الإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الشرع ومجلس الشعب “الجديد” تحديث 11 تموز 2025

تحديث 11 تموز 2025

——————————

خمسين الشرع/ شعبان عبود

01 يوليو 2025

مع صدور المرسوم الرئاسي الذي شكّل بموجبه الرئيس أحمد الشرع “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، تدخل سورية مرحلة جديدة من الحياة السياسية في ظل دستور مؤقت يوزّع مقاعد المجلس التشريعي بشكل غير مسبوق: ثلثان بالانتخاب، وثلث يعيّنه الرئيس. في نظام يتكوّن فيه المجلس من 150 عضواً، يُمنح الرئيس سلطة اختيار 50 نائباً، ليصوغ عبرهم توازناً أو يمارس توجّهاً، أو حتى يبعث رسائل سياسية واجتماعية إلى الداخل والخارج.

لكن من هم “خمسون أحمد الشرع”؟ لا يُطرح السؤال عبثاً، فالرئيس الشرع، الآتي من خلفية إسلامية، أطلق منذ تسلّمه الحكم إشاراتٍ، وتحدّث بلغة طغت عليها النزعة الوطنية السورية، ما سمح بإشاعة مناخ من التفاؤل. وهذا يجعل من مهمّة استشراف هوية الخمسين المعينين أكثر إثارة للاهتمام.

معروفٌ أن تكون هذه المقاعد، في الأنظمة السياسية التي تتيح للرئيس تعيين جزء من البرلمان، غالباً ما تكون مخصّصة لضمان التوازن، أو تمثيل الأقليات، أو ضمان حضور المرأة، أو تمرير مشروع سياسي معيّن. وفي الحالة السورية، حيث تمر البلاد بإعادة تشكيل اجتماعي وسياسي بعد سنواتٍ من العنف والانقسام، تبدو هذه التعيينات أقرب إلى اختبار نيات للرئيس الشرع: هل يسعى إلى توسيع قاعدته السياسية، أم إلى تحصينها؟

في حال اختار الشرع ملء الخمسين بمقرّبين من تياره وقاعدته، وممثلين عن الفصائل والتيارات الإسلامية التي دعمته في صعوده، فسيكون هذا إشارة واضحة إلى استمرار النهج الإقصائي كما يعتقد بعضهم. هذا الخيار، رغم كونه “آمناً” على المدى القريب، إلا أنه يهدّد بتعميق الفجوة بين السلطة وشرائح واسعة من المجتمع السوري كالعلمانيين واليساريين والأقليات الدينية والنخب الثقافية التي لطالما طالبت بدور سياسي أكبر.

لكن ماذا لو اتخذ الشرع خطوة جريئة وعيّن، على سبيل المثال، شخصيات علوية بارزة ضمن “خمسينه”؟ هل يغامر بذلك لإثبات انفتاحه؟ وهل يمكن أن يرى الشارع السوري في هذه الخطوة بداية لعقد اجتماعي جديد، يُعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والطوائف؟ التوقعات هنا متعددة، فبعضهم يرى في تعيين شخصيات علوية أو درزية أو مسيحية أو كردية خطوة رمزية قد تكون ذات وقع إيجابي داخلياً وخارجياً، فيما سيرى آخرون أن هذه المبادرة، إن لم تُستكمل بسياسات حقيقية، قد تُقرأ حركة تجميلية فقط.

كذلك تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كان الشرع سيفتح الباب أمام شخصيات يسارية أو قومية عروبية ضمن “الخمسين”. فكما هو معروف، لا تزال الساحة السياسية السورية، رغم تآكل مؤسّساتها السياسية التقليدية، تضم نخباً ذات خلفية يسارية تحمل رؤى اقتصادية واجتماعية تتمايز بوضوح عن الطروحات الإسلامية. قد يكون تعيين وجوه من هذا النوع بمثابة رسالة طمأنة للطبقة الوسطى وللمثقفين، وربما للخارج الذي يراقب بقلق صعود التيارات المحافظة في البلاد.

من هنا، يبدو أن الرئيس الشرع يقف أمام خيارين: أن يجعل من خمسينه مرآة لقاعدته السياسية أو أن يجعلهم مرآة لسورية بكل أطيافها. الخيار الأول مضمون لكنه محدود الأفق. والثاني ينطوي على قدر من المغامرة، لكنه قد يُعيد الثقة المفقودة بين الدولة وشرائح ليست بالقليلة من المجتمع.

في النهاية، سيبقى السوريون يترقبون الأسماء الخمسين كما يُراقب الجميع نص البيان قبل إعلانه. هل سيكون بين الأسماء شاعر، وامرأة علمانية، ومثقف كان ماركسياً ذات يوم، وطبيب من السويداء، ومهندس من الحسكة، ومطران من حلب على سبيل المثال؟ أم أن الخمسين سيكونون مجرّد امتداد لصوت واحد؟

ما هو أكيد أن “خمسين أحمد الشرع” سيكونون ليس فقط جزءاً من البرلمان، بل مرآة لعقل رئيس سورية الجديدة وطريقة تفكيره.

العربي الجديد

—————————————

من يسائل الرئيس في سوريا/ موفق الخوجة

عاد الأمل إلى السوريين بإنشاء دولة وفق المبادئ التي خرجت ثورة آذار 2011 لأجلها، والتي طالبت بالعدل والمساواة والحرية وإشراك الشعب بالحكم بشكل حقيقي لا صوري، وذلك بعدما تخلّصت سوريا، في 8 من كانون الأول 2024، من حقبة تكلّلت بالاستبداد، طوال 54 عامًا، حكمها آل الأسد، الأب والابن، بالحديد والنار.

وبعد سقوط النظام، دخلت سوريا في عهد وأمل جديدين، بتأسيس الدولة المنشودة، وخلال الفترة الماضية، ورغم ما شهدته البلاد من انفتاح سياسي، وفضاء واسع من الحريات الصحفية والاجتماعية، تبقى المخاوف مسيطرة على السوريين من عودة حكم استبدادي جديد.

أبرز تلك المخاوف نشأت من خلو الدستور المؤقت الذي أقرّه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 13 من آذار الماضي، والذي حدد الفترة الانتقالية بخمس سنوات.

دستور مؤقت

عمدت اللجنة الدستورية إلى تقسيم الإعلان إلى مقدمة وأربعة أبواب، تضمن الأول الأحكام العامة، وفيه 11 مادة، والثاني عن الحقوق والحريات وشمل 12 مادة.

ويتعلق الباب الثالث بمعالجة شكل الحكم والنظام بالمرحلة الانتقالية وفيه 24 مادة، والباب الرابع عن الأحكام الختامية وتضمن ست مواد.

الدستور المؤقت لاقى انتقادات من حقوقيين ومنظمات عالمية، إذ قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن الإعلان الدستوري السوري الذي جرت الموافقة عليه مؤخرًا، والذي يُفترَض أن يحكم البلاد في المرحلة الانتقالية، يعرّض الحقوق الأساسية للمواطنين السوريين للخطر.

وأكدت المنظمة في تقرير لها، في 25 من آذار الماضي، أن الإعلان الدستوري، الذي وقّعه الرئيس، الشرع، يمنح الرئيس صلاحيات كبيرة تشمل التعيينات القضائية والتشريعية دون أي ضوابط أو رقابة.

الخبير القانوني غزوان قرنفل أكد، في حديث إلى عنب بلدي، عدم وجود أي سلطة يمكنها مساءلة أو محاسبة الرئيس، وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري، معتبرًا أن الرئيس استحوذ على جميع السلطات والصلاحيات كـ”حاكم مطلق”.

الدستور المؤقت، اعتمد النظام السياسي الرئاسي في سوريا، وألغى منصب رئيس الوزراء، ليحصر الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس الجمهورية.

بالمقابل، أكد المتحدث باسم لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري، عبد الحميد العواك، في مؤتمر صحفي، أعقب التوقيع على الدستور، أن النظام السياسي الرئاسي ضمن مسودة الإعلان الدستوري لا يسمح أن تقوم سلطة بعزل سلطة أخرى.

وأشار إلى أن هناك ضمانات بالإعلان الدستوري أهمها ما يتعلق بمحاربة تغول السلطات.

يقوّض الديمقراطية

المحلل السياسي حسن النيفي قال لعنب بلدي، إن الإعلان الدستوري المؤقت ينطوي على الكثير من الملاحظات، أبرزها كثرة السلطات التي اختزلها رئيس الجمهورية بشخصه.

واعتبر أن مسألة الانتخابات البرلمانية وتشكيل البرلمان “شاهد واضح” بأحقية رئيس الجمهورية بتعيين الثلث.

وأضاف أن إمساك الرئيس بسلطات كثيرة هي من الملاحظات التي تؤخذ على الإعلان، معتبرًا أن من شأنها أن تقوّض مبدأ الديمقراطية الذي يتطلع إليه السوريون.

الرئيس السوري أعلن، في 13 من حزيران الماضي، عن تشكيل اللجنة الانتخابية لاختيار أعضاء مجلس الشعب، إذ تختار الأخيرة ثلثي الأعضاء، بينما يختار الشرع الثلث المتبقي.

وبدأت اللجنة بجولات على المحافظات السورية لـ”اسمتزاج” (استطلاع الرأي العام) حول طبيعة المجلس التشريعي ولاختيار أعضائه.

ووفق الدستور المؤقت، لن تكون هناك أي سلطة لمجلس الشعب على رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية، بتأكيد من المتحدث باسم لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري، العواك.

وفي مؤتمر للجنة الانتخابية في حلب، وصف أعضاء اللجنة قضية مساءلة رئيس الجمهورية بالأمر “الحساس”، موضحين أن الإعلان الدستوري المعمول به حاليًا يقضي باستمرار العمل بالقوانين السارية، ما لم تُلغَ أو تُعدل.

وبحسب اللجنة، لا توجد مادة قانونية تتيح لمجلس الشعب مساءلة الرئيس، باستثناء ما يرد في قانون المحكمة الدستورية، التي تملك صلاحية النظر في تهم الخيانة العظمى، لذلك، فإن وجود مجلس شعب فاعل هو خطوة أساسية لإقرار قانون جديد ينظّم مساءلة رئيس الجمهورية مستقبلًا.

“سلطة عوراء”

الخبير القانوني قرنفل، قال إن أهم وظيفتين للسلطة التشريعية، هما تشريع القوانين والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

وأضاف أن الإعلان الدستوري انتزع من المجلس التشريعي صلاحية مراقبة ومساءلة السلطة التنفيذية على أعمالها وحصر دور المجلس في تشريع القوانين فحسب، معتبرًا أن مجلس الشعب الآن “سلطة عوراء”.

وأشار إلى أنه لا يمكن للمجلس تشريع قوانين لمحاسبة الرئيس أو السلطة التنفيذية، لأن أي تشريع سيصدر يجب ألا يخالف نصوص الإعلان الدستوري، وإلا اعتبر قانونًا غير دستوري.

الشارع يحاسب

اللجنة الانتخابية شابتها انتقادات أيضًا ترتبط بطريقة تعيين أعضاء مجلس الشعب، بدلًا من إجراء انتخابات وتصويت شعبي.

بررت اللجنة عدم إجراء انتخابات بعدة عوامل، تتعلق بالبنية التحتية المتهالكة، ووجود مهجرين في خيام عشوائية، وغياب الإحصائيات الدقيقة، وخروج مناطق من سلطة الحكومة شمال شرقي سوريا.

إلى جانب التعيين، برزت انتقادات حول صلاحيات المجلس التشريعي، وغياب أدوات المحاسبة، وحجب الثقة أو إيقاف عمل عناصر السلطة التنفيذية.

عضو اللجنة القانونية للجنة انتخاب المجلس التشريعي، طارق الكردي، قال في مقابلة متلفزة، إن السوريين الذين خرجوا إلى الساحات، أعطوا نوعًا من الاستفتاء على شرعية رئيس الجمهورية.

وأضاف أن الشعب يمكن أن يحاسب الرئيس بنفس الطريقة (النزول والتظاهر بالشارع).

من جانبه، يرى المحلل السياسي حسن النيفي أن الوسيلة لمحاسبة رئيس الجمهورية هي الشارع “كلام سياسي وليس دستوريًا أو قانونيًا”.

وقال إن سوريا تطمح إلى أن تكون بلد القانون والدستور، معتبرًا أن الاحتكام للشارع عندما تكون هناك مظاهرات واحتجاجات، بينما “نحن نشرّع لمرحلة جديدة لا يجب أن تخضع للمناكفات السياسية”.

وأوضح أن المظاهرات والاحتجاجات تحسب على قطاع الحراك السياسي، مفرقًا بين الحراك السياسي والمرجعية القانونية والدستورية.

ودعا إلى أن ينصّ الدستور والقوانين المتفرعة عنه على آليات واضحة لمحاسبة كل المسؤولين، بمن فيهم رئيس الجمهورية.

عنب بلدي

————————–

 المجلس التشريعي الجديد/ بشار الحاج علي

2025.07.03

بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وبعد عقود طويلة من الدكتاتورية التي قيّدت الحريات، وحقبتين من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بأيّ حلم ديمقراطي ناضج، يجد السوريون أنفسهم على أعتاب عهد جديد، تبدو فيه أشعة شمس الديمقراطية ترتسم في الأفق لأول مرة منذ زمن بعيد.

لقد حمل هذا الشعب، عبر سنوات من الألم والمعاناة، ثمنًا باهظًا دفعه من دماء ودموع وأحلام محطّمة، لينال فرصة العمر التي طالما انتظرها: تأسيس دولة المواطنة الحقة، التي تحترم الحقوق السياسية والحريات، وتؤسس لنسق حكمٍ جديد لا مكان فيه للاستبداد أو الاستعلاء.

وفي خضم هذا المشهد المهيب، يتفهّم المواطن السوري بحسّه العميق ثقل المرحلة الانتقالية وأهميتها، ويدرك أن بلاده الوليدة – التي لا تزال في مهدها، وطفلها الذي ما زال في طور الرعاية – تحتاج إلى حنان الحماية، ووعي القيادة، وحرص الجميع على ألا تُهدَر هذه الفرصة الثمينة التي أُنجزت بدماء الشهداء وتضحيات الجماهير.

لكن، مع هذا التفهّم، تظل القلوب حذرة، والعقول يقظة، لأن الطريق من حلم التغيير إلى واقع ديمقراطي حقيقي، معبّد بالتحديات التي قد تكسر الظهر إذا ما تعثّرت الخطوات الأولى.

وفي لحظة تتشكّل فيها مؤسسات جديدة، لا بد من التأكّد من أن هذه المؤسسات تحمل روح المرحلة، ولا تتحوّل إلى أدوات للمحاصصة أو لاحتكار السلطة، وأن لا يُلعب فيها بقضية الشعب باسم الديمقراطية بينما تُخفى مصالح ضيّقة وخلفيّات ضبابيّة.

