دبكة أقل…:يوم ترحيل الكراكيب/ حسام جزماتي

24-06-2025
في ذلك الصباح لم يحصحص الحق على بشار الأسد وحده. بل عليّ أيضاً إذ أكتشف، لا للمرة الأولى بالطبع، أن على الأحداث العامة أن تندرج في وقت مناسب لي لأنفعل بها كما يجب، تحت طائلة تكسير رتبتها من المكانة التي تستحقها بالفعل، «جزاءً وفاقاً» لقدومها الطارئ!
في ذلك اليوم الرمادي كان برنامجي المُجدوَل، قبل سقوط النظام ورغمه، هو متابعة مهمة سمجة واكبت الأيام العشرة السابقة أصلاً، وهي الانتقال إلى مسكن جديد. مما كان قد أفسد عليّ مراقبة عملية «ردع العدوان» بالشكل الذي تستأهله من تيقظ وتوتر.
أمّا يوم الثامن من كانون الأول (ديسمبر) فكان مخصصاً لنقل الكراكيب، بعدما حملت سيارة شحن المفروشات الأساسية سابقاً. ولهذا كان عليّ للأسف، سواء أهرب بشار الأسد أم لا، أن أستعير عربة الخضار المدفوعة باليد من جاري السمّان التركي، وأنطلق في مشاوير سيزيفية بين المنزلين اللذين تفصل بينهما مسافة 150 متراً. محمّلاً جرائد قديمة ومطربان زيتون وكومة من القداحات لا وقت لفحصها وفناجين قهوة وكاسات حساسة للكسر وسجادة سميكة صغيرة وحزمة من الأقلام الزائدة عن الحاجة، في رحلة قصيرة صاخبة على رصيف مضطرب التبليط، إلى البيت الجديد البارد، مفرّغاً الشحنة بفوضى أحسبها واعية. لأعود بالعربة رشيقة تتنطط على الرصيف وأنا أراقب، عبر الموبايل، مشاهد انتقال تاريخي في العاصمة دمشق، وفرحاً عارماً في معظم المدن، وعلى صفحات أصدقائي الذين كنت أحاول أن أرد على رسائلهم الملتهبة بانفعال مواز لم يساعدني عليه ظرفي المهني كسائق عربة مفعمة بالكراكيب التي تتقافز. حتى قررت اللجوء إلى إرسال باقة من القلوب الحمراء كنوع من الرد المناسب الموحد، قبل أن أنتبه إلى أنهم غيّروها إلى خضراء على غفلة مني ومن منزلين أوقف اشتراك الإنترنت في أولهما ولم يفعّل في الثاني، ولابتوب تحت ركام الأغراض.
أسباب غير مباشرة
كي لا يبدو الأمر محض مزاج عليَّ أن أوسّعَ الكاميرا من السبب المباشر، كما تقول كتب التاريخ المدرسية، إلى العوامل العميقة البعيدة.
فمن جهة أولى، وكما لاحظتُ من مراقبة تالية، كان أشد الناس انفعالاً بسقوط النظام هم الذين فقدوا الأمل تماماً في حدوث ذلك، ووطّنوا أنفسهم على «حقيقة هزيمة الثورة». وببساطة لم أكن منهم. كنت متيقناً من أن الكركبة التي كانت قائمة في القصر الجمهوري غير قابلة للاستمرار، ومن أنها ستنهار فجأة في تاريخ لا يمكن التنبؤ به، مثل مريض تكاثرت عليه العلل وصار يعيش، يوماً بيوم، على أجهزة الإنعاش والتغذية التي لن تفلح في إنقاذه لوقت طويل.
في البداية لم أكن أظن أن معركة «ردع العدوان» ستفتح له باب القبر. بل كنت حذراً منها، متخوّفاً من أن تؤدي إلى هزيمة شبه قاضية لا يتحملها واقع «المناطق المحررة» الهش الحرج وقتئذ. وقد تشاركتُ هذا القلق مع كثيرين، منهم بعض قادة المعركة وعدد من حلفائها الوثيقين اللاحقين، كما كشفت شهادات عديدة، واقعية وغير ظفورة.
ومن جهة ثانية لم أكن متفائلاً بهذا المنتصر على الإطلاق. فبخلاف جمهور عريض من السوريين لم يكن يعرفه إلا بالمجمل؛ كنتُ كتبت الكثير عن أبي محمد الجولاني الذي تحول بسرعة إلى أحمد الشرع، وعن «هيئة تحرير الشام» التي أصبحت «الدولة»، وعن «تجربة إدلب» المنقولة إلى دمشق. وفي كل ذلك لم يكن رأيي إيجابياً. وأيضاً، بالمقارنة مع أصدقاء كانوا يشاطرونني تلك الآراء، لم يصل إليَّ من «نشوة النصر» ما يكفي لأفتح صفحة سعيدة جديدة متوهماً أن القوم تغيّروا.
ومن جهة ثالثة يجب أن أعترف أنني لم أكن ممن ينتظرون التحرير على نار، كحال المهجّرين وقاطني المخيمات ممن كانوا يتحرقون للعودة إلى بيوتهم وأراضيهم وبلداتهم. مما مكّنني، بدافع اختلاف الظرف الواقعي، من متابعة معارضة هذا المحرِّر.
مندوسهم… مندوسهم
في الأسابيع الأولى لسقوط النظام تقاطر أصدقائي، وعشرات ألوف السوريين غيرهم بالطبع، لزيارة البلد. وحينها كنت استعدتُ موقعي الميداني وراء شاشة اللابتوب، «الطلّاقية» الوحيدة التي أعرف، وتفرّغتُ لقراءة الانطباعات ورؤية مقاطع الفيديو المصورة في مقهى الروضة ومشاهدة المقابلات الأكثر رصانة.
قال أحد الأصدقاء الذين زاروا دمشق، قادماً من الخارج: «بتحس كل الناس طالعة من سجن صيدنايا». وقال آخر أتى من «المناطق المحررة» إلى العاصمة: «وضع البلد متل الشب المتسرّح من الخدمة العسكرية جديد؛ طالع من كابوس وحاسس بالحرية بس عليه مية شغلة بالحياة ولسة مو عرفان شو يعمل».
وفي غمرة الشعور بالتحرر تصدّرت الاحتفالات أغنيتان حماسيتان؛ «ارفع راسك فوگ… أنت سوري حر» و«مندوسهم مندوسهم… بيت الأسد مندوسهم»، فرقصت عليهما الجموع والنخب. وعنى تناوبُهُما أن رفع الرأس يتناسب طرداً مع الوطء بالقدم على كل ما يمت بصلة إلى النظام، «البائد» كما يكرر الإعلام الجديد دون ملل، وكأنه لم يصدّق بعد!
«راحت السكْرة وإجت الفَكرة»
رغم محاولة الكثيرين تمديد العرس لأطول ليال ممكنة إلا أن الاستحقاقات الغليظة فرضت نفسها على كره من الراغبين في استمرار الثمالة «إلى يوم القيامة»، كما قيل.
وفي حين كانت أبواب الخارج تُفتَح بسرعة لافتة كان الداخل يطرح معطياته من دون تساهل أو تجميل. فالخزانة العامة كانت مفلسة حتى عن دفع رواتب الموظفين، فضلاً عن تمويل التوسع الإسعافي لأجهزة الأمن والشرطة والجيش، البديلة بالطبع. والعلاقات بين السوريين في حضيض غير مسبوق، خاصة بعدما أفاقت البلاد من أثر المخدّر الذي صاحب التحرير. وتحرّكت أحقاد جمهور منتصر لتضرب كل الأغيار؛ العلويين أولاً بطبيعة الحال، ثم الدروز بتهم تراوحت بين الكفر وبين الانفصالية والعمالة لإسرائيل، وما يزال الملف الكردي يسير على صراط قلق تهدده المخاوف. فيما تبدو أغلبية من العرب السنّة سادرة في زهوة الحكم لا تمتنع عن ممارسته بطيش مستهتر.
ترتبط الآمال العريضة المرافقة لذلك بملف رفع العقوبات الأميركية والأوروبية، وهو ما تحقق مؤخراً وينتظر تنفيذه خلال أسابيع أو شهور. لكن المسألة لا تبدو ببساطة أن تزول العقوبات أو تُخفّف، فتنهالَ الأموال العربية الخليجية «زي الرز»، فتُقلعَ عجلة إعادة الإعمار. من دون بنى إدارية واقتصادية وحوكمة واضحة، كما تدلّ سياسات تحت الطاولة وما وراء الكواليس واللقاءات الشخصية، السائدة إلى الآن.
سنرجع يوماً إلى حيّنا؟
أخبار العودة من حولي لا تهدأ. لا سيما بعد الرضّ الذي تعرّض له اللاجئون السوريون في السنوات القليلة الأخيرة، عندما شعروا بأن قسماً كبيراً من «المجتمع المضيف» لم يعد كذلك لأسباب اقتصادية واجتماعية.
تُغلَق مطاعم لم تكن ناجحة بالضرورة من الأساس، وتُسلَّم محالٌّ كان أكثرها غطاء للبطالة، وتُخلَى بيوت كانت قائمة على الستر، فيما تزدحم المعابر الموصلة إلى البلاد.
أما بالنسبة لي، كشخص لم يشعر بعدُ بأن منزله الجديد قد سدّد ما عليه من دَين لقاء شعور الاغتراب الذي يصاحب تغيير المسكن ومألوفاته؛ فأعتقد أن الوقت ما زال مبكراً لاتخاذ قرار البداية في مكان «جديد». إذ إن سورية، التي تركتها قبل اثني عشر عاماً، لم تعد موجودة بالشكل الذي أعرف. ولعل إعادة الارتباط معها تحتاج إلى الكثير من الجهد والصبر المطلوبَين للعناية بمصاب حرب ضارية، خاصة حين يكون لصيقاً إلى هذه الدرجة بالذاكرة والحساسية!
موقع الجمهورية



