستيقظ التنظيم بوصفه “سيف السنة” وتدفقت الأموال من الخليج والمقاتلين من كل أنحاء الأرض.

التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.

“داعش” ليس جسماً منفصلاً عن مشهد عام، وهو لا يشتغل بمنأى عن وقائع عامة. ولعل معادلة “نومه” في الصحراء، سواء السورية أو العراقية، خير تمثيل لهذه المعادلة، ذاك أنه يغادر الصحراء ويتمدد نحو المناطق الحضرية حين يلتقط وظيفة تُعرض عليه من القوى “الحضرية”. عدة الشغل متوافرة دائماً. مجتمعاتنا مفخخة دائماً بما يمكن للتنظيم أن يستثمر فيه.

العنف والقيم “الجهادية” والإرث الذي خلفه البعث، والجيوش المنحلة، والانقسام المذهبي، هذه كلها محركات عمل التنظيم، إلا أنها لا تعمل من دون قوة دفع من خارجها. يجب ربطها بمشروع مذهبي أولاً، ثم بالتمويل، ولاحقاً بالتسليح وبخطوط إمداد بالمتطوعين (تركيا والخليج)، والأهم بوسائل إعلام تتولى جعل الحدث محور الحياة العامة (قناة الجزيرة).

“المقاومة” في العراق تقاطعت على دعمها مصالح النظام السوري (العلوي) مع “فلول” الجيش العراقي المنحل (السني) مع مصلحة الإيرانيين بقتال الجيش الأميركي، فولد “المجاهدون”، وللمفارقة كان من بينهم “أبو محمد الجولاني”! هذا العرض يأخذنا إلى تفجير الكنيسة في دمشق يوم الأحد الفائت.

“داعش” في الصحراء، والنظام في دمشق هو اليوم درة عين الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وتركيا، وفي هذا الوقت تتعرض إيران وأذرعها إلى ضربات أدت إلى إضعافها على نحو لم تشهده منذ أكثر من أربعين عاماً. سوريا هي الحلقة الأضعف التي قد تخطر في بال أي راغب في الحد من النفوذ الأميركي والسعودي.

لا يعني هذا أننا سنكون في سوريا أمام سيناريو عراقي، ذاك أن الراغب في دفع “داعش” من الصحراء إلى المناطق الحضرية في سوريا، أمامه عقبات لم تواجهه في العراق. العقبة المذهبية التي شكلت في العراق قوة جذب رئيسية للتنظيم غير متوافرة في سوريا، فالسنة سيكونون فيها بمواجهة السنة، والتمويل الخليجي أيضاً لن يكون متوافراً، أما الحدود، وهي الخاصرة الرخوة لسوريا، وخصوصاً من جهتي العراق ولبنان، فهي قد توفر للتنظيم إمداداً لوجستياً. أما المقاتلون، فلطالما التحقوا بـ”الجهاد” عندما تحول الأخير إلى قضية “الأمة السنية”، وهو ما لن تشهده سوريا اليوم.

تفجير الأمس في دمشق هو حدث أمني لا يبدو أنه من السهل تحويله إلى واقع سياسي يومي. إلا أنه مؤشر إلى مشهد قد يتعدى سوريا، فإذا كانت النية نقل مهمة الأذرع في العراق وفي لبنان من المواجهة المباشرة مع الأميركيين إلى تعطيل مشروعهم في سوريا، فسنكون أمام نقل للاضطرابات الأمنية إلى كلَي البلدين.

التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.

تفجير دمشق وقع في “لحظة سياسية” مشابهة. من شبه المحسوم أن “داعش” نفذه، ومن الحكمة أن نرتاب، طالما أننا سبق أن شهدنا على ما شهدناه في العراق وفي سوريا.

 – صحافي وكاتب لبناني      

درج

——————————————-

مسيحيّو سوريا يعيشون أسوأ مأساة منذ سنوات/ سانتياغو مونتاغ سولير

25.06.2025

المشهد كان صادمًا إلى حد لا يُحتمل. أولئك الذين كانوا قرب مركز الانفجار تعرضوا لمصير لا يوصف. ركض الناجون باكين ومذهولين. بعضهم جلس على الأرصفة ممسكًا برأسه، وآخرون ركعوا في محاولة لاحتواء الألم. اليأس خيّم على أرواح جميع سكان الحي.

على أطراف المدينة القديمة في دمشق، تقع منطقة الدويلعة الشعبية. عند مدخل الحي، تقف كنيسة مار إلياس الأرثوذكسية، وهي مكان بالغ الأهمية لسكان الحي وللمجتمع المسيحي عموماً. هناك تلتقي فرق الكشافة، وتُقام فعاليات دينية واجتماعية متنوعة، كما تضم الكنيسة ملجأين يؤويان مئات الأشخاص.

كان يوم الأحد الماضي من أكثر الأيام دموية في التاريخ الحديث للمجتمع المسيحي في سوريا. في تمام الساعة السادسة مساءً، وكما في كل أسبوع، تجمع أكثر من 300 شخص لحضور القداس. غير أن السكينة التي يسعى إليها المؤمن في دار العبادة قُطعت فجأة مع دخول مهاجم واحد على الأقل (بعض المصادر تتحدث عن اثنين، وأخرى عن ثلاثة). دخل المهاجم بعد دقائق من بدء القداس عبر المدخل الرئيسي المؤدي إلى الباحة الداخلية، وبدأ بإطلاق النار من بندقية كلاشينكوف. حاول حراس الكنيسة منعه من الوصول إلى القاعة. وخلال اشتباك بالأيدي بين بطرس وجريس بشارة والمهاجم، تمكن الأخير من الوصول إلى باب الكنيسة، حيث أمسك به الحارسان قبل أن يفجّر نفسه بحزام ناسف كان يرتديه. قُتل الثلاثة على الفور، فيما أصابت شظايا الانفجار نحو مئة شخص. وأكدت وزارة الصحة مقتل 25 شخصًا وإصابة 65 آخرين، إلى جانب الصدمة النفسية العميقة التي لحقت بالناجين وعائلاتهم.

المشهد كان صادمًا إلى حد لا يُحتمل. أولئك الذين كانوا قرب مركز الانفجار تعرضوا لمصير لا يوصف. ركض الناجون باكين ومذهولين. بعضهم جلس على الأرصفة ممسكًا برأسه، وآخرون ركعوا في محاولة لاحتواء الألم. اليأس خيّم على أرواح جميع سكان الحي.

سائقو السيارات الخاصة والحافلات الصغيرة تولوا مهمة نقل الجرحى، في موقف تضامني، بينما وصل عناصر “الخوذ البيضاء” بسرعة قصوى، وبدأ الأطباء بعمليات الإنعاش. وبمساعدة الأهالي، فُتحت الطرقات المزدحمة لنقل المصابين إلى مستشفى سانت لويس أو مستشفى دمشق. من هناك، قالت الطبيبة العامة شام (30 عامًا) إنهم استقبلوا أكثر من 25 جريحًا تتراوح أعمارهم بين 15 و70 عامًا، مصابين بجروح وكسور متعددة. ثلاث نساء فارقن الحياة، ولا تزال هوياتهن مجهولة. وأكدت وزارة الصحة مجددًا مقتل 25 شخصًا وإصابة 65.

نسبت الحكومة الهجوم إلى تنظيم “داعش”، على رغم غياب بيان رسمي من التنظيم. وفي اليوم التالي، أعلنت جماعة سرايا أنصار السنة مسؤوليتها عن الهجوم، بعد اعتقال عدد من عناصرها في ريف دمشق. هذه الجماعة سبق أن نشطت في طرابلس، وشاركت أخيراً في المجازر الطائفية ضد العلويين، كما نفذت عمليات في أرزة بمحافظة حماة. وعلى الرغم من ادعائها الاستعداد للتعاون مع الحكومة في “اجتثاث” الدروز والعلويين والمسيحيين، فإن لها أجندة خاصة، ما يفاقم الوضع الأمني.

المطران يوحنا، ممثل بطريركية دمشق في قلب المدينة القديمة، قال إن “الحكومة لا تتصرف بشكل صحيح”، وأضاف: “تلقينا تهديدات عدة قبل الهجوم”. خلف لحيته الكثيفة، كشف المطران أن رسائل وشعارات وتدوينات كراهية وصلت إليهم منذ ستة أشهر، تتوعد بـ”قتل الكفار” وتقول إن “دوركم قادم”. وعلى رغم أن المسيحيين من أقدم مكونات البلاد، شدد قائلًا: “نحن هنا منذ عام 60، ولن يُخرجونا من أرضنا”. وعلى رغم مغادرة مئات المسيحيين خوفًا، أكد المطران بثقة: “لكننا نحن باقون”.

في اليوم التالي، أُقيم قداس لضحايا المجزرة. لا تزال رائحة الدماء تفوح من فوهة الانفجار، والبكاء لا ينقطع. تمحورت الخطابات حول وحدة البلاد. وفي ختام المراسم، خرجت مجموعة من المسيحيين في تظاهرة سلمية باتجاه ساحة العباسيين، مطالبين بحمايتهم من الإرهاب.

المطران أرسيليوس الأرثوذكسي أشار إلى أن “المسيحيين دائمًا عرضة للتهديدات، نحن مجتمع مسالم”، لكنه أضاف أن “الوضع ازداد سوءًا بعد سقوط النظام القديم”، على رغم أنهم فرحوا حينها بالتغيير. وفي مدينة حمص وسط البلاد، سُجلت اعتداءات عدة على المسيحيين في الأسابيع الأخيرة، كان آخرها إطلاق نار على الكاتدرائية السريانية الأرثوذكسية في 8 حزيران/ يونيو، من دون إصابات.

منذ سقوط نظام الأسد، الذي تم بدفع من السوريين جميعًا، تعيش الأقليات الإثنية والدينية في حالة دائمة من الترقب والتهديد، بل والاعتداءات الإجرامية. ففي آذار/ مارس الماضي فقط، قُتل أكثر من 1500 شخص في مجازر طائفية بالمناطق الساحلية، بينهم 102 طفل و99 امرأة، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. والمصير ذاته طاول مجتمع الدروز بين نيسان/ أبريل وأيار/ مايو، عقب انتشار تسجيل لزعيم ديني يهين فيه النبي محمد، أدى إلى أربعة أيام من الاعتداءات. وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 134 شخصًا خلال أسبوع من الاشتباكات في مناطق الدروز بمحافظة السويداء ومحيط دمشق، بما في ذلك جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا.

تقول الحكومة إن المنفذين كانوا “مجموعات خارجة عن القانون”، لكن في الحالتين، تحركت وحدات تُعرف باسم “كتائب الانتحار” و”كتيبة التسلل”، وهي جماعات لا تخضع مباشرة لوزارة الدفاع، وتعتبرها السلطات “مجموعات معزولة تستغل الانقسامات الدينية لزعزعة استقرار البلاد”.

وبحسب مطارنة البطريركية، لا أحد من الأقليات يتمتع بأي ضمانات أمنية. ويبدو أن الاستقرار لا يزال بعيد المنال في “سوريا الجديدة”، حيث تواجه حكومة أحمد الشرع تحديات جسيمة في التعامل مع جماعات معارضة مسلحة. بعد 14 عامًا من المأساة، حان الوقت لوقف السلاح، وتحقيق السلام الذي يستحقه السوريون بكل جدارة.

– صحافي تشيلي

درج

————————————-

تفجير كنيسة مار الياس في دمشق: هل انقطع خيط الثقة بين الأقليات والسلطة الجديدة؟/ مناهل السهوي

24.06.2025

بين صمت مفروض وغضب مكبوت، يشعر كثر من مسيحيي سوريا بأنهم باتوا مكشوفين، لا أمام “العدوّ” فقط، بل أمام دولة لم تعد تمنحهم حتى صفة “الشهيد”. في ظلّ هذا الشعور المتنامي بالعزلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل حقاً هناك مكان للجميع في سوريا؟

“لو وقع الانفجار في الشارع، لكان بإمكاني استيعابه، لكن أن يحدث داخل الكنيسة والناس تصلّي؟! كلّ من كان هناك من كبار السنّ الذين يرتادون الكنيسة للصلاة، أو من شابّات شبّان يشاركون في تدريبات الكشّافة”، تقول راما (اسم مستعار)، بعد عودتها مع عائلتها من عزاء سيمون حداد، أحد ضحايا انفجار كنيسة مار الياس، الذي أسفر حتى الآن عن مقتل 27 شخصاً، وإصابة أكثر من 60 آخرين، بحسب آخر إحصاءات وزارة الصحّة السورية.

كان سيمون، كما اعتاد، يجلس في الصف الأخير داخل الكنيسة، عندما دخل الانتحاري وفجّر نفسه، ما تسبّب في موته مباشرة، وفق ما روت بناته لراما.

تعيش راما، ككثير من مسيحيي سوريا اليوم، حالة من الصدمة والخوف، بعد التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار الياس في حيّ الدويلعة في دمشق.

وزارة الداخلية السورية أعلنت أنها ألقت القبض على خليّة تابعة لـ”تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” ومرتبطة بتفجير الكنيسة، في حين لم يتبنَّ التنظيم التفجير رسمياً، فيما انتشرت بيانات غير موثقة تزعم أن فصيلاً اسمه “أنصار السنّة” تبنى التفجير!

 وعلى رغم إعلان القبض على الخليّة المتورّطة، والتطمينات المتكرّرة، والزيارات الرسمية التي حرص عليها مسؤولو الحكومة، واتّصال الرئيس الانتقالي أحمد الشرع نفسه بأهالي الضحايا، لا يزال جوّ مشحون يسود أزقّة الحيّ، ويتعاظم شعور السكّان بعدم الأمان.

لم تكن الكنيسة الهدف الأولى الذي يطاول مجموعات مختلفة في سوريا. هذا الاستهداف يأتي بعد مجازر الساحل السوري التي طاولت علويين وبعد توترات في السويداء مع المجموعات الدرزية، عدا عن حوادث قتل طائفي شبه يومية.

“المسيحيون لم يشعروا بالاطمئنان حتى الآن”

الدويلعة حيّ دمشقي يقع بمحاذاة حيّ باب شرقي الشهير، وتقطنه غالبية مسيحية قدمت من محافظات مختلفة من سوريا. يتّسم الحيّ بعمران عشوائي وبظروف اقتصادية صعبة، كانت السبب الرئيسي في نزوح سكّانه من قراهم إلى العاصمة، بحثاً عن فرص عمل وحياة أكثر استقراراً.

اليوم، يعيش حيّ الدويلعة صدمة عميقة. معظم منازله فُتحت لاستقبال المعزّين، وعلّق شبّانه شرائط بيضاء إعلاناً للحداد. وبين الدموع والعويل، يتهامس السكّان، جهراً أو سرّاً، بمخاوفهم التي تفجّرت مع استهداف الكنيسة، والسؤال الذي يخيّم على الجميع: “لماذا نحن؟”. ويذهب البعض أبعد من هذا، ويحاولون تفسير التفجير بربطه ربما بسيّارة جالت في الأحياء ورفعت مكبرات تدعو الى اعتناق الإسلام، والتي طردوها قبل شهرين مردّدين: “هل جاؤوا للانتقام منا؟”.

“برأيي، تقع المسؤولية على الحكومة. ألم يقولوا إننا أصبحنا دولة؟ فأين وزارة الداخلية؟ أين أجهزة الاستخبارات؟ أين هو عملهم؟ لماذا يُترك المواطنون في مواقف كهذه من الأساس؟ وإن كانت الجهات المعنيّة قد تمكّنت سريعاً من القبض على المنفّذين والمخطّطين، فهذا يعني أن لديهم القدرة على منع ما حدث. السؤال الحقيقي إذاً: هل وقع ما حدث برضى أصحاب القرار؟ أم أنه نتيجة لتساهل من عنصر منفلت؟”، يقول مارسيل س، طالب في السنة السادسة في كليّة الطبّ البشري.

مارسيل ليس الوحيد الذي يشعر أن السلطة الجديدة لم تؤدِّ واجبها، إذ تصاعدت في الأوساط المسيحية أصوات تتّهم السلطة بالتقصير، وظهر الأرشمندريت ملاطيوس شطاحي ليؤكّد أن المشكلة بدأت عندما فشلت الدولة في حماية الناس، مما كانت تُسمّى “حوادث فردية”، وقال: “بعد السكوت عمّا كان يُسمّى أحداثاً فردية، ما بفاجئني إنو نحنا وصلنا لهون”.

تقول راما: “في العزاء، كان الجوّ مشحوناً بالغضب تجاه الحكومة، لكنّ الناس تخشى التعبير. وعندما دخلت مجموعة من الهيئة، خيّم الصمت، ولم يجرؤ أحد على إظهار استيائه، لأنهم خائفون”.

تجلّى هذا الغضب لاحقاً في مظاهرة خرجت ليلاً، رفعت شعار: “سوريا حرّة حرّة، والشيشاني يطلع برا”، إذ يحمّل السكّان المسؤولية للعناصر الأجنبية المسلحة المنخرطة في الجسم الأمني للسلطة الجديدة بشكل أساسي.

وتضيف راما: “المسيحيون لم يشعروا بالاطمئنان حتى الآن، وكلّ ما تفعله الحكومة هو محاولة تلميع الصورة سياسياً. منذ بداية السقوط، كنت أطمئِن عائلتي وأقاربي وأُقنعهم بأن هذه الحكومة ليست متطرّفة، لكنني اليوم لم أعد قادرة على قول ذلك، لم أعد مقتنعة بكلامي أصلاً”.

“رفض السلطات تسمية الضحايا بالشهداء، والخوف من تلبية هذا الطلب الشعبي البسيط، يوضحان بشكل جليّ التمييز بين أبناء البلد، والتعامل مع غير المسلم كمواطن من درجة ثانية”.

يتعاظم الشعور لدى الكثير من أبناء الطوائف بأنهم مجرّد أوراق تستخدمها السلطة بحسب ما تقتضيه مصلحتها، يقول مارسيل: “لا أستطيع إلا أن ألاحظ أن معظم مظاهر التعاطف بدت مصطنعة. ليس لأنني طائفي؛ فأصدقائي في غالبيتهم ليسوا مسيحيين، لكنّ هذه الضجّة الإعلامية لم نشهدها مثلاً خلال مجازر الساحل، ولم نرَ وزيرة الشؤون الاجتماعية تزور المقامات التي تهدّمت هناك”.

ويضيف: “ناهيك بالضعف المهني لقناة الإخبارية السورية، التي تُثبت فشلها في كلّ حادثة، وتنقل الأخبار بطريقة تعزّز الخطاب الطائفي بدل أن تساهم في تهدئته”.

يُذكر أن ما عرضته قناة “الإخبارية السورية” أثار موجة غضب واسعة، بخاصّة بعد ظهور محلّل سياسي قال إن ما حدث للمسيحيين يعود إلى “عدم انضمامهم إلى حلف الأقليات”، في إشارة إلى العلويين والدروز، ما فُهم على أنه تبرير ضمني للهجوم بدلاً من إدانته بوضوح.

مارسيل هو واحد من آلاف الشباب الذين التهمت الحرب سنوات حياتهم، وكان يعلّق آمالاً كبيرة على التحرير والتغيير، لكن ما بعد تفجير كنيسة مار الياس ليس كما قبله، يقول: “أكثر ما يقلقني الآن هو الخوف من تكرار ما حدث، وأن نكون نحن الضحايا في المرّة المقبلة. أنا وأصدقائي نذهب غالباً للصلاة، ثم نخرج بعدها للتنزّه، وكان من الممكن أن نكون مكان أيّ من الشهداء. في هذه اللحظة، أفكّر جدّياً في السفر”.

ليس كلّ السوريين “شهداء”!

من الجدالات التي برزت مباشرة بعد التفجير، كان رفض الحكومة إطلاق صفة “شهداء” على ضحايا كنيسة مار الياس، على رغم استخدامها هذه الصفة في بيانات سابقة لضحايا ينتمون إلى الطائفة السنّية. فقد خلا بيان رئاسة الجمهورية هذه المرّة من أي إشارة إلى كلمة “شهيد”، على خلاف بيانات مشابهة سابقة استُخدمت فيها الكلمة بشكل واضح.

وعلى رغم تأكيد كثيرين أن كلمة شهيد قد لا تعنيهم بسبب خلفيّتها الأيديولوجية، لكن في سياق اليوم، فإن اختيار الحكومة إطلاق هذه الصفة على فئة من المواطنين من ديانة معيّنة، ورفضها منحه لفئة من ديانة أخرى، يُعتبران أمراً غير بريء قطعاً.

يوافق مارسيل هذا الرأي، قائلاً: “رفض السلطات تسمية الضحايا بالشهداء، والخوف من تلبية هذا الطلب الشعبي البسيط، يوضحان بشكل جليّ التمييز بين أبناء البلد، والتعامل مع غير المسلم كمواطن من درجة ثانية”.

وبحسب الكاتب والباحث روجيه أصفر، تُلاحظ ثلاث مسائل في هذا السياق: أولاً، الامتناع عن استخدام كلمة “شهيد”. ثانياً، عدم الترحّم على الضحايا. وثالثاً، استخدام عبارة “الطائفة” المسيحية.

يقول روجيه: “يمكن القول إن هذه الأمور الثلاثة تنبع من خلفيّة دينية إسلامية معيّنة، محافظة أو متشدّدة، ترى أن صفة “الشهيد” حكر على المسلمين وفي حالات محدّدة فقط. وربما لا تُمنح صفة “الشهيد” لجميع المسلمين حتى. في هذا السياق، يبدو أن هناك “منازل للشهادة”، والمسيحيون في نظرهم في أدنى منزلة، لا نستحقّ حتى كلمة “شهيد”.

النقطة الثانية، بحسب أصفر، تتعلّق برفض الترحّم على غير المسلمين، بناءً على تفسيرات دينية تعتبر الرحمة على غير المسلم لا تجوز. أما الثالثة، فترتبط برؤية حصرية للدين، ترى أن الإسلام هو الديانة الوحيدة، بينما تُعتبر المعتقدات الأخرى مجرّد “طوائف” أو “جماعات” لا تحظى بالمكانة ذاتها.

يقول أصفر: “قد يكون من المقبول أن تصدر مثل هذه المواقف عن أشخاص عاديين، أي أن يرفضوا إطلاق كلمة شهيد، ويمكن مناقشتهم في هذا الإطار. لكن عندما تصدر عن الدولة، أو عن شخص مسؤول يمثّل مؤسّسة رسمية، يصبح الأمر مختلفاً تماماً، لأنه لا يتعامل مع المواطنين على أساس وطني، بل على أساس ديني، ويمارس تمييزاً واضحاً بين المواطنين بناءً على دينهم أو طائفتهم”.

بين صمت مفروض وغضب مكبوت، يشعر كثر من مسيحيي سوريا بأنهم باتوا مكشوفين، لا أمام “العدوّ” فقط، بل أمام دولة لم تعد تمنحهم حتى صفة “الشهيد”. في ظلّ هذا الشعور المتنامي بالعزلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل حقاً هناك مكان للجميع في سوريا؟

 – كاتبة وصحفية سورية

درج

——————————-

أنصار السنة” يتبنى تفجير الكنيسة بدمشق والحكومة تؤكد مسؤولية “داعش”/ عبد الحليم سليمان

الجماعة نشرت بيان التبني وذكرت اسم الانتحاري عبر معرفاتها على شبكة الإنترنت

الأربعاء 25 يونيو 2025

أثار التفجير الانتحاري في كنيسة بدمشق جدلاً حول مسؤولية الجماعة التي تقف وراءه، ففي الساعات الأولى، وبحسب تحقيقاتها الأولية، اتهمت الحكومة تنظيم “داعش” بالوقوف وراء العملية، في حين خرجت جماعة “سرايا أنصار السنة” لتتبنى العملية.

لم يعر فصيل “سرايا أنصار السنة” أي بال للإدانات المحلية والعالمية الواسعة للتفجير الانتحاري الذي طال كنيسة مار إلياس في حي دويلعة المسيحي الدمشقي، الأحد الماضي، الذي خلف نحو 25 قتيلاً وعشرات الجرحى من المصلين أمام مذبح الكنيسة في ساعات المساء، ليخرج الفصيل ببيان في ساعات فجر أمس الثلاثاء، معلناً تبنيه العملية ومسمياً المنفذ بـ”محمد زين العابدين أبوعثمان”.

تبني “سرايا أنصار السنة” أثار كثيراً من التساؤلات لدى المراقبين للشأن السوري، خصوصاً وأن الحكومة السورية، وعلى لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، قد صرحت في مؤتمر صحافي بعد ساعات قليلة من الهجوم على الكنيسة بأن تنظيم “داعش” يقف وراء العملية، بحسب تحقيقاتهم الأولية.

الكاتب والباحث السوري سركيس قصارجيان وصف اتهام الحكومة السورية لـ”داعش” بالسياسي والمستعجل، من دون أن ينفي إمكانية وقوف التنظيم وراء التفجير، مشيراً إلى أن سرعة اتهام الحكومة للتنظيم، وفي مدة قصيرة من دون تحقيقات، وضعت مصداقيتها على المحك، وفق تعبيره. وأضاف “إما أنه اتهام سياسي، للقول إن داعش هي من تحارب هذه السلطة، وبالتالي تكسب السلطة نقاطاً من هذا الاتهام على المستوى العام، أو أن السلطة، إذا كانت على علم مسبق بوجود مثل هذا المخطط، فلماذا لم تتدخل لمنع وقوع مثل هذه الكارثة؟”.

وعلى رغم من إعلان الحكومة السورية التزامها محاربة تنظيم “داعش”، فإن المراقبين يجدون صعوبة في وضع المعايير للجماعات التي تحمل “الفكر التكفيري”، وفق ما يقول قصارجيان، مشيراً إلى أن صدور بيان “سرايا أنصار السنة” يطرح التساؤل “حول كيفية التمييز من خلاله بين داعش ونهجها وعملها عن الفصائل الأخرى التي لا تختلف في الأيديولوجيا والعقيدة، ولا في مستوى الخطاب، ولا تظهر فرقاً عن طروحات داعش، سواء أكانت (أنصار السنة) أو (غرباء الشام) أو (الحزب الإسلامي التركستاني)، وكل هذه الفصائل المتطرفة التي كانت سابقاً ضمن جبهة النصرة”، موضحاً أن الصراع الحقيقي بينها ينصب على النفوذ والسلطة والمكاسب، وفق تعبيره.

وبحسب المعلومات، فإن فصيل “سرايا أنصار السنة” هو تنظيم لا مركزي، أسسه عنصر سابق في “هيئة تحرير الشام” يدعى أبوعائشة الشامي، مع عناصر آخرين من التنظيم نفسه ومن فصائل مختلفة، في فبراير (شباط) الماضي. وقد شارك في أحداث الساحل السوري وتبنى حرائق الغابات في تلك المنطقة، كما أنه يكفر الأقليات، في حين يقول الفصيل إنه لا يعمل لمصلحة تنظيم “داعش”.

“داعش” وراء الهجوم مجدداً

في مؤتمر صحافي عقده المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، مساء الثلاثاء، حول العملية الأمنية التي قامت بها قوى الأمن السوري في محيط العاصمة دمشق، باستهداف خلية تقف وراء الهجوم على الكنيسة في حي دويلعة ومستجداتها، قال البابا إن النتائج الأولية للتحقيقات بينت أن الخلية تتبع رسمياً لتنظيم “داعش”، كما أعلنت الوزارة منذ اليوم الأول، بناء على المعطيات والتحقيقات الأولية، وليس لها علاقة بأي جهة دعوية، في إشارة إلى بيان “سرايا أنصار السنة”.

وأضاف أن الخلية التي ألقي القبض عليها يتزعمها شخص سوري الجنسية يدعى محمد عبدالإله الجميلي، ولقبه “أبوعماد الجميلي”، وهو من سكان منطقة الحجر الأسود في دمشق، وكان يعرف بـ”والي الصحراء” في تنظيم “داعش”، وقد “تعرض اعترافاته المصورة لاحقاً حال الانتهاء من التحقيق معه”.

وأضاف المتحدث باسم الوزارة أن قواتهم استطاعت خلال عملية أمس تحييد أحد المتورطين في “التفجير الغادر” بكنيسة مار إلياس، وإلقاء القبض على انتحاري آخر كان في طريقه لتنفيذ عملية في مقام السيدة زينب قرب العاصمة دمشق، ومصادرة دراجة نارية معدة للتفجير في أحد التجمعات المدنية ضمن العاصمة، موضحاً أن الانتحاريين قدما إلى دمشق من مخيم الهول، عبر البادية السورية، “وتسللا بعد تحرير العاصمة، بمساعدة المدعو أبوعماد الجميلي، مستغلين حال الفراغ الأمني بداية التحرير، وهما غير سوريين”.

أثارت حادثة التفجير الانتحاري داخل الكنيسة موجة كبيرة من الاستنكار والتنديد من الأطراف السورية المختلفة وكذلك الدولية في حين حذرت سفارة الولايات المتحدة الأميركية رعاياها بشدة من السفر إلى سوريا مع ضرورة مغادرة البلاد عبر دول الجوار، مرفقة التحذير بإجراءات كيفية المغادرة عبر المعابر البرية في وقت لا يزال المجال الجوي السوري مغلقاً أمام الطيران المدني.

تأثير التفجير

أثارت حادثة التفجير الانتحاري داخل الكنيسة موجة كبيرة من الاستنكار والتنديد من الأطراف السورية المختلفة، وكذلك الدولية، في حين حذرت سفارة الولايات المتحدة رعاياها بشدة من السفر إلى سوريا، مع ضرورة مغادرة البلاد عبر دول الجوار، مرفقة التحذير بإجراءات توضح كيفية المغادرة عبر المعابر البرية، في وقت لا يزال المجال الجوي السوري مغلقاً أمام الطيران المدني.

من جهته، لفت الكاتب والباحث السوري قصارجيان النظر إلى أن لمثل هذه العمليات تأثيراً على السلطة، التي تتلقى جزءاً كبيراً من دعمها الإقليمي والدولي على أساس تأمين الاستقرار والأمن في البلاد، “والاعتقاد بأن وجود هذه السلطة ضمانة لعدم انجرار البلاد إلى مستنقع دم يبدأ بمجازر ضد الأقليات وينتهي بمجازر بين الفصائل الراديكالية فيما بينها”. ومن ثم، عندما يهتز هذا الاستقرار داخل سوريا، فإن السلطة تفقد رصيداً مهماً جداً من استمرار هذا الدعم الإقليمي والدولي، على حد تعبيره.