وهنا، تقع مسؤولية الفحص الدقيق لكل خطوة، خصوصًا حين تُطرح مؤسسات يُفترض بها أن تمثّل الشعب أو تُعبّر عن إرادته.

لأن اللعب بالأسماء والعبارات لا يصنع ديمقراطية، ولا يمنح حقوقًا، بل قد ينعكس سريعًا ضربًا لآمال من انتظروا فجرًا جديدًا.

بين الاسم والمضمون: ما هو هذا المجلس؟

بعد الإعلان الدستوري الذي أصدرته الحكومة السورية الجديدة في دمشق، بدا للكثيرين أن البلاد تتجه نحو بناء مؤسسات جديدة تشكّل معالم المرحلة المقبلة.

كان من بين هذه المعالم ما سُمّي بـ”المجلس التشريعي”، أو مجلس الشعب المؤقّت، كمؤسسة يُفترض أن تُعبّر عن الإرادة العامة، وتعيد وصل السياسة بالناس.

لكن ما إن نقترب من بنية هذا المجلس المقترح وآليات تكوينه، حتى تظهر لنا صورة أخرى تمامًا، صورة لا تُقلّل من أهمية الخطوة، لكنها تدعونا لإعادة تسميتها، وإعادة النظر في وظيفتها.

من يختار من؟ وما هي المعايير؟

بحسب ما ورد في الإعلان الدستوري، سيتكوّن المجلس من 150 عضوًا، يختار الرئيس ثلثهم مباشرة، بينما يُنتخب الثلثان الباقيان عبر “هيئات ناخبة” تُشكَّل من قبل لجنة تُعيَّن بمرسوم رئاسي أيضًا.

بهذه الصيغة، كل مسارات التشكيل – التعيين المباشر وغير المباشر – تمرّ عبر قرار مركزي واحد، دون إشراك فعلي أو آليات علنية للمشاورة، أو حتى معايير معلنة تُحدّد من يُرشّح أو يُنتخب أو يُعيّن.

لا وجود لمرجعية سكانية أو جغرافية، ولا معيار مهني أو معرفي أو حتى سياسي يُرجع إليه. المحافظات لا تُعامَل وفق وزنها السكاني أو دورها الاجتماعي، بل تخضع لتوازنات غير واضحة، قد تكون فصائلية أو أمنية أو تحالفيّة.

مجلس بلا وظيفة واضحة

رغم تسميته بـ”التشريعي”، فإن هذا المجلس، وفق الصيغة المعروضة، لا يملك الصلاحيات المتعارف عليها لأيّ سلطة تشريعية:

    لا يراقب الحكومة.

    لا يسائل الرئيس.

    لا يشارك في تشكيل السلطة التنفيذية أو ضبطها.

    ولا يُشترط الرجوع إليه في القضايا المصيرية.

إنه مجلس لا يُلزم أحدًا بشيء، ولا يُمكنه وقف أو تعديل أو حتى تأخير قرار، وهو أقرب، بكل وضوح، إلى هيئة استشارية موسّعة، تمنح انطباعًا مؤسساتيًا دون أن تمارس مضمونًا سياسيًا حقيقيًا.

    نحن بحاجة إلى بناء مؤسسات حقيقية، مهما كانت وظيفتها محدودة في البدايات.

ماذا نريد من هذا المجلس إذًا؟

بمنتهى الهدوء: إذا كان الهدف من تشكيل المجلس هو جمع عدد من الشخصيات القادرة على تقديم الرأي والخبرة والتقدير، فهذه وظيفة نبيلة، ومطلوبة، بل وضرورية في هذه المرحلة. لكن لا حاجة لتسميتها بما لا يُشبهها.

فلنُسمِّ الأشياء بأسمائها: نحن أمام مجلس استشاري، لا مجلس تشريعي.

ومتى ما اعترفنا بهذه الوظيفة، يمكن أن نطالب بما يلي:

    أن يُشكَّل المجلس من شخصيات مهنية – تكنوقراط، يمثّلون مجالات المعرفة والخبرة المتنوعة: القانون، الاقتصاد، الإدارة، الصحة، التعليم، العلاقات الدولية…

    أن يُمنح المجلس دورًا استشاريًا فعليًا، يُستشار في وضع السياسات العامة، ويُطلب منه التقييم والتقويم، لا التشريع أو الرقابة.

    أن يتم تعيينه بناءً على معايير معلنة وواضحة، تُحترم فيها الكفاءة والتوزيع الجغرافي المتوازن، لا الولاءات والترضيات.

بين الواقعية والطموح

المرحلة التي تمرّ بها البلاد لا تحتمل الأحكام الجاهزة، ولا الشعارات المعلّبة، كما لا تحتمل المكابرة على الواقع. نحن بحاجة إلى بناء مؤسسات حقيقية، مهما كانت وظيفتها محدودة في البدايات.

لكننا أيضًا بحاجة إلى الصدق مع الناس: أن نقول لهم إن هذا المجلس لا يُشبه المجالس البرلمانية، ولا يُمثّلهم بالمعنى السياسي، بل هو أداة مساعدة للسلطة الانتقالية، يمكن تطويرها لاحقًا، إذا صحّ البناء من الأساس.

وأخيرًا؛ من حقّ الناس أن يُشاركوا في القرار، ومن واجب المؤسسات أن تُعبّر عنهم لا أن تتحدّث باسمهم. فإذا كانت هذه البنية المطروحة ضرورية، فلنصوّب تسميتها، ولنحرّرها من الادّعاء التمثيلي، ولنجعل منها مجلسًا استشاريًا صادقًا، من أهل الكفاءة لا أهل الطاعة.

هكذا فقط يمكن أن تبدأ المؤسسات الحقيقية في التكوّن، لا من باب التشريع، بل من بوابة الاعتراف بالحدود… والعمل على تجاوزها، لا تغطيتها.

تلفزيون سوريا

—————————-

مجلس الشعب الجديد.. خطوة نحو الشرعية أم إعادة إنتاج للهيمنة السياسية؟/ أغيد حجازي

24 يونيو 2025

أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرسومًا تشريعيًا يقضي بتشكيل مجلس جديد يتكوّن من مئة عضو منتخب وخمسين عضوًا معيّنًا من قبل رئيس الجمهورية. وقد أثار هذا التشكيل نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا لتركيبة المجلس الجديدة وما تحمله من دلالات حول طبيعة المرحلة المقبلة في البلاد.

أزمة شرعية أم هندسة توازن

أوضح الكاتب السياسي طارق الأحمد، في معرض إجابته عن الدوافع السياسية وراء اعتماد نظام مزدوج يجمع بين الانتخاب والتعيين في تشكيل المجلس، أن المسألة لا تتعلق بتحقيق توازن، بل تنبع من محاولة للخروج من أزمة سياسية، وبيّن أن الإعلان الدستوري جاء مجتزأ وضعيفًا، وغير قادر على تأسيس نظام سياسي مقنع، ما دفع السلطة المؤقتة إلى السعي لزيادة شرعيتها عبر تشكيل برلمان يُظهر مزيدًا من المشاركة الشكلية.

وفي قراءتها للمشهد، قالت الصحفية نادين عودة لـ”الترا سوريا” إن المرسوم الصادر مؤخرًا في سوريا، والذي يقضي بتشكيل المجلس الجديد من 100 نائب منتخب و50 نائبًا معيّنًا من قبل رئيس الجمهورية، أثار جدلًا حول نواياه السياسية وأثره على الحياة التشريعية. وذكرت عودة أنه على الرغم من تقديم هذا المرسوم كخطوة نحو “تحقيق التوازن”، إلا أن تعيين ثلث الأعضاء يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية المجلس وقدرته على محاسبة الحكومة، خاصة في ظل غياب معايير واضحة وشفافة لعملية التعيين.

من جانبه، قدّم الحقوقي مصطفى حميد قراءة مغايرة، معتبرًا أن المرسوم الرئاسي الأخير يُشكل خطوة ضرورية في سياق المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وفي حديثه لـ”الترا سوريا”، أوضح حميد أن الجمع بين الانتخاب والتعيين في تشكيل المجلس لا يجب اعتباره انتقاصًا من التمثيل الديمقراطي، بل وسيلة لتوسيع دائرة الكفاءات وضمان تمثيل مجموعات مجتمعية لم تستطع الوصول عبر صناديق الاقتراع بسبب ضعف التنظيم السياسي أو حداثة التجربة الديمقراطية في البلاد بعد عقود من القمع السياسي.

مخاوف تمثيلية وتساؤلات حول الاستقلالية

وأكد الأحمد أن التغييرات الحالية لا تعتبر جذرية، بل مجرد “ترقيع” لمشهد سياسي غير متوازن، ما اضطر النظام إلى اللجوء للتعيين لتعويض نقص الشرعية، وهي خطوة غير مسبوقة.

وذكرت عودة أنه مع ضعف الضمانات القانونية لنزاهة الانتخابات، وغياب إشراف مستقل، فإن شرعية المجلس الجديد ستبقى موضع تساؤل، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

وعن مسألة تعيين ثلث الأعضاء، لفت الأحمد إلى أن هذا الإجراء لا يهدف فقط لتعديل الخلل في النتائج الانتخابية، بل يُتوقع أن يكون محاولة لتعويض هيمنة لون سياسي أو مذهبي معين في المجلس المنتخب، واستدرك قائلًا إن الاستقلالية غائبة بالكامل عن المجلس، لأنه لا يستند إلى دستور مستفتى عليه شعبيًا، ولا إلى قانون انتخابي عصري وشفاف.

ورأت نادين عودة أن التجربة السياسية السورية، ومقارنتها بنماذج إقليمية مماثلة، تؤكد أن مثل هذه النظم غالبًا ما تُستخدم لضبط تركيبة المجالس التشريعية وضمان الولاء السياسي، لا لتحقيق تمثيل حقيقي أو تعددية سياسية.

فيما يرى حميد أن من الخطأ قياس التجربة السورية الجديدة على المعايير التقليدية للديمقراطيات الراسخة، مشددًا على أن “الشرعية تُبنى تدريجيًا عبر المؤسسات، وليس فقط من خلال الإجراءات الشكلية.”  وبيّن أن وجود أعضاء معينين قد يسهم في موازنة النزاعات السياسية والهوياتية التي تُهدد الاستقرار المجتمعي، خاصة أن البلاد خارجة من حرب طويلة ولا تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية جسيمة.

لا تعددية حقيقية

اعتبر طارق الأحمد أن نظام التعيين الرئاسي يتعارض كليًا مع أي منظومة ديمقراطية أو قانونية، مؤكدًا أن سوريا بحاجة إلى عملية سياسية شاملة تبدأ بحوار وطني، ودستور جديد، وقانون انتخابي عصري.

وعن نزاهة الانتخابات، صرّح الأحمد بأن غياب الأحزاب والتنظيم السياسي سيترك الساحة لأصحاب المال، ما سيؤدي إلى انتخابات يهيمن عليها الفساد، كما كان الحال في عهد النظام السابق، حيث كان المال الانتخابي هو العامل الحاسم.

منطق التعيين وتحديات القبول الشعبي

ترى الصحفية نادين عودة أن توقيت المرسوم يوحي بأنه يأتي في سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي، لا استجابة فعلية لمطالب الإصلاح، وحذرت من أنه إذا لم تُجر تعديلات جدية تقلّص من سلطة التعيين وتوسّع المشاركة الشعبية، فإن هذا النموذج قد يتحول إلى مجرد واجهة شكلية تعيد إنتاج الوضع القائم.

وأشار الكاتب السياسي طارق الأحمد إلى غياب الإطار القانوني لتعيين الأعضاء، مبينًا أن التعيينات قد تتم على أساس شخصي دون أي سند قانوني واضح. كما بيّن أنه لا توجد سوابق قانونية في التجربة السورية تجمع بين الانتخاب والتعيين في البرلمان، مشيرًا إلى أن هذا النوع من التركيب ربما يوجد في غرف التجارة والصناعة، لكنه غير معمول به في الهيئات التشريعية.

وفي تقييمه لشرعية المجلس الجديد، رأى الأحمد أنه لن يحظى بأي قبول، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وأكد أن الإشكال لا يكمن فقط في التعيين، بل في العملية الانتخابية بأكملها، والتي وصفها بأنها تقوم على أسس خاطئة، وتوقّع أن تكون الشخصيات المعينة أكثر إقناعًا من المنتخبين، إلا أن المجلس في مجمله سيبقى هيئة بلا مضمون سياسي حقيقي.

من جانبه دعا الحقوقي مصطفى حميد إلى تفهم طبيعة السياق الانتقالي الذي يفرض على السلطة اتخاذ إجراءات عملية سريعة لملء الفراغ الدستوري والمؤسساتي، معتبرًا أن “الأفضلية اليوم ليست للشكل، بل للقدرة على إطلاق دورة سياسية جديدة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار والتدرج نحو الديمقراطية”.

مواقف متباينة ومطالب بتأسيس مسار سياسي جديد

يشدد الأحمد على ضرورة دعوة الأحزاب التاريخية والرئيسية إلى حوار وطني شامل من أجل تأسيس حياة سياسية حقيقية تقوم على قوانين ودستور وانتخابات فعلية، وليس مجرد تمثيل صوري، منتقدًا الأحزاب والشخصيات التي سارت مع النظام السابق، والتي باتت اليوم تساند السلطة الجديدة، مؤكدًا أن هذه القوى ليست جزءًا من أي حل حقيقي.

من جانبه يخلص مصطفى حميد إلى القول إن “التجارب المقارنة لا تصلح دائمًا للحكم على الخيارات المحلية”، داعيًا النخب السياسية إلى الانخراط النقدي في العملية السياسية بدلًا من رفضها بالكامل، لأن “الهدم الكامل للمسار دون بدائل واقعية سيقود إلى فراغ جديد، لا إلى حل”.

يُظهر الجدل الدائر حول تشكيل المجلس الجديد في سوريا تباينًا في وجهات النظر بشأن طبيعة الخطوة وتوقيتها. ففي حين تعتبرها بعض الأطراف جزءًا من مسار تنظيمي جديد ضمن المرحلة الانتقالية، يراها آخرون استمرارًا لمنهجيات قائمة تُعيد إنتاج البنية السياسية بطريقة لا تلبّي متطلبات التعدد والتمثيل الواسع.

وبين الموقفين، تظل الأسئلة مفتوحة حول مدى قدرة هذا المجلس على القيام بوظائفه التشريعية والرقابية، وانعكاسه المحتمل على التوازن بين السلطات ومستقبل العملية السياسية في البلاد.

