الهوية السورية بعد التصدّع.. من الانتماء الجاهز إلى الوعي المفكّر/ مالك الحافظ

17 يونيو 2025
تتسلّل الكارثة إلى الوعي قبل أن تستقرّ في الواقع، لذا لا يكفي أن تنتهي الحرب كي يستعيد الإنسان السوري توازنه، إذ إن التشظي الذي خلّفته السنوات الماضية لن يتبدّد بسهولة مع سقوط نظام الأسد.
تتكشّف آثار الانهيار في الداخل النفسي قبل أن تظهر في البنية الاجتماعية، فلا يتوقف الأمر عند صدمة ما فُقد، إنما يتعداه إلى ما يستدعيه ذلك الفقد من أسئلة مؤجَّلة، مثل كيفية تشكل الذات من جديد وقد تخلخلت ركائزها؟ ما الذي يبقى من الإحساس الداخلي حين تنسحب العائلة من مركزها الرمزي، وتفقد اللغة وظيفتها في تسمية المعنى؟
في هذا الفراغ، يتحرّك السوري ليس كناجٍ من العنف فقط، وإنما كمن أُعيد وضعه أمام مرآة جديدة لا تعكس سوى هشاشته. بعد انكشاف البنى التي كانت تمنح الحياة معناها واتجاهها، يبدأ السوري في تفكيك الأسئلة التي ظلّت مؤجلة داخله. كيف يُعاد ترتيب الإحساس بالذات حين لا يعود هناك من يحدّدها أو يعترف بها، وكيف يُعاد توليد المعنى عندما تتحول المرجعية من يقين خارجي إلى حركة داخلية مشروطة بالقلق واللااستقرار.
هنا تناقش بام سيلفر كيف يمكن للفرد أن يُنتج “ذواتًا” متعددة ضمن بيئات مختلفة عندما تتفكك الهوية المركزية، وتدعو إلى فهم الذات كعملية مستمرة لا كجوهر ثابت.
الذات السورية أمام الفراغ
تلعب المرجعيات الجماعية دورًا مركزيًا في تشييد إدراك الذات؛ لأنها تحدد من نكون، وكيف نتحرك في العالم. الطفل مثلًا لا يكتشف ذاته في عزلة، إنما يراها من خلال عيون الآخرين؛ العائلة، المدرسة، المدينة، الوطن. هذه الأطر تُنتج معنى، وتؤطر الإحساس بالانتماء.
حين تنهار هذه المرجعيات، لا يتحرر الإنسان بالضرورة وإنما قد يواجه مساحة فارغة لا تحمل مؤشرًا واضحًا للتموضع، وهنا تبدأ المعضلة المتمثلة في غياب البوصلة. السوري الذي خرج من الحرب لا يجد نفسه في فضاء جديد، بقدر ما يكون في واقع منزوع الدلالة؛ تذوب فيه الهويات القديمة دون أن تنشأ بدائل متماسكة، والتصدع يظهر كعلامة تأسيسية لمرحلة نفسية مشوَّشة، تنفصل فيها الذات عن نقاط ارتكازها الأولى.
توزّعت التجربة السورية على جغرافيا متباعدة، لكنها لا تنتج بالضرورة وعيًا متكاملًا، فالقرب من الحدث لا يضمن فهمه، تمامًا كما أن المسافة لا تولّد دائمًا تفكّرًا حرًا
يشير ألفرد شوتس إلى أن الأفراد لا يتحركون داخل أنظمة كبرى مجردة، وإنما داخل ما يسميه “العالم المعيش”، أي المنظومة اليومية من العادات والمعاني المتوارثة، فعندما تنهار المرجعيات الكبرى، تنهار معها تلك البنية غير المرئية التي تمنح الفعل البشري اتساقه الظاهري.
في مرحلة ما بعد التفكك، يسعى كثيرون إلى انتزاع وعي مستقل ينهض من تحت الركام، لكن هذا المسار لا يخلو من مفارقة فما يبدو تحررًا قد يتحوّل إلى عزلة، وما يُبنى كاستقلال قد ينزلق إلى قطيعة لا تولّد إلا فراغًا داخليًا. لا تنشأ الذات المستقلة إلا عبر صيرورة معقّدة من الاعتراف، والقدرة على التفاعل دون ذوبان، والانفتاح دون خضوع.
السياق السوري المشبع بتجارب الانصهار القسري والانتماءات الموروثة، لم يوفّر أدوات حقيقية لتكوين فردانية مرنة، والتحرر من القيد لا ينتج بالضرورة استقلالًا، وإنما قد يدفع نحو انكفاء يُفكّك الروابط ولا يقدّم بديلًا بنيويًا. ما نحتاجه هنا هو إعادة تأهيل الوعي للعيش في الفراغ، وتحويل الانقطاع إلى إمكان، لا إلى عزلة مغلقة.
ما إن تنهار البُنى الكبرى، حتى يبرز الفراغ بوصفه التجربة النفسية الأكثر استعصاءً، فيكون الفراغ تفككًا في المنظومة الإدراكية التي كانت تمنح الواقع استقراره الظاهري. في مواجهة هذا الانكشاف، تُترك الذات دون خارطة، ودون مرجعية، ودون أدوات جاهزة لإعادة التكوين.
يبيّن كريستوفر لاش بأن المجتمعات المتفككة قد تُنتج أفرادًا يسعون إلى الخلاص الشخصي على حساب التماسك الاجتماعي، ما يؤدي إلى فردانية هشّة، منفصلة عن أفق جماعي أو سردية مشتركة.
حين تختفي القوالب الجاهزة، تنفتح المساحات أمام بناء هوية لا تستمد مشروعيتها من الطائفة أو الخطاب القومي أو السلطة الأبوية. الذات السورية هنا وقد خرجت من نفق الانتماءات المغلقة، تجد نفسها في موقع يسمح بإعادة توليد المعنى؛ وليس استعادته بالضرورة.
إلا أن هذا التحول يحتاج إلى وعي يُعيد تسمية الأشياء، يُنتج سرديات جديدة، ويملك شجاعة التخلي عن اللغة الموروثة، ففي لحظة ما بعد الحرب، يصبح الوعي المفاهيمي ضرورة وجودية، وأداة للبقاء النفسي، وشرطًا لإمكانية العيش في زمن لا يعود فيه الماضي مرجعًا صالحًا.
تحديات تكوين الفردانية بعد الحرب
توزّعت التجربة السورية على جغرافيا متباعدة، لكنها لا تنتج بالضرورة وعيًا متكاملًا، فالقرب من الحدث لا يضمن فهمه، تمامًا كما أن المسافة لا تولّد دائمًا تفكّرًا حرًا. من بقي في الداخل لامس الصدمة بجسده، وتعايش مع التفكك وهو يحدث لحظة بلحظة، بينما من غادر لاجئًا/مهاحرًا إلى الخارج غالبًا ما أعاد ترتيب ذاته ضمن أنظمة أكثر استقرارًا، لكن من خلال أدوات قديمة، وسرديات لم تُحدَّث.
يرى فريد موتن أن اللغة وسيلة للانفلات من منطق السيطرة وإعادة التموقع خارج شبكات السلطة المعرفية. وهذا يُفهم كسلوك ضروري في ما بعد الحرب، حيث اللغة لا تشرح الخراب بل تتجاوزه بإيقاعات جديدة للذات.
السؤال اليوم لا يدور حول من كان من السوريين أقرب أو أصدق، وإنما من يملك القدرة على الترميم الرمزي والمعرفي، ومن يستطيع أن يُنتج تصورًا مختلفًا للذات السورية، فلا يعيد إنتاج الانقسام، ولا يكتفي برواية الألم.
إعادة البناء تتطلب أفرادًا يتحرّكون داخل وعي نقدي، يقرأ التجربة كسؤال مفتوح، وهذا الوعي لا يُصنّع من الخارج ولا يُستورد من الداخل، وإنما يُبنى في تلك المسافة القلقة التي تفصل السوري عن ذاته، وعن الآخر، وعن تاريخه الذي لم يُحسم بعد.
تبدأ إعادة البناء من زحزحة اللغة التي سبقت الانهيار واستمرت بعده. ما هو مطروح اليوم هو خلق فضاء معرفي يسمح بإعادة التفكير بالذات ضمن شروط متغيّرة، دون أن تُختزل التجربة إلى سردية خلاص أو تطهر.
تشير إليزابيث غروس إلى أن الذات ليست كيانًا متماسكًا بداخلنا، وإنما هي نتيجة عملية مستمرة من “التحوّل الجسدي والمعرفي” داخل الزمن. وعليه، لا يُعاد بناء الذات بعد الصدمة عبر الرجوع إلى أصل ثابت، وإنما عبر القدرة على استقبال التشظي كمكوّن أصيل في التكوين.
السؤال يكمن في إعادة صياغة أسئلة الطاعة والانتماء القسري، فكيف نكتب ذواتنا بعد أن انكسرت صيغ الهوية المغلقة، وما الذي يمكن الاحتفاظ به من بُنى سابقة دون إعادة إنتاجها، وأي سرد زمني يمكن أن يستوعب ذاتًا لم تعد تجد اتساقها في خط مستقيم.
في واقع متشظٍ يقوم على قدرة الوقوف في الفراغ دون استعجال الامتلاء، فإن الوعي الذي يُحتمل اليوم ما يُجرّب حدوده في انعدام المرجع، ويعيد كتابة شروطه دون انتظار إذن رمزي أو اعتراف خارجي.
السوري الذي خرج من الحرب يبحث عن إمكانية العيش داخل تشظٍّ لا يتحوّل إلى انكسار، وما يحتاجه ليس سردية تعويضية، وإنما لغة تفكّك، وتعيد تركيب ما بقي، بوصفه ذات تجتاز الانقطاع، وتخترع لنفسها إيقاعًا خاصًا في زمن لم يعد يَسِمُها بمكان ثابت أو سردية كبرى.
الترا سوريا