في حين أن الجانب الاقتصادي، بحسب قصارجيان، لا يشهد أي استثمار طويل الأجل أو مشاريع استثمارية كبرى، “لأن الأمور في سوريا لا تزال غير واضحة”.

————————————–

 مسيحيو سوريا: سيرة القلق/ محمد حجيري

الخميس 2025/06/26

غداة هروب بشار الأسد، وسيطرة “هيئة تحرير الشام” على الحكم في دمشق، وهي تضم في صفوفها فصائل متشدّدة، كانت الأنظار مشدودة نحو طرائق تعاطي الحكم الجديد مع الأقليات الطائفية والعرقية وأماكن اللهو والترفيه والسهر، مثل باب توما وباب شرقي والشعلان. ولئن وقف المسيحيون بمنأى من التجاذبات والتوترات، لكنهم لم يكونوا بمنأى من المخاطر مثل كل السوريين، فشهدوا اعتداء على شجرة الميلاد في منطقة حماة، وتكسير صلبان في بعض المقابر، وإطلاق نار على كنيسة أو إقفال بار سياحي في حمص، سيارات دعوية تجوب أحياء مسيحية في دمشق. كانت تلك الأحداث مجرد تفاصيل في خضم التحولات والتبدلات في سوريا الجديدة، لكن ما حدث الأحد الماضي من تفجير إرهابي لكنيسة مار الياس في منطقة الدويلعة بدمشق، لم يكن تفصيلاً ولا عابراً، واتخذ أبعاداً سياسية خطيرة في هذه المرحلة بالذات، وفي ظل حكم جديد محسوب على الإسلام السياسي. لكن كيف هي العلاقة التاريخية بين الإسلام والمسيحيين؟

تُبيّن الوقائع والمرويات التاريخية والسوسيولوجية، أن في مسيحيي سوريا شيء من الإسلام وأن في إسلام سوريا شيء من المسيحية، لكن مصائر هذه العلاقة كانت دائماً عرضة للتحولات السياسية والإيديولوجية والدينية والاجتماعية.

يجزم مؤرخون بأن مسيحيي سوريا تقبلوا العرب بقلوب رحبة، لأنهم رأوا فيهم محرّرين، لا غزاة. وفي محاضرة قدمها الباحث ادمون رباط في بيروت، استشهد ببعض الأقوال من هذا القبيل، كميخائيل السرياني، بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثاني عشر، أي بعد خمسة قرون على الفتح الإسلامي، لنجد عبارات استهجان لسياسة الروم، كالتالية: “لأنّ الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كل شيء قدير، والذي وحده إنما يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلاً من المتكبّر، ولأنّ الله قد رأى ما كان يقترفه الروم من أعمال الشر، من نهب كنائسنا ودياراتنا، وتعذيبنا من دون أيّة رحمة، فإنما قد أتى من مناطق الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الروم… وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الروم وشرورهم وحقدهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا”.

ينقل الباحث حسام عيتاني في كتابه “الفتوحات العربية في روايات المغلوبين” عن يوحنا الفنكي، وهو أحد الإخباريين السريان الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أنه قال في روايته عن الفتوحات العربية في بلاد الشام والعراق إن “ظهور المسلمين وتحقيقهم للانتصارات المتوالية لا يمكن أن يكون أمراً عادياً. بل يجب التعامل معه باعتباره أمراً إلهياً، فقد وضع الله النصر بين أيديهم كما لو كانت الكلمات التي تعنيهم تنفذ بحذافيرها: رجل يطارد ألفاً، واثنان يهزمون عشرة آلاف (سفر التثنية، الإصحاح 32، الآية 30). وإلا كيف أمكن لعراة يمتطون جيادهم من دون دروع أو تروس أن يفوزوا في غنى عن المساعدة الإلهية؟ لقد دعاهم الله من أقاصي الأرض حتى يدمر بهم مملكة آثمة، وحتى يذل بهم روح الفرس المتفاخرة”.

ويذكر المؤرخ سوزومين (ولد حوالي سنة 400م، في بلدة صغيرة تسمى بيثيليا قرب غزة في فلسطين، وكان جده من أوائل أهل البلدة الذين اعتنقوا المسيحية): “نظرت البلاد التي شملها الغزو إلى الفاتحين العرب بصفتهم كارثة حلّت عليها، ولم تبد اهتماماً بالتعرّف إلى معتقداتهم وأفكارهم، وأقل منها طرق معيشتهم، وبناهم الإجتماعية والسياسيّة والثقافيّة، إلاّ عندما استقر العرب في العراق وإسبانيا وبلاد الشام”. ويشير هذا، ليس إلى اعتبار العرب محررين، بل إلى تأخّر فهم تلك الشعوب لدوافع تلك الحملات، والتي نظروا إليها في البدء كغزوات بدويّة عابرة تعرّضت لها المنطقة طويلاً عبر تاريخها.

وأكثر من مرويات جَلد الذات والكلام العقابي وتأخر فهم ما يجري، منذ القرن السابع، ومع وصول العرب المسلمين إلى سوريا، وجد الإسلام نفسه متآلفاً مع المسيحية، فلم يستهدف القضاء عليها ولا الحد من حركتها. استطاع المسيحيون التأقلم مع القوانين الجديدة التي فُرِضت عليهم. ولما كانوا يشكلون غالبية سكان سوريا في ذلك الوقت، لم يشكل دفع الجزية عبئاً ثقيلاً. بل إنَّ المسيحيين السوريين شكلوا البنية العملانية للدولة الأمويّة، فحضرت النقوش والرسوم البيزنطية في الأروقة والقصور الأموية، وحتى الأفكار. الباحث اللاهوتي، نجيب جورج عوض، أصدر كتاباً بعنوان “المسيحية الأموية: يوحنا الدمشقي كمثال سياقي لتشكل الهوية مطلع الإسلام”، ويتناول فيه حياة المسيحيين والمسلمين واندماجهم في حضارة جامعة، ألا وهي الحضارة الأموية، ويُبرز فكرة تعايشهما بعيدًا من صراع الأديان.

وفي رأي عوض أنه، عندما يتطرق الباحثون في الحقبة الحديثة، إلى القرن الميلادي السابع، لدراسة الإمبراطورية الأموية الإسلامية، التي يقع قلبها في سوريا ــ فلسطين، أو لدراسة المسيحية في العصور القديمة المتأخرة وخلال الفترة البيزنطية الوسطى، فإنهم يتوقفون عند كتابات يوحنا الدمشقي وإرثه اللاهوتي عن الإسلام كدراسة حالة، وذلك كونه أحد أهم اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الأمويين الذين جاؤوا من دمشق وخدموا في بلاط الخليفة الأموي.

والاندماج المجتمعي والتلاقي، تجلى في احتواء المسجد الأموي ضريح يوحنا المعمدان (النبي يحيى). وبحسب التقاليد السورية الفولكلورية المتوارثة، فإن يوحنا قُتل وقُطعت رأسه بعدما انتقد ملك الجليل، هيرودس أنتيباس، في فلسطين. وصار المرقد المنسوب إليه مزاراً مقدساً لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء. حتى دير صيدنايا، يتميز بأن قاصديه للصلاة والتبرُّك ليسوا فقط مسيحيين، بل إن بعضهم مُسلم.

غير أن التبدلات السياسية والدينية في سوريا، وبروز دول جديدة مثل الفاطميين والمماليك، فضلاً عن الحروب الصليبية، كانت عوامل أثّرت بشكل كبير في وجود المسيحيين في سوريا، وتناقَص عددهم ينقص حتى باتوا من الأقليات. وعندما نشأت السلطنة العثمانية، ومن ضمنها سوريا، كانت أمام واقع معقد: طوائف وجماعات ومِلل، فضلاً عن أثر الحروب الصليبية في انتماءات بعض المسيحيين. فكان “نظام المِلل” العثماني هو ما تمّ إقراره للتصدي لهذا الوضع. ويقتضي هذا النظام تقسيم السكان بحسب مِللهم، وإعطاء كل ملّة حقوق التصرف في شؤونها الخاصة، ما يعني أن النظام هذا شكل انفراجاً كبيراً بالنسبة للمسيحيين، مقارنة بوضعهم أيام المماليك، بحسب ملاحظة بعض الباحثين.

وأثارت إصلاحات الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، توترات في دمشق. ابتداءً من أربعينيات القرن التاسع عشر، بدأت السلع الصناعية الأوروبية تغمر أسواق العاصمة. وكان المسيحيون السوريون، الذين تم تعيينهم كوكلاء لبيوت التجارة الأوروبية، هم المستفيدون الرئيسيون من الأعمال التي قوّضت النسّاجين والتجار المحليين. بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كان المسيحيون في دمشق يكتسبون الثروة والنفوذ بفضل علاقاتهم الأوروبية. وتفاقمت هذه المكاسب بسبب الإصلاحات العثمانية العام 1856 التي منحت المساواة أمام القانون، للمسلمين والمسيحيين واليهود. وفجأة، تخلت مجتمعات الأقليات عن مكانتها كمواطنة من الدرجة الثانية وطالبت بالمساواة مع النخب المسلمة في المدينة. وقد ولّد عقدان من المكاسب المسيحية على حساب المسلمين، استياءً عميقًا. وانتهت صدمة التطور والتحولات بمجزرة 1860 ضد المسيحيين في باب توما ومناطق أخرى، لتبرز بعدها نُخب قادمة من أوساط أرثوذكسية وبروتستانتية تنادي بالعروبة. وبقيت العروبة، كتيار ناشئ في خضم التطورات والتحولات في الدولة العثمانية، حكراً على نخب عربية، كانت في معظمها مسيحية في البداية ثم ما لبثت أن انتشرت في أوساط مسلمة.

يرجّحُ الباحثان إياد العبدالله وعبد الله أمين الحلاق، في ورقتهما عن مسيحيي سوريا، أن انتهاء الدولة العربية الأولى زمن الشريف حسين، ودخول الإنتداب الفرنسي إلى سوريا ولبنان، كان البداية الرسمية لانكفاء المسيحيين نحو ما سندعوه بـ”الجماعة المسيحية”. شهد العقد الأول من الانتداب الفرنسي، هجرة مسيحية لافتاة، وكانت غالبية هذه الهجرات نحو الأميركيتين وأفريقيا الغربية. لكن، بسبب الأوضاع الاقتصادية التي ستمر بها البلدان المضيفة في الثلاثينيات المنصرمة، تراجع زخم هذه الهجرة. وثمة هجرة مسيحية إلى سوريا أيضاً، بدأت منذ العام 1915 مع بدء مجازر الأتراك بحق الأرمن. ثم، في عهد الفرنسيين، استقبلت سوريا موجات من المهاجرين الأرمن واليونانيين. وفي العام 1933، حصلت موجة لجوء أخرى، لكن هذه المرة من العراق، ونتحدث هنا عن الآشوريين الذين تم توطينهم في الجزيرة العربية على ضفاف الخابور (المرجع السابق).

بعد الاستقلال، سيتراجع حديث المكونات الطائفية، لصالح تصورات تسعى أو تجتهد للكلام عن هوية وطنية سورية. وفي زمن الانقلابات والأنظمة العروبية والقومية وتصدع المدن وتأميم الاقتصاد والصراع العربي الإسرائيلي، سنشهد موجة جديدة من الإيديولوجيات والتحولات. كانت هناك مؤشرات إلى تراجع وضع المسيحيين وتزايد قلقهم في عهد الوحدة بين سوريا ومصر، واغتيال فرج الله الحلو. ولئن تغنّى كثر من العروبيين ببطولة الطيار جول جمال، المسيحي السوري الذي قدم نفسه دفاعاً عن مصر في حرب السويس 1956، إلا أنه، وخلال سنتَين من الوحدة، لم يتقلد أي مسيحي منصباً وزارياً في الإقليم الشمالي “سوريا”، وفي مرحلة ما راجت نكتة عبد الناصر حول اسم ميشال عفلق، باعتبار انه اسم مسيحي. حتى علاقة العروبيين والوطنيين بمسيحيي العروبة، منذ زمن الانتداب، فيها شيء من الالتباس، وتأتي لأغراض سياسية وليست حقوقية.

في كتاب صقر أبو فخر “سوريا وحطام المراكب المبعثرة حوار مع نبيل الشويري: عفلق والبعث والمؤامرات والعسكر”، يروي الشويري أنه لمع في الحركة الوطنية المناضلة ضد الانتداب على سوريا، اسم فارس الخوري، فشغل مناصب مهمة وأساسية. وتولى في الحكم رئاسة البرلمان ورئاسة الوزارة في سوريا. وبعد وفاته، سرت شائعات عديدة تقبلها الناس، بأنه أسلَم. وشائعة إسلامه تستند إلى أن المشايخ في دمشق قرأوا له القرآن في مأتمه العام 1962، وإلى أنه كان يحب الاستماع الى تجويد القرآن في حياته. يقول الشويري إن السند الحقيقي للشائعة هو راحة النفس من التناقض القائم بين قبولهم بزعامته وبين كونه مسيحياً. بينما الحقيقة تكمن في أن مسيحيته بالذات كانت سلاحاً في وجه الفرنسيين وسحباً للبساط من تحت أقدامهم كحمُاة للأقليات كما زعموا! وكان اختيار فارس الخوري المسيحي، لتأكيد وطنية السوريين، وفي المقابل يقول القيادي العروبي جلال السيد تعليقاً على تولي عفلق رئاسة حزب البعث: “نحن اخترناه لرئاسة الحزب أصلاً لكونه مسيحياً، مع أن هناك من هو أكفأ منه للرئاسة، لكننا قصدنا بذلك أن يكون عنواناً لعلمانية الحزب. وفي مرحلة شطح بعض البعثيين في الحديث عن أسلمة ميشال عفلق وتحوله إلى أحمد عفلق بحسب وثيقة مزعومة سربها نظام صدام حسين”.

لا يتعلق الأمر بأسلمة ميشال عفلق فحسب. ففي عهد “البعث” استمرَّ وزن المسيحيين في التراجع على صعيد الشأن العام، وستدخل سوريا بعد ذلك في الزمن الأسدي، وسيمنع الشيخ الأمني الحديث عن أي مكونات اجتماعية، وستكون الهجرة المسيحية القسرية بسبب التأميم والأوضاع الاقتصادية والحريات. استسلم المسيحيون لقدرهم، وربما لمصلحتهم وسط لعبة الأمم والاتفاقات السرية والدولية. ومع أن الأسد كان يختار وزراء من المسيحيين، لكنهم في معظم الحالات كانوا مجرد ديكور وزينة للنظام الاستبدادي البعثي، واستمر هذا الأمر في عهد بشار الأسد. في أحسن الأحوال كان المسيحيون ورقة في يد النظام، ويتجلى ذلك في كلام المطران اليازجي وغيره.

اندلاع الثورة السورية العام 2011 كان إيذاناً بتوترات مجتمعية وسياسية كبرى، اختفاء من هنا، قتل وغزوات من هناك، جماعات متطرفة في أماكن مسيحية مقدسة، نزوح وهجرات، خطف راهبات، وراهبات يؤيدين الاستبداد… سريعاً ما بدت ورقة الإرهاب بنداً في السياسة الدولية في الساحة السورية. روّج النظام البائد سردية وقوف المسيحيين والأقليات عموماً معه، دعماً منه لرواية حربه المزعومة على الإرهاب، وهو ساهم بقوة في “تدعيش” الثورة وأرهبتها وأسلمتها. أطاح الأسماء السلمية أو زجها في السجون أو اختفت. في النهاية دُمّرت سوريا وكثرت التدخلات/الاحتلالات الخارجية، من روسيا إلى ايران وحزب الله والفاطميية والزينبيين، وزاد الوضع قلقاً، وتقلص وجود المسيحيين.

وبعد هروب بشار، كانت العين الغربية على الأقليات، خصوصاً المسيحيين. إذ بدا النظام الجديد غامضاً ومبهماً في توجهاته، وقد تعاطي ببراغماتية مع الواقع، أُعيد للمسيحيين بعض أملاكهم التي سبق للنظام البعثي أن صادرها، واختيرت هند قبوات، وزيرة مسيحية في الحكومة. لكن مكونات الفصائل المسلحة متعدّدة الجنسيات والهويات والإيديولوجيات، لطالما أثارت التوجس والخوف والقلاقل، وثمة الكثير من الوقائع التي أظهرت ذلك، من الساحل إلى السويداء، وأتى تفجير الكنيسة الانتحاري ليزيد الطين بلة

المدن

———————————

عن قتيلهم و”شهيدنا” وما يستدرجه الجدل حولهما/ ديانا مقلد

24.06.2025

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.

بعد مجزرة كنيسة مار الياس في قلب دمشق، التي نفّذها انتحاري تكفيري، كان لافتاً اعتماد الإعلام الرسمي السوري صيغة “ضحايا” في وصف قتلى الانفجار الذين كانوا من المسيحيين.

كان من الممكن اعتبار هذا التوصيف مسألة عادية، لولا أن الإعلام نفسه يحرص على استخدام كلمة “شهداء” عند الحديث عن قتلى الأمن العامّ في سوريا في مواجهات أمنية.

ليس خافياً أن منابع هذا التمييز في التسمية عقائدية دينية، وهو ما أثار

امتعاضاً واسعاً بين سوريين كثر، بشأن الكيفية التي تُختار فيها تسميات مثل “شهيد” أو “قتيل” لوصف ضحايا تفجير أو مجزرة أو اعتداء، وما يعنيه ذلك من انحيازات واضحة.

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.

خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ “حزب الله” في لبنان، تعرّض صحافيون وصحافيات للاعتداء والطرد والإهانة، بذريعة أن بعضهم لا يستخدم كلمة “شهيد” في توصيفه لضحايا الحرب.

وفي إحدى المرّات انتشر فيديو لسجال بين المعتدين يتّهمون الصحافيين بعدم استخدام هذا التوصيف، فيما حاول الصحافيون الدفاع عن أنفسهم بالقول: “بلى، نستخدمه، ولا نقول قتيلاً”.

كان الصحافيون قد سقطوا في الفخّ، وبات الجدل هو استخدام التعبير، وليس حول مشروعيته وصحّته المهنية والأخلاقية.

مرّات عدّة، نتعرّض في “درج” لحملات انتقاد عند نشرنا موادّ عن ضحايا الإبادة في غزة أو لبنان أو في أي مواجهة مع إسرائيل، لأننا لا نستخدم كلمة “شهيد”.

ويمتدّ سجال الشهيد والضحيّة ليغطّي قاموساً من المفردات، لعلّ أبرزها مفردة “مقاومة”، فـ”حزب الله” مثلاً “مقاومة” بالنسبة إلى البعض في لبنان، وميليشيا طائفية في سوريا. لقد جرى ابتذال مفردة “مقاومة” حتى أصبحت تغطّي فصائل تخوض حروباً أهلية في العراق واليمن ولبنان وسوريا. 

ما قصّة هذا الجدل الذي لا ينتهي؟

لا يمكن اعتبار الخلاف حول استخدام “شهيد” أو “قتيل” خلافاً مهنياً فحسب؛ إنه خلاف سياسي وأخلاقي بامتياز. فمنح الضحايا رتباً وتصنيفات، والحكم على مصائرهم في الدنيا والآخرة، هو ما يجب أن يكون موضع مساءلة، لا العكس.

كلمة “قتيل” توصيف محايد لا ينطوي على حكم أخلاقي تجاه المقتول، ولا يُبرّئ القاتل بل بالعكس. القتيل هو ضحيّة جريمة، ما يعني أن ثمة قاتلاً ينبغي محاسبته.

الفكرة بسيطة، لكنها تثير غضباً ربما يكون مفهوماً في سياقات الحروب والمجازر، حيث المشاعر ملتهبة، وحيث يسعى مَن خسر حبيباً أو قائداً إلى التمسّك بتوصيفات تعويضية، تمنح موتهم مكانة أعلى، وربما عزاءً رمزياً في مصيرهم.

ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يبحث المفجوعون عن مكان لأحبابهم في الجنّة الموعودة، أو أن يجدوا كبش فداء يفرغون عليه غضبهم، وغالباً ما يكون الصحافي هذا الفداء.

نعجز، كإعلام ومجتمع، عن الاتّفاق على أن القتيل ضحيّة، وأن الانحياز إليه يجب ألا يُختزل ضمن صراع الهوّيات القاتلة الذي نتخبّط فيه منذ عقود. ثم إن الانحياز إلى القتيل هو أيضاً إعلان بأن القاتل معروف ومعلن، وأننا نحن، بدورنا، ربما ضحاياه.

لا حياد تامّاً في الإعلام، وهذا ما يفرّق مؤسّسة عن أخرى. هناك مؤسّسات تخلط المستويات التعبيرية واللغوية، وتُخضع التوصيفات لمواقفها الأيديولوجية:

فإذا كانت الضحيّة من “المعسكر الصديق”، فهي شهيد، أما إذا كانت من الخصم، فموتها يُحتقر، أو يُعدّ حدثاً هامشياً.

من هنا كان اعتماد الإعلام الرسمي السوري كلمة “ضحايا” في وصف قتلى تفجير كنيسة دمشق المسيحيين، مقابل استخدامه “شهداء” عند الحديث عن عناصر الأمن، ليُعيد تكرار المعادلة نفسها التي تحكم علاقتنا بالعنف الأيديولوجي والديني.

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.

انقسام قديم

هذا الانقسام حول التعابير ليس حديثاً، لكنّه أخذ منعطفاً حادّاً مع صعود الإعلام العربي العابر للحدود (Pan-Arab Media) في منتصف التسعينيات، حيث انتقل الانقسام السياسي الحادّ إلى قنوات الإعلام الكبرى التي باتت عنواناً وجزءاً من الاستقطاب.

قناة “الجزيرة” التي برزت بوصفها ناطقة باسم حركات “المقاومة” و”الممانعة”، كانت رائدة في استخدام هذه العبارات من أفغانستان إلى العراق وسوريا ولبنان. لحقت بركبها قنوات كبرى أخرى، لكن كلّ من زاوية انحيازه السياسي.

خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، نشر موقع “الجزيرة نت” خبرين يصفان وعلى الصفحة نفسها الضحايا في غزّة بأنهم “شهداء”، والضحايا في جنوب لبنان بأنهم “قتلى”، علماً أن القاتل كان واحد وهو إسرائيل.

ماهو المعيار الذي اعتمده المحرّر ليقرّر أن قتلى إسرائيل في لبنان هم “قتلى”، وأن القتلى في غزّة هم “شهداء”!

وإن كانت هذه المعضلة تتجلّى بحدّة في الحروب الكبرى كحرب غزّة ولبنان وسوريا والعراق، فإنها تكاد تختفي حين يكون القتيل من السودان أو اليمن، حيث لا يقلّ عدد الضحايا وحجم مآسيهم عن نظرائهم في الدول الأخرى. فهناك، يُقتل المئات، وأحياناً الآلاف، من دون أن يُمنحوا الرتبة نفسها في موتهم.

فكيف نسمح لأنفسنا، نحن الجالسين خلف شاشاتنا نصوغ الأخبار وننشرها، أن نمنح الضحايا مكانات مختلفة، وفقاً للهوّية أو الجغرافيا أو الانتماء السياسي أو الديني؟

تُظهر هذه الفوضى الشعورية أننا لم نتعلّم شيئاً يُذكر من الموت الغزير الذي أنهكنا كدول، وكأفراد، وكجماعات. فالقتيل هناك ليس قتيلنا، كما أن القتيل هنا ليس قتيلهم.

وللحقيقة ليست هذه معضلة شرق أوسطية خالصة، ففي الغرب أيضاً، نشأت سجالات مشابهة بعد الحوادث الكبرى في مرحلة ما بعد هجمات ١١ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١، ولاحقاً غزو العراق. حاولت وسائل إعلام دولية أن تفضّ الاشتباك بين مصطلحات مثل: “إرهابي” و”مسلّح”، “نظام” و”حكومة”، “جهادي” و”مقاتل”، و”داعش” و”تنظيم داعش”.

مهنياً، هناك قاعدة أساسية على الصحافي أن يلتزم بها عند إطلاق التوصيفات: أن يكون الوصف قابلاً للإثبات، لا يتضمّن تحيّزاً لغوياً، ولا يغيّر الوضع القانوني أو الرمزي لمن نكتب عنهم.

من مصلحة الرأي العامّ أن يحصل على وصف دقيق ومعلومة محايدة، وأي إخلال بهذه الشروط لا يخدم الحقيقة، بل يغذّي الجدالات التي نعيشها اليوم. وهذا الوضوح اللغوي لا يُلغي الانحياز، بل بالعكس طريقة مقاربة القصّة وإبراز عناصرها ستحدّد بشكل جليّ من القاتل ومن الضحيّة. لكن، متى نجرؤ، كصحافيين ومجتمعات، على التعامل مع الموت كما هو،  بلا رتب ولا ألقاب؟

وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن الجميع، في النهاية ربما ضحايا؟

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.

– صحافية وكاتبة لبنانية

درج

————————————-

تفجير كنيسة دمشق… غضب وخشية من انهيار السلم الأهلي/ حسام رستم

23 يونيو 2025

لا تزال المشافي القريبة من موقع التفجير الدامي الذي وقع داخل كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بالعاصمة السورية دمشق، مساء أمس الأول الأحد، في حالة استنفار، وتشهد تزاحماً كبيراً ناجماً عن توافد أقارب الجرحى لمعرفة مصير أحبائهم، فيما بدأ أهالي الحي تنظيف الكنيسة، وإزالة آثار الدمار من داخلها ومن محيطها، وسط انتشار واسع لقوى الأمن الداخلي.

وقال بيان لوزارة الداخلية، إن “انتحارياً يتبع إلى تنظيم داعش الإرهابي دخل إلى كنيسة القديس مار إلياس في حي الدويلعة بالعاصمة دمشق، حيث أطلق النار على الموجودين، ثم فجّر نفسه بواسطة سترة ناسفة”.

يقول السوري لورانس معماري، وهو أحد شهود العيان الذين كانوا في الكنيسة وقت وقوع التفجير، لـ”العربي الجديد”: “بدأت الصلاة في الساعة السادسة مساء، وبعد نحو ربع الساعة، دخل شخصان مسلحان، وأطلقا النار على المصلين، ثم سمعنا صوت تفجير. كان المنظر مرعباً، والدماء والجرحى في كل مكان. شاركت شخصياً في نقل عشر جثث، وكان هناك أشلاء متناثرة، وعمت الفوضى المكان، ثم حضر عشرات من سكان المنطقة إلى الكنيسة للمساعدة”.

ووفق الأرقام الرسمية، خلف الهجوم الدامي 25 قتيلاً و63 مصاباً نقل معظمهم إلى المشفى الفرنسي، وهو الأقرب إلى موقع الحادث، وقد شهد اكتظاظاً كبيراً نتيجة صغر مساحته، وكذا إلى مشفى المواساة بدمشق، ومن بين القتلى ستة أشخاص من عائلة واحدة.

ويقول إلياس الغانم، وهو من أهالي حي الدويلعة لـ”العربي الجديد”: “الحي يضم أغلبية مسيحية، وأحد أبناء عمومتي أصيب في تفجير الكنيسة، ونقل إلى مشفى المواساة، وإصابته متوسطة. الانفجار خلف صدمة كبيرة بين سكان المنطقة، والتي كانت بعيدة عن أجواء الحرب، وهناك مخاوف من المستقبل، ويخشى الناس تكرار استهداف دور العبادة، أو الأقليات، وأن يعود خطر التنظيمات المتطرفة”.

وينتقد الغانم التراخي الأمني، ويؤكد أن هناك مسؤولية على حواجز التفتيش، والتي تكتفي بإلقاء السلام على السيارات الداخلة إلى المنطقة، بينما ينبغي عليهم تفتيشها، ويطالب بوقف ما وصفه بـ “استفزازات” يقوم بها بعض غير المسيحيين، رغم علمهم أن المنطقة ذات أغلبية مسيحية.

وأمس الاثنين، دعت مطرانية بصرى حوران وجبل العرب للروم الأرثوذكس، في بيان، إلى إقامة الصلاة على أرواح الضحايا، وأكدت أن “مجزرة مار إلياس أضافت أسماء قديسين جدد إلى لائحة الشهداء”. بدورهم، نعى أهالي قرية خربا وقرية جبيب في محافظة السويداء (جنوب)، تسع ضحايا من أبناء القريتين قضوا في التفجير الذي طاول الكنيسة.

يقول الممرض حسن قوجة، من مشفى المواساة، إن “حالة المشفى المتردية لم تسمح باستقبال أعداد كبيرة من جرحى انفجار الدويلعة في وقت واحد. نعاني من نقص كبير في غرف العمليات والتجهيزات، ما دفع إدارة المشفى إلى توزيع الجرحى على مشاف أخرى”.

يضيف قوجة لـ”العربي الجديد”: “الارتفاع الكبير في أعداد الضحايا يرجع إلى خطورة الإصابات، وبعضها وصلت إلى المشفى في حالة حرجة بسبب حجم الكنيسة الصغير وقوة الانفجار. هناك أيضاً مشكلة تتعلق بنقص احتياطات بنك الدم”.

ويخشى كثيرون من تكرار جرائم مشابهة تستهدف أماكن عبادة أو أسواقاً أو مكونات عرقية وطائفية. ويشدد أسامة خضور، وهو أحد سكان حي الدويلعة، على أن “هذا التفجير يعيد السوريين خطوات إلى الوراء، كما يعيد إذكاء مخاطر الاقتتال الطائفي. تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية أمر لا يرضي كثيراً من الأطراف، داخلياً وخارجياً، ولا يمكن في الوقت ذاته إغفال ضعف إمكانات الأجهزة الأمنية وجهاز المخابرات العامة، وتقصير الحكومة في التواصل مع جميع الطوائف والأقليات”.

بدوره، يؤكد أنس فوال، وهو من سكان دمشق، أن “هذه التفجيرات تذكرنا بأن التعافي من آثار الحرب لا يزال بعيداً، وأن مكافحة التطرف يجب أن تشمل الجانب الفكري مع الأمني، وأن يتم العمل على خطاب ديني وسطي، فالخطاب المتطرف والمتشدد بات ظاهراً لدى جميع الطوائف في سورية، وهذا أمر يخلف مخاطر كبيرة على المجتمع الذي لم يتعاف بعد من سنوات الحرب”.