الترا سوريا

———————–

أيّ برلمان يريده السوريون؟/ عمر كوش

24 يونيو 2025

يبدو أن أولى الخطوات، نحو تشكيل مجلس شعب جديد في سورية، قد بدأت مع إصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، وهي مكلفة بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، تتولى انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، الذي حدد المرسوم عدد أعضائه بـ150 عضواً من فئتي “الأعيان والمثقفين”، وبما يتماشى مع “الشروط التي تقرّها اللجنة العليا للانتخابات”، فيما سيُعين الرئيس الشرع ثلث أعضاء المجلس، بحسب الإعلان الدستوري المؤقت. وبالتالي، يأمل غالبية السوريين أن يمثلهم المجلس المنتظر تشكيله بمختلف مشاربهم ومنابتهم، من خلال ضم جميع أطياف المجتمع السوري من دون تمييز، وبما يعيد إحياء الحياة البرلمانية، التي لا تزال تسكن ذاكرتهم، وعايشوها قبل أن يقضي عليها انقلاب حزب البعث عام 1963، ونظام الأسد من بعده.

يوضح تشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أن الإدارة السورية الجديدة تريد أن تضفي طابعاً مؤسّساتياً على عملية انتخاب أعضائه، عبر تعيين لجنة تضم 11 شخصاً (بينهم امرأتان)، بعضهم كان ينتمي إلى تشكيلات المعارضة السياسية السابقة، وبالتالي بات المطلوب من اللجنة أن تثبت قدرتها في الإشراف على تشكيل هيئات ناخبة تراعي التنوع السياسي والفكري والديني والقومي في سورية، وعليها وضع معايير تأخذ في الاعتبار الكفاءة وعدم التورّط في الجرائم أو الفساد أو انتهاكات حقوق انسان.

لا يطلب السوريون الكثير، ولا المستحيل، بل يريدون جسماً تمثيلياً يمكنه سنّ التشريعات والقوانين التي تمسّ أمور معيشتهم وحياتهم، وبما يعّبر عن همومهم وأصواتهم، ويرتقي إلى مصافّ مؤسّسة مهمة من مؤسّسات المجتمع، يمارسون فيها حريتهم في المشاركة في الحياة السياسية والتعددية، حتى يتمّ القطع بشكل جذري مع المجالس الصورية السابقة التي شكّلها نظام الأسد البائد بنسختيْه الأب والابن، وكانت بعيدة عن تمثيل السوريين، حيث كانت أقرب إلى مجالس تصفيق، غايتها التصديق على تشريعات النظام وقراراته، ولم تكن تمثل الشعب بقدر ما كانت أداة وظيفيّة وطيّعة في خدمة النظام.

تظهر تجارب دول عديدة أن مجلس الشعب، أو بالأحرى البرلمان، بوصفه جسماً نيابياً، يُشكل عبر عملية انتخابية، تعكس اختيار مواطني الدولة مجموعة من النواب الذين يمثلونهم، وينوبون عنهم كي يعبّروا عن آرائهم، بعد أن فوّضوهم وأعطوهم أصواتهم، لكن بعض الدول تستعيض عن ذلك بطرقٍ أخرى، حيث تلجأ إلى تشكيل مجالس استشارية تضم مجموعة من القيادات الاجتماعية والرموز والشخصيات العامة، الغرض منها التشاور في قضايا الحكم والدولة، لكن في حالات أخرى، خصوصاً في الأنظمة الاستبدادية يجري تشكيل مجالس لا تعكس إرادة المواطنين، ولا تعبر عن تطلعاتهم.

لقد نصّت تصريحات مسؤولي السلطة الجديدة في سورية على تشكيل مجلس تشريعي، وليس برلماناً، ما يعني أن الخيار وقع سلفاً على أنه لن يكون منتخباً من الشعب، بل معيناً من السلطة. وعليه، أقرّ الإعلان الدستوري المؤقت في المادة 24 تشكيل مجلس شعب، بحيث يشكل رئيس الجمهورية لجنة عليا لاختيار أعضائه، فيما “تقوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتقوم تلك الهيئات بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب”. أما الثلث المتبقي من الأعضاء مُنح للرئيس حق تعيينه “لضمان التمثيل العادل والكفاءة”، الأمر الذي يضعف السلطة التشريعية أمام السلطة التنفيذية، نتيجة تدخّل الأخيرة المباشر في تركيبة مجلس الشعب. كما أن الإعلان الدستوري لم يحدّد كيفية أو طريقة تشكيل اللجنة العليا، ما يثير هواجس لدى السوريين من أنها ستكون مشابهة للجنة التي عينها الرئيس، وأشرفت على اختيار أعضاء مؤتمر الحوار الوطني، وتلك التي صاغت الإعلان الدستوري وسواه من خطواتٍ أثارت جدلاً واسعاً بين معظم السوريين، واعتبرها بعضهم تكريساً لنهج الانفراد بالسلطة، واستبعاد معظم القوى السياسية والمكوّنات الاجتماعية من المشاركة فيها.

إذاً، ينتاب معظم السوريين المهتمين بالشأن العام قلق من الصلاحيات الكثيرة الممنوحة للرئيس. ويكمن مصدر القلق في هذا المجال من طريقة تشكيل مجلس الشعب المنتظر، خصوصاً أن اللجنة العليا المختارة ستلعب دوراً كبيراً في تحديد تشكيلة مجلس الشعب، إضافة إلى أن الإعلان الدستوري لم يضع آلية واضحة لانتخاب ثلثي أعضاء المجلس، الأمر الذي يفتح الباب أمام التدخلات السياسية في تشكيل المجلس، عبر منح الرئيس تأثيراً كبيراً على قراراته، سواء عبر تعيين أعضائه، أو التأثير في لجنة الاختيار، التي يعيّن الرئيس أعضاءها، كي تختار بدورها هيئات فرعية منتخبة تتولى مهمة انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب. كما حرم الإعلان الدستوري مجلس الشعب من حقّه في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وفي مساءلة الوزراء، ومنح الثقة للحكومة، بينما منح الرئيس الحق في تعيين الوزراء وإقالتهم. إضافة إلى أن المادة 39 من الإعلان الدستوري أعطت الرئيس حقّ الاعتراض على القوانين التي يقرها مجلس الشعب، ما يعني منع إصدار أي قانون لا يوافق عليه. لكن اللافت هو أن الإعلان الدستوري حدّد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، فيما حدّدت المادة 26 منه مدّة ولاية مجلس الشعب بـ30 شهراً قابلة للتجديد، الأمر الذي يفتح المجال أمام تشكيل مجلس الشعب مرّة كل سنتين ونصف السنة.

يتذرع المدافعون عن الإعلان الدستوري، والخطوات التي قامت بها السلطة الجديدة، بأن المرحلة الانتقالية تتطلب تركيز السلطة بيد الرئيس، لكن التذرّع بحساسية المرحلة الانتقالية غير مقنع، من أجل تبرير مركز السلطة، وتجريد البرلمان من صلاحيات مهمة، فالتاريخ السوري يزخر بالحياة البرلمانية، إذ في المرحلة الانتقالية الصعبة جداً التي نفضت سورية فيها عن كاهلها الحقبة العثمانية، ولدت تجربة برلمانية رائدة في الحياة السياسية السورية، تلك التي خاضها السوريون بجدارة في عام 1919، حين تشكّل المؤتمر السوري العام في دمشق، بمشاركة 85 نائباً، واستمر المؤتمر حتى إعلانه استقلال سورية في 8 مارس/ آذار 1920.

لم يكن في ذلك الوقت أي قانون انتخابي، لذلك وجهت الدعوة إلى السوريين لانتخاب أعضاء المؤتمر، بالاعتماد على قانون الانتخاب (الملّي) العثماني. ودشّن السوريون في تلك المرحلة أول تجربة برلمانية فريدة من نوعها في البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط. لكن تلك التجربة جرى تعطيلها من طرف قوى الانتداب الفرنسي، الذي اضطر في عام 1923 إلى قبول تشكيل المجلس التمثيلي والنيابي، برئاسة بديع العظم، استجابة لمطالب السوريين. واستمرّ السوريون في ممارسة الحياة النيابية على الرغم من ضغوط وممارسات الانتداب الفرنسي، حيث كان للمجلسين النيابيين المنتخبين عامي 1936 و1943 برئاسة فارس الخوري دور أساسي في اتخاذ قرارات صبّت في طريق الاستقلال، الأمر الذي يفسر مهاجمة قوات الاحتلال الفرنسي المجلس النيابي في 29 مايو/ أيار عام 1943.

لعب البرلمان دوراً مهماً بعد جلاء الاستعمار الفرنسي عام 1946، حيث جرت أول انتخابات برلمانية بعد عام من الاستقلال السوري، ثم جاءت فترة الانقلابات التي عطلت الحياة البرلمانية حتى عام 1954، الذي أعلن عودة الحياة البرلمانية. وشهدت سورية ما بين 1954 و1958 فترة سميت “ربيع الديمقراطية”، بالنظر إلى ما سادها من تعددية حزبية وحياة ديمقراطية، عاشتها في تلك الفترة من تاريخها إلى أن قامت الوحدة مع مصر عام 1958، وجرى خلالها دمج البرلمان السوري بالبرلمان المصري، ليشكلا “مجلس الأمة”. وبعد فشل الوحدة عام 1961، عاد مجلس النواب السوري إلى عهده ما قبل الوحدة، لكن انقلاب حزب البعث في الثامن من مارس/ آذار 1963، أقدم على حل البرلمان، وتعطيل الدستور، وجرى تشكيل ما سمي “مجلس قيادة الثورة”، الذي تولى السلطة التشريعية، بدلاً من البرلمان المنتخب، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى انقلاب 1970، حيث وجّه نظام الأسد الأب دباباته لمحاصرة البرلمان، ثم عيّن أعضاء مؤسسة تابعة له أطلق عليها اسم “مجلس الشعب”، لتدخل البلاد في حقبة مظلمة من الاستبداد والديكتاتورية، تحوّل فيها مجلس الشعب إلى مؤسّسة تابعة للنظام، يقتصر دورها الأساسي في تقديم صورة تجميلية للنظام في الخارج، فيما كان دورها الحقيقي في الداخل ينحصر في كونها أداة بيده، وظيفتها توزيع المحاصصات والمكافآت داخل شرائح مختلفة من الموالين له. ومنذ ذلك الوقت، فقد مجلس الشعب ما تبقى له من تأثير في الحياة السياسية السورية، فيما حرص نظام الأسد بنسختيه، الأب والابن، على المجلس بصورته الشكلية، من أجل التمسّك بأحد مظاهر نظام يمتلك سلطة تشريعية، أسوة بباقي الدول، لكن تركيبته كانت تعكس الصورة التسلطية التي فرضها بالقوة على عموم السوريين.

ليس طريق اللجنة العليا للانتخابات معبّداً وسهلاً، بل هناك إشكاليات تتطلب وضع أسس لحلها، خصوصاً أنها ستختار اللجان الناخبة من “الأعيان والمثقفين”، وفق ما نص عليه المرسوم الجمهوري. وبالتالي، يكمن التحدي في كيفية تحديد من هم الأعيان والمثقفون، وفي الأسس التي ستضعها اللجنة لتحديدهم. ومع ذلك، يريد السوريون مجلساً يمثل إرادتهم الشعبية، كي يساهموا في رسم ملامح العملية الانتقالية، في ظروف تواجه فيها بلادهم تحدّيات صعبة في الداخل والخارج، ولعل تجميد الحياة السياسية يزيد من حجم الصعوبات التي تواجهها، خصوصاً أن الحياة البرلمانية لا يمكنها التأثير في العملية الانتقالية من دون تعدّدية سياسية، بوصفها مفتاح الحوار بين السوريين، وتشكل فرصة لمشاركتهم الحقيقية في صنع حاضر بلادهم ومستقبلها، وتدفعهم إلى عدم الوقوف على هامش المشهد السياسي.

العربي الجديد

——————————–

سورية إلى استعادة الحياة البرلمانية/ محمد أمين

24 يونيو 2025

شكّل الرئيس السوري أحمد الشرع “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، في خطوة تؤسّس لاستعادة الحياة البرلمانية، بعد انهيار نظام الاستبداد، وتنهي عقوداً من العدمية السياسية، وتدفع إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة، قدّم السوريون ثمناً باهظاً من أجل الوصول إليها. وأناط المرسوم الرئاسي باللجنة الإشراف على تشكيل هيئات فرعية في المحافظات، تنتخب ثلثي أعضاء “مجلس الشعب”، على أن يعيّن الرئيس الثلث الأخير كما نصّ الإعلان الدستوري الناظم للحياة السياسية للبلاد خلال الفترة الانتقالية، والمحدّدة بنحو خمس سنوات. ويتكون المجلس التشريعي المنتظر من 150 عضواً، موزّعين حسب عدد السكان على المحافظات، وفق فئتي الأعيان والمثقفين، ووفق شروط تقرّها اللجنة العليا للانتخابات.

ولم يحدّد المرسوم فترة لهذه اللجنة للانتهاء من مهامها التي تتطلب زيارة المحافظات السورية لتشكيل هيئات ناخبة. ولا تزال واحدة من أكبر المحافظات السورية وأكثرها أهمية، وهي الحسكة، خارج سيطرة الدولة السورية، فضلاً عن الجزء الأكبر من محافظتي الرقّة، وجانب من محافظة دير الزور وآخر من ريف حلب الشمالي الشرقي، وكل هذه المناطق تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي لم تدخل الحياة السياسية في البلاد بعد. وحافظ المرسوم على التسمية التي كانت معتمدة لدى النظام البائد للمجلس التشريعي، وهي “مجلس الشعب”، ما فجّر مخاوف لدى قطاع واسع من السوريين من اتجاه الإدارة إلى اتباع الآليات نفسها التي اعتمدها “البائد” في اختيار أعضاء هذا المجلس. وبعد تشكيل اللجنة، دبّت الحياة من جديد في مبنى المجلس في سوق الصالحية في دمشق، والذي يعد من معالم العاصمة السياسية، ويرتبط بذاكرة السوريين ارتباطاً كبيراً، فهو عنوان بارز لمجدهم من جهة، وغفلتهم من جهة أخرى.

عرف السوريون الحياة البرلمانية قبل 105 سنوات، فبلادهم كانت من الدول العربية السبّاقة في هذا المجال الذي لم يكن سائداً في هذه الدول، سواء التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية أو خارجها. ويُنظر إلى المؤتمر السوري الأول في منتصف عام 1919 في النادي العربي بدمشق بعد خروج الأتراك من سورية أنه أول صيغة تشريعية تمثيلية للشعب في التاريخ السياسي للبلاد. وكان عدد أعضائه 90 عضواً من أنحاء سورية الطبيعية كافة (سورية، لبنان، الأردن، فلسطين)، واستمرّت أعماله نحو عام، شرّع خلاله الحكم الملكي بقيادة فيصل بن الحسين (1883- 1933)، وصاغ أول دستور في تاريخ البلاد، اختار النظام البرلماني الدستوري للحكم. ولكنه لم يدم، فمع دخول الفرنسيين إلى سورية منتصف عام 1920 حلّت قوة الانتداب المؤتمر السوري، وبذلك دخلت البلاد فراغاً سياسياً وثورات ضد قوة الاحتلال الجديدة التي قسّمت سورية إلى دويلات على أسس طائفية فجة.

وفي 1928، جرت انتخابات لـ”مجلس تأسيسي” وضع أول دستور للبلاد، في أعقاب القضاء على الثورة السورية الكبرى، ذهبت أغلب مقاعده إلى “الكتلة الوطنية” التي كانت أبرز التشكيلات السياسية في ذاك الحين. لكن الفرنسيين عطّلوا المجلس بسبب الخلاف على مواد الدستور إلى أن جرت انتخابات أخرى في 1932، ثم جرت انتخابات أخرى في 1936. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939 أدّى إلى تعطيل الدستور في سورية إلى 1943، حيث نُظّمت انتخابات برلمانية فازت بها “الكتلة الوطنية” مرة أخرى. وفي 29 مايو/ أيار، رفضت حامية المجلس النيابي في دمشق إنزال العلم السوري عنه وتحية العلم الفرنسي، فقصفت القوات الفرنسية المبنى ما أدّى إلى مقتل عناصر من هذه الحامية، في موقف بطولي لا يزال حاضراً في الذاكرة، مهّد الطريق أمام استقلال سورية وخروج الفرنسيين منها بشكل نهائي في إبريل/ نيسان 1946. وبعد استقلال سورية بعام، نُظّمت انتخابات جديدة نتج عنها مجلس نيابي لم يعمّر طويلاً، فقد وقع في 1949 أول انقلاب عسكري في سورية، قاده حسني الزعيم الذي قتل بعد أشهر في انقلاب آخر قاده سامي الحناوي والذي لقي هو الآخر حتفه في 1950. ولكن يُحسب لهذا الرجل أنه رفض تولي السلطة بنفسه، وسلّمها لسياسيين تقليديين وانتخبت جمعية تأسيسية وضعت الدستور الأشهر في 1950. في نهاية 1949 شهدت البلاد انقلاباً ثالثاً قاده أديب الشيشكلي الذي حيّد الدستور، ووضع دستوراً آخر أجريت على أساسه انتخابات لمجلس نيابي جديد راحت أغلب مقاعده لحركة التحرير العربي (تزعّمها أديب الشيشكلي)، والحزب القومي السوري. في 1954، غادر الشيشكلي البلاد بعد انقلاب عليه. وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، عادت الحياة البرلمانية إلى سورية، فجرت انتخابات دفعت أحزاباً قومية إلى الواجهة، مثل حزب البعث العربي الاشتراكي. أقر ذاك المجلس الوحدة مع مصر في 1958، والتي لم تدم طويلاً فحدث الانفصال في 1961 أعقبته انتخابات نيابية كانت الأخيرة في البلاد التي دخلت عام 1963 مرحلة جديدة ساد فيها الاستبداد وتحكّم الحزب الواحد بالحياة السياسية. استولى في 1970 حافظ الأسد على السلطة ووضع في 1974 دستوراً نص على أن حزب البعث “قائد الدولة والمجتمع”، واعتمد على مبدأ تعيين أعضاء مجلس الشعب من الحزب الحاكم وأحزاب ما سمّيت “الجبهة الوطنية”، التي تدور في فلكه وبعض المستقلين المقرّبين منه. وفي عقد التسعينيات، سمح الأسد بانتخابات للمستقلين، ما سمح بدخول بعض الأسماء المعارضة للنظام، لعل أبرزها رياض سيف، والذي لم يحتمل النظام وجود معارض حقيقي له تحت قبّة مجلس الشعب، فاعتقله  سنوات.

في منتصف عام 2000 توفي حافظ الأسد، فاجتمع مجلس الشعب بعد شهر وعدّل خلال دقائق المادة 83 من الدستور التي تنص على أن سن الرئيس يمكن أن تكون 34 سنة، وهي سن بشار الأسد في ذلك الوقت. جرت قبل انطلاق الثورة السورية في ربيع 2011 أكثر من عملية انتخابية، كلها كرّست سلطة حزب البعث، وسطوة الأجهزة الأمنية في بلاد بلا سياسة. في  2012 وفي سياق محاولات فاشلة لوأد الثورة، وضع بشّار الأسد دستوراً على مقاسه، ألغى شكلاً المادة الثامنة من دستور أبيه والتي تنص على قيادة “البعث” الدولة والمجتمع. لم يتغيّر شيء في المشهد السياسي على الإطلاق، ما خلا إدخال النظام البائد متهمين بارتكاب جرائم حرب ومتزعمي مليشيات وتجار مخدّرات الى مجلس الشعب الذي كان يكتفي بالفرجة على بلاد تحترق طوال سنوات. كان مجرّد واجهة خالية من أي قيمة سياسية، مهمّته التصديق على ما يردّه من قوانين صادرة عن بشار الأسد لا أكثر ولا أقل. لم يكن السوري يعيره أي اهتمام وأي احترام، تعلوه الكآبة كلّما مرّ في شارع الصالحية أمام مبنى البرلمان الذي كان عنواناً بائساً للعجز والاستبداد واللهو السياسي الماجن، والعدمية.

مرّ قرن وأكثر على أول تجربة نيابية ديمقراطية في سورية، تجدّد آمال السوريين باستعادتها بشكل أكثر تطوّراً وتمثيلاً وقدرة على الفعل، وربما يعتبر تشكيل “اللجنة العليا للانتخابات”، خطوة في اتجاه حياة برلمانية حقيقية بناء على دستور عصري يفتح أبواب سورية ونوافذها التي ظلت مغلقة حيناً ثقيلاً من الزمان، أمام التغيير الذي دفع من أجله السوريون ثمناً باهظاً، لتعبيد الطريق أمام مجلس حقيقي لـ الشعب.

العربي الجديد

——————————-

لجنة انتخابات مجلس الشعب تضع شروط الترشح/ أنيس المهنا

الأحد 2025/06/22

أوضح رئيس اللجنة العليا للانتخابات، محمد طه الأحمد، خلال جلسة تعريفية موسعة عُقدت مساء السبت في دار الأوبرا بدمشق، أن آلية تشكيل مجلس الشعب في الدورة المقبلة تأتي ضمن “مرحلة استثنائية”، نتيجة مشكلة إحصائية ناتجة عن غياب بيانات دقيقة وشاملة للسكان، ما استدعى اعتماد صيغة مختلطة في اختيار الأعضاء.

وبحسب الأحمد، فإن 100 عضو سيتم انتخابهم عبر هيئات ناخبة غير مباشرة على مستوى المناطق، في حين يُعيّن 50 عضواً من قبل رئيس الجمهورية، مشيراً إلى أن هذه الصيغة مؤقتة وتُفرضها طبيعة الظروف الحالية.

كما أكد أن توزيع المقاعد الانتخابية سيتم بالاعتماد على إحصاء السكان لعام 2010، وسيكون الترشح والانتخاب على مستوى المناطق والتي تبلغ 65 منطقة في سوريا، ورغم الإقرار العلني بأن هذا الأمر قد يُفضي إلى إقصاء شرائح من السوريين، خصوصاً المتضررين من ظروف النزوح وفقدان القيد المدني.

وفيما شدد الأحمد على أن “الهدف الأساسي ليس فقط التمثيل، بل وضع قوانين تُمهّد للمرحلة النهائية”، قال المتحدث باسم اللجنة الدكتور نوار الياس نجمة، إن “الغاية تبرر الوسيلة”، في إشارة إلى ضرورة المضيّ قدماً في هذا الاستحقاق رغم ما يعتريه من نقائص.

شروط واضحة

وشهدت الجلسة حضوراً واسعاً من ممثلي الأحزاب والمرشحين المحتملين وناشطين سياسيين ومهتمين بالشأن العام، وخصصت لشرح آلية الانتخابات وضوابطها، إلى جانب توضيح شروط الترشح، التي تشمل ضرورة أن يكون المتقدّم سورياً منذ ما قبل آذار/مارس 2011، مع السماح بازدواج الجنسية، إضافة إلى التمتع بالأهلية القانونية، وحسن السيرة، وعدم الانتماء إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية، وألا يقل عمر المرشح عن 25 عاماً، وأن يكون قيده المدني في المنطقة التي يترشح عنها، فضلاً عن اشتراط المؤهل الجامعي للمرشحين من فئة الكفاءات. كما فُسح المجال أمام الحضور لطرح أسئلتهم وملاحظاتهم حول المعايير والضوابط المقترحة.

انتقادات حادة

ولم تخلُ الجلسة من انتقادات مباشرة وملاحظات حادة، إذ اعتبر أمين حزب “الإرادة الشعبية” مهند بليقان، أن ما يجري يمثل “انحرافاً عن الشكل الحقيقي للتمثيل السياسي”، فيما أشار عميد كلية الإعلام خالد زعرور، إلى وجود “قصور في التغطية الإعلامية للانتخابات”، داعياً إلى تعزيز الحضور الإعلامي الرسمي وتوسيع النقاش العام.

أما فيما يتعلق بالمعايير العامة للمرشحين، فقد أوضح عضو اللجنة حسن الدغيم، أن توزيع نسب التمثيل بين الفئات المختلفة، كالكفاءات، وذوي الإعاقات، ومصابي الحرب، والنساء، لم يستند إلى إحصاءات دقيقة أو معايير تشريعية ثابتة، بل تم تحديده بناءً على استمزاج الآراء ومداولات داخلية في اللجنة، وهو ما أثار تساؤلات عدد من الحاضرين حول مدى عدالة وشمولية التمثيل.

كما عبّر ممثلون عن مناطق القابون، عربين وجوبر عن قلقهم من ضعف تمثيلهم في الصيغة المطروحة، معتبرين أن ذلك يشكّل “ظلماً مكرّساً”، في حين لم تُجب اللجنة عن تساؤلات متكررة بشأن دور المجتمع المدني في الرقابة الانتخابية، مع التأكيد على أن مقترحات المشاركين ستؤخذ بعين الاعتبار، ضمن التحضيرات الجارية لما وصفته بـ”الاستحقاق الانتخابي” المفصلي في تاريخ البلاد.

المدن

———————————————–

تشكيل لجنة قانونية من خمسة خبراء لمواكبة انتخابات مجلس الشعب

22 يونيو 2025

في إطار التحضيرات الجارية لتنظيم انتخابات مجلس الشعب، أصدرت اللجنة العليا للانتخابات القرار رقم /1/، الذي نصّ على تشكيل لجنة قانونية متخصصة تُعنى بمتابعة الجوانب القانونية المرتبطة بالعملية الانتخابية، وتعمل تحت إشراف مباشر من اللجنة العليا، بحسب ما أفادت وكالة “سانا”.

وأشارت “سانا” إلى أن اللجنة أوضحت أن القرار جاء استنادًا إلى النظام الداخلي الصادر بموجب المرسوم الرئاسي رقم /66/ لعام 2025، مشيرةً إلى أن هذه الخطوة تأتي “انطلاقًا من مقتضيات المصلحة العامة”.

وتتألف اللجنة القانونية من خمسة أعضاء يمثلون الاختصاصات القانونية، وهم: الأستاذ طارق الكردي في القانون الدستوري، والأستاذ طارق نحاس في القانون الإداري، والأستاذة سميرة الوتار في القانون الخاص، والأستاذ أحمد قنّوت في القانون الدولي، والأستاذ عبد الله العجمي في القانون الدولي والإنساني.

ووفقًا للمادة الثانية من القرار، تتولى اللجنة مهام رئيسية تشمل “تقديم الاستشارات القانونية، وصياغة المقترحات ذات الطبيعة القانونية، والإشراف على سلامة الإجراءات القانونية المرتبطة بالعملية الانتخابية”.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر، يوم الجمعة الماضي، المرسوم رقم (66) القاضي بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وذلك استنادًا إلى أحكام الإعلان الدستوري، ولا سيما المادة 24 منه.

ويقضي المرسوم بتشكيل اللجنة برئاسة محمد الأحمد، وعضوية كل من: حسن الدغيم، عماد برق، لارا عزوقي، نوار نجمة، محمد علي محمد ياسين، محمد ولي، محمد كمالة، حنان البلاغي، بدر الجاموس، وأنس العبدة؛ على أن تتولى اللجنة العليا الإشراف على تشكيل هيئات ناخبة فرعية، تقوم بانتخاب ثلثَي أعضاء مجلس الشعب.

كما نص المرسوم على أن يتألف مجلس الشعب من 150 عضوًا، يُوزَّعون على المحافظات وفق عدد السكان، وعلى أساس فئتين: فئة الأعيان وفئة المثقفين، وذلك بناءً على شروط تقرّها اللجنة العليا للانتخابات.

——————————-

تحديات تشكيل مجلس تشريعي انتقالي في سوريا/ عبد الرحمن الحاج

18/6/2025

مضت سبعة أشهر منذ إعلان إسقاط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، في هذه الأشهر تحقق الكثير، بعض ما تحقق كان عظيمًا ومشكوكًا في تحققه، مثل رفع العقوبات والتغيير في إستراتيجية الولايات المتحدة تجاه سوريا والشرق الأوسط، وما كان ممكنًا ذلك لولا الاحتضان الإقليمي المستند إلى احتضان شعبي واسع للغاية، وحسن تقديم الحُكم الجديد في دمشق نفسه للمجتمع الدولي.

لكن في غمرة هذا التسارع في الخطوات الخارجية والطفرة في العلاقات الدولية والبيئة الإقليمية الجديدة بكل تأثيرها الإيجابي، هناك أعمال كثيرة في الداخل تتحرك بسرعة أقل، تتعلق بالتعافي وإطلاق عجلة تنمية تستند إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة ومنظومة الحكم، وهي إعادة بناء مركّبة من عدة طبقات، تبدأ من الكوادر والكفاءات وتطبيق سياسات عادلة للعزل السياسي وجذب الخبرات، مرورًا بتحديث النظام البيروقراطي القديم والمعقّد وشديد المركزية، وصولًا إلى بناء منظومة قانونية مناسبة، وإصلاح النظام القضائي وضمان نزاهته، والفصل التام بين السلطات.

ومع ذلك يبقى أن جميع طبقات بناء مؤسسات الدولة مرهونة بالمنظومة القانونية التي تحدّد الإجراءات الشرعية واللازمة فيها، وبانتظار كل ذلك تتراكم المهامّ التشريعية كلّ يوم.

حلّ مجلس الشعب

صدر “بيان إعلان انتصار الثورة السورية” عن قيادة العمليات العسكرية- وهي بمنزلة مجلس عسكري يضمّ كل الفصائل العسكرية التي شاركت في التحرير- في مؤتمر النصر 29 يناير/ كانون الثاني 2025، وفي البيان أُعلن عن تولية “القائد أحمد الشرع” مهام رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية، و”إلغاء العمل بدستور سنة 2012، وإيقاف العمل بجميع القوانين الاستثنائية، وحلّ مجلس الشعب المشكّل في زمن النظام البائد، واللجان المنبثقة عنه”، وتفويضه بـ”تشكيل مجلس تشريعي مؤقت” إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد ودخوله حيز التنفيذ.

يؤدي وقف العمل بالدستور وحل البرلمان واللجان الملحقة به إلى خلق فراغ في المنظومة القانونية للمرحلة الانتقالية، ما سيتطلب إسراع الخطوات لتجنب استمرار هذا الفراغ المعيق للتعافي في ظل الحاجة الماسّة إلى إيجاد إطار قانوني للحكم، وتحديث القوانين ومراجعة السابق منها، وتحت ضغط هذه الحاجة الملحّة صدر الإعلان الدستوري في 13 مارس/ آذار 2025، ليضع الإطار الدستوري للمرحلة الانتقالية، وبالنظر إلى أن سقوط النظام لا يعني سقوط القوانين لضرورة استمرار الدولة، فقد نصّ الإعلان الدستوري في المادة 51 على أنه: “يستمر العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها”، ونصّ كذلك في المادة 3 على أنّ: “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”.

ما مصير الإجراءات والقرارات التي يتمّ إصدارها قبيل إنشاء مجلس الشعب؟

بحسب الإعلان الدستوريّ، فإن رئيس الجمهورية لا يمتلك صلاحية إصدار مراسيم تشريعية، وفي نفس الوقت “يستمرّ العمل بالقوانين النافذة” في المرحلة الانتقالية، ومقتضى هذا الوضع هو مراجعة جميع القرارات التنفيذيّة للتحقّق من مدى ملاءمتها للقوانين النّافذة التي “لم يتمّ تعديلها أو إلغاؤها” من قِبل المحاكم الإداريّة ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية حين تشكيلها، فجميع القرارات والمراسيم يجب أن تصدر “وفق القانون النافذ” بحسب تعبير الإعلان الدستوري.

هل كان على الإعلان الدستوري أن ينص على تولي “رئيس الجمهورية سلطة التشريع إلى حين تشكيل مجلس الشعب، على أن تُعرض التشريعات الصادرة عن رئيس الجمهورية في هذه الفترة على المجلس خلال خمسة عشر يومًا من انعقاده، للنظر فيها ومناقشتها وإقرارها أو تعديلها أو إلغائها، فإذا لم تُعرض على المجلس زال ما لها من قوة قانونية بأثر رجعي من دون الحاجة لإصدار قرار في ذلك”؟ كما يذهب بعض الحقوقيين، ربما كان ذلك ضروريًا، ولكن في الوضع الراهن بعد صدور الإعلان، حيث لا توجد مثل هذه المادة، فإن القرارات واللوائح التنفيذية والمراسيم التشريعية يجب مراجعتها، لأن احترام مواد الإعلان الدستوري ضرورة “لطمأنة الجمهور بأن السلطة السياسية تحترم القانون النافذ، وتتصرف تحت سقفه. وهذا أمر حيوي جدًا ليشعر المواطنون بالأمن، وأن سيادة القانون تشملهم وتشمل السلطة في آنٍ معًا”، على حد تعبير الخبير القانوني محمد صبرا.

تشكيل مجلس الشعب

ثمة حاجة ماسّة، إذًا، لملء الفراغ التشريعي في أقرب وقت، عبر تشكيل مجلس الشعب، السلطة الثالثة في الدولة، والذي وفقًا للمادة 24 من الإعلان الدستوري يتم تشكيله وفقًا للآتي:

     يشكل رئيس الجمهورية لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب.

    تقوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتقوم تلك الهيئات بانتخاب ثلثَي أعضاء مجلس الشعب.

    يعيّن رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة.

وتمثل كل واحدة من تلك الخطوات تحديًا قائمًا بذاته، إذ يجب أخذ جملة من الاعتبارات والقيود لتحقيق أهداف تشكيل المجلس، فهذا المجلس ستكون له آثار مديدة لا تقتصر على المرحلة الانتقالية، بل سيكون تأثيره الأهمّ هو في صياغة المرحلة الدائمة؛ تحديد شكل الدولة ونظامها السياسي عبر الدستور الدائم.

ولا يعني هذا بحال التقليل من المهامّ التشريعية الأخرى المنوطة به في المرحلة الانتقالية، والتي تشمل بحسب المادة 26 من الإعلان الدستوري: “اقتراح القوانين وإقرارها”، و”تعديل أو إلغاء القوانين السابقة”، و”المصادقة على المعاهدات الدولية”، و”إقرار الموازنة العامة للدولة”، و”إقرار العفو العام”، و”عقد جلسات استماع للوزراء”.

تكوين اللجنة العليا للانتخابات

يطرح تشكيل اللجنة العليا للانتخابات سؤال التكوين، حيث لم يعد قانون الانتخابات (القانون رقم 5 للعام 2014) ساريًا، بالرغم من أن الإعلان الدستوري نص على بقاء القوانين نافذة؛ وذلك لأن القانون الانتخابي مرتبط بالنظام السياسي المحدد بدستور سنة 2012، ومثله قانون الأحزاب، وقد سقطا معه.

القانون المذكور كان يسمّي اللجنة المشرفة على الانتخابات بـ”اللجنة القضائية العليا للانتخابات”، بالنظر إلى طابعها القانوني، وينصّ على أنها تتألف من سبعة قضاة “يسميهم مجلس القضاء الأعلى من مستشاري محكمة النقض”، ولأن الجانب القانوني جوهري فإن اللجنة العليا للانتخابات الجديدة يجب أن تغطي هذا الجانب، قد يكون ذلك عبر لجنة قانونية من الخبراء تسميهم اللجنة العليا نفسها، وأيضًا عبر لجنة مستقلة للبتّ بالطعون، وتوفير الإشراف القانوني بهذه الصيغة أو بغيرها ضرورة، لأنه يشعر المواطنين بالثقة في عمل اللجنة، وهذا أمر ضروري للثقة بصحة النتائج والرضا عنها.

بالنظر إلى أن القانون رقم 5 لم يعد ملزمًا، فإن تكوين اللجنة لم يعد محصورًا بالقضاة، وبالتّالي في مثل هذه الحالة، ولضمان عملية تمثيل ملائمة فإن تشكيل اللجنة يفترض أن يراعي في التمثيل مجموعة من الاعتبارات: مشاركة المرأة، والميول السياسية والتكوين الاجتماعي والديني والتوزع الجغرافي والكفاءة.

ولهذا قد يكون من المناسب تأليف لجنة صغيرة مكونة من أقل من عشرة أعضاء قادرة على المتابعة واتّخاذ قرارات سريعة، يُراعى في تكوينها الاعتبارات المذكورة، وبما أن هناك لجانًا فرعية في كل محافظة فإن التمثيل الجغرافي الدقيق ليس مطلوبًا في اللجنة العليا، لأن الفائدة الفعلية في التمثيل الجغرافي تكمن في اللجنة الفرعية فقط.

في (13 يونيو/ حزيران 2025)، صدر المرسوم الرئاسي رقم 66 للعام 2025 بتشكيل “لجنة باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، مؤلفة من 11 عضوًا، برئاسة محمد طه الأحمد. تتولى هذه اللجنة الإشراف على “تشكيل هيئات فرعية” في المحافظات، لتنتخب ثلثي أعضاء مجلس الشعب. وقد راعى المرسوم في تكوين اللجنة بالفعل جملة الاعتبارات المذكورة أعلاه.

انتخابات في ظروف غير مستقرة

لكن المعضلة الرئيسية للجنة هي في إجراء انتخابات في ظروف استثنائية، هنالك نحو ثلاثة ملايين نازح على الأقل في الشمال، منهم نحو مليون إنسان ما زالوا في الخيام، مع مئات الآلاف من المهجّرين خارج الحدود، صحيح أن حركة عودة كبيرة إلى البلاد تجري حاليًا، لكن انتخابات في مثل هذا الوضع تبدو مهمة شاقة، فمن جهة يجب توفير إحصاء سكاني موثوق نسبيًا لتحديد المقاعد، ومن جهة أخرى يجب تحديد الدوائر الانتخابية والنظام الانتخابي لإجراء انتخابات منظمة وعادلة، ومن جهة ثالثة تحتاج الانتخابات إلى مراقبة وإشراف من المنظمات المحلية والدولية مع انعدام وجود أحزاب، فقد تم حل الأحزاب والتنظيمات في إعلان النصر.

ما من إمكانية متاحة لإجراء إحصاء سكاني دقيق مع وجود هذا الكم الهائل من النزوح والدمار الواسع في المدن والأرياف، ولهذا السبب فإنه ما من طريقة لاعتماد إحصاء جديد في الوقت الحالي، وأفضل طريقة هي اعتماد إحصاء عام 2010 الذي أجراه نظام الأسد قبل اندلاع الثورة، والذي تنتفي فيه شبهة المصلحة في التلاعب بالأرقام وطرق الإحصاء ووجود ملايين خارج سوريا أو خارج سيطرته، ولهذا السبب يمكن الوثوق بهذا الإحصاء، وتحديد عدد المقاعد على أساس التوزع الديمغرافي للسكان.

عدد مقاعد البرلمان السوري هو 250 مقعدًا، وهو عدد ظل ثابتًا منذ دستور عام 1973 الذي تمت صياغته لبقاء نظام الأسد إلى الأبد، وهو تقريبًا يمثل عام 2010 نسبة عضو واحد لكل 100 ألف نسمة، لكن هذا العدد قد لا يكون مناسبًا ورشيقًا بما يكفي للعمل في هذه الفترة الاستثنائية، لذلك تميل الدول في المرحلة الانتقالية إلى برلمانات مصغرة، ويمكن أن يكون نصف هذا العدد أو أكثر قليلًا مناسبًا بالنظر إلى المهام الكثيرة الملقاة على عاتقه، ومن الواضح أن الرئيس الشرع أخذ ذلك بالاعتبار، فالمرسوم 66/2025 الخاص بتشكيل الهيئة العليا لانتخابات مجلس الشعب حدّد عدد أعضاء المجلس بـ150 عضوًا، وهو عدد مناسب يجمع بين التمثيل والمرونة.

التمثيل

مهمة اللجان الفرعية هي تشكيل الهيئات الناخبة في المحافظات بحسب الإعلان الدستوري، ولكن لا توجد إشارة واضحة فيه حول كيفية تشكيل هذه الهيئات، وهذا سيعني أن اللجنة العليا للانتخابات ستحدد ذلك، هل سيكون ذلك عبر الترشح الفردي المباشر، أي فتح باب الترشح كما يجري في الانتخابات العامة عادة؟

لكن فتح باب الترشح المباشر لن يضمن تمثيلًا صحيحًا في ظل ظروف النزوح والدمار، هذا الوضع الاستثنائي شبيه نسبيًا بالوضع عند تأسيس الدولة والعمل على المؤتمر السوري العام الأول بدءًا من منتصف عام 1919، في ذلك الوقت جرت اختيارات من قبل وجهاء، ممثلين عن المناطق، وزعماء محليين وفقًا لقانون الانتخابات العثماني عام 1909 لمجلس المبعوثَين (مجلس النواب)، وفي بعض الحالات، تمت تعيينات أو ترشيحات محلية (توكيلات) لتمثيل مناطقهم.

وفقًا للقانون العثماني، يتم الانتخاب على مرحلتين، في المرحلة الأولى يتم تشكيل هيئة ناخبة، وفي المرحلة الثانية تنتخب هذه الهيئة أعضاء لمجلس النواب، ويمكن للجنة الفرعية القيام باختيار أعضاء مرشّحين للهيئة الناخبة بدل الانتخاب المباشر، تراعي التكوين الاجتماعي والكفاءات والتمثيل العادل لفئات المجتمع ممن يتمتعون بالسمعة الطيبة وحسن السيرة، وأن يكونوا من المعروفين في مناطق تمثيلهم للعموم والنخبة على نطاق مناسب، سيتعين على اللجنة المركزية أن تضع مجموعة من الشروط والقواعد التي تضمن وصول ممثلين حقيقيين، ومن ذوي الكفاءات ممن يصلحون لصياغة التشريعات، والتفاوض حول مواد الدستور.

قضية التمثيل في هذا المجلس ليست أمرًا يمكن قبول الثغرات فيه، يجب أن يكون التمثيل قويًا وحقيقيًا قدر الإمكان؛ لأن هذا المجلس سيرسم مستقبل سوريا وصورتها الدائمة، ويجب ألا يغيب عن أعضاء اللجنة العليا المكلفين بالإشراف على العملية الانتخابية وتشكيل المجلس أن شكل عملية تشكيل المجلس هو جزء من مضمون المجلس، وأن لا فرق بين الشكل والمضمون في العملية السياسية.

ومن المثير للانتباه أن المرسوم 66/2025 الخاص بتشكيل الهيئة العليا للانتخابات ومهامها حدد طبيعة المرشحين للتمثيل بأنهم من “الأعيان والمثقفين” والمقصود بالطبع نخبة المجتمع، من الوجهاء والشخصيات ذات المكانة الاجتماعية المؤثرة، يشمل ذلك رئيس رجال الأعمال والشخصيات العامة، أما المثقفين فالمقصود منه على الأرجح الكفاءات من الاختصاصيين في العلوم الاجتماعية المختلفة وصناع الرأي العام، وعلى الرغم من غرابة هذا التحديد في تشكيل مجلس الشعب، لكن الظروف التي يشكل من أجلها المجلس والتي تتطلب بالفعل توفير نخبة قادرة على تحقيق الغرض من تشكيل مجلس الشعب في هذه المرحلة الخطيرة تجعل الأمر مفهومًا ومستساغًا، وربما كان من الأنسب استخدام الاكتفاء بعبارة “الكفاءات”.

مهمة كتابة الدستور الدائم

تنتظر هذا المجلس التشريعي مهمات كثيرة، فالفراغ التشريعي لمدة طويلة خلف تراكمًا في الأعمال التشريعية الضرورية لبناء الدولة، لكن المهمة الأخطر التي سيتعين على المجلس التشريعي القيام بها هي كتابة الدستور الدائم، الذي سيحدد شكل النظام السياسي لسوريا لعقود طويلة، لأن الهيئة التأسيسية ستنبثق على الأرجح عن هذا المجلس، سواء في دورته الأولى أو الثانية، لأن المجلس سيكون له دورتان فقط في المرحلة الانتقالية، وسيكون عليه تشريع القوانين اللازمة للانتقال السياسي، بما في ذلك الأحزاب والانتخابات.

والواقع أن هناك ثلاث طرق لتشكيل الهيئة التأسيسية:

    الأولى: هي الانتخاب المباشر من الشعب، وفي ظل ظروف معقدة مثل سوريا لا توجد ضمانة للتمثيل ولا ضمانة لخروج الكفاءات اللازمة لكتابة الدستور، والتفاوض حول مواده مع أطراف المجتمع.

    الثانية: هي التعيين، وهي طريقة قد تضمن التمثيل ووجود الكفاءات، لكنها تفتقد للشرعية اللازمة للمرحلة الدائمة.

    الثالثة: هي الانتخاب من المجلس التشريعي، حيث يبدو طريقًا إجباريًا، لأنه يجمع بين ميزة توفر الكفاءات والتمثيل، والشرعية، ما يجعل احترام الدستور أكثر رسوخًا، وفي مثل هذه الحالة تكون الهيئة التشريعية ثلث المجلس في الحد الأقصى، ويجب الأخذ بالاعتبار التمثيل الطائفي والعرقي كاملًا.

لهذا السبب يجب أن يؤخذ بالاعتبار عند تشكيل المجلس هذه المهمة الاستثنائية له، وربما يكون من المفيد استخدام الثلث المعين من قبل الرئيس لتغطية النقص الذي قد يحصل في توفير هذا التمثيل والكفاءات اللازمة، فالإعلان الدستوري منح الرئيس صلاحية تعيين الثلث لجبر الخلل الذي يمكن أن يحدث في تشكيل المجلس بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

كتابة دستور جديد ستقتضي عدة أمور، هي: قانون لنظام انتخابي جديد، وقانون للأحزاب (أشار إليه الإعلان الدستوري في المادة 14)، وقانون للمحكمة الدستورية وتنظيم القضاء، وقانون للعدالة الانتقالية بعد تشكيل هيئة متخصصة في ذلك.

تحديات

اللحظة مواتية للشروع في تشكيل المجلس، والحاجة ملحّة له، ومع ذلك فإن عدم استتباب الأمن بشكلٍ تام في مناطق مثل الساحل، ومناطق مثل الجزيرة التي لا تزال تحت سيطرة قوات قسَد (قوات سوريا الديمقراطية) الكردية، تمثل عقبات أمام اللجنة العليا للانتخابات، وقد يحد هذا من قدرة اللجنة على تحقيق التمثيل الشامل والعادل، وقد تضطر في بعض الأحيان للتنازل عن بعض المعايير في تلك المناطق لتحقيق تمثيل مقبول فيها، وقد يشكل الثلث المعين أحد الضمانات لتجاوز عقبة التمثيل فيما إذا فشلت اللجنة في تحقيق ذلك بسبب عقبات أمنية ولوجيستية.

هنا يبرز مرة أخرى دور الثلث المعين، ويحسب للجنة التي كتبت الإعلان الدستوري ترك هذا الثلث للتعيين لتجاوز المشكلات التي يمكن أن تواجه اللجنة في تشكيل المجلس والتعامل مع الظروف، وهي طريقة اعتمدت في المؤتمر السوري العام الأول، حيث عُين نحو ثلث أعضاء المجلس (35 عضوًا من أصل 120 نائبًا) لاعتبارات تتعلق بوجود الاحتلال الفرنسي والبريطاني، وتعذر القيام بعملية انتخابية في كل المناطق، هناك، إذًا، سابقة يمكن البناء عليها.

التحدي الآخر هو وجود كفاءات ضرورية يمكن التعويل عليها في صياغة القوانين والتفاوض بشأن المواد الدستورية، من الخبراء والسياسيين والحقوقيين والنقابيين وخريجي العلوم السياسية والدراسات الإسلامية والدينية وعموم العلوم الاجتماعية، وحتى من المجتمع المدني الذين راكموا خبرات كبيرة خلال السنوات الأربع عشرة الأخيرة، وكثير منهم عملوا في الانتقال السياسي والأنظمة القانونية والقضائية والدستورية، يجب أن تلحظ اللجنة العليا للانتخابات وجود مثل هذه الكفاءات بالقدر الكافي في الهيئة الناخبة، وتوفير فرص لها للانضمام للبرلمان عبر انتخابات نزيهة وشفافة.

مجمل التحديات يمكن التغلب عليها، لكنها تتطلب بعض الوقت والتأني، المؤتمر السوري العام عام 1919 استغرق أكثر من ثمانية أشهر بسبب الظروف الانتقالية بين انهيار الدولة العثمانية والانتداب الفرنسي، اليوم لدينا ظروف شبيهة من حيث إننا بالفعل في مرحلة أقرب إلى إعادة بناء الدولة من أساسها، ولكن أيضًا لدينا خبرة تمتد لمائة عام، ووسائل اتصال حديثة تعوّض بعض النقص في البنية التحتية اللازمة للانتخابات وتشكيل المجلس.

إنه لمن الصحيح القول إن الظروف الاستثنائية قد لا تساعد على إنشاء مجلس تمثيلي في شكل مثالي، لكن مع الكثير من الجهد والانتباه إلى العوائق وابتكار الطرق اللازمة لمواجهتها والحفاظ على الشكل والمضمون معًا سيكون بالإمكان تحقيق تمثيل مقبول ومناسب للمهامّ التي أنيطت بالمجلس التشريعيّ الانتقالي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أكاديمي وباحث متخصص في الحركات الإسلامية

الجزيرة

———————————–

 اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تحدد إطاراً زمنياً لإنجاز مهامها

2025.06.18

أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا عن تحديد الإطار الزمني المتوقع لإنجاز مهامها، مشيرة إلى أنها تقدّر أنه يحتاج إلى مدة تتراوح من شهرين إلى ثلاثة أشهر.

وفي اجتماع عقده في مجلس الشعب بدمشق، ناقشت اللجنة الشروط والمعايير الواجب توافرها في أعضاء اللجان الفرعية على مستوى المحافظات، وأعضاء الهيئات الناخبة، إضافة إلى وضع جدول زمني لمراحل عمل اللجنة، انطلاقاً من المهام الموكلة إليها بموجب قرار تشكيلها، ووصولاً إلى إنجاز الاستحقاق الانتخابي وفق الأسس القانونية والدستورية.

ووفق ما ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا”، تم خلال الاجتماع تحديد جدول الزيارات الميدانية إلى عدد من المحافظات، بهدف مناقشة العملية الانتخابية مع الجهات الرسمية والفعاليات الأهلية، وإنجاز التحضيرات للعملية الانتخابية بكفاءة وشفافية.

والأسبوع الماضي، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل لجنة باسم “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” برئاسة محمد طه الأحمد.

وكلّف المرسوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، حيث تتولى هذه الهيئات انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب.

وينص المرسوم على أن يكون عدد أعضاء مجلس الشعب 150 عضواً، موزعين على المحافظات بحسب عدد السكان، ووفق فئتي الأعيان والمثقفين، وبما يتماشى مع الشروط التي تقرّها اللجنة العليا للانتخابات.

ويُعيَّن ثلث أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية، في حين يُنتخب الثلثان الآخران عبر لجان انتخابية معتمدة، موزعين على المحافظات على النحو الآتي:

حلب (20) مقعداً، دمشق (11) مقعداً، ريف دمشق (10) مقاعد، حمص (9) مقاعد، حماة (8) مقاعد، اللاذقية (6) مقاعد، طرطوس (5) مقاعد، إدلب (7) مقاعد، دير الزور (6) مقاعد، الحسكة (6) مقاعد، الرقة (3) مقاعد، درعا (4) مقاعد، السويداء (3) مقاعد، القنيطرة (مقعدان).

——————————

 الاتحاد الأوروبي يرحب بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا

2025.06.17

رحّب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، ميخائيل أونماخت، اليوم الثلاثاء، بالمرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي نصّ على تشكيل اللجنة العليا للانتخابات الخاصة بمجلس الشعب.

وقال أونماخت، في تصريح عبر منصة إكس

، إن الاتحاد الأوروبي يعتبر تشكيل اللجنة العليا للانتخابات خطوة مهمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة من الانتقال السياسي في سوريا، وتعزيز حوكمة وطنية تلبي تطلعات الشعب السوري.

وأضاف أن السلطة التشريعية الانتقالية ستلعب دوراً أساسياً في تحقيق الشمولية، وضمان مشاركة حقيقية وفعالة لجميع السوريين في صياغة مستقبل بلادهم، مؤكداً استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم خبراته ودعمه لهذه العملية.

مرسوم رئاسي بتشكيل لجنة عليا

قبل أيام، أصدر الرئيس الشرع المرسوم الرئاسي رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل لجنة باسم “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” برئاسة محمد طه الأحمد.

وكلّف المرسوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، حيث تتولى هذه الهيئات انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب.

وينص المرسوم على أن يكون عدد أعضاء مجلس الشعب 150 عضواً، موزعين على المحافظات بحسب عدد السكان، ووفق فئتي الأعيان والمثقفين، وبما يتماشى مع الشروط التي تقرّها اللجنة العليا للانتخابات.

ويُعيَّن ثلث أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية، في حين يُنتخب الثلثان الآخران عبر لجان انتخابية معتمدة، موزعين على المحافظات على النحو الآتي:

حلب (20) مقعداً، دمشق (11) مقعداً، ريف دمشق (10) مقاعد، حمص (9) مقاعد، حماة (8) مقاعد، اللاذقية (6) مقاعد، طرطوس (5) مقاعد، إدلب (7) مقاعد، دير الزور (6) مقاعد، الحسكة (6) مقاعد، الرقة (3) مقاعد، درعا (4) مقاعد، السويداء (3) مقاعد، القنيطرة (مقعدان).

——————————–

 عن حدود وصلاحيات مجلس الشعب الجديد/ مالك الحافظ

2025.06.21

في خضم المسار الانتقالي السوري، برز مؤخراً تعيين “مجلس الشعب الانتقالي” كخطوة جديدة ضمن سياق بناء المؤسسات الدستورية الناشئة. وقد دافعت بعض الجهات الداعمة للجنة العليا لتعيين مجلس الشعب عن هذه الخطوة بوصفها “أمراً لا مفرّ منه”، نظراً لتعذّر إجراء انتخابات عامة في ظل غياب قانون أحزاب، وتعقيدات السجل المدني ومعضلات النزوح واللجوء، وعدم وجود مفوضية مستقلة للانتخابات، إلى جانب الحاجة لنقاش وطني حول قانون الانتخاب نفسه.

وبحسب هذا المنطق، فإن تشكيل مجلس معيّن، وإن لم يكن منتخباً، هو ضرورة وظيفية للمرحلة الانتقالية، على أن تراعي اللجنة –كما يُؤمَل– معايير الكفاءة والتنوع والانضباط الأخلاقي والحقوقي في اختيار الأعضاء.

هذا التبرير، وإن بدت له وجاهة إجرائية في ظل السياق السوري المعقد، إلا أنه لا يُعفينا من ضرورة مساءلة الأثر السياسي العميق لهذا النمط من التعيين، لا سيما في ضوء ما يُبنى عليه من تصوّرات حول السلطة والفصل بينها، ومشروعية التمثيل، وأسس الرقابة التشريعية.

في عدد من تجارب ما يُعرف اصطلاحاً بـ”جمهوريات الموز” في أميركا اللاتينية، لطالما شكّلت البرلمانات وسيلة لتجميل المشهد، حيث كانت تُعيَّن أو تُهندَس بعناية من قبل السلطة الحاكمة، ليس تجسيداً للإرادة الشعبية، وإنما لضبط المجال السياسي واحتواء المطالب التغييرية ضمن هياكل شكلية. ولعل أبرز ما يميّز تلك البرلمانات أنها وُجدت لتثبيت الاستثناء ولترسيخ السلطة، في مشهد سياسي يستعيض عن الشرعية بالمشهدية، وعن الرقابة بالتزكية.

لقد كشفت عضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري، ريعان كحيلان، في وقت سابق خلال تصريح متلفز؛ عقب اعتماد الإعلان الدستوري، بأن الرئيس الانتقالي غير خاضع لأي محاسبة أو رقابة، سواء من مجلس الشعب أو من غيره، وأن الوزراء أيضاً خارج نطاق المساءلة. واستندت في ذلك إلى “مبدأ فصل السلطات”، معتبرة أن الرقابة قد تخلّ بهذا الفصل، في قراءة لا تخلو من التبسيط المخل والمفارقة الخطرة، إذ تُفرغ هذا المبدأ من مضمونه الجوهري القائم على التوازن والضبط المتبادل بين السلطات، لا القطيعة بينها.

إن القول بعدم محاسبة أو مساءلة الرئيس الانتقالي ووزراء الحكومة، ومنحهم حصانة غير مشروطة، يضعنا في مواجهة مفهوم مقلوب للسلطة، ينتمي إلى منطق الدولة المملوكية لا إلى الدولة الدستورية الحديثة. كما أن حرمان مجلس الشعب من أي أداة رقابية جدية، لا يجعل منه سلطة تشريعية، وإنما يجعله هيئة ملحقة بالمشهد التنفيذي، تُستخدم لإضفاء شرعية شكلية على قرارات قد لا يكون لها أي سند اجتماعي أو سياسي راسخ.

    إن الأزمة هنا ليست أزمة توقيت أو ظرف انتقالي، هي فعلياً أزمة رؤية للشرعية. فالمجلس التشريعي أو مجلس الشعب هو عماد التوازن السياسي وضمانة للتداول والتشاركية، وأي تقييد لسلطاته أو تجريده من قدرته على المحاسبة، هو تقويض مباشر لمبدأ التعاقد الدستوري الذي يُفترض أن تُبنى عليه سوريا ما بعد الانهيار السلطوي لنظام الاستبداد.

نعم، من الممكن أن نتفهّم من يدافع عن هذه الخطوة باعتبارها “وظيفية” ومؤقتة، تنبع من الحاجة لسدّ فراغ دستوري وتنظيمي، لا سيما في ظل غياب بيئة انتخابية نزيهة. غير أن المشكلة لا تكمن في التعيين بحد ذاته، بقدر ما تتمثل في مصادرة أي صلاحيات فعلية للمجلس تُتيح له مساءلة السلطة التنفيذية، أو رفض تشريعاتها، أو حتى المصادقة على المعاهدات الدولية؛ وهي الأهم. وهو ما يعني فعلياً تحويل هذا المجلس إلى غرفة صدى، لا إلى سلطة دستورية فاعلة.

هنا يبرز التناقض الجوهري في فلسفة الإعلان الدستوري نفسه، فكيف يمكن الحديث عن فصل سلطات دون رقابة متبادلة، وكيف يمكن بناء توازن مؤسساتي إذا كانت السلطة التنفيذية فوق المساءلة، والسلطة التشريعية خاضعة من حيث التشكيل والوظيفة.

إن الأزمة هنا ليست أزمة توقيت أو ظرف انتقالي، هي فعلياً أزمة رؤية للشرعية. فالمجلس التشريعي أو مجلس الشعب هو عماد التوازن السياسي وضمانة للتداول والتشاركية، وأي تقييد لسلطاته أو تجريده من قدرته على المحاسبة، هو تقويض مباشر لمبدأ التعاقد الدستوري الذي يُفترض أن تُبنى عليه سوريا ما بعد الانهيار السلطوي لنظام الاستبداد.

إذا لم يُتح انتخاب مجلس شعب، فأين هي مقوّمات الحياة السياسية من الأساس، وأين هو قانون الأحزاب. كيف يُراد لمسار سياسي أن يُستكمل بنجاح خلال مرحلة انتقالية، في حين يغيب عنها الجوهر السياسي الحقيقي، وهو التعدد والتنافس والتمثيل، كما لا يمكن اختزال “السياسة” في هندسة مؤسسية بيروقراطية تفتقر إلى الأطر الناظمة للفاعل الحزبي والمدني.

لقد بادرت السلطة الانتقالية، مؤخراً وبشكل متعجل، إلى ملء فراغ القيادة القطرية التي كان يتزعمها حزب البعث المنحل عبر تشكيل ما سمّته “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، رغم كل المخالفات التي يثيرها هذا التكوين. المشكلة لا تقف فقط في المخالفات الإجرائية، بقدر ما كانت تكمن في جوهر هذه الخطوة التي تُجسّد نمطاً استبدادياً جديداً، يسعى لخنق الحياة السياسية قبل أن تُولد.

الأدهى من ذلك أن الأمانة العامة المعلنة لا تنتمي إلى الفضاء التعددي وإنما تمثّل في بنيتها وروحها نوعاً من “الحزب البديل” المتخفي، أو “الجهاز الجامع” الذي يريد أن يُدير الحياة السياسية من الأعلى.

وفي هذا السياق، يبرز في علم السياسة سؤال محوري يتمثل في تحديد الحد الأدنى من الشروط اللازمة لتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي. وقد قدّم كل من خوان لينز وألفريد ستيبان، في دراستهما المعروفة حول مسارات التحول الديمقراطي، إجابة واضحة تؤكد أن غياب التعددية السياسية المنظمة، لا سيّما في ظل غياب قوانين انتخاب عادلة، وأطر حزبية مستقلة، وإعلام حر تعددي، يجعل أي انتقال سياسي عرضة للارتداد نحو السلطوية.

إن تعيين مجلس شعب في مرحلة انتقالية لا يكون إشكالياً بذاته إلا إذا جُرِّد من أدوات الرقابة، وحُصِّنت السلطة التنفيذية من النقد والمساءلة. حينها، يصبح المجلس أداة تزكية، ومجرد امتداد لمزاج السلطة لا تعبيراً عن الإرادة العامة.

تلفزيون سوريا

————————————

مجلس الشعب القادم.. أسئلة وهواجس من الرقة/ حسن القصاب

21 يونيو 2025

الرقة

أصدرت رئاسة الجمهورية السورية، في الثاني من حزيران الجاري، المرسوم رقم ٦٦ الخاص بتشكيل مجلس الشعب السوري، الذي يعتبر من أهم استحقاقات المرحلة الحالية. وقد تضمّن هذا المرسوم تشكيل اللجنة العليّا لانتخابات مجلس الشعب المؤلفة من ١١ عضوًا والتي ستشرف على تشكيل لجان ناخبة فرعيّة تنتخب ثلثي أعضاء المجلس المقدرين بـ ١٠٠ عضو فيما يُعيّن الثلثُ المتبقي والمقدر بـ ٥٠ عضوًا من قبل الرئيس الانتقاليّ السوريّ أحمد الشرع.

ورغم أن ثلثي الأعضاء الذين سيتم انتخابهم موزعون على المحافظات بشكل واضح كما جاء في نص المرسوم، إلا أن الثلث المتبقي والذي سيعنيه الرئيس لا تتوفر أي معلومات رسميّة عن التوزع المناطقي لأعضائه، ما يعني أن العدد النهائي من نواب كل محافظة لم يُحسم بعد وهو مرشح للزيادة أو البقاء على ماهو عليه.

ووفقاً لما جاء في نص المرسوم تم تخصيص ٣ مقاعد برلمانية لمحافظة الرقة على أن يتم انتخابها من خلال هيئات ناخبة فرعيّة، أما عدد النواب ممن سيعينهم الشرع فهو غير معروف حتى الآن كحال باقي المحافظات، لكن وكما هو معلوم لدى الجميع لايزال ما يقارب ٧٠٪؜ من محافظة الرقة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وبالتالي ماهي الآلية التي سيتم فيها اختيار أعضاء الهيئات الناخبة الفرعية الخاصة بمحافظة الرقة؟ وهل ستقتصر هذه الهيئات على أبناء الرقة المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الانتقاليّة السورية؟ لاسيما وأن هذا السيناريو ليس بغريب على المحافظة إذ أن معظم من حضروا مؤتمر الحوار الوطني في شباط/ فبراير الماضي كانوا من القاطنين خارج مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلا أن السياق هنا مختلف ولا ينفع تكرار ما حدث في مؤتمر الحوار الوطني كون هذا سيكون مصادرة لخيارات وآراء شريحة واسعة من سكان المحافظة وبالتالي ستوجد مآخذ كبيرة على نزاهة العمليّة الانتخابية، لكن وبنفس الوقت ثمة تحد آخر يبرز من كيفية مشاركة شخصيات من مختلف مناطق محافظة الرقة في هذا الحدث دون الحصول على ضمانات حقيقية بعدم الملاحقة من قبل قوات سوريا الديمقراطية.

حتى الآن مازال الغموض سيد الموقف فيما يخص معايير اختيار أعضاء الهيئات الناخبة والمرشحين على حدٍ سواء، كما لم تصدر عن السلطة في دمشق أي توضيحات إضافية بهذا الشأن، ما يترك باب الشك مفتوحاً حول إمكانية انتقائهم بناءً على اعتبارات الولاء أو القرب من دوائر السلطة، لا على أسس موضوعية أو تمثيلية عادلة مما يخل بشفافية العملية الانتخابية ويجعل منها غير نزيهة إلى حد بعيد. وفي خضم هذا الحدث، شهدت محافظة الرقة تحركات في إطار التنشيط لشخصيات عشائرية (شيوخ ووجهاء) وتزامن ذلك مع صدور قوائم لهيئات انتخابية (غير رسميّة) تضم أناساً مقربين من هذه الشخصيات ومناصرة لها بغية تسهيل وصولها لقبة البرلمان، وقد قوبل هذا الأمر بحالة من الخذلان والسخط الشعبيّ الواسع لأن ما يجري حاليّاً يعيد انتاج مجلس الشعب بنفس الآلية والأدوات التي اتبعها النظام البائد وما تلاه من سلطات أمر واقع على مدى الخمسين عامًا الفائتة، إذ كرست هذه السلطات ثقافة مجتمعية قائمة على أن دخول البرلمان هو حكر على فئة اجتماعيّة بعينها ومحصورة في شخصيات ضمن عوائل المشيخة في العشائر الكبيرة، دون وجود أي معايير أو مقومات علميّة أو إداريّة تبرر وجودها في هذا المكان. كل ذلك في إطار سعي الحكومات لكسب ولاء هذه العشائر وخلق تحالفات سلطوية معها بهدف إحكام السيطرة على المجتمع ومصادرة الفضاء العام. كما أدى تراكم هذا السلوك إلى تكريس المحاصصة العشائرية كهوية سياسية لهذه المناطق، وخلق طبقة من المنتفعين سلطويّا تعمل ضمن مصالحها الشخصية وتتبنى خطاب وسرديات السلطة كما أنها في مواقع عدة مارست القمع والاستبداد وزجت بأبناء عشائرها في الصراعات المسلحة عبر تشكيلها ميليشيات ومجموعات مقاتلة، وساهمت في الحشد والمناصرة لصالح قضايا هذه السلطات على حساب متطلبات واحتياجات مجتمعاتها، مما أعطى انطباعًا سلبيًا عن هذه المناطق وأسهم في تهميشها واستمرار بقائها دون أي مشروع سياسيّ يعبر عن رغبات ومطالب محقة لأبنائها.

أيضا، تسبب هذا السلوك بانعدام أي أجواء للمنافسة عند الراغبين في الترشح لشغل منصب عضو مجلس الشعب، وساهم في إقصاء العديد من الأشخاص الأكفاء، فأبعد المثقف وصاحب الروئ عن المشهد إما لكونه ابن عشيرة صغيرة لا يوجد لها ثقل بشري كبير، أو لعدم قدرته على خوض منافسة ضد شيخ عشيرته لأن هذه من المحرمات في العرف الاجتماعي، ومع مرور الزمن تأسست حالة من الطبقية والفرز المجتمعي، فبات زعيم العشيرة متنفذاً أكثر وذا صلاحيات أوسع وصاحب قدرة  أكبر على إرغام أبناء عشيرته، كونه يمتلك سلطة عشائرية وسلطة حكوميّة، كما انعدم لديه الشغف للارتقاء بالواقع المجتمعي أو الخدمي لمحافظته بحكم أن الوصول للبرلمان قائم على مبدأ أنه زعيم لعشيرة ورث هذا الشيء عن آبائه وأجداده، والمعايير الأخرى من كفاءة وخبرات هي من الأمور الثانوية ولا تدخل في أسس الاختيار.

هذا الأمر خلق حالة ولاء وطاعة عمياء للسلطة على اعتبار أنها حققت لهذا الوجيه الشيخ مكانة اجتماعية مضاعفة ومنحته بعض الامتيازات التي لايمتلك المؤهلات لتحقيقها بشكل ذاتي، أي أن دور مجلس الشعب تحول من خدمة الشعب لخدمة العضو ضمن مجال ضيق، ومن تكليف ومسؤولية عامة اتجاه المحافظة إلى تشريف ومدعاة فخر للعشيرة والقبيلة حتى فقدت هذه الكيانات (هنا المقصود مجلس الشعب) مصداقيتها بين الناس وباتت شكليّة وغابت عن المشهد أي أدوار حقيقية لهذه الهياكل.

ولكي لا تحذو الحكومة الانتقاليّة السورية حذو من سبقها وتساهم في زيادة تكريس مثل هذه الأساليب والسلوكيات، يتطلب ذلك منها رسمًا جديدًا لشكل علاقتها مع أهالي منطقة الجزيرة السورية والرقة على وجه الخصوص، وذلك عبر التعامل مع هذه المناطق من خارج إطار أن العشيرة هي المشروع السياسي فيها، وهذا يحتاج نقاشًا عامًا مع أبناء هذه المناطق ووقوفًا حقيقيًا على احتياجاتهم وأولوياتهم، بالإضافة لخطة مدروسة شفافة تضمن مشاركتهم بشكل فعلي في الشأن العام وتتيح لهم طرح ممثليهم وفقًا لمعايير تعتمد على الكفاءة وليس الزعامة القبلية، كما يتوجب على أهالي هذه المناطق التفكير بموضوعية، وبعيدًا عن الولاء العشائري، بنتائج هذه السياسة وتقييم ما جلبته لنا على مدى السنوات الفائتة. ذلك من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة وعلاقة صحيحة مع الحكومة ترتقي بطموح أبناء هذه المنطقة وتنهي فصلًا من فصول التهميش.  

الترا سوريا

————————

ديمقراطيّة في اللاذقيّة: “كاستينغ ثوريّ” تحت المكيّف!/ جوزيف شمعة

02.07.2025

العرس الجماهيري، الذي وُعدنا بأنه سيكون مختلفًا تمامًا عن العرس الأسدي، فكان بحاجة إلى جولة مكوكية تمرّ على خرائط الألم السوري. وهل يمكن أن يُعقد اجتماع مع “السوريين الأحرار” من دون شعرٍ وخطابة وبعض المديح الوطني؟ لكن هذه المرة، لا “طبق كرامة”، بل طبقٌ جديد يُقدَّم على مائدة السذاجة الجماعية… بشهية مفتوحة.

في عزّ قيظٍ لا يرحم، اجتاح اللاذقية كغارة غير معلنة، ومع رطوبة خانقة، اجتمع سكان “عروس الساحل” من كل حدب وصوب، لحضور اللقاء التاريخي مع اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري. مشهدٌ من روايات اللامعقول، كأنهم على وشك استعادة حلمٍ قديم طال غيابه، ذاك الحلم الذي صادره النظام “البائد” – الكلمة التي يتداولها السوريون.

المدينة التي تحتضن هذا “العرس”، لا تزال تنزف، وتخفي بعض شوارعها علامات الحداد في حين مازالت آثار ندوب همجية الأسد واضحة في الريف الشمالي، فاللاذقية، في قلب “تحريرها”، لا تزال جرحًا مفتوحًا، حيث الحياة تُصارع ببطء للعودة إلى طبيعتها، لكن النقاش عن الديمقراطية المفترضة يشبه حديثًا في قصرٍ من قباب بلورية، بعيدًا عن واقع السكان.

ما يهمنا هو الحدث الجلل، الذي كان يمكن أن يحلّ كسهرة تلفزيونية مشوّقة على شاشة السوريين جميعًا، وتُعرض مباشرة بعد حلقة “حلف الأقليات” التي تشغل بال الأقليات، والذي لم يقدم لهم أي معونات منذ تأسيسه، المُتخيل.

أما عن العرس الجماهيري، الذي وُعدنا بأنه سيكون مختلفًا تمامًا عن العرس الأسدي، فكان بحاجة إلى جولة مكوكية تمرّ على خرائط الألم السوري. وهل يمكن أن يُعقد اجتماع مع “السوريين الأحرار” من دون شعرٍ وخطابة وبعض المديح الوطني؟ لكن هذه المرة، لا “طبق كرامة”، بل طبقٌ جديد يُقدَّم على مائدة السذاجة الجماعية… بشهية مفتوحة.

وُجهت دعوات الى السوريين (الأحرار) بشكل رسمي من الشؤون السياسية لحضور “جلسة نقاش” حول آلية عمل اللجنة، وتكررت التساؤلات ممن لم يُدعَ: من دعا هؤلاء؟ من يقرر تمثيل من؟ هل اختيروا كعينة عشوائية؟ أم كعينات مدروسة؟ لم يكن هناك أثر واضح لنقابات، جمعيات، أو حتى صوت المغيبين. وبدا الاجتماع وكأنه لقاء عائلي ضيّق لا يعترف بكامل أفراد العائلة.

دخلتُ المؤتمر الذي عقد في جامعة اللاذقية، في مدرج قاعة السينما الطلابية ضمن مبنى اتحاد طلبة سوريا سابقاً، حيث جلس نحو 400 شخص. شرحت اللجنة التي يتوسطها محافظ اللاذقية، أنها ستختار “هيئات ناخبة”، والتي بدورها ستختار أعضاء المجلس، ولجان الطعن، وانتخابات تُشبه انتخابات أميركا العظيمة. لا نعلم: أهي عملية انتخابية أم تعيين مقنّع؟ لا أحد يعلم، ولا أحد يسأل. الشفافية مطلقة، لكن من طرفٍ واحد فقط.

لا نستطيع أن ننسى وجود احترام لحضورنا عند البوابات، وتعامل لطيف، وتسجيل تفقّد لأسماء الحضور، وباركود يدخلنا إلى صفحة استبيان عن العملية الانتخابية، عناصر يحملون السلاح على الأسطح وعند البوابات وتفتيش بأجهزة كشف عن الأسلحة. وقنينة المياه  قُدّمت لنا عند البوابة، يا لروعة التحول! لقد قدّموا لنا الماء بكل ود واحترام، وأجلسونا في مقاعد مريحة داخل صالة مكيّفة، وسمحوا لنا بالحديث والانتقاد.

 كاميرات الإعلام المحلي، التابعة للمحافظة والشؤون السياسية، كانت حاضرة لتوثيق “العرس الانتخابي”. بعد الجلسة، سُجّلت مقابلات لاحقاً مع بعض الحضور الذين عبّروا عن فخرهم بالمشاركة، وعبارات مفعمة بالتفاؤل والثقة، وكأنهم فعلاً شهدوا تجربة ديمقراطية حقيقية… أو أقنعوا أنفسهم بذلك

لم يكن الحضور عشوائيًا تمامًا، فالوجوه دُقّقت بعناية، وكأننا أمام “كاستينغ ثوري” لاختيار ممثلي الأمة، حتى أن عناصر بلباس مدني كانوا يراقبون الداخلين بعينٍ هادئة، لا تتدخل لكنها ترى كل شيء. وجوه مألوفة، حضور صامت لكنه أثقل من أي خطاب. الأمن، هنا أيضًا، يشارك في بناء الديمقراطية.

مهرجون وديمقراطيون مبتدئون

طبعًا، لا يكتمل العرس من دون طبّال. دخل محبوب الجماهير، موسى العمر، الإعلامي البارز وتيكتوكر القصر، بظهوره المفاجئ، وجلس عشر دقائق كما يليق بنجم، ثم غادر إلى البحر، البحر الذي حُرم منه طويلًا، ونشر صوره من الشاطئ، في مشهد رمزي لأعلى درجات “تحرير الساحل”، الشاطئ ذاته الذي نشرفيديوهات توحي بأن عملية “استثماره” بدأت من دون أن يعلم أحد.

وهل تكتمل أي لجنة من دون “الجوكر”، الممثل الدائم في كل لجنة وثغرة وكتيبة: حسن الدغيم. ترك دوره السياسي المعتاد مؤقتًا، ليدير جلسة المداخلات، وها نحن نحمل الميكروفونات ونشارك في “ثاني تجربة ديمقراطية بعد تجربة الحوار الوطني من بعد سقوط الأسد”. تجربة شاعرية ورومانسية، كأنك تمسك المايك وتشعر أن البلاد تنظر إليك وتقول: “احكِ، نحن نسمعك…”!.

افتتح رئيس اللجنة حديثه بشيء من الحنين المتعمد إلى سوريا “قبل الأسد”، وتحدّث عن المجالس السابقة في عهد الأسد، التي كانت تُعيّنها الأفرع الأمنية، كما لو أنه يُنعشنا بتاريخٍ نعرفه جميعًا، ومعلومات يعرفها كل السوريين، لكن لا بدّ من تذكيرنا – نحن الجاحدين – بقيمة “التحرير” الذي ننساه أحيانًا، بسبب بعض “الأخطاء الفردية” بين الحين والآخر.

وصايا “الشرع”

لم تخلُ الجلسة من المقارنات المتكررة بين الوضع اليوم، والوضع في عهد الطاغية، ذاك “الذي كان يعيّن كل أعضاء المجلس”، بينما نحن اليوم، ببركة “الشرع”، نعيّن بعضهم فقط. نعم، “الشرع” نفسه، لا تخطئوا الظن: ليس حافظ، ولا بشار، بل شرعٌ جديد خرج علينا من غبار الثورة المنسية، يحمل الاسم نفسه لكنه ليس هو. “الشرع” الجديد تنازل لنا عن ثلثي الكعكة، ربما لنشعر أننا شاركنا في خبزها.

بهذه الكلمات اللطيفة، التي خرجت من فم رئيس اللجنة بكل سلاسة ورقّة، مع نسمات المكيّف التي خففت عنا قيظ الصيف، تابع حديثه عن اضطرارهم للعمل وفق إحصاء عام 2010، وأن كثرًا من السوريين اليوم بلا أوراق ثبوتية، عدا عن أن النظام خرّب كل قاعدة بيانات ممكنة للاستفادة منها لاحقًا، ناهيك بتوقف السجل المدني لفترة طويلة، جيل جديد من الولادات بقي من دون تسجيل، و”جيل” من الموتى بانتظار الاعتراف الرسمي بموته. لكن لا مشكلة، اليوم يوم الديمقراطيّة! واليوم الذي نطالب فيه بتغيير اسم مجلس الشعب الى مجلس البرلمان أو النواب تماشياً مع سينغافورا، فحسب أعضاء اللجنة يذكرنا اسم مجلس الشعب بحقبة الأسد!

 وأتبع كلامه بحديث عن ضرورة أن يكون عضو مجلس الشعب نزيهًا، قويًا، شجاعًا، ومخلصًا لأهداف الثورة السورية، وأكّد أنهم يعملون وفق توصيات “الرئيس الشرع” ووصاياه، بإشراك جميع السوريين، والابتعاد عن الطائفية والمناطقية والمحاصصة. الكلمات التي حملتنا زمنًا طويلًا، مثل “حرية”، “كرامة”، و”تمثيل”، ظهرت على المنصة، لكنها كانت متعبة، مغسولة، معقمة من معناها، كأن أحدًا استعان بقاموس الثورة ليزيّنه بغلاف السلطة. الكرامة صارت طبقًا يُقدَّم بلا ملح، والحرية مادةً خطابية، والتمثيل صنعة من لا يملك تمثيل أحد.

لم ينسَ رئيس اللجنة أن يؤكد أن اللاذقية مظلومة، وأنه لم يتوقع رؤيتها بهذا الشكل. وفي خضم حديثه عن الوصايا السبع للأب الروحي الجديد للسوريين، ذكّرنا بأن أعضاء مجلس الشعب سيحاسبون الوزراء ويُسائلون القرارات الحكومية. لكنه لم يذكر ما إذا كان يحق لهذا العضو أن يُسائل شرطي مرور أو رجل أمن عند إخلاله بالقانون. وطبعًا، من الآن وحتى يتشكّل مجلس الشعب في الموعد المحدد لنهاية آب/ أغسطس، لا ندري إن كانت ستبقى هناك قوانين أصلًا ليناقشها.

ولم يغفل عن ذكر أن عضو مجلس الشعب المستقبلي سيتوجب عليه الدوام 4 أيام ضمن دمشق ويومين في منطقته لسماع مطالب المنطقة المرشح عنها، وعليه ترك وظيفته والالتفات الى دوره كعضو مجلس سيساهم في بناء الدولة السورية المنشودة. هل يكفيه يومان؟

وعند انتقال الميكروفون الى عضو آخر – عجزتُ عن تذكر اسمه بسبب تقنيات الصوت المدهشة – فالمهم هو مغزى الحديث لا قائله، تحدّث عن كيف تفاجأ السوريون في بلاد المهجر بالتجارب الانتخابية، وكيف كانوا محرومين منها. لكن، مع ذلك، لا يبدو أنه سيسمح لهم بتجربتها. لم يقل ذلك حرفيًا، لكن حديثه العظيم يُستشفّ منه هذا المعنى.

عن طبقات “بني ثورة”

في الخارج، الكهرباء مقطوعة، المياه شحيحة، والناس تعيش على فتات المساعدات. أما داخل القاعة، فالنقاشات تدور حول مستقبل التمثيل الانتخابي، كأننا نعيش في سويسرا، ونبحث فقط عن تحسين نسبة المشاركة. تناقض يصور فصول العبث السوري.

في الداخل المُكيف، سمعنا حديث من أحد أعضاء اللجنة عن “الشرعية الثورية” التي يجب أن تُبنى عليها الدولة، وألا تكون انتقامية، بل سلطة رحيمة، تبني ولا تهدم، تسامح ولا تُحاسب على الماضي إلا وفق  العدالة الانتقالية الحقيقة. كلمات جميلة، ولا شك في أنها مستعارة من خطابات مفكرين قرأناهم في منافيهم، لكنه نسي، أو تناسى، أن الشرع نفسه (شرعهم) قال: “انتهينا من عقلية الثورة، وسننتقل الآن الى عقلية بناء الدولة”. وكأن الثورة كانت مشوارًا صيفيًا، انتهى، والآن نبدأ ورشة دهان. ولا أعلم إن كان المتحدث قد انتبه إلى أنه يناقض أقوال الشرع، فبتنا في حيرة: هل نسير على نهج “بناء الدولة”، أم وفق “الشرعية الثورية”؟ ولم يوضح إن كانت “ثورجية السوري” كافية لترشيحه لمجلس الشعب!

بدأت اللجنة بأخذ المداخلات، لكن الوقت ضيّق، والإجابات جاهزة، والإدارة حريصة على ألا “يتفلّت” أي حوار نحو ما هو فعلي. كأن اللجنة فتحت باب النقاش فقط لتقول: “انظروا، نحن ديمقراطيون”. بعضهم تحدّث عن ضرورة الشفافية في عمل أعضاء المجلس، وعدم وجود حصانة تحميهم من المساءلة. وبعضهم طالب بأن يكون الأعضاء على خُلق ودين. وطبعًا، جاءت مداخلات رجال الدين تمجّد العيش المشترك وتشكر اللجنة على عملها. وكان هناك من طالب بأفضليّة ترشيح “الثورجية” تحديدًا، وإقصاء الفئة الصامتة والموالين، مؤكّدًا أن مؤيدي الأسد لن يكون لهم نصيبٌ في مجلس الشعب الجديد، لا قولًا، ولا فعلًا، ولا إجرامًا، ولا حتى نفسًا. لا نعلم كيف سيتعرفون على الأنفاس، لكن لنكمل.

المفارقة أن من أرسل الدعوات نسي أن قسمًا من المدعوين كان، في مرحلةٍ ما، من المؤيدين للأسد، وعلى صلة بأيمن جابر وغيره. ربما سقطوا سهوًا، لا نعلم. وهو ما اعترضت عليه لاحقًا إحدى الشابات، مستنكرة رفض الموالين السابقين، بينما “فادي صقر” يقود السلم الأهلي، وسجّانها السابق يتفتّل حرًّا في شوارع حمص، في حين اضطرت هي للجوء إلى صديق “ذي واسطة” ليهربها من الموت خلال مجازر الساحل.

أفلا تنعمون بهذه الديمقراطيّة!

برز جمهور من نوع آخر، لا يسأل، لا يداخل، لا يصفق، فقط يراقب. نسميهم “الفئة الرمادية”، أو كما يُقال بالعامي: “جمهور الكمّامات السياسية”. وجودهم طيفيّ، لكنه مؤلم، كأنهم حضروا فقط ليراقبوا إلى أي حد يمكن للكذب أن يتجمل، وقسم كبير من هؤلاء غادر القاعة مبكراً لا ندري إن كان اعتراضاً على ما حصل.

لاحقًا، تحدث نوار نجمة، الناطق الإعلامي باسم اللجنة، وتوسّع وأفاض في الشرح عن مسار التحرير وعظمة السوريين. لكن سنواته في “فرانس” أنسته بعض مفردات العربية، ولولا تواضعه، لطلب مترجمًا يترجم له ما يقوله من الفرنسية إلى العربية. ثم أردف قائلاً: “هل رأيتم؟ أنتم تنتقدون علمنا ونتقبل ذلك برحابة صدر!”، وكأنه يُذكرنا بأن مجرد انتقادهم صار مكرمة.

 جاء ذلك بعد انتقاد إحدى الشابات وصفه ما حصل في آذار/ مارس بـ”السقطة”، وادعاءه أن الشعب تجاوزها. نعم، تجاوزناها بالفعل، بالحب والعطف والدموع المنهمرة من عيون وزيرتنا التي تتميز بدمعتها السخية على ضحايا النظام الأسدي، وغزة، ومنكوبي الكوارث، والساحل، وكل مكان في العالم. المهم أن تبكي.

أما النساء، فحضورهن كان رمزيًا، كسيدتين وُضعتا للزينة، لا طعم، لا لون، لا رائحة. مداخلتان خفيفتان – واحدة لكل منهما – ثم سكون أنيق. الدور الأنثوي محجوز، لطيف، خفيف، بلا ضجيج، كما تزيّن الزهور نافذة غرفة الاجتماعات: حضورٌ للزينة، لا للموقف. لكن “البلخي” أكدت أن الكوتا النسائية فُرضت فقط من أجل اللجنة والهيئات الناخبة، وهم يريدون أن تستغل النساء الموقف وتناضلن للحصول على مقاعدهن. هم أعطوها الفرصة، والباقي عليها.

وفي النهاية، ألقى حسن الدغيم – الذي أخطأ أعضاء اللجنة في مناداته مراتٍ عدة بـ”الشيخ” بدلًا من “الأستاذ”، قبل أن يستدركوا لاحقًا – أبياتاً شعرية لختام هذه الجلسة وتوديع الحضور. لحظةٌ أرادوا لها أن تكون رفيعة، فخمة، تُوحي بأن شيئًا ما انتهى، أو ربما بدأ… لا أحد يعلم، كما لا أحد يسأل. وكأننا بحاجة إلى هذا الخيط الشعري لنودّع حضورًا لم يكن له أكثر من مجرد مشاهدة مسرحية ديمقراطية صورية.

درج

——————————–

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى