مرحلة إعادة الإعمار في سوريا: هل نُعيد التفكير بناءً على خارطة توزع المياه؟/ د. أحمد حج أسعد

2025.06.18
عقود من التخطيط والتنفيذ تجاهلت العلاقة الحيوية بين السياسات التنموية وإدارة الموارد المائية. واليوم، وفي ظل ما تواجهه سوريا من تحديات هائلة لإعادة الإعمار، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكن إعادة إعمار سوريا دون مراجعة جذرية لهذه العلاقة؟
في هذا المقال أقدم طرحًا نقديًا يستند إلى تحليل الواقع المائي لسوريا من منظور تنموي، مشددًا على ضرورة إعادة هيكلة الخارطة التنموية للبلاد انطلاقًا من التوزيع المكاني والكمّي والزماني للموارد المائية. وأؤكد أن تجاوز الأزمة المائية يتطلب معالجة جذرية تُعد شرطًا بنيويًا لأي مسار فعّال لإعادة الإعمار، إذ إن إغفال هذا البعد يُفضي إلى مقاربات تنموية قاصرة وربما غير قابلة للتحقق.
كانت وما تزال المياه حجر الأساس في التنمية، خصوصًا في المناطق الجافة وشبه الجافة مثل سوريا. ورغم هذه الحقيقة، جرى تجاهل ضرورة الاستخدام العقلاني والمستدام للمياه في رسم السياسات التنموية خلال العقود السابقة، ما تسبب في تدهورها من الناحيتين الكمية والنوعية. واليوم، تفرض أزمة المياه المتفاقمة نفسها بقوة على عملية التخطيط كعامل رئيسي في نجاح إعادة الإعمار والتنمية.
المياه: بين التنمية وأجندات السلطة
رسمت المياه منذ القدم خارطة الاستقرار البشري في سوريا؛ فقد تمركز السكان حيث وجدت الأنهار والينابيع، وازدهرت الزراعة المروية على ضفاف الأنهار وبالقرب من منابع المياه. كما تنوعت الزراعة البعلية تبعًا لتوزع الهطول المطري، الذي يتفاوت من 1500 ملم غربًا إلى أقل من 200 ملم جنوبًا وشرقًا. أما البادية، حيث تقل الأمطار عن 200 ملم، فاعتمد سكانها على الرعي وبعض الزراعات المحدودة في الواحات (الفيضات).
ومع نشوء الدولة، تولت المؤسسات الحكومية إدارة المياه، فشكّل استخدامها للشرب والصناعة والري محورًا رئيسيًا في سياساتها التنموية منذ منتصف القرن العشرين. بُنيت السدود، ومحطات مياه الشرب، وشبكات الري، وشجعت الدولة المزارعين على استثمار المياه الجوفية للتحول من الزراعة البعلية إلى المروية، مما أدى إلى توسع كبير في الخارطة الزراعية. فقد انتشرت الزراعات الحقلية المتنوعة، والخضار، والأشجار المثمرة المروية في مناطق كان إنتاجها محصورًا بالشعير البعلي حتى تسعينيات القرن الماضي. بين عامي 1990 و2006، ارتفعت المساحات المروية من المياه الجوفية بنسبة 235٪، ومن المياه السطحية بنسبة 196٪.
كما ساهمت السياسات الحكومية، من خلال تضخيم الجهاز الإداري في المدن، وإنشاء الثكنات العسكرية والمصانع في محيطها، في تشجيع السكان الريفيين على الانتقال إلى المدن، وبالتالي زيادة الطلب على المياه فيها.
هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف إلى تحقيق التنمية، فقد خضعت في جزء كبير منها لمنطق السيطرة من قبل السلطة السياسية، التي غيبت استراتيجيات استخدام وإدارة الموارد المائية المبنية على أسس الدراسات العلمية التي أنجزتها المؤسسات الحكومية الرسمية.
فرغم ما تحقق من زيادات في الإنتاج الزراعي والصناعي، إذ ارتفع إنتاج القمح بنسبة 250٪، والقطن 163٪، والزيتون 252٪، واللحوم الحمراء 183٪ بين عامي 1985 و2006، كما بلغت نسبة السكان الذين يحصلون على مياه الشرب من الشبكات العامة نحو 95٪ في المدن، و89٪ في الريف، بمعدل يتراوح بين 50 و125 لترًا يوميًا للفرد، ونجحت السلطة السياسية في رسم خارطة التعزيز الشعبي لنظامها، إلا أن هذه النتائج لم تدم طويلًا. فقد أدت إلى استنزاف خطير للمياه، إذ تجاوز العجز المائي 3.25 مليار متر مكعب في عام 2008–2009، فانخفض مستوى المياه الجوفية، وجفّت العديد من الينابيع والأنهار، وأصبح المزارع يدفع أكثر من أجل الحصول على المياه، خاصة بعد رفع الدعم عن المازوت الذي يُعد العمود الفقري لاستخراج المياه. كما واجه سكان المدن الكبرى، وعلى رأسها دمشق وريفها، مصاعب متزايدة في الحصول على مياه الشرب.
كما ساهم سوء إدارة ملف المياه، إلى جانب عوامل أخرى، في خلق أزمة في العلاقة بين المزارعين والنظام السابق، تُرجمت إلى احتجاجات شعبية تمركزت بشكل رئيسي في المناطق الريفية، ما أدى إلى تزعزع أركان الخارطة التي كان قد رسمها.
المياه أثناء الصراع
مع اندلاع الصراع، أصبحت البنية التحتية العامة والخاصة للمياه هدفًا مباشرًا للهجمات أو عرضة للنهب والتخريب، لا سيما من قبل النظام السوري وحلفائه. أدى ذلك إلى تدهور شديد في إمكانية الحصول على مياه الشرب، وانخفاض كبير في الإنتاج الزراعي بسبب انهيار شبكات الري العامة، وتراجع المساحات المروية من المياه الجوفية.
ومع ذلك، لوحظ في بعض المناطق تعافٍ طفيف في مستويات المياه الجوفية، ما قد يشكل بارقة أمل، إن تم التعامل معه بحكمة.
اليوم.. التحديات أكبر
تُظهر المؤشرات حجم المأزق الحالي: انخفاض مستوى المياه الجوفية، وتلوّث شديد للأنهار، وتدهور كبير في البنية التحتية للموارد المائية، وكل ذلك نتيجة عقود من التخطيط التي تجاهلت “الميزان المائي” وواقع الموارد المتاحة، واستهداف البنية التحتية للموارد المائية كأهداف عسكرية، فضلًا عن تفاقم آثار التغير المناخي.
التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في شح المياه، بل في مدى استعداد الإرادة السياسية الجديدة للتعامل مع المياه كأولوية وطنية. فالماء ليس مجرد مورد بيئي، بل هو أساس العدالة والاستقرار والتنمية.
ليس الحل جاهزًا.. بل الأسئلة هي البداية
لن تُرسم خارطة تنموية مستدامة من دون العودة إلى خارطة توزّع الموارد المائية، والاستماع إلى صوت العلم لا إلى رغبات السلطة السياسية. ولهذا، لا بد من طرح أسئلة جدية تشكّل منطلقًا لأي خطة واقعية لإعادة الإعمار:
هل هناك إرادة سياسية حقيقية لإعطاء المؤسسات العلمية المستقلة دورًا محوريًا في تخطيط استخدام المياه، بما يتناسب مع إمكانيات كل حوض مائي؟
هل سيتم تفعيل القوانين الخاصة بتنظيم استخدام المياه، وتحرير القضاء من القيود السياسية التي عطّلت دوره الرقابي لعقود؟
هل ستُعتمد استراتيجية جديدة توائم بين الوضع الحالي والتطلعات التنموية، وصولًا إلى استخدام مستدام للموارد المائية؟ أم سيُكتفى بتعديلات شكلية على استراتيجية الخطة الخمسية العاشرة، كما فعلت بعض المنظمات الدولية أثناء تحضيرها لملفات إعادة الإعمار؟
هل يمكن تبني أنشطة اقتصادية أقل استهلاكًا للمياه وأكثر جدوى من حيث العائد الاقتصادي؟
هل يمكن نقل بعض الإدارات من المدن الكبرى إلى مناطق أكثر غنى بالمياه لتخفيف الضغط على مصادر الشرب؟
ماذا عن الصناعات الثقيلة والملوثة؟ ألا ينبغي نقلها إلى أماكن يكون ضررها أقل على الصحة العامة والبيئة؟
هل هناك استعداد لدى الصناعيين والمجتمعات المحلية لتحمّل مسؤولياتهم في حماية الموارد المائية؟
ماء من أجل عدالة واستقرار وتنمية
لن تُبنى سوريا المستقبل بخرائط سياسية فقط، بل لا بد من خارطة مائية عادلة. كما لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية دون مراجعة جذرية لمسألة المياه، والاستفادة من دروس الماضي، ومواجهة تحديات الحاضر، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات التغير المناخي. فالماء ليس مجرد مورد، بل هو حق إنساني وشرط لتحقيق تنمية عادلة وضمانة لاستقرار اقتصادي–اجتماعي–سياسي طويل الأمد.
تلفزيون سوريا