من جانبها، ترى عبير غندور، وهي من سكان حي القدم بدمشق، أن “هناك إجماعاً كبيراً بين السورين على إدانة هذه التفجيرات، كونها محاولة واضحة لجرنا من جديد إلى دائرة العنف، واستهداف الإخوة. هدفهم إظهار المجتمع السوري متشدداً، أو غير قادر على التعايش، وهذا أمر بعيد عن الواقع”.

وبعد ساعات من وقوع التفجير، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي، أن “أمن دور العبادة خط أحمر، وسورية اليوم أقوى من أي وقت مضى، ولن تسمح بأي تهديد”.

العربي الجديد

——————————–

ناج من تفجير كنيسة مار إلياس يروي لحظات الرعب/ عبد الله السعد

24 يونيو 2025

أدى مسيحيو منطقة الدويلعة، إلى جانب مصلين من مختلف أنحاء العاصمة السورية دمشق، صلواتهم، صباح اليوم الاثنين، في كنيسة مار إلياس، التي شهدت، أمس الأحد، تفجيراً إرهابياً أودى بحياة 25 شخصاً وأصاب 63 آخرين، بحسب آخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة السورية.

شهادة من قلب الحدث

ميلاد حلاق، أحد مرتلي الكنيسة، روى لحظات الرعب، لـ”العربي الجديد”، قائلاً: “في البداية سمعنا صوت إطلاق رصاصتين من الخارج، لكننا واصلنا الصلاة. فجأة، بدأ إطلاق نار مباشر على الكنيسة، ثم دخل شخص يرتدي عمامة وحزاماً ناسفاً. حاول بعض المصلين منعه والسيطرة عليه، وتمكنوا من إسقاطه أرضاً، لكنه فجّر نفسه. اليوم جئنا لنقول: لن نخاف. سنصلي، وسنبقى صامدين. من يريد زرع الفتنة لن ينجح، لأننا نحب بعضنا بعضاً منذ آلاف السنين”.

صلاة على جراح الوطن

رغم الألم، امتلأت الكنيسة بالشموع والصلوات، تعبيراً عن تحدي الخوف ورفض الفتنة. في مشهد موحد، جاء المصلون ليؤكدوا أن الدم السوري واحد، وأن الإرهاب لن ينجح في تفريق أبناء الوطن. وقال السوري إسماعيل هزيم البديوي لـ”العربي الجديد”: “نحن في سورية لا نُفرّق بين مسلم ومسيحي. هذا التفكير لم يخطر ببالي يوماً، ولا في قلب أي سوري. من دخل الكنيسة وقتل المصلين كان هدفه زرع الفتنة، لكننا أقوى من ذلك. أرجو ألا تتكرر مثل هذه الجرائم. نحن أبناء بلد واحد، لا فرق بيننا”.

الصورة

مسيحيو دمشق يصلّون في كنيسة مار إلياس، 23 يونيو 2025(العربي الجديد)

من جهتها، قالت الفنانة التشكيلية سحر النواقير: “لا أحد يعرف تماماً ما الذي جرى. فجأة وقع الانفجار، والجميع ما زال مذهولاً. جئنا اليوم لنصلي معاً. هذه الكنيسة كنيستنا، وأهلها جيراننا. أحبك يا وطني، ترابك مروي بدماء الشهداء والقديسين، من السيد المسيح إلى كل من ضحى لأجلك. نريد السلام، وقد عشنا فيه طويلاً، وسنصلي ليبقى دائماً”.

أما أم داني، وهي من سكان منطقة كشكول، فقالت: “المسيح قام، حقاً قام. ألف رحمة على أرواح من سقطوا بالأمس. لا نستحق ما يحدث لنا. نحن شعب واحد، مسلمون ومسيحيون وشيعة ودروز وأكراد، لم نعرف الطائفية يوماً. التفجير كان يستهدف وحدتنا، لكنه فشل. كنائسنا ستبقى مفتوحة، للجميع، مسلمين قبل المسيحيين. جئنا لنشعل شمعة ونطلب من الرب أن يحمي بلدنا”.

مسيحيو يصلّون في كنيسة مار إلياس، 23 يونيو 2025(العربي الجديد)

توقيف المتورطين

وفي تطور أمني لافت، أعلنت وزارة الداخلية السورية، مساء الاثنين، أنها وبالتعاون مع جهاز الاستخبارات، تمكّنت من القبض على متزعم خلية تنظيم “داعش” التي تقف خلف تفجير كنيسة مار إلياس. كما ألقي القبض على عدد من عناصر الخلية، وجرى ضبط أسلحة ومتفجرات خلال مداهمات في منطقتي حرستا وكفربطنا بريف دمشق.

——————————-

 تحديات البناء السوري.. رهان الصبر/ محمد شيخ يوسف

2025.06.26

يتفق السوريون جميعًا بلا شك على وجود تحديات كبيرة في مرحلة بناء الدولة الجديدة، إذ إنها مرحلة جديدة جاءت بعد إسقاط عقودٍ من الظلم والاستبداد والقهر والتسلط من قبل طغمة حاكمة، استولت على البلاد وحولتها إلى مزرعة خاصة، وألغت السوريين جميعًا من دون استثناء، واحتكرت الحكم والسلطة وكل مقدرات البلاد، وعاثت فسادًا فيه على مدار السنوات الطويلة هذه التي تجاوزت نصف قرن، وتسعى أن تعود بشتى الوسائل مرة أخرى، عبر تخريب المراحل الانتقالية، وتقويض عمل الحكومة الانتقالية التي تعمل من أجل استكمال مراحل إعادة البناء، وتحقيق الانتقال السياسي، وأداؤها يحظى برضا محلي وإقليمي ودولي.

ومن الرهانات الهامة التي تبرز في مرحلة البناء السوري الجديد هذه، هو تحدي ورهان الصبر، هذه الكلمة التي لا يمكن اختزالها بمجرد أحرف، فالصبر، كما يُقال في المثل العربي الشهير، هو مفتاح الفرج، والسوريون يدركون تمامًا أن الإدارة الجديدة تعمل بصبر في مسيرٍ طويلٍ من إعادة البناء ويمتد هذا المسير إلى سنوات طويلة، فالخراب والدمار في سوريا لا يمكن حصره فقط بسنوات الحرب، ولا يشمل الجوانب المادية فحسب، بل يتعداها بشكل كبير إلى القضايا المعنوية، فعملية إعادة البناء والترميم والتأهيل هي مساحة كبيرة يجب العمل عليها بصبر، والنظام السابق عمل على التخريب منذ توليه الحكم قبل عقود، مزق المجتمع، وحارب جميع الأطراف من دون استثناء، وأبقى فئة صغيرة مؤيدة له مستفيدة، فُتح لها المجال لكل شيء.

وتتنوع الميادين التي تحتاج إلى الصبر في هذه المرحلة، فمن المؤكد وجود تحديات أمنية كبيرة خلال المرحلة الحالية، بسبب سرعة التغيير التي حصلت خلال معركة ردع العدوان، والتي أزعجت أطرافًا مؤيدة للاستبداد والقمع، سواء كانت داخلية تتمثل بفلول النظام، أو خارجية عبر دول معينة، أو عبر الوكالة من خلال أدوات وتنظيمات إرهابية وانفصالية تسعى إلى تخريب الأجواء في البلاد، ولهذا يتم التخريب والعمل على الجانب الأمني بشكل كبير. ومن المؤكد أن القوى الأمنية الجديدة لا تزال في طور البناء والتدريب والتطوير، وهو ما يحتاج إلى صبر للوصول إلى المعايير المطلوبة، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، للتعامل مع الحالات والأفراد. وإزاء مواقف سلبية محددة، هناك نماذج إيجابية أخرى تبشر بالخير، ولكن مرحلة البناء هذه، التي لا يزال عمرها أشهرًا، بحاجة إلى الوقت للارتقاء بالمستوى المطلوب والمأمول.

عملية التفجير الإرهابية التي استهدفت كنيسة مار إلياس في دمشق هي نموذج للتحديات الأمنية في المرحلة المقبلة، مع وجود الأطراف الرافضة لأن تنال سوريا حريتها واستقلالها ورفاهها. عمل إرهابي أدانه جميع السوريين، حتى لو استهدف أي مواطن أو أي مكون، فالدم السوري واحد، بخلاف الانتماء والمعتقد والدين والعرق. ومع تحرك القوى الأمنية على الفور للتعامل مع الحادثة ووقوع الشهداء والجرحى، ومنعًا للتحريض وتحقيق أماني الجهات المرتبطة بالعمل الإرهابي، تبرز مرة أخرى ممارسة الصبر كطريق للخلاص وصولًا إلى تحقيق الهدف المنشود. فالتحديات الأمنية متوقعة، والأطراف المتضررة لا تزال على رأس عملها في التشويش وعرقلة مرحلة البناء، وتسعى لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء.

ردود الفعل على عملية التفجير مؤكد أنها ستكون واحدة عند السوريين الراغبين بالحياة الكريمة التي يشدون إليها في بناء دولة القانون والحقوق والحريات والمساواة، تُصان فيها الديمقراطية وحرية التعبير. وبالتأكيد ستكون هناك ردود أفعال من قبل الأطراف الرافضة لبناء سوريا الجديدة، ستعمل على التحريض والتأليب، وهذه أساليب اتُّبعت سابقًا في دول عديدة، والعراق نموذج لها، ولا يزال يعاني من الانقسامات المجتمعية نتيجة لذلك. وبالتالي، يجب ممارسة الصبر بأقصى الحدود، منعًا من حدوث الفتنة التي يتمناها أعداء سوريا، ويسعى لها فلول النظام وأدواته، وتحركها من ورائهم آلات إعلامية، والهدف هو خلق الفتنة بين المكونات وأفراد الشعب، والتحريض على الفعل ورد الفعل، وهو أخطر الأمور التي تحتاج إلى الصبر الطويل، والهدوء، والمحاكمة في التعامل مع حالات التحريض، وتثبيت الذين يبثون الفتن، والرد عليهم بالشكل المناسب العقلاني، من دون الدخول في مشادات ونقاشات لا طائل منها، سوى تحقيق أحلام وطموحات مثيري الفتن ومحبي العودة إلى زمن الاستبداد.

الصبر على الصعيد الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي لا يقل أهمية عما سبق، حيث إن هناك قنوات ووسائل إعلامية تعمل بلا شك على بث الفتنة والتحريض، وهي جبهة هامة لدى محور داعمي النظام البائد، وهذه المؤسسات لا تزال تعمل على تقويض الحكم الجديد، والتشويش على المرحلة الانتقالية، وترى في الحادث الإرهابي في تفجير كنيسة مار إلياس مادة دسمة لإطلاق وبث السموم ضد كل ما هو إيجابي، وتحاول توظيف الأحداث في تأليب الآراء، والتسبب في حصول الاحتقان بين أطياف الشعب السوري.

الميدان الإعلامي يبرز تحديًا كبيرًا في المرحلة السابقة والحالية والمستقبلية، في مسعى من قبل هذه الأطراف لإظهار الأحداث الصغيرة بأنها كبيرة، ومحاولة النيل من الاستقرار غير المتوقع الذي ساد سوريا بعد إسقاط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر، فأحداث صغيرة يتم المبالغة بها ونقلها بشكل مكثف، ما يؤدي إلى التعاطي معها والتفاعل من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وتداولها بكثرة. وهذه الأحداث تحتاج إلى الصبر والروية في التعامل معها والتفاعل والتداول، لكي لا تكون جزءًا مما ترغب وتأمل به الأطراف الراغبة بالعودة في الزمن إلى الوراء.

وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا تمتلئ بالمحرضين، وبالمنشورات التي تتناقل أحاديث وتصريحات وأحداثًا مضللة تسعى من خلالها تلك الأطراف، ولكن وعي السوريين واضح بشكل كبير، ويتم الرد على التحريض بالمعلومة الموثقة المؤكدة، التي تدحض الشائعات، وتبث روح الوحدة الوطنية والتلاقي بين السوريين. لا مكان للتحريض والفتن، فالتركيز على مرحلة البناء وسوريا المستقبل بحاجة إلى الصبر وضبط النفس، ووضع حدٍّ لأي مساعٍ لتخريب اللحمة السورية، بعد أن أمسك السوريون بطرف الخيط، وأشعلوا بصيص الأمل في مسار البناء والعدالة والمرحلة الانتقالية، ويتلقون الدعم اللازم من الدول الساعية لتحقيق الاستقرار في البلاد.

وخلاصة القول: إن المرحلة الجديدة في سوريا بحاجة إلى محددات ورهان مختلف الأبعاد والمستويات، وتقع مسؤوليات هامة على الحكومة والشعب معًا من أجل تحقيق الهدف المنشود، وتحطيم آمال الراغبين بالتخريب وزرع الفتن. الصبر معروف لدى الشعب بمعانيه الواسعة، وهو من السمات التي قادت إلى التحرير، فلولا صبر السوريين في المناطق المنكوبة بفعل قصف النظام، لما حصل التحرير، ولولا صبر النازحين والمهجرين، لما سقط النظام، ومن دون صبر ذوي الشهداء والمفقودين والمعتقلين والجرحى والمصابين، لما كانت مرحلة البناء الحالية، ولولا صبر وثبات اللاجئين خارج البلاد، لما وصلت النتيجة الحالية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مواصلة الصبر للانتهاء من بناء سوريا المنشودة من قبل الجميع.

تلفزيون سوريا

———————————————-

 دمشق: أنصار السنة يوجه تهديدات صريحة بتوسيع عملياته/ واصل حميدة

الثلاثاء 2025/06/24

في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ انهيار نظام بشار الأسد، شهدت العاصمة السورية يوم الأحد الماضي تفجيراً دموياً داخل كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة، أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 63 آخرين، أثناء قداس صباحي مزدحم بالمصلين.

وسارعت وزارة الداخلية السورية عقب الهجوم إلى الإعلان عن “القبض على عدد من المتورطين”، مرجّحة “ضلوع تنظيم داعش” في العملية.

إلا أن الساعات القليلة الماضية حملت تطوراً مفاجئاً، تمثّل في بيان رسمي نُشر عبر تطبيق تليغرام، أعلن فيه تنظيم يُعرف باسم “سرايا أنصار السنة” تبنّيه الكامل للعملية، مقدّماً رواية تتقاطع مع شهادات من داخل الكنيسة، ما يضرب الرواية الرسمية ويكشف ضعفاً أمنياً خطيراً في العاصمة.

من هم “سرايا أنصار السنة”؟

يُعد تنظيم “سرايا أنصار السنة” من أخطر التشكيلات الجهادية التي ظهرت في سوريا منذ سقوط النظام. وقد أُعلن عن تأسيسه في 1 شباط/فبراير 2025 بقيادة أبو عائشة الشامي، وهو قيادي سابق في “هيئة تحرير الشام” انشقّ عنها احتجاجاً على ما اعتبره “تساهلاً تجاه الطوائف الأخرى”.

يتبنى التنظيم عقيدة تكفيرية صارمة تستهدف كل من لا ينتمي إلى “المنهج السني الجهادي”، بما في ذلك العلويون، الشيعة، الدروز، المسيحيون، وحتى السنة الذين خدموا في النظام السابق أو شاركوا في مؤسسات المعارضة السياسية.

وصف التنظيم مشروعه بـ”حرب تطهير عقائدي”، ويعمل عبر خلايا لا مركزية مستقلة، ويُقدّر عدد مقاتليه بنحو 1,600 عنصر موزعين في حماة، حمص، جبال الساحل، اللاذقية، مع مؤشرات على تمدده نحو طرابلس اللبنانية.

دلالات تبنّي “أنصار السنة”

بيان التنظيم شكّك في صحة إعلان وزارة الداخلية عن “القبض على متورطين”، واعتبره “محاولة للتغطية على الفشل الأمني”، ما يضرب مصداقية السلطة الانتقالية ويعمّق فقدان الثقة بها.

وجاء التفجير بعد سلسلة خطوات تطمينية من الحكومة الانتقالية تجاه الأقليات الدينية، ما يجعل العملية بمثابة رسالة دموية موجهة ضد مشروع الدولة المدنية.

ووفقاً لباحثين، فإن تفجير كنيسة مار إلياس يُعد أكبر مجزرة تستهدف المكوّن المسيحي في سوريا منذ مذابح عام 1860، عندما تعرّض المسيحيون في دمشق ومناطق أخرى لهجمات طائفية دامية في عهد الدولة العثمانية.

تنظيم يتغذّى على الفراغ والفوضى

لم يكن بروز “سرايا أنصار السنة” وليد لحظة. بل جاء تتويجاً لاستغلال التنظيم للفراغ الأمني والشلل المؤسساتي الذي أعقب سقوط النظام، وتمدّده في بيئات هشة يغيب فيها القانون.

منذ تأسيسه، تبنّى التنظيم عشرات العمليات، أبرزها: كمين استهدف عائلة من الطائفة العلوية في ريف حماة (12 قتيلًا)، اغتيالات في حمص وطرطوس، إحراق غابات في القرداحة، اختطاف مدنيين علويين في اللاذقية، وتصفية عناصر سنية خدمت في أجهزة النظام الأمنية.

كما وجّه تهديدات صريحة بتوسيع عملياته إلى لبنان، وحدّد مدينة طرابلس بوصفها “أرضاً للردة يجب تحريرها”، على حد تعبيره.

التشييع تحت التهديد

إعلان التنظيم مسؤوليته عن الهجوم ألقى بظلال قاتمة على مراسم تشييع الضحايا، المقرّرة اليوم في كنيسة مار إلياس.

ومع توقعات باحتشاد آلاف المشيعين من مختلف الطوائف للمشاركة في الصلوات والجنائز العامة، ارتفعت مؤشرات الخطر الأمني وسط دعوات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للتجمّع بكثافة.

هذا التوتر المتصاعد يضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار حرج، ويثير مخاوف من استهدافات جديدة أو محاولات تفجير بين الحشود، خصوصاً في ظل تصريحات التنظيم عن نيته مواصلة “سلسلة التطهير”، وغياب مؤشرات على تفكيك خلاياه داخل العاصمة.

الهجوم يبعث برسائل قاسية لسكان العاصمة. فـ”دمشق، التي كانت تُعد أكثر المدن تحصيناً، باتت ساحة مفتوحة أمام جماعات متطرفة، ما جرى يُظهر خللاً عميقاً في البنية الأمنية، ويهدد أساسات الدولة الوليدة.

خطاب الكراهية

تبنّي “أنصار السنة” للهجوم يعيد تسليط الضوء على خطاب الكراهية الطائفي الذي تُرك دون ردّ رادع، ويثير هواجس من انزلاق البلاد نحو موجة صراعات أهلية، في ظل عجز المؤسسات الانتقالية عن فرض سيطرتها الكاملة على الأرض.

تفجير كنيسة مار إلياس ليس حدثاً معزولاً. بل هو مؤشر خطير على تحوّل المسار الأمني والسياسي في سوريا ما بعد الأسد. فظهور تنظيم مثل “سرايا أنصار السنة” بأيديولوجيته الدموية وأجندته الطائفية يفتح جراحًا قديمة، ويهدد بإشعال صراعات لا تُحمد عقباها.

يبقى السؤال: هل تمتلك الدولة السورية الجديدة القدرة على مواجهة هذا النوع من الإرهاب المنظّم؟ أم أن البلاد مقبلة على جولة أخرى من الدم والفوضى؟

المدن

———————————–

إدارة الشرع عاجزة عن حماية مسيحيي سوريا… أو لا ترغب في ذلك؟/ جعفر مشهدية

الثلاثاء 24 يونيو 2025

لا تزال أصداء الهجوم الإرهابي على كنيسة مار الياس، في منطقة الدويلعة في العاصمة السورية دمشق، مساء الأحد 22 حزيران/ يونيو 2025، والذي أسفر عن مقتل “25 شهيداً و63 إصابةً”، وفق آخر تحديث من وزارة الصحة السورية، تطرح أسئلةً لا إجابات تامة عنها حتى اللحظة.

أقيمت، ظهر اليوم الثلاثاء 24 حزيران/ يونيو، الصلاة الجماعية على جثامين الضحايا في كنيسة الصليب المقدس، فيما شدّد بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر، خلال صلاة خاصة لاستذكار أرواح الضحايا في كنيسة مار الياس، مساء أمس الإثنين، على أنّ ما جرى في الدويلعة “لا يمثّل سوريا ولا ينسجم مع أخلاق أبنائها”، وأنّ المسيحيين والمسلمين في سوريا “يشكّلون نسيجاً اجتماعياً واحداً لا يمكن تمزيقه”، حيث “هذه الأفعال لن تنال من وحدتنا”.

نفّذ التفجير مسلّح ينتسب إلى تنظيم “داعش”، وفق ما صرّحت به وزارة الداخلية السورية، حيث دخل إلى الكنيسة وأطلق الرصاص على المُصلّين ثم فجّر نفسه.

وبحسب الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، نفّذت وزارة الداخلية، أمس الإثنين، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، عمليات أمنيةً ضد خلايا إرهابية مرتبطة تابعة لتنظيم “داعش” في حرستا وكفربطنا، في ريف دمشق، أسفرت عن القبض على متزعِّم خلية وخمسة عناصر ومقتل اثنين آخرين، أحدهما كان المتورّط الرئيسي في تسهيل دخول الانتحاري إلى الكنيسة، والآخر كان يجهّز أيضاً لتنفيذ عمل إرهابي في أحد أحياء العاصمة، كما ضُبطت كميات من الأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى ستر ناسفة وألغام، وأيضاً عُثر على دراجة نارية مفخخة كانت معدّةً للتفجير.

وصاحبت التفجير إدانات دولية وإقليمية واسعة، بالإضافة إلى حالة من القلق سيطرت على أجواء الشارع السوري، بين متخوِّف من دخول سوريا دوّامة التفجيرات والإرهاب واستهداف الأقليات الدينية، وبين من يُحمِّل الحكومة الحالية المسؤولية عن هذا الاعتداء، بسبب تساهلها مع انتشار ملامح التطرّف الديني في صفوف المجتمع دون تحرّكات جدّية لضبطها وعجزها عن تطبيق تعهداتها بإحلال الأمن والأمان، عدا عن قلق البعض من أن يكون التفجير تكراراً لما جرى مع المسيحيين في العراق في أعقاب إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث جرى استهدافهم بقصد تهجيرهم إلى خارج دولتهم.

تمهيد أدّى إلى هذه النتيجة

ومنذ إسقاط نظام الأسد، عانت مناطق تركّز “الأقليات الدينية” في سوريا من انتهاكات ذات طابع طائفي ارتكبتها “مجموعات غير منضبطة”، وفق التعبير الحكومي، بعضها أفضى إلى إزهاق الأرواح، من بينها المجازر المروّعة ضد العلويين في الساحل السوري، والانتهاكات ضد الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا، فضلاً عن انتهاكات أُخرى لم تؤدِّ إلى حوادث قتل، لكنها مهّدت الطريق نحو تفاقم الحالة المتطرِّفة، على غرار “سيارات الدعوة” التي كانت تجول أحياء يتواجد فيها المسيحيون بكثافة وتدعوهم إلى اعتناق الإسلام علانيةً.

شابة سورية مسيحية، من دويلعة، طلبت عدم الكشف عن هويتها بسبب الخوف على سلامتها الشخصية، تقول، لرصيف22، إنّ “أيّ شخص لديه عقل ودين يستنكر ما جرى في الكنيسة، نحن اليوم نعيش بين المتطرّفين وكان على الحكومة واجب ضبط حركتهم وإبعاد أذاهم عنّا نحن المسيحيين. نحن أولاد البلد ولا نريد التهجير، كل ما نريده هو تكثيف الحماية في المناطق التي يراها المتطرّفون، وفق منظورهم، مناطق ‘كفار’، فالسوريون جميعاً يريدون العيش في بلد آمن”.

في الأثناء، يؤكد سعد (اسم مستعار لشاب من دويلعة طلب أيضاً عدم كشف هويته)، لرصيف22، أنّ “المسيحيين مستهدفون منذ 15 عاماً”، فـ”هناك من يريد إفراغ سوريا من المسيحيين، وشاهدنا ملامح التطرّف على مستوى سوريا خلال الأشهر الأخيرة، ويجب على الحكومة الحالية التصرّف بطريقة أفضل من ذلك ومحاربة التطرّف علناً وتأكيد جدّيتها في ذلك على الأرض”، محذّراً من أنّ “أي إجراء غير ذلك سيؤدي إلى مزيد من التفجيرات والاعتداءات ضد المسيحيين وباقي أطياف الشعب السوري، بمن فيهم المسلمين المعتدلين”.

تهجير بمباركة غربية؟

بدورها، تقول الناشطة سمر مرقص، من ريف دمشق، لرصيف22، إنّ “هنالك سيناريو لم يَعُد خافياً على أحد تديره دول معيّنة، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، هدفه إلغاء مفاعيل سايكس بيكو وجميع ما تلا سقوط الخلافة العثمانية من رعاية غربية مباشرة لإنشاء كيانات عربية تشبه النسخة الأوروبية، ولو ربطنا ما سبق بالمسيحيين، لأمكننا القول إنّ الغرب – ولو بشكل غير مباشر – يبارك هجرة المسيحيين من سوريا، بل إخلاء الشرق من مكوّنه المسيحي من خلال تسويقه تجارب دول لا تقبل التعدّدية ولا تسمح بالحريات الدينية والفردية إلا بالقدر الذي لا يستفز اللاوعي المحتقن للنرجسية الإسلامية”، باعتبار الإسلام هو دين الأكثرية.

“وعليه، تكون مدينة الجهاديين الفاضلة في سوريا خاليةً ممن ‘لا يقيم شرع الله’ ولو كان من أبنائها، وفي المقابل مُرحِّبةً بالغرباء تحت مسمى ‘وحدة المعتقد’. فالجهاديون يريدون أن يتخلّى المسيحيون عن كامل مكتسباتهم التي حقّقوها في القرنين الأخيرين ليعودوا ‘أهل ذمّة’ ضمن شروط ‘عُهدة’… لذا، أتوقّع أن يولِّد تفجير دويلعة ما يكفي من القوة للرجوع إلى الماضي، تحديداً إلى آخر اعتداء على المسيحيين في دمشق عام 1860، في ما عُرفَ بـ’طوشة النصارى’، لا لأنّ التاريخ يعيد نفسه وإنما لأنّ الخيار الذي سلكه يومها الكثير من مسيحيي دمشق، بالهجرة نحو الأمريكتين، عاد ليفرض نفسه، ولو على لوحة الانتظار، في مطار ما”، تستنتج مرقص.

أمن يؤسَّس في سياق جهادي؟

وفي إجابة عن سؤال: هل فشلت الإدارة الجديدة في الوفاء بتعهداتها الداخلية والخارجية المتعلّقة بالحفاظ على السلم الأهلي والأمن؟ تشرح مرقص أنّ “الغرب يعلم جيداً أنّ الإدارة السورية الحالية عاجزة عن ضبط الأمن بشكل كامل، وعن منع تنفيذ هكذا اعتداءات، لأنه لو كان اشترط على الإدارة هذا النوع من الشروط وطلب ضمانات لتحقيقها كأساس لتطبيع العلاقات معها، لأضاف ذلك إلى خريطة طريق تهدف إلى استبعاد الخطاب المتطرّف من التداول والعناصر الأكثر تطرّفاً عن المشهد”.

وتتابع بأنه وبعد أشهر من التقارب، لم تزل القوى الأمنية الجديدة تُبنى على أساس عقائدي جهادي يعتقد بامتلاكه الحقيقة المطلقة، ويرى الآخر، في أحسن الأحوال، جاهلاً، ولا تمثل كلمات مثل التسامح والعيش المشترك سوى شعارات من باب الاستهلاك الضروري لأجل الغاية الكبرى، فكلمة الحرية بما تعنيه لإنسان يعيش في القرن الحادي والعشرين تمثّل الكفر بعينه، ورأينا ذلك في أكثر من حادثة سابقة بُرِّرَت باعتبارها “أخطاء فرديةً”.

من أجل ما سبق، لا تعتقد مرقص أنّ الغرب تفاجأ بالتفجير في “مار الياس” و”لا هاله مشهد الضحايا، لأنه منذ البداية وازن بين حاجته – ولو الآنية – إلى هذا الجسم الجهادي الصلب وبين الحريات والتعدّدية، ورجحت لديه الكفّة الأولى، أما الداخل وإن كانت الأكثرية الساحقة من السوريين فيه قد أبدت على الفور تعاطفاً مع أسر الضحايا وتنديداً بالعمل الإرهابي، فإنها أكثرية عاطفية سريعة الانفعال والسكون لا تملك تصوّراً واضحاً لما تريده من الإدارة الحالية حتّى تعدّ أنها فشلت في تحقيقه”.

وبمزيد من الإحباط، تُردف: “لا أظن – برغم أنني أتمنى ذلك – أن تعمد الأكثرية السورية الصامتة إلى الضغط على الإدارة الحالية لتُسارع إلى فلترة صفوفها من العناصر المتطرِّفة وتعمد إلى تجريم الخطاب الطائفي بحزم”.

“ألغام قد تنفجر في الجميع”

وحول مدى صحة الاعتقاد بأنّ تغاضي الإدارة الجديدة عن ملامح التطرّف التي ظهرت في الآونة الأخيرة، قد زاد من خطورة الواقع، توضح مرقص: “من دون شك. لكن الدولة والجمهور المولع بالتماهي مع المنتصر لا يُبصران أنّ هذه الممارسات حُبلى بالألغام التي قد تنفجر في الجميع”.

وتتابع الناشطة السورية: “ما أدمنهُ البعض، ومع الأسف بعضهم محسوب على النخب، من تبرير الحالة الدعوية بحجة الحريات العامة، أتمنى أن يكون التفجير المؤسف قد أقنعهم بخطأ مقاربته، فالأصل أنّ الحالة الدعوية تتضمّن اتهاماً مضمراً للآخر بالكفر وليس الأمر مشكلةً في حد ذاته، لكن افتقاد سوريا – بعد سنوات الحرب – مركز حكم ثابت الأركان، قادر على منع تحوّل هذا الاعتقاد بالتكفير إلى فعل إلغائي، وتساهل الدولة مع استخفاف بعض المؤثرين بالخطاب المتطرّف، والممارسات العدائية تجاه المكوّنات السورية، هي جميعاً عوامل رئيسية في خروج الأمور عن السيطرة، وهو ما لا نتمناه”.

إلى ذلك، تعتقد مرقص أنّ الحلول المتاحة أمام الدولة السورية الآن للخروج من المأزق هي “ببساطة، بناء دولة قانون لا ترى أياً من مكوناتها ‘زائداً عن الحاجة’، دولة تحترم حق الفرد في الوجود وتقرير مصيره بغض النظر عن الهويات الفرعية التي ينتمي إليها، فما يهمّ الدولة من كل مواطن هو التزامه القانون لأنها تؤمن بأن الدول التي ترى بعض فئاتها أرقى من الفئات الأخرى ولا تمثّل بالتالي الحياد تجاه مكوناتها، لا بدّ أنها ستدفع شبابها عاجلاً أو آجلاً في صراع جديد، وسيتعرّض مجتمعها من جديد لمقامرة كبرى ممن يعتقدون امتلاكهم الحقيقة باسم المصلحة العامة ليجد المجتمع نفسه من جديد أمام خطر الانهيار”.

صراعات داخلية

من جهته، يجزم المحامي والخبير السياسي باسل حوكان، في حديثه إلى رصيف22، بأنه “لا علاقة بين تفجير كنيسة مار الياس وبين ما يُحكى عن مخطّط لتهجير المسيحيين”، فهذا المخطّط – برأيه – لم يعد موجوداً في أجندة محدثي التفجيرات، إن كان موجوداً سلفاً أساساً.

ويشرح: “التهجير الممنهج تخطّط له دوائر الاستخبارات الغربية التي رعت الإرهاب الديني يوماً ليتمرّد بعضه عليها لاحقاً. لكن المسألة، في اعتقادي، عبارة عن صراع داخلي بين القوى الراديكالية الإسلامية الغاية منه تصفية حسابات وعمليات حلول طرف محل آخر، وكلنا يعلم حجم الخلاف بين هيئة تحرير الشام وتنظيم داعش ومن المحتمل أو المرجّح تطوّر هذا الصراع لتدخل أطراف أخرى فيه، فنرى ضجيجاً في جامع، أو صخباً في شارع، أي أنّ الأمر ليس حكراً على لون أو عرق أو طائفة. والواجب قوله إنّ أيّ شريحة سورية، خاصةً المسيحيين، تزداد عمليات هجرة أفرادها بفعل عوامل أمنية واقتصادية، وفق ما سجّل تاريخ الهجرة السورية عبر قرن من الزمان”.

تغاضي أو عدم قدرة؟

كذلك، يرى حوكان أنّ الدولة الجديدة لم تتغاضَ عن حالات التطرّف التي ظهرت أخيراً، و”لنقل إنّها غير مسيطرة فعلياً على العدد الكبير من الفصائل التي شاركت في التحرير، إلى درجة أنك تسمع كلاماً من موظف حكومي من الطاقم الجديد يصل إلى مستوى تهديد مركز القرار إذا ما حاد عن العقيدة الإسلامية (وفق تصوّرهم) التي تعاهدوا على أساسها. أنت هنا لم تعد تلمس تراتبيةً أو سمات مؤسسات هرمية في الدولة، وهذا يشكّل انفلاتاً غير مسبوق في إدارة الدولة وصل إلى مرحلة ‘حارة كل من إيده إله’. ومن هنا، تمدّد الإرهاب حتى بات ملحوظاً وأعتقد أنّ الوقت قد جاء لتنفيذه على الأرض، في حادث مار الياس، وقد ساعدت في ذلك الظروف اللاموضوعية التي تحدث في المنطقة كلها”.

ويختم حوكان، بأنّ “الحلّ الوحيد أمام الإدارة الجديدة، التي يراقبها العالم ويدعمها، أن تكون أكثر جرأةً وتراجع قراراتها الارتجالية السابقة، لتعيد بناء مؤسسات الأمن والجيش من خلال طواقم جيدة وكافية، لتُبنى من خلالها الثقة مع كل المكون السوري، ثم بناء دولة القانون والعدالة والمساواة بعيداً عن الاستئثار واستبعاد الكل على حساب موجود ما يسمّى ‘تجربة إدلب’، وإلا فإنّ الأمور مرشّحة لمزيد من التصعيد”.

فائض القوة

أما السياسي طارق الأحمد، فيقارب تفجير الكنيسة في دويلعة قوله إنّ “المسألة لا تتعلّق بمحاولة تهجير المسيحيين من سوريا بقدر ما تمثّل النتائج الحقيقية للأخطاء المرتكبة منذ إسقاط النظام بحق صيغة العيش السوري، لأن طريقة الخطاب السياسي التي سادت من منطلق ‘من يحرر يقرر’ أخرجت الكم الهائل من الأحقاد الدفينة لمجموعات لا تعبّر عن طائفة، بل عن تيارات متشددة تكفيرية شعرت بأن هناك فائضاً كبيراً من القوة يمكن أن يُصرف”.

ويضيف، في حديثه إلى رصيف22: “أرى أنه بعد سقوط النظام لم تجد هذه المجموعات قدرةً على تصريف فائض قوتها ضد النظام لأنه أُسقِط، فما كان لها سوى أن تصرف هذا الفائض ضد المكونات المذهبية، مثل العلويين والدروز والمسيحيين. وزاد هذا الشعور الخطاب التعبوي من الذين لم يكونوا مشاركين في الثورة السورية، لكنهم وجدوا أنّ المشاركة المستجدة الانتهازية تجعلهم يحصدون السبق، ما جعل السوريين كلهم يدفعون الفاتورة، وهذا التحليل لا يتعلق بالمسيحيين فحسب، بل يُنذر بإشعال حرب أهلية سورية، فالقضية إذاً ليس سفر المسيحيين وإنما إفراغ سوريا من الجميع”.

فشل في إدارة الدولة

وعن قدرة الإدارة الجديدة على الوفاء بتعهداتها تجاه السوريين والخارج، يرى الأحمد أنّ “إدارة الرئيس أحمد الشرع لم تقدّم تعهدات لا للشعب ولا لأمريكا وأخواتها، وربما كانت هناك تصريحات. لكن الموضوع المركزي هنا ليس الوفاء بالتعهدات بل فشلها في إدارة الدولة بعد حلّ كل مؤسساتها السابقة، وتالياً المسار حالياً خطأ ويتوجّب على الإدارة الجديدة الدخول في نقاش متعقّل، وعلى الدول الراعية لها أن تضغط لإيجاد حلّ سياسي، وهذا كله لم يحصل بعد، لذا ليس ممكناً أن يكون هناك سلم أهلي”.

ويتابع الأحمد: “الإدارة الجديدة لم تتغاضَ فقط عن ملامح التطرّف، مثل سيارات الدعوة، لكن أيضاً عندما ظهرت مجموعة مسلحة بالخناجر في حماة، تعبّر عن رفضها عمليات التسوية، لم تقم بأيّ ردة فعل ضدها، وهذا يعني اعترافاً منها (أي السلطة) بوجود سلطات تفوق سلطتها، ويعني بالضرورة تفاقم الحالة الإرهابية”.

حوار سياسي غير مشروط

وختاماً، ينادي الأحمد بضرورة دخول الإدارة الجديدة في حوار سياسي بعيداً عن أي حلّ ترقيعي تكون غير قادرة على تنفيذه، ويقصد بذلك “حلّاً سياسياً دون أي قيود أو شروط أو سرديات، وحواراً سياسياً بين كل الأحزاب والمؤسسات والتكوينات، للاشتراك في صوغ دستور جديد وانتخاب سلطة جديدة”، إذ يرى السوريون جميعاً أنّ تفجير كنيسة مار الياس لم يضرّ بأبناء الطيف المسيحي فقط، بل تعدّى الضرر ذلك إلى بث الخوف والذعر في داخل كل بيت سوري من مختلف المشارب، خوفاً على مستقبل البلاد وأبنائها، فإما أن يصبح الجميع في سوريا الجديدة مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، أو أن يجبروا على أن يكونوا مرةً أخرى شركاء يتقاسمون الخراب، لكنه هذه المرة سيكون خراباً لا يُفرِّق بين سلطة وشعب.

رصيف 22

———————————————–

كنيسة مار الياس… تفجير في حضن الطائفية الصامتة/ عدي عبدالله

الاثنين 23 يونيو 2025

كان يوم أحد عادياً في حيّ الدويلعة الدمشقي. مصلّون يجتمعون في كنيسة مار إلياس، يتلون صلواتهم، يتهامسون بخشوع، ويضيئون شموعهم على نيّة حياة أفضل، وبلد أهدأ. لم يكونوا ينتظرون معجزةً. كلّ ما أرادوه لحظة روحية في وسط بلد لم يعُد يعرف السكينة.

ثم دوّى الانفجار.

انتحاري يدخل الكنيسة، يطلق النار، يفجّر نفسه، ويترك خلفه عشرات القتلى والجرحى. لم يأتِ من “الغيب”، ولم يسقط من السماء، ولم يكن حدثاً عابراً. التفجير لم يكن لحظةً، بل حصيلة.

كالعادة، بعد كل مجزرة، يبدأ السباق نحو الإجابات السطحية: من المسؤول؟ هل هو “داعش”؟ هل الجهة الفلانية؟ كم عدد الضحايا؟ لكن أحداً لا يطرح السؤال الحقيقي: من صنع هذا القاتل؟ من جهّزه نفسياً وفكرياً وعقائدياً ليقتل مصلّين في بيت عبادة؟

لأنّ الانتحاري لا يُولَد وهو يضع الحزام الناسف في خزانته بدل الحقيبة المدرسية، ولا يولد وهو يعرف طريقه إلى الجريمة، بل يُربّى على الكراهية، على الخوف، على الشك، على تصنيف الناس، وعلى فكرة أنّ الآخر عدو بالفطرة.

من يصنعه؟

وحين ينمو الحقد لا يعود القاتل استثناء، بل نتيجة متوقعة. يبدأ الأمر بطفل يسمع في المدرسة أنّ “المخالف في العقيدة كافر”، ثم يسمع في البيت أنّ “الطائفة الأخرى خانت”، ثم يسمع من رجل دين أنّ “الجهاد طريق إلى الجنّة”، ومن زعيم ميليشيا أنّ “الآخر خطر يجب إزالته”، ثم يتعرّض لإذلال ممنهج على يد جهاز أمني يمثّل طائفةً أو جهةً سياسيةً، ثم يجد في لحظة ما يداً تمتدّ له وتقول: “تعال انتقم. تعال نذهب إلى الجنّة”.

هذا القاتل أيضاً قد يُنتَج في بيئة إسلامية متطرفة، أو في جهاز أمني سلطوي، أو من خطاب طائفي متشدد، سواء كان منسوباً إلى دين أو عقيدة أو أيديولوجيا سياسية. الخطر ليس حكراً على جماعة بعينها، بل على أيّ فكر يرى في الآخر تهديداً وجودياً يجب سحقه.

حينها، لا يكون الموت هو المأساة. المأساة أنّ هذه السلسلة تمرّ دون أن يتدخّل أحد.

في بلد مثل سوريا، حيث تفكك النسيج الاجتماعي تحت ضربات الحرب، وانتعش خطاب الطائفية على أيدي السلطة، والمعارضة، والميليشيات، والإعلام، لا يمكن استغراب أن يصل شخص ما إلى لحظة يفجّر فيها نفسه وسط أبرياء.

شرائح مختلفة من المجتمع ساهمت بدرجات متفاوتة في إنتاج هذا الفعل، سواء بالصمت بدافع الخوف، أو بعدم الاكتراث، أو بالتبرير، أو حتى بالتواطؤ غير المباشر، ما مهّد الطريق أمام هذا النوع من الجرائم. ولا يعني ذلك إدانةً جماعيةً لكل فرد، بل الإشارة إلى مسؤوليات موزّعة على مؤسسات وأشخاص وصيغ تفكير سادت وسُكِت عنها طويلاً.

التحريض حكماً

لطالما كان خطاب الكراهية في هذه المنطقة أداةً سياسيةً فعالةً؛ من زرع الخوف بين الطوائف، إلى شيطنة “الآخر”، إلى تسويق ثنائية “نحن” في مواجهة “هم”. لم يكن ذلك وليد الحروب فحسب، بل جزءاً من بنية الحكم ذاتها، ومنهجاً محسوباً للسيطرة.

قبل الحرب، كان النظام يستخدم الطائفية كفزّاعة: حافظ على المظاهر، وترك الشكوك تنمو تحت الطاولة. بعد الحرب، أصبح اللعب مكشوفاً. سلّح طوائف، أطلق يد ميليشيات، سمح لمنابر دينية محددة بالتحريض، مقابل ولاء أعمى.

لكن الطائفية لا تخدم طرفاً واحداً. من استفاد منها في لحظة، قد يدفع ثمنها لاحقاً، حين تصبح ديناميكيةً مستقلةً، قادرةً على توليد القتل بلا أمر مباشر.

ومن لم يعترض على رجل دين يقول: “العلوي نجس”، أو “السنّي إرهابي بالفطرة”، أو “المسيحي كافر”، سواء بصمت أو خوف أو جهل، يجب ألا يستغرب حين يدخل أحدهم إلى كنيسة أو جامع ويحوّله إلى مقبرة.

الإرهاب لا يملك عنواناً واحداً

وعلى امتداد الجغرافيا السورية المنكوبة، وحتى في المرحلة التي سبقت سقوط النظام، لم تختلف نتائج التفجيرات باختلاف القوى المسيطرة على الأرض. دائماً كانت النتيجة واحدةً: الضحايا دائماً مدنيون، أطفال، نساء، أبرياء في أسواق ومدارس وأماكن عامة.

وعليه، التفجير الذي استهدف كنيسة مار الياس، لم يكن الأول من نوعه، ولن يكون الأخير ما لم نواجه الحقيقة: كل تبرير للعنف الطائفي هو تمهيد لانفجار قادم. وكل خطاب يحرّض على الآخر هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

من يبرر تفجير كنيسة بحجة أنّ الطائفة الفلانية “سكتت” عن جرائم النظام، لا يختلف في منطقه عمّن يبرر قصف جامع، سواء بحجة وجود “خلايا نائمة” أو بذريعة الثأر أو الانتقام أو تحقيق الأمن. كل هذه التبريرات تصبّ في مجرى واحد: تحويل دور العبادة إلى ساحة تصفية حسابات، لا أماكن صلاة وسلام. والأهم، أن نكفّ عن رؤية “الآخر المختلف” كإنسان.

ماذا بعد؟

الجريمة الإرهابية في كنيسة مار الياس هي مؤشر خطير على أنّ الجمر ما زال تحت الرماد. وما لم نُعرِّ الأسباب البنيوية لهذا العنف من تربية، إلى إعلام، إلى سياسة، إلى دين، فسنظلّ نحصي الجثث، ونتظاهر بالدهشة.

رصيف 22

——————————————-

معتقلو تنظيم الدولة.. عصي في دواليب الحكومة السورية/ باسل المحمد

آلاف من المقاتلين وعشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم محتجزون في سجون ومخيمات واقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (الفرنسية)

24/6/2025

يعتبر ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية واحدًا من الملفات الحساسة والمعقدة التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، إذ يرتبط بشكل مباشر بالعلاقة مع الولايات المتحدة التي جعلته محددًا أساسيًّا للانفتاح على دمشق.

ويشكل وجود آلاف المقاتلين وعشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم المحتجزين في سجون ومخيمات واقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال شرقي البلاد، بيئة أمنية هشّة، وأوضاعا قانونية وإنسانية مأزومة.

ورغم الانفتاح الأميركي الحذر على سوريا الجديدة، فإن ملف معتقلي التنظيم لا يزال من أبرز الشروط السياسية والأمنية لاستمرار هذا الانفتاح وتوسّعه، وسط تحذيرات غير معلنة من أن الفشل في التعامل الجدي مع هذا الملف قد يعيد فرض العقوبات أو يُفعّل أدوات ضغط دولية جديدة على الحكومة الناشئة.

ولا يقتصر التحدي على استلام المعتقلين فحسب، بل يشمل أيضا تقديم رؤية واضحة لكيفية إدارتهم وفق معايير العدالة الدولية، ومنع أي فراغ قد يعيد إنتاج الخطر الذي مثّله التنظيم سابقا.

وبين حسابات السيادة وضرورات التعاون الدولي، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار حقيقي، يحدد علاقاتها مع العالم في المرحلة المقبلة.

أعداد المعتقلين وجنسياتهم

تقدّر قوات قسد عدد مقاتلي تنظيم الدولة المحتجزين لديها في شمال شرق سوريا بين 9 إلى 11 ألفًا، موزعين على 12 سجنًا، أبرزها سجن غويران في الحسكة، والمالكية (ديريك)، والشدادي، إلى جانب مرافق مؤقتة في الرقة ودير الزور.

ويؤوي سجن غويران (الصناعة) وحده قرابة 4500 معتقل، بينما تدير قسد أيضا مخيم الهول الذي يضم أكثر من 40 ألفا من أفراد عائلات المقاتلين، غالبيتهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى جنسيات أجنبية.

وقد شهد هذا السجن قبل سنوات أعمال شغب، مما أثار مخاوف دولية من إمكانية تكرار سيناريو الانفلات الأمني، في ظل اكتظاظ السجون وهشاشة البنية الأمنية في بعضها.

وقدّر تقرير لصحيفة بوليتيكو الأميركية أعدادهم بنحو 10 آلاف معتقل من عناصر التنظيم موزّعين على 26 سجنا، في حين يقيم نحو 54 ألفا من النساء والأطفال في معسكرات تنتشر شمال شرقي سوريا.

ويوازي وجودهم ـبحسب الصحيفةـ من حيث العدد ملء 13 معتقلا بحجم غوانتانامو، ما يُبرز حجم التحدي الأمني أمام الحكومة السورية الجديدة في التعامل مع هذا الملف المعقد.

وتبقى هذه الأرقام موضع جدل، إذ تشكك تقارير ومصادر ميدانية في صحتها، وتقدر أن العدد الحقيقي للمعتقلين لا يتجاوز 6 آلاف، متهمة قسد بالمبالغة في الأعداد لأغراض سياسية، منها الضغط للحصول على دعم دولي أكبر واستمرار التنسيق الأمني مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

اختبار أمني دولي لدمشق

لا يقتصر ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية على كونه قضية أمنية محلية أو إنسانية طارئة، بل يمثل في نظر المجتمع الدولي أول اختبار حقيقي لقدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة ملفات سيادية بالغة الحساسية، والتعامل مع التحديات الأمنية العابرة للحدود.

وفي تصريحات سابقة لمسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، أكدت واشنطن أن “الإدارة الفاعلة لمعتقلي تنظيم الدولة ومخيمات النازحين في شمال شرقي سوريا تُمثّل عاملا جوهريا في استقرار المنطقة ومنع عودة تنظيم الدولة”.

كما أشار تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى أن “فشل إدارة ملف المعتقلين قد يُفضي إلى إعادة تشكل التنظيم، ويهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء”.

وفي هذا السياق، أكدت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة أن من جملة المطالب التي يجب على الحكومة السورية الالتزام بها في المرحلة المقبلة؛ تسليم خطة لتحمل مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة في شمال شرقي سوريا، وذلك خلال جلسة مجلس الأمن بشأن في 17 يونيو/حزيران الجاري.

وتسعى الحكومة السورية الجديدة إلى استلام هذا الملف انطلاقا من اعتبارها “الجهة السيادية الوحيدة المخوّلة بإدارة الملفات الأمنية”، بحسب ما يوضحه الباحث في الشؤون الأمنية لورانس الشمالي.

ويرى الشمالي، في حديثه للجزيرة نت، أن دمشق تعتبر ملف المعتقلين “فرصة لتعزيز شرعيتها، وبناء جسور تعاون أمني مع المجتمع الدولي”، معتبرا أن نجاح دمشق في هذا التحدي “سيُشكل خطوة نوعية في اتجاه الانضمام إلى تحالفات دولية لمكافحة الإرهاب”.

خبرة ميدانية متراكمة

وتنطلق الحكومة السورية -بحسب مراقبين- من تجربة ميدانية تراكمت خلال سنوات من إدارة الصراع في شمال سوريا، خاصة في إدلب ومحيطها، حين كانت هيئة تحرير الشام، التي تشكّل النواة الأساسية للإدارة الحالية تخوض معارك مع تنظيم الدولة وامتداداته.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في مركز الحوار السوري، عمار جلو إن الإدارة السورية الجديدة قد تكون هي الأقدر على إدارة معتقلات تنظيم الدولة، بسبب نجاحها سابقا في تفكيك ومحاصرة جميع المجاميع المرتبطة بالتنظيم في مناطق سيطرتها.

وبحسب حديث جلو للجزيرة نت، فإن كل ذلك تم بموازاة تعاون خفي مع التحالف الدولي، وهو تعاون أسهم في تحييد قادة بارزين للتنظيم.

ويضيف أن وزير الداخلية الحالي، أنس خطاب يُعتقد أنه يمتلك “شبكة استخباراتية فاعلة داخل التنظيم”، ما يمنح الحكومة الجديدة ميزة نادرة في فهم البنية الداخلية لهذه الجماعات وقدرة متقدمة على اختراقها.

ويعزز هذه الرؤية تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أكد استمرار الحكومة السورية الجديدة في مواجهة خلايا تنظيم الدولة، مشيرا إلى أن دمشق الجديدة أحبطت في يناير/كانون الثاني مؤامرة لتفجير مزار شيعي قرب العاصمة، بمساعدة معلومات استخباراتية أميركية.

ومؤخرا، أعلنت وزارة الداخلية السورية تنفيذ عملية أمنية في ريف دمشق جنوبي سوريا، ضد خلية للتنظيم قالت إنها مرتبطة بتفجير كنيسة “مار إلياس”، الذي أدى إلى سقوط 15 ضحية وإصابة العشرات في منطقة الدويلعة بريف دمشق.

وأسفرت العملية في مدينتي حرستا وكفر بطنا عن مقتل شخصين والقبض على 5 عناصر آخرين بينهم مسؤول الخلية.

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد أكد نهاية الشهر الماضي أن وفدا حكوميًّا سوريًّا وصل إلى مناطق شمال شرقي سوريا لزيارة معسكرات الاحتجاز والسجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقال إن الزيارة تأتي في إطار تنفيذ الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقسد مظلوم عبدي في 10 مارس/آذار الماضي، والذي يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من مخيم الهول.

رفض أوروبي

تصطدم جهود الحكومة السورية في هذا الملف برفض معظم الدول الأوروبية استعادة رعاياها من المقاتلين الأجانب المحتجزين في سجون قسد أو القاطنين في مخيمي الهول والروج.

وبهذا المعنى يرى مراقبون أن الرفض الأوروبي ليس موقفا أخلاقيا أو سياسيا فحسب، بل تحديا سياديا ومعقدا يعوق أي تسوية نهائية لهذا الملف.

من ناحيتها، حذّرت القيادة الوسطى الأميركية في بيان صدر في يناير/كانون الثاني الماضي من أن استمرار هذا الجمود الدولي، في ظل غياب برامج لإعادة التأهيل والتوطين والإدماج، “قد يؤدي إلى ظهور جيل جديد من المتطرفين”.

وأشارت إلى أن نحو 9 آلاف معتقل من تنظيم الدولة، ينتمون لأكثر من 50 دولة، لا يزالون في سجون شمال شرقي سوريا تحت إدارة “قسد”.

بدوره، يرى الباحث عمار جلو أن هذه المواقف الأوروبية تجاه مواطنيها المعتقلين في سجون قسد لا تعرقل فقط مسار إغلاق الملف، بل تُضيف عبئًا قانونيًّا وأمنيًّا كبيرًا على دمشق الجديدة.

وأشار إلى أن عددًا من الدول الغربية قامت بإسقاط جنسية بعض المعتقلين لديها، ما يجعل الحكومة السورية الجديدة أمام مأزق مزدوج، يتمثل:

    التعامل مع معتقلين لا تملك وثائقهم.

    تحمل مسؤولية قانونية عن عناصر ترفض بلدانهم استقبالهم.

وفي حين أعادت بعض الدول مواطناتها وأطفالهن، مثل السويد وكندا وطاجيكستان وفرنسا وروسيا، فإن جهود إعادة الذكور البالغين بقيت شبه معدومة، حيث لم يُعد سوى 4% من المقاتلين الذكور إلى بلدانهم منذ عام 2019، بحسب تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط للدراسات في يوليو/تموز 2023.

من يحاكم المعتقلين؟

رغم الضغط الدولي المتزايد لإنهاء ملف معتقلي تنظيم الدولة فإن مسألة محاسبتهم قانونيا لا تزال عالقة ومعقدة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، إذ تواجه الحكومة السورية تحديا يتمثل بغياب بنية قانونية فاعلة لإجراء المحاكمة.

وكانت لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، التابعة للأمم المتحدة، قد دعت الدول التي يحمل بعض عناصر التنظيم جنسياتها إلى استلامهم وتأمين محاكمة عادلة لهم على أراضيها، وهو ما التزمت به قلة من الدول، بينما امتنعت أخرى بشكل نهائي، ما زاد من تعقيد الملف.

ويؤكد المحامي والباحث في القانون الدولي الجنائي محمد حربلية أن محاكمة عناصر تنظيم الدولة على يد الحكومة السورية غير ممكنة في الوقت الراهن، نظرا لغياب إطار قانوني ملائم، ولأن الأولوية في العدالة اليوم تتجه نحو ملاحقة مجرمي النظام البائد، وهو ما يتطلب إمكانيات ضخمة على المستويين المالي واللوجستي.

ويرى حربلية، في حديثه للجزيرة نت، أن الحل الأكثر واقعية يكمن في إنشاء محكمة دولية خاصة بمحاكمة عناصر التنظيم في سوريا، على أن تكون تحت إشراف الأمم المتحدة، وبمشاركة قضائية سورية، وبدعم وتمويل دوليين، وهو خيار يُمكن أن يشكّل مخرجا عمليا لطي هذا الملف بشكل قانوني ونهائي.

وفي السياق نفسه، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية لورانس الشمالي أن التعامل مع أفراد التنظيم يختلف بحسب تورّطهم في الجرائم، وقال إنه يمكن تخصيص برامج لإعادة التأهيل والدمج المجتمعي للذين لم يشاركوا في أعمال إرهابية أو عمليات قتل مباشرة، بينما يُخضع من يثبت تورّطهم للمحاكمة وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

ويحذر خبراء من أن غياب إطار قانوني شامل حتى الآن يضع الحكومة السورية أمام تحدٍّ قانوني وسياسي مفتوح؛ فإما أن تؤسس لمسار عدالة مستدامة وشاملة، أو أن يبقى ملف محاسبة عناصر التنظيم رهين الحسابات الدولية والانقسامات الإقليمية، ما يهدّد بفتح ثغرات أمنية وقانونية في جسد الدولة السورية الجديدة.

المصدر: الجزيرة

——————————–

دمشق في مواجهة عودة مفاجئة لـ«داعش»/ سلطان الكنج

مصادر تكشف عن استراتيجية التنظيم في سوريا

25 يونيو 2025 م

أعادت العملية الانتحارية التي استهدفت كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة في دمشق، الجدل حول نشاط «داعش» داخل الأراضي السورية. ورغم اللغط الذي أثاره إعلان «سرايا أنصار السنة» تبنّيها العملية، تتفق مصادر متقاطعة على أن الجماعات المتطرفة، على اختلاف توجهاتها، تنخرط الآن في محاولات حثيثة لتقويض حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، بدوافع وأساليب مختلفة.

ويكشف قائد في الجيش السوري الجديد عن جانب خطر من محاولات تنظيم «داعش» لتنفيذ عمل عسكري واسع ومفاجئ على دمشق، بالتزامن مع خطط لتغلغل عناصر من البادية إلى المدن، بينما تندفع جماعات أخرى «دعوية» لشن هجمات تحت طائلة الغضب والتوتر من السلطات السورية.

وحذر القائد العسكري من «استراتيجية (داعش) الحالية التي تعتمد الهجرة من البادية إلى المدن والتغلغل فيها وتشكيل خلايا جديدة داخلها». وقال: «لدينا ما يكفي من القدرات للتصدي لخطر التنظيم وتفكيك خلاياه (…) نحن نعرفهم أكثر من غيرنا».

مفاجأة في دمشق

تحدّث القائد في الجيش السوري الجديد عن معلومات حساسة تتعلق بخطط تنظيم «داعش»، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجيش تمكن من الحصول على المعلومات بعد نجاحه في الإمساك بخلية تابعة للتنظيم قبل عدة أشهر في مدينة حمص، كانت قادمة من منطقة البادية السورية»، ما يشير إلى استراتيجية يعمل عليها التنظيم للتغلغل من المناطق الصحراوية إلى المراكز الحضرية.

وبعد يوم واحد من الهجوم على الكنيسة، أعلنت وزارة الداخلية السورية، في 23 يونيو (حزيران) 2025، أنها نفّذت «عملية دقيقة» بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة لتعقّب واستهداف أوكار «داعش» في دمشق وريفها، «خصوصاً التي نفذت الهجوم الإرهابي على كنيسة القديس مار إلياس».

ويقوم مخطط «داعش»، وفق المصدر، على تنفيذ عمل عسكري واسع ومفاجئ، من خلال السيطرة على عدة أحياء في مدن رئيسية في وقت واحد، وكانت نقطة الانطلاق، بحسب الكشف الأمني، ستكون حمص. وقال: «كان تفكيك الخلايا مهمّاً جداً، إذ عززنا الوجود العسكري في حمص وأريافها، وهي ضربة استباقية مهمة لإحباط مخططات التنظيم وتعزيز الاستقرار في سوريا». وتابع: «من ضمن الأهداف التكتيكية لـ(داعش) أيضاً، استهداف أماكن عبادة ومقامات دينية للعلويين والمرشديين والمسيحيين، لإحراج الحكومة السورية، والإيحاء بأن البلاد غير آمنة». وهي استراتيجية اشتهر بها التنظيم في سوريا، وقبلها في العراق، لمحاولة تأجيج الفتنة الطائفية والدينية، وبالتالي تقويض السلطة الحكومية وإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها ومقدساتهم، ما يخدم أجندة التنظيم في إثارة الفوضى وتجنيد المزيد من الأفراد، وفق المصدر.

وكانت تقارير محلية قد أشارت إلى أن تنظيم «داعش» كثّف نشاطه لإعادة هيكلته من جديد، بعد فترة من السبات والترقّب، وهي معلومات لا تزال تحتاج إلى المزيد من التحقق من مصادر مستقلة.

أولوية «داعش»، بحسب معلومات الجيش السوري، والتأثير المأساوي لتفجير الكنيسة الأرثوذكسية، ينسجمان إلى حد بعيد مع الاتهام الفوري الذي وجّهته الحكومة السورية للتنظيم، وحمّلته مسؤولية العملية الدموية، قبل أن تعلن اعتقال أفراد قالت إنهم ينتمون إليه.

فرضيات متقاربة متضاربة

بينما يُعد تفجير «مار إلياس» أول عمل إرهابي من هذا النوع يستهدف مصلّين في كنيسة دمشقية منذ عام 1860،

أيّد كثيرون الرواية الحكومية، سيما وأن خطر «داعش» قائم. لكن مصادر مطلعة اعتبرت أن الحادث وإن اعتمد أساليب مشابهة، إلا أنه لا يتوافق مع «أدبيات داعش» أو منهجه في سوريا عموماً وتحديداً في هذه المرحلة.

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «(داعش) لم يسبق له استهداف الكنائس بهذه الطريقة في مناطق سيطرته داخل الأراضي السورية»، مشيرة إلى أن التنظيم «لن يحقق فائدة من ضرب الكنائس بينما يخوض حرباً ضد حكومة الشرع، لتجنب المزيد من النفور الاجتماعي منه». ومنذ بدايات انتشاره في البلدات السورية، كان التنظيم الإرهابي يقوم بتحطيم الصلبان وتكسير أسوار الكنائس ومحتوياتها ورفع رايات التنظيم فوقها. وحدث ذلك في محافظات دير الزور وريفي حمص وإدلب في فترات متباعدة.

وإلى ذلك فإن الكنائس عموماً لم تكن بمنأى عن الاستهداف والقصف من قبل النظام السابق.

ولكن اليوم وبحسب المصادر يركّز «داعش» على أولوية مختلفة، إذ يعمل على «إيذاء مَن يعتبرهم أعداءه من الشخصيات التي تشغل مناصب مهمة في حكومة الشرع». وقالت المصادر إن «أشخاصاً مطّلعين على أدوات عمل التنظيم، وحركته في مناطقه لا يرونه مهتمّاً حاليّاً بتفجير الكنائس ودور العبادة، بل بضرب الحكومة بشكل مباشر».

ويرى كثيرون أن العداء المعلن بين دمشق والتنظيمات المتطرفة، لا سيما «داعش»، يعزّز من ثقة المجتمع الدولي بالحكومة السورية الجديدة، كما أن الأخيرة لا تتردد في اعتقال أفراد هذه الجماعات.

رواية «أهل السنة» الذين يصرّون على التشكيك في مسؤولية «داعش» عن تفجير الكنيسة، تلقي باللوم على متطرفين من جماعة «الدعاة»، وهم جزء من «سرايا أنصار السنة»، كانوا قد اعتُقلوا سابقاً على خلفية تجوالهم في مناطق مسيحية. الجماعة نفسها كانت قد ردّت على بيان الحكومة السورية الذي حمّل «داعش» مسؤولية التفجير، وقالت إن «الاستشهادي محمد زين العابدين أبو عثمان أقدم على تفجير كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بمدينة دمشق، مخلّفاً عشرات القتلى والجرحى». ووصفت الجماعة بيان الحكومة بأنه «ملفّق وعارٍ عن الصحة ولا يستند إلى دليل». وتوعّدت بأن «جنودها من استشهاديين وانغماسيين على أتم الجاهزية، عدةً وعدداً».

إلا أن وزارة الداخلية السورية واصلت محاولاتها لإثبات صحة روايتها الأولى عن مسؤولية «داعش»، وكشفت يوم 24 يونيو 2025 عن هوية منفذي التفجير وكانا قادمين من مخيم الهول.

حماسة التبني

مع حماسة الجماعة لاحتكار العملية ونفيها عن آخرين مثل «داعش»، لا يتوقف الحديث بين شخصيات مطلعة على طبيعة الجماعات الإرهابية حول حقيقة الجهة التي نفذت عملية الكنيسة. وتُفيد إحدى الفرضيات بأن مجموعة «الدعاة» قد نفذت العملية الانتحارية دون تخطيط مركزي على طريقة «الذئاب المنفردة» بدافع الغضب من تصرفات الأمن العام، الذي اعتقل عدداً من أعضائها بعد قيامهم بجولات «دعوية» في أحياء تقطنها أغلبية مسيحية. وشهدت تلك الجولات مشادات كلامية وتوتراً بين أفراد الجماعة وسكان محليين وشخصيات دينية مسيحية.

وتستند هذه الفرضية، التي تقاطعت حولها عدة مصادر، إلى أن «سرايا أنصار السنة» تبنّت العملية بعد تنفيذها فعلياً.

لكن مصادر أمنية استبعدت تماماً أن تكون عملية بهذا التأثير السياسي والأمني الكبير من تنفيذ جماعة غير تنظيم «داعش»، الذي تثبت خططه أنه يستهدف الحكومة، فيما تسارع الأخيرة إلى اعتباره خصمها الأول.

عزل «داعش» عن الحاضنة

تحاول السلطات السورية اليوم وبشتى الوسائل، عزل «داعش» عن حاضنته السابقة. ويقول وسطاء يعملون على تسهيل المصالحة بين الدولة السورية وأفراد كانوا منتسبين سابقاً للتنظيم، إن «أكثر من 150 شخصاً لم يثبت ارتكابهم جرائم ضد المدنيين، قد تخلّوا عن (داعش) وتم العفو عنهم».

وأوضح أحد هؤلاء الوسطاء، وهو من وجهاء العشائر السورية وفضّل عدم ذكر اسمه، تفاصيل مهمة في هذا السياق، إذ أكد أن «عدداً من المشمولين بالعفو انضموا إلى الدولة السورية بعد تزكية شخصيات دينية وعشائرية لهم». ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن السياسة التي تنتهجها الحكومة تعكس رغبتها في إعادة دمج عناصر التنظيم غير المتورطين بالدم في المجتمع، لفك ارتباطهم عن التنظيم والتخلص من الأفكار المتطرفة وسحب البساط في المقابل من تحت أقدام «داعش» من التحكم بهم، بما يسهم في إضعافه. وقال الوسيط لـ«الشرق الأوسط»: «طلبنا من الحكومة تسوية أوضاع أعضاء سابقين في (داعش) من غير المتورطين بجرائم، لتشجيع الآخرين على التخلي الكامل عن التنظيم (…) والحكومة تدرك أن الاستمرار في ملاحقتهم سيجعلهم يتمسكون به أكثر». واستدرك الوسيط: «بالطبع لا تزال الحكومة تلاحق شخصيات داعشية متورطة في أعمال عنف ضد هيئة تحرير الشام وضد المدنيين (…). هؤلاء لا شفاعة لهم».

الشرق الأوسط

——————————————–

الهويات الخائفة وسرديات المظلومية.. دراسة لجذور العنف في سوريا

25/6/2025

شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تصاعدا ملموسا في حوادث العنف الأهلي، وسط حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي يتداخل فيها البعد الطائفي مع العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية.

وفي هذا السياق، أصدر مركز عمران للدراسات الإستراتيجية دراسة تحليلية موسعة بعنوان “مؤشرات العنف الأهلي في سوريا.. مقاربة نفسية اجتماعية لبنية الصراع المحلي”، للباحثة حلا حاج علي، إذ سلطت الضوء على جذور العنف الأهلي وتداعياته، واستعرضت الآليات الكفيلة بتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.

واستعرضت الدراسة عددا من تجارب الدول بعد النزاعات، وحاولت أخذ الدروس الممكنة في بناء السلم الأهلي.

ومن أبرز التجارب التي عرضت لها الدراسة، تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كما استعرضت الدراسة خروج دول من النزاع وتحقيق السلام بمعنى إنهاء الحرب الأهلية فقط دون تأصيل للتعايش الحقيقي، مثل ما حدث في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكذلك في تونس وليبيا واليمن.

مع مقاربة ما سبق بالحالة السورية، تبدو هذه الأخيرة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العنف السياسي مع البنية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع والتهميش، إذ راكمت سنوات الصراع في سوريا أنماطا متنوعة من الكراهية وعدم الثقة، أضيفت إلى إرث الحقد الناتج عن سياسات الاستبداد والظلم ما قبل الثورة.

ما يُميّز الدراسة هو تبنيها مقاربة نفسية اجتماعية لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في تحليل روافد الصراع والهويات القلقة، وتسلط الضوء على أدوار الجهات الأمنية والمؤسسات المحلية وآليات العدالة الانتقالية والمجتمع المدني في التصدي لهذه الظاهرة.

كما تقدم قراءة معمقة للخطابات المغذية للعنف وتوزع الحوادث على المستويات الجغرافية والاجتماعية، مع اقتراح حزمة سياسات إصلاحية.

تحليل بنية العنف.. الهويات الخائفة وسرديات المظلومية

واعتمدت الدراسة على توثيق 50 حادثة عنف أهلي خلال فترة زمنية محددة، شملت نماذج مختلفة من العنف “التقليدي” المباشر (كالصدامات المسلحة والاشتباكات المحلية)، والعنف “غير المباشر” أو الرقمي، الذي يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابات التحريضية.

وتراوحت دوافع هذه الحوادث بين الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية والسياسية، إلا أن الدافع الطائفي تصدر المشهد بنسبة 56% من مجموع الحالات المرصودة، في مؤشر خطِر على هشاشة النسيج الاجتماعي.

كما تركزت هذه الحوادث في مناطق ذات تركيبة سكانية متداخلة، يغلب عليها سجل من التعددية وصراعات الولاءات، ما يعكس وجود واقع اجتماعي هش قابل للاشتعال مع كل أزمة أو شرارة.

تذهب الدراسة إلى أن تصاعد مشاعر القلق والخوف ضمن مجموعات سكانية معينة يدفع الأفراد إلى البحث عن الحماية في الهويات الفرعية الضيقة (دينية، طائفية، أو قبلية)، ما يؤدي إلى تكريس الاستقطاب وإضعاف أشكال المواطنة الجامعة. كما خلصت الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، يجرى فيها تبادل الاتهامات والتحريض وترويج روايات المظلومية من كافة الأطراف.

ومن الملاحظ -بحسب الدراسة- غياب ثنائية واضحة بين “ضحية” و”جلاد”، حيث يمتلك كل طرف خطابا متماسكا عن مظلوميته وطموحاته، مع انتشار ظاهرة العدالة الانتقائية واستغلال رواية “الحق” لإقصاء الخصوم وتبرير العنف. كما تؤكد الدراسة، أن هذه الانقسامات الهوياتية تُنتج واقعا اجتماعيا متصدعا يصعب تجاوزه دون مشروع وطني جامع.

العوامل المغذية للعنف

تحدّد الدراسة جملة من العوامل التي تُسهم في إذكاء مظاهر العنف الأهلي في سوريا، من أهمها:

    ضعف دور الدولة المركزية: وغياب سلطة القانون وانتشار السلاح بين المدنيين بما يسمح باندلاع المواجهات بسهولة.

    تراجع الثقة في المؤسسات الأمنية: بفعل ممارسات سابقة ارتبطت بالقمع أو المحاباة أو الفساد، ما يجعل المواطن ينظر إلى الأجهزة الأمنية كجهة غير محايدة.

    تضارب مصالح القوى المحلية: إذ تلعب الولاءات الضيقة (طائفية، عشائرية، حزبية) دورا رئيسيا في تحريك النزاعات.

    العامل الاقتصادي: الأزمات المعيشية وغياب العدالة في توزيع الموارد تؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية وتصاعد النزاعات على الموارد المحدودة.

    انتشار الخطابات التحريضية: خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الضوابط اللازمة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى خزان للكراهية والاستقطاب.

توصيات عملية لتعزيز السلم الأهلي

في ضوء ما سبق، قدمت الدراسة حزمة شاملة من التوصيات العملية للجهات الحكومية والمجتمع المدني وصناع القرار، من أبرزها:

    تفكيك العنف الرمزي وإعادة بناء الذاكرة الجمعية

    أكدت الدراسة ضرورة مراجعة الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تحمل مضامين إقصائية أو تبث الكراهية، وإشراك المختصين التربويين والنفسيين في مراجعة المناهج المدرسية وتعزيز قيم التسامح والسلم المجتمعي. كما أوصت بدعم المبادرات الفنية والثقافية التي تعيد صياغة روايات الحرب بصورة إنسانية جامعة.

    إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء ثقة المواطن

    دعت الدراسة إلى إعادة هيكلة العقيدة الأمنية، بحيث تتحول من “فرض الأمن” إلى “حماية المواطن”، وتفعيل دور الرقابة المجتمعية والتدريب المشترك بين الأمنيين والمدنيين لتعزيز ثقافة الشراكة.

    هندسة هوية وطنية جامعة

    شددت على أهمية إطلاق حوارات وطنية شاملة، تراعي حساسيات الماضي واحتياجات جميع المكونات، بهدف صياغة ميثاق وطني جديد تضمن فيه العدالة في التمثيل وعدم الإقصاء.

    توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتعزيز اللامركزية

    طالبت بإعطاء مجالس الإدارة المحلية صلاحيات أوسع باستخدام أدوات رقمية لتعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على الخدمات والموارد.

    تفعيل عدالة انتقالية شاملة

    أوصت الدراسة بإعطاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دورا أكبر في جبر الضرر ومعالجة ملفات الضحايا والمغيبين، جنبا إلى جنب مع إطلاق برامج اقتصادية تكافح آثار التهميش والإقصاء.

    دعم وتمكين المجتمع المدني

    أكدت أهمية توفير التمويل والإمكانات لمنظمات المجتمع المدني المستقلة، وإشراك الجاليات السورية في الخارج في جهود المصالحة وبناء المشاريع التنموية.

    تطوير الفضاء الرقمي للحوار

    حثت على دعم المنصات الرقمية المستقلة والمنتديات الحوارية، وسن تشريعات صارمة تجرم التحريض وخطاب الكراهية الرقمي، مع بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.

خاتمة

تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الطريق إلى السلم الأهلي في سوريا ليس دربا قصيرا، بل يتطلب شجاعة سياسية وإرادة جماعية ومشروعا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويلتزم بحقوق الإنسان والمساواة. وترى الدراسة أن التصدي لجذور العنف وتحقيق الاستقرار لن يتم من بإجراءات أمنية أو سياسية منعزلة، بل بمعالجة شاملة للانقسامات وإعادة بناء الثقة والذاكرة الجمعية.

وبذلك تضع الدراسة أمام صناع القرار والمجتمع السوري خارطة طريق عملية للتعافي المجتمعي، محذرة من أن تجاهل هذه التوصيات سيعني استمرار العنف الأهلي، وترسيخ الانقسامات، وعرقلة أيّ فرص حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس مستدامة من العدالة والسلام.

إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضرا على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك بحلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعا إستراتيجيا طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي لدى السوريين.

المصدر: الجزيرة

————————————–

امتحان لمستقبل التعددية في سوريا/ علي قاسم

ربما يكون الهجوم رسالة من الظلاميين بأنهم ما زالوا قادرين على التخريب لكن الأهم هو أن تُقابل الرسالة بإصرار وطني مضاد: سوريا لكل مكوناتها لا مجال فيها للقتل باسم أيّ عقيدة.

الخميس 2025/06/26

هول الفاجعة تجاوز الأرقام

التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي لم يكن مجرّد حادث أمني عابر، بل لحظة مفصلية تُعيد طرح سؤال التعايش في سوريا ما بعد الحرب. الهجوم، الذي أودى بحياة 25 شخصًا وأصاب العشرات، شكّل أول اعتداء من نوعه يستهدف كنيسة من الداخل منذ اندلاع النزاع عام 2011، في حدثٍ يعيد إلى الواجهة الهواجس القديمة – الجديدة المتعلقة بحماية الأقليات، وقدرة السلطة الانتقالية على ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة.

دمشق التي قاومت لعقد من الزمن جراح الحرب، تلقت ضربة في قلب مجتمعها المدني. الكنيسة، كمكان للسلام والسكينة، تحوّلت في لحظة إلى مسرح دموي. هذا التحول الصادم لا يهدد فقط النسيج المجتمعي، بل يطعن في صلب الوعود التي أطلقتها السلطة الجديدة حول إعادة الاعتبار لقيم الوحدة الوطنية وحماية التعدد.

وإن كان تنظيم “داعش” قد تبنّى الهجوم، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في هوية المنفذ، بل في بنية الرد. سوريا اليوم ليست تلك البلاد التي خنقتها المعادلات الطائفية والصراع المسلح وحده، بل بلد يحاول أن يضع نفسه على سكة انتقال سياسي، محكوم بلحظة اختبار عسير. كيف ستتفاعل السلطة مع هذا الخرق؟ وهل يكون الرد أمنيًا فقط أم سياسيًا وإنسانيًا أيضًا؟

المأساة لها بُعد ديني لا يمكن تجاهله. الطائفة المسيحية في سوريا، التي تراجع عدد أفرادها من حوالي مليون قبل عام 2011 إلى أقل من 300 ألف اليوم، لم تعد تشعر أنها مجرد أقلية سكانية، بل صارت تنظر لنفسها كأقلية معنوية مهددة بالغياب. حادثة كنيسة مار إلياس تُعمّق هذه المخاوف، وتضع مستقبل الوجود المسيحي في البلاد تحت مجهر القلق والشك. فهل السلطة الجديدة مستعدة لتفكيك هذا الهلع؟ هل تملك القدرة على بناء جسور الثقة مجددًا؟

ما يجعل الموقف أكثر تعقيدًا هو الطابع الرمزي للكنيسة نفسها، الواقعة في حي الدويلعة، الذي طالما كان نموذجًا للتمازج بين الطوائف. التفجير إذًا لم يكن عشوائيًا، بل هو مقصود في رمزيته؛ وهو محاولة لتفجير الشارع السوري من الداخل، عبر إحداث شرخ في نسيج مجتمعي مهلهل منذ سنوات الحرب. إنه استهداف صريح لوحدة سوريا الثقافية والدينية، وانزلاق خطير نحو نماذج أخرى من العنف الطائفي الذي شهدته مدن عربية متعددة في العقود الأخيرة.

إن التفجير، مهما كانت دوافعه، لا يستهدف الروم الأرثوذكس فحسب، بل يهدد ما تبقى من فسيفساء الانتماء السوري. وهو ما يفرض على السلطة الانتقالية أن تتعاطى معه كرؤية إستراتيجية، لا حادثًا أمنيا معزولا. إعادة بناء الثقة المجتمعية تبدأ من هنا.

ربما يكون هذا الهجوم رسالة من الظلاميين بأنهم ما زالوا قادرين على تخريب ما يُبنى ببطء، لكن الأهم هو أن تُقابل هذه الرسالة بإصرار وطني مضاد: سوريا لكل مكوناتها، لا مجال فيها للقتل باسم أيّ عقيدة.

صدى هذا الحادث لم يبقَ داخل سوريا. التنديد الواسع من المجتمع الدولي ـ من الأمم المتحدة، إلى فرنسا، إلى الأزهر الشريف ـ يعكس القلق العالمي من أن تنتكس سوريا إلى دوامة الإرهاب والفوضى. كما يظهر الحاجة الماسة إلى تعزيز آليات الحماية المدنية، وليس فقط الأمنية، وإعادة التفكير بمنظومة العدالة والحوكمة في البلاد.

الإدانات الدولية جاءت حازمة، لكن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس التضامن العابر، بل دعم صريح لمسار يعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها هوية جامعة، لا خنادق فرعية. الأقليات في هذا السياق ليست “ملفات” يجري احتواؤها سياسيًا، بل شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة.

الكلمات لا تكفي؛ المطلوب بناء رؤية سورية شاملة تُعامل الكنيسة كما تُعامل المسجد، وتُساوي بين دم المسلم والمسيحي، وتكفل الحياة الكريمة لكل السوريين، دون أن يضطروا للهجرة أو الخوف على حريتهم الدينية.

الإرهاب لا يُواجه فقط بالسلاح، بل بالتعليم، والانفتاح، ومكافحة الفقر، وإعادة بناء روح المواطنة. السلطة الجديدة، إن أرادت أن تثبت جدارتها، فعليها أن تستثمر هذه اللحظة المفجعة لا ككارثة فقط، بل كنقطة تحول. الاعتراف بالتقصير بداية، والاستماع لصوت العائلات المنكوبة، وتحقيق العدالة بشفافية، قد يُعيد بعضًا من الثقة المفقودة. لكن الأهم، هو الالتزام الصارم بعدم تكرار هذه المجازر، وعدم السماح لتحوّل الكنائس والمساجد إلى ساحة حرب بدلاً من أن تكون ملاذًا للسلام.

إن هول هذه الفاجعة يتجاوز الأرقام. إنها لحظة تأمل جماعية ـ لسوريا، وللعالم ـ حول معنى الحماية، التعدد، والعدالة. فأمام أنقاض كنيسة مار إلياس، لا نودع فقط الضحايا، بل نودع وهمًا كنا نتمسك به: أن الحرب قد انتهت. والحقيقة أن الحرب الحقيقية تبدأ عندما لا نستطيع حماية السلام الذي نحاول صنعه.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب

————————

الداخلية السورية تنشر صورة لأحد منفذَي تفجير الكنيسة: قدما من مخيم الهول

دبي – العربية.نت

24 يونيو ,2025

كشفت وزارة الداخلية السورية تفاصيل جديدة عن منفذَي تفجير كنيسة مار إلياس الذي هزّ دمشق الأحد الماضي، وخلّف 25 ضحية.

“بطل الكنيسة”.. مهندس انكب بجسده على الانتحاري وشغل السوريين

سوريا “بطل الكنيسة”.. مهندس انكب بجسده على الانتحاري وشغل السوريين

“قدما من مخيم الهول عبر البادية”

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الثلاثاء، إن منفذي الهجوم قدما من مخيم الهول عبر البادية.

كما أضاف في مؤتمر صحافي أن عملية مداهمة نفذتها القوات الأمنية، وشملت أوكارا للتنظيم تضم مستودعات أسلحة ومتفجرات، بعضها كان معدا لاستخدامه في تفجيرات داخل العاصمة.

    المتحدث باسم وزارة الداخلية:

    6️⃣أما الانتحاريان فالأول الذي نفذ تفجير الكنيسة الغادر، والثاني الذي ألقي القبض عليه وهو في طريقه لتنفيذ تفجير انتحاري في مقام السيدة زينب في ريف دمشق.. #سانا pic.twitter.com/xVP6nnQcNB

    — الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا (@Sana__gov) June 24, 2025

وتابع أنه تم تحييد أحد المتورطين في تفجير كنيسة مار إلياس، واعتقال انتحاري كان يخطط لتفجير نفسه في مقام السيدة زينب بريف دمشق، وفقا لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”.

أيضا أكد ضبط دراجة نارية مفخخة كانت مجهزة لاستهداف أحد التجمعات المدنية في دمشق.

كذلك أوضح أن التحقيقات أظهرت أن الخلية تابعة رسميا لتنظيم داعش، ويتزعمها محمد عبد الإله الجميلي (أبو عماد الجميلي)، الملقب بـ”والي الصحراء”، وهو من سكان الحجر الأسود.

    المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا: الخلية التي هاجمت كنيسة مار إلياس في دمشق تتبع تنظيم داعش الإرهابي #دمشق#سوريا#قناة_الحدث pic.twitter.com/ZF1o3Tfulw

    — ا لـحـدث (@AlHadath) June 24, 2025

وكشف عن أن الانتحاريين اللذين نفذا تفجير الكنيسة ليسا سوريين، وقدما من مخيم الهول عبر البادية بمساعدة الجميلي، مستغلين الفراغ الأمني عقب التحرير.

وأعلن تحديد هوية من أوصل الانتحاري إلى الكنيسة، ومداهمة مكانه، ما أدى إلى اشتباك أسفر عن تحييد أحد أفراد الخلية وإصابة آخر.

“تنظيم أنصار السنة” وهمي

فيما قادت اعترافات الانتحاري الموقوف إلى اعتقال الجميلي، ومداهمة أربعة أوكار إضافية، وضبط مزيد من المتفجرات، وإحباط مخطط تفجيري جديد.

    تشييع تسعة من جثامين ضحايا التفجير الإرهابي في كنيسة مار إلياس بدمشق

    التفاصيل على الرابط:https://t.co/RN4lhvqpL7#سانا pic.twitter.com/kuzm3Q3EkX

    — الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا (@Sana__gov) June 24, 2025

ونشرت الداخلية أول صورة لأحد منفذي العملية الانتحارية، وقالت إنهما انتحاريان، أحدهما نفذ تفجير الكنيسة، والثاني الذي ألقي القبض عليه وهو في طريقه لتنفيذ تفجير انتحاري في مقام السيدة زينب في ريف دمشق.

كذلك أكد البابا أن ما يسمى “تنظيم أنصار السنة” الذي أصدر بيانا تبنى فيه العملية، هو تنظيم وهمي ولا أساس له، مؤكداً أن العملية من تخطيط وتنفيذ تنظيم داعش.

“لن يجد الإرهاب فيها موطئ قدم”

إلى ذلك، أكدت وزارة الداخلية استمرارها في ملاحقة كل من يهدد أمن السوريين، مشيرة إلى أن مزيدًا من التفاصيل ستُعلن بعد انتهاء التحقيقات.

ولفتت إلى أن “سوريا كانت وستبقى أرضا للتسامح والسلام.. ولن يجد الإرهاب فيها موطئ قدم”، بحسب ما جاء في ختام بيان الداخلية.

وكان هجوم الكنيسة أسفر، حسب وزارة الصحة السورية، أمس الاثنين، عن مقتل 25 شخصاً على الأقل.

فيما تعهّد الرئيس السوري، بأن ينال المتورطون في الهجوم الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس “جزاءهم العادل”، داعيا السوريين إلى “التكاتف والوحدة” بمواجهة كل ما يهدد استقرار البلاد، غداة نسب الهجوم إلى عنصر تابع لتنظيم “داعش”.

وتقع كنيسة مار إلياس إلى جانب عدد من الكنائس في حي دويلعة، الذي يعتبر أغلب سكانه من أتباع الديانة المسيحية.

وهذا أول تفجير يطال دورا للعبادة إسلامية ومسيحية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر الماضي.

—————————————

نحن بحاجة الى انتفاضة ثقافة ووعي في مواجهة التطرف والتخلف

المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

القدس 23/6/2025

ان الاعتداء الغاشم الذي تعرضت له كنيسة مار الياس للروم الأرثوذكس في دمشق يوم امس انما هو مؤشر خطير للغاية ان دل على شيء فهو يدل ان في سوريا وفي غيرها من البلدان في منطقتنا العربية هنالك قنبلة موقوتة يراد من خلالها اثارة الرعب والخوف والهلع لدى المسيحيين وغيرهم من المواطنين.

انه مخطط شيطاني تؤججه وتموله وتغذيه جهات استعمارية مشبوهة هدفها افراغ منطقتنا العربية من المسيحيين وغيرهم من المواطنين والذين هم مكون أساسي من مكونات امتنا ومشرقنا .

ان ما حدث البارحة في دمشق انما هو مؤشر خطير ليس فقط لما يحدث في سوريا بل أيضا لما قد يحدث في أي مكان في منطقتنا العربية لا سيما ان أولئك الذين يتبنون الفكر الداعشي الاقصائي هم موجودون في كل مكان ، ويمكن ان يكونوا خلايا نائمة في بعض الأماكن قد يتم ايقاذها في الوقت الذي تريد الجهات الموجهة والممولة ذلك.

ليست المرة الأولى التي يعتدى فيها على الكنائس وعلى غيرها من دور العبادة في هذا المشرق ويبدو انها لن تكون الأخيرة اذا لم تتخذ التدابير الوقائية والإجراءات الهادفة لاقتلاع هذا الفكر الداعشي الهدام من مجتمعنا وهو فكر يندرج في اطار التآمر على امتنا وقضاياها العادلة وفي المقدمة منها قضية فلسطين .

فبدلا من ان نكون جميعا موحدين في دفاعنا عن قضايانا الوطنية وفي المقدمة منها قضية فلسطين والمناداة بوقف حرب الإبادة في غزة ، فإن أعداء هذه الامة بكافة مسمياتهم واوصافهم يسعون لتقسيمنا وشرذمتنا وتفكيكنا تحت شعارات دينية وتحت غطاء ديني والدين من كل هذا براء .

ان هجرة المسيحيين من هذا المشرق هي مستمرة ومتواصلة فهنالك تراجع دراماتيكي في اعداد المسيحيين ليس فقط في فلسطين بل أيضا في الأقطار العربية التي تحيط بنا حيث بات المسيحيون لا يشعرون بالامن والأمان في ظل انتشار غير مسبوق للخطاب الداعشي الاقصائي الهمجي والغير انساني.

وهنا نطرح السؤال التالي ما هو الحل وكيف يمكن مواجهة هذه المعضلة:

– أولا ان الجرائم الإرهابية التي استهدفت الكنائس كما وغيرها من دور العبادة في هذا المشرق وفي حقب تاريخية متعددة يجب اعتبارها تعد على الامة كلها وليس على طرف دون الاخر ، والاعتداء الذي طال كنيسة مار الياس في دمشق يوم امس هو اعتداء على سوريا كلها واعتداء على الامة كلها واعتداء مباشر على الحضور المسيحي العريق والاصيل في هذا المشرق.

– نقدر عاليا بيانات الشجب والاستنكار التي صدرت ومن كافة المرجعيات الروحية المسيحية والإسلامية فهذا موقف يجب ان ينادي به الجميع ويتبناه كل انسان حر ولكن بيانات الشجب والاستنكار لوحدها ليست كافية اذا لم تكن مقرونة بمبادرات خلاقة هادفة لمحاصرة هذا الفكر الهمجي الدموي الذي يحلل دم كل انسان يختلف معهم في الرأي سواء كان مسيحيا او غير ذلك.

– هنالك أهمية كبرى ان تقوم المؤسسات الدينية بدورها المأمول في توعية الأجيال فشبابنا يجب ان يتعلموا بأن الدين الحقيقي هو ليس اقصاء للاخر بل هو محبة ورحمة وإنسانية ولا يجوز ان تترسخ في نفوس وعقول ابناءنا ثقافة الاقصاء والكراهية تجاه الاخر الذي يختلف عنا في معتقده او دينه.

– ان التفجير الأخير وغيره أيضا من المظاهر السلبية ان دلت على شيء فهي تدل على اننا بحاجة الى انتفاضة ثقافية فكرية في مجتمعاتنا لكي لا يكون ابناءنا ضحية للجهل والتخلف .

– الثقافة والمعرفة هي ركن أساسي من اركان بناء الأوطان ، وبغياب الثقافة والمعرفة يكون الانسان عدو ما يجهل وفي كثير من الأحيان نلحظ ان ظاهرة الجهل منتشرة في اكثر من مكان في هذا المشرق .

– ان غياب المسيحيين وهجرتهم من منطقتنا العربية انما هي خسارة لهذا المشرق كله بكافة مكوناته فهي ليست خسارة للكنائس وللمسيحيين لوحدهم الذين يخسرون اوطانهم بل هي خسارة لهذه الأوطان التي تخسر مكون أساسي من مكوناتها ومن يقرأ التاريخ يعرف جيدا ما قدمه المسيحيون كما وغيرهم من ابداعات وثقافة ورقي ومساهمات بارزة في تحرير الأوطان من الاستعمار وفي الدفاع عن قضايا الامة وفي المقدمة منها قضية فلسطين.

– ان ما حدث البارحة في دمشق انما يدق ناقوس الخطر وهو انه ليس فقط المسيحيون في خطر بل الأوطان في خطر والعروبة في خطر وكل شيء جميل وحضاري في مشرقنا في خطر ولا يجوز لنا ان نستسلم لاولئك الذين يريدوننا ان نكون غارقين في هذه الاخطار وفي هذه المظاهر السلبية والمأساوية والكارثية .

– ان شهداء كنيسة دمشق هم قديسون جدد وأولئك الذين قاموا بهذه الجريمة ظنا منهم انها ستدخلهم الى الجنة فهم في الواقع قد خسروا الجنة وذهبوا الى مزابل التاريخ لان ما اقدموا عليه لا يحلله أي دين ولا تقبل به اية قيم إنسانية او أخلاقية او حضارية .

– كم نحن بحاجة للثقافة وتكريس القيم الإنسانية والروحية النبيلة في هذا الزمن الرديء الذي فيه يراد حرف بوصلتنا وتشويه انتماءنا والنيل من عراقة وجودنا.

– أقول للمسيحيين في هذا المشرق وخاصة في سوريا بأنه في حقب الاضطهادات التي تعرضت لها الكنيسة لم تتمكن اية قوة غاشمة من النيل من مكانة الكنيسة وحضورها ورسالتها ومهما سعوا لاضطهادنا والنيل من حضورنا فنحن باقون في ديارنا وفي مشرقنا وستبقى كنائسنا حاملة لرسالة المحبة والاخوة والسلام رغما عن كل آلامنا واوجاعنا واحزاننا .

– أقول للمسيحيين في هذا المشرق كونوا على قدر كبير من الوعي والرصانة والتمسك بانتماءكم الروحي وهويتكم المشرقية والوطنية فلا تسمحوا لقوى الشر في هذا العالم من ان تنال من اصالة وجودكم وجذوركم العميقة في تربة هذا المشرق .

– رحم الله شهداء كنيسة دمشق ومنح الجرحى شفاء وعزى قلوب ذويهم مع تمنياتنا بأن تقوم السلطات الحاكمة في دمشق بالإجراءات المطلوبة لكي لا تتكرر هذه المشاهد الدموية .

– ونحن في القدس نقول لمن يجب ان تصله رسالتنا بأننا هنا باقون وستبقى أجراس كنائسنا تقرع وسيبقى حضورنا المسيحي (وان كنا قلة في عددنا) حضورا فاعلا في الخدمة والعطاء والتعبير عن الثوابت الوطنية والانتماء الوطني الأصيل والمناداة بتحقيق العدالة في هذه الديار ووقف حرب الإبادة.

– لاولئك الذين يتفننون في احزمتهم الناسفة وفي توجيه رصاصاتهم الغادرة أقول لهم بأن الله محبة وانتم في حالة تيه وضياع .

– لا للارهاب لا للعنف لا للقتل لا للحروب ولاستهداف دور العبادة ، نعم للمحبة والرحمة والاخوة الإنسانية ، نعم للدولة المدنية التي تحترم حقوق مواطنيها جميعا.

– نعم لفلسطين الحرة ونعم لوقف حرب الإبادة التي تستهدف أهلنا في غزة.

المطران عطا الله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

القدس

————————————–

قداس يتحوّل إلى مجزرة: هجوم إرهابي على كنيسة بدمشق

في هجوم إرهابي هو الأعنف في العاصمة السورية منذ إسقاط النظام السابق، استهدف انتحاري كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق، مساء الأحد 22 حزيران/يونيو 2025، ما أسفر عن مقتل 25 مدنيًا على الأقل وإصابة 63 آخرين بجروح متفاوتة، وفق ما أعلنت وزارة الصحة السورية.

وقالت وزارة الداخلية في بيان رسمي إن “انتحاريًا يتبع لتنظيم داعش الإرهابي دخل الكنيسة أثناء إقامة قداس الأحد، وأطلق النار من سلاح خفيف، قبل أن يفجّر نفسه بواسطة سترة ناسفة”، مشيرة إلى أن الوحدات المختصة باشرت التحقيقات وجمع الأدلة.

روايات شهود عيان أوردتها عدة وسائل إعلام دولية ومحلية، أكدت أن المهاجم استغل توقيت وجود العشرات من المصلين داخل الكنيسة، وفتح النار بشكل عشوائي قبل تنفيذ التفجير، وسط حالة من الذعر والفوضى.

فرق الدفاع المدني والإسعاف هرعت إلى المكان، وبدأت بإخلاء الضحايا ونقلهم إلى المستشفيات. وفرضت قوات الأمن طوقًا مشددًا حول موقع الهجوم، في حين لا تزال التحقيقات جارية لتحديد هوية المنفّذ ومعرفة ما إذا كان هناك شركاء له.

أعلنت الرئاسة السورية الحداد الرسمي لثلاثة أيام، وتنكيس الأعلام في جميع المؤسسات، فيما وصفت الجريمة بأنها “استهداف ممنهج لمدنيين عُزّل داخل دور عبادة”.

الهجوم استدعى ردود فعل دولية وعربية واسعة؛ فقد أدان المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، الهجوم بأشد العبارات، داعيًا إلى تحقيق شامل، ومؤكدًا ضرورة حماية دور العبادة ورفض العنف بجميع أشكاله.

الولايات المتحدة، من جهتها، أدانت الهجوم وعبّرت عن تضامنها مع أسر الضحايا، مؤكدة دعمها لسوريا في مواجهة من يسعون إلى زعزعة الاستقرار. كما أصدرت دول عدة، منها ألمانيا، فرنسا، السعودية، قطر، تركيا، والإمارات، بيانات إدانة صريحة، شددت فيها على رفض استهداف المدنيين وأماكن العبادة، وعلى أهمية تعزيز الأمن المجتمعي في البلاد.

هذا التفجير لم يكن مجرّد حادث إرهابي عابر، بل هو مؤشر على أن الجماعات الإرهابية لا تزال تحتفظ بقدرات تنفيذية قادرة على ضرب قلب العاصمة، مستهدفة المدنيين في أكثر الأماكن قداسة وأمانًا. العملية تكشف هشاشة الواقع الأمني في سوريا الجديدة، وتُبرز التحديات الجدية التي تواجه الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين ومقدساتهم.

في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء الدولة وتعزيز الاستقرار بعد إسقاط النظام البائد، يطرح هذا الهجوم أسئلة جذرية عن جدوى الإجراءات الأمنية المتخذة وقدرتها على مواجهة الإرهاب المنظم. كما يسلط الضوء على ضرورة تكثيف التعاون الإقليمي والدولي لاحتواء الخلايا النائمة ومنع أي محاولة لاستغلال الفوضى لاستمرار العنف.

التفجير هو اختبار حقيقي لمصداقية سوريا الجديدة في الحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها، ويدعو إلى مراجعة استراتيجية الأمن الداخلي بما يضمن حماية الأماكن الدينية والمدنيين على حد سواء، في مواجهة خطر لا يزال قائمًا.

————————————-

تفجير كنيسة مار إلياس يسلط الضوء على تحديات الأمن والمواطنة في سوريا الجديدة

24 يونيو 2025

أثار التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة جنوب شرقي دمشق موجة غضبٍ وحزنٍ عارمين، وسط دعوات للرئيس أحمد الشرع بمحاسبة الفاعلين، وتعالي الأصوات التي حوّلت المطالبات إلى تساؤلات جادة حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومصير الحريات الدينية في سوريا الجديدة، بحسب شهادات ناجيات وناجين تحدثوا لوكالة الأنباء الفرنسية.

وكانت وزارة الداخلية قد قالت، أمس الأحد، إن انتحاريًا تابعًا لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) اقتحم كنيسة القديس مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، حيث أطلق النار على المتواجدين داخلها، قبل أن يفجّر نفسه بحزام ناسف، مما أسفر عن مقتل 25 شخصًا، وإصابة نحو 63 آخرين بجروح.

أود العيش في سوريا

تشير الوكالة الفرنسية في مقدمة تقريرها إلى أن لور نصر (35 عامًا) فقدت ثمانية أفراد من عائلتها، بينهم زوجها، جراء التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار الياس في حي الدويلعة، مطالبةً الرئيس أحمد الشرع بمحاسبة المعتدين.

ومن باحة منزلها في الدويلعة، تقول نصر للوكالة الفرنسية: “أريد أن يأخذ أحمد الشرع بنفسه حقي”، وأردفت متسائلة: “أليس هو الرئيس؟ ألم نصبح في دولة ديمقراطية؟”. وأضافت السيدة: “دخل (الانتحاري) إلى بيت الله وأطلق النار علينا”.

وأكدت نصر أنه لولا اعتراض زوجها وشقيقه للانتحاري بعد دخوله الكنيسة وتفجيره نفسه بهما، “لكنا متنا جميعًا”. وأضافت متسائلة: “ماذا فعلوا غير إلحاق الضرر بنا؟”، مشيرة إلى أن “ثمانية من عائلة العوض بشارة قُتلوا، بينهم زوجي وشقيقه وشقيقتهما”.

ومع ذلك، تتمسك نصر بفكرة البقاء في بلدها رغم خسارتها، وتقول: “ليُحقّق أحمد الشرع في القضية، ولا يسمح بأن يموت أحد بعد بسبب هذه الأعمال الإرهابية”، داعيةً الرئيس السوري إلى “إلغاء داعش من سوريا”، ومؤكدة: “أنا سورية مسيحية، أود العيش في سوريا رغمًا عمّن يرضى ومن لا يرضى”.

وأكد الشرع في بيان صادر، أمس الإثنين، على أهمية “التكاتف والوحدة، حكومة وشعبا، في مواجهة كل ما يهدد أمننا واستقرار وطننا”، لافتًا إلى أنه سيتم العمل على “ضبط كل من شارك وخطط لهذه الجريمة النكراء، وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل”.

الموت يحيط بنا من كل الجهات

تقول جيني الحداد (21 عامًا)، التي قتل والدها سيمون داخل الكنيسة، للوكالة الفرنسية: “لم يفعل أبي شيئًا. كان يصلي في الكنيسة. في حياته لم يحمل سلاحًا أو يحارب أحدًا”، مطالبة السلطات الجديدة بأن “تحاسب من فعل ذلك وتحمي الأقليات”، مضيفة “كنا نعلم أنه سيحين دورنا”.

وأضافت الفتاة في حديثها “ذنبه أنه كان يصلي. كل من كانوا يصلون لم يقترفوا ذنبًا”، مشيرة إلى أن والدها اعتاد الذهاب إلى الكنيسة يومي الأربعاء والأحد، مؤكدةً أن “لا شيء أصعب من أن تعيش في مكان لا تشعر فيه بالأمان”، معربة عن عدم رغبتها البقاء في البلاد بقولها: “أريد المغادرة لأن الموت يحيط بنا من كل الجهات”.

وعلى بعد أمتار جلست نسيبة لورا نصر تبكي زوجها الذي قضى أيضًا في الكنيسة، وقالت للوكالة الفرنسية متساءلةً: “لِمَ هذه الكأس يا ربي؟.. ماذا فعلنا؟ نحن دعاة سلام ومحبة.. ما هذا الكره كله؟”.

وفي الوقت الذي أُغلقت غالبية المحال التجارية أبوابها، أمس الإثنين، في الدويلعة حدادًا على الضحايا، كان شبان يلصقون أوراق نعي الضحايا على الجدران. وفي المقابل عمل عناصر الدفاع المدني في الكنيسة على جمع ما تبقى من أشلاء متناثرة ووضعها في أكياس، بعد رفع الجزء الأكبر من الركام ليلًا.

أريد من يوفر لي الأمان والمعيشة

وبحسب الوكالة الفرنسية، رغم أن السلطات الجديدة ذات التوجه الإسلامي لم تفرض رسميًا قيودًا على الحريات والسلوك الاجتماعي، لكن انتهاكات غالبًا ما تُوصف بأنها “فردية”، بالإضافة إلى بعض الإجراءات والقرارات الرسمية، تثير قلقًا وخشية من فرض قيود على نمط العيش والحريات الشخصية.

وكان إشكال وقع أمام كنيسة مار الياس في آذار/مارس الماضي، بعدما اعترض سكان على توقف سيارة دعوية بثّت عبر مكبر الصوت أناشيد إسلامية. وتدخل الأمن العام لاحقًا لاحتواء الوضع.

وقال نبراس يوسف (35 عامًا) الذي نجا من التفجير، لكنه فقد ستة من أصدقائه وجيرانه، للوكالة الفرنسية “اليوم لم تعد تتمكن من حماية نفسك، أو تشعر بالأمان حين تدخل إلى الكنيسة بعد تفجير مماثل”.

واعتبر يوسف أن “تراكم” تجاوزات عدة حصلت خلال الأشهر الماضية من دون تدخل السلطات للحد منها أدى إلى هذه النتيجة، مضيفًا “عندما لا تشعر بأمان في معتقداتك أو ممارسة شعائرك الدينية، فأنت مواطن درجة رابعة”، مؤكدًا في ختام حديثه “أريد من يوفر لي الأمان والمعيشة”.

الترا سوريا

———————————-

.

بطل الكنيسة”.. مهندس انكب بجسده على الانتحاري وشغل السوريين

دبي – العربية.نت

24 يونيو ,2025

منذ إعلان أسماء الضحايا الذين قضوا بالهجوم الإرهابي على كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة في دمشق، الأحد الماضي، لم يتوقف سوريون عن تداول اسم المهندس جريس جميل البشارة، الذي قضى محاولاً إيقاف المهاجم.

“بطل الكنيسة”

وبينما أطلق عليه العديد من السوريين على مواقع التواصل لقب “بطل الكنيسة”، أطلت زوجته تروي ما حدث.

فقد كشفت الزوجة المكلومة أن الانتحاري بدأ إطلاق النار خارج الكنيسة، وعندما سُمع الصوت التمّ المصلون حول بعضهم وانبطحوا أرضاً.

وتابعت أن المهاجم فتح الباب ودخل الكنيسة، فانطلق عليه زوجها وشقيقه محاولين إخراجه، فألقى عليهم قنبلة لكنها لم تنفجر، فحاول الأخوان بشارة تثبيته أرضاً لكن المهاجم فك الحزام الناسف في وجهيهما. وأكدت أن انفجاراً كبيراً دوى في الكنيسة، وأنها لم تستطع استيعاب ما حدث لكنها رأت أشلاء زوجها وشقيقه تتطاير أمامها.

زوجة جريس جبارة

كما شددت على أنها رأت بطن زوجها وكبده أمامها بعد التفجير، على حد تعبيرها.

وما إن كشفت تفاصيل ما جرى حتى انتشر اسم الراحل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتداولته حسابات كثيرة لسوريين أشادوا بما فعله وأطلقوا عليه لقب “البطل”، مؤكدين أنه لولا ردّة فعله وتدخّله الحكيم لكانت نتائج الكارثة أكبر بكثير.

وكانت وزارة الصحة السورية أكدت، أمس الاثنين، ارتفاع حصيلة الضحايا جراء إقدام انتحاري على تفجير نفسه داخل كنيسة في دمشق، الأحد، إلى عشرين شخصاً على الأقل.

بدوره، تعهّد الرئيس السوري، أحمد الشرع، الاثنين، أن ينال المتورطون في الهجوم الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس “جزاءهم العادل”، داعيا السوريين إلى “التكاتف والوحدة” بمواجهة كل ما يهدد استقرار البلاد، غداة نسب الهجوم إلى عنصر تابع لتنظيم “داعش”.

في حين اتهم مصدر أمني في دمشق، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، عناصر وفلول النظام السابق في سوريا بالوقوف خلف تفجير الكنيسة.

التفجير الأول

يذكر أن جريس البشارة هو المدير العام للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية في دمشق.

وتقع كنيسة مار إلياس إلى جانب عدد من الكنائس في حي دويلعة الذي يعتبر أغلب سكانه من أتباع الديانة المسيحية.

وهذا أول تفجير يطال دورا للعبادة إسلامية ومسيحية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر الماضي.

تابعوا آخر أخبار العربية عبر Google News

——————————–

«قسد» تنفي «ادعاءات حكومة دمشق» حول تفجير مار إلياس

أكدت «قسد» أنه «ليس هناك مغادرة لأي شخص من المخيم سوى الذين غادروا إلى الداخل السوري، بناءً على طلب حكومة دمشق، خلال الفترة الماضية، وجميعهم من السوريين».

الأربعاء 25 حزيران 2025

نفت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ما اعتبرته «ادعاءات» حكومة دمشق حول تفجير كنسية مار إلياس، مشدّدة على أن «هذه المعلومات غير صحيحة ولا تستند إلى حقائق أو مجريات حقيقية».

وأشارت «قسد»، في بيان اليوم، إلى إنه بعد «ادعاءات» وزارة الداخلية السورية بأن الانتحاريين الإرهابيين الذين هاجما كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة قدما من مخيم الهول، «بدأت الأجهزة المختصة في قوّاتنا بالتدقيق والتحقيق في سجلات القاطنين في مخيم الهول والمغادرين له خلال الفترة الماضية، حيث تم تأكيد أنه ليس هناك مغادرة لأي شخص من المخيم سوى الذين غادروا إلى الداخل السوري، بناءً على طلب حكومة دمشق، خلال الفترة الماضية، وجميعهم من السوريين».

وأضاف البيان أن الحال هو نفسه بالنسبة «للعراقيين الذين تم ترحيلهم إلى الأراضي العراقية وفق سجلات تقدم بها الجانب العراقي وتكفل بإيصالهم إلى مخيم الجدعة».

وأشار إلى أن «مخيم الهول يؤوي عائلات داعش من السوريين والأجانب، ومعظمهم من النساء والأطفال، ولا يؤوي في داخله الإرهابيين الأجانب، وهذا ما ينفي الفرضية التي تقدم بها المتحدث باسم وزارة الداخلية».

وإذ ترحمت على شهداء «مجزرة الدويلعة»، دعت قوات سوريا الديمقراطية «حكومة دمشق إلى إجراء تحقيقات شفافة ودقيقة وإعلانها للرأي العام مع الأدلة»، مؤكدةً أنها «السبيل الوحيد لمنع تكرار الهجمات الإرهابية».

ولفت البيان إلى أن «قسد» هي «القوّة السورية الوحيدة التي حاربت داعش وألحقت الهزيمة به في الباغوز عام 2019، ولا تزال تواصل مهامها المشتركة مع قوات التحالف الدولي ضد الإرهاب»، مؤكدة أنها «ملتزمة، وطنياً وأخلاقياً، بمواصلة هذه المهمة ومستعدة لتوسيع هذه المهمة عند الضرورة بالتنسيق مع قوات التحالف».

الأخبار

—————————-

 عقب تفجير الكنيسة.. شخصيات سورية مسيحية تدعو لمواجهة الفتنة وتعزيز السلم الأهلي

2025.06.26

أصدرت مجموعة من الشخصيات السورية المسيحية، بيانا مشتركا تعقيبا على تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، دعت فيه إلى درء الفتنة وتعزيز الوحدة الوطنية، مؤكدة أن المسيحيين السوريين جزء أصيل من الشعب السوري، وأنهم لعبوا دورًا وطنيًا بارزًا منذ انطلاق الثورة وحتى اليوم.

وأكد البيان أن الحادث “الإرهابي” الأخير وما تبعه من تداعيات مؤسفة يستدعي التحرك السريع والموحد، مشيرًا إلى أن هذه الشخصيات تنادت للتشاور من أجل ترسيخ السلم الأهلي بين أبناء الشعب الواحد.

وقدم الموقعون تعازيهم إلى الشعب السوري، وخصوصًا ذوي الضحايا، سائلين الله أن يحفظ سوريا وشعبها من الإرهاب، وأن يعبر بالبلاد إلى بر الأمان بعد سنوات من الكفاح والمعاناة.

وطالب البيان الدولة السورية بتكثيف جهودها في مكافحة الطائفية والتطرف، وتعزيز قيم المواطنة والعدالة والمساواة، مؤكدا في الوقت ذاته ضرورة إطلاق مسار العدالة الانتقالية دون تأخير.

وشدد الموقعون على أن المسيحيين السوريين كانوا دوما فاعلين في الحياة الوطنية، وأنهم أسهموا بوضوح في مسار الثورة السورية، من خلال دعمها الدولي، وكشف دعايات النظام وداعميه، والمساهمة في إطلاق مسارات محاسبة مرتكبي الجرائم بحق السوريين في أوروبا.

وجدد البيان استعداد الموقعين لدعم مشروع بناء دولة سورية عصرية، عبر تقديم المشورة والانفتاح على القوى السياسية والاجتماعية التي قاومت النظام المخلوع قبل وخلال الثورة، مشددًا على أهمية التشاور مع هذه الفعاليات لتحقيق الانتقال السياسي المنشود.

ودعا الموقعون مختلف القوى السياسية والدينية إلى تبني خطاب وحدوي مسؤول، يلتزم الحكمة والدقة في التصريحات، ويمنع أي محاولة لاختراق المجتمع السوري أو العبث بأمنه واستقراره.

وتابع الموقعون “كما نهيب بمختلف الفعاليات السياسية واالجتماعية والدينية توخي الحكمة و الدقة في أية تصريحات أو ردود أفعال وتبني رسالة تجمع ولا تفرق وتضع البلسم لا الملح على الجراح وتسد أي ثغرة يمكن أن يستغلها أو ينفذ منها من يريد العبث بأمن شعبنا ومستقبله ووحدته الوطنية والترابية”.

وختم البيان بالتأكيد على أن الدماء التي سُفكت في الهجوم الأخير ليست سوى استمرار لتضحيات السوريين في طريق التحرر، داعين إلى تحويل هذه التضحيات إلى رابط وطني مقدس يجمع الشعب السوري، ويقوده إلى بناء دولته الجديدة والمساهمة في حضارة إنسانية مشرقة.

ووقع على البيان الذي حصل تلفزيون سوريا على نسخة منه كل من :

    د. وائل العجي – أمين رابطة المحافظين الشرق أوسطيين وعضو مجلس إدارة المنتدى الأنطاكي للحوار وحقوق الإنسان

    جوني عبو – إعلامي وكاتب سوري

    جورج صبرة – سياسي سوري وقيادي في حزب الشعب الديمقراطي السوري

    ميرنا برق – مديرة منظمة “سوريون مسيحيون في سوريا والولايات المتحدة الأميركية”

    المحامي ميشيل شماس – عضو الجمعية السورية للقانون والعدالة

    أمجد حداد – ناشط سياسي وقيادي سابق في الجيش السوري الحر

    د. مروان خوري – مدير منظمة بردى الإنسانية وقيادي في التحالف السوري الديمقراطي

    جورج صطيفو – المنظمة الآثورية الديمقراطية

 تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق

والثلاثاء الماضي، كشفت وزارة الداخلية السورية تفاصيل العملية الأمنية التي نفذتها بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، والتي أسفرت عن كشف خلية مرتبطة بتنظيم “داعش” تقف خلف التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في العاصمة دمشق، وإحباط تفجير آخر كان يستهدف مقام السيدة زينب في ريف العاصمة.

وقال المتحدث باسم الداخلية السورية أن الانتحاري الذي نفّذ التفجير داخل كنيسة مار إلياس، والانتحاري الآخر الذي أُلقي القبض عليه قبل تنفيذ عمليته، وكلاهما غير سوريين، وصلا إلى دمشق عبر البادية السورية قادمين من مخيم الهول، وذلك بمساعدة الجميلي، مستغلين حالة الفراغ الأمني التي أعقبت تحرير العاصمة.

———————————

بيان بشأن الأحداث الأخيرة في سوريا:

في خضم الأحداث المفصلية التي يمر بها وطننا العزيز سوريا منذ سقوط نظام الطاغية، وكان آخرها الاعتداء الإرهابي على كنيسة مار الياس في دمشق وما أعقبه من تداعيات مؤسفة، فقد تنادت مجموعة من الشخصيات المسيحية الفاعلة في الشأن العام للتشاور والتحرك لدرء بوادر الفتنة ورأب الصدع وتعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد.

يتوجه الموقعون على هذا البيان بأحر التعازي لشعبنا السوري وخاصة ذوي الشهداء الذين قضوا في ذلك الحادث الإرهابي ونسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا وشعبنا من الإرهاب وأن يعبر بنا جميعاً إلى بر الأمن والسلام بعد طول كفاح ومعاناة دفع شعبنا ثمنها غاليا من الدماء والأرواح.

وفي هذا السياق، فإننا نطالب الدولة السورية بتكثيف وتسريع جهودها لمكافحة الطائفية والتطرف وترسيخ قيم المواطنة والعدالة والمساواة ونطالبها في نفس الوقت بإطلاق مسار العدالة الانتقالية بلا تأخير لنعبر جميعاً هذه المرحلة الحرجة بسلام.

كما نعلن أن المسيحيين السوريين هم جزء أصيل من هذا الشعب الذي اتصف عبر تاريخه الطويل بالنخوة و المروءة و الاعتدال. لقد لعب المسيحيون السوريون عبر تاريخهم الطويل أدوارا وطنية بارزة في خدمة بلادهم وبناء حضارتها وليس آخر هذه الأدوار المهمات المحورية التي قام بها كثير منهم في صفوف المعارضة و الثورة وأسهمت في حشد الدعم الدولي الثورة السورية ودحر دعاية الأسد وداعميه وإطلاق مسار ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الشعب السوري في أوروبا.

إننا إذ نذكر الدولة الجديدة بأن أيدينا ممدودة لتقديم كل أشكال الدعم والمشورة في سبيل بناء دولة عصرية تليق بشعبنا وتاريخه العريق، ننوه إلى ضرورة الانفتاح والتشاور بشكل أكبر على الفعاليات السياسية والاجتماعية التي قاومت نظام الطاغية قبل وخلال الثورة المباركة.

كما نهيب بمختلف الفعاليات السياسية والاجتماعية والدينية توخي الحكمة و الدقة في أية تصريحات أو ردود أفعال وتبني رسالة تجمع ولا تفرق وتضع البلسم لا الملح على الجراح وتسد أي ثغرة يمكن أن يستغلها أو ينفذ منها من يريد العبث بأمن شعبنا ومستقبله ووحدته الوطنية والترابية.

لقد قدم الشعب السوري دماء كثيرة في سبيل استرداد حريته و كرامته من براثن نظام طائفي متوحش، وما الدماء البريئة التي سفكتها يد الإرهاب مؤخراً إلا استمرار لمسيرة التحرر والبناء. فلنجعل جميعاً من هذه الدماء و التضحيات الغالية رباطا مقدسا يجمعنا كشعب واحد عريق يتطلع إلى بناء دولته الجديدة وتقديم صورة مشرقة للعالم أجمع والإسهام من جديد في بناء الحضارة الإنسانية كما فعل دائماً عبر تاريخه الطويل.

الموقعون:

د. وائل العجي، أمين رابطة المحافظين الشرق أوسطيين و عضو مجلس إدارة المنتدى الأنطاكي للحوار و حقوق الإنسان.

جوني عبو، إعلامي وكاتب سوريا.

جورج صبرة، سياسي سوري وقيادي في حزب الشعب الديمقراطي السوري.

ميرنا برق، مديرة منظمة سوريون مسيحيون في سوريا والولايات المتحدة الأميركية.

المحامي ميشيل شماس، عضو الجمعية السورية للقانون والعدالة.

أمجد حداد، ناشط سياسي و قيادي سابق في الجيش السوري الحر.

د. مروان خوري، مدير منظمة بردى الإنسانية.

جورج صطيفو، المنظمة الآثورية الديمقراطية.

————————————–

نكهة سورية مسيحية للمبدئية/ فؤاد مطر

28 يونيو 2025 م

هذا الجاني الذي اقتحم كنيسة مار إلياس في دمشق مساء الأحد الماضي، أثناء تأدية المصلين الصلاة، مُطْلقاً النار عشوائيّاً، ومفجِّراً نفسه بواسطة سترة ناسفة، ما أسفر عن مقتل 22 مصلِّياً، وإصابة العشرات بجراح بينهم أطفال وإشاعة الذعر في الكنيسة… هذا الجاني لو كان بدل الشحن التكفيري له قد وجد مَن يرشده إلى سواء السبيل، ويشجعه على أن يعرف ما التعايش الطوائفي، لما ارتكب هذا الإثم الذي مآله النار في الآخرة.

هذه الواقعة المؤلمة التي ذهب ضحيتها رجال ونساء مسنون، تجعلنا نستحضر من الذاكرة، ومن أوراق ووثائق ومحاضر جلسات ومؤلفات، كيف أن حقبة مضيئة من تاريخ سوريا الأربعينات والخمسينات كانت الطائفة المسيحية شريكة كل الطوائف، وتستوقفنا بالذات حالة، بل ظاهرة فارس الخوري المسيحي، الذي وُلد في بلدة الكفير اللبنانية، المتكئة على سفح جبل حرمون، المنتقل مع العائلة، بسبب ظروف الفتن والاحتراب، إلى سوريا، التي تشاء الأقدار -وكان قد بات جامعياً وحقوقياً وسياسياً- أن ينخرط في العمل السياسي زمن ازدهار التعدد الحزبي في سوريا، وبالذات «الكتلة الوطنية» و«الحزب الشيوعي»، وسجّل من المواقف التي تتسم بالتوازن، ما جعل المعادلات السياسية في رئاسات متنوعة المشارب تختاره لكي يترأس الحكومة. بل لعله أكثر السياسيين الذين ترأسوا حكومات في عهد الرئيس شكري القوتلي وعهد الرئيس هاشم الأتاسي، وهذا الترؤس للحكومة سبقه اختياره وزيراً للمعارف ثم للمالية. وأما المحطة اللافتة فتمثلت في أن أعضاء البرلمان السوري انتخبوه في ثلاثة مجالس نيابية رئيساً لهم.

لكن تبقى محطته الأممية ذات أهمية نوعية، فهو في مناسبة لمناقشة صيغة تقسيم فلسطين مع بعض التعديلات خلال انعقاد جلسة للهيئة العامة للأمم المتحدة (23-9-1947) قال ردّاً على المندوب الأميركي المؤيد للتقسيم: «اليهود لا علاقة لهم بفلسطين منذ عشرين قرناً، أما صلتهم العاطفية بها فيشاركهم فيها المسلمون والنصارى أيضاً، عدا ذلك فاليهود لم يُشكِّلوا دولتهم قديماً إلَّا في جزء من فلسطين، والحضارة التي ادّعوا أنها حضارتهم أخذوها عن جيرانهم الكنعانيين والفلسطينيين والمصريين والبابليين…».

وكان فارس الخوري، الذي ترأَّس حكومات سورية، وشغل مناصب وزارية عروبياً ووطنياً ولا طائفياً بامتياز -لعل البعض في لبنان يتأملون في العبر التي ما أكثرها وأقل الاعتبار تجاهها- تناول في كلمات ألقاها في إحدى مداولات أممية بين باريس ونيويورك موضوع حائط المبكى، وتستوقفنا في هذا الصدد العبارة التالية له «بينما كانت اعتداءات اليهود وخرْقهم للهدنة ومهاجمتهم منطقة النقب تمهيداً للاستيلاء عليها وتشريد نصف مليون فلسطيني تستوجب النظر في هذه الأمور، فإن ممثل اليهود أخذ يتكلّم عن حائط المبكى! هل احتل اليهود هذا الحائط وهل يحتله العرب الآن؟ إن هنالك أحجاراً قائمة وهي لا تزال هناك منذ العصور القديمة ولا يمسها أحد… فماذا يريدون؟ إنها في مدينة القدس القديمة، ولا تزال في مكانها هناك…».

وتناول فارس الخوري في الموضوع نفسه دعوى اليهود ضد الجيوش المصرية التي تجتاز حدود فلسطين، واصفة ذلك بأنه اعتداء، فقال «إن الجيوش المصرية تدخل فلسطين من أراضي مصر المتاخمة لأسباب تبرر دخولها، أما الجيوش اليهودية فمن أين أتت؟ لقد عبرت جيوش اليهود البحار والمحيطات والجبال، وتهافتت من كل بلاد العالم لتهاجم فلسطين ولتوطد أقدامها فيها، فهل يمكن اعتبار أولئك المعتدين الذين أتوا لغزو شعب مسالم في عقر داره أنهم يعملون بحق… بينما يُعتبر القادمون إلى إخوانهم ليوطدوا الأمن ويعيدوا اللاجئين إلى أوطانهم جماعة معتدين!».

وما هو أكثر لفْتاً للانتباه، أنه بعد انتهاء عضوية سوريا في مجلس الأمن الدولي (نهاية 1948) عاد فارس الخوري إلى دمشق، ومن دون أن يخطر في باله أنه سيلقى هذا الاستقبال الرسمي، الشعبي؛ حيث إن الجماهير زحفت صباح يوم الاثنين (10-1-1949) للمشاركة في استقباله، والذي بلغ مستوى غير مسبوق، إذ إن رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم ونائبي رئيس مجلس النواب والوزراء والرؤساء السابقين ورموز أهل الفكر والثقافة والأدب، شاركوا في الاستقبال. ويروي الإعلامي محمد الفرحاني الذي استندْنا إلى كتاب ألَّفه عن فارس الخوري (إضافة إلى أوراق ذكريات جمعتْها الحفيدة الأديبة المتألقة كوليت خوري) أنه بعدما انتهى «الابن البار» من تحية مستقبليه، سأل ولده عن طربوشه، وكان قد أوصاه بأن يحضره معه إلى المطار في كتاب بعث به إليه، ولكن الابن نسي، فما كان من العلَّامة المسلم الشيخ بهجت البيطار إلَّا أن رفع عمامته بكلتا يديه، ووضعها على رأس فارس الخوري السوري المسيحي، ووسط التهليل والتصفيق ركب إلى يسار الرئيس القوتلي في الطريق إلى القصر الجمهوري، وبعد ذلك إلى منزله.

في أواخر الخمسينات أصيب هذا السياسي المسيحي الظاهرة في الحياة السياسية السورية – العربية – الأممية بتوّعك، انتهى بمضاعفات على أنواعها في الجسم، وتوفي عام 1962 عن 85 عاماً، وأقيمت له جنازة رئاسية، وتقدَّم المشيعين رئيسُ الجمهورية ناظم القدسي، والرئيس السلف شكري القوتلي.

لعل وعسى يُعيد رموز جماعات التطرف النظر في مفاهيم وشحن مذهبي، والتأمل بعقل منفتح في الظاهرة النموذج للمبدئية الوطنية والعروبية الثابتة وللتعايش الإسلامي – المسيحي في الوطن، الذي كانت عليه سوريا قبْل ثلاثة أرباع القرن، ترأَّس الحكومة فيها مرات عدة المسيحي فارس الخوري، فضلاً عن وقفات تتصل بالقضية الفلسطينية.

الشرق الأوسط

——————————

سورية: في إشكال القلق الأقلوي/ حسين عبد العزيز

29 يونيو 2025

مع كل حدث في سورية، سرعان ما يجري الحديث عن قلق الأقليات: هكذا جرى الحديث منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، عن خطر يتهدّد الأقليات التي وقفت إلى جانب نظام الأسد، بدءًا بالعلويين، وانتهاء بالمسيحيين، والدروز، والأكراد. ومنذ أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي، الناجمة عن كمين فلول النظام لعناصر الأمن العام، تكاثر الحديث في هذه الوسائل عن إجرام ممنهج يجري بحقّ السوريين العلويين، وعن قلق الأقليات الأخرى من مصير مشابه، أو اضطهاد أقل. ومع تفجير كنيسة مار إلياس في منطقة دويلعة جنوب شرقي دمشق، جرى الحديث فوراً عن قلق مسيحي، بل ذهب بعضهم، في مزايدة دوغماتية، للحديث عن أن تفجير الكنيسة جاء بسبب مواقف المسيحيين الوطنية، وكأن غيرهم غير وطنيين، على ما في هذا الكلام من رعونة وغباء.

بينت الأحداث السابقة على الجملة أن القلق الأقلوي في سورية مبالغ فيه، وينتمي إلى فضاء اللاوعي السياسي ـ الاجتماعي أكثر مما ينتمي إلى الفضاء الواقعي، فلا جرائم ارتُكبت بحق الأكراد، ولا بحق الدروز، ولا بحق المسيحيين. أما إخواننا من الطائفتين العلوية والشيعية فقد جرت بحقهم تجاوزاتٌ لا يستهان بها، لكن هذه التجاوزات، على الرغم من تنديد أي إنسان عاقل بها، كانت أقل من المتوقع، حتى من المراقب غير السوري، فالثوار المقاتلون كانوا ممتلئين بغضب وحقد لا يمكن وصفه في ظل المقتلة الكبرى التي نفذها نظام الأسد على أعين جميع السورين عامة. وليس الحديث هنا عما يجب أن يكون، بل مهمة هذه المقالة تفسير الواقع بعقلانية وموضوعية، فلا مكان لدى جزء من مقاتلي الثورة أو غالبيتهم لمفهوم الواجب الأخلاقي عند كانط، ولا لمفهوم الإنسان الأعلى عند نيتشه، ومعظمهم من عانى من مقتل ذويهم ظلما، ناهيك بمعانة هدم البيوت والتهجير، وحياة الموت التي عاشوها طول سنوات خلت كل يوم. أما أحداث الساحل، فقد فجرت الغضب المكبوت عنوة، بعدما شهد الثوار والمقاتلون الكمين الذي قام به فلول النظام السابق ضد عناصر أمنية.

ليس هذا الكلام لتبرير الأحداث والقتل العشوائي، بل هو للخروج من إشكال التفكير الأقلوي في سورية، سواء بالنسبة للشعب أو بالنسبة للسلطة، فلا علوي، ولا سني، ولا مسيحي، وشيعي، ولا كردي يتميز أحدهم عن الآخر إلا في العمل الوطني من أجل نهضة سورية على أسس حداثية تجب منظومة العلاقات العمودية.

مناسبة هذا القول، كلمة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر يازجي، خلال تشييع ضحايا التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس قبل أيام. ولا يتعلق الأمر بتحميل حكومة الرئيس أحمد الشرع مسؤولية عدم توفير الأمن الكافي، فهذا انتقاد محق، خصوصا في أماكن العبادة من حيث هي أماكن للتجمّع، وسهلة الاستهداف، وإنما الأمر يتعلق باللغة الطائفية الأقلوية التي استخدمها يازجي، وما تزال كامنة في المجتمع السوري بكل مكوناته، فغبطته لم يحمّل حكومة الشرع المسؤولية عن عدم توفير الأمن بشكل عام في كل سورية، ولكل أفرادها، بل حمّلها المسؤولية من منطلق تعرّض كنيسة مسيحية للاستهداف.

وتنمّ هذه اللغة التي استخدمها يازجي، وقبله شيخ العقل عند الدروز حكمت الهجري الذي رفض تسليم سلاح مع أنصار له للحكومة، وطالب بتدخل دولي، وأرسل وفداً سورياً درزياً إلى إسرائيل، عن وعي أقلوي يحرّك المواقف والممارسات الاجتماعية والسياسية، وهو وعيٌ لا يختلف، في جوهره ومظهره، عن الحكومة الجديدة التي تصدر قراراتٍ وتمارس عملها وفق وعي لأكثريتها الدينية. وفي الحالتين، نحن أمام مأزق شديد، قد يقود إذا ما نشأت ظروفٌ طارئةٌ إلى صراع شديد.

المشكلة في سورية حالياً أن الأقليات تطالب الأكثرية السنية، وتنتظر منها بوادر حسن نية، لم يجر تقديمها بعد بما يرضي الأقليات. وفي المقابل، تنتظر الأكثرية السُنية من الأقليات تبرئة كثيرين من ناسها من دعمهم النظام السوري السابق، وصمتهم على مجازر ارتكبت بحق السُنة أكثر من عقد. ولم نر اليازجي ينتفض ضد مقتلة نظام الأسد ضد الشعب السوري (الأغلبية السنية)، ولم نر أيضاً الحكومة السورية والرئيس الشرع يُظهران مدى اهتمامهما بالحدث الكبير (تفجير الكنيسة)، فلا مؤتمر صحفيا لوزير الداخلية، ولا زار الكنيسة، موقع التفجير.

في قانون نيوتن الثالث: لكل فعل رد فعل مواز له في القوة ومضادٌّ له في الاتجاه، وإذا ما أسقطنا هذا القانون على حركة الأفراد والمجتمعات فسنجد أن الهُوية السُنية اليوم في أوج فورتها، بعد أكثر من خمسين سنة من الاضطهاد، ولن يكون غريبا أن السقوف السياسية للحكم الجديد أقل بكثير من سقوف الأقليات والمثقفين الليبراليين والعلمانيين من السُنة أنفسهم، ومنهم كاتب هذه السطور. وضمن الرؤية السوسيو سياسية لحركة المجتمعات التاريخية، نحن أمام فورة سُنية، نأمل أن لا تطول كثيرا، ونأمل أن يتعلم السُنة من تجارب تاريخ سورية بعد الاستقلال، حين احتكرت النخبة السُنية السياسة والاقتصاد معا، وأبعدت الأقليات، الأمر الذي أدى إلى تحالفات أقلوية أخرجت السُنة (اللجنة العسكرية الخماسية في الستينيات لا يوجد فيها سني، حيث اقتصرت على ثلاثة علويين: محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد، درزي هو أحمد المير، إسماعيلي هو عبد الكريم الجندي) من الحكم نصف قرن.

لا يجب أن تُقابل هذه الفورة السُنية، “المؤقتة” بشروط الإمكان التاريخي، بفورة مسيحية، أو علوية، أو درزية، أو غيرها، وإنما بفورة سياسية من هذه الأطراف من حيث هم أفرادٌ مواطنون في هذه الدولة، لهم حقوق وواجبات، ولا تقتصر واجباتهم على ما ينتظرونه من الدولة، بل على ما يقومون به، باعتبارهم أفراداً سياسيين، من أجل الضغط على الحكم الجديد للتغيير، أو على الأقل، لتخفيف نزعته السُنية في الحكم.

لم تعد البنى السياسية والاجتماعية والثقافية في سورية تتحمّل منطق الأكثرية والأقلية الديني، ولا بد من الانتقال إلى منطق الأكثرية والأقلية السياسي، وهو أمل لن يتحقق على ما يبدو في السنوات القليلة المقبلة، وهي سنواتٌ تعتبر لا أهمية لها في عمر المجتمعات.

العربي الجديد

——————————–

تفجير كنيسة مار إلياس: قصور الأجهزة الأمنية/ منهل باريش

 كشف تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، مساء الأحد الماضي، عن هشاشة البنية الأمنية للإدارة السورية الجديدة، وعن ارتباك واضح في التعاطي مع الأزمة. فقد سارعت السلطات إلى نسب العملية إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من دون تقديم أدلة كافية في البداية، ما أثار تساؤلات حول مصداقية الرواية الرسمية.

وأظهرت إدارة مسرح الجريمة ضعفاً في الخبرة الجنائية، إذ سُمح لعشرات الصحافيين وأفراد الدفاع المدني والأهالي بدخول الكنيسة، في خرق واضح لإجراءات حفظ الأدلة. كما تحول الموقع إلى منصة لقاءات رمزية لرجال دين ومسؤولين سوريين توافدوا للمعاينة والتضامن، في مشهد بدا أقرب إلى العرض السياسي منه إلى التحقيق المهني.

الأكثر إثارة للقلق كان قرار تنظيف الكنيسة وإزالة الحطام بعد ساعات قليلة من التفجير، وهو ما يعكس إهمالاً في التعامل مع الأدلة المادية الحاسمة. هذا الإخفاق ليس مجرد عثرة إجرائية، بل هو مؤشر على تحديات أعمق تواجه الجهاز الأمني السوري، من نقص الكوادر المؤهلة وغياب التنظيم المؤسسي.

في سياق منفصل، أصدرت وزارة الخارجية السورية بيان تعزية وتضامن حول التفجير عوضاً عن رئاسة الجمهورية التي تأخرت في إصدار بيانها إلى ظهر اليوم التالي، وكحال أغلب البيانات الرسمية، تجنبت الترحم على قتلى التفجير الأليم أو وصفهم بالشهداء. وهو ما فتح سجالاً جديداً بين الموالين للإدارة وداعميها وبين منتقديها. إلا أن السلطات السورية فشلت في أن تجد مخرجاً لقضية القتلى المصلين في الكنيسة الدمشقية.

الرواية الرسمية

الثلاثاء الماضي، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي، إن قوات الأمن السورية التابعة لوزارة الداخلية، وبمشاركة جهاز الاستخبارات، نفذت عملية أمنية في عدة مناطق بريف دمشق، استهدفت من خلالها مواقع الخلية الإرهابية التي نفذت عملية تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق العاصمة، مساء الأحد الماضي.

وأوضح المتحدث أن أحد أعضاء الخلية، ممن أُلقي القبض عليهم، أدلى خلال التحقيقات بمعلومات عن باقي أعضاء الخلية وأماكن تواجدهم وأوكارهم، ما أسهم في تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية اللاحقة التي مكّنت قوات الأمن من إلقاء القبض على جميع المتورطين، ومصادرة أسلحتهم والمتفجرات التي بحوزتهم.

وأشار البابا إلى أن الخلية المتهمة بالتفجير تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي، ولا تمت بصلة إلى أي جهة دعوية إسلامية، لافتاً إلى أن أعضاء الخلية قدموا من مخيم الهول. وأكد أن وزارة الداخلية تعمل على مسارات أمنية واجتماعية متوازية، لمواجهة محاولات خلايا “داعش” لزعزعة الأمن والاستقرار المحلي، وضرب السلم الأهلي في سوريا.

وحول زعيم الخلية، قال البابا إن محمد عبد الإله الجميلي، الملقب بـ”أبو عماد الجميلي”، من منطقة الحجر الأسود بريف دمشق، ويعرف بأنه “والي الصحراء” خلال وجود وانتشار تنظيم “داعش”. وأضاف المتحدث أن عملية الكشف عن الخلية تمت في وقت قياسي عبر “تقاطع معلومات المصادر الميدانية مع الأدلة التقنية المتوفرة، ومن خلالها تم تحديد هوية مشتبه به، هو من أوصل الانتحاري الأول إلى الكنيسة، ثم تحديد مكان وجوده، على إثر ذلك، توجهت قوات المهام الخاصة لتوقيفه، وخلال ذلك تبين وجود شخص آخر معه، فحصل اشتباك ناري أدى إلى تحييد سائق الدراجة النارية، وإصابة الشخص الثاني. كما تبين أن السائق هو الذي أوصل الانتحاري الأول إلى الكنيسة، وكان بصدد إيصال انتحاري ثانٍ إلى مقام السيدة زينب”.

وكانت وزارة الصحة في الحكومة السورية قد أعلنت عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة 59 آخرين في تفجير نفذه “إرهابي” داخل كنيسة مار إلياس في الدويلعة مساء الأحد، خلال إقامة أكثر من 200 شخص صلاتهم في الكنيسة. وحسب أحد شهود العيان، فإن شخصاً دخل إلى الكنيسة وبدأ بإطلاق النار بشكل عشوائي، وعند محاولة الحضور إيقافه ومواجهته، فجر حزاماً ناسفاً كان يرتديه، ما تسبب في مقتل أكثر من 15 شخصاً على الفور وإصابة عدد كبير من المصلين في الكنيسة.

بدورها، عقب التفجير، قالت وزارة الداخلية السورية في بيان لها إن “انتحارياً يتبع تنظيم داعش، دخل إلى كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، وبدأ بإطلاق النار، ثم فجر نفسه بواسطة سترة ناسفة”.

وتبع بيان الداخلية بيان آخر على لسان وزير الداخلية، أنس خطاب، قال فيه إن “الأعمال الإرهابية لن تثني جهود الدولة في تحقيق وإرساء السلم الأهلي، ولن تثني السوريين عن خيارهم في وحدة الصف في مواجهة كل من يسعى إلى العبث باستقرارهم وأمنهم”.

“سرايا أنصار السنة” والرواية الموازية

بموازاة ذلك، وعقب بيانات الحكومة السورية المشيرة إلى أن تنظيم “الدولة” يقف خلف التفجير، تبنى تنظيم “سرايا أنصار السنة” التفجير عبر بيان نشره على معرفه في “تلغرام”، وجاء في البيان أن التنظيم استهدف مار إلياس عقب استفزاز مما وصفهم البيان بـ “نصارى دمشق”، في “حق الدعوة وأهل الملة، استفزازاً جاوز التلميح إلى التصريح، وتعدى الهزل إلى الجد، حيث تطاولوا فيه على أصول الدعوة”. وحسب بيان “السرايا”، فإن منفذ التفجير هو محمد زين العابدين أبو عثمان، لكن البيان لم ينشر صورة للمهاجم أو يذكر هويته، إضافة إلى أنه من غير المعروف إذا كان الاسم حقيقياً أم حركياً، كما هي عادة التنظيمات الجهادية التي تستخدم ألقاباً مستعارة.

الجدير بالذكر أن تنظيم “سرايا أنصار السنة” بدأ بالظهور بداية شباط (فبراير) الماضي، من خلال بيانات وإصدارات يبثها على قناة تعرف باسمه على “تلغرام”، حيث بدأ التنظيم بنشر بياناته المتوعدة للطائفة العلوية في مناطقها في سوريا بالقتل والاستهداف، تزامناً مع أحداث الساحل السوري. في آذار (مارس) الماضي، تبنى التنظيم عمليات قتل استهدفت مدنيين سوريين من الطائفة العلوية، كما حملت بياناته تهديداً ووعيداً لطائفة الموحدين الدروز، مع اتهامات لرئيس الفترة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع بالعمالة والخيانة.

وكان “سرايا أنصار السنة” قد تبنى خلال شهر رمضان 25 عملية، منها قتل وحرق وتخريب بحق أشخاص ينتمون إلى الطائفة العلوية في الساحل السوري. وتبنى الثلاثاء، خطف وقتل المهندس محمود غصة، ووصف، على حسابه على “تلغرام”، القتيل بأنه “مرتد” وينتمي إلى “الطائفة المرشدية المستهدفة”، حسب “السرايا”.

اللافت في إعلام “أنصار السنة” أنه لا يتوقف عن السخرية من الرئيس الشرع، الذي ما زال يصفه بلقبه القديم “الجولاني”، وهو بخلاف الخطاب المعتاد للجماعات الجهادية، إضافة إلى مشاركة أخبار من مصادر إخبارية عديمة الموثوقية. وفوق ذلك، فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة البيانات والفتاوى واضح.

ويتزعم التنظيم، حسب ما تورده قناته على “تلغرام”، شخص يُدعى “أبو عائشة الشامي”، ويتولى زعامة الجانب الشرعي فيه “أبو الفتح الشامي”، كما تدعو القناة، المنشأة نهاية كانون الثاني (يناير)، الراغبين في الانتساب إلى التنظيم إلى مراسلتهم عبر “تلغرام”.

تحديات أمنية

تواجه المؤسسة الأمنية السورية تحديات كثيرة، تتراوح بين فلول النظام السابق، وخلايا إيران، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وعناصر متشددين سابقين من هيئة “تحرير الشام” القادرين على تجميع أنفسهم في تنظيمات جهادية صغيرة معادية لتوجهات قيادتهم السابقة (القيادة السورية الجديدة).

ورغم محاولات هيكلة الإدارات الأمنية في وزارة الداخلية والاستخبارات العامة، فإن نقص الكوادر والخبرة والتنظيم يهدد بنية المؤسسة الأمنية وفاعليتها، كما أن الانغلاق على الذات لا يكفي لبناء مؤسسة أمنية ذات كفاءة. هنا، يتعين على الإدارة الأمنية الانفتاح على أصحاب الاختصاص من السوريين والاستعانة بالمنشقين بشكل عاجل، وتوظيف الكوادر التقنية والهندسية والمتخصصين في أمن المعلومات والاتصالات من السوريين. كما ينبغي الاستعانة بالدول العربية الصديقة وتركيا لبناء جهاز أمني وتدريب الكوادر وابتعاثها إلى الأكاديميات الأمنية في دول الجوار، وتفعيل أكاديمية العلوم الأمنية السورية التي أنشأها النظام سابقاً في جوار إدارة المخابرات العامة في كفرسوسة بدمشق، وضم عشرات الضباط المهندسين العسكريين إلى القطاعات حسب الاختصاص.

كما أن التعاون الرسمي والمباشر مع “التحالف الدولي لمحاربة داعش” وتنسيق الجهود معه سيخفف من أخطار تنظيم “الدولة”، الذي هجر البادية وأصبحت المدن مركز نشاطه، كما هو واضح من الخلايا المتحركة في جنوب دمشق. وتشير التفاصيل التي بثها الإعلام الرسمي إلى أن عناصر التنظيم، على قلتهم، قادرون على رسم خطط تفجيرات متتالية ومركبة تستهدف حتى شخص الرئيس نفسه.

———————————–

واشنطن تحذر مواطنيها من السفر إلى سوريا

الثلاثاء 2025/06/24

أصدرت الولايات المتحدة، اليوم الثلاثاء، تحذيراً للمواطنين الأميركيين، حذرتهم بموجبه من السفر إلى سوريا، بسبب استمرار التهديدات الأمنية وخطر العنف “الإرهابي”.

الدرجة الرابعة

وقال الخارجية الأميركية في بيان، إنها رفعت مستوى التحذير للأميركيين إلى الدرجة الرابعة، داعية إياهم إلى مغادرة سوريا عبر المعابر البرّية مع لبنان والأردن.

وأشارت إلى أن الحكومة التركية سمحت بدخول مؤقت إلى أراضيها من المعابر البرية للذين دخلوا سوريا عبر الجو من تركيا، بشرط تقديم تذاكر الطيران وإثباتات الإقامة أو التأشيرة التركية.

وفيما ذكّرت الخارجية بإغلاق سوريا للمجال الجوي أمام الرحلات المدنية، أشارت إلى أن معبري فيشخابور إلى العراق، وإبراهيم خليل إلى تركيا، يُعدّان من الخيارات البديلة أمام الأميركيين لمغادرة سوريا.

وأوضحت أن سفارة جمهورية التشيك في سوريا، تتولى حماية المصالح الأميركية، موضحةً أن خدماتها القنصلية تقتصر على حالات محدودة، وأن السفارة الأميركية في دمشق لا تزال مغلقة.

كما طلبت الخارجية الأميركية من مواطنيها في سوريا، التواصل مع قسم رعاية المصالح الأميركية في سفارة التشيك، لافتةً إلى أنه يمكن التواصل مع السفارة الأميركية في عمّان، لطلب المساعدة الطارئة.

كذلك، أوصت الأميركيين باتخاذ إجراءات وقائية تشمل تجنّب التجمعات، والابتعاد عن المواقع الأمنية، ومتابعة الأخبار المحلية، والاحتفاظ بخطة طوارئ، والتسجيل في برنامج تسجيل المسافرين الذكي.

تفجير الدويلعة

ويأتي التحذير الأميركي في أعقاب التفجير الذي استهدف كنيسة القديس مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، الأحد الماضي، والذي أدى إلى مقتل 27 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وتبنّى تنظيم “داعش” تفجير الكنيسة، بعد أن هدد قبل أسابيع، الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته بعمليات إرهابية، على خلفية التقارب السوري مع الولايات المتحدة.

في الأثناء، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الثلاثاء، إن الحكومة السورية كل العزم على محاربة جميع التنظيمات الإرهابية بما في ذلك تنظيم “داعش” الإرهابي. وأضاف أردوغان في تصريحات، أن بلاده ستواصل تقديم كل الدعم اللازم حتى الوصول إلى مرحلة الازدهار.

وتابع الرئيس التركي: “لدي ثقة تامة بأن الحكومة السورية ستحرز تقدماً في مكافحة الإرهاب”.

——————————-

 الأمن السوري يقتل ويعتقل متورطين بتفجير كنيسة مار الياس

الإثنين 2025/06/23

أعلنت السلطات السورية، اليوم الاثنين، إلقاء القبض على متورطين رئيسيين في تفجير كنيسة القديس مارس إلياس بحي الدويلعة في دمشق، ينتمون لتنظيم “داعش”، خلال عملية نفّذها الأمن السوري في الغوطة الشرقية.

عملية مشتركة

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان، إن غرفة العمليات المشتركة التي تم تشكيلها مع جهاز الاستخبارات العامة، تمكنت من الكشف عن خيوط دقيقة لعملية التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس مار الياس، وذلك بعد جمع المعلومات وتحليل الأدلة.

وأضافت أن وحدات الأمن السوري نفّذت بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، وبناء على المعلومات، عمليات دقيقة في حرستا وكفربطنا في الغوطة الشرقية، استهدفت مواقع خلايا إرهابية مرتبطة بتنظيم “داعش”.

وأسفرت العمليات، التي تخللها اشتباكات، عن القبض على متزعم الخلية وخمسة عناصر، ومقتل اثنين آخرين، أحدهما كان المتورط الرئيسي في تسهيل دخول الانتحاري إلى الكنيسة، فيما الآخر كان يجهز لتنفيذ عمل إرهابي في أحد أحياء العاصمة.

وأشار البيان إلى ضبط كميات من الأسلحة والخذائر وسترات ناسفة وألغام، كما تم العثور على دراجة نارية مفخخة، ومعدّة للتفجير.

وأكدت الداخلية السورية إصرارها على ملاحقة “هذه الأعمال الإرهابية الجبانة” و”كل من يحاول العبث بأمن الوطن، مشددةً على أن الرد سيكون حازماً ضد “الإرهاب” وأوكاره.

وسبق الإعلان، اجتماع عقده وزير الداخلية أنس خطاب مع رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، “للوقوف على آخر مجريات التحقيقات المتعلقة بالتفجير الإرهابي الغادر” الذي استهدف كنيسة القديس مار الياس، بحسب الداخلية السورية.

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية نورالدين البابا، إن العملية استهدفت أوكار تنظيم داعش في دمشق وريف دمشق، مؤكداً أن من بين الأوكار، “وكر العصابة الذي اعتدى على كنيسة مار إلياس”.

ونقلت وكالة “سانا” عن مصدر في الاستخبارات السورية، قوله إن الجهاز تمكن بعد 24 ساعة من التفجير، من القبض على المسؤول عن العملية وعدد من أفراد الخلية الإجرامية.

ارتفاع الحصيلة

واستهدف تفجير تبناه تنظيم “داعش”، أمس الأحد، كنيسة القديس مار إلياس بحي الدويلعة، ما أدى إلى مقتل 27 شخصاً وإصابة عشرات آخرين.

وكان التنظيم الإرهابي، قد هدد الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته، بتحركات ميدانية قريبة، على خلفية تقارب الأخير من الولايات المتحدة والغرب، ما اعتبره التنظيم “انحرافاً عن الشريعة” الإسلامية.

وسبق أن كشف الإعلام الأميركي عن بدء تعاون استخباراتي بين المخابرات الأميركية ونظيرتها السورية بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بهدف مواجهة التهديدات الإرهابية المحتملة للتنظيم المتشدد، وهو ما أسفر قبل أشهر عن إحباط تفجير مقام السيدة زينب جنوبيّ العاصمة دمشق.

——————————–

من مخيم الهول إلى قلب العاصمة عبر طرق البادية

الداخلية السورية تكشف خلية متهمة بتفجير كنيسة ومخطط لاستهداف مقام ديني

أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم “داعش”، يُشتبه في مسؤوليتها عن تنفيذ تفجير استهدف كنيسة في العاصمة دمشق، ومحاولة تنفيذ تفجير ثانٍ في منطقة مقام السيدة زينب بريف العاصمة.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة، في بيان رسمي، أنّ التحقيقات أفضت إلى تحديد هوية منفذي التفجيرين، وهما شخصان غير سوريَّين، دخلا البلاد انطلاقًا من مخيم الهول الواقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” شمال شرقي البلاد، مرورًا بالبادية السورية، ووصلوا إلى العاصمة بمساعدة شخص سوري الجنسية يُدعى محمد عبد الإله الجميلي، المعروف بلقب “أبو عماد الجميلي”، وكان يقيم سابقًا في منطقة الحجر الأسود جنوب دمشق.

ووفق البيان، يُشتبه في أن الجميلي كان يُعرف بلقب “والي الصحراء” ضمن تنظيم “داعش”، وقد ألقي القبض عليه بعد تحقيقات قادت إلى كشف عدد من الأوكار والمستودعات التي كانت تستخدم لتخزين المتفجرات والأسلحة.

وأشار البيان إلى أنّ أجهزة الوزارة استطاعت خلال وقت قياسي مقاطعة المعلومات الميدانية بالأدلة التقنية، ما أتاح تحديد هوية الشخص الذي أوصل المنفذ الأول إلى موقع الكنيسة، حيث تم تعقبه والوصول إلى مكان اختبائه. وخلال عملية المداهمة، وقع اشتباك مسلح أسفر عن مقتل سائق الدراجة النارية التي استُخدمت في تنفيذ العملية الأولى، وإصابة شخص ثانٍ كان برفقته.

وأكدت الوزارة أنّ الانتحاري الثاني، الذي أُلقي القبض عليه قبل تنفيذ الهجوم في منطقة السيدة زينب، اعترف بمكان وجود الوكر الذي انطلقت منه الخلية. وأعقب ذلك تنفيذ سلسلة مداهمات أفضت إلى اعتقال عدد من المشتبه بهم، وضبط أربع نقاط يُعتقد أنها كانت تُستخدم لتخزين متفجرات ومواد هجومية.

وأشار البيان إلى أنّ التحقيقات لا تزال جارية، وأنّ اعترافات عناصر الخلية، بمن فيهم الجميلي، ستُعرض مصوّرة بعد اكتمال الإجراءات القانونية.

——————————

البطريرك يازجي: الهجوم الإرهابي على الكنيسة اعتداء على كل سوريا

تشييع جماعي للضحايا… و«الداخلية» تؤكد انتماء المنفذ لـ«داعش»

دمشق: سعاد جروس

24 يونيو 2025

شهد حي القصاع في العاصمة السورية دمشق الثلاثاء تشييعاً جماعياً مهيباً لضحايا الهجوم الإرهابي على «كنيسة مار إلياس» في حي الدويلعة، وقال بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي بعد إقامة صلاة الجنازة إن الهجوم الإرهابي «ليس حادثاً فردياً أو معزولاً، بل هو اعتداء صريح على كل سوريا، واستهداف لمكوّن أساسي من نسيج هذا الوطن».

وأضاف اليازجي، موجها خطابه المباشر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع: «إن الجريمة التي وقعت داخل هذه الكنيسة، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من مائة عام من تأسيسها، ونحن لا نريد أن تُسجَّل مثل هذه الجرائم في عهدكم»، مشيراً إلى اتصال الرئيس الشرع مع النائب البطريركي لتقديم العزاء وشكره على الاتصال.

وامتلأت جنبات الكنيسة والشوارع المحيطة بالمصلين من أهالي الأحياء المسيحية وذوي الضحايا، وصدحت حناجرهم بصيحات عبرت عن عمق الحزن الذي تسبب به الهجوم على أناس مسالمين، فيما تبنى تنظيم يسمى «سرايا أنصار السنة» التفجير الانتحاري في بيان نشر عبر قناته على تطبيق «تلغرام»، قال فيه إن الفاعل يدعى «محمد زين العابدين أبو عثمان»، وإنه نفّذ العملية رداً على ما وصفه بـ«استفزاز في حق الدعوة »، في إشارة إلى حادثة سابقة شهدها حي الدويلعة لدى دخول سيارة إلى محيط كنيسة مار إلياس بالتزامن مع إقامة صلاة جنازة في الكنيسة قبل نحو شهرين، ما أدى إلى استنفار أهل الحي من مسيحيين ومسلمين بالتعاون مع الأمن العام وطرد السيارة.

إلا أن الناطق باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أكد في مؤتمر صحافي أن الخلية المنفذة تتبع «داعش» ويتزعمها شخص سوري الجنسية، يدعى محمد عبد الإله الجميلي، ويكنى أبو عماد الجميلي، وهو من سكان منطقة الحجر الأسود في دمشق، وكان يعرف بـ«والي الصحراء»، وقد تعرض اعترافاته المصورة لاحقاً حال الانتهاء من التحقيق معه.

وأشار البابا إلى انتحاريين، «الأول الذي نفذ تفجير الكنيسة الغادر، والثاني الذي ألقي القبض عليه وهو في طريقه لتنفيذ تفجير انتحاري في مقام السيدة زينب في ريف دمشق، فقد قدما إلى دمشق من مخيم الهول، عبر البادية السورية، وتسللا بعد تحرير العاصمة، بمساعدة المدعو أبي عماد الجميلي، مستغلين حالة الفراغ الأمني بداية التحرير، وهما غير سوريين».

وأعلنت السلطات السورية مساء الاثنين، توقيف عدد من المشتبه بتورطهم في الهجوم الإرهابي خلال عملية أمنية في كفر بطنا بريف دمشق، وقالت إنهم أعضاء خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» الإرهابي، كما تم ضبط سترات ناسفة وألغام معدة للتفجير، وذلك بعد ساعات من توجيه الرئيس أحمد الشرع خطابا رسميا قدم فيه العزاء بضحايا الهجوم، وتعهد بأن «ينال المتورطون جزاءهم العادل»، ودعا السوريين إلى «التكاتف والوحدة في مواجهة كل ما يهدد أمن واستقرار سوريا».

وكانت البطريركية الأرثوذكسية حذرت من «انتهاك حرمة الكنائس»، داعية السلطات إلى «تأمين حماية جميع المواطنين»، فيما شدد المفتي العام للجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي على «رفضنا التام استهداف دور العبادة». وأكدت وزارة الداخلية أن «أمن دور العبادة خط أحمر»، متهمة تنظيم «داعش» بالسعي إلى «بث الفرقة الطائفية» و«تشجيع كل مكون في سوريا على حمل السلاح».

كما لاقى الهجوم إدانة دولية واسعة، ودعا المجتمع الدولي السلطات السورية إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الأقليات وضمان مشاركتهم في إدارة المرحلة الانتقالية.

——————————

سوريا: مسيحيون يطالبون بمحاسبة منفّذي الهجوم على كنيسة في دمشق

 أقام مسيحيون سوريون، الإثنين «من أجل راحة نفوس شهداء وشفاء جرحى»، التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار الياس للروم الأرثوذكس في الدويلعة في دمشق.

وترأس الصلاة، داخل الكنيسة ذاتها، بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي.

وقال أمام حشد من المصلين داخل الكنيسة بحضور رجال دين مسيحيين «صحيح أن ما حدث أليم، لكن لا تخافوا».

وكانت البطريركية التي تتبع لها كنيسة مار الياس دعت في بيان إثر الهجوم «السلطات القائمة إلى تحمل المسؤولية الكاملة تجاه ما حصل ويحصل من انتهاك لحرمة الكنائس وإلى تأمين حماية جميع المواطنين».

اتصالات إقليمية

وقالت إن اليازجي «يجري اتصالاته المحلية والإقليمية لنقل الصورة السوداوية من دمشق إلى العالم أجمع، ويدعو إلى التحرك لوقف هذه المذابح».

وقبل الصلاة، كانت عناصر من الدفاع المدني ما زالت تعمل صباح أمس الإثنين على جمع ما تبقى من أشلاء متناثرة ووضعها في أكياس بعدما أزيل الجزء الأكبر من الركام ليلا.

كذلك نقل عدد من الضحايا إلى قرى وادي النصارى، حيث شيعوا هناك، فيما استقبلت قرية في السويداء ضحايا آخرين جرى أيضا تشييعهم.

وحسب السلطات السورية، «دخل انتحاري يتبع لتنظيم «داعش» الإرهابي كنيسة القديس مار إلياس في حي الدويلعة» حيث «أطلق النار، ثم فجّر نفسه بواسطة سترة ناسفة». وأسفر الهجوم، وفق حصيلة أوردتها وزارة الصحة الإثنين، عن مقتل 25 شخصا وإصابة 63 آخرين بجروح

لور نصر، التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها بينهم زوجها جراء التفجير، طلبت من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع محاسبة المعتدين، وسط تصاعد خوف الأقليات في سوريا.

في باحة منزلها في حي الدويلعة في دمشق، تقول السيدة (35 عاما) بانفعال لوكالة «فرانس برس» بينما تستقبل المعزين «أريد أن يأخذ أحمد الشرع بنفسه حقي. أليس هو الرئيس، ألم نصبح في دولة ديمقراطية؟».

وتضيف «دخل (الانتحاري) الى بيت الله وأطلق النار علينا»، موضحة أنه لو لم يعترضه زوجها وشقيقه بعد دخوله الكنيسة، ويفجّر نفسه بهما، «لكنا متنا جميعا».

وتسأل السيدة بحرقة بينما تحمل هاتف زوجها بطرس وبقايا من ملابسه ملطخة بالدماء «ماذا فعلوا غير إلحاق الضرر بنا؟ نحن من عائلة واحدة، عائلة العوض بشارة، توفي منا ثمانية أشخاص، بينهم زوجي وسلفي وشقيقتهما».

«لا نشعر بأمان»

في غرفة متواضعة داخل منزل عائلة أخرى في الدويلعة، تقول جيني الحداد (21 عاما) التي قتل والدها سيمون داخل الكنيسة بينما تتلقى التعازي لفرانس برس «لم يفعل أبي شيئا. كان يصلي في الكنيسة. في حياته لم يحمل سلاحا أو يحارب أحدا».

على غرار آخرين، تطالب الموظفة الشابة السلطات بأن «تحاسب من فعل ذلك وتحمي الأقليات»، مضيفة «كنا نعلم أنه سيحين دورنا».

وتتابع بينما جلست قربها نساء متشحات بالسواد يذرفن الدموع «ذنبه أنه كان يصلي. كل من كانوا يصلون لم يقترفوا ذنبا».

في زاوية الغرفة، وضعت جيني صورا لوالدها (50 عاما) الذي اعتاد الذهاب الى الكنيسة يومي الأربعاء والأحد.

وتقول بحرقة «لا شيء أصعب من أن تعيش في مكان لا تشعر فيه بالأمان» مضيفة «لم أعد أرغب بالبقاء هنا، أريد المغادرة لأن الموت يحيط بنا من كل الجهات».

إلا أن لور نصر تتمسك بالبقاء في بلدها، رغم خسارتها. وتقول «ليحقّق (الشرع) في القضية ولا يسمح بأن يموت أحد بعد بسبب هذه الأعمال الارهابية. ليلغ داعش من سوريا»، في إشارة الى تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي لم يتبن الهجوم رسميا.

وتتابع بإصرار «أنا سورية مسيحية، أود العيش في سوريا رغما عمن يرضى ومن لا يرضى».

على بعد أمتار منها، جلست نسيبتها تبكي زوجها الذي قضى أيضا في الكنيسة. وتسأل بحزن «لم هذه الكأس يا ربي؟ ماذا فعلنا؟ نحن دعاة سلام ومحبة. ما هذا الكره كله؟».

وتضمّ سوريا أقلية مسيحية انخفض عددها من نحو مليون قبل اندلاع النزاع عام 2011 الى أقلّ من 300 ألف، جراء موجات النزوح والهجرة، وفق خبراء.

وأغلقت غالبية المحال التجارية أبوابها الإثنين في حي الدويلعة حدادا على الضحايا، وفق ما شاهد مراسلو فرانس برس، بينما كان شبان يلصقون أوراق نعي الضحايا على الجدران.

في الكنيسة، عملت عناصر من الدفاع المدني على جمع ما تبقى من أشلاء متناثرة ووضعها في أكياس بعدما تم رفع الجزء الأكبر من الركام ليلا.

ورغم أن السلطة الجديدة لم تفرض رسميا قيودا على الحريات والسلوك الاجتماعي، لكن انتهاكات غالبا ما تُصنّف «فردية» وبعض الاجراءات والقرارات الرسمية، تثير قلقا وخشية من فرض قيود على نمط العيش والحريات الشخصية.

وكان إشكال وقع أمام كنيسة مار الياس في آذار/مارس، بعدما اعترض سكان على توقف سيارة دعوية بثّت عبر مكبر الصوت أناشيد إسلامية. وتدخل الأمن العام لاحقا لاحتواء الوضع.

تجاوزات

ويقول نبراس يوسف (35 عاما) الذي نجا من التفجير لكنه فقد ستة من أصدقائه وجيرانه لفرانس برس، «اليوم لم تعد تتمكن من حماية نفسك، أو تشعر بالأمان حين تدخل الى الكنيسة بعد تفجير مماثل».

ويرى أن «تراكم» تجاوزات عدة حصلت خلال الأشهر الماضية من دون تدخل السلطات للحد منها أدى الى هذه النتيجة.

ويضيف «عندما لا تشعر بأمان في معتقدك ودينك وممارسة شعائرك، فأنت مواطن درجة رابعة»، مضيفا «أريد من يوفر لي الأمان والمعيشة».

وأدانت الأمم المتحدة ودول أوروبية الهجوم.

وفي منشور على منصة «إكس»، وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة تضامن إلى أهالي الضحايا والجرحى، مضيفا: «فرنسا تدعم كفاح الشعب السوري ضد الإرهاب، ولعودة السلام».

كذلك وجهت الحكومة الإسبانية رسالة تعزية وتضامن إلى أهالي الضحايا، وأكدت «التزامها بسوريا يعمها السلام ولا مكان فيها للعنف».

فيما قالت وزارة الخارجية البلجيكية: «نتقدم بخالص التعازي إلى الضحايا وعائلاتهم والشعب السوري».

وفي بيان صادر عن دائرة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أدانت الدائرة الهجوم، وقدمت تعازيها لعائلات الضحايا.

وأشار البيان إلى أن الهجوم «يُذكّر بشدة» بضرورة تكثيف الجهود لمكافحة خطر الإرهاب، والقضاء نهائيا على «داعش» والمنظمات الإرهابية الأخرى.

في حين قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي على منصة «إكس»: «وقع هجوم مروع على كنيسة في دمشق، وهناك العديد من القتلى والجرحى».

وذكر غراندي الذي يزور سوريا أنه قدم تعازيه لأسر الضحايا، وأعرب عن تضامنه مع الشعب السوري.

أما وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول، فقال قال في منشور على «إكس»: «أدين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي على كنيسة إلياس في دمشق. نشارك عائلات الضحايا الحزن ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين». ودعا إلى سياسة مصالحة وبيئة توافقية في سوريا.

وفي منشور على منصة «إكس»، قالت وزارة الخارجية النمساوية: «نشعر بالفزع إزاء الهجوم الإرهابي الوحشي على كنيسة في دمشق، والذي أودى بحياة العديد من الأبرياء».

وأكد البيان على ضرورة حماية الجالية المسيحية في سوريا.

القدس العربي»

—————————————

الأمن السوري يمنع التصوير في موقع تفجير كنيسة الدويلعة

الإثنين 2025/06/23

انتشرت مقاطع فيديو في مواقع التواصل، تظهر منع قوات الأمن العام في سوريا، للتصوير في محيط موقع تفجير كنيسة مار الياس في الدويلعة قرب العاصمة دمشق.

وفي الفيديو يظهر شخص وهو يوثق التفجير قبل أن يقترب منه أفراد الأمن العام ويطلبوا منه التوقف عن التصوير، مهددين بإحضار “الشيخ” للمكان، ولم تنجح محاولته المتكررة لإقناعهم بأنه تحدث مع المسؤولين المعنيين عن المكان قبل دخوله.

وتكرر المشهد نفسه في الفترة الأخيرة، لأشخاص يتم توقيفهم من قبل عناصر الشرطة والأمن في الشوارع وهم يصورون في دمشق ومناطق أخرى، وتهديدهم بـ”إحضار الشيخ” من أجل إجبارهم عن التوقف عن التصوير، ما أثار تساؤلات عن هوية هؤلاء الأشخاص والطبيعة الدينية التي يحملون صفتها.

وعلقت الصحافية آلاء عامر: “ممكن بقا نعرف مين الشيخ؟ مين الشيوخ الي عم تمشي البلد؟؟ مو صار في دولة ولا مشيخة؟ يا ريت المتحدث باسم وزارة الداخلية السيد نور الدين البابا يحاكينا بشفافية”.

وتعرض الصحافي السوري أمجد الساري لاستجواب وصفه بـ”المهين والصادم”، بعد التقاطه صورة لواجهة السفارة الإيرانية من الشارع العام في حي المزة بالعاصمة دمشق، ما أسفر عن احتجازه ميدانياً من قِبل عناصر أمنية دون مذكرة قانونية، واتهامه بـ”العمالة للموساد”.

وفي منشور تفصيلي عبر صفحته في “فايسبوك” الأربعاء الماضي، أوضح الساري أنه كان عائداً من معرض فني في المركز الثقافي بالمزة، حين التقط الصورة، قبل أن يعترضه أحد العناصر ويطلب منه تسليم هاتفه للتفتيش. وعندما رفض الامتثال من دون مستند قانوني، تلقى رداً ساخراً: “إيش مفكر حالك بلاس فيغاس؟”، فردّ عليه: “ليش، شو الفرق؟ ما بصير يكون عنا قانون متلهم؟”.

ورفض الصحافي حذف الصورة، فقوبل بالتهديد باستدعاء شخص يُلقب بـ’الشيخ’. وبعد دقائق، وصل عنصران على دراجة نارية، قدّم أحدهما نفسه كمسؤول في الأمن الدبلوماسي، بينما وجه الآخر للصحافي الساري تهمة العمالة للموساد، قائلاً: “أنا برأيي كل الناس مجرمين حتى يثبت العكس”.

ودعا وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، الصحافي الساري، إلى مراجعة الوزارة وتقديم شكوى رسمية، مؤكداً التزام الحكومة بـ”حماية كرامة الصحافيين وحقوقهم”، والعمل على “منع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً”.

————————–

استياء من تغطية “الإخبارية السورية” لتفجير كنيسة الدويلعة

الإثنين 2025/06/23

أثارت تغطية قناة “الإخبارية السورية” الرسمية لتفجير كنيسة مار الياس في الدويلعة، مساء الأحد، استياءً وجدلاً واسعاً بسبب الضحكات التي تبادلها الضيوف والإعلاميون في الشاشة في لحظة كان يجب أن تكون لحظة حداد.

وسجّل متابعون لحظات صادمة، ظهر فيها مذيع التغطية، الإعلامي معاذ محارب، وعدد من ضيوفه، وهم يتبادلون الابتسامات والضحكات، رغم أن الشريط الإخباري في أسفل الشاشة كان يعلن عدد الضحايا والمصابين.

المشهد الذي وثقه ناشطون عبر صور مُقتطعة من البث المباشر، انتشر بسرعة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار كلاماً كثيراً في ظل قسوة الحدث ووقعه العاطفي على أبناء الطائفة المسيحية وعموم السوريين، الذين خسروا أرواحاً بريئة في هجوم وصفته الحكومة بـ”الإرهابي والموجه لضرب التعايش”.

ورغم أن الضيوف، الذين كان بينهم ضيف مسيحي بارز من اللجنة العليا للانتخابات، قدموا إدانات واضحة للهجوم، وشددوا على أهمية الوحدة الوطنية، إلا أن تلك اللحظات التي بدت فيها ابتساماتهم غير منضبطة أو خارجة عن السياق، طغت على مجمل الخطاب، وبدت كما لو أنها تخرق واجب الحداد والاحترام في التغطية الإعلامية للحوادث المأسوية.

وتناقل ناشطون وإعلاميون الصورة مع تعليقات مليئة بالشجب والصدمة من هذه التصرفات، وجاء في أحد التعليقات: “معيب أن يكون هذا حال الاخبارية السورية في وقت حداد سوري!! لا يوجد اعلام رسمي في العالم يضحك ودماء أبنائه طازجة، إلا الاعلام الرسمي السوري في الأمس واليوم مع الأسف!!”.

وذلك فيما اعتبر آخرون أن أحد الإعلاميين “كان دقيق الملاحظة أكثر من اللازم فاصطاد لقطات شاشة للمتحدثين بابتسامة لكل واحد خلال حلقة مدتها ساعة (…) إلا أنها كانت حلقة ثرية، وليست كما صور زميلنا بأنها ضحك وسطحية، فماذا نقول لك يا عزيزي العزيز؟ أليس هذا اصطياداً في المياه العكرة جداً؟!”.

والحال أن الضحك، في سياق التغطيات الإخبارية التي تتناول الكوارث أو الجرائم، ليس تفصيلاً بسيطاً، بل هو لحظة تتقاطع فيها الأخلاقيات المهنية مع المشاعر العامة، ويجري فيها اختبار قدرة وسائل الإعلام على الحفاظ على الحس الإنساني في اللحظات الحرجة، حيث لا ينتظر من المذيعين وضيوفهم أن يكونوا محايدين عاطفياً، بل أن يظهروا احتراماً يوازي حجم الألم العام.

ولم تكن حادثة تفجير الكنيسة أمراً عادياً، بل هي أول هجوم إرهابي دموي من هذا النوع في قلب العاصمة دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وكان متوقعاً أن تنعكس تغطيته الإعلامية بمستوى من الجدية والمهنية يراعي مشاعر ذوي الضحايا والمجتمع بأكمله. لكن ما حدث في “الإخبارية” أعاد إلى الواجهة السؤال القديم الجديد: مَن يحاسب الإعلام حين يخذل جمهوره؟ وهل تغير الإعلام السوري فعلاً بعد حقبة الأسد، وحضور هذا النوع من التغطيات طوال عقود؟

ووسط المشهد الإعلامي المرتبك، برز صوت إنساني، بدا أكثر وضوحاً من كل التحليلات الرسمية، في مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع، إذ ظهرت سيدة من أبناء الطائفة المسيحية، كانت حاضرة في الكنيسة لحظة التفجير، وهي تروي بتأثر بالغ اللحظات الأخيرة قبل الانفجار.

وقالت السيدة، التي فقدت زوجها وأحد أقاربها: “سمعنا إطلاق نار على شبابيك الكنيسة. وبس دخل الإرهابي، حاول زوجي وقريبي يوقفوه. فجّر حاله فيهم”. ووجهت نداءً مباشراً للرئيس السوري أحمد الشرع: “ما بيهمني يجو الوزراء يعزوني، بدي تحقيق. بدي اعرف مين فجر زوجي، ومين وراه”.

وربما تختصر الشهادة، أكثر من أي بيان أو تصريح، ما ينتظره السوريون من الدولة الجديدة: أن تكون قادرة على ضمان الأمن، لا فقط إعلان الحداد. أن تبني إعلاماً يحترم الكرامة، وأن تستمع لأرملة مكلومة، لا لمحلل انتخابي يبتسم على الهواء.

المدن

—————————

 مسيحيون يطالبون الشرع بالحماية: “ذنبُ أبي أنه كان يصلّي

الثلاثاء 2025/06/24

فقدت لور نصر ثمانية أفراد من عائلتها بينهم زوجها جراء التفجير الانتحاري داخل كنيسة في دمشق الأحد الماضي. واليوم، تطلب من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع محاسبة المعتدين، وسط تصاعد خوف الأقليات في سوريا.

وفي باحة منزلها في حي الدويلعة في دمشق، قالت السيدة (35 عاماً) بينما استقبلت المعزين: “أريد أن يأخذ أحمد الشرع بنفسه حقي. أليس هو الرئيس، وألم نصبح في دولة ديموقراطية؟”، مضيفة: “دخل الانتحاري الى بيت الله وأطلق النار علينا”، موضحة أنه لو لم يعترضه زوجها وشقيقه بعد دخوله الكنيسة، ويفجّر نفسه بهما، “لكننا متنا جميعاً”، حسبما نقلت وكالة “فرانس برس”.

وتساءلت السيدة بحرقة بينما حملت هاتف زوجها بطرس وبقايا من ملابسه ملطخة بالدماء: “ماذا فعلوا غير إلحاق الضرر بنا؟ نحن من عائلة واحدة، عائلة العوض بشارة، توفي منا ثمانية أشخاص، بينهم زوجي وسلفي وشقيقتهما”.

وبحسب السلطات “دخل انتحاري يتبع لتنظيم داعش الإرهابي كنيسة القديس مار إلياس في حي الدويلعة” حيث “أطلق النار، ثم فجر نفسه بواسطة سترة ناسفة”. وأسفر الهجوم، وفق حصيلة أوردتها وزارة الصحة الإثنين، عن مقتل 25 شخصاً وإصابة 63 آخرين بجروح.

وتعهد الشرع في بيان، الاثنين، بالعمل “لضبط كل من شارك وخطط لهذه الجريمة النكراء، وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل”، مشدداً على “أهمية التكاتف والوحدة، حكومة وشعباً، في مواجهة كل ما يهدد أمننا واستقرار وطننا”.

وفي غرفة متواضعة داخل منزل عائلة أخرى في الدويلعة، قالت جيني الحداد (21 عاما)التي قتل والدها سيمون داخل الكنيسة بينما تلقت التعازي: “لم يفعل أبي شيئاً. كان يصلي في الكنيسة. في حياته لم يحمل سلاحا أو يحارب أحداً”. وعلى غرار آخرين، طالبت الموظفة الشابة السلطات بأن “تحاسب من فعل ذلك وتحمي الأقليات”، مضيفة “كنا نعلم أنه سيحين دورنا”.

وتابعت الحداد بينما جلست قربها نساء متشحات بالسواد يبكين: “ذنبه أنه كان يصلي. كل من كانوا يصلون لم يقترفوا ذنباً”. وفي زاوية الغرفة، وضعت الحداد صوراً لوالدها (50 عاما) الذي اعتاد الذهاب الى الكنيسة يومي الأربعاء والأحد. وقالت بحرقة: “لا شيء أصعب من أن تعيش في مكان لا تشعر فيه بالأمان” مضيفة “لم أعد أرغب في البقاء هنا، أريد المغادرة لأن الموت يحيط بنا من كل الجهات”.

ومنذ وصول السلطة الانتقالية، ذات الخلفية الإسلامية، الى دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، عقب إطاحة حكم بشار الأسد الذي كان يقدم نفسه حامياً للأقليات، دعا المجتمع الدولي والموفدون الغربيون دمشق مراراً على حماية الأقليات وضمان إشراكها في إدارة المرحلة الانتقالية.

وفاقمت أعمال عنف ذات خلفية طائفية أسفرت في آذار/مارس الماضي عن مقتل 1700 شخص في الساحل السوري، غالبيتهم الساحقة من العلويين، ثم اشتباكات مع مسلحين دروز قرب دمشق أوقعت عشرات القتلى، المخاوف إزاء دور ومصير الأقليات.

رغم ذلك تتمسك نصر بالبقاء في بلدها، رغم خسارتها. وقالت “ليحقق الشرع في القضية ولا يسمح بأن يموت أحد بعد بسبب هذه الأعمال الارهابية. ليلغِ داعش من سوريا”، في إشارة الى تنظيم “داعش” الذي لم يتبنّ الهجوم رسمياً. وتابعت بإصرار: “أنا سورية مسيحية، أود العيش في سوريا رغماً عمن يرضى ومن لا يرضى”.

وعلى بعد أمتار منها، جلست نسيبتها تبكي زوجها الذي قضى أيضا في الكنيسة. وسألت بحزن: “لم هذه الكأس يا ربي؟.. ماذا فعلنا؟ نحن دعاة سلام ومحبة.. ما هذا الكره كله؟”. وتضمّ سوريا أقلية مسيحية انخفض عددها من نحو مليون قبل اندلاع النزاع العام 2011 الى أقل من 300 ألف، جراء موجات النزوح والهجرة، وفق خبراء.

وأغلقت غالبية المحال التجارية أبوابها الاثنين في حي الدويلعة حداداً على الضحايا، بينما كان شبان يلصقون أوراق نعي الضحايا على الجدران. وفي الكنيسة، عمل عناصر من الدفاع المدني على جمع ما تبقى من أشلاء متناثرة ووضعها في أكياس بعدما تم رفع الجزء الأكبر من الركام ليلاً.

ورغم أن السلطة الجديدة لم تفرض رسمياً قيوداً على الحريات والسلوك الاجتماعي، لكن انتهاكات غالباً ما تُصنّف “فردية” وبعض الاجراءات والقرارات الرسمية، تثير قلقاً وخشية من فرض قيود على نمط العيش والحريات الشخصية.

وكان إشكال وقع أمام كنيسة مار الياس في آذار/مارس الماضي، بعدما اعترض سكان على توقف سيارة دعوية بثت أناشيد اسلامية عبر مكبر الصوت. وتدخّل الأمن العام لاحقاً لاحتواء الوضع.

وقال نبراس يوسف (35 عاماً) الذي نجا من التفجير لكنه فقد ستة من أصدقائه وجيرانه: “اليوم لم تعد تتمكن من حماية نفسك، أو تشعر بالأمان حين تدخل الى الكنيسة بعد تفجير مماثل”. ورأى أن “تراكم” تجاوزات عدة حصلت خلال الأشهر الماضية من دون تدخل السلطات للحد منها أدى الى هذه النتيجة. وأضاف “عندما لا تشعر بأمان في معتقدك ودينك وممارسة شعائرك، فأنت مواطن درجة رابعة”، مضيفاً: “أريد من يوفر لي الأمان والمعيشة”.

———————

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى