الشبّيح/ فيصل خرتش

8 يوليه 2025
كان يدخل إلى المقهى مرتديًا الفيلد والبذلة العسكريين، والحذاء ذا الرقبة الطويلة، ويجلس أمام مدير المقهى وبيده فنجان القهوة الذي جلبه من الخارج. كان طوني لا يأبه له، ثمَّ يلقي عليه تحيَّة الصباح، وأيضًا لم يكن يستكيل بكيله، بل إنَّه يصرخ: كيف هم الأوغاد اليوم؟ ويقصد بهم زبائن المقهى. هل ضايقك أحد منهم؟ دلَّني عليه وأنا سأصنع منه سلطة. يجيب طوني المغلوب على أمره: الأمور جيدة، كلُّه تمام. وعند ذلك يصيح: كيف أنت يا أبا علي؟ هيئ لنا الإفطار بسرعة. فيقول: حاضر، تكرم أنت وشارباك. وينظر إلى المكتبة البائسة، ويقول: ألم تنتهوا من القراءة وتلقوا بهذه الكتب في القمامة؟ يهزُّ طوني برأسه. وهكذا يبدأ يومه، إذا لم يكن عنده مهمة.
تبدأ المهام عنده عندما يتلقى اتصالًا من القائد، وغالبًا كان ذلك يوم الجمعة. يقول له: احضر قبل الصلاة، ليس وحدك، أنت ومعك الجماعة، إلى ساحة البرج في الميدان. أحضر معك كلَّ شيء. وتنتهي المهمة. يقوم ويختلي على طاولة بعيدة ويبدأ الاتصال بجماعته، يخبرهم بمكان اللقاء، ويذهب للتحضير ولمّ الشمل.
والشبّيح كلمة صارت تُطلق على أولئك القوم الذين كانوا يقدِمون في سيارات الشبح، يقدِمون من محافظة أخرى إلى مدينة حلب، يحملون من هناك، من مينائهم، المهربات التي يجلبونها. إنهم يحضرون معهم: الدخان من كافة صنوفه، والتلفزيونات من كافة الأنواع والمقاسات، والمحمول في آخر منجزاته. إنَّهم يهرِّبون كلَّ شيء، من القداحة إلى الآلات الإلكترونية، يحضرون سريعًا وينزلون بضاعتهم، ثمَّ يعودون، يأخذون ثمنها من المهربين المحليين، ثمَّ يرحلون. وكانوا يسيِّرون معهم السيارات المسلحة من أجل حمايتهم على الطريق الذي يقدِمون عليه. ومن ثمانينيات القرن قبل الماضي، صار الناس يطلقون عليهم (الشبّيحة)، الذين يأتون في وقت محدّد ويذهبون في وقت محدّد، وخلال ذلك يفعلون العجائب، والناس في هذا الوقت يغلقون دكاكينهم وبيوتهم، لأنَّ الشبّيحة اليوم يمرون.
ذهب إلى البيت ولمَّ الشبّيحة، وخرجوا في سيارات ذات الدفع الرباعي. انطلقوا إلى ساحة البرج، كانوا مجهزين بالمسدسات والبواريد والبلطات والسكاكين، والكلاب الشرسة التي كان يمسكها صاحبها وهي تلوب محاولة الانطلاق. وصلوا إلى هناك، وكان سيادة النقيب هو وعناصره بانتظارهم. النقيب بيده جهاز اللاسلكي، به يتلقى الأوامر، ثمَّ يعطيهم الإيعاز: اليوم في مسجد الصاخور. وينطلقون إليه، وتبدأ المغامرة. إنهم يطوقون المسجد بدايةً والمصلين في داخله، أيضًا أخذ المصلون احتياطهم، فوضعوا المراقبين خارجه. وعندما تنتهي الصلاة، يبدؤون بالتكبير: الشعب السوري واحد. ويبدأ الهجوم عليهم، وإطلاق الرصاص، والكلاب التي تعوي بشراسة خلال هجومها. ومن داخل المسجد ما زالوا يصرخون بالحرية، ويلمّون البشر، ويضعونهم في سيارات صُنعت خصيصًا لهؤلاء القوم الذين يريدون حرية. امتلأ الميكرو، نعم لقد امتلأ، وأغلقوا الأبواب، واندفعوا إلى المركز الأمني.
الشبّيح، ها هو يبتسم، لقد أشعل سيجارة وراح يدخنها بعذوبة وانشراح. جمع عناصره أيضًا، وتفحّصهم، وعدَّد المصابين منهم، لا شيء، بعض الخدوش بسبب المناوشات. لقد تحرّر الآن، فإلى لقاء آخر، إنَّ يوم الجمعة لقريب. أعطاه النقيب “المعلوم” ليوزِّعه على البقية.
كنتُ أسكن في منطقة تقع تحت خط النار، ونتيجة القصف بالهاون، وأصوات العيارات النارية التي تحزُّ في قلوبنا، أنا وأولادي، كنا نختبئ في الممر والحمام ساعة يكون القصف مباشرًا. لذلك قرَّرت أن أَهّج من هذه المنطقة إلى مكان آخر، يكون أقل قصفًا. جمعنا ما نحتاج إليه، وانطلقنا إلى البيت الذي استأجرناه في غربي المدينة، وبقيت في البيت القديم كلُّ ذكرياتي وبعض الأوراق التي اعتقدت أنها مهمة. قلت في نفسي: لماذا لا أزور البيت القديم، ألملم فيه عبق الماضي، ومنها آتي بجواز السفر الذي نسيته هناك؟ وهكذا انطلقت إلى البيت القديم. وصلت إليه، ومشيت بين الأشجار، وإذا بها تحادثني وتكلِّمني، إنها تبكي لأنني تركتها لهؤلاء الذين يريدون أن يطفئوا نور الله. كانت الأشجار تنشج بأسى، سمعتُ صوتها وأنينها.
كان الحرس واقفًا وبيده البندقية الروسية، وعندما رآني، صرخ بي أن أقف. جاء إليَّ وقال: ماذا تفعل هنا؟ قلت له: أنتم ماذا تفعلون هنا؟ قال: هذا ليس شأنك. قلت: إنَّه بيتي، لقد بنيته بيديَّ هاتين. قال لي: إذًا تعال معي. واتجهنا إلى معلمه، الذي كان يجلس على مقعد وأخرجه خارج البهو. ما شأنه هذا؟ قال. نظرتُ إليه، كان ذات الشبّيح الذي يأتي إلى المقهى بكامل لبسه العسكري المموَّه. إنَّه يضع على رأسه قبعة عسكرية مموَّهة. تجاهلني وقال: ماذا تريد؟ قلت: هذا بيتي، وهنا أشيائي التي كنت قد جمعتها. أريد أن أدخل البيت، لأرى هل تخرَّب أم لا. قال بالحرف الواحد: البيت هو غنائم حرَّبية، وإذا سمحتُ لك فإنَّها آخر مرَّة. ادخل وانظر إليه، وممنوع أن تأخذ شيئًا منه، هل فهمت؟ وأسقط في يدي. معقول أن يكون بيتي غنائم حربية؟ وأنَّ هذه النقطة هي المكاسب التي حصلوا عليها؟ دخلتُ إلى البيت، كان كلُّ شيء كما تركته، ما عدا المقاعد، فقد أخذوها إلى الفسحة الشمالية كي يجلسوا عليها. نظرتُ في المكان الذي خبأتُ فيه الأوراق، كانت هناك، فأسرعت بأخذها، وكان جواز السفر من بينها. خبأتُها بين ثيابي كيلا يروها. خرجتُ من البيت بعد أن نظرتُ في أرجائه النظرة الأخيرة. ترى، هل أستطيع أن أعود إليه مرَّة أخرى؟
وصلتُ إلى البيت المستأجر وأنا مهموم. سألتني أمُّ الأولاد عن وضع البيت. قلت لها: لقد أصبح غنائم حربية. سكتت قليلًا، ثمَّ قالت: فداك… الذي بنى ذاك البيت، يبني غيره. قلت: لقد بنيته عندما كنت شابًا، والآن أصبحتُ كهلًا. قالت: ولا يهمك، لا تستسلم، واتكل على الله.
زرتُ البيت بعد التحرير، فوجدته وقد أصبح بدون باب. دخلتُ إليه، فاستقبلني الشجر بالعويل والصياح. كانت الريح قد هبَّت، والشجر يتمايل ويحني رؤوسه. إنني أعرف كلَّ شجرة فيه، ففي أطراف السور زرعتُ أشجار السرو، وفي الداخل كان شجر البرتقال، والكرز، والمشمش، وفي الوسط عباد الشمس، وحاكورة لزراعة الخيار والطماطم والباذنجان والكوسا. لم أجد شيئًا منها. كلُّ الذي وجدته مُجرّد أشجار مهملة، والزمن يُلقي عليها بظلاله. والحاكورة قد تخرَّبت، لم يبقَ منها شيء. دخلتُ المبنى، فكان بدون أبواب. قلعوا الشبابيك من جذورها، وصنابير المياه، وأشرطة الكهرباء، لم يبقَ لها أيُّ أثر. كانت الغرف مفرَّغة من الداخل، حتى البلاط شلعوه. كأنَّه مقبرة تصفر فيها الرياح. حينذاك أيقنتُ أنَّ الذئاب تقطِّع الفريسة قبل أن تأكلها، وأنَّ الموت يأتي من دون إنذار.
رأيتُه اليوم، إنَّه ذاته، الشبّيح الذي كان في البيت آمرًا ناهيًا. كان يلبس ثوبًا طويلًا (جلابية) باذنجانيّ اللون، وينتعل خفًا ديريًا (الدير اشتهرت بصنع هذا الخفّ)، وعلى رأسه عمامة، وقد ربّى لحيته، وفي يده سبحة يسبّح بها. سلَّمتُ عليه، فردَّ السلام بهزتين من رأسه، وبشبه ابتسامة.
ضفة ثالثة



