العدالة الانتقالية تحديث 11 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————
لماذا تحتاج سوريا إلى العدالة الانتقالية لبناء السلم الأهلي ؟/ مصطفى حايد
01.07.2025
لا ينبغي لسوريا أن تُعيد ارتكاب أخطاء الآخرين، علينا أن نرفض التضادّ الزائف بين السلام والعدالة، وأن نُدرك أن السلم الأهلي الحقيقي والدائم لا يُبنى إلا على عدالة شاملة وتشاركية، وتركّز على الضحايا.
بعد انتهاء كلّ حرب أو صراع، هناك سياق متكرّر يتمثّل في سؤال واحد: هل نُقدّم السلام على العدالة، أم نُلاحق العدالة ولو على حساب الاستقرار؟
يبدو هذا السؤال في سوريا جليّاً في صميم القرارات التي تُرسم اليوم لمستقبل البلاد. فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل الحكومة الانتقالية، شهد السوريون توجّهاً متصاعداً نحو التعامل مع العدالة، بوصفها تهديداً للسلم الأهلي والمصالحة. وبات الخطاب الرسمي يحذّر من فتح “جراح الماضي”، ويُلمّح إلى أن السعي للمحاسبة قد يُشعل فتيل الفوضى مجدّداً.
وكان إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20، بتفويض ضيّق ورؤية إقصائية، آخر تجسيد مقلق لهذا المنطق. زد على ذلك، المؤتمر الصحافي الأخير بتاريخ ١٠ حزيران/ يونيو ٢٠٢٥، للسيّد حسن صوفان، المتحدّث باسم “لجنة السلم الأهلي”.
هذا الطرح ليس جديداً، فمن أميركا اللاتينية إلى إفريقيا، ومن البلقان إلى جنوب شرق آسيا، رأينا سلطات انتقالية تساوم على العدالة مقابل ما تسمّيه “الاستقرار”. ومرّة بعد أخرى، أثبت التاريخ أن هذه المقايضة قصيرة النظر، خطيرة، وذات نتائج عكسية.
لا ينبغي لسوريا أن تُعيد ارتكاب هذه الأخطاء، علينا أن نرفض هذا التضادّ الزائف بين السلام والعدالة، وأن نُدرك أن السلم الأهلي الحقيقي والدائم لا يُبنى إلا على عدالة شاملة وتشاركية، وتركّز على الضحايا.
وهم السلام من دون عدالة
حين تصف النخب السياسية العدالة بأنها عنصر مهدّد للاستقرار، فإنها تفعل ذلك غالباً باسم “الواقعية السياسية”. يقولون: ذلك سيشعل التوتّرات، علينا التفكير بالمستقبل. لكن، من يقرّر أي ماضٍ يُنسى؟ ولأي مستقبل نُخطّط إن بقيت جراح الملايين دون اعتراف؟
في سوريا، يُعاد إنتاج هذا الخطاب بهدوء. قرارات الحكومة الانتقالية تُظهر ميلاً إلى إدارة الماضي، لا إلى مواجهته. ضحايا الجماعات المسلّحة غير الحكومية والتدخّلات الأجنبية، غُيّبوا عن جدول أعمال العدالة الانتقالية. التزامات البحث عن الحقيقة مشروطة، والتعويضات ما زالت دون تعريف واضح. أما الفاعلون المتورّطون في الجرائم، والكثير منهم بات جزءاً من مؤسّسات الدولة، فيُستثنون من المساءلة.
لكنّ هذا النهج لا يصنع سلاماً، بل يُؤجل المواجهة. تاركاً جروح الضحايا نازفة، والثقة هشّة، ومعمقاً الانقسامات المجتمعية. السلام من دون عدالة هو وهم. فالعدالة، في جوهرها، لا تهدّد السلم، بل تمكّنه.
دروس من تجارب أخرى
التجارب العالمية في العدالة الانتقالية لا تقدّم لنا التحذيرات فقط، بل أيضاً بوصلات توجيه. على سبيل المثال “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب إفريقيا، ورغم الجدل الذي رافقها وعدم مثاليتها، فإنها كانت مساحةً للاعتراف، والاستماع، والمكاشفة. الكثير من مجرمي النظام العنصري لم يُحاكموا، لكنّها أرست سردية وطنية مشتركة، واعترفت بمعاناة الضحايا، وقدّمت نموذجاً للشفاء قائماً على معرفة الحقيقة.
لنقارن ذلك بغواتيمالا، حيث وُقّعت اتفاقية سلام في عام 1996 من دون محاسبة حقيقية. الاتّفاق أنهى الحرب، لكنّه فشل في تحقيق العدالة لضحايا الإبادة الجماعية ضدّ السكان الأصليين من المايا، والنتيجة؟ مجتمع منقسم، وثقافة إفلات من العقاب، وسلسلة من موجات العنف والقمع المتكرّرة.
أما في البوسنة والهرسك، فقد أنهت “اتّفاقية دايتون” الحرب لكنّها جمّدت البلاد في حالة تقسيم عرقي. المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حاكمت بعض القادة، لكنّ غياب عدالة محلّية، تشاركية، جعل المجتمعات لا ترى العدالة تُمارس على أرضها. واليوم، لا تزال السرديات القومية المتضادّة تُغذّي التوتّر وتُعطّل المصالحة.
لكن في تونس، ورغم التحدّيات السياسية، نجحت “هيئة الحقيقة والكرامة” في إدراج صوت الضحايا في الخطاب العامّ، ووثّقت آلاف الشهادات، وقدّمت تقريراً شاملاً يربط بين العدالة والكرامة والانتماء.
هذه النماذج ليست مثالية، لكنّها تُثبت حقيقة أساسية: العدالة ليست رفاهية يمكن التغاضي عنها أو تأجيلها، بل هي حجر أساس للسلم الدائم.
السياق السوري: معقّد، لكنّه ليس استثنائياً
يحاجج البعض بأن سوريا أكثر تعقيداً من أن تتحمّل الآن تنفيذ عدالة حقيقية ومتكاملة. فهناك أطراف كثيرة، وجرائم كثيرة، وجراح لا تُحصى. لكن هذا التعقيد هو بالذات ما يجعل العدالة ضرورة وليست ترفاً.
الكثير من السوريون، بمختلف انتماءاتهم، طالبوا بالعدالة، ليس ضمن سياق الانتقام، بل الاعتراف والكرامة، وبناء الثقة العامّة. مجموعات الضحايا مثل “عائلات من أجل الحرية” و”رابطة عائلات قيصر”، وغيرهم الكثير، أطلقت النداءات لكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. ومنظّمات المجتمع المدني وثّقت، وأرشفت، وانخرطت مع آليات العدالة الدولية رغم التهديد والتضييق. على السلطات السورية الجديدة أن تدرك: هؤلاء ليسوا خصوماً للسلم الأهلي، بل حراسه. لقد حافظوا على ذاكرة الانتهاكات لا لإثارة النعرات الطائفية او تأجيج الصراع، بل لضمان ألّا تتكرّر.
ما هي العدالة ؟
العدالة ليست محاكم وسجوناً فقط، بل مسار شامل يُعيد الاعتبار للضحايا، ويُرمم الثقة الاجتماعية، ويُصلح المؤسّسات.
الحقيقة: للسوريين الحقّ في معرفة ما جرى، ومن المسؤول، وكيف نُفّذت الانتهاكات. الكشف العلني ليس شكلياً، بل شرط أوّلي لمصالحة وطنية حقيقية.
المحاسبة: لا بدّ من ملاحقة المتورّطين في الجرائم الكبرى، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو العسكرية. يشمل ذلك مسؤولي النظام السابق والحالي، وقادة في المعارضة، وفاعلين أجانب.
جبر الضرر: يجب تعويض الضحايا، ليس فقط مالياً، بل من خلال الاعتراف، والدعم النفسي، وردّ الاعتبار القانوني والاجتماعي. جبر الضرر رسالة تقول: ما حدث لكم مهمّ، والدولة تعترف بآلامكم.
إصلاح المؤسّسات: لا يمكن لمؤسّسات الأمن والقضاء أن تقود المرحلة الجديدة دون مراجعة. لا بدّ من تدقيق، وإصلاح، ورقابة مدنية.
المشاركة: يجب أن يكون للضحايا والمجتمع المدني موقع في صياغة العدالة، في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
هذه الرؤية للعدالة ليست مثالية أخلاقياً فقط، بل واقعية سياسياً. المجتمعات التي تُهمل العدالة تظلّ عُرضة للانهيار. أما تلك التي تواجه ماضيها، فتؤسّس لدول أكثر تماسكاً ومناعة.
خطر العدالة الجزئية
اليوم، تقف الحكومة السورية الانتقالية أمام مفترق حاسم. يمكنها استخدام العدالة كجسر لإعادة بناء مجتمع مدمّر. أو يمكنها تسييسها، وتحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات أو ترسيخ السلطة.
الخيار الثاني مغرٍ لمن يريد السيطرة. لكنّ التاريخ يُخبرنا أن السلام المبني على الصمت هو سلام هشّ. لجنة تقتصر على جرائم نظام الأسد وتتجاهل جرائم فاعلين آخرين لا تصنع عدالة، بل تُعيد إنتاج الظلم.
ضحايا “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، وانتهاكات المعارضة المسلّحة، وسجون الإدارة الذاتية، وضربات الطيران الروسي والأميركي والتركي، جميعهم يستحقّون الحقيقة والجبر. العدالة الانتقائية تُغذّي الغضب، وتُعمّق الشرخ، وتُكرّس منطق الإفلات من العقاب.
لنُعيد تعريف المصالحة: هي ليست الغفران بلا حساب، ولا التعايش المبنيّ على الإنكار. المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف، وتحمّل المسؤولية، ووضع آليات تمنع التكرار.
في كولومبيا، تضمّنت اتّفاقية السلام مع “فارك” مسار عدالة انتقالية صاغه الضحايا. وقدّمت المحكمة الخاصّة للسلام (JEP) نموذجاً يمزج المحاسبة بالحقيقة والعدالة التصالحية. المسار بطيء وغير مثالي، لكنه أطلق حواراً وطنياً عن المسؤولية والشفاء.
سوريا لا تستحقّ أقلّ من ذلك. لا مصالحة من دون سردية مشتركة لما جرى، وإلا تحوّل السلام إلى وهم، والمصالحة إلى شعار فارغ.
العدالة هي الأساس، لا العائق. فالانتفاضة السورية بدأت، جزئياً، بنداء للعدالة: من أجل الطفل الذي عُذّب في درعا، وعائلات المختفين، وكرامة السوريين جميعاً. التخلّي عن العدالة اليوم خيانة لتلك البداية.
السلم الأهلي ليس غياب النزاع، بل حضور الإنصاف، والشمول، والاعتراف. العدالة الانتقالية حين تُنفّذ بشكل سليم لا تُقسّم المجتمع، بل تُوحّده. تصنع أفقاً أخلاقياً مشتركاً، ومساحة يُمكن للسوريين فيها أن يلتقوا، لا بالخوف أو الكراهية، بل بالاعتراف المتبادل وبكرامة.
إلى السلطات الانتقالية: لا تخافوا من العدالة. فالمستقبل لا يُبنى على الجراح غير المُعترف بها. العدالة ليست عدوّ السلام. إنها قلبه.
– كاتب وحقوقي سوري
درج
——————————————–
عداليون وحضاريون: معيارا العدالة والحضارة في النقد الاجتماعي العربي، والسوري/ ياسين الحاج صالح
article
30-06-2025
يتمايز في نقد الأحوال السياسية والاجتماعية في المجال العربي، والسوري بطبيعة الحال، معياران شاملان للحكم، قلما يحيل إلى واحدٍ منهما من يصدر عن الآخر في فكره وفعله: الحضارة والعدالة. من يُحكِّمون معيار العدالة في نظرتهم إلى تلك الأحوال قلما ينشغلون برقي أساليب وممارسات المنخرطين في الصراع من أجلها، وبالعكس من يُغلِّبون اعتبارات الرقي والتحضر في النظر إلى الأشياء يعرضون قلة حساسية حيال قضايا العدالة والظلم والتمييز، بخاصة إن كان ضحاياها من «غير المتحضرين» المفترضين. وليس توزّع المشتغلين بالشؤون العامة على واحدة من هاتين النظرتين أو الأخرى اعتباطياً، يتبع تفضيلات فردية فحسب. فهو مرتبط بالتاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، وبنوعية الاستقطابات والقوة الفاعلة في كل طور تاريخي. صعدت تصورات العدالة في مواجهة الاستعمار، ثم في مواجهة الطغيان الدولتي، وهي حاضرة في الكلام على العلاقات الدولية التي يُسمي شاغلو المواقع العليا فيها أنفسهم بالعالم المتحضر (كانوا «العالم الحر» في مقابل الشيوعية). وتبدو تصورات الحضارة أقوى في مواجهة الإسلامية، وعند عموم من يفكرون في مجتمعات المنطقة كمجتمعات متخلفة تكوينياً.
1
التقابل الحضاري العدالي أقل حضوراً في الغرب الحديث بفعل واقع محدد، «التقدم»، ما تحقق من تقدم فعلي خلال القرنين الماضيين أو أكثر. التقدم هو مساحة لقاء بين العدالة والحضارة، بين مشاركة تتحسن للطبقات الدنيا في الموارد والحقوق الاجتماعية والسياسية، وبين تطور في الثقافة والمعرفة والتكنولوجيا والتنظيم الاجتماعي والعادات والطباع. وللحضارة بعد جمالي إبداعي، يتمثل في ازدهار الفنون وتكاثر الأعمال العظيمة. في علاقاته الداخلية وفي كل من بلدانه، كان الغرب الحديث جمعاً ناجحاً بين الحضارة والعدالة، وإن كان يبدو اليوم في اختلال. في علاقاته مع بلدان ومجتمعات أخرى كان الغرب ولا يزال غير عادل ولا متحضر. وقد نرى في الاختلال العدالي الحضاري المتصاعد في الغرب أثراً مرتداً عليه من العوالم التي تعرضت للعدوان والتمييز والاستغلال. سبق لأمثال حنة آرنت وإيميه سيزير أن رأوا في النازية ضربة ارتدادية للإمبرياليات الأوروبية على دواخل أوروبا ذاتها.
لكن حتى في الغرب الحديث، لا يعرض من يمكن تسميتهم الحضاريون حساً خاصاً بالعدالة، على ما يؤخذ بحق على كتاب نوربرت إلياس الكلاسيكي: العملية التحضيرية. الحضارة تظهر في عمل المفكر الألماني شيئاً يأتي من فوق، من الطبقات العليا والبلاطات الملكية، قبل أن ينزل إلى التحت الاجتماعي. قضايا العدالة غير حاضرة في كتابه، وما قد يُستخلص منه بخصوص الاستعمار الأوروبي لا يبعد كثيراً عن فكرة «الرسالة التحضيرية» التي سوّغ الاستعمار الفرنسي نفسه بها. وكان الشيوعيون الأوروبيون، الإيطاليون والفرنسيون والإسبان وغيرهم، يدافعون عن مبدأ «دكتاتورية البروليتاريا» حتى سبعينيات القرن العشرين، قبل أن يدفع التقدم المحقق في المجتمعات الأوروبية الغربية (ترسخ الديمقراطية وظهور دولة الرفاه وازدهار الثقافة والفنون والعلوم)، أي مركب العدالة- الحضارة، إلى «الانحراف» عن هذا التصور الماركسي الكلاسيكي. بالمقابل، عرضت البلشفية الروسية منازع عدالية كونية دون مبالاة بالشكليات الحضارية (ومنها «القانون البرجوازي»)، الأمر الذي أثار حفيظة الماركسي والاشتراكي الديمقراطي الروسي جورجي بليخانوف الذي خشي من هؤلاء البلاشفة الخشنين على مستقبل روسيا، وقد ظهر أن خشيته في محلها. لينين نفسه توجس من «الجورجي الفظ»، جوزف ستالين، لكنه رحل دون أن يستطيع فعل شيء بهذا الخصوص.
على أن الشيوعية في جذرها الماركسي، ورغم دكتاتورية البروليتاريا، كانت دعوة تجمع بين نازعي العدالة والحضارة في آن، بين تقدم قوى الإنتاج (التكنولوجيا وقوى العمل) وبين تقدم علاقات الإنتاج باتجاهات أكثر عدالة ومساواة، وهذا خلاف ما هو الحال في ظل الرأسمالية، حيث تكبح علاقات الإنتاج تطور قوى الإنتاج، وقد يؤدي التناقض بينهما إلى الثورة. الجمع الشيوعي بين العدالة والحضارة جعل الشيوعية جذابة جداً عالمياً بين نهاية الحرب العالمية الثانية وأواخر السبعينات أو بعدها بقليل. فهي الدعوة الفكرية السياسية التي تعمل من أجل تحرّر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة بعامة، وكذلك الشعوب المُستغَلة المضطهدة في الشرق وغيره؛ وهي في الوقت نفسه دعوة تصنيع وتطور علمي وتكنولوجي، تتطلع إلى عالم أكثر تحضراً وازدهاراً من المجتمعات الرأسمالية، وليس أكثر حرية وعدالة فقط. طابقت اشتراكية البلدان الشيوعية نفسها بمفهوم أكثر اتساقاً للتقدم، مفهوم مبرأ من الاستغلال ومن أزمات التراكم الرأسمالي، موحدة بذلك ندائي العدالة والحضارة. لكنها في واقع الأمر لم تكن أكثر عدالة ولا أكثر تحضراً من جوارها الأوروبي الغربي.
كانت الفكرة الاشتراكية مهيمنة في مجالنا حتى الثمانينيات وقت بدأ تداعيها، قبل أن ينهار «المعسكر الاشتراكي» في أواخر العقد نفسه. إثر ذلك، تفكك المركب التقدمي العدالي الحضاري الموحد، وأخذ المثقفون والمناضلون في منطقتنا يتوزعون إلى عداليين وحضاريين. يحضر مطلب العدالة بقوة عند الأولين، بما يُنحِّي الاهتمام بأساليب الفعل الراقية، بالحد من العنف أو تجنبه، بحسن التنظيم، بالجماليات في الحضور والمظهر والفضاءات العامة، بحسن التعامل مع الأحياء والأشياء، بالكفاءة وحسن سير الأعمال؛ بالمقابل يغيب عند الحضاريين الاهتمام بالدفاع عن الأفقر أو الأشد عرضة للتمييز، أو من ينالهم الاضطهاد السياسي، هذا حين لا يُحمِّلون الغارمين المسؤولية عن كونهم غارمين.
أما في بلدان الغرب التي تميزت لعقود بعد الحرب العالمية الثانية بالجمع الموفق بين العدالة والحضارة فقط طال انهيار الشيوعية وأزمة مفهوم التقدم البعد العدالي أكثر من البعد الحضاري. صارت المجتمعات الغربية أقل عدالة، ليس حيال المهاجرين واللاجئين فقط، وإنما حيال الشرائح الدنيا من الأكثريات الأصلية. وهنا الجذر الاجتماعي لظهور اليمين الشعبوي، المؤمن بفوقية البيض وتفوقهم. بالمقابل، أخذت بالصعود التصورات الحضارية لهذه المجتمعات، وإن بدلالة للحضارة تقربها من مدركات مثل «الثقافة» و«الهوية» و«الأصول»، وليس بالدلالة التي نبرزها هنا، أي ما يتصل بالأساليب المتمدنة وغير العنيفة اجتماعياً وسياسياً، وبالتطور العلمي والتكنولوجي اقتصادياً، وبالإبداعية الثقافية والفنية. الحضاريون الجدد، إن جاز التعبير، ليسوا مهتمين بقضايا العدالة في بلدانهم، ومن باب أولى على الصعيد العالمي. مؤلف صدام الحضارات، صموئيل هنتنغتون، هو نفسه مؤلف كتاب عن الهوية الأميركية، يُقصي منها الهسبان والسود، ومن باب أولى المسلمين، ويُرجِعها إلى بيضاء ومسيحية. تبدو الحضارة هنا أقرب إلى طابع للمجتمعات، أو طبيعة متأصلة في تكوينها ومواريثها، وليست عملية تاريخية مثلما فكر فيها إلياس. هنا أيضاً يمكن التفكير في تصور الهوية الأميركية الضيق هذا كضربة ارتدادية في الداخل الأميركي لصدام الحضارات على الصعيد العالمي.
لكن لماذا تأثر بُعد العدالة أكثر من بعد الحضارة بسقوط الشيوعية؟ لأن العدالة هي سياسة الضعفاء الذين أضعفهم أكثر انهيار الدعوة العدالية الأقوى في القرن العشرين، الاشتراكية والشيوعية؛ أما الحضارة فهي سياسة الأقوياء الذي ازدادوا قوة بانهيار المعسكر المنافس، ولم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى تقديم شيء للأضعف في مجتمعاتهم.
2
ليس هناك حزب أو تيار بعينه اسمه الحضاريون أو طباق له اسمه العداليون. هذان تمييزان تحليليان، ربما يساعدان في تنظيم تفكيرنا في أوجه من الحياة العامة، تتصل بمعايير الحكم على هذه الأوجه. لكن أفكار التحرر الوطني، والاشتراكية والديمقراطية، تندرج ضمن النظرة العدالية لكونها تعترض على الاستعمار أو الرأسمالية أو الطغيان، فيما تبدو الليبرالية والعلمانية والحداثة أكثر اندراجاً ضمن النظرة الحضارية. وليست هذه هي حال الأفكار الاشتراكية والديمقراطية، أو الليبرالية والعلمانية، في منشئها الأوروبي (فهي أوجه للتقدم، ببعديه الحضاري والعدالي)، بل هي نتاج أوضاعنا التاريخية التي أتتها الحداثة من خارجها وبالقوة الاستعمارية. مقاومة الاستعمار تحيل ما يتصل بالحضارة الحديثة من تنظيم وعناية بالأسلوب واجتناب للعنف إلى الهامش، بينما أولوية التحضر تزكي بالأحرى تتلمذاً على يد المتحضرين، وتتبّعاً لهم وسيراً على نهجهم، وربما إهمالاً للمواريث الثقافية والدينية التي قد ينظر لها كمعوقات ينبغي التخلص منها بالأحرى.
يخفت هذا التقابل حيناً ويلتهب حيناً آخر، لكنه لا يزول، الأمر الذي يدل على إشكالية حقيقية غير معالجة، بل وغير مفكر فيها كفاية. في العقدين الفاصلين بين تداعي الشيوعية والثورات العربية، شغل تيار ثقافوي، يفسر أوضاعنا السياسية والاجتماعية والتاريخية بالثقافة (مردودة غالباً إلى الدين، مردوداً حصراً إلى الإسلام، مردوداً هو ذاته في الغالب إلى الإسلام السني)، موقعاً معادياً بشدة للإسلاميين، ولا يهتم إن تعرضوا للمذابح، ومتحفظاً بقوة على المعارضين الديمقراطيين الموصوفين بالديمقراطويين و/أو الشعبويين، وفي موقع قريب من النظم الحاكمة. نرى هنا حلقة للحضارية والعدالية، لا تستخدم أي من هذين التعبيرين. بالمقابل، يمكن أن يؤخذ على هؤلاء «الديمقراطويين»، وكاتب هذه السطور واحد منهم، أن الشاغل الحضاري لم يكن حاضراً في تفكيرهم، ولعله افتُرِض أن التخلص من الطغيان ينطوي بحد ذاته على حل للمشكلة الحضارية.
هذا التقابل العدالي الحضاري راهن اليوم في سورية بعد صعود مجموعات إسلامية سنّية إلى الحكم، يحدث أن يستنفر مفهوم الحضارة في مواجهتها. يمكن أن يؤخذ على هذا الاستنفار أشياء كثيرة منها نقص حساسيته الاجتماعية، ومنها طابعه الانفعالي التعبوي وازدواج معاييره، ومنها إغفال سؤال العدالة (قد تستحضر مسألة العدالة الانتقالية سجالياً)، لكن المعيار الحضاري لا يخسر صلاحيته بسوء استخدامه، وبخاصة في هذا الزمن الانتقالي المؤسس لما بعده. ليس التخلص العادل من الحكم الأسدي سبباً كافياً للتهاون في قضايا القانون وضبط العنف والتحاور الاجتماعي والسياسي الحقيقي، وأساليب التعامل اللائقة من قبل من في السلطة، والمظهر الحسن وغير الرث للأشخاص والأشياء، والظهور الآمن للنساء والأطفال في المساحات العامة، أي كل ما قد يندرج تحت الحضارة. الحضارة أشكال، إخراج للناس والأشياء من الوضع الخام، من حالة اللاتشكّل والهيولى والغريزة والبدائية إلى أحوال أفضل تنظيماً، ذات أشكال تتيح التعرف عليها والأمان حيالها والتمتع بها. العدالة دون شكل هي العسف وحكم الهوى، هي محكمة أمن الدولة العليا في دمشق التي لم تكن تراعي أي شكليات في أحكامها، وأكثر منها المحاكم الأسدية الميدانية التي قتلت ما لا يحصى من السوريين في تدمر أيام الأب وصيدنايا أيام الابن. كل إغفال للشكل، بما في ذلك في الأدب والفن، هو مسلك غير حضاري أو حتى نازع للحضارة، مفهومةً في هذا السياق المحدد كتطوير فنون وآداب أرقى وأغنى وفق معاييرها الجمالية الخاصة، وليس وفق معايير خارجية مفروضة، سواء كانت هذه المعايير خدمة قضايا عادلة أو الالتزام بمصالح الجماهير الكادحة أو التعبير عن هوية الأمة وطبيعتها الحقة. أنتجت المباشرة في الأدب والفن، أي التحرر من هَمّ الشكل، أدباً وفناً رديئين، بدائيين. ومثل ذلك ينطبق على النضال السياسي، بما في ذلك المقاومة المسلحة. فتسويغ الوسائل (العنيفة والعشوائية) بالغايات (التحررية والعادلة)، والاستغناء بالأخيرة عن التعاملات اللائقة مع المدنيين، بل ومع قوى الأعداء، تثير الشكوك في عدالة القضية التي يُدافَع عنها، وتنذر بأن يتعمم السلوك المتوحش على الجميع بعد انتصار المقاومين.
والنقاش حاضر بصور مختلفة وتعابير مختلفة في فلسطين، في علاقة مع الأشكال المقبولة والأنجع من المقاومة. يستغني مقاومون فلسطينيون، ومساندون عرب وغير عرب لكفاحهم، بعدالة المقاومة عن العناية بأساليبها ومناهجها وخطابها وسلوك المقاومين حيال من يختلفون معهم في التوجه وعموم الشعب. هذا ظهر بعد عملية طوفان الأقصى قبل عام ونصف، وبخاصة ما اقترنت به من استهداف مدنيين والأخذ العشوائي لرهائن، وكان ظهر قبل ذلك بخصوص العمليات الانتحارية أو «الاستشهادية». هل عدالة القضية تسوّغ أساليب مقاومات عشوائية غير عادلة، يتواتر أن تعاقب مدنيين غافلين لا ذنب لهم؟ لا تسوغ. هذه الأساليب لا تنعكس دماراً واسعاً على الشعب الفلسطيني فقط، ولا تضع مناصريه في مواقع حرجة كانوا في غنى عنها فقط، وإنما ينذر انتصارها المحتمل بأن يكون فئوياً، يسحق فيه عموم شعب القضية قبل غيره. تقول حنة آرنت بحق: «كل فعل جيد يتم من أجل قضية شريرة يجعل العالم مكاناً أفضل، بينما يعمل كل فعل سيء في سياق قضية جيدة على تحويل العالم إلى مكان أسوأ». الأولوية في كل حال للأفعال، وليس للقضايا (أو العقائد) التي يصدر عنها الفاعلون. والعالم هو الإطار الملزم للأفعال والقضايا، مثلما للعدالة والحضارة، وليس أي خصوصيات قومية أو دينية أو «حضارية».
ثم إنه في فلسطين وغيرها، يبدو أن المنظور العدالي المطلق، أي الذي يستبعد البعد الحضاري، يقود إلى تصدر إسلاميين لعمليات المقاومة، وهذا لأنه ليس ثمة إيديولوجية للمطلق في مجتمعاتنا أكثر من الدين. والإسلاميون عدميون حضارياً، إن بالاستناد إلى تصور ضمني أو صريح لحضارتنا الخاصة (يفكر في الإسلام كطبيعة لمجتمعاتنا، لا كوجه تاريخي متغير لها)، أو بالاستغناء بالدين، وفي صوره الأشد انقطاعاً عن الثقافة والفكر والفن، عن أي تصور للحضارة.
وكان نقاش مماثل قد ظهر في سياق الثورة الجزائرية. وقد تمثل المنظور العدالي بفرانز فانون الذي أثنى على الفاعلية التطهيرية لعنف المستعمَرين في تعافيهم من السم الاستعماري، بحسب آدم شاتز في سيرته The Rebel Clinic للطبيب والمناضل المارتنيكي الذي انحاز بكليته للثورة الجزائرية، هذا بينما نفر جان دانيال (ولد باسم جان دانيال بن سعيد لأسرة يهودية جزائرية) من عنف عشوائي مارسته جبهة التحرير الوطني الجزائرية أحياناً ضد مدنيين، ومن الإيديولوجية التسلطية للجبهة، وبخاصة ميل بعض قادتها إلى التعامل مع الحضور الفرنسي في الجزائر خلال قرن وربع وقتها كفاصل عارض يمكن مسحه ونسيانه.
3
هناك مساحة خاصة لتقاطع العدالة والحضارة هي القانون، جملة القواعد والضوابط التي يصطلح عليها مجتمع بعينه، واليوم المجتمع العالمي، ويفترض أن تعم الجميع. القانون مساحة اشتراك لأن سيادته وانضباط الجميع به تعريف ممكن للعدالة، وإذ يُخرِج هذا الانضباط ذاته المنضبطين من مجال الغريزة والهوى إلى مجال العقل والتحكم بالنفس، فإنه يمكن أن يكون تعريفاً للسلوك المتحضر. فإذا تداعى القانون في أي مجتمع، تدهورت العدالة فيه والحضارة معاً، وصار مجتمعاً برياً، مجتمع الغاب.
ومن هذا المدخل القانوني، ينبغي الاعتراف بأن مجتمعاتنا المعاصرة قليلة العدالة والحضارة معاً، وأن مثابرتنا على تحكيم أحد المعيارين وإغفال الآخر لا يساعد في السير إلى الأمام، «التقدم». العدالة بلا حضارة ترثُّث وبدائية، والحضارة بلا عدالة نخبوية قد تترقى إلى عنصرية. ومن شأن الإصرار على أن ننطلق في تفكيرنا وسياستنا من هذا التوتر، أن يجعلنا نحن أنفسنا متوترين، غير متوازنين تماماً. لكن الاضطلاع بهذا اللاتوازن هو وحده ما قد يتمخض بعد حين عن توازن خصب ومستدام. يشبه الأمر بصورة ما العلاقة بين الحرية والمساواة، لا تسيران معاً، ولا مستقبل لواحدة منهما بانفصال عن الأخرى.
ويوجب الحس السليم القول إننا لا يجب أن نضع العدالة في وجه الحضارة ولا العكس، أننا نريدهما معاً. يبدو المسلك الصحيح أقرب إلى الاحتكام إليهما معاً في أفعالنا العامة والخاصة، وتعديل كل منهما بالآخر. إن العدالة لا تلبث أن تنهار إن لم تتعزز بترقٍ في العادات وسبل التعامل وانضباط بقواعد عامة مطردة وتقييد للعنف وضبط الغرائز والأهواء، وتاريخ سورية والعديد من البلدان العربية شاهد على ذلك. بالمقابل، إن فكرة الحضارة منحازة بمفهومها ذاته لما هو منظّم وقوي وغني، وهي دون حس بالعدالة، تتحول إلى إيديولوجية نخبوية تبرر التعامل المتوحش، غير المتحضر بالتالي، مع تمردات بيئات اجتماعية مُرثّثة ومُبربرة.
ولأنه ليس هناك ما يضمن أن نكون عادلين في مسالكنا الخاصة والعامة لمجرد أننا عداليون، ولا شيء يضمن أن نكون متحضرين في السلوك والتصرفات إن كنّا من الحضاريين، فإن في هذا ما يدعو إلى نقد نقدنا الاجتماعي، باتجاه مساءلة التطابق وعدم التطابق بين القول والفعل، أو بلغة أقدم بين النظرية والممارسة. هذا مهم لأنه ببساطة لا تأتي العدالة إلا من عادلين ولا تأتي الحضارة من لا متحضرين.
ونحن لا نولد متحضرين أو عادلين، لكننا يمكن أن نصير متحضرين وعادلين. يمكن كذلك أن نصير أقل عدالة بل مجرمين، وأقل حضارة بل متوحشين برابرة. الحضارة كما العدالة عمليات اكتساب، تعديل وتحضر، وليست طبائع لمجتمعات أو عقائد أو ثقافات. المسألة مسألة تعلم وعمل، استجابة موفقة لضروب الظلم والتمييز والرثاثة القائمة، أو غير موفقة. وليس هناك ميثاق مع العالم يضمن لنا أن نكون عادلين ومتحضرين في كل ما نفعل، لا في صورة دين ولا في صورة علم ولا في صورة إيديولوجية ولا في صورة هوية. كما ليس هناك متحضرون اليوم لأنهم كانوا متحضرين دوماً، ولا عادلين كانوا كذلك دوماً.
4
وفي لحظتنا السورية الراهنة، من الحيوي الجمع بين معياري العدالة والحضارة في نقد أحوال اليوم الاجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية. ليس أنجع نقد للكوكبة الإسلامية المسيطرة في سورية اليوم هو نقد أحادي الجانب باسم الحضارة، بل نقد جذري يدافع عن العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية الواهنة الحضور في الراهن السوري. القضية السورية في الأمس واليوم قضية عدالة، حقوق الضعفاء وأمانهم وحريتهم، وهي بالقدر نفسه قضية كفاءة وحسن تعامل ونظافة وأساليب تعامل كريمة. القضية السورية قضية عدالة بالمعنى الحقوقي الذي يشمل العدالة الانتقالية لكنه لا يقف عندها، يتعداها إلى العدالة الاجتماعية، توزيع الموارد لمصلحة الشرائح الأفقر من الشعب؛ وهي قضية عدالة بالمعنى السياسي الذي يحيل إلى المواطنة وأنصبة متكافئة في السلطة للجماعات السورية المختلفة، إن كان لسورية أن تبقى بلداً موحداً. وهي بعد ذلك عدالة سيادية، امتلاك متكافئ للبلد وحق متساو في صنع السياسة وفي الاحترام للسوريين المتنوعين، على اختلاف منحدراتهم الجهوية والدينية والإثنية وغيرها. ليس هناك تحضر بدون احترام، وما يتميز به مجتمعنا من قلة احترام الجميع للجميع هو ما يشهد بقلة تحضرنا أكثر من أي شيء آخر.
ولا يستجيب التصور الإسلامي للمجتمع والدولة والحكم لفكرة العدالة بهذه الدلالات. لديه فكرته الخاصة عن العدالة، وهي غير موافقة لأطر وطنية للاجتماع والسياسة مثل سورية منذ نشوء كيانها الحديث قبل قرن ونيف. ما يوافق الأطر الوطنية هو المساواة الحقوقية والسياسية والسيادية بين المواطنين الأفراد وبين الجماعات المتنوعة. هذا التصور لا يوافق تصور الإسلاميين، لكنه لا يتعارض مع العدالة للإسلاميين، فيما تصورهم هم يتعارض مع المساواة، وبالتالي مع العدالة لغيرهم. ولذلك فإن نقد الإسلامية الأساسي هو النقد باسم العدالة، وهو ينطلق من حقيقة أن العدالة في الدولة الوطنية هي التي تعم الإسلاميين مع غيرهم، ولا يمكن لها بالتالي أن تكون عدالة الإسلاميين أنفسهم. وبالقدر نفسه لا يصلح نقد حضاروي، يستبطن تراتباً عنصرياً للجماعات بحسب عقائدها وثقافتها، تراتب يقوم على استثناء حضاري للمسلمين، ووضعهم في الموقع الأدنى من حيث الحضارة والحقوق والاحترام، ويعكس بنية النظام الدولي القائم.
الحق في العدالة ليس مشروطاً بأي شيء آخر، ولا حتى عدالة من يُدافع عن حقهم في العدالة. إنه دفاع عن الحق، وعن النفس، لأنه يمكن لنا نحن، أي واحد منا وأي مجموعة، أن يتهم وينكر عليه هذا الحق.
والقصد المجمل أنه ليس هناك أرضية متسقة تتيح نقداً عدالياً وحضارياً للإسلاميين الحاكمين اليوم لا تكون في الوقت نفسه دفاعاً عن العدالة لجميع السوريين، بمن فيهم الإسلاميين، ودفاعاً عن فرص السوريين في التقدم والتحضر وحكم القانون. على الاستثناء ليست العدالة وحدها هي التي لا تقوم، ولكن الحضارة كذلك.
موقع الجمهورية
——————————–
“بطاقة التسوية”: العدالة المرتجلة في سوريا وبيروقراطيتها/ نوار جبور
03.07.2025
لقد كانت تلك الورقة، التي وعدت أن تكون بدايةً جديدة، كفناً رمزياً، لم تعد أداة إدماج، بل تحوّلت إلى شاهد قبر مؤجّل، توضع على ذاكرة فرد سوري، تقول له: أنت لست حيّاً تماماً، ولا ميتاً تماماً، أنت فقط مؤجّل.
حجم المصطلحات التي يمكن جمعها لتوصيف الأساليب العقابية، التي أنتجتها السلطة الجديدة في سوريا هائل، ومركّب، هي ليست مصطلحات اعتباطية أو لغوية فحسب، بل تعكس شبكة معقّدة من الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، وسطوة عقابية وتأديبية، تطبّق على طيف واسع من السوريين، طيف يتحرّك بين “الفلول”، انتهاء بمن يهين “هيبة الدولة”، مروراً بمن “يلطّش بنت”.
منذ اللحظة الأولى لوصول السلطة الجديدة، ظهرت مقاربات متعدّدة لمفهوم المحاسبة، تمّ تسليط الضوء بدايةً على الفاعل الأمني المباشر: رجال الأمن والعسكر الذين ظهروا في تسجيلات مصوّرة وهم يعذّبون، ويركلون، ويقتلون، ويهانون، أمام الكاميرات وأمام الناس. هؤلاء صاروا يُشكّلون “المتّهم العاري”، حيث لم يعد الفعل فقط هو موضع الإدانة، بل الجسد والوجه والاسم، كلّها أصبحت جزءاً من مشهد الجريمة.
إلا أن هذا النموذج الظاهر لم يكن سوى جزء من طيف أوسع وأكثر مراوغة. فهناك من لم يضرب ولم يُطلق النار، لكنهم دعموا، وبرّروا، وصمتوا، وتعاونوا، أو استفادوا من المنظومة. هؤلاء يُمكن تسميتهم بـ “المتواطئين” شخصيّات مدنية وعادية، أدارت ظهرها للعنف، أو امتصّته داخلياً، إما بدافع الخوف، وإما التماهي، وإما المصلحة، هؤلاء يروّج بأنهم “البيئة الحاضنة للنظام”، وللمفارقة، فقط العلويون من يتعرّضون لعنف هذه الوصمة.
ويبرز أيضاً من كان جزءاً من جهاز السلطة الرمزي، إعلاميون، وصحافيون، وممثّلون، وكتّاب، وأكاديميون، ممن استنبطوا خطاب السلطة وتبنّوا لغتها، وساهموا في تسويق سرديتها الأمنية والطائفية. هؤلاء نالوا ما يمكن تسميته بـ”العقاب الرمزي الاجتماعي”، وهو عقاب لا يُمارس بقوّة القانون، بل عبر السخرية والنفي والتشهير، وحرمانهم من رمزية الفاعلية أو الجدارة.
بين كلّ هؤلاء، يتشكّل الطيف الرمادي للذنب، الممتدّ من الجلّاد إلى المتفرّج، من الضابط إلى الصحافي، من العسكري إلى المخرج الذي حوّل الرعب إلى دراما، أو المقدّم التلفزيوني الذي جعل من إنكار القتل طقساً إعلامياً يومياً.
المساحات المتداخلة لا يمكن التعامل معها فقط بالعدالة القانونية، بل تستدعي عدالة ثقافية وأخلاقية واجتماعية، تُعيد مساءلة الأدوار والأقنعة، لا الأشخاص فقط. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى فقط بمحاكم، بل بنقد خطاب السلطة، وتحليل أثره النفسي والاجتماعي، وبالاعتراف، لا التواطؤ؛ بالمساءلة، لا التسوية.
إن خطر المرحلة ليس في العنف القديم فقط، بل في إعادة إنتاج السلطة عبر التسويات، ودمج رموزها السابقة في بنية جديدة بلا نقد. ولهذا، فإن تفكيك الوظائف الرمزية للسلطة، من الإعلام إلى الفن، من التعليم إلى الدين، هو أمر أساسي لأي خروج حقيقي من بنية الجريمة.
في اليوم الخامس لسقوط النظام، ظهرت طوابير جديدة، ليست طوابير الخبز أو البنزين، بل طوابير أمنية وعسكرية امتدّت أمام مراكز مخصّصة لعقد “التسوية”. رجال بلباس مدني، صامتون، واقفون في انتظار ورقة، ورقة أعدّتها السلطة الجديدة لكلّ من خدم سابقاً في أجهزة النظام من عسكريين، وأمنيين، وحتى متعاونين إداريين.
ما هي “التسوية”؟
كانت “التسوية” في ظاهرها محاولة لاستيعاب من لم تتلطّخ أيديهم بالدم بشكل مباشر، أو أولئك الذين لم يواجهوا السلطة الجديدة بالسلاح. ورقة التسوية كانت وثيقة مؤقتة، تمنح حاملها صفة “المسوّى وضعه”، وتسمح له بالتحرّك ريثما تصدر أوراق ثبوتية رسمية، أو يتمّ تحديد موقفه النهائي أمام محكمة أو لجنة قضائية. شكل من أشكال “العبور” من نظام إلى آخر، لكنّها أيضاً وسم رمزي، يعلن أن هذا الشخص لا يزال قيد المراجعة، قيد التقييم، قيد التعليق الأخلاقي.
ظهرت بذلك “الهوّية المعلّقة” كحالة وجودية، قانونية، يعيشها الفرد الذي لا يُدان تماماً، ولا يُبرأ تماماً. فهو لا يزال خارج النظام الجديد، وخارج النظام القديم، في فراغ نفسي واجتماعي تُنتجه الورقة كعلامة مؤقتة. هذه الهوّية المعلّقة ولّدت حالة من “القلق التوقّعي”، قلق من المحاسبة المؤجّلة، من أن تصبح الورقة جسراً نحو الإدانة بدل التبرئة، أو مجرّد إثبات على الانتماء الخاطئ في لحظة خاطئة.
كانت التسوية ” وقائية”؛ أي إجراء سياسي، إداري يهدف إلى تجنّب الانفجار الأهلي، وتقديم صورة عن سلطة قادرة على استيعاب الماضي، دون أن تواجهه فعلياً، لكنّها في الوقت نفسه لم تكن اعترافاً ولا عدالة، بل شكل من “الاعتراف السلبي”: أن تحمل ورقة تدلّ على الشكّ، دون اعتراف حقيقي، ودون تبرئة صريحة. لقد أصبحت الورقة أداة للإرجاء، لا للحسم، دليلاً على الخوف، لا على الانتماء.
السلطة الجديدة كانت تسعى، أو تُظهر سعيها، نحو نوع من التصالح الاجتماعي الوقائي، أرادت تجنّب مذبحة، أو انزلاق نحو حرب أهلية، فاختارت منطق التسويات الفردية بدل المحاكمات الجماعية. بدا كأنها تُحوّل العنف من الجسد إلى الورقة، من الدم إلى الملفّ، من الرصاصة إلى الطابور.
لكنّ هذه التسوية في جوهرها، لم تكن سوى خلط مشوّش بين العقاب والصفح، بين الاندماج والإدانة، بين الخلاص والوهم. فبدل أن تكون تسوية حقيقية تُعيد ترتيب الذاكرة والعدالة والمستقبل، تحوّلت إلى أداة إدارية تمتصّ الغضب، وتُهدّئ الرأي العامّ، وتُعيد إنتاج السيطرة من دون بنية مساءلة واضحة.
وبهذا، أصبح العقاب شكلاً من التمييع الرمزي، لا ينبني على سردية قانونية واضحة، بل على تقاطع هشّ بين الرغبة في الاندماج، والخوف من الانتقام، والحاجة إلى إعادة كتابة العلاقة مع الدولة والآخر والمجتمع.
التسوية كانت أيضاً شكلاً من أشكال الهندسة النفسية الجمعية؛ فهي تمنح الأمل للمذنب، وتُلقي الشكّ على البريء، وتُبقي الجميع في حالة انتظار معلّق، في فضاء عامّ ملغوم، حيث الورقة لا تعني الغفران، بل تعليق المصير.
– صحفي سوري
درج
———————————
لا سلام مجتمعيا بلا محاسبة وإنصاف الضحايا/ ميشال شماس
2025.07.03
تعيش سوريا اليوم لحظة مفصلية وتاريخية، لحظة نحتاج فيها إلى محاسبة المرتكبين، وإلى شجاعة الاعتراف، وحكمة المصالحة، وإنصاف الضحايا، وإنّ السلم الأهلي الذي ننشده جميعاً، لا يمكن أن يُبنى على إنكار آلام الماضي، ولا على التغاضي عن معاناة من فقدوا أحبّتهم أو تعرّضوا للعنف والقهر والتعذيب، فآهات الأمهات الثكالى، وأنين المعتقلين الناجين من التعذيب والموت في أقبية التعذيب، ما تزال تدوي في نفوس السوريات والسوريين في مخيمات دول اللجوء وفي مختلف أرجاء سوريا والعالم.
والعدالة الانتقالية التي ننشدها اليوم ليست محاسبة وعقابا فقط، بل هي أيضاً كشف للحقيقة ورد للاعتبار وتعويض للضحايا وتخليد لذكراهم وكشف لمصير المفقودين واصلاحٌ للمؤسسات ولا سيما الأمنية منها وتحويلها من مؤسسات عقابية إلى مؤسسات لخدمة الناس.
والمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في المجتمع السوري إلا إذا قامت على أسس من العدالة والشفافية، حيث تكون كرامة الضحايا في قلب هذه العملية، باعتبارها حجر الأساس لأي مشروع مصالحة وطنية وسلام مجتمعي، فلا يمكن للسلام المجتمعي أن يُبنى على إنكار آلام ومعاناة الضحايا وذويهم.
فالمجتمع الذي يتجاهل جراح من تألموا وعانوا، إنما يزرع بذور الغضب والحقد والانتقام في عمق وجدانهم الجماعي، فلا يمكن أن نطلب من أمٍّ ثكلى أن تسامح من دون أن تسمع اعترافاً صادقاً ممن سلبها فلذة كبدها، ولا يمكن أن نطالب الضحايا الناجين من التعذيب بفتح قلوبهم، من دون أن يُحاكم جلادوهم في محاكمة علنية وعادلة.
الدعوة اليوم إلى العفو والمسامحة وإن كانت ضرورية ومهمة للحفاظ على السلم الأهلي وتعزيزه، إلا أنها لا تعني ولا يجب أن تعني بأي حال من الأحوال التنازل عن حقوق الضحايا، فالعفو والمسامحة قرار أخلاقي وإنساني ينبع من الضحايا باعتباره حقاً لهم لايجادلهم فيه أحد، والمسامحة ليست ضعفاً من الضحايا، وإنما هي تعبير عن سمو الروح لدى الضحايا عندما يشعرون بالانصاف لقضيتهم التي لا تُبنى على النسيان والإنكار، وإنما تُبنى على تذكّرٍ عادل واعتراف صريح بمعاناة الضحايا وما كابدوه في جحيم المعتقلات.
واليوم لا يكفي أن نُخاطب الضحايا بخطابات عاطفية عن التسامح ونطالبهم بالصفح والمسامحة، بل علينا أن نُقدّم لهم خطوات ملموسة تُشعرهم أن الدولة والمجتمع يقفان إلى جانبهم، خطوات من شأنها أن تعزز ثقة الضحايا بالعدالة، ويأتي في مقدمة تلك الخطوات وأهمها:
إجراء محاكمات علنية للمرتكبين الكبار وخاصة أولئك السفلة الذين تلذذوا بالتعذيب وقتلوا الناس بوحشية، كما هو حال مرتكبي مجرزة التضامن على سبيل المثال، فهؤلاء لايمكن العفو عنهم بأي شكل من الأشكال، وتقضي العدالة بضرورة محاكمتهم أمام محكمة شفافة وعلينة، ليواجهوا الحقيقة أمام أعين الناس، وهذه المحاكمات ليست انتقاماً من هؤلاء المجرمين، بل لأجل ضمان عدم تكرار مآسي الماضي الأليم، وتعزيز الثقة بالمجتمع والقضاء والعدالة.
إجراء جلسات محاسبة ومحاكمة علنية لمن تبقى من المجرمين الأقل إجراماً والأقل تورطاً، وإفساح المجال أمام هؤلاء الجناة كي يعترفوا بما أقترفت أيديهم، ليس فقط كيف ارتكبوا جرائمهم وأين دفنوا جثث ضحاياهم ولماذا فعلوا ذلك؟ بل وأيضاً ويجب أن يقدموا اعتذاراً صريحاً وعليناً ومصوراً أمام الإعلام عن الجرائم التي ارتكبوها، فهذا الاعتراف العلني يشكل بداية الطريق نحو التئام الجراح وفتح الطريق أمام المسامحة والمصالحة.
إنّ الاعتذار العلني المطلوب من المرتكبين، ليس ضعفاً ولا إذلالاً لهم، ولا تقليلاً من شأنهم، بل هو شجاعة، تظهر قدرتهم على تحمل المسؤولية والاعتراف بخطئهم. واليوم الكثير من الضحايا لا يطلبون سوى كشف مصير أبنائهم وكلمة اعتذار صادقة من المرتكبين، تُعيد إليهم شعورهم بالكرامة، وتشعرهم أن معاناتهم لم تُهمل أو تُهمش.
وبمجرد أن يرى الضحايا الناجين من الموت وذوي الضحايا، أن المرتكبين قد خضعوا للمحاسبة والمحاكمة، وسمعوا منهم اعتذاراً علنياً صريحاً وصادقاً ومباشراً، عندها فقط تبدأ قلوبهم بالصفاء، وتبدأ تفوسهم بالتهدئة والتنفيس عن غضبها، ليبدأ السلام الداخلي فعله في قلوب الضحايا وذويهم، فتنفتح طواعية أبواب المسامحة لا كرهاً ولا قهراً بل قناعةً، لا مجاملة بل خياراً نابعاً من القلب.
لن تًشفى جراح الضحايا وذويهم بنكران المجتمع لها، بل من خلال مواجهتها بشجاعة والاعتراف بها، والسلام المجتمعي ليس مجرد وقف الحرب والعنف بل أن تكون العدالة حاضرة، وإن أردنا حقاً أن نطوي صفحة الماضي الأليم، فعلينا أولاً: أن نقرّ به ومواجهته بشجاعة، وأن نمنح الضحايا حقهم الكامل في الاعتراف، الاعتذار، والمحاسبة والتعويض.
وثانياً ضرورة إشراك الشعب السوري في تشكيل وسير العدالة الانتقالية في سوريا من خلال الحوارات والمشاورات العامة بما يضمن تمثيل جميع الأطراف ولاسيما الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، وهذا وحده كفيل بأن يساعد في التخفيف من التوترات الداخلية ويعزز المصالحة الوطنية والسلام المجتمعي، ويعطي أملا في بناء مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً للجميع.
تلفزيون سوريا
—————————-
هل تستفيد سوريا من دروس العراق؟: ملامح من التجربة العراقية في العدالة الانتقالية/ عبد الرزاق الساعدي
02-07-2025
نُشر المقال بالإنكليزية على موقعَي مركز التعاون الدولي في جامعة نيويورك ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان:
لم يستغرق الثوار سوى عشرة أيام حتى تمكّنوا من إسقاط نظام الأسد، الأب والابن، اللذين حكما سوريا بقبضة من حديد لأكثر من خمسة عقود. لكن إعادة بناء سوريا وتعزيز وحدتها الوطنية سيستغرقان وقتاً أطول بكثير من هذا الانتصار السريع. فبعد عقود من الديكتاتورية، وحرب طويلة ودامية، تواجه سوريا صدمة جماعية متجذّرة عبر أجيال، وترث إرثاً ثقيلاً من انتهاكات حقوق الإنسان – من قتل وخطف وتعذيب وإخفاء القسري – ارتكبتها أطراف متعددة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود أدلّة على ارتكاب جرائم حرب من قِبَل جميع أطراف النزاع.
تبدو سوريا اليوم ممزقة بعمق على أسس إثنية وطائفية وجغرافية، وهي انقسامات ترسّخت خلال سنوات الحرب، وما تزال تسفر عن موجات عنف حتى في الآونة الأخيرة. وتزيد التدخّلات السياسية والعسكرية لقوى خارجية ذات أجندات متضاربة من تعقيد مسار التعافي. أما الفساد المتفشّي، لا سيما داخل مؤسسات حيوية، فيقوّض ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة وفي سيادة القانون. وفي مواجهة هذه التحديات، وكما بدأ السوريون يرددون، فإن بلادهم تبدو مرشّحة بامتياز للانخراط في مسارات العدالة الانتقالية. وهي مسارات لا تقتصر على المحاسبة، بل تشمل أيضاً معالجة الإرث الثقيل لانتهاكات الماضي، وتوفير سبل إنصاف، وتمهيد الطريق لإعادة بناء الدولة على أسس السلام والعدالة.
في 18 أيار (مايو) 2025، أعلنت الحكومة السورية عن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المكلّفة بـ«كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، بالتنسيق مع الجهات المعنية»، وذلك بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20.
ومع توافد خبراء العدالة من حول العالم لتقديم الدعم، فإن من الحكمة أن يغتنم السوريون هذه الفرصة لاستخلاص الدروس من تجارب الشعوب الأُخرى – وخاصة من التجربة العراقية القريبة جغرافياً وثقافياً – مع إدراك الفروقات العميقة بين السياقين.
أوجه الشبه بين العراق وسوريا
ما حدث في العراق بعد سقوط نظام البعث عام 2003 يُشبه إلى حد كبير ما تشهده سوريا اليوم. فكِلا البلدَين خضعا لعقود من الحكم السُلطوي تحت راية حزب البعث، وسط هيمنة عائلية محكمة على مفاصل الدولة. في العراق، كانت مفاصل السلطة في نظام صدام حسين بيد أشخاص من السنّة، فيما أمسك أشخاص علويون بمفاصل السلطة الأساسية في نظام الأسد. وكِلا النظامين أنشآ مؤسسات أمنية وعسكرية ضخمة، ارتكزت على الولاء المطلق واستُخدمت لقمع أي معارضة، بكل الوسائل الممكنة. كما تتشابه طبيعة وحجم الانتهاكات التي ارتُكبت في البلدين، لا سيما بحق المعارضين السياسيين.
إن التركيبة الاجتماعية والسياسية لكِلا البلدين متقاربة أيضاً؛ فهما يضمّان طيفاً واسعاً من الجماعات الإثنية والدينية، من عرب وكُرد، إلى سنّة وشيعة، ومسيحيين، فضلاً عن أقلّيات أُخرى كالإيزيديين والتركمان والآشوريين، مع حضور مميز للطائفة الدرزية في سوريا. قبل 2003، كان السنّة، رغم كونهم أقل من 20% من السكان، يهيمنون على الحكم في العراق. وبالمثل، أمسك علويون بمفاصل السلطة الأساسية في نظام الأسد منذ السبعينيات، رغم أن العلويين يشكلون نحو 10 بالمئة من السكان أو أكثر بقليل فقط. ومع انهيار المؤسستين العسكريتين في البلدَين، تلوح في الأفق تحدّيات مماثلة، لكن سوريا تمتلك فرصة ثمينة لتفادي أخطاء العراق إن أحسنت الاستفادة من دروس تجربته.
رغم أوجه الشبه، هناك اختلافات جوهرية بين الحالتين. أولها طبيعة انتقال السلطة: ففي العراق، جاء سقوط النظام نتيجة غزو أميركي، أُعقب بتسليم السُلطة إلى قوى معارضة كانت بمعظمها في المنفى، ولم تنخرط في المواجهة الداخلية. أما في سوريا، فالقوى التي تسلّمت زمام الحكم بعد سقوط الأسد كانت جزءاً فاعلاً في الحرب الطويلة. الفارق الثاني يكمن في دور المجتمع الدولي؛ ففي العراق، تولّت سُلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة إدارة البلاد لأكثر من عام بعد الغزو، واضطلعت بمهمّة رسم المعالم السياسية الأولى وإعادة تشكيل موازين القوى. أما في سوريا، فلم تُنشأ سلطة انتقالية دولية رسمية؛ بل تولّت قوى المعارضة إدارة الشأنَين السياسي والأمني بشكل مباشر ومنفرد، ما يضفي مزيداً من التعقيد على عملية بناء الدولة.
العدالة الانتقالية في العراق: دروس مستفادة
في العراق، أدى النقص الكبير في الخبرات المرتبطة بالعدالة الانتقالية – خصوصاً بين الخبراء العراقيين والمتحدثين بالعربية – إلى غياب استراتيجية متماسكة. فقد جاءت الخطوات المتخذة متفرّقة وعشوائية، متأثرة بقرارات سياسيين منفيين لم يراعوا تصوّرات العراقيين داخل البلاد، فضلاً عن تدخّلات خارجية أسهمت في تعميق الانقسامات بدلاً من السعي إلى رأبها. وقد ركزت سياسات العدالة الانتقالية في العراق إلى حد كبير على الإجراءات العقابية، وعوّضت مجموعات معينة من الضحايا، دون تبنّي رؤية طويلة الأمد للمصالحة وإعادة البناء.
واجه العراق تحدّيات جسيمة بعد سقوط النظام؛ فإلى جانب الانفلات الأمني وغياب الاستقرار، كان هناك نقص حاد في الكوادر المحلية والخبرات اللازمة للتعامل مع الجرائم الواسعة التي ارتكبها نظام صدام حسين. ونتيجة لذلك، صيغت مسارات العدالة الانتقالية وفق أجندات الفاعلين الدوليين، الذين غالباً ما افتقروا إلى فهم عميق لتعقيدات بناء السلام والمصالحة. أما في سوريا، فقد عبّرت السُلطات الجديدة عن رغبة واضحة في أن يقود السوريون أنفسهم هذه العملية؛ ويُعزز هذا التوجه وجود خبراء سوريين – داخل البلاد وفي المهجر – يمتلكون فهماً عميقاً لمفاهيم وآليات العدالة الانتقالية، وإن كانوا لا يزالون يفتقرون إلى الخبرة التطبيقية في تنفيذها.
لقد بيّنت التجربة العراقية أن العنف الطائفي يمكن أن يترك أثراً مدمِّراً على فرص المصالحة وبناء السلام. فاستمرار العنف لا يزيد فقط من عدد الضحايا، بل يُعقّد أيضاً أي محاولة لإطلاق عملية عدالة انتقالية. وينبغي أن تُشكّل موجات العنف الأخيرة في مناطق الساحل وجنوب سوريا جرس إنذار حقيقياً: على البلاد أن تتحرك بسرعة لتفادي الانزلاق نحو الفوضى.
تُظهر جهود العدالة الانتقالية في العراق سلسلة من الإخفاقات التي تقدّم ستة دروس أساسية يمكن أن تستفيد منها سوريا:
1 . اجتثاث البعث والتحقق من الخلفيات
بعد سقوط نظام صدام بفترة وجيزة، أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة قرارات بحل الجيش العراقي وإقالة كبار أعضاء حزب البعث من مواقعهم. نُفِّذت هذه الإجراءات، المعروفة بـ«اجتثاث البعث»، من دون تقدير لعواقبها بعيدة المدى. فقد خسر عشرات الآلاف وظائفهم، ما خلق فراغاً أمنياً هائلاً وأسهم في زعزعة الاستقرار. واستهدفت العملية الأفراد بناءً على انتمائهم الحزبي أو مناصبهم في حزب البعث، بغض النظر عن أفعالهم أو مدى مسؤوليتهم المباشرة عن الانتهاكات، مما ولّد شعوراً عميقاً بالظُلم والتهميش. وقد تم تسييس هذه العملية لاحقاً، لتُستخدم كأداة لإقصاء الخصوم السياسيين.
2 . إجراءات المساءلة
أنشأت سلطة الائتلاف المحكمة الجنائية العراقية العليا لمحاكمة كبار مسؤولي النظام، بمن فيهم صدام حسين، بتهم تشمل جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية. إلا أن القانون العراقي لم يكن يتضمن هذه التصنيفات ضمن منظومته التشريعية، مما أضعف الإطار القانوني للمحكمة. وعلى الرغم من أنها بدت محكمة «عراقية» من حيث الشكل، فقد أُسست بدعم مباشر من الولايات المتحدة، واعتمدت بشكل كبير على الخبرات والموارد الأجنبية، ما أفقدها ثقة العديد من الجهات الدولية والمحلية.
كان مشهد صدام حسين داخل قفص الاتهام لحظة نفسية مفصلية بالنسبة لكثير من العراقيين، وشكّل رمزاً لنهاية عهد الترهيب. إلا أن المحكمة واجهت منذ البداية تحديات جدّية، من ضعف الأمان إلى غياب التواصل الفعّال مع الرأي العام، فضلاً عن الاتهامات بانعدام الاستقلالية بسبب النفوذ الأمريكي.
وفي نهاية المطاف، هيمنت الحسابات السياسية على المسار القضائي، إذ أُدين صدام بعد محاكمة بقضية واحدة فقط، وحُكم عليه بالإعدام ونُفّذ الحكم سريعاً، ما أثار خيبة أمل واسعة لدى عراقيين كانوا يتطلّعون إلى محاكمات أكثر شمولاً تكشف حقيقة الجرائم التي وقعت خلال سنوات حكمه الطويلة.
3 . جبر الضرر (التعويضات)
أطلق العراق على مدى السنوات عدة برامج لتعويض الضحايا، ركّزت في معظمها على التعويض المالي. وشملت هذه البرامج شريحة واسعة من الناجين، ليس فقط من ضحايا انتهاكات نظام صدام حسين، بل أيضاً من المتضررين من أعمال العنف التي تصاعدت بعد 2003. وفي عام 2006، بدأت الحكومة بتعويض المتضررين من نظام صدام حسين، بمن فيهم من قُتلوا أو سُجنوا أو فقدوا وظائفهم وممتلكاتهم. ومع تطور النزاع، وسعّت الحكومة في عام 2009 نطاق التعويض ليشمل ضحايا العمليات العسكرية والهجمات الإرهابية.
ورغم إنفاق ما لا يقل عن خمسة مليارات دولار على هذه البرامج، فقد واجهت تحديات كبيرة، أبرزها تفشّي الفساد، ومحدودية القدرة المؤسسية، وسوء آليات جمع البيانات، مما أثّر سلباً على كفاءة التنفيذ. كما وُجّهت انتقادات لهذه البرامج بسبب استخدامها لأغراض سياسية وطائفية، إذ تم تفضيل فئات من الضحايا على حساب أُخرى.
وفي عام 2021، أُنشئ برنامج مخصص لتعويض النساء الناجيات من فظائع تنظيم داعش، وهي خطوة بالغة الأهمّية، رغم محدوديتها، في سبيل معالجة الأضرار ذات الطابع الجندري، والمساهمة في استقرار المناطق التي خضعت سابقاً لسيطرة التنظيم، وتوسيع أفق العدالة الانتقالية. ومن الضروري أن تولي عملية العدالة الانتقالية في سوريا أولوية مماثلة للجرائم الجندرية واحتياجات الناجيات من العنف الجنسي، بما في ذلك التعويض وجبر الضرر.
4 . كشف الحقيقة
أخفق العراق في إنشاء آلية شاملة لكشف الحقيقة، إذ فضّل صانعو السياسات التركيز على الملاحقات القضائية بدلاً من كشف الوقائع. هذا النهج ترك الضحايا بلا سجل رسمي يوثّق الفظائع التي ارتُكبت في الماضي، وبلا فهم أعمق للأسباب التي سمحت بوقوعها. لكن، لضمان عدم تكرار الانتهاكات، لا بد من تشخيص الأسباب الجذرية، وتوفير الضمانات المؤسسية والقانونية الكفيلة بمنع تكرارها.
بعد عام 2003، عرف العراق موجات متلاحقة من الصراع والاضطراب، أدّت إلى تشكيل لجان تقصّي حقائق مؤقتة للتحقيق في أحداث وجرائم محددة. لكن هذه اللجان غالباً ما افتقرت إلى الحياد والشفافية، وخدمت في كثير من الأحيان مصالح الجهات التي أنشأتها، بدلاً من أن تضع نصب عينيها هدف التحقيق والتوثيق وكشف الحقيقة ومشاركتها مع الناس.
وفوق ذلك، نادراً ما أُعلنت نتائج هذه الجهود المتفرقة على الملأ، ما حرم المجتمع من صنع رواية موحّدة لتاريخه، وأضعف إمكانيات التعافي الجماعي وتحقيق المصالحة.
5 . الاستجابة لقضية المفقودين
واجه العراق تحديات جسيمة في التعامل مع قضية المقابر الجماعية والمفقودين، وهو من بين الدول الأعلى في العالم من حيث عدد الأشخاص المفقودين. وقد تم العثور على نحو 221 مقبرة جماعية، تعود حوالي 96 منها إلى الحقبة التي حكم فيها صدام حسين. أدّت عمليات النبش العشوائية التي قام بها الأهالي، إلى جانب ضعف الإمكانيات الفنية، إلى تدمير أدلة ثمينة وإعاقة مسار العدالة.
ورغم ذلك، يمتلك العراق قانوناً خاصاً ينظّم عملية نبش المقابر الجماعية، كما طوّرت المؤسسات المعنية خلال السنوات الماضية خبرات فنية مُعتبَرة في هذا المجال الحساس، مما يضعها في موقع مناسب لنقل هذه الخبرات إلى السوريين وتقديم التدريب والدعم لهم في جهودهم المستقبلية.
6 . دور المجتمع المدني
يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في مسار العدالة الانتقالية، من خلال التوثيق، وجمع الأدلة، وتمثيل الضحايا، والتوعية العامة. إلا أن هذا الدور كان شبه غائب في العراق بعد عام 2003، رغم ضخامة عدد الضحايا وتراكم الانتهاكات. وقد ساهم هذا الفراغ بعد عام 2003 في إضعاف عملية تصميم وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية.
توصيات لسوريا
لتفادي الأخطاء التي واجهها العراق، ينبغي على صنّاع السياسات السوريين والشركاء الدوليين تجنّب النهج العشوائي الذي اتُّبع هناك، والسعي لوضع استراتيجية شاملة ومتكاملة للعدالة الانتقالية. يجب أن تقوم هذه الاستراتيجية على مشاورات واسعة تشمل مختلف مكوّنات المجتمع السوري، وأن تتضمن أهدافاً قصيرة، متوسطة، وطويلة المدى، تستند إلى بيانات موثوقة – مثل استطلاعات الرأي العام – لفهم تصوّرات الناس وتوجيه تخصيص الموارد بشكل فعّال. كما ينبغي أن ترتكز العدالة الانتقالية في سوريا على مقاربة تضع الضحايا في صميم العملية، بعيداً عن منطق العقاب الانتقامي. ويُعدّ تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خطوة إيجابية في هذا الاتجاه. ومع أن اللجنة مُكلّفة بالنظر في الانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد، إلا أنه لا يمكنها تجاهل الانتهاكات التي ارتُكبت من قبل جميع أطراف النزاع. فمقوّمات العدالة الانتقالية لا يجب أن تُبنى على أساس «عدالة المنتصر»، بل يجب أن تضمن الإنصاف لجميع الضحايا، بلا تمييز، وبما يرسّخ أسس المصالحة والعدالة المستدامة.
البحث عن الحقيقة وحماية مواقع المقابر الجماعية
يجب أن يشمل أي جهد وطني لكشف الحقيقة جميع فئات المجتمع السوري، إذ يُعدّ توثيق الماضي والاعتراف به خطوة أساسية لتصميم برامج تعويض فعّالة، وتعزيز المساءلة، ودعم الوحدة الوطنية—لا سيما في بلد يحمل إرثاً طويلاً من العنف والانتهاكات. ولا بد أن تكون هذه العملية شاملة وشفافة لضمان كسب ثقة الجمهور وتوفير الدعم المجتمعي الواسع. فالحق في معرفة الحقيقة هو حق إنساني أساسي لا يجوز تجاهله.
ومن بين القضايا الأكثر إلحاحاً في هذا السياق، مسألة حماية مواقع المقابر الجماعية. سيتعيّن على السوريين تطوير إطار قانوني واضح يضمن تأمين هذه المواقع والحفاظ عليها من العبث أو الضياع. ولا يجوز البدء بعمليات استخراج الرفات قبل بناء قدرات تقنية وطنية، وتأسيس جهة وطنية متخصصة تقود هذا العمل الحساس. إن توطين عملية البحث عن المفقودين يُعدّ خطوة جوهرية لضمان تعاون أسر الضحايا، وتعزيز الثقة، وتلبية احتياجاتهم النفسية والمعنوية.
يمتلك السوريون اليوم فرصة الاستفادة من آلية دولية جديدة، هي المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، والتي ستوفّر خبرات وقدرات تقنية وتنسّق جهود الفاعلين الدوليين. وقد أظهرت هذه المؤسسة استعدادها للعمل داخل البلاد بالشراكة مع جهات وطنية مستقلة ومحايدة؛ لذا، ينبغي للسوريين السعي للاستفادة القصوى منها لدعم جهودهم في هذا المجال.
كما أن إجراء استطلاعات للرأي العام لفهم مواقف المجتمع تجاه قضايا السلام والعدالة والمصالحة يُعدّ أداة فعّالة لجمع رؤى تعبّر عن أولويات الناس، وتُسهم في بلورة استراتيجيات شاملة للعدالة الانتقالية.
المساءلة
ينبغي على سوريا أن تطوّر استراتيجية شاملة للمساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال العقود الماضية، تتضمن ما يلي:
تحديد معايير المساءلة، بما يشمل تصنيف أنواع الجرائم، وتحديد الجهات المسؤولة التي يجب محاسبتها، بالإضافة إلى توضيح من يمكن أن يكون مؤهّلاً للاستفادة من بدائل المساءلة أو حتى من العفو، مع وضع شروط واضحة لذلك.
ضمان مشروعية مسار العدالة من خلال التعامل العادل والمتوازن مع الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع أطراف النزاع، دون استثناء.
تقييم قدرات النظام القضائي القائم وحدوده، لتحديد أكثر الآليات فعالية في تحقيق المساءلة، سواء داخل المؤسسات الوطنية أو من خلال دعم خارجي.
دمج المساءلة ضمن إطار العدالة الانتقالية الأشمل، من خلال ربطها بمحاور أخرى مثل كشف الحقيقة، والإصلاح المؤسسي، وجبر الضرر، بما يضمن اتباع نهج متكامل يضع الضحايا والمجتمع في صلب العملية.
للشروع في هذه الاستراتيجية، يُعدّ جمع البيانات ورسم خريطة دقيقة للجرائم والجهات المسؤولة عنها خطوة أساسية نحو بناء سجل واضح وموثّق للانتهاكات. ويمكن لسوريا أن تستفيد من الجهود الطويلة التي بذلتها منظمات المجتمع المدني السورية والدولية في مجال التوثيق، كما يمكنها الاعتماد على لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التي دأبت منذ أواخر 2011 على جمع بيانات حول انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إلى جانب ذلك، تملك المنظمات غير الحكومية السورية والدولية قدرة كبيرة على المساهمة في تبادل البيانات المتعلقة بهذه الانتهاكات. فعلى سبيل المثال، وثّقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان بشكل منهجي استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين خلال الحرب. ويمكن توظيف هذه البيانات، إلى جانب مصادر موثوقة أخرى، لدعم جهود العدالة الانتقالية ومساءلة المسؤولين عن الهجمات التي طالت المدنيين والمنشآت المدنية خلال النزاع.
كما سبق للمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية أن زار سوريا، وقد تلعب المحكمة أدواراً متعددة ومفيدة في دعم جهود سوريا لمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية. إلا أن الشراكة المتنامية بين سوريا والآلية الدولية المحايدة والمستقلة – التي أُنشئت في كانون الأول (ديسمبر) 2016 للمساعدة في «التحقيق والملاحقة القضائية للجرائم المرتكبة في سوريا منذ آذار (مارس) 2011 بموجب القانون الدولي» – قد تكون الأداة الأكثر فاعلية في هذا السياق.
ومن الضروري كذلك تعزيز النظام القانوني والقضائي الوطني في سوريا ليصبح قادراً على التعامل بفعالية مع هذه الفظائع. يتطلّب ذلك دعماً جاداً من جميع الجهات الدولية المعنية وأصحاب المصلحة لبناء قدرات المؤسسات الوطنية وتمكينها من أداء دورها في تحقيق العدالة.
الإصلاح المؤسسي
مع تفكيك جيش نظام الأسد وأجهزته الأمنية وحزب البعث من قِبل السلطات السورية الجديدة، تبرز مجموعة من القضايا التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند الشروع في إعادة بناء القوات العسكرية والأمنية وباقي مؤسسات الدولة:
التحقّق مقابل الاجتثاث: يجب أن تركّز الإصلاحات على التحقّق من الأفراد استناداً إلى أفعالهم وسجلاتهم، لا على اجتثاث شامل وعشوائي. فمثل هذا النهج يعزز العدالة، ويقلّل من الاضطرابات، ويضمن استمرار عمل المؤسسات. ومن الضروري وضع أهداف واقعية وخطة عملية واضحة لتوجيه هذا المسار. وينبغي أن تستند استراتيجية الإصلاح المؤسسي إلى رؤية مستقبلية تُعزز مناعة الدولة وتمنع تكرار الانتهاكات.
إصلاح قطاع الأمن: لا بد من إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية على أسس مهنية، بما يضمن اجتثاث الفساد وتحويل هذه المؤسسات إلى أجهزة تحمي المواطنين بدلاً من قمعهم. وتُعد آليات الرقابة والمساءلة جزءاً أساسياً من بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
جبر الضرر
على عكس العراق، قد لا تمتلك سوريا الموارد المالية الكافية لتلبية جميع احتياجات الناجين بشكل فعّال، خاصة في ظلّ الدمار الواسع الذي خلّفته سياسات الدولة خلال النزاع المسلّح الداخلي المستمر منذ مطلع 2011. وستظهر هذه الفجوة بشكل أوضح إذا انحصر النقاش حول جبر الضرر بالتعويضات المالية فقط. لذلك، من الضروري إدارة توقّعات الناجين بعناية، لتفادي وعود غير واقعية قد تزيد من معاناتهم بدلاً من تخفيفها.
رغم أن العراق ركّز بشكل كبير على التعويضات المالية لجبر الضرر، إلا أن برامج تعويض ناجحة في أماكن أخرى، بما في ذلك المغرب، استخدمت مقاربات متعددة مثل التعويضات الرمزية، والمبادرات المجتمعية، والاعتذارات الرسمية من قادة الدول. كما صُمّمت برامج تتيح توزيع الكلفة المالية للتعويضات على عدة سنوات، بدلاً من تحميلها على ميزانية عام واحد، وتضمّنت في بعض الأمثلة تقديم دعم صحي وتعليمي لأسر الضحايا والناجين.
وفي سياق نزاع كالذي شهدته سوريا، حيث طال الأذى جميع فئات المجتمع، فإن اعتماد برامج تعترف بهذا الواقع وتستجيب له يمكن أن يشكّل خطوة أساسية نحو التعافي واستعادة الثقة.
تعزيز المجتمع المدني
يجب تمكين منظمات المجتمع المدني، إلى جانب الناجين وأُسر الضحايا، من المشاركة الفاعلة في جهود العدالة الانتقالية، إذ تُعدّ مشاركتهم ضرورية لتعزيز التفاعل المجتمعي، وضمان تنوّع وجهات النظر، وبناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. ومن الطبيعي أن تظهر تباينات في الخبرة والمعرفة وطرق تناول القضايا بين نشطاء الداخل ونظرائهم في الخارج، كما شهدت ذلك تجارب عدالة انتقالية عديدة حول العالم.
ولضمان مشاركة أوسع، لا سيّما من جانب مجموعات الضحايا ومختلف مكوّنات المجتمع السوري، ينبغي على السلطات السورية الجديدة إنشاء آليات تشاورية شاملة تُشرك ضحايا الانتهاكات، والمنظمات النسوية، وممثلي الشباب، ومجتمعات الأقليات في العملية السياسية والانتقالية. كما ينبغي أن تضمن هذه السلطات حرية التعبير والتجمّع، بما يتيح للفاعلين المدنيين العمل دون خوف من الانتقام أو التضييق.
دور منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان
لعبت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان دوراً بارزاً في جمع وتوثيق الأدلة على الجرائم المرتكبة في كل من العراق وسوريا، إلى جانب دعمها في تعزيز القدرات لدى الشركاء الطبيين والقانونيين في البلدين. فعلى سبيل المثال، أكّدت المنظمة أن نظام صدام حسين استخدم أسلحة كيميائية – منها غاز الخردل وغاز الأعصاب السارين – ضد السكان الكُرد في أواخر الثمانينيات. وقد قام علماء ومحققو المنظمة بجمع عينات من التربة في إقليم كردستان، وشاركوا في عمليات نبش المقابر الجماعية، وتحديد هويات الضحايا، وتقدير الأسباب المرجحة لوفاتهم. وقد استُخدمت هذه الأدلة لاحقاً أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا في محاكمة صدام حسين ومعاونيه بتهمة الإبادة الجماعية ضد الكُرد، كما دعمت مطالبات التعويض المقدّمة من الضحايا.
أما في سوريا، فمنذ اندلاع النزاع في 2011، وثّقت المنظمة الهجمات على قطاع الرعاية الصحية، بما في ذلك الاعتداءات على المرافق الطبية والعاملين الصحيين. وبناءً على هذا العمل، أصدرت أطباء من أجل حقوق الإنسان عدداً من التقارير وجمعت كماً كبيراً من الأدلة على انتهاك حيادية المرافق الطبية. ويُفترض أن يشكّل هذا التوثيق مصدراً أساسياً لأي مبادرات أو برامج مستقبلية تتعلق بالمساءلة وجبر الضرر في سوريا.
خاتمة
ينبغي على المجتمع الدولي تقديم الدعم الفني والمالي لمساندة مسار العدالة الانتقالية في سوريا. ويمكن للدروس المستخلصة من العراق وسياقات أخرى ما بعد النزاع أن تشكّل مرجعاً مهماً في توجيه هذه الجهود.
تملك سوريا فرصة للاستفادة من الآليات والهيئات الدولية القائمة، القادرة على تقديم دعم حاسم، مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا، التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 2016، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، التي تأسست عام 2023. وتشكل البيانات التي جمعتها لجنة التحقيق الدولية – التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2011 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي أثناء النزاع – عنصراً أساسياً لأي برامج متعلقة بالمساءلة، أو كشف الحقيقة، أو الإصلاح، أو جبر الضرر. كما ينبغي أن تكون المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الهيئات الدولية على استعداد لتقديم مزيد من الدعم الفني، الذي لا يزال مطلوباً بشدة.
ورغم محدودية الموارد المالية في سوريا نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفه النزاع الطويل، إلا أن البلاد لا تفتقر إلى الكفاءات القادرة على تطوير وتنفيذ برامج العدالة الانتقالية. فقد برزت هذه الخبرات بوضوح في العديد من النقاشات والحوارات التي سبقت وتلت سقوط النظام السابق في كانون الأول (ديسمبر)، وشهد لها الدور الفاعل في تأسيس كل من الآلية الدولية المحايدة والمستقلة والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا. ما ينقص هذه الكفاءات اليوم، وليس لقصور في قدراتها، هو الخبرة التطبيقية في تصميم وتنفيذ مثل هذه البرامج. لذا، سيكون من المفيد لها بناء شراكات مع نظراء في المنطقة وخارجها ممن سبق لهم تطبيق برامج مماثلة، للاستفادة من خبراتهم في ما نجح، وما يجب تجنّبه، وما كان يمكن القيام به بشكل مختلف في ضوء التجربة.
ومن خلال الاستفادة من التجربة العراقية وتطبيق استراتيجية مدروسة للعدالة الانتقالية، يمكن لسوريا أن تتعامل مع مرحلة ما بعد النزاع بقدر أكبر من الفاعلية. وعلى الرغم من نية الولايات المتحدة ودول أخرى رفع أو تخفيف العقوبات الدولية، فإن على الحكومة السورية الجديدة اتخاذ خطوات ملموسة لتشجيع رفعها الكامل. ويجب أن تعالج هذه الخطوات الأسباب الجذرية للانقسام، وتعزز حوكمة شاملة تحترم حقوق جميع مكوّنات المجتمع السوري. فمثل هذه الجهود ضرورية لتحقيق سلام واستقرار دائمين داخل البلاد، والمساهمة في تعزيز أمن المنطقة بأكملها.
*عبد الرزاق الساعدي هو خبير في العدالة الانتقالية وسيادة القانون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويشغل حالياً منصب خبير فني لدى منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان
موقع الجمهورية
——————————–
حقائق صادمة عن مقبرة نجها.. كيف كان نظام الأسد يدفن ضحاياه؟
ربى خدام الجامع
في تحقيق استقصائي صادم، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أدلة دامغة على وجود واحدة من أضخم المقابر الجماعية في سوريا، تقع في منطقة نجها جنوبي العاصمة دمشق، والتي استخدمها نظام بشار الأسد على مدار سنوات الحرب لدفن آلاف الضحايا من المعتقلين والمعارضين، في سرية تامة وتحت إشراف أجهزة المخابرات.
استنادًا إلى شهادات مباشرة، وصور أقمار صناعية تم تحليلها، ووثائق حقوقية، يميط التحقيق اللثام عن منهجية مروعة في إخفاء الجثث داخل خنادق طويلة حفرت على مراحل بين عامي 2011 و2024، في مقبرة تحوّلت من موقع دفن عادي إلى “موقع دفن منهجي للقتل السياسي”. ومع سقوط النظام في كانون الأول الماضي، بدأ يتكشف حجم الكارثة، وسط جهود محلية ودولية لتحديد عدد المفقودين وانتشال الحقيقة من تحت الركام.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بملف المعتقلين والمفقودين في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
خلال الحرب السورية التي امتدت لثلاثة عشر عاماً ونيف، قتل نظام الأسد آلاف المدنيين لإخماد المعارضة، ودفن بعض الجثث في خنادق كتلك الموجودة في مقبرة نجها.
كان الخندق الذي يبلغ عمقه قرابة أربعة أمتار وطوله نحو 23 متراً يتسع لدفن مئات الجثث، بحسب ما ذكره من عملوا في السابق على حفر تلك القبور.
عند معاينة مراسل صحيفة نيويورك تايمز لأحد المقابر الجماعية بعد سقوط النظام في كانون الأول الماضي، كان أحد أطراف هذا القبر الجماعي قد ملئ بالتراب بصورة جزئية، ما يعني بأن دفعة جديدة من الجثث كانت قد دفنت منذ فترة قريبة في هذا القبر، بحسب ما شرحه حارس المقبرة.
كشف تحقيق أجرته الصحيفة عن أدلة تفيد بوجود عدة خنادق أخرى إلى جانب حفر للدفن في مقبرة نجها دفنت فيها جميعها جثث كثيرة بصورة ممنهجة على مدار سني الحرب.
تبعد مقبرة نجها عن جنوبي دمشق قرابة ثماني كيلومترات، وقد تأسست قبل عقود لتكون مقبرة متواضعة يقصدها سكان دمشق وضواحيها بغرض دفن من يتوفى من أقاربهم.
وبعد فترة قصيرة من القمع الذي مورس بحق الثورة السورية التي قامت في آذار 2011، بدأ نظام بشار الأسد يستعين بهذه المقبرة لدفن من قتلهم من الناس، ومعظم هؤلاء كانوا من الذين فارقوا الحياة بعد فترة اعتقال وتعذيب في سجون الأسد، إذ يتألف ضحايا النظام من متظاهرين خرجوا ضد الحكومة وناشطين وصحفيين، وموالين لم تعد لهم أي حظوة لدى النظام، ناهيك عن المقاتلين في فصائل الثوار.
وبما أن مسألة وجود مقابر جماعية في نهجا باتت معلومة معروفة للقاصي والداني، يكشف تحقيق الصحيفة وللمرة الأولى كيف طور النظام هذه المقبرة بطريقة منهجية لتتحول إلى أحد أكبر مواقع القبور الجماعية في البلد.
“أكبر المقابر الجماعية”
في البداية، كانت قوات المخابرات التابعة للأسد تستعين بقبور خاوية موجودة بالأصل لم تستولي عليها من بين قبور المدنيين، ثم بدأت تلك القوات تدفن الجثث في حفر أعدت بصورة بدائية، وخلال السنوات الأخيرة الماضية، امتلأت خنادق طويلة بالجثث، إلا أن عملية الملء أتت على مراحل.
زار فريق نيويورك تايمز مقبرة نجها في شهر شباط، أي بعد مرور شهرين على إطاحة الثوار بنظام الأسد.
كما حلل صحفيو نيويورك تايمز صوراً التقطت بالأقمار الصناعية خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2011-2024، وأجروا مراجعة للصور والفيديوهات، كما أجروا مقابلات مع أكثر من عشرين شخصاً، كان بينهم جيران سكنوا بجانب المقبرة وأشخاص عملوا في السابق فيها وأجبروا على المشاركة بعمليات الدفن الجماعية في نجها. وتتطابق كل تلك السرديات مع بعضها وكذلك مع ما أوردته منظمات حقوقية من أنباء حول مقبرة نجها وغيرها من المقابر الجماعية.
هنالك مساع حثيثة اليوم لتحديد موقع العشرات من القبور الجماعية الموجودة في مناطق مختلفة من سوريا، وقد جرى تحديد موقع نجها قبل سقوط نظام الأسد، كما أُبلغت منظمة الدفاع المدني السورية عن وجود ما لا يقل عن 60 مقبرة جماعية، بما أن هذه المنظمة تترأس الجهود التي تعمل على الكشف عن تلك القبور.
ظل نظام الأسد ينكر قتله للناس في المعتقل، على الرغم من توثيق تلك الممارسة بشكل كبير، بيد أن العدد الحقيقي للجثث التي دفنت بمقابر جماعية، كتلك الموجودة في نجها، لا يمكن أن يعرف إلا بعد انتهاء عمليات الحفر، وتقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد من ظلوا في عداد المفقودين بعد احتجازهم في سجون النظام بأكثر من 160 ألفاً.
تعلق على ذلك كاثرين بومبيرغر من اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين فتقول: “إن المقابر الجماعية التي شاهدناها حتى الآن أكبر من أي مقبرة رأيناها قبلاً”.
المرحلة الأولى: تجميع الجثث في قبور موجودة بالأصل
الفترة: ما بين 2011-2012
بدأ نظام الأسد بدفن جثث المعتقلين بنجها في أواسط عام 2011، وذلك بحسب ما ذكره أشخاص سبق أن عملوا في حفر القبور هناك.
استخدمت مواقع مخصصة للناس حتى يدفنوا فيها أقاربهم كمقابر جماعية في بداية الأمر، واشتملت على أرتال لقبور معدة سلفاً لهذا الغرض، يبلغ عمقها بضعة أمتار.
فرشت أرضية المقبرة بآلاف العلامات الخراسانية التي تشير إلى مواقع القبور الخاوية.
وتحت كل علامة هنالك قبر مخصص لشخص واحد، وكان هذا القبر يفتح في الظروف العادية لدفن شخص واحد، ثم يردم بعد ذلك، وتستبدل العلامة الموجودة فوقه بشاهدة قبر.
غير أن من عملوا في السابق بمقبرة نجها ذكروا بأن ضباط النظام كانوا يدفنون جثثاً كثيرة في قبر واحد من تلك القبور، إذ عبر الاستعانة بتلك المواقع الموجودة بالأصل، تمكن النظام من المحافظة على سرية أكبر لمواقع الدفن الجماعية خلال مراحلها الأولى.
يخبرنا محمد عفيف نايفة الذي عمل موظفاً في مكتب المشرحة بالمنطقة، بأن مديره طلب منه أول الأمر مرافقة مسؤولي المخابرات إلى نجها وذلك في أواسط عام 2011، وهناك شاهدهم وهم يفتحون قبراً بلا علامة ويدفنون فيه ست جثث أو سبعاً. ثم تكررت العملية مرتين على الأقل في عام 2011 حسبما ذكر هذا الرجل، ومع كل مرة كان عدد الجثث يزداد.
يعلق نايفة على ذلك بقوله: “كانت هنالك جثث متحللة كثيرة أخذوا يسقطونها من شاحنة”، ولقد أجبر هذا الرجل أخيراً على إدارة بعض مراحل عمليات الدفن، فاكتشف بأن الجثث التي لم تتحلل بعد كانت تظهر عليها آثار تعذيب.
تؤكد صور الأقمار الصناعية التي حللها الصحفيون وجود مؤشرات لقيام أنشطة عند تلك القبور الجماعية، حيث تم تغيير معالم التربة، ومرت فوقها مركبات ضخمة، مع انتشار عمليات الحفر والردم في تلك المنطقة التي تحدث عنها نايفة.
“نظام لا يرحم”
في إحدى الصور التي تعود لأواخر عام 2011 يظهر قسمان من المقبرة، أحدهما يشتمل على قبور تحمل شواهد، حيث كان السوريون يدفنون أقاربهم، والآخر يشتمل على قبور خاوية استولى عليها النظام ليحولها إلى مقابر جماعية.
في القسم الذي يحتوي على قبور خاوية، رأى الشهود قوات المخابرات وهم يدفنون الجثث، كما شوهدت الأجزاء التي حفرت من التربة.
وفي أواسط عام 2012، توسعت منطقة الحفر، إذ شوهدت مركبات ضخمة، تشبه تلك التي وصفها الشهود، وهي تحمل الجثث.
اقرأ أيضاً
رفات تعود لحوالي 30 شخصاً.. اكتشاف مقبرة جماعية في قرية الطليسية بريف حماة (مواقع التواصل)
رفات تعود لقرابة 30 شخصاً.. اكتشاف مقبرة جماعية في قرية الطليسية بريف حماة
تظهر صورة التقطت بالأقمار الصناعية بعد ذلك ببضعة أشهر وجود حفارة بالقرب من منطقة أوسع جرى حفرها.
كانت الجثث تصل إلى نجها وسواها من المقابر الجماعية من السجون التي تمارس فيها عمليات تعذيب، وعلى رأسها سجن صيدنايا، وكذلك من المشافي العسكرية، كمشفى تشرين وحرستا، وذلك بحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية، بينها تقرير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا.
تحدثت الصحيفة إلى شخص عمل في السابق سائقاً لدى نظام الأسد، فذكر بأنه نقل بالشاحنة التي كان يقودها أكواماً من الجثث من المشفى العسكري بحرستا إلى المقابر الجماعية، كما شاهد بأم عينه عمليات الدفن في نجها، وعلق على ذلك بقوله: “فكرت بالرحيل، إلا أن ذلك كان سيعرض أسرتي للخطر” وقد تحدث هذا السائق للصحيفة شريطة عدم ذكر اسمه خوفاً من عواقب التصريح عن هذا الأمر، ثم تابع قائلاً: “كان يتعين على كل سائق شاحنة إتباع الأوامر”، لأن نظام الأسد “لا يرحم” على حد وصفه.
المرحلة الثانية: الدفن في حفر عميقة مع ارتفاع وتيرة القتل
الفترة: خلال عام 2012
بحلول عام 2012، أي بعد مرور عام على بدء الحرب، بدأت وتيرة القتل الذي مارسه نظام الأسد بالارتفاع لمستويات كبيرة، ومع مقتل عدد كبير من المعتقلين، زاد النظام من عمليات الدفن الجماعية في نجها.
وبدلاً من الاستعانة بالقبور الموجودة بالأصل، أجبرت قوات المخابرات العاملين في بلدية المنطقة على حفر حفر، بلغ عمق بعضها ثلاثة أمتار تقريباً، ومن بينهم كان راغب تركي مهزة ويوسف عبيد بما أنهما كانا وقتئذ يعملان كسائقين للآليات الثقيلة لدى محافظة دمشق.
ذكر هذان السائقان بأن ضباط المخابرات أمروا العاملين بملء الحفر بمئات الجثث التي وصلت على متن شاحنات تبريد يبلغ طول كل منها 15 متراً، وتستخدم في الأحوال العادية لنقل المنتجات التي تحتاج إلى تبريد.
وفي المنطقة نفسها التي ذكر كل من راغب ويوسف بأنهما حفراها بواسطة جرافات، عثرت الصحيفة على أدلة تبثت وجود حفر عميقة، أبعاد معظمها مساوية لما وصفه راغب.
كما أن الحفر التي ظهرت في صور التقطت عبر الأقمار الصناعية في صيف عام 2012، هي الحفر نفسها التي ذكر يوسف وغيره من الشهود بأنهم رأوا الجثث وهي تدفن فيها.
“اكبسهم يا أما بحطك معهم”
بعد مرور شهر على ذلك، ردمت بعض تلك الحفر، في حين أقيمت حفر جديدة أخرى، ولوحظ النهج نفسه على مدار بضعة أشهر.
كانت عمليات الدفن في نجها تتم في ساعات الصباح الباكر، أو في الليل، بحسب ما ذكره من عملوا في المقبرة سابقاً، إذ كانت قوات النظام تخلي المنطقة من الناس وتحرس مدخل المقبرة. كما كان المسؤولون يصادرون هواتف العاملين في المقبرة ويهددون بقتلهم في حال رفضوا الانصياع للأوامر.
ذكر راغب، 47 عاماً، بأن الحفرة فاضت بالجثث في إحدى المرات، فما كان من الضابط إلا أن صاح بسائق الجرافة قائلاً: “اكبسهم يا أما بحطك معهم”.
ذكر أيمن محمد خليل، وهو أحد حراس الجزء الذي يستخدمه المدنيون في نجها لدفن أقاربهم، بأنه لاحظ في بعض الأحيان وجود آثار لتراب جديد جرى تجريفه في الصباح، وفي ذلك ما يدل على حدوث عملية حفر منذ فترة قريبة. لكن لم يسمح له بالاقتراب من القبور الجماعية في أثناء وجود قوات النظام هناك.
يعلق خليل على ذلك بالقول: “كنا نحشى القدوم إلى هنا”، على الرغم من أنه عمل في نجها لمدة عقدين من الزمان تقريباً، ويعتقد بأن بعض أصدقائه وأقاربه المفقودين قد دفنوا هنا، ويتابع بالقول: “كانوا على استعداد لأخذ أي شخص يقف هنا”.
ذكر الأهالي الذين يعيشون بالقرب من نجها بأنهم كانوا يعرفون بأمر القبور الجماعية لكنهم التزموا الصمت لمدة تجاوزت العقد خوفاً من العقوبة.
يخبرنا فلاح الزعل، 52 عاماً، وهو شخص يطل بيته على المقابر في نجها مباشرة، بأنه خسر أكثر من عشرين شخصاً من أقاربه على يد نظام الأسد، ويظن بأن بعضهم دفنوا في نجها، لكنه لم يتفوه بأي كلمة عما رآه، ولهذا يقول: “إن الخوف أشبه بذلك الذي يداهمك وأنت على شفا الموت”.
المرحلة الثالثة: رمي الجثث في خنادق عميقة خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام
الفترة: ما بين عامي 2018-2024
تراجع نشاط حفر القبور الجماعية بمقبرة نجها لفترة من الزمن خلال عام 2013، وذلك بسبب تقدم الثوار في المنطقة، وهذا ما قطع على النظام عمليات الدفن هناك.
ومع انحسار قدرة النظام على الوصول إلى نجها، نقل النظام خلال ذلك العام عمليات الدفن إلى موقع كبير آخر للمدافن الجماعية في منطقة القطيفة، وهي مدينة تبعد عن شمالي دمشق قرابة 32 كيلومتراً. ويخبرنا راغب الذي عمل في نجها والقطيفة بأنه حفر هو وآخرين خنادق طويلة وضيقة في القطيفة.
ثم استعاد النظام السيطرة على المنطقة القريبة من مقبرة نجها في عام 2014، غير أن الصحيفة لم تتمكن من التحقق من حدوث أي نشاط في نجها من خلال صور الأقمار الصناعية إلا بعد مرور سنوات، مع أن الأهالي ذكروا بأنهم كانوا يرون شاحنات تصل إلى المقبرة خلال تلك الفترة.
يخبرنا محمد علي الصالح، 48 عاماً، وهو فلاح نزح من نجها ثم عاد إلى بيته القريب منها في عام 2014، فيقول: “كنت مرعوباً، فقد كنا نرى شاحنات تبريد، لكننا لم نستطع الاقتراب، لأنهم سوف يقتلوننا”.
منذ بدء ظهورها في عام 2018،، بدأت الخنادق الطويلة التي تشبه تلك الخنادق التي حفرت في القطيفة، تظهر في صور الأقمار الصناعية التي حللتها الصحيفة، غير أن هذه الخنادق كانت أطول من الحفر التي أعدت بشكل بدائي قبل سنوات، ما يعني أن عمليات الحفر والدفن في نجها أصبحت ممنهجة بصورة أكبر. وفي أواخر عام 2018، ظهر خندق طوله نحو 45 متراً بالقرب من إحدى آليات الحفر. أما في أواسط عام 2019، لوحظ وجود خندقين يتجاوز طول كل منهما 91 متراً. وبعد عام على ذلك، ظهر أحدهما وقد ردم، وقد ظهر هذا الخندق للمرة الأولى في بداية عام 2022، وحفرت توسعة جديدة له بعد ردم المنطقة السابقة، واستمر الحال على المنوال ذاته لمدة سنة ونصف.
وظهر الخندق الأخير الذي حفره النظام في صور الأقمار الصناعية للمرة الأولى في صيف عام 2024، أي قبل أشهر من سقوط النظام.
بدت الخنادق وكأنها قد جهزت قبل أشهر من استخدامها، إذ كان الحفارون يحفرون على عمق عشرات الأمتار، وذلك حتى لا يحفروا الموقع ذاته عدة مرات.
لم تتمكن الصحيفة من إجراء مقابلة مع أي شخص عمل بشكل مباشر على إعداد تلك الخنادق في نجها، إلا أن الحارس الذي عمل في نجها لفترة طويلة، واسمه عبد العزيز، ويكنى بأبي جهاد، ذكر بأنه شاهد شاحنات كبيرة وصغيرة تصل إلى المقبرة خلال الفترة الممتدة ما بين 2018-2020، وفي عام 2020، ذكر عبد العزيز بأنه شاهد هو وشقيقه أجزاء مكشوفة من الجثث الموضوعة في أحد الخنادق، فشك بوقوع عملية دفن جماعي.
كما ذكر يونس عدنان، وهو فلاح يعيش بالقرب من المقبرة، بأنه شاهد لأول مرة حفارات وشاحنات تصل إلى نجها في عام 2011، وظل يراها وهي تصل إلى هناك حتى عام 2024، ويعلق على ذلك بقوله: “كنا نرى بين الفينة والفينة حفارة تأتي من بعيد، لكننا لم نجرؤ على الاقتراب”، ويظن هذا الرجل بأن شقيقه مدفون في أحد المقابر الجماعية، ويتابع بالقول: “كنا ندرك بأن شيئاً غير طبيعي يحصل عندما تصل الحفارة”.
المصدر: The New York Times
تلفزيون سوريا
————————
العدالة بعد الثورة.. لماذا نحتاج إلى محكمة وطنية في سوريا؟/ أحمد زكريا
2025.07.06
بعد سقوط نظام الأسد وانتصار الثورة السورية، يواجه الشعب السوري تحديات هائلة في إعادة بناء دولة تحكمها القوانين وتسودها العدالة.
لقد خلّفت سنوات الصراع الطويلة، منذ اندلاع الثورة عام 2011، جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي السوري، مع ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تركت مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين قسراً.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء محكمة وطنية خاصة تهدف إلى محاكمة مرتكبي هذه الجرائم، ليس فقط لتحقيق العدالة، بل لإعادة بناء الثقة في المؤسسات وترسيخ مبدأ السلم الأهلي.
إن إقامة محكمة وطنية ليست مجرد آلية قضائية، بل هي خطوة أساسية ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي يسعى إلى معالجة إرث العنف والانقسامات، وإحقاق حقوق الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات، وفي هذا السياق، تستلهم هذه المقالة تجارب دول أخرى، وتستعرض أهمية المحكمة الوطنية، وآليات إنشائها، ودورها في بناء سوريا الجديدة.
تهدف المحكمة الوطنية إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد المساءلة القضائية:
تحقيق العدالة وإحقاق حقوق الضحايا: توفير منصة قضائية عادلة وشفافة تمكّن الضحايا من رؤية مرتكبي الجرائم في قفص الاتهام، مع ضمان محاكمات علنية تلبي المعايير الدولية.
إعادة بناء النسيج الاجتماعي: من خلال محاكمات عادلة، تسهم المحكمة في تجاوز الانقسامات الاجتماعية والطائفية التي غذّاها النظام السابق، وتمنع الانتقام أو العدالة الذاتية.
ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب: إن مساءلة مرتكبي الجرائم الكبرى، سواء كانوا من النظام السابق أو غيرهم، هي رسالة واضحة بأن الجرائم ضد الإنسانية لن تمر من دون عقاب.
بناء الثقة في المؤسسات الجديدة: من خلال إظهار استقلالية القضاء وحياديته، تسهم المحكمة في تعزيز ثقة الشعب السوري بالدولة الجديدة.
التوثيق التاريخي: توفر المحاكمات سجلاً رسمياً للانتهاكات، مما يساعد في حفظ الذاكرة الجماعية ومنع تكرار الجرائم في المستقبل.
إن إنشاء محكمة وطنية يتطلب تخطيطاً دقيقاً يضمن استقلاليتها ومصداقيتها. فيما يلي الخطوات الرئيسية لتأسيسها:
قرار من السلطة الانتقالية: يجب أن تصدر السلطة الانتقالية قراراً رسمياً بإنشاء المحكمة، مع وضع إطار قانوني واضح يحدد اختصاصاتها وهيكليتها.
سن قانون خاص: ينبغي صياغة قانون ينظم عمل المحكمة، يتضمن تعريف الجرائم المشمولة (مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية)، ويحدد إجراءات المحاكمة، وحماية الشهود، ومشاركة الضحايا.
تشكيل المحكمة: يجب أن تتألف المحكمة من قضاة سوريين يتمتعون بالنزاهة والكفاءة، يتم اختيارهم عبر آليات شفافة وتنافسية، ويمكن أيضاً الاستعانة بخبراء دوليين لتقديم الدعم الفني والتدريب، مع الحفاظ على الطابع الوطني للمحكمة.
ضمان الاستقلالية: يجب أن تكون المحكمة مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية أو أي تأثيرات سياسية، لضمان نزاهة أحكامها ومصداقيتها.
حماية الشهود والضحايا: ينبغي وضع برامج لحماية الشهود والضحايا، بما في ذلك حماية هوياتهم وتوفير بيئة آمنة للإدلاء بشهاداتهم، ويمكن لسوريا الاستفادة من تجارب دول أخرى مرت بمراحل انتقالية مشابهة، على سبيل المثال:
سيراليون: أنشأت سيراليون محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب خلال الحرب الأهلية (1991-2002)، وتميزت هذه المحكمة بمزيج من القضاة المحليين والدوليين، مما عزز مصداقيتها وسمح بتطبيق معايير دولية مع الحفاظ على الطابع الوطني.
كمبوديا: شهدت كمبوديا إنشاء غرف استثنائية في المحاكم الوطنية لمحاكمة قادة الخمير الحمر المسؤولين عن الإبادة الجماعية، إذ أسهمت هذه التجربة في إعادة بناء الثقة في النظام القضائي.
غواتيمالا: نجحت جمعيات المجتمع المدني في غواتيمالا في محاكمة الديكتاتور خوسيه إفراين ريوس مونت بتهمة الإبادة الجماعية ضد سكان المايا الأصليين، مما يبرز دور المجتمع المدني في دعم العدالة الانتقالية.
هذه التجارب تظهر أن الجمع بين الطابع الوطني والدعم الدولي يمكن أن يعزز فعالية المحاكم الخاصة ومصداقيتها، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
تشكل المحكمة الوطنية جزءاً من مسار أوسع للعدالة الانتقالية، يتضمن عدة مكونات مترابطة:
هيئة الحقيقة والمصالحة: تهدف إلى توثيق الانتهاكات، وتمكين الضحايا من سرد قصصهم، وتعزيز المصالحة الوطنية.
برامج جبر الضرر: تشمل تعويضات مادية ومعنوية للضحايا، مثل إعادة تأهيل المعتقلين والمفقودين قسرياً، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
إصلاح المؤسسات: يتطلب إصلاح القضاء وأجهزة الأمن لضمان عدم تكرار الانتهاكات، من خلال وضع معايير مهنية وتدريب الكوادر.
تشريعات وطنية: يجب أن تتضمن النصوص الدستورية والقوانين الوطنية أحكاماً تجرّم الجرائم الكبرى، مع التأكيد على مبادئ مثل عدم سقوط الجرائم بالتقادم، ومنع العفو عن مرتكبي الجرائم الجسيمة، ورفع الحصانات عنهم.
يستند إنشاء المحكمة الوطنية إلى مبادئ القانون الدولي، التي تؤكد أن الاختصاص الأساسي في محاكمة الجرائم الكبرى (مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية) يقع على عاتق القضاء الوطني، ومع ذلك، يمكن اللجوء إلى المحاكم الدولية أو الوطنية الأجنبية في حالات استثنائية، مثل عجز القضاء الوطني عن النظر في هذه القضايا بسبب انهيار النظام القضائي أو غياب الاستقلالية.
في حالة سوريا، التي لم توقّع على معاهدة روما ولم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، تصبح المحاكم الوطنية خط الدفاع الأول لتحقيق العدالة، إذ يجب أن تتضمن التشريعات الوطنية أحكاماً واضحة تتوافق مع المعايير الدولية، مثل: تجريم الجرائم الكبرى وفق التعريفات الواردة في القانون الدولي، ضمان عدم سقوط هذه الجرائم بالتقادم، منع إصدار أوامر عفو عن مرتكبي الجرائم الجسيمة، رفع الحصانات عن المسؤولين المتورطين في الجرائم.
تواجه سوريا تحديات كبيرة في إنشاء محكمة وطنية، منها ضعف البنية التحتية القضائية، ونقص الكوادر المؤهلة، والانقسامات الاجتماعية.
وللتغلب على هذه التحديات، يوصى بما يلي:
إصلاح القضاء والأمن: يجب أن تعمل الحكومة الانتقالية على إصلاح المؤسسات القضائية والأمنية كخطوة أولية، لضمان نزاهة المحكمة واستقلاليتها.
إشراك المجتمع المدني: يمكن للجمعيات المدنية السورية أن تلعب دوراً محورياً في توثيق الانتهاكات، ودعم الضحايا، والضغط من أجل محاكمات عادلة.
الاستفادة من الدعم الدولي: يمكن الاستعانة بخبراء دوليين لتدريب القضاة وصياغة التشريعات، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
ضمان الشفافية: يجب أن تكون المحاكمات علنية، مع توفير تغطية إعلامية مستقلة، لتعزيز ثقة الجمهور في العملية القضائية.
معالجة قضية العقوبات: في حين ترفض المحكمة الجنائية الدولية عقوبة الإعدام، فإن تطبيق القصاص العادل المنصوص عليه في القرآن الكريم قد يكون مطلباً شعبياً في سوريا، وينبغي للسلطة الانتقالية دراسة هذا الأمر بعناية لتحقيق التوازن بين المطالب الشعبية والمعايير الدولية.
إن إنشاء محكمة وطنية في سوريا ليس مجرد ضرورة قضائية، بل هو ركيزة أساسية لبناء دولة القانون والسلم الأهلي. من خلال محاكمات عادلة وشفافة، يمكن للمحكمة أن تمنح الضحايا حقوقهم، وتعيد الاعتبار لهم، وتمنع تكرار الجرائم.
إن نجاح هذه المحكمة يعتمد على استقلاليتها، ونزاهة قضاتها، ودعم المجتمع المدني والدولي. في نهاية المطاف، فإن تحقيق العدالة الانتقالية هو الطريق الوحيد لضمان أن تكون سوريا الجديدة دولة تحترم كرامة مواطنيها وتحمي حقوقهم، بعيداً عن إرث العنف والظلم.
العدالة ليست فقط محاكمة الجناة، بل هي أيضاً عملية إعادة بناء العلاقات الاجتماعية التي تهالكت بسبب العنف والظلم. هنا تلعب المحكمة الوطنية دوراً مهماً في كشف الحقيقة وإعادة الكرامة للضحايا ومنع الإفلات من العقاب، أي أن للمحكمة الوطنية دور في إعادة الإعمار المجتمعي.
إن إنشاء محكمة وطنية في سوريا بعد الثورة ليس مجرد خيار قانوني، بل هو خطوة استراتيجية ووطنية تهدف إلى استعادة الحق العام، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة، ومن دون محاسبة واضحة وعادلة، ستبقى الجراح مفتوحة، وسيبقى المجتمع السوري معرضاً للانقسامات والصراعات المستمرة.
ولذلك، فإن المطالبة بمحكمة وطنية تختص بمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة، لا تتعارض مع مشروعية الثورة ولا مع مصلحة الوطن، بل هي جزء لا يتجزأ منه، وهي ضمانة لمستقبل لا يعيد إنتاج الظلم والاستبداد.
تلفزيون سوريا
——————————-
العدالة ليست ترفًا.. حقوقيون: الإفلات من العقاب يهدم السلم الأهلي/ بتول الحكيم
2 يوليو 2025
“لا تزال أصفادهم في معصمي”، بهذه الكلمات القاتمة بدأت المعتقلة السابقة إيمان ظريفي حديثها لـ “الترا سوريا” حين سؤالها عما تبقى في ذاكرتها عن تجربة الاعتقال، مضيفة: “مهما توالت الأيام سيبقى كابوس المعتقل يخيم على ذاكرتي، ولا زلت أشعر بشبح السجان يلف المكان من حولي”.
وأردفت ظريفي، المتطوعة في حملات المناصرة ودعم الناجيات، قائلة: “نريد تحقيق العدالة”.
وماذا تعني لك “العدالة”؟
قالت: “أن أرى المجرمين خلف القضبان، أن أحاكي أرواح مغيبينا وأقول لهم أنتم الآن في أمان”.
تقول ظريفي وهي تغالب دموعها: “لا يمكن وصف تجربة الاعتقال بكلمة، فتلك المشاعر تعجز كل القواميس عن اختزالها.. الخلاص الحقيقي لسوريا بتحقيق العدالة، وحق الضحايا أن يكبل جلادوهم ويكونوا حبيسي الزنازين، فآثار الدماء التي لا تزال على حيطان المعتقلات ستكتب تاريخ إجرام لا يمكن نسيانه ما حيينا”.
العدالة أولًا
يعتبر تحميل الأفراد مسؤولية “الذنب الجمعي” تبعًا لانتمائهم لفئة أو جماعة معينة أولى خطوات تعزيز الطائفية والمغذي الأكبر لخطاب الكراهية، إذ إن الشعور بالذنب القسري لدى أفراد طائفة معينة هو بديل مجحف وغير محق لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومن شأنه أن ينعكس سلبًا على بناء السلم الأهلي.
وقد تدفع مثل هذه السلوكيات بعض المنتمين لفئة معينة لتبرئة أنفسهم عبر تقديم الاعتذار العلني أو التبرؤ من أفعال البعض، كشكل من أشكال إظهار حسن النوايا وتجنب المواقف المعادية لهم، وذلك تبعًا للخطاب الذي يسيطر على المناخ العام، ما يؤدي لتكريس مفاهيم مغلوطة حول المسؤولية الجماعية، وخلق مظلوميات جديدة قد يعاني منها أفراد ليسوا على صلة بارتكاب الانتهاكات وجرائم الحرب، الأمر الذي يجعل من إنشاء هوية وطنية تقوم على المواطنة أمرًا صعبًا في ظل هذه التحديات.
وهنا يبرز دور تحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب دون النظر لانتماءاتهم، وضمان جبر الضرر للضحايا، لاستعادة توازنات المجتمع والبدء من أرضية خصبة تصلح لبناء الهوية الوطنية.
ويشكل تأخير تحقيق العدالة الانتقالية مخاطر عدة على بناء الدولة، لأن الإفلات من العقاب لا يضمن عدم تكرار الانتهاكات بالدرجة الأولى، ولأن الضحايا في حال عدم تحقيق العدالة لا يمكنهم التعايش مع مستقبلهم، ما يجعل من تجاوز المحاسبة أداة لهدم السلم الأهلي.
ماهي العدالة الانتقالية؟
وحول مصطلح العدالة الانتقالية الأكثر تداولًا اليوم في الشأن السوري، تقول الحقوقية زهراء عمر لـ “الترا سوريا” إن العدالة الانتقالية هي مجموعة من الإجراءات القضائية وغير القضائية التي تُطبق في المجتمعات الخارجة من الصراع أو الحكم الاستبدادي، بهدف تحقيق العدالة وكشف الحقيقة، محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر ضرر الضحايا، والمساهمة في إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس من احترام الحقوق وسيادة القانون، وتشمل:
ـ المحاكمات الجنائية (المساءلة القانونية)
ـ لجان الحقيقة
ـ برامج جبر الضرر (تعويضات مادية أو رمزية).
ـ الإصلاح المؤسسي (كالشرطة والقضاء).
ـ إحياء الذاكرة المجتمعية.
ويتمثل هدف العدالة الانتقالية، وفقًا لزهراء عمر، في محاسبة الجناة ومنع الإفلات من العقاب، وجبر ضرر الضحايا ماديًا ومعنويًا، وكشف الحقيقة لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة ودولة القانون، ودعم السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية.
وتعتبر زهراء عمر تفعيل دور الضحايا الأداة الأهم في عملية العدالة الانتقالية من خلال إشراكهم في صنع السياسات، عن طريق إنشاء لجان وطنية تضم ممثلين عن الضحايا أو الضحايا ذاتهم بعد تقديم الدعم المعنوي والمادي والنفسي والمجتمعي بهدف تصميم آليات العدالة، ودعوة الناجين وذوي المفقودين لجلسات الاستماع العامة. وبالتالي هي عملية طويلة الأمد ولا يمكن أن تُنجز في فترة قصيرة.
وأشارت الحقوقية إلى ضرورة إنشاء منصات توثيق يقودها الضحايا لتوثيق رواياتهم، وتقديم برامج دعم نفسي واجتماعي لسد الفجوة بين أفراد المجتمع، بالإضافة لجبر الضرر من خلال تقديم تعويضات مالية، وإعادة الاعتبار عبر الاعتراف الرسمي بما جرى.
وأكدت على وجوب إدراج شهادات وتجارب الضحايا ضمن المناهج الدراسية، كأداة من أدوات العدالة الانتقالية، بالإضافة لإشراك الضحايا وذويهم بالمحاسبة القضائية وغير القضائية، والتوعية بالقوانين المتعلقة بالعدالة، مشيرة إلى دور الحملات الإعلامية في هذا السياق.
دور الحكومة في تحقيق العدالة الانتقالية
ووفقا لزهراء عمر يجب على الحكومة أن تثبت جديتها في تحقيق العدالة، من خلال الدستور وإشراك الضحايا، ومن ثم تجسيد إرادتهم بالقوانين والإجراءات الناظمة للوصول لذلك.
وأضافت أن تجهيز القضاء ومؤسسات الدولة لقيادة عملية العدالة الانتقالية هو ضرورة ملحة لتطبيق القوانين وفقًا للادعاءات وشهادة المتضررين وحتى آليات الصفح عن المجرمين والمصالحات، ويتطلب ذلك أيضًا خطوات تمهيدية تتمثل في إنشاء لجان لكشف الحقائق والمصالحة، وتفعيل دور الحوار المجتمعي بين أطياف المجتمع لتحقيق أبجديات السلم الأهلي.
فخ المصالحة المجانية
يجب تفعيل مسار العدالة الانتقالية، بكافة أركانه، لكي لا نعيد استجرار تجارب لجان المصالحة في بعض البلدان، حيث تم الاشتراط بعدم تسمية المسؤولين عن ارتكاب الجرائم، الأمر الذي لا يضمن عدم تكرار هذه الجرائم، ذلك أن تسمية الفاعل ومحاسبته وإقراره بالجريمة واعتذاره وطلب المسامحة.. أمور لا بد منها، ويعد التغاضي عنها انتقاصًا من العدالة الانتقالية والتفافًا عليها.
العزل السياسي والمجتمعي
كما ينبغي تفعيل قنوات لمحاسبة المروجين لروايات تدافع عن النظام المستبد السابق ومرتكبي جرائم الحرب، أو تنفي جرائمهم، ويجب تفعيل العزل السياسي والإعلامي لمرتكبي هذه الممارسات المضللة، باعتبارها مساسًا بحقوق الضحايا واستهانة بمشاعر ذويهم.
الترا سوريا
—————————-
تجارب ماليزيا وكندا وسويسرا: نماذج تحتذى لبناء هوية وطنية جامعة في سوريا/ معاذ الحمد
هوية وطنية جامعة في سوريا: دروس من كندا وسويسرا وماليزيا لإدارة التنوع وبناء دولة جديدة
2025-07-06
في خضم الجهود التي تبذلها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع لإعادة بناء الدولة بعد أكثر من عقد من الحرب السورية التي بدأت عام 2011، تبرز مسألة “الهوية الوطنية الجامعة” كأحد أبرز التحديات والاستحقاقات السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تلفت تجارب دول مثل ماليزيا وكندا وسويسرا الأنظار كنماذج ناجحة في إدارة التنوع وتحويله إلى مصدر قوة واستقرار.
الاعتراف الدستوري بالتعددية: نقطة الانطلاق
تشير هذه النماذج إلى أن الخطوة الأولى نحو بناء هوية وطنية متماسكة تمر عبر الاعتراف الدستوري بالتنوع الثقافي واللغوي والديني، وهو ما يمكن أن يشكل أساساً صلباً لصياغة عقد اجتماعي جديد في سوريا.
ففي كندا، أدرجت التعددية الثقافية في الدستور عام 1982، بينما تبنّت ماليزيا بعد اضطرابات 1969 سياسة “الرخاء المشترك” التي رفعت مشاركة الماليزيين الأصليين في الاقتصاد من 2.4% إلى أكثر من 19% بحلول عام 1990.
أما سويسرا، فاعتمدت منذ عام 1848 نظامًا فيدراليًا يضم 26 كانتونًا ويتمتع بصلاحيات واسعة، ويعترف بأربع لغات رسمية.
ويُعلّق الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية طارق عجيب، في تصريحات لـ”963+”، بأن بناء الهوية الوطنية في سوريا لا يمكن أن يقوم على أسس فئوية أو مرجعيات عقائدية، مؤكدًا أن “الهوية الوطنية تعني المواطنة الكاملة لكافة أفراد الشعب دون تمييز ديني أو عرقي أو مذهبي”، محذراً من تكرار تجارب الحكم الأمني أو الشعارات التي تفتقر إلى إرادة تنفيذ فعلية.
نماذج تعليمية وثقافية لترسيخ التسامح
في كل من كندا وماليزيا، لعبت السياسات التعليمية والثقافية دوراً محورياً في نشر قيم التسامح وتعزيز التعايش. ففي ماليزيا، يتم الاحتفاء بالتعددية من خلال تقاليد مثل “البيوت المفتوحة” التي تسمح لجميع المكونات بالاحتفال بأعيادها ضمن سياق وطني موحد، إلى جانب تبني نظم تعليمية واقتصادية شاملة. أما كندا، فقد اعتمدت مناهج تعليمية تشجّع على تقبّل الآخر والمشاركة المجتمعية، مع مؤسسات مثل ميثاق الحقوق والشرطة الملكية التي كرّست المواطنة كمفهوم جامع لا يستند إلى العرق أو الدين.
في هذا السياق، يرى الأكاديمي السوري المقيم في فرنسا، فايز نايف القنطار، أن إعادة بناء الهوية الوطنية تمر حصريًا عبر تأسيس دولة المواطنة والمساواة والحريات، مؤكداً لـ”963+” أن النظام السابق كرّس الطائفية كأداة حكم، مما أدى إلى “تمزيق المجتمع وضرب أسس الهوية الوطنية”، داعياً إلى إطلاق مشروع سياسي ديموقراطي يعترف بالتعدد ويكفل الحريات كشرط مسبق للتعافي الوطني.
فيدرالية مرنة تحمي الخصوصيات
النظام الفيدرالي كان أحد أبرز أدوات إدارة التعدد في كل من كندا وسويسرا، حيث ساعد في احتواء الهويات الإقليمية دون تهديد لوحدة الدولة. فحالة كيبيك في كندا وسعيها المستمر للاستقلال واجهها النظام السياسي بسياسات احتواء واعتراف ثقافي ولغوي، لا بالقمع. وفي سويسرا، سمح النظام الفيدرالي والديمقراطية التوافقية بتقاسم السلطة واحترام الفروقات، ما أرسى استقرارًا طويل الأمد.
لكن عجيب يحذّر من الطرح المتعجل لهذه النماذج في الحالة السورية، ويصفها بـ”الطوباوية والعاطفية”، معتبراً أن الفيدرالية قد تكون مقبولة فقط إذا صيغت بدستور ضامن يمنع التقسيم ويكرّس المواطنة في كل الأقاليم. من جهته، يرفض القنطار فكرة الفيدرالية.
ويرى فيها مقدّمة لتفتيت الدولة، داعياً إلى “نظام مركزي مرن” يتيح صلاحيات للإدارات المحلية دون المساس بوحدة التراب السوري.
الهوية الرقمية: جسر الثقة مع الدولة
من الابتكارات الملفتة التي يمكن لسوريا الاستفادة منها، تجربة ماليزيا في اعتماد نظام الهوية الرقمية الموحد (NDID)، الذي سهّل الوصول إلى الخدمات الحكومية وبنى الثقة بين المواطن والدولة، في وقت تحتاج فيه سوريا لإعادة ترميم علاقة المجتمع بالدولة على أسس شفافة وحديثة.
مصالحة وطنية وعدالة اجتماعية
التجربة السويسرية تبرز أهمية المصالحة الوطنية كأداة أساسية لبناء مجتمع متماسك، وذلك من خلال إشراك جميع الأطراف واحترام التنوع. وتُظهر هذه النماذج مجتمعة أن العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص ليست فقط متطلبات اقتصادية، بل شروط ضرورية لإعادة بناء النسيج الوطني.
وفي هذا الإطار، يؤكد عجيب أن العدالة الانتقالية يجب أن تُطبق دون استثناء، قائلًا: “لا يمكن بناء دولة على أساس العفو الانتقائي أو تبرئة طرف دون آخر، العدالة يجب أن تطال الجميع بلا استثناء”. ويشدد على أن أولى خطوات بناء الثقة تبدأ من فرض الأمن وتهيئة المناخ الاقتصادي لضمان انخراط الناس في مشروع الدولة الجديد.
تنعكس أهمية هذه النماذج على الواقع السوري، حيث يشكّل العرب نحو 80% من السكان، تليهم المكونات الكردية (8%-13%)، إضافة إلى السريان والآشوريين والتركمان والدروز والعلويين والمسيحيين. وقد انخفض عدد المسيحيين من 2.2 مليون قبل 2011 إلى أقل من 700 ألف اليوم. هذا التنوع، إذا ما أُدير بسياسات متوازنة وشاملة، يمكن أن يتحول إلى مصدر غنى حضاري واستقرار سياسي.
يرى القنطار أن المشتركات الثقافية واللغوية في سوريا تفوق ما هو موجود في كندا أو سويسرا، وأن التعافي الوطني ممكن إذا توفرت بيئة سياسية تعترف بالتعدد وتكفل الحريات.
ويضيف: “حين ينشغل المواطن في البناء والمشاركة السياسية الحرة، تصبح الطائفية والمحاصصة من الماضي، وتتعافى الهوية الوطنية السورية الراسخة منذ أكثر من قرن”.
وتؤكد النماذج الدولية أن تعزيز الهوية الوطنية لا يتم عبر فرض هوية أحادية، بل عبر إدارة ذكية للتنوع، تدمج الاختلاف ضمن إطار وطني مشترك. وفي ظل التحديات السورية الراهنة، تمثل هذه التجارب خارطة طريق واقعية لبناء هوية سورية جديدة، تحتضن التعدد وتستمد منه قوتها ووحدتها.
+963
——————————–
اعتقال وسيم الأسد.. مفصل رمزي في مسار العدالة الانتقالية في سوريا/ فضل عبد الغني
2025.06.24
يُعدّ اعتقال وسيم الأسد في 21 يونيو/حزيران 2025 محطة مهمة في مسار سوريا الانتقالي بعد الصراع، ويُشير إلى مستوى من الجدية لدى السلطات الانتقالية في تفكيك شبكات الإفلات من العقاب التي رسّخت خمسة عقود من الحكم الاستبدادي. وبصفته أول معتقل من عائلة الأسد منذ انهيار النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، فإن لهذا الاعتقال أبعادًا تتجاوز تداعياته القانونية المباشرة، ليحمل دلالات رمزية عميقة بالنظر إلى أن وسيم الأسد كان يمثل التداخل بين الامتيازات العائلية، والاستغلال الاقتصادي، والمشاريع الإجرامية.
في الإطار النظري للعدالة الانتقالية، ينبغي فهم هذا الحدث ضمن مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد. فالعدالة الانتقالية، كما تُصاغ في سياقات ما بعد الصراع، تشمل مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية المصممة لمعالجة الإرث الثقيل للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مع تمكين عملية التحول المجتمعي. ويُجسّد احتجاز وسيم الأسد مثالًا على العدالة الجزائية، أي محاسبة الجناة على جرائم محددة، وفي الوقت ذاته يُعدّ وسيلة لإضفاء الشرعية المؤسسية على السلطة السياسية الجديدة في سوريا.
البعد المؤسسي لاعتقال وسيم الأسد
تُمارس العدالة الانتقالية في سياقات ما بعد الاستبداد من خلال تفاعل مركب بين آليات قانونية وسياسية واجتماعية تهدف إلى معالجة الانتهاكات المنهجية، مع تعزيز الانتقال نحو الديمقراطية. ويُقرّ الإطار النظري، كما طوّره باحثون في مجال التحول السياسي، بأن العدالة في هذه السياقات تخدم أهدافًا متعدّدة ومتداخلة أحيانًا: المحاسبة عن جرائم الماضي، إضفاء الشرعية على النظام السياسي الجديد، المصالحة بين الجماعات المنقسمة، وإنشاء ضمانات مؤسسية تحول دون تكرار الانتهاكات مستقبلًا.
ويُعدّ دور الملاحقات القضائية رفيعة المستوى في إرساء شرعية هياكل الحكم الجديدة عنصرًا محوريًا في نظرية العدالة الانتقالية. إذ تُنتج هذه الملاحقات ما يصفه بعض المنظّرين السياسيين بـ “الأثر الاستعراضي”، لما تحمله من مؤشرات على التزام النظام الجديد بسيادة القانون. في السياق السوري، يُعدّ اعتقال شخصية بارزة من عائلة الأسد تجسيدًا لما تطلق عليه الخبيرة روتي تايتل بـ “العدالة الجنائية الانتقالية”، حيث تساهم المحاسبة الفردية في إنجاح التحول السياسي الأوسع. وتعمل هذه العدالة على مستويين متكاملين: من ناحية مادية، تُسهم في تفكيك شبكات الإفلات من العقاب؛ ومن ناحية رمزية، تؤكد أن موقع الفرد السياسي لم يعد يضمن له الحصانة من العواقب القانونية. ومن هنا، يُصبح نجاح السلطات الجديدة في اعتقال رموز النظام ومحاكمتهم معيارًا لمدى نضجها المؤسسي وقدرتها السياسية.
ويُجسّد وسيم الأسد الثلاثية التي شكلت عماد سلطة النظام السابق: امتيازات عائلية تُحصّن أفرادًا من القانون، واستغلال اقتصادي لموارد الدولة وتحويلها إلى مكاسب خاصة، ومشاريع إجرامية تماهت فيها مؤسسات الدولة مع شبكات الجريمة المنظمة. ويبرز تورّطه في تجارة الكبتاغون (صناعة المخدرات التي حققت لنظام الأسد أرباحًا بمليارات الدولارات) كمثال صارخ على ما يُعرف في أدبيات الجريمة بـ “تجريم الدولة”، حيث تُصبح مؤسسات الحكم غير متميزة عن المنظمات الإجرامية. ومن منظور العدالة الانتقالية، لا تقتصر
أهمية محاكمة شخصيات كهذه على أفعالها الجنائية الفردية، بل تمتد إلى مقاربة الفساد الممنهج داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في العدالة الانتقالية التي تؤكد ضرورة التصدي للجرائم الاقتصادية والفساد باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للمساءلة ما بعد الصراع.
تفكيك اقتصاد الجريمة
يشكّل اعتقال وسيم الأسد حافزًا لتفكيك منهجي لشبكات الكبتاغون التي كانت تشكّل دعامة رئيسية في الاقتصاد السياسي لنظام الأسد. فقد مثّلت هذه البُنى التمويلية غير المشروعة ما يُعرف في أدبيات إجرام الدولة بـ “حوكمة المخدرات” – أي اندماج تجارة المخدرات في بنية الدولة لإنشاء أدوات ذاتية الاستدامة للسيطرة الاستبدادية. وتتجاوز الأهمية النظرية لهذا التطور مجرد تنفيذ القانون، إذ تعكس بداية لإعادة هيكلة جذرية للاقتصاد السياسي السوري، من اقتصاد قائم على النشاطات الإجرامية إلى آخر يستند إلى قواعد قانونية ومؤسسية. ويُظهر استيلاء السلطات الجديدة على منشآت إنتاج الكبتاغون وشبكات توزيعه في الأشهر التالية لانهيار نظام الأسد التزامًا مؤسسيًا واضحًا بقطع العلاقة بين أجهزة الحكم والجريمة المنظمة. ويُعزز هذا المسار ما تؤكده أدبيات العدالة الانتقالية حول الأبعاد الاقتصادية لتحولات ما بعد الصراع، والتي ترى أن تحقيق سلام مستدام يقتضي تفكيك البنى الاقتصادية التي كرّست القمع واستدامة النزاع.
يُعدّ بناء قدرات الدولة عبر تنفيذ عمليات أمنية ناجحة بُعدًا بالغ الأهمية (وإن كان قليل الدراسة) في سياق تطبيق العدالة الانتقالية.
فقد أظهرت العملية الدقيقة التي أفضت إلى اعتقال وسيم الأسد مدى ما بلغته الحكومة الجديدة من قدرات عملياتية تشمل جمع المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتنفيذ مهام معقدة في إطار قانوني. ومن منظور مؤسسي، تُحقق هذه العمليات جملة من الأهداف؛ إذ تُرسخ احتكار الدولة لاستخدام القوة المشروعة، وتعزز ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية. ويُسهم هذا النوع من الإنجاز في ترسيخ ما يُعرف في الأدبيات بـ “شرعية الأداء”، أي الشرعية التي تستمدها السلطة من فعاليتها الملموسة، لا من الخطابات الأيديولوجية أو السيطرة القسرية.
ويجسّد التناغم بين الآليات المحلية للمساءلة ونظيراتها الدولية، ولا سيما من خلال التعاون المأمول مع “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لسوريا” (IIIM)، نموذجًا ناشئًا لبنية هجينة في منظومة العدالة الانتقالية. فالوصول غير المسبوق لهذه الآلية إلى الأراضي السورية عقب انهيار نظام الأسد، مكّن من حفظ الأدلة وتوثيقها، ما عزّز الجهود القضائية على الصعيدين المحلي والدولي. وتعكس هذه الشراكة مبدأ “التكامل الإيجابي” المنصوص عليه في القانون الجنائي الدولي، حيث تُعزّز الآليات الدولية عمل العدالة المحلية بدلًا من أن تُستبدل بها. وتكمن فرادة هذا النموذج في طبيعته الطوعية، إذ تتجه الدولة الخارجة من الصراع بنفسها نحو شراكة دولية لتعزيز مسارات المساءلة لديها. ويُعدّ هذا النهج نقلة نوعية تتجاوز ثنائية السيادة الوطنية والتدخل الدولي، نحو إطار تعاوني يستفيد من ميزات مختلف الفاعلين المؤسسيين.
خاتمة
يُجسّد اعتقال وسيم الأسد ظاهرة متعددة الأبعاد تتجاوز في مغزاها مجرد احتجاز فرد. فمن خلال أبعاده الرمزية، والمؤسسية، والمادية، يُبرز هذا الاعتقال التحولات المعقّدة التي تمرّ بها سوريا في مسارها نحو العدالة والمساءلة بعد عقود من الحكم الاستبدادي. ويُظهر
التحليل النظري أن الملاحقات الفردية قد تمثّل محفزًا لتحولات أوسع، تشمل تفكيك الشبكات الإجرامية، وبناء القدرات المؤسسية، وتأسيس معايير جديدة للحكم الرشيد. وبهذا، تكشف هذه القضية عن ترابط آليات العدالة الانتقالية، التي تسعى لتحقيق أهداف انتقامية وتصالحية وتحويلية في آنٍ واحد.
أما من منظور دراسات العدالة الانتقالية، فتوفر الحالة السورية مادة تحليلية غنية لفهم تطور نماذج المساءلة في السياقات المعاصرة لما بعد النزاع. ويشكّل التكامل الطوعي بين الآليات الدولية والمحلية تحديًا لنماذج الفصل التقليدية بين العدالة الوطنية والدولية، مقترحًا بديلًا تعاونيًا يُعزز الانسجام المؤسسي. كما يوسّع التركيز على تفكيك الأبعاد الاقتصادية للسلطوية، لا سيما في ما يتعلق بهياكل “حوكمة المخدرات” التي مثّلتها تجارة الكبتاغون، نطاق المفاهيم التقليدية للعدالة الانتقالية، لتشمل الجريمة الاقتصادية المنهجية إلى جانب العنف السياسي.
ويبرز في هذا السياق الإطار المفاهيمي الذي ينظر إلى العدالة الانتقالية كـ “عملية مستمرة” لا كنقطة نهاية، حيث يجب تقييم نجاحها من خلال التقدم التدريجي في إرساء معايير المساءلة داخل المجتمع. ويتطلب ذلك ترتيبًا مدروسًا لمبادرات العدالة، تبدأ بقضاء مستقل، ويواكبها دعم دولي مستمر، والأهم من ذلك، انخراط فعّال لمجتمعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني، لضمان أن تكون آليات العدالة معبّرة عن احتياجات المجتمع لا انعكاسًا للتجاذبات السياسية. وفي هذا المسار الطويل والمعقد، يُشكّل اعتقال وسيم الأسد إنجازًا وتحديًا معًا؛ فهو يُظهر ما يمكن تحقيقه، ويُضيء في الآن ذاته على حجم العمل المتبقي في رحلة سوريا نحو إنهاء الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة الفعلية
تلفزيون سوريا
———————————
كيف يمكن محاسبة مجرمي سوريا؟ درس من فرانكفورت/ فضل عبد الغني
24/6/2025
تُعدّ إدانةُ الطبيب السوري علاء م. من قبل المحكمة الإقليمية العليا في فرانكفورت أكثر من مجرد حالة استثنائية للمساءلة عن جرائم فظيعة؛ فهي تمثل إنجازًا قضائيًا بالغ الأهمية يتجاوز حدود القضية الفردية.
فبعد ثلاثِ سنوات ونصفٍ من الإجراءات، اختُتمت بالحكم عليه بالسجن المؤبد لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، باتت هذه المحاكمة علامة فارقة في مسار العدالة، لا من حيث عقوبتها فقط، بل لِما تتيحه من إمكانات لتشكيل بنية العدالة الانتقالية في سوريا بعد زوال نظام الأسد.
يُوفر التزامن بين هذا الحكم والتحولات السياسية المتوقعة في سوريا فرصة فريدة لنقل الخبرات القانونية وتوطينها. فرغم أن محاكمات الولاية القضائية العالمية كانت، حتى وقت قريب، السبيلَ الوحيد لمحاسبة المتورطين في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، فإنها باتت اليوم تُشكّل نماذج يمكن الاسترشاد بها لبناء آليات محلية للمساءلة.
لقد أرست محكمة فرانكفورت من خلال بنائها ملفات عن التعذيب المنهجي في المستشفيات العسكرية، وإنشائها هياكل القيادة، وتحديدها الجرائم ضد الإنسانية في السياق السوري، أسسًا فقهية مهمة للمحاكم السورية المستقبلية.
يتناول هذا المقال الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف الأبعاد الإجرائية والإثباتية والموضوعية لمحاكمة علاء م. في دعم الانتقال السوري من آليات العدالة الخارجية إلى مسارات عدالة داخلية.
ثانيًا: الولاية القضائية العالمية كجسر نحو المساءلة الوطنية
يشكّل مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي استندت إليه محكمة فرانكفورت في محاكمة علاء م.، أداة وقتية للعدالة لا تنفي السيادة السورية، فوفق مبدأ التكامل، الذي يُعد حجر الزاوية في القانون الجنائي الدولي، تُمنح المحاكم الوطنية الأولوية في الملاحقات القضائية، ولا تتدخل الآليات الدولية أو خارج الإقليم إلا عند عجز الدول أو امتناعها عن القيام بذلك.
وفي الحالة السورية، حال الطابع المنهجي للعنف الذي مارسه نظام الأسد دون تحقيق أي عدالة داخلية، مما استوجب اللجوء إلى الآليات القضائية العالمية.
لكن هذه المحاكمات العابرة للحدود لا تُعنى فقط بالمساءلة المباشرة، بل تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الأدلة وبناء الأطر القانونية للمستقبل. فقد وثّقت محكمة فرانكفورت، من خلال شهادات أكثر من خمسين شاهدًا وتحليلات خبراء في منهجيات التعذيب وهياكل القيادة، أرشيفًا دقيقًا كان يمكن أن يتعرض للفقد أو الإتلاف في بيئة غير مستقرة.
كما أن خلاصاتها بشأن تحويل المستشفيات العسكرية إلى مواقع تعذيب، والطابع المنظم للهجمات على المدنيين، ودور الأجهزة الأمنية، تُعدّ بمثابة روايات قضائية يمكن اعتمادها لاحقًا من قبل القضاء السوري عبر الإشعارات أو المراجع القانونية.
إن الانتقال من نظامٍ استبدادي يتعذّر معه تحقيق العدالة إلى سياق ما بعد النزاع، يتطلّب تحوّلًا ممنهجًا من الاعتماد على العدالة الخارجية نحو تأسيس مسارات وطنية قائمة على سيادة القانون.
ولا ينبغي النظر إلى أحكام الولاية القضائية العالمية كفرضٍ قانوني خارجي، بل كسوابق تأسيسية يمكن الاستفادة منها في صوغ منهجيات محلية للمقاضاة، وتحديد معايير الإثبات، وتطوير فهم قانوني متخصص لجرائم الفظائع. وتُشكّل محاكمة فرانكفورت نموذجًا لتحليل الجرائم الجماعية وتفكيكها إلى أفعال فردية قابلة للتقاضي، بما يحافظ على تميّزها المنهجي.
هذا التحول لا يعني نقل الأحكام الأجنبية بحَرفيتها، بل يتطلب دمجها في إطار سيادي يعكس الخصوصيات القانونية السورية ويُراعي المعايير الدولية.
وبهذا المعنى، فإن قضايا الولاية القضائية العالمية تؤدي وظيفة الجسر المؤقت، الذي يربط بين واقع العجز المؤسسي ومآل السيادة القضائية، مانحةً سوريا أدوات ومناهج لإعادة العدالة إلى الداخل.
ثالثًا: معايير الإثبات ومنهجيات التوثيق القضائي
تُجسّد محاكمة فرانكفورت، التي امتدت على مدار 186 يومًا، مستوًى عاليًا من الدقة في التوثيق المطلوب لمقاضاة جرائم الفظائع الجماعية، واضعةً بذلك معايير إثبات تتجاوز الممارسات الجنائية التقليدية.
أتاح هذا الإطار الزمني الممتد تجميعًا منهجيًا لمصادر أدلة متنوعة، ما أدى إلى تكوين مصفوفة وقائعية تُوثّق الأفعال الإجرامية الفردية في سياقها النظامي. ولا تُعبّر مدة الإجراءات عن بطء بيروقراطي، بل عن تعقيد المهمة المتمثلة في إثبات المسؤولية الجنائية ضمن نمط منظم من العنف ترعاه الدولة، يتطلب مواءمة الوقائع الفردية مع الهجمات الواسعة ضد المدنيين.
عكس استخدام المحكمة أساليبَ إثبات متعددة الطبيعةَ المركبة لملاحقة مرتكبي الجرائم الفظيعة. فقد أدلى أكثر من خمسين شاهدًا بروايات مباشرة عن التعذيب، والعنف الجنسي، والقتل في المستشفيات العسكرية، بينما وضع الخبراء هذه الشهادات في سياقها ضمن منظومة الاستخبارات والقيادة العسكرية السورية.
أسهم دمج شهادات الناجين مع التحليل الجنائي والوثائق المكتوبة في صياغة أنماط قانونية متماسكة من تجارب فردية متناثرة. وتزداد أهمية هذا التثليث المنهجي في مواجهة جرائم صُممت لتمحى آثارها، حيث يتعمد الجناة إتلاف الوثائق وترهيب الشهود.
تطلّب الكشف عن سلاسل القيادة في هياكل أمنية مغلقة، اعتمادَ مناهج مبتكرة للتعامل مع الأدلة الظرفية، والتعرف على الأنماط المتكررة.
وقد أظهرت المحكمة قدرة على الربط بين أفعال علاء م. والسياسات المؤسسية الأشمل، ما أتاح إثبات مسؤوليته ضمن إطار عنف منظم. ومن خلال رسم خرائط للهياكل التشغيلية للمستشفيين العسكريين 601 و608، والقسم 261 التابع لمديرية الاستخبارات العسكرية، كشفت المحاكمة كيف أعيد توظيف المؤسسات الطبية بشكل منهجي كمراكز للتعذيب، محوّلةً بذلك أماكن الاستشفاء إلى أدوات عنف ممنهج.
لعبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان دورًا مهمًا في ربط مسارح الجريمة بقاعات المحاكم.
وقد تجسّدت مساهماتهما في تقديم الوثائق، وتحديد الشهود، وتوفير تحليلات سياقية دعمت عمل الادعاء العام، مؤكدةً الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني كوسطاء في عمليات المحاسبة.
ساهم التوثيق المنتظم الذي أجرته الشبكة على مدى أربعة عشر عامًا في توفير استمرارية زمنية لحفظ الأدلة، بينما حوّلت خبرة المركز الأوروبي الوثائق الخام إلى ملفات قابلة للتقاضي.
ويُقدّم هذا النموذج التعاوني، الذي تعمل فيه منظمات حقوق الإنسان كأمناء على الأدلة وميسّرين قانونيين، نموذجًا قابلًا للتكرار يمكن اعتماده في الإجراءات القضائية السورية المستقبلية.
رابعًا: الإصلاح المؤسسي استنادًا إلى السوابق القانونية
يمثّل إدماج الجرائم الدولية في القانون المحلي السوري تحديًا عميقًا يتجاوز مجرد التعديل التشريعي. وقد وفّرت محكمة فرانكفورت، من خلال تعريفها الدقيق للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في قضية علاء م.، نموذجًا فقهيًا يُمكن البناء عليه، غير أن إصلاح المنظومة القانونية السورية يتطلّب تجاوز الفجوة القائمة بين التعريفات الدولية والتقاليد القضائية الوطنية.
ويُظهر قصور قانون العقوبات السوري الحالي في التعامل مع العنف المنهجي الذي ترعاه الدولة الحاجة إلى مراجعة شاملة، تعتمد إما صياغة تشريعات جديدة أو تطوير أطر قانونية انتقالية تُجرّم صراحةً الجرائم الدولية، وَفقًا للمعايير العرفية المعتمدة دوليًا.
ويتصدّر استقلال القضاء الشروط الأساسية لإجراء محاكمات ذات مصداقية لمن ارتكبوا الجرائم الجسيمة، وهو ما يستدعي إصلاحات بنيوية تتجاوز المظاهر الشكلية للمؤسسات القضائية.
فالإصلاح القضائي السوري يجب أن يعالج بُعدين متكاملين: الاستقلال الشكلي عبر الضمانات الدستورية، واستقرار الوظيفة القضائية، وتوفير الموارد، إلى جانب الاستقلال الجوهري من خلال تعزيز ثقافة قضائية تقاوم التدخلات السياسية وتتمسك بالنزاهة القانونية.
ولا يُمكن تصور محاسبة فعلية لمجرمي الدولة دون قضاء حر قادر على مساءلة البنى الأمنية والعسكرية التي طالما تمتعت بالحصانة في عهد الأسد.
كما يُعدّ إصلاح القطاع الأمني، المُرتكز إلى مبادئ المساءلة، خطوة جوهرية في هندسة العدالة الانتقالية. ولا ينبغي أن يُنظر إلى الأجهزة الأمنية كأدوات لإعادة الهيكلة فقط، بل كمواقع يجب إخضاعها للمحاسبة والمشاركة في كشف الحقيقة.
ويُبرز ما كشفته قضية علاء م. من تحويل المستشفيات العسكرية إلى مراكز للتعذيب، الحاجة إلى تفكيك الثقافة المؤسسية التي شرعنت العنف. فالإصلاح يجب ألا يقتصر على تبديل الأفراد أو إعادة رسم الهياكل، بل يتطلّب ترسيخ أطر عقائدية جديدة تدمج مبادئ حقوق الإنسان ضمن الممارسات التشغيلية اليومية.
ويتجسّد هذا النهج العملي في إنشاء آليات داخلية فعّالة للمساءلة، مثل مكاتب المفتش العام المزودة بصلاحيات تحقيق حقيقية، والتدريب الإلزامي على حقوق الإنسان ضمن برامج التطوير المهني، واعتماد معايير واضحة لمساءلة القادة عن الانتهاكات التي تقع ضمن نطاق سلطتهم.
ويُدرك هذا النموذج أن الإصلاح الجذري لا يتحقق فقط من خلال الرقابة الخارجية، بل من خلال غرس ثقافة المساءلة داخل المؤسسات التي تأسست على منطق القمع.
وتُرسّخ محاسبة المهنيين الطبيين على انتهاك واجباتهم الأخلاقية مبدأً مفصليًا: أن الالتزامات المهنية لا يمكن إخضاعها لضرورات الدولة الأمنية، وهو ما يجب أن يسري على كافة القطاعات المنخرطة في منظومة العنف المنهجي.
خامسًا: تأسيس بنية للعدالة الانتقالية
تتطلب العدالة الانتقالية في السياق السوري تحولًا من المقاربات الارتجالية للمحاسبة إلى بناء منظومة متكاملة تعالج البنى التي أنتجت الفظائع، لا مجرد معاقبة الجناة الأفراد.
فنتائج محكمة فرانكفورت، التي كشفت عن التحويل المنهجي للمرافق الطبية إلى مراكز للتعذيب، تُظهر مدى تورط أطر مؤسسية كاملة في ممارسة العنف، مما يستوجب آليات مساءلة تعالج هذه البنى الهيكلية، مع الحفاظ على دقة المسؤولية الجنائية الفردية.
ومن هنا، ينبغي أن تطوّر العدالة الانتقالية السورية إستراتيجيات تربط بين القضايا الفردية والأنماط الجماعية، بما يرسّخ سرديات قانونية تعكس الطابع المنهجي للجريمة دون أن تُفرغ المسؤولية الفردية من معناها.
وتُعدّ آليات تقصي الحقائق ركيزة أساسية مكملة للمحاكمات الجنائية، إذ تسمح بفهم الأبعاد الاجتماعية والسياسية التي مهّدت لوقوع الجرائم. وبينما تركّز الإجراءات القضائية على تحديد المسؤوليات الفردية ضمن إطار قانوني، تتيح لجان الحقيقة استكشاف السياقات الأوسع، بما في ذلك الأطر الأيديولوجية التي شرّعت العنف، والبنى البيروقراطية التي مأسسته.
ويؤدي هذا التكامل بين المسارين وظائف متمايزة، ولكن متكاملة: فالقضاء يُرسي المساءلة القانونية، فيما تعيد تقصي الحقائق بناء السرديات التاريخية وتُمهّد الطريق للإصلاح المؤسسي طويل الأمد.
ومن جهة أخرى، تتطلب العدالة الانتقالية مقاربة تتمحور حول الضحايا، تتجاوز النماذج الانتقامية التقليدية نحو نموذج يُقرّ بحقوق الضحايا كمشاركين فعليين في تصميم العدالة.
وقد أبرزت تجربة المدعين المشتركين في قضية علاء م.- ممثلين عبر الآليات القضائية الأوروبية- إمكانات مشاركة الضحايا وتحدياتها. ولضمان شمولية هذه المشاركة، يجب الاعتراف بالضحايا كأصحاب حقوق، يطالبون بالتعويض، والمشاركة، وتخليد الذاكرة، لا كشهود فقط.
ويستدعي ذلك تأسيس بنى مؤسسية تُتيح للضحايا التعبير عن مطالبهم، والمساهمة في تصميم آليات المساءلة، ووضع برامج تعويض تُعالج الأضرار المادية والمعنوية على حد سواء.
كما ينبغي أن تُسهم إجراءات العدالة في إعادة تأهيل الناجين، لا في إعادة تفعيل صدماتهم. ويبقى التحدي في تحقيق توازن دقيق بين الاستجابات الفردية للاعتداءات، والاعتراف بالجراح الجماعية التي خلّفها العنف المنهجي.
ولتحقيق ذلك، لا بد من تبنّي ابتكارات مؤسسية مثل وحدات دعم الضحايا داخل النيابات العامة، وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي المرافقة للمسارات القانونية، وآليات تشاركية تمكّن الضحايا من صياغة أجندة العدالة الانتقالية، متجاوزين دورهم كمقدّمي أدلة فقط.
سادسًا: التكامل القانوني الدولي وبناء القدرات القضائية
تُعد عضوية سوريا في نظام روما الأساسي بعد المرحلة الانتقالية خطوة إستراتيجية نحو ترسيخ الشرعية القضائية وبناء القدرات المؤسسية. إذ يُتيح هذا الانضمام الوصول إلى فقه المحكمة الجنائية الدولية، والمبادئ التوجيهية الإجرائية، وبرامج التدريب وبناء القدرات، إلى جانب ترسيخ الالتزام بالمعايير القانونية الدولية.
وقد أرست محاكمة فرانكفورت ضد علاء م. معايير إثبات وإجراءات تُعد مرجعية لما ينبغي أن تبلغه المحاكم السورية من مستوى لتلبية متطلبات التكامل، بما يمنع تدخل المحكمة الجنائية الدولية، مع الاستفادة من خبراتها المؤسسية.
لكن تفعيل الفقه الدولي يتطلب ترجمة مدروسة بين الأطر القانونية والسياقات السياسية والاجتماعية المحلية. ويوفّر الحكم في قضية علاء م.، إلى جانب قضايا أخرى نُظرت بموجب الولاية القضائية العالمية، سوابق فقهية يمكن الاستناد إليها لتفسير الجرائم ضد الإنسانية في السياق السوري.
غير أن الاعتماد غير النقدي على الأحكام الأجنبية قد يؤدي إلى تناقضات قانونية أو رفض شعبي وسياسي. ولهذا، ينبغي للفقهاء السوريين أن يطوّروا منهجيات انتقائية تستند إلى القيمة الإقناعية للسوابق الدولية، مع استخلاص المبادئ التي يمكن تكييفها محليًا.
ويتطلب ذلك دراسة كيفية تعامل المحاكم الدولية مع قضايا مشابهة، مثل إثبات الطابع المنهجي للهجمات على المدنيين، أو مسؤولية القيادة في أجهزة أمنية مغلقة، أو التمييز بين العمليات العسكرية المشروعة وأفعال العنف الإجرامي.
ويفرض بناء الخبرات القضائية والادعائية الحاجةَ إلى آليات منظمة لنقل المعرفة، تتجاوز النماذج التدريبية التقليدية. فقد كشفت محاكمة فرانكفورت عن تعقيد الملاحقات القضائية للفظائع، ومن ثم، ينبغي أن يشمل بناء القدرات محاور متعددة: فقه الجرائم الدولية، إدارة المحاكمات المعقدة، حماية الشهود، والمهارات الجنائية والطب الشرعي.
ويمكن لبرامج التبادل التي تتيح للمهنيين السوريين مراقبة المحاكمات الدولية، والعلاقات الإرشادية مع خبراء الادعاء الدوليين، وتمارين بناء القضايا المشتركة، أن تُسرّع وتيرة تطوير الكفاءة القضائية.
وتبرهن تجربة الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان في قضية علاء م. على إمكانية عمل منظمات المجتمع المدني كجسور معرفية، تربط بين المعايير الدولية والسياق السوري، وتُقدّم منهجيات يمكن استيعابها وتوطينها ضمن المؤسسات السورية.
خاتمة
يُمثل الحكم الصادر ضد علاء م. ثمرةً لجهود متواصلة بذلها الناجون ومنظمات حقوق الإنسان والآليات القانونية الدولية، لكسر جدار الإفلات من العقاب الذي طالما رافق العنف الذي مارسه نظام الأسد.
كما يُشكّل هذا الحكم أرضية قانونية صلبة يمكن لسوريا البناء عليها لتأسيس منظومة مساءلة وطنية، تُحوّل الاعتماد على المحاكم الأجنبية إلى قدرة ذاتية قائمة على السيادة والعدالة.
لكن هذا الانتقال من آليات العدالة الخارجية إلى آليات داخلية لا يتحقق بإعادة هيكلة المؤسسات فحسب، بل يتطلّب إعادة تعريف العلاقة بين سلطة الدولة وحكم القانون.
وقد أظهرت محاكمة فرانكفورت أن العنف الممنهج قابل للتفكيك إلى أفعال قابلة للمحاسبة، وأن الأطباء وغيرهم من الفاعلين لا يمكنهم التذرع بالأوامر العليا لتبرير انتهاكهم الواجبات المهنية، وأن توثيق الأدلة يمكن أن يصمد أمام محاولات المحو المتعمدة.
إن المعايير الإثباتية والإجرائية التي أرستها محكمة فرانكفورت، والشراكات التي تشكّلت بين المجتمع المدني والمؤسسات القضائية، والمقاربات التي تتمحور حول الضحايا، توفر جميعها أدوات مجرّبة يُمكن تكييفها في السياق السوري، ولتُصاغ داخل المؤسسات السورية، وبأيادي قانونييها، ومن أجل تعافي مجتمعها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام
الجزيرة
—————————–
“ضبط الكاميرا” السورية لئلا يتحوّل المجرم ضحيةً/ سميرة المسالمة
23 يونيو 2025
تهدف المراسيم والقرارات التي أصدرتها الحكومة السورية إلى رسمَ ملامحَ سورية الجديدة، وإعادة بناء شرعيتها الأخلاقية والسياسية والقانونية، بعد سنوات طويلة من الحرب التي شنّها نظام الأسد (المخلوع) على شعبه، بدعم مباشر من إيران وروسيا، وبرعاية داخلية كاملة من شبكاتٍ مستفيدةٍ من نظامه الفاسد والدموي، والتي جعلت سورية بلداً خارجاً عن القانون، ومُهدِّداً أمن المجتمع الدولي وسلامته.
وفي هذا السياق، تكتسب كلّ خطوة في طريق العدالة رمزيةً مضاعفةً، وتلقى احتفاءً شعبياً واسعاً، تغذّيه مشاعر ظلم متراكمة في الوجدان السوري تجاه مرتكبي الجرائم بحقّهم. ولهذا، يُقابَل انتشار أيّ صورة تُسرَّب من الدوائر الأمنية لاعتقال أو مقتل شخصية متهمة بانتهاكات بترحيب شعبي واسع، لا يقلّ عن الغضب الجماهيري الذي يُثار عند التسامح مع تلك الشخصيات أو إعادة تدويرها في مشهد سياسي جديد. وكذلك، في غياب القدرة على محاكمة الدول التي مارست الدمار والقتل بالمشاركة مع النظام السوري السابق، يمارس السوريون، عبر صفحاتهم الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي، الاحتفاء بما يسمّونها “العدالة الإلهية”، التي تطاول الأفراد في تلك الدول مع المجرمين المحلّيين على حدّ سواء، ومن ذلك ما نشهده من فرح عابر للاصطفاف مع أيّ من جانبي الحرب (الإسرائيلية الإيرانية)، وهو ما يعبّر عن مشاعر غير مسيّسة، لا تنظر إلى نتائج الحرب أبعد من حالة الدمار التي تراه يتشابه مع ما حصل بسبب الدولتَين في المدن السورية، ولاحقاً في غزّة ولبنان.
العدالة الانتقالية غير الشعبوية، أي “الدولتية”، التي يطالب بها أهالي الضحايا والجهات القانونية والجمعيات المدافعة عن الضحايا، هي التي تُعرّفها الأمم المتحدة بأنها “مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية، التي تُنفّذ لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة بعد الصراعات أو فترات الأنظمة القمعية”، وتشمل هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج التعويض، وضمانات عدم التكرار. لكن هذه الآليات كلّها لا تكتمل إلا بتوافر شرط أساس، هو “احترام الكرامة الإنسانية حتى أثناء محاسبة من انتهكها”.
أي بغض النظر عن خلفية الموقوف، خصوصاً الذي لا أحد من السوريين يشكّك في تورّطه الكامل في انتهاكات وجرائم، يمكن القول إن بعض الصور التي تنتشر من داخل أماكن الاحتجاز تحمل خطراً على مسار العدالة نفسه، ويمكن استخدامها للإساءة إلى صورة الجهة الأمنية، بأنها تمارس “عدالة انتقامية”، وأفعالاً تتشابه في هيئتها مع أفعال مدانة للنظام السوري السابق، إذ يجب أن تستند العدالة الانتقالية إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني وشرعة حقوق الإنسان، ففي المادة 10 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية: “يُعامل جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملةً إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني”. وعليه، فإن عرض صور إذلال الموقوفين، والحديث عن كلّ الموقوفين، حتى إن كانوا متورّطين في جرائم، لا يسيء إليهم بقدر ما يسيء إلى صورة المؤسّسة التي يعوّل عليها تطبيق القانون.
ليس هذا دفاعاً عن أيّ من المدانين، بل هو خوف ودفاع عن صورة سورية الجديدة، التي ولدت من رحم الثورة بعد آلام مخاض دام 14 عاماً، دفع فيه السوريون مئات آلاف الشهداء والمعتقلين، والتي نراها دولةَ قانون وعدالة، وحتى لا نترك فرصةً لأيٍّ كان أن يُقدّم “المجرم” ضحيةً، ويُعاد استغلال المشهد في حملة إعلامية مضادّة تستهدف تقويض مصداقية الدولة وأجهزتها، واتهامها بأنها غير قادرة على ممارسة دورها الفعلي في تحقيق العدالة الانتقالية.
يقوّض ترويج هذه المشاهد، في سياق عاطفي شعبوي، الثقة الدولية في مؤسّسات العدالة الناشئة، ويُعرقل فرص الشراكات القانونية أو المساعدات الفنّية من الأمم المتحدة والدول المانحة، التي تشترط غالباً التزاماً صارماً بالقانون الدولي في قضايا حقوق الإنسان والعدالة. ولعلّ من الضروري اليوم وضع مدوّنة سلوك للمؤسّسات الأمنية، تتوافق مع مبادئ العدالة الانتقالية، وتدريب كوادرها على احترام هذه المبادئ، ولا سيّما في مراحل اعتقال أيّ شخص، سواء لأسباب تتعلّق بانتمائه إلى النظام السابق المجرم، أو أيضاً لأسباب مخالفته لأيٍّ من القوانين المعمول بها.
قد يكون الجرح السوري من النظام السابق القاتل (وأعوانه كلّهم) عميقاً، ولا يمكن الشفاء منه، وقد لا تشفي كلّ صور التعذيب للمجرمين غليلَ الضحايا وأهاليهم، والثأر الشخصي مفهوم لدى كثيرين ممّن فقدوا أحبّاءهم، لكنّ العدالة لا تُبنى على الرغبة في الانتقام، بل على الرغبة في تحقيق العدل، والعدالة عموماً، ومنها الانتقالية، تنتصر عندما يُحاسب المرتكب ضمن إطار قانوني نزيه، يجعل من الاحتماء بها هو الملاذ لجميع المواطنين.
العربي الجديد
———————————–
هل يفتح القبض على وسيم الأسد بوابة العدالة الانتقالية لضحايا النظام السابق؟
22/6/2025
أثار إعلان وزارة الداخلية السورية عن إلقاء القبض على وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، سيلًا من ردود الفعل المرحبة بنجاح الحملة الأمنية ضد بقايا النظام السابق وفلوله.
ويُعد وسيم الأسد، الذي تصدر منصات التواصل الاجتماعي في سوريا والعالم العربي، من أبرز المتهمين بتزعم شبكات تجارة المخدرات خلال حكم النظام السابق. ويأتي اعتقاله كخطوة غير مسبوقة تطال الدائرة الضيقة لعائلة بشار الأسد منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الثاني الماضي.
من جانبه، صرّح وزير الداخلية أنس خطاب عبر منصة “إكس” بأن “اعتقال المجرم المطلوب للعدالة وسيم الأسد جاء ضمن جهود حثيثة لملاحقة كل من عاث في الأرض فسادًا”، متوعدا بمواصلة تعقب رموز الانتهاكات ضد الشعب السوري.
وأشاد نشطاء سوريون بالكمين المحكم الذي نصبته قوى الأمن للأسد في منطقة تلكلخ بمحافظة حمص القريبة من الحدود اللبنانية، حيث استسلم دون مقاومة رغم شبكة علاقاته الواسعة التي بناها على مدى عقود، بحسب النشطاء.
وأعرب العديد من المغردين عن تفاؤلهم بالنجاح في الإيقاع بهذا “الصيد الثمين”، معتبرين أن القبض عليه يبشّر بسقوط رؤوس أخرى من النظام السابق، مما يمنح الثورة دفعة معنوية نوعية لتحقيق الأمن والاستقرار.
في الوقت ذاته، توقعت منصات وحسابات إخبارية أن يؤدي سقوط أول شخصية بارزة من النظام السابق إلى كشف معلومات مهمة حول “مافيا المخدرات في سوريا وشبكاتها المعقدة”.
وأبدى بعض النشطاء ارتياحهم بل واستغرابهم من مصير شخصية بوزن وسيم الأسد، ودوره المحوري في تشكيل وتمويل المليشيات لقمع الحراك السوري منذ بداياته، حيث أعادوا نشر صور له مرتديًا الزي العسكري وسط المقاتلين الموالين للنظام.
كما أشار آخرون إلى دور “ابن العم الأقوى لرئيس النظام الفار” في قيادة الجريمة المنظمة وتشكيل شبكات تهريب المخدرات، وعلى رأسها الكبتاغون، إلى عدة دول.
ورصدت بعض الحسابات صورا لتوزيع الحلوى في شوارع محافظة حمص احتفالًا بالقبض عليه، حيث عبر المواطنون عن شكرهم لوزارة الداخلية وطالبوا بمحاسبة جميع المجرمين.
وعبّر عدد من الثوار السابقين عن أملهم في أن يكون اعتقال وسيم الأسد فاتحة لاعتقال بقية رموز النظام السابق الذين استغلوا اسم العائلة لفرض أنفسهم فوق مؤسسات الدولة وقوانينها وسلطتها.
وعلى منصة فيسبوك، علّق كتّاب ومحللون سياسيون على بعض الانتقادات المرتبطة باعتقال وسيم الأسد، معتبرين أن ما تعرض له لا يُقارن بما ارتكبه من تعذيب وقتل وإذلال بحق مواطنين سوريين.
وفي المقابل، طالب حقوقيون بضمان محاكمة عادلة لكل من أفسدوا الوطن وأضلوا شبابه على مدى سنوات، وطالبوا بكشف مصير الثروات الهائلة التي جمعها وسيم الأسد، الذي كان يوصف بأنه “دولة داخل الدولة” وهيمن على الحركة الاقتصادية عبر المعابر الرسمية وغير الرسمية.
وأشار بعض الحقوقيين إلى أن خبر التوقيف لن يكون كافيًا ما لم يُقدَّم وسيم الأسد إلى محكمة علنية تُسمع فيها اعترافاته ويُواجَه بضحاياه، لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وجبر ضررهم.
يُذكر أن اسم وسيم الأسد كان قد تصدّر قائمة المشمولين بعقوبات وزارة الخزانة الأميركية عام 2023، بسبب دوره المحوري في تهريب المخدرات وقيادته لوحدة عسكرية خاصة مسؤولة عن تأمين طرق التهريب وحماية العمليات العابرة للحدود.
المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي
———————————
العفو عن مجرمي الحرب وتهديد السلم الأهلي/ ضاهر عيطة
2025.06.25
تُعدّ العدالة الانتقالية من الأسس الحاسمة لبناء دولة جديدة قادرة على استعادة ثقة مواطنيها، وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومع ذلك، فإن المسار نحوها، وإلى المصالحة الوطنية، ليس بالأمر السهل، خاصة في ظل ما أفضت إليه السياسة الأمنية التي اتبعتها العصابات الأسدية، وما أدّت إليه من تهالك المؤسسات الحكومية، القضائية، والاقتصادية، والعلمية، وغيرها، إضافة إلى وجود تحديات كبرى تتعلق بالتعامل مع العدد الهائل من مجرمي الحرب الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة خلال فترات أحداث الثورة السورية وما قبلها.
ورغم جميع هذه الصعوبات والعثرات، لا يمكن أن يُفهم من دعوات العفو عن مرتكبي جرائم الحرب في الحقبة الأسدية، التي تُرفع بين الحين والآخر، إلا أنها دعوات تشجيعية لجرائم إضافية يُعاد ارتكابها بحق الضحايا للمرة الثانية، وبحق جميع السوريين. فمثل هذا العفو لا يملك قرار البتّ فيه إلا الضحايا وذووهم، عبر لجان مختصة تكفل حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وتُوجد سبلًا لتعويضهم ماديًا ومعنويًا جراء ما فقدوه وتكابدوه من آلام ومعاناة، وما لحق بهم من أضرار.
وإذا كان إلقاء القبض مؤخرًا على المجرم وسيم الأسد وغيره من المجرمين يعطي أملًا للضحايا ولمعظم السوريين بإمكانية السير في طريق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، فإن سوقهم إلى الزنازين وحده لا يحقق المصالحة الوطنية ولا يُنصف الضحايا، الذين يعيش بعضهم حتى الآن في الخيام، وفي دول اللجوء، وليس لهم من مأوى أو مورد رزق على تراب وطنهم.
ثم إن تحقيق المصالحة الوطنية وإنصاف الضحايا يتطلب أيضًا أن يعترف المجرمون بجرائمهم، وأن يُقدّموا الاعتذار عنها على مرأى ومسمع الرأي العام السوري، وهذا ضروري لتأكيد الإحساس بأهمية دور الضحايا في مجرى سير المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، والتأكيد أيضًا على أنهم وحدهم المخوّلون بقبول العفو من عدمه.
وعليه، يُفترض عدم التفكير في تجاوز هذه المعادلة، وعدم السماح لأي مسؤول أن يتبنى عفوًا كهذا بعيدًا عنهم، وحتى لو تم ذلك بالتوافق مع جميع قيادات العالم ودوله، فسيبقى منقوصًا ما لم يتم الرجوع إلى الضحايا، والبحث في تفاصيل الجرائم التي ارتُكبت بحقهم، لإدراك مخاطر الإبقاء على المجرمين طلقاء. والضحايا قبل غيرهم ينتظرون من يأخذ بيدهم، ويمدّهم بإمكانيات النهوض والثبات، قبل انهيارهم بعد تهجير وفقر وتشرد استمر لأربعة عشر عامًا.
والطبيعي أن كل هذا يحتاج إلى طاقات وإمكانات تفوق طاقات الدولة السورية الوليدة، ولذلك يُفترض الاشتغال على هذا الأمر الآن من قِبل كافة الجهات القضائية والقانونية. فأي عفو ارتجالي سيُضاعف من هول الجريمة، وسيجعلها أفدح من الأولى، لكونها ستغدو جريمة مركّبة تتمثل في حماية المجرمين ومنحهم فرصة لإعادة تكرارها، ونكء جراح الضحايا من جديد.
ولتفادي مخاطر عفو كهذا، أقرت القوانين الدولية، وبخاصة اتفاقيات جنيف والمحكمة الجنائية الدولية، منع العفو عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، واعتبارها لا تسقط بالتقادم. نعم، حدثت وقائع عفو جزئية أو كلية عن مجرمي الحروب، لكنها غالبًا ما كانت محل رفض وجدال أخلاقي وقانوني من قبل المجتمعات الدولية، وقد ازداد هذا الرفض في السنوات الأخيرة مع تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ولا سيما في ظل السياق السوري المشبع بهول الجرائم والفظائع التي ارتكبتها أجهزة النظام الأسدي على نحو منهجي.
ومن هنا، فإن اتخاذ أي قرار يقفز فوق آلام وأوجاع الضحايا، سيعني العبث بكرامتهم وبحقوقهم الشخصية، وسيفتح المجال واسعًا لحدوث عمليات ثأرية قد تهدد السلم الأهلي برمّته. صحيح أنه لم يصدر حتى الآن أي عفو رسمي عن مجرمي الحرب، لا على المستوى الداخلي، ولا على مستوى المجتمع الدولي، لكن من الضروري الإشارة، مرة تلو الأخرى، إلى أن غياب المحاسبة والعفو عن المجرمين من شأنه أن يُفسد القواعد التي تُبنى عليها الدولة، ويُغلق الباب أمام أي مصالحة وطنية، ويؤدي إلى فقدان الثقة بين المكونات السورية.
نقول ذلك لأن كثيرًا من السوريين يشعرون أن هناك، خلف الكواليس، من يطرح فكرة “العفو” كجزء من التسويات المستقبلية، ويستشعرون أن هناك ما يُشي بعفو ضمني، خصوصًا أنهم يرون العديد من المجرمين يعيشون طلقاء بينهم، في حين تتم ملاحقة مجرمي النظام السوري في دول اللجوء، كما حدث ويحدث في ألمانيا وفرنسا والسويد، حيث جرت وتجري محاكمات لمسؤولي النظام السوري السابقين بتهم جرائم ضد الإنسانية، عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية، مثل محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب في ألمانيا، ومؤخرًا الحكم بالمؤبد الصادر عن المحكمة الألمانية بحق الطبيب السوري علاء موسى.
لا يمكن بناء سلام على عظام الضحايا المنسيين: إذ يُكرّس عفو كهذا ثقافة الإفلات من العقاب.
وحتى إن كانت مثل هذه المحاكمات لا تُمثّل عفوًا ولا مسارًا عداليًا شاملًا، فإنها تبقى محاولات رمزية ومهمة في كسر جدار الإفلات من العقاب. فالعفو عن مرتكبي الجرائم، خصوصًا في حالات مشابهة للحالة السورية، لا يُعد مسألة قانونية أو سياسية فحسب، بل هو مسألة اجتماعية وأخلاقية تؤثر مباشرة على السلم الأهلي، وعلى شرعية السلطة القائمة، أو أي سلطة مستقبلية.
ويمكن أن نُبيّن أبرز مخاطر العفو الارتجالي على السلم الأهلي في عدّة نقاط:
تقويض العدالة وزرع شعور الظلم: إذ إن العفو عن مرتكبي التعذيب، والقتل الجماعي، أو الاغتصاب، يُنتج شعورًا عميقًا لدى الضحايا وذويهم بأن دماءهم مهدورة. ومثل هذا الشعور يخلق حالة من النقمة الكامنة، وقد يولّد دوافع انتقامية لاحقة، ورفضًا للدولة الوليدة.
لا يمكن بناء سلام على عظام الضحايا المنسيين: إذ يُكرّس عفو كهذا ثقافة الإفلات من العقاب. فحين يرى الناس أن من ارتكب الجرائم لم يُحاسَب، تتكرّس لديهم فكرة أن القوة تُكافأ ولا تُحاسَب، وهذا يهدد أي مشروع مستقبلي لدولة القانون، ويُبقي العنف خيارًا مطروحًا لدى الأفراد والجماعات.
العفو دون محاسبة أو مساءلة حقيقية يُنتج ذاكرتين متوازيتين: واحدة تعتبر ما جرى انتصارًا، وأخرى تعتبره جريمة لم تنتهِ بعد. ومثل هذا الانقسام يُضعف أي مشروع للهوية الوطنية الجامعة، ويؤسس لاحتراب رمزي، وربما دموي لاحقًا.
إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة الجديدة: فإذا ما تم العفو عن الجلادين أو أُعيدوا إلى مؤسسات الدولة (كالجيش، والقضاء، والأمن، والتربية، والإعلام)، فإن شرعية هذه المؤسسات ستُصاب بالشلل. فلن يثق الناس بقاضٍ كان قد ساقهم إلى السجون والمعتقلات في العهد الأسدي، ولا بجهاز شرطة يقوده من اعتقلهم أو عذّبهم، ولا يمكنهم كذلك تصديق من يدّعي الفضيلة على وسائل الإعلام، بينما هو في الأساس ليس إلا مخبرًا وواشيًا وشبيحًا.
تلفزيون سوريا
————————————
كيف يمكن لسوريا الاستفادة من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام؟
ربى خدام الجامع
2025.06.18
نشرت مجلة “المراقب الجيوسياسي” (The Geopolitical Monitor) تقريراً تحليلياً سلّط الضوء على إمكانية استفادة سوريا من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام والمصالحة الوطنية، وذلك في سياق ما بعد الحرب.
وتناول التقرير أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين، مشيراً إلى الدروس التي يمكن لسوريا أن تتعلمها من مسار تعافي ليبيريا بعد الحرب الأهلية التي انتهت عام 2003، مع التركيز على التحديات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إعادة الإعمار.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع إعادة إعمار سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المنصة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
تماماً كما شهدت ليبيريا تحديات معقدة وهي تسعى نحو نشر السلام بعد انتهاء آخر حرب أهلية فيها عام 2003، كذلك أصبحت سوريا أمام مسار صعب على طريق نشر السلام والمصالحة، غير أن المثال الناجح الذي تحقق في ليبيريا، والتي أصبحت اليوم دولة ديمقراطية ومستقرة، يكشف بأن هذا المسار ليس بمستحيل، وهنالك دروس كثيرة بوسع سوريا الاستفادة منها في هذا المضمار.
إعادة إعمار سوريا: عملية مكلفة لكنها ليست مستحيلة
في ليبيريا، لعبت البعثة الأممية في ليبيريا وغيرها من العناصر الإقليمية الشريكة دوراً مهماً في عملية إعادة بناء البلد، فقد وصل الناتج القومي الإجمالي لليبيريا في عام 1998 إلى 295 مليون دولار، وذلك قبل اندلاع حربها الأهلية الثانية بعام واحد. ومنذ انتهاء الحرب في عام 2003، حصلت ليبيريا على مساعدات وقروض وإعفاءات من الديون وصلت قيمتها إلى ستة مليارات دولار مجتمعة، أي ما يعادل أضعاف حجم اقتصادها في عام 1998.
وبالمقابل، فإن عملية إعادة بناء سوريا قد تصل كلفتها إلى 400 مليار دولار وذلك بحسب مؤسسة كارنيغي، وهذا الرقم أعلى بكثير من إجمالي المساعدات التي رصدت لليبيريا، حتى مع مراعاة نسبة التضخم التي ظهرت منذ نهاية الحرب الأهلية الليبيرية. وفي هذا السياق، فإن الناتج القومي الإجمالي السوري قد وصل في عام 2010 إلى نحو 60 مليار دولار، وذلك قبل عام واحد من اندلاع الحرب السورية، كما أن خطة مارشال التي تأسس بموجبها صندوق الإنعاش الأوروبي قد رصدت 13 مليار دولار لتعافي أوروبا من آثار الحرب العالمية الثانية (ما يعادل بقيمة الدولار اليوم نحو 150 مليار دولار)، وكل تلك الأرقام تقل عن المبلغ الذي حددته التقديرات لإعادة إعمار سوريا، والذي وصل إلى 400 مليار دولار.
غير أن إعادة إعمار سوريا تتطلب التزاماً كبيراً بتقديم الموارد، ولشرح هذه الفكرة نقول بإن إجمالي الثروة في العالم يزداد بسرعة أكبر من وتيرة ازدياد التضخم، ولذلك أصبح إجمالي الناتج العالمي أكبر بخمسين ضعفاً مما كان عليه في عام 1960، والذي وصلت قيمته وقتئذ إلى ما يربو عن 100 تريليون دولار بمقاييس اليوم. وبالمقابل، فإن قيمة الدولار الواحد كانت تعادل في عام 1960 نحو أحد عشر ضعفاً من قيمته في عام 2025، أي أن مبلغ 150 مليار دولار بمقاييس اليوم يعبر عن نسبة ضئيلة من ثروة العالم مقارنة بثروته التي وصلت إلى 13 مليار دولار في عام 1960.
هذا وستلعب الدول الإقليمية دوراً مهماً في إعادة إعمار سوريا، فالناتج القومي الإجمالي للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد وصل إلى نحو 2.1 تريليون دولار، أما تركيا التي تجاور سوريا فيقل ناتجها القومي الإجمالي عن ذلك، حيث وصلت قيمته إلى 1.1 تريليون دولار، ولكن عندما نجمع الناتج القومي الإجمالي لتلك الدول فسنحصل على قيمة تقارب الناتج القومي الإجمالي للمملكة المتحدة والذي يبلغ 3.4 تريليون دولار، في حين تتمتع كل من ألمانيا واليابان والصين والولايات المتحدة بناتج قومي إجمالي أعلى من ذلك.
وعلى أرض الواقع، فإن المجتمع الدولي إن كانت لديه الرغبة والإرادة، فيمكن عندئذ لمزيج من المساعدات والقروض أن يضع سوريا على مسار التقدم الاقتصادي والاستقرار. والأهم من كل ذلك، ستظهر الحاجة عندئذ لتنصيب حراس أشداء يمارسون سلطاتهم ضد الفساد والابتزاز، وهنا يمكننا أن نتعلم الدرس من ليبيريا التي عانت من مصاعب مزمنة مع الفساد، وتلك المصاعب تعلم المجتمع الدولي دروساً تتعلق بكيفية تجنب الوقوع في تلك المزالق مع الحالة السورية، إذ تشمل الأمثلة على ذلك الشفافية الكاملة بالنسبة لمسؤولي الحكومة والوزارات، وبذل ما يكفي من الجد والاجتهاد فيما يتصل بإدارة الأموال، إلى جانب مشاركة الناس في عملية توزيع المساعدات.
ومن المرجح للتوترات الجيوسياسية التي أثرت على سوريا أن تؤثر على الأطراف الذين سيدعمون هذا البلد من خلال المساعدات في نهاية المطاف، فسوريا محاطة بقوى إقليمية تدخلت في الحرب ناهيك عن الانقسامات الطائفية الموجودة فيها، وعندما نقارن ليبيريا بها، نجد بأن التجربة الليبيرية مع الحرب الأهلية كانت مباشرة نسبياً وأثارت جدلاً أقل من سوريا على الصعيد الجيوسياسي. لذا فإن المصالح الجيوسياسية المتعارضة ما بين الجهات الفاعلة الإقليمية مثل تركيا ودول الخليج وإيران تعتبر من أهم القضايا التي ستواجهها سوريا في عملية إعادة بنائها بما أن كل هذه الدول قد دخلت في حالة تنافس على النفوذ الإقليمي.
العمل الجاد على صعيد السلام والمصالحة
تعتبر مسألة تشجيع حالة العودة للإندماج على المستوى السياسي والاقتصادي بالنسبة للمقاتلين السابقين مسألة مهمة للغاية، إذ في ليبيريا، وضعت برامج اقتصادية محددة لإعادة دمج عناصر سابقة من فصائل الثوار، وقد حققت تلك البرامج نجاحاً منقطع النظير. كما استطاع هذا البلد وبكل نجاح أن يدمج عناصر الميليشيات ضمن الجيش، ما أوجد قوة متعددة الأعراق ضمن تلك العملية. ثم خضع الجيش نفسه لتدريب مباشر على حقوق الإنسان، كان الهدف منه تحسين العلاقات بين الجيش والشعب. وفي ليبيريا أيضاً، جرى تشجيع الخصوم السياسيين السابقين على المنافسة في اجتماعات المجلس التشريعي، لا من خلال النزاع المسلح، وذلك بعد خوض السباق الانتخابي. وهذه العملية في سوريا لابد أن تكون صعبة وعسيرة، لأنه من غير المضمون أن تقبل جميع الميليشيات بنزع سلاحها أو تسريح عناصرها، ومن المرجح لإصلاح المؤسسة العسكرية القديمة أن يستغرق سنوات من العمل. غير أن عملية الدمج هذه تعتبر ضرورة أساسية لأي عملية انتقال ناجحة بعد النزاع، كما هي الحال في سوريا اليوم.
ثم إن تمكين المجتمعات التي هُمشت بسبب القتال كان من العناصر الأساسية لنجاح عملية إعادة بناء ليبيريا، إذ أسهم العمل الشعبي الجماعي، إلى جانب تمكين النساء، في ترسيخ استقرار النظام السياسي بليبيريا، كما شجع على مشاركة أطياف متنوعة من المجتمع المدني الليبيري. ولهذا يمكن تطبيق العمليات نفسها في سوريا لترسيخ الاستقرار فيها.
يذكر أن ليبيريا شكلت لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة، وشجعت على الحوار ضمن إطار العمليات السياسية الرسمية، فتبنت بذلك أساليب الحوار المتبعة في الدول الديمقراطية الغربية، مثل القاعات التي يجتمع فيها سكان المدينة بالسياسيين وتدار فيها نقاشات عامة وغير ذلك. ولهذا، تحتاج سوريا هي الأخرى إلى تبني سبل وطرائق مماثلة من أجل الحوار إن كانت ترغب بحق في أن تصبح دولة تحكم شعبها بطريقة ديمقراطية.
أهمية المسائل المتعلقة بالحكم
لابد من دراسة وافية لطبيعة أي مؤسسة سياسية جديدة، فقد احتفظت ليبيريا بنظامها الرئاسي بعد نهاية الحرب الأهلية فيها، بيد أن ذلك قد لا يكون الشكل الأمثل بالنسبة لسوريا، إذ بعد مرور أكثر من عقد على محاربة الرئيس المستبد المخلوع بشار الأسد، فإن الاحتفاظ بنظام رئاسي متين قد يعتبر عودة لتلك الممارسات السابقة أيام النظام البائد، وفي حال احتكار فئة معينة للسلطة التنفيذية في البلد عبر النظام الرئاسي، فلابد للانقسامات الطائفية أن تشتد عندئذ.
وبالمقابل، فإن فرض نظام برلماني في سوريا قد يضعف الضوابط وحالات التوازن فيها، كما أن الانقسام الطائفي في سوريا قد يصعب مسألة الحكم عبر البرلمان. لذا فإن تبني نظام شبه رئاسي، يجري من خلاله تقاسم السلطة التنفيذية بشكل فاعل، قد يساعد على تشكيل ائتلاف حاكم إلى جانب التفاوض بين مختلف الفرقاء السياسيين. ولكن قد يتمثل الخطر هنا بظهور حالة شلل سياسي في حال كان الرئيس ورئيس الوزراء ينتميان لحزبين مختلفين.
ثمة خيار آخر مطروح على الطاولة اليوم، وهو سوريا الفيدرالية، بيد أن الخطر الكبير هنا يكمن في احتمال ظهور حالة من عدم الاستقرار جراء التحول إلى النظام الفيدرالي، كما أن هذا النظام قد يضعف الوحدة الوطنية لسوريا ويجعلها عرضة للنفوذ الخارجي مستقبلاً. ونظراً لوجود تكتلات عرقية مثل الكرد في شمال شرقي سوريا الذين سعوا منذ أمد بعيد للتمتع باستقلال ذاتي، إلى جانب العلويين الموجودين في الساحل السوري، فإن النظام الفيدرالي قد يصبح ضرورياً لحماية المصالح السياسية لتلك التكتلات إلى جانب ضمان تأييدهم للدولة الجديدة. وبالمقابل، نجد بأن ليبيريا بقيت دولة موحدة على مدى فترة استقلالها الطويلة.
هذا ويتعين على سوريا أيضاً تغيير نظام انتخاب مجلس الشعب، وذلك لأن نظام التكتل الحزبي الحالي يضمن فوز أكبر حزب ضمن الدائرة الانتخابية بجميع المقاعد المتنازع عليها. وهنا لابد من إيلاء اهتمام كبير بالأقليات حتى تدلي بصوتها، وحتى تكون ممثلة بأحزابها. ثم إن تحديد نسب التمثيل في مجلس الشعب يعتبر وسيلة ناجعة لتحقيق ذلك، بيد أن تطبيق نظام التمثيل النسبي، مثله مثل تبني النموذج الفيدرالي، لابد أن تعترضه عقبات طائفية مماثلة، وبصرف النظر على المشكلات الطائفية والأمنية، قد تجد أكثر الدول استقراراً صعوبة في إصلاح دساتيرها ونظمها الانتخابية.
وهنالك أيضاً تحديات تواجهها سوريا اليوم وواجهتها ليبيريا من قبلها ولكن بنسبة أقل، وذلك لأن نسبة النازحين في الداخل السوري وخارج سوريا تفوق نسب من نزحوا من ليبيريا، فقد نزح الآلاف من الليبيريين وقت الحرب، في حين نزح 14 مليون سوري وسورية خلال الحرب، وهذا ما يؤكد مدى تعقيد عملية إعادة دمج المواطنين النازحين، كما تعرضت ليبيريا لتحديات كبيرة في مجال بناء المؤسسات وعمليات بناء الثقة، وهذه التحديات لابد أن تظهر بصورة أشد وأخطر في سوريا.
على الرغم من أن مهمة بناء سوريا الجديدة منوطة بالسوريين أنفسهم، لا يمكن للمرء أن ينكر أهمية التدخلات الدولية الكبيرة ضمن هذا المسار الشاق الذي ينتظر سوريا. ولكن نظراً لوجود إرادة دولية كافية، فإن الأنموذج الليبيري يشير إلى إمكانية عودة السلام والاستقرار لسوريا.
المصدر: The Geopolitical Monitor
تلفزيون سوريا
—————————
3 تحديات أمنية تواجه الحكومة السورية رغم الاستقرار التدريجي/ فراس فحام
18/6/2025
بسقوط نظام الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سقطت المنظومتان الأمنية والعسكرية بالكامل، ورغم حلول مؤسسات حكومة الإنقاذ السابقة القادمة من إدلب محل المؤسسات المنحلة فإنها لم تكن كافية لملء الفراغ الكبير.
وفي وقت تستكمل فيه الحكومة السورية المشكّلة حديثا تشكيل وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية في البلاد وتوحيد الفصائل الثورية وجمع السلاح تعاني البلاد من تهديدات أمنية مستمرة، على رأسها استمرار نشاط فلول نظام الأسد بالتوازي مع تقارير عن التحاقهم بمناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق البلاد.
وبالإضافة إلى تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية يتزايد التوتر على خلفية الغضب الشعبي وعدم الرضا عن سير ملف العدالة الانتقالية، خاصة مع إعلان الإدارة السورية بشكل واضح عن وجود تعاون بين قيادات سابقة في نظام الأسد من أجل الاستقرار.
فلول نظام الأسد
في مطلع يونيو/حزيران الجاري أصدر نشطاء سوريون مهتمون برصد الأوضاع في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة “قسد” تقارير تؤكد استمرار التحاق فلول نظام الأسد بهذه القوات.
ووفقا للتقارير، فإن “قسد” -التي احتوت بالأصل عناصر سابقة من نظام الأسد بعد سقوطه- فتحت الباب للمتطوعين القادمين من الساحل السوري ومحافظتي حمص وحماة، حيث نظمتهم ضمن تشكيلات جديدة، ويناهز عددهم 6 آلاف عنصر.
وبحسب المصادر، فإن “قسد” وزعت هذه التشكيلات على منطقتي الطبقة والمنصورة في محافظة الرقة، بالإضافة إلى حقلي العمر وكونيكو في دير الزور.
وأفاد نشطاء ينحدرون من منطقة شمال شرق سوريا لموقع الجزيرة نت بأن “قسد” تعمل على تعزيز هيكلها بالعناصر العربية لتعويض النزيف الذي أصابها بعدما بدأت العناصر العشائرية العربية المحلية بالانفضاض عن التنظيم إثر سقوط نظام الأسد، مع تفضيل الالتحاق بالمؤسسة الأمنية التي تؤسسها الحكومة الجديدة، خاصة في محافظة دير الزور.
وفي الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري اندلعت اشتباكات بين الفرقة 66 التابعة للجيش السوري الجديد وتشكيلات تتبع لقسد شرق محافظة الرقة، مما أدى إلى سقوط قتلى بعد استخدام القذائف الصاروخية للمرة الأولى عقب الإعلان عن الهدنة بين الطرفين في مارس/آذار الماضي.
وتشهد مناطق شمال شرق سوريا -خاصة محافظة دير الزور- ارتباكا أمنيا وعمليات اغتيال شبه يومية، في ظل انتقادات كثيرة يوجهها الأهالي للجهاز الأمني الرسمي في المحافظة، مع الحديث عن احتوائه على عناصر كانوا سابقا ضمن الأجهزة الأمنية لنظام الأسد.
فقد نشر نشطاء من دير الزور معلومات تؤكد التحاق عناصر كانوا يعملون سابقا لدى النظام ضمن الفوج الـ47 الذي كان محسوبا على الحرس الثوري، وهذا ما دفع وزارة الداخلية السورية إلى الكشف عن تعليق عمل المئات من العناصر من أجل دراسة ملفاتهم مجددا.
وعلى الرغم من انخفاض نشاط فلول نظام الأسد في منطقة الساحل السوري ومحافظة حمص بعد الموجة الكبيرة لنشاطهم والتي بلغت ذروتها في مارس/آذار الفائت فإن الهجمات لم تتوقف بالكامل.
ونفذ عناصر مسلحون في اللاذقية منتصف يونيو/حزيران الجاري هجوما على عائلة تستقل سيارة لوحاتها صادرة عن محافظة إدلب، ظنا منهم أنها تتبع للأمن السوري.
كما شهدت منطقة تل كلخ في محافظة حمص هجمات لفلول الأسد، مما دفع الحكومة السورية إلى إرسال تعزيزات للمنطقة وتنفيذ حملة أمنية لتحييد العناصر المهاجمة.
نشاط خلايا تنظيم الدولة
في 30 مايو/أيار الماضي تبنى تنظيم الدولة هجوما على فرقة تتبع للجيش السوري الجديد نتج عنه مقتل عنصر وإصابة 3 آخرين من الفرقة 70، حيث تم تنفيذ الهجوم بعبوة ناسفة استهدفت آلية تتبع للفرقة في منطقة البادية السورية قرب محافظة السويداء.
التنظيم استبق هذا الهجوم بشن حرب إعلامية على الرئيس السوري أحمد الشرع بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض منتصف مايو/أيار الماضي، حيث اتهم التنظيم في زاوية خصصها ضمن صحيفة نبأ التابعة له الشرع بالتفريط بالشريعة مقابل الدعم الأميركي، ودعا المقاتلين الأجانب إلى الانضمام له.
وفي 12 يونيو/حزيران الجاري نقلت وكالة رويترز عن 20 مصدرا -بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون في سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا- تأكيدات بأن تنظيم الدولة بدأ إعادة تنشيط مقاتليه في العراق وسوريا، حيث يقوم بالدعاية لتجنيد المقاتلين مع توزيع الأسلحة.
كما أشارت المصادر إلى وجود قلق من انتقال مقاتلين أجانب مجددا إلى البلدين من أجل الالتحاق بالتنظيم.
وفي مطلع يونيو/حزيران الجاري سربت مصادر أمنية معلومات تفيد بتعيين تنظيم الدولة واليا في حلب يدعى أبو دجانة الجبوري وينحدر من العراق، مشيرة إلى أن سبب تعيينه هو عمله سابقا في تنظيم “جبهة النصرة”، وهو الاسم السابق لهيئة تحرير الشام قبل إعلان انفكاكها عن تنظيم القاعدة، وبالتالي فإن أبو دجانة يمتلك معرفة عن هياكل التشكيلات العسكرية التي كانت تابعة لـ”تحرير الشام” وتنشط حاليا ضمن الجيش السوري.
وفي منتصف مايو/أيار الماضي كشفت وزارة الداخلية السورية عن مداهمة مقرات يتوارى فيها عناصر من تنظيم الدولة ضمن أحياء حلب الشرقية شبه المهجورة، والتأكيد على إلقاء القبض على عناصر لخلايا تابعة للتنظيم.
وأكد مصدر أمني سوري للجزيرة نت أن خلايا تابعة لتنظيم الدولة أعادت بالفعل انتشارها في سوريا منذ بداية يونيو/حزيران الحالي، وتتمركز حاليا في بعض المناطق بريف دمشق وريف حلب، بالإضافة إلى مدينة دير الزور وما حولها، لكن دون رصد أي نشاط عسكري لها حتى اللحظة.
فجوات أمنية ومرحلة حساسة
وسلط معهد واشنطن للدراسات في تحليل صادر عنه أواخر مايو/أيار الماضي الضوء على عودة نشاط تنظيم الدولة، مشيرا إلى تنفيذه أكثر من 30 عملية منذ مطلع عام 2025.
وحذر المعهد في دراسته من قدرة التنظيم على إحداث اضطراب كبير في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة، وأوصى باستكمال تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، والذي ينص على سيطرة الحكومة على محافظة دير الزور، وبالتالي توحيد الإدارة في المحافظة، مما سيمنع التنظيم من استغلال الفجوات بين مناطق السيطرة المتباينة.
من جانبها، تدرك الحكومة السورية فيما يبدو أخطار عودة نشاط التنظيم في المنطقة وسوريا، وبناء عليه دخلت ضمن غرفة عمليات إقليمية تم الكشف عن تأسيسها أواخر مايو/أيار الفائت خلال اجتماع عقد في الأردن، وتضم الغرفة تركيا والأردن وسوريا والعراق ولبنان.
كما تحرص دمشق على تطوير التنسيق الأمني مع بغداد لمواجهة هذا التهديد، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال يونيو/حزيران الجاري المبعوث العراقي للملف السوري عزت الشابندر، وذلك بعد شهرين من زيارة رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري إلى دمشق.
التوترات الأمنية بسبب العدالة الانتقالية
يزداد التوتر الأمني في سوريا بشكل ملحوظ منذ المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان عضو لجنة السلم الأهلي المنبثقة عن الحكومة السورية في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري، بعد اعتراضات شعبية على إطلاق سراح العشرات من عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.
وبدلا أن يساهم المؤتمر الصحفي في تهدئة الشارع السوري المطالب بمحاكمة الضباط والعناصر السابقين في نظام الأسد انطلقت إثره موجة اغتيالات في مختلف المناطق السورية -خاصة محافظة حمص- طالت عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.
ولم تلق تصريحات صوفان القبول، خاصة تأكيده على أن قيادات سابقة في نظام الأسد مثل القيادي في مليشيا الدفاع الوطني فادي صقر تساهم في الملف الأمني وجهود تعزيز السلم الأهلي حاليا.
وردّت لجان ونقابات عدة على تصريحات صوفان، أبرزها لجنة العدالة الانتقالية في حمص المنبثقة عن فرع نقابة المحامين، وأكدت أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جادة وواضحة وشفافة وغير قائمة على المقايضات.
واعتبرت تصريحات صوفان عن إعطاء الأمان لقيادات سابقة في نظام الأسد استفزازا للضحايا، كما انتشرت دعوات لمظاهرات شعبية في إدلب وحلب وحمص وريف دمشق.
ومنذ المؤتمر الصحفي تم تسجيل حالات اغتيال لقيادات وعناصر سابقة في نظام الأسد نفذتها عناصر مسلحة مجهولة في محافظات عديدة، وطالت في محافظة حلب خالد الكحيل أحد قادة لواء القدس الذي كان بمثابة ذراع عسكرية رديفة لنظام الأسد في حلب.
وفي محافظة حمص تمت تصفية عقيدين سابقين في جيش الأسد هما هيثم محمود ويوسف محمود، كما أضرم مجهولون النار بمنزل الضابط السابق مفيد خضور ضمن مدينة مصياف في محافظة حماة.
ونتيجة تنامي حالات الاغتيالات ألقى العديد من خطباء المساجد في سوريا في 13 يونيو/حزيران الجاري خطبة موحدة عن ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي والابتعاد عن أعمال الانتقام.
ومن شأن تصاعد التهديدات الأمنية أن تؤثر سلبا على جهود الحكومة السورية الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي والمعاشي، خاصة إذا وصلت إلى مستوى يدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن العودة إلى سوريا وتأسيس مشاريع فيها.
المصدر: الجزيرة
——————————
ما هكذا تورد الإبل… السلطة والعدالة في سورية/ أحمد طعمة
18 يونيو 2025
لم يكن مستغرباً أن يرفض الشارع السوري قرار السلطة الحالية الإفراج عن مجموعة متّهمين بتلطخ أيديهم وثيابهم بدماء الأبرياء من السوريين، الذين خرجوا بثورتهم مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، فواجهوا آلة الموت والتنكيل. لم يكن غريباً هذا الرفض، كما لم يكن مستغرباً الغضب العارم الذي اجتاح قلوب الأهالي وهم يشاهدون المؤتمر الصحافي الذي عقده عضو لجنة السلم الأهلي، حسن صوفان، محاولاً تبرير ما لا يُبرَّر، وتجميل قرارٍ لم يكن في ظاهره إلا صفعةً جديدةً لضحايا لم يدفن رفاتهم. وكثيرون من أهالي الضحايا، الذين تابعوا المؤتمر بعيون دامعة وقلوب ممزّقة، لا يعرفون حتى اليوم أين وُوريت جثث أبنائهم، وما إذا كانت ستُكشف لهم الحقيقة يوماً. لكنّ المستغرب بحقّ (بل المؤلم) أن تبدو السلطة كأنّها لم تتوقّع هذا الرفض الشعبي، أو أنها لم تُلقِ له بالاً من الأساس. وهنا تبرز المفارقة بين منطقَين متصادمَين: منطق أبناء الثورة الذين ما زالوا يؤمنون أن مبادئها الكُبرى (الحرية والعدالة والكرامة) ليست شعاراتٍ للمساومة، بل حقوقاً دفعوا ثمنها غالياً ولا يمكن التفريط بها، ومنطق تتبنّاه السلطة الحالية، ترى فيه أن تثبيت السيطرة وبسط النفوذ السياسي والأمني يعلوان على بناء الدولة العادلة التي يحلم بها السوريون. أمام هذا التباين الحادّ بين رؤيتَين متضادَّتَين لمستقبل سورية، تبرُز الحاجة الملحّة إلى دراسة جدّية ومتأنية لهذَين المنطقَين المتصادمَين، علّنا نصل إلى مخرج متّزنٍ وعادلٍ من هذه الإشكالية المعقّدة، رغم القناعة بأن التوفيق بينهما يبدو في هذه المرحلة أمراً بالغ الصعوبة، ويحتاج إلى عمل جادٍّ ودؤوب.
حسب المنطق الثوري، لا يمكن القبول بالإفراج عن متّهمين بارتكاب انتهاكاتٍ فظيعةٍ بحقّ مواطنين عزّل، من دون محاكماتٍ عادلةٍ أو إجراءاتٍ قضائيةٍ شفّافة، تحت ذريعة السلم الأهلي أو شعار المصالحة. وعليه، فإن تمرير مثل هذه القرارات خارج مؤسّسة القضاء، لا يُعدّ تجاوزاً لها فقط، بل هو نسف فعلي لمشروع المؤسّسة القضائية الناشئة، التي يفترض أنها ستكون من ركائز الدولة الجديدة. إنها عودة صادمة لمنطق الدولة البوليسية، إذ تختلط السلطات وتجمع، وتُمحى الحدود بين القانون والسلطة السياسية، وتُفتح الأبواب (علناً لا سرّاً) لمرتكبي الجرائم كي يسرحوا ويمرحوا بين الناس، بل إن أحد المتّهمين البارزين، فادي صقر، أصبح نفسه من يقود هذه “المصالحات”، في مشهدٍ يُعيد فتح الجراح، ويُشعر أهالي الضحايا بالمهانة والخذلان، كيف يُطلب من أمٍّ مفجوعةٍ لا تعرف مصير عظام ولدها أن تتقبل هذا “السلم”، أو من أبٍ دفن نصف أسرته تحت الأنقاض، أن يصفّق لعودة الجلّاد؟… يعبّر صوت هؤلاء المكلوم بوضوح عن موقفٍ لا لبس فيه: العفو عن الحقّ العام لا يعني إهدار حقوق الضحايا، والعدالة لا تسقط بالتقادم. يرى منطق الثورة أن العدالة الانتقالية ليست مبدأً أساساً فقط، بل الشرط الأول لتحقيق السلم الأهلي الحقيقي، فهي السبيل الوحيد إلى إنصاف الضحايا وكسر دائرة الإفلات من العقاب. لذا، كيف يمكن قلب المعادلة وجعل السلم الأهلي مقدّماً على العدالة الانتقالية “وله عليها درجة”، كما حاول حسن صوفان أن يبرّر، خصوصاً في ظلّ الشكوك الواسعة التي تحوم حول قدرة هيئة العدالة الانتقالية على أداء مهامها، أو حتى إرادتها الحقيقية في ذلك، ما يثير مخاوف من أن العدالة قد تصبح مجرّد شعار بلا مضمون؟
من الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة غموض السلطة في تصرّفاتها، ونقص شفافيتها في الحكم، بالإضافة إلى غياب سردية واضحة ومتماسكة تُقنِع الشعب. زاد هذا الغموض غير البنّاء من شكوك الناس، حتى في تصرّفاتٍ قد تكون صحيحةً في جوهرها، فلم يعد ثمّة من يثق في السلطة بسهولة. يرى الثوار أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم رغبة السلطة الحالية في تبنّي الشفافية، ولا في تقديم رؤية واضحة للشعب، إذ يخدم هذا الغموض مصالحها في ترسيخ نموذج حكمٍ لا يواكب طموحات السوريين في الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، بل ربّما يتناقض معها. ثمّ يطرح بعض أبناء الثورة سؤالاً محورياً: لماذا تُركّز السلطة كلّ جهودها في إرضاء الخارج، متجاهلةً الداخل؟… تبرّر السلطة ذلك بأنها ستولي اهتماماً للشعب داخلياً فقط، بعد كسب الشرعية الدولية، ثمّ تثبيت دعائم سلطتها داخلياً، وبعد ذلك قد تبدأ في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لكنّ هذا الترتيب يثير مخاوف جدّية، فلو كان صحيحاً، فقد يتأخر تحقيق هذه الوعود سنوات طويلة، وربّما يحدث بعد فوات الأوان، حين تفقد السلطة حاضنتها الشعبية، وتزداد الهوّة بينها وبين أبناء الوطن، الذين ينتظرون الحرّية والكرامة في حاضرهم، لا في مستقبل مجهول.
ويرى فريقٌ آخر من أبناء الثورة أن الإفراجات ليست إلا محاولةً من السلطة لتخفيف الضغط الدولي المتصاعد عليها، خصوصاً في ما يتعلّق بالمطالبة بكشف نتائج التحقيق في أحداث الساحل. السلطة، بحسب هذا الرأي، تسعى إلى تأجيل إعلان تلك النتائج، أو تمييع القضية برمّتها، خشية أن تظهر مسؤوليتها المباشرة، حتى لو كانت جزئيةً، في ارتكاب بعض هذه الانتهاكات. جرت مصالحاتٌ كثيرة عبر تسويات مالية على حساب القيم الأخلاقية والثورية، وهذا مرفوض في جوهر أيّ ثورة حقيقية، فالسلطة ترى نفسها في وضع ماليّ صعب حالياً، وتبرّر هذه المصالحات بأنها وسيلة لجمع الأموال الضرورية لإنقاذ الاقتصاد الوطني، مطالبةً الناس بالصبر، وبتحمّل هذه المرحلة الصعبة. لكنّ هذا التبرير لا يقنع غالبية أبناء الشعب، الذين يؤمنون بأن حجم الجرائم التي ارتكبها أصحاب المصالحات أكبر بكثير من أن تُمحى بتسوياتٍ ماليةٍ، وأن دماء أبناء الوطن أغلى من حفنةٍ من الدولارات المغمّسة بالدماء، فالقضية تتعدّى المال، لتصبح مسألةَ عدالةٍ وكرامةٍ لا تقبل المساومة.
وممّا زاد الطين بِلَّة التبريرات التي قدّمتها السلطة في المؤتمر الصحافي، التي بدت غير منطقية، ما عمّق الاستياء والشعور بالخذلان لدى كثيرين. كان واضحاً في المؤتمر الصحافي شعور حسن صوفان بالتخبّط، إذ بدت حججه ضعيفةً وغيرَ قادرةٍ على إقناع الحضور، وربّما كان هو نفسه غير مقتنعٍ بما يطرحه. كما بدا جليّاً أن المؤتمر لم يُعدّ له جيّداً، وكان بالإمكان للسلطة أن تخفّف من حدّة الانتقادات الثورية عبر مزيدٍ من الصراحة والمكاشفة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة التي تتطلّب شفافيةً ووضوحاً أكبر. كان لافتاً تصريح صوفان بشأن طلبه منح اللجنة صلاحياتٍ للإفراج عمّن لم يثبت تلطّخ أيديهم بالدماء، وهو أمر خارج صلاحياتهم، ولا يملكها إلا القضاء. ويمثّل هذا التداخل تعدّياً على عمل هيئة العدالة الانتقالية التي لم تبدأ مهامها بعد، كما يثير سؤالاً منطقياً لا مفرّ منه: إذا كان هؤلاء فعلاً أبرياء، فلماذا اعتُقلوا من الأساس؟
علاوة على ذلك، كان دفاع صوفان عن منطق السلطة في تقديم ملفّاتٍ بعينها على حساب أخرى غير مُرضٍ، ولا يتناسب مع دوره. إذ كان من الأجدر به أن يركّز جهوده في قضايا السلم الأهلي وسبل تحقيقه، بدل الانجرار إلى تبريراتٍ متشابكة. في المقابل، ترى السلطة قرار الإفراج حقّاً حصرياً لولي الأمر، وطاعته واجبة بلا منازع. لكنّ هذا الموقف يثير إشكالات فقهية وسياسية عديدة، لا يقلّ أهمها عن الجدل القديم “الشورى ملزمة أم معلّمة”، أي حول مدى إلزامية الشورى أو أنها مجرّد مبدأ إرشادي. كما أن التبرير الشرعي للإفراج بالاستناد إلى مبدأ “المؤلّفة قلوبهم” غير مقبول، فليس من المنطق أن تُعطى السلطة السورية منزلةَ النبي (صلّى الله عليه وسلم) المؤيَّد بالوحي، ولا أن يُرفع المفرج عنهم إلى مستوى المؤلّفة قلوبهم، مع العلم أن النبي، ومع قوله “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، ونهيه عن القتل، استثنى أشخاصاً بأسمائهم من مجرمي الحرب، فأمر بقتلهم ولو تعلّقوا بأستار الكعبة.
يرى مؤيّدون للسلطة أن الحكومة السورية، حتى وإن كانت انتقاليةً، لها الحقّ في اعتماد السياسة التي تراها مناسبةً للحفاظ على السلم الأهلي. فهم يؤكّدون أن صانع القرار في الدولة هو الذي يتحمّل مسؤولية اختياراته ونتائجها، وأنه مضطر لاتخاذ قرارات صعبة قد تُغلِّب المصلحة العامة حسب رؤيته الخاصّة. ووفق منطق السلطة، كان ظهور فادي صقر مقنعاً إلى حدّ ما، إذ نفى بشكل قاطع أيَّ علاقة له بمجزرة حي التضامن في دمشق (2013)، موضحاً أنه جرى تعيينه قائداً للمليشيا في الحي بعد وقوع المجزرة، وأنه لم يحصل على عفو من الحكومة السورية، كما أن وزارة الداخلية لا تمتلك أيَّ دليل ضدّه، وهو على استعداد للخضوع لأيّ محاكمة قضائية. وأشار أيضاً إلى أن خلفيّته قد تساعد في إقناع أنصار النظام السابق بالبقاء ضمن إطار الدولة. كما طرح تساؤلاتٍ بشأن إمكانية قبول جمهور الثورة أمثاله شركاءً في الوطن، مؤكّداً أن اسمه بات اختباراً حقيقياً لإمكانية التعايش بين طرفي الصراع في سورية. ويحمل هذا الطرح شيئاً من المنطق لو خُرِج به إلى الناس مبكّراً، وبمصارحة ومكاشفة كاملة بشأن أدواره السابقة، وقبل أن يتولّى مهامه الحالية مع لجنة السلم الأهلي، لكان أكثر إقناعاً لشعبٍ كريمٍ يحبّ المسامحة ويرغب في استئناف حياته التي دمّرها النظام البعثي البائد.
تعتقد السلطة أن شعلة انتصار الثورة لا تزال متوهّجةً، وأن التفويض المعنوي الذي منحه إياها الشعب سيستمرّ بلا نهاية. لكنّها تناست حقيقةً مؤلمةً، هي أن وهج الانتصار وفرحة إسقاط نظام بشّار قد تخفتُ بعد عام أو يزيد قليلاً. حينها، يبدأ الناس في مواجهة واقعهم المرير وظروفهم المعيشية المتردّية، ولن يقبلوا بعد ذلك شعارات من قبيل “إذا حرّرنا المخطوفة، فلا تسألني إلى أين آخذها”. فالناس اليوم بحاجة إلى أكثر من وعود جوفاء، يحتاجون إلى حياة كريمة وعدالة حقيقية تلمسان تفاصيل يومهم. على الجميع أن يستخلصوا دروساً مهمّةً من هذه الحادثة، خصوصاً السلطة، التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من التعلّم واكتساب الخبرة في فنون البناء السياسي السليم. فقد ثبت أن تجربة إدلب، رغم بعض نجاحاتٍ رافقتها، لا تكفي لإدارة سورية بأكملها. سورية وطن متنوّع الألوان، وإدارتها مسؤولية أخطر وأكثر تعقيداً ممّا تتصوّر.
مطلوبٌ من السلطة في سورية، وبأسرع وقت ممكن، إجراء محاكماتٍ علنيةٍ لأكابر مجرميها، تُظهر الحقائق بلا مواربة. كما يجب أن تُعقد جلسات مكاشفة ومصارحة، يعترف فيها كلّ متورط بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ثمّ يقدم اعتذاراً شجاعاً، على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا. فالشجاعة الحقيقية تكمن في مواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين. لا بد أن يشعر المواطن بالعدل وينال حقوقه كاملةً، فالعدل هو أساس المُلك، وأساس استقرار الدولة. لكن المواطن السوري لا يزال يرزح تحت وطأة القهر، فهو لم ينلْ بعد عدالته المنشودة، ولا حرّيته التي كانت نبراس ثورته. فالحرية والعدالة هما الركيزتان الأساسيتان في مبادئ الثورة. ولعلّ من أهم الدروس التي استخلصناها من تجربتنا في الحكومة المؤقّتة، أن تراكم المشكلات، حتى لو كانت صغيرةً، قد يؤدّي إلى انفجار مفاجئ في لحظة تاريخية غير مناسبة، وتكون نتائجه كارثيةً وغير محسوبة. وما حدث بعد هذه الحادثة جرس إنذار مبكّر يجب على السلطة أن تنتبه له جيّداً، وتتّخذ التدابير اللازمة قبل فوات الأوان.
لم تنتهِ الثورة بعد، بل هي مستمرّة في مسيرتها نحو تحقيق مطالبها الأسمى في الحرية والكرامة والعدالة. أمّا السلطة التي تتجاهل رأي الشعب وتفضّل المصلحة السلطوية على حساب مصلحة الوطن، فهي تغامر بخسارة حاضنتها الشعبية التي لا غنىً عنها، وربّما تجرّ نفسها إلى مخاطر أشدّ وأعمق وأدهى. هي دروسٌ بليغةٌ على السلطة أن تستوعبها جيّداً، وقد قالت العرب قديماً: “الحكيم من اتعظ بغيره، والعاقل من اتعظ بنفسه، وأمّا الأحمق فمن لم يتعظ لا بنفسه ولا بغيره”. ونحن نأمل من النظام الحالي أن يكون عاقلاً، بل أن يرتقي ليصبح حكيماً.
العربي الجديد
————————-
غضب شعبي من إعادة تدوير رموز النظام السابق
21 يونيو 2025
هنادي الخطيب
في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، يبرز ملف العدالة الانتقالية كأحد أكبر التحديات المطروحة، لكن سوريين كثيرين صاروا بتوجسون من عدم امتلاك السلطة الجديدة إرادة حقيقية لمواجهة هذا الملف، لا سيما بعد إعادة تدوير بعض الأسماء التي كانت ضمن آلة القمع والفساد في النظام السابق (فادي صقر مثلًا)، الشيء الذي أثار موجة واسعة من الغضب الشعبي، بدأت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تتطور إلى احتجاجات مختلفة الأشكال والأساليب.
ويفسر الكاتب السوري حسام جزماتي، في حديث لـ “ألترا سوريا”، تعامل السلطة الحالية مع رجالات النظام السوري بالقول: “من الممكن أن يكون هاجس الحكم الجديد، ولا سيما في الأشهر الماضية، هو منع قيام “ثورة مضادة” تطيح بوجوده القلق على رأس السلطة، ولذلك عمل على تحييد عدد من كبار القادة العسكريين السابقين عبر المصالحات، وفي الحقيقة هذه هي حال فادي صقر، ومهمته هي الوصول إلى هؤلاء وإقناعهم بعدم العمل ضد الحكم الجديد مقابل التغاضي عن ماضيهم، وبقائهم في البلاد”.
ويرى كثيرون أن تصريحات لجنة السلم الأهلي الأخيرة، بشأن وجود فادي صقر خارج السجون، جاءت لتكشف أن الحكومة تتجنب اتخاذ خطوات جادة نحو العدالة.
ويقارن الكاتب جمال سعيد، في حديث مع “الترا سوريا”، بين قرارات الحكومة الموجهة إلى الخارج، وتلك التي تتعلق بالداخل السوري، قائلًا إن “السلطة الحالية في سوريا، عينت بعض الاكسسوارات في سياق مخاطبتها للغرب، بعد أن ازداد اللغط حول سلطة اللون الواحد، وإقصاء الأقليات والنساء، فعيّنت وزيرًا علويًا ووزيرة مسيحية ووزيرًا ذرزيًا، ولكنها في ذات الوقت وفي مفارقة لفتت نظر السوريين، سايرت الخارج وتجاهلت الداخل، إذ بقيت العدالة الانتقالية، التي تقتضي محاكمة من تلوثت يديه بالدماء بالإضافة إلى كبار الفلول المتعاونين مع سلطة الأسد، غائبة، وأكثر من ذلك تم التعاون مع أشخاص مثل فادي صقر الذي يعد مسؤولًا عن مجزرة حي التضامن والذي شغل موقعًا قياديًا في ميليشيا الدفاع الوطني”.
رجال أعمال يشترون حريتهم
انتشرت صور لرجال أعمال، ممن ساعدوا ودعموا ومولوا نظام الأسد، في شوارع المدن السورية، (أبرزهم محمد حمشو)، وسرعان ما بدأت سلسلة من الأسئلة حول سبب تجوالهم بحرية وحفاظهم على أموالهم وممتلكاتهم، والأكثر إحباطًا للشارع السوري أن عددًا من هؤلاء ما زالوا يتمتعون بما جنوه من ثروات ومن سلطة اجتماعية بل وسياسية وأمنية. وحول هذا يقول جزماتي إن “هاجس السلطة الحصول على أموال لتغطية مصاريف أساسية، قبل الانفراج المنتظر بعد رفع العقوبات، وربما رأت أن عددًا من كبار ضباط ومسؤولي النظام السابق كدسوا ثروات، وأن محاصصتهم فيها، كجزء من اتفاق المصالحة، هو نوع من “استرداد المال الوطني”، فعمدت إلى صفقات من هذا النوع تجري مع كبار موثوقيها”، ويتابع جزماتي أنه “عندما وصلت الكوادر المدنية لحكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام إلى العاصمة استنتجت بسرعة أن الدولة أكبر مما كانت تتخيل، وفي مواجهة تشعب المديريات والأقسام وتخصص العمل عمدت إلى الإبقاء على عدد من الموظفين الخبراء، ما لم يكونوا شبيحة مفضوحين، في مفاصل أساسية من الوزارات ريثما يتدرب الشباب المعتمدون على العمل ويتشربوا خبرات من سبقهم بأقصى سرعة لازمة وممكنة”.
ويضيف جزماتي: “بالنسبة لرجال الأعمال تفضّل السلطة الحالية عدم النظر إليهم كشركاء فعليين للنظام السابق، بل شركاء لأي نظام قائم، وبما أنها تحتاج إلى أموالهم وخبراتهم لتأمين الاحتياجات الرئيسية فقد أرسلت لهم إشارات إيجابية عديدة للعودة ومتابعة العمل، مع دفع جزء من ثرواتهم كتكفير عما مضى أو مقابل السماح باستمراريتهم”.
ومن جانبه يرى جمال سعيد أن “غسل جرائم الماضي والحاضر لا يتم بتعيين أكسسوارات تجميلية، من شبيحة وأعوان النظام السابق، بل بتطبيق فعلي لعدالة انتقالية في دولة قانون، وما يحدث الآن بعيد كل البعد عن دولة القانون”.
إجراءات رسمية ضعيفة
لم تتخذ الحكومة في سوريا حتى الآن، وبعد أشهر من سقوط نظام الأسد، أية إجراءات رسمية لمحاسبة رموز النظام، سوى تصريحات عن ملاحقة بعض عناصر قوات الأمن، دون تحديد الأسماء أو توثيق الأدلة بشكل رسمي، أو التحقيق في الجرائم بشكل جاد، وهذا زاد من خيبة الأمل والإحباط لدى السوريين، حيث يجدون أنفسهم بلا مساواة أمام القضاء والعدالة.
وتواصلت التعيينات لأسماء مرتبطين بالنظام السابق في مناصب حكومية، فعين وزير العدل، مظهر الويس، القاضي فؤاد سلوم رئيسًا للنيابة العامة في ريف دمشق (بمنصب محامٍ عام)، وأثار ذلك أيضًا موجة استياء واسعة بين نشطاء حقوقيين، إذ يعتبر سلوم جزءًا من بنية نظام الأسد الأمنية، ولديه، بحسب نشطاء، سجل حافل بالتعاون مع الأجهزة الأمنية في استصدار مذكرات قضائية بحق المعارضين والناشطين، بالإضافة لدوره في تعطيل عمل القصر العدلي بالسويداء خلال فترة الاحتجاجات الشعبية، وأما رد الوزارة على عاصفة الاحتجاجات فجاء مقتضبًا ملخصه أن الوزارة فتحت تحقيقًا في الادعاءات التي أثيرت مؤخرًا حول القاضي سلوم.
ومؤخرًا أثار قرار حاكم مصرف سوريا المركزي بتعيين المؤرخ سامي مبيض مستشارًا لشؤون توثيق تاريخ المصرف، غضبًا شديدًا وعاصفة من الاعتراضات والانتقادات، على اعتبار أن مبيض “كان من أحد كبار ملمعي صورة الأسد وجرائمه”، وكان يمارس دوره كباحث مندمج مع نظام الأسد من خلال تبييض صفحة الأخير، بل إنه شغل منصب عضو في مجلس أمناء مؤسسة “وثيقة وطن”.
ويقول جزماتي إن “السلطة في سوريا تحتاج إلى قرابين تقدّمهم على مذبح العدالة، أو العدالة الانتقالية، إرضاء لحاضنتها الغاضبة من تسيب هذا الملف”، وأكد أنه من الواضح أن الأمور “لا تسير بشكل منظم تمامًا، وإنما الحكومة الحالية محكومة بالارتجال، وتتداخل فيها الاجتهادات الشخصية للمسؤولين المحليين”.
وعدا عن الأسماء السابقة، تم تعيين أسماء مثيرة للجدل وإن لم تكن مرتبطة بشكل واضح أو وثيق بنظام الأسد. ويعتبر جمال سعيد أنه “في الوقت الذي تتابع فيه “الفصائل المنفلتة” قتل أناس أبرياء في مناطق الساحل السوري، يتم تعيين شخصيات أقل ما يقال فيها أنها خدمت نظام بشار الأسد، بالإضافة إلى أشخاص يعرف السوريون دورهم جيدًا في مساعدة النظام، وبعض هؤلاء، إن لم يكونوا جميعًا، يجب أن يحاكموا في سياق تطبيق العدالة الانتقالية التي تعتبر أحد أركان السلم الأهلي”.
دروس من التاريخ
يقال أن “السعيد من اتعظ بنفسه، والشقي من اتعظ بغيره”، لكن في سوريا اليوم، يبدو أن لا السعداء ولا الأشقياء استفادوا من دروس التاريخ، فبدلًا من أن تُبنى دولة القانون والعدالة على أنقاض نظام استبدادي قضى على آلاف الضحايا، نرى إعادة تدوير رموز الماضي ليجلسوا في مواقع القرار، ويستمروا في كتابة المستقبل ذاته، ولا نبالغ إن قلنا إن لم تُتخذ خطوات جادة نحو محاسبة الفاعلين الأساسيين في النظام السابق، فإن سوريا لن تخرج من دوامة العنف والإفلات من العقاب، ولن يكون أمام السوريين سوى مستقبل معلّق بين الثورة والفساد، وبين الدم والتجاهل.
الترا سوريا
—————————-
هيئة المفقودين.. المفقودة/ تمام صيموعة
بعد أسابيع من إعلان تأسيسها، لا وجود فعلي لهيئة المفقودين في سوريا على أرض الواقع. لا مبنى، لا كوادر، لا إعلان عن أعضائها، ولا أي تحرّك يوحي بأنها بدأت مهامها.. حتى مدّة الشهر التي مُنحت لتشكيل كادرها الإداري مرّت بصمت
20 يونيو 2025
تجلس امرأة خمسينية على كرسي بلاستيكي، ترتدي عباءة داكنة وتمسك بصورة باهتة لوجه شاب في العشرينات. إلى جانبها، شاب من ريف إدلب يتحدث عن شقيقه الذي فُقد أثناء عودته من الجامعة. في الزاوية، طفل يعبث بزجاجة ماء فارغة، يضربها على الأرض بينما يتحدث الكبار عن سنوات لم تصلهم خلالها أي إجابة.
هذا ليس مشهدًا عاديًا في سوريا. لسنوات طويلة، كان مجرد اللقاء بين اثنين من ذوي المعتقلين أمرًا محفوفًا بالخطر: مراقبة، تهديد، وربما اعتقال. كان الحديث عن الغائبين يُدار همسًا، ويُخبأ داخل البيوت، بين الجدران المغلقة والأبواب الموصدة.
اليوم، ولأول مرة منذ عقود، بات لهؤلاء مكان يجمعهم في العلن. لا يخافون من الكاميرات، وصار لذوي المعتقلين حضور في المجال العام، لا بوصفهم ضحايا فقط، بل كأصوات تحمل مطالب.
تتعدد لهجاتهم وتفاصيل الفقدان، لكنهم يتحدثون جميعًا عن غياب يشبه بعضه بعضًا: عن زنازين متشابهة، عن اتصالات قُطعت، عن أبواب أُغلقت ولم تُفتح بعد. وكأن الغياب نسج بينهم شكلاً جديدًا من القرب، جعل من الفقد رابطة.
الحضور الجديد لا يخلو من الخيبة أيضًا، فبينما خرجت أصواتهم إلى الضوء، بقي ملف المعتقلين غارقًا في العتمة. السلطات التي أطاحت بالنظام السابق لم تضع هذا الملف على رأس أولوياتها بعد. وعلى الرغم من أن الأمهات والآباء والإخوة باتوا يجتمعون علنًا، فإنهم ما زالوا يواجهون صمتًا من نوع آخر: صمتًا رسميًا يطيل انتظارهم ويعمّق جرحهم.
أين هم؟
في الساعات التي تلت الإعلان عن سقوط النظام، بدت دمشق كمن استيقظت من كابوس ثقيل، بعد إعلان السقوط بشكل رسمي – “سوريا من دون بشار الأسد” – أخذت القلوب تنبض في اتجاه آخر، مشدودة إلى أماكن لم تُعلن يومًا على الخرائط، لكنها محفورة عميقًا في ذاكرة السوريين: معتقلات نظام الأسد. أصبحت صور المعتقلين تُحمل لا كذكرى، بل كإثبات على أن أصحابها لم يُمحَوا، على أنهم ما زالوا هنا، أو هناك، لكنهم لم يغيبوا تمامًا.
بدأت المقاطع تظهر تباعًا، محمّلة على عجل في كل منطقة تطرد فيها فصائل المعارضة قوات النظام، مأخوذة بهواتف مرتجفة، بأيدٍ لا تصدّق أنها تفتح أبوابًا ظنّت أنها ستبقى مغلقة إلى الأبد.
شباب، ناشطون، صحافيون، وأناس عاديون دخلوا إلى مراكز الأمن. للمرة الأولى، يرى السوريون بأعينهم تلك الأماكن التي سمعوا عنها طيلة أربعة عشر عامًا، تلك التي لم يُسمح للكاميرات بالاقتراب منها، والتي بقيت حكاياتها محصورة في شهادات مقموعة. الآن، تفتح الأبواب أمام العدسة، وكان ما وراء الأبواب صدأ، وعفن، وجدران تأكل نفسها. وكان هناك أجساد أو ما تبقّى منها. وجوه بلا ملامح وعيون متسعة.
راح السوريون يحدّقون في تلك المقاطع كما لو أنهم يبحثون عن دليل على أن أحبّاءهم ما زالوا بين الأحياء. وتحوّل السؤال بسرعة: من “كيف سقط النظام؟” إلى “أين هم أين المعتقلون؟”.
واصِل الحميدي، صحافي فلسطيني-سوري من مخيم اليرموك في دمشق، قضى السنوات الأخيرة في البحث عن أثر شقيقه المفقود في سجون نظام الأسد. يقول إنّ الأيام التي سبقت سقوط النظام كانت الأصعب. كانت تحمل الأمل والخوف معًا، الأمل برؤيته حيًا، والخوف من الوصول إلى الحقيقة الصادمة، أن يكون قد مضى في قافلة الذين قضوا تحت أقدام الجلاد.
ساعات من الأمل
في الأيام الأولى لتحرّر حماة، كان واصل متسمّرًا أمام هاتفه، يتابِع المقاطع المصوّرة التي بدأت تنتشر تباعًا: زنازين تُفتح، أجساد نحيلة تتعثر في خطوتها الأولى بعد أعوام من العتمة، وجوه مذهولة، رجال خرجوا بأسمائهم التي ظهرت سابقًا في قوائم المتوفين.
قبيل سقوط النظام بيوم خرج واصل من منزله. ووصف ذلك اليوم بأن العاصمة كانت تمشي على رؤوس أصابعها، شيئًا في الجو العام كان يوحي بأن النهاية باتت قريبة، لم يكن يبحث عن مشهد سقوط النظام، كما قال، بل عن مشهد آخر: أبواب تُفتح.
توجّه إلى المربّع الأمني قرب ساحة الأمويين، حيث تتمركز كبرى الأفرع الأمنية. أخبرنا أنه لم يخطط لشيء محدد، فقط أراد أن يكون قريبًا من المكان الذي ربما تُفتح فيه السجون. قال: ” تأملت أن الفوضى قد تخلق فجوة، أن شخصًا ما قد يُطلق سراحه فجأة، أو أن أبوابًا قد تُترك مواربة”.
لكن حين وصل، وجد العكس تمامًا: تعزيزات أمنية مشددة، جنود في وضعية التأهّب، وعيون تراقب كل شيء. لم يجرؤ على طرح أي سؤال. في تلك الليلة، لم يستطع واصِل النوم. كان قلبه يدقّ كما لو أنّ أحدًا يطرقه من الداخل. كتب على فيسبوك: “ناطر رجعتك“.
أنا الرقم 14
في يوم سقوط النظام، بينما كانت الحشود تتجمّع في الطرقات احتفالًا، كان واصل يلاحق أخبار المعتقلين المحرّرين، يتنقّل بين صفحات الإنترنت كما لو أن أخاه يختبئ بينها. قيل إن المعتقلين نقلوا إلى مشافي العاصمة، فحمل قلبه واندفع: مشفى التل، ثم المجتهد، فابن سينا.. في كل مكان، كان يكرّر سؤاله ذاته، يحدّق في وجوه الخارجين، يفتّش في ملامحهم عن أي ظلّ يشبهه. في مشفى “المجتهد”، أخبروه: “الجميع جاء وأخذ أبناءه”. لم تكن العبارة عادية. كانت فاصلة.
قال إنه رأى هناك معتقلَين فاقدي الذاكرة. أصرّ على مقابلتهما. جلس أمام أحدهما، وسأله عن اسمه. رفع الرجل عينيه بصعوبة وقال: “أنا الرقم 14”. لا اسم، لا تاريخ، لا هوية. مجرد رقم. تمامًا كما أرادهم النظام أن يكونوا. لم يكن هو.
وحين لم يجده بين الأحياء، بدأ يبحث بين جثث الموتى. عُلّقت في أروقة المشفى صور لوجوه معتقلين قضوا تحت التعذيب. لم يكن المشهد أهون من الجحيم. وجوه مسحوقة، أجساد نُهشت ببطء. قلب الصور واحدة تلو الأخرى، ولم يعثر على أثر. لم يكن أخوه بينهم.
ثم، ظهر مقطع فيديو على “تيك توك” لوثيقة رسمية، يعرضها ناشط. لمح واصِل الاسم: اسم أخيه، يتبعه اسم الأب، وأحرف من الكنية. الوثيقة تقول إنه كان في سجن صيدنايا.
كمن تعلّق بحبل غير مرئي، مضى نحو المكان الذي يُعرف بثقب الذاكرة الأسود. يصف واصل اللحظة عند أبواب السجن: الذهول مخيّم، نساء يُلصقن آذانهن بالجدران، شبّان يحفرون الأرض بحثًا عن سرداب، أو عن غرفة لم تُفتح بعد. دخل السجن وقلبه يقرع صدره. مشى بين الردهات، طرق الأبواب الصدئة، فتّش الجدران، نظر خلف القضبان.. لا شيء.
رأى أمهات يحفرن بأظافرهن، بحثاً عن سرادب قد يكون فيها المعتقلين . اقترب من نقطة الهلال الأحمر والدفاع المدني. سأل إن كان هناك أحد ما زال على قيد الحياة. هزّوا رؤوسهم بصمت. قالوا إنهم لا يجرؤون على قول الحقيقة للأمهات.. خوفًا من الانهيار.
في قرارة نفسه، كان يعرف أن الجولة انتهت. عاد من صيدنايا دون أي وثيقة تؤكد الموت، ولا جسد ليدفنه، فقط بحثٌ لم ينتهِ، وجدران لا تُجيب.
لا أثر لهم
في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر، أعلن الدفاع المدني السوري، المعروف بـ”الخوذ البيضاء”، رسميًا انتهاء عمليات البحث عن زنازين وسراديب سرية داخل سجن صيدنايا. خمس فرق مختصة، كلاب بوليسية، فرق دعم وإسعاف، كلها لم تقُد إلى شيء. جاء في البيان أن السجن فُتّش بكامله: غرفه، أقبيته، فتحات التهوية، أنابيب الصرف، كابلات الكهرباء، وخلفيات الجدران. لا أثر. لا باب مخفي. لا غرفة تُفضي إلى حياة.
كان ذلك الإعلان أشبه بإغلاق الباب الأخير، كأن كل شيء منذ ذلك اليوم بدأ يبرد. توقفت الحناجر عن النداء. الناس الذين عاشوا لسنوات على فرضية وجود أحبتهم خلف هذه الجدران، لم يكن القسم الاكبر هناك، بل كانوا قد قضوا ودفنوا، قبل الوصول إليهم، دون معرفة أماكن دفنهم.
تحوَّل الفراغ الذي خلَّفه غياب الحقيقة إلى عبءٍ عام، المقابر الجماعية، التي كان من المفترض أن تصبح مكاناً لذاكرة وطنية، تحوّلت إلى محطات في جولات سائحين ثوريين: صحفيون، ناشطون، مؤثّرون على مواقع التواصل، يأتون ليأخذوا صورة إلى جانب “حفرة الموت”، ثم يمضون، كأنّ ما طُمر تحت التراب لا يستحق الحفر، أو كأن الحقيقة، بكل قسوتها، أصبحت عبئًا يُفضل نسيانه.
بدأت الاحتجاجات تتسلّل إلى الشوارع، تحمل ملامح من قضوا غيابيًا خلف الجدران. خرج الأهالي بصور أحبّتهم، ملوّحين بها كما لو أنهم يستردّونهم من النسيان. في كل وقفة، يعلو صوت السؤال: أين هم؟ من قتلهم؟ لماذا لا أحد يُجيب؟
انضمّ إليهم حقوقيون وناشطون، والتفت حولهم عدسات الصحفيين، وسرعان ما تحوّلت هذه الوقفات إلى مشهد متكرّر، لا يمكن تجاهله. لم تعد مجرّد تعبير عن الحزن، بل إعلانًا واضحًا بأن العدالة ليست ترفًا مؤجلًا، بل شرطًا لاستمرار الحياة.
خيمة من أجل الحقيقة
في 13 شباط/ فبراير الماضي، نُصبت في مدينة جرمانا أول خيمة لذوي المفقودين في دمشق، محاولة صغيرة لاختراق جدار اهمال السلطة لملف المفقودين. لم تكن الخيمة مزدحمة، لكن من وقفوا فيها حملوا ما يفوق عددهم: صور الأحبة، والوجوه التي لم تُنسَ، والقصص التي لم تجد نهاية.
جاءوا من خلفيات مختلفة، سوريون وفلسطينيون-سوريون، رجال ونساء، من طوائف شتى، يوحّدهم الغياب ذاته. أحبة خُطفوا إلى المجهول خلال سنوات حكم الأسد، ولا يزال مصيرهم طيّ الكتمان.
أعدادهم قليلة، لكنهم يحاولون إيصال الصوت. يرفعون الصور في وجه زمن يحاول القفز إلى الأمام دون أن يلتفت للدم الذي لم يجفّ بعد. ومع أن الخيام بدأت تنتشر خارج دمشق أيضًا، إلا أن ما يحيط بها ليس الحشود، بل الفراغ.. والانتظار.
جاد حمادة، أحد مؤسّسي هذه الخيمة التي حملت اسم “خيمة الحقيقة”، فقد عددًا من أقربائه في سجون النظام. يقول إن الخيمة ليست أكثر من محاولة لقول ما يجب أن يقال: “هذه صرخة من أجل المعرفة. على السلطات أن تفتح تحقيقات جدّية وشفافة في مصير أحبّائنا. ملف المفقودين ليس قضية جانبية، بل من أولويات السلم الأهلي، ولا يمكن بناء أي مستقبل دون مواجهته بصدق”.
بدأت هذه الوقفات الصغيرة تنتشر في عدد من المناطق، تتسلل إلى المشهد العام، في مخيم اليرموك، حيث نشأ واصِل، نُصبت خيمة جديدة، كانت خيمته امتدادًا لهذا الاحتجاج الصامت، للمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين من السوريين والفلسطينيين الذين ابتلعتهم سجون الأسد، دون أثر يُعيدهم أو قبرٍ يضمهم.
يقول واصِل: “يظنّ البعض أن هذه الخيم لتكريم الشهداء، لكنها ليست طقوس تأبين، هذه خيم احتجاج. نحن لا نملك شهداء، نملك مغيبين قسريًا. من واجب السلطة أن تبذل جهدًا حقيقيًا لمعرفة مصيرهم، أن تكشف أين دُفنوا، أن تعوّض عائلاتهم، وأن تبدأ بتسجيلهم رسميًا كمفقودين، لا كأرقام على وثائق غامضة“.
هيئة مفقودة أيضاً
في 17 أيار/ مايو الماضي، أعلنت السلطات السورية تشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، في بيان بدا أقرب إلى واجب بروتوكولي منه إلى خطوة فعلية نحو العدالة. قيل إن الهيئة ستتولى الكشف عن مصير الآلاف من المفقودين والمخفيين قسراً، وتوثيق حالاتهم، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم لعائلاتهم. وقع المرسوم الرئيس أحمد الشرع، وأسند رئاستها لمحمد رضى جلخي، عميد كلية العلوم السياسية.
لكن ما أُعلن على الورق بقي حبراً على ورق. بعد أسابيع من التأسيس، لا وجود فعلي للهيئة على أرض الواقع. لا مبنى، لا كوادر، لا إعلان عن أعضائها، ولا أي تحرّك يوحي بأنها بدأت مهامها. حتى الشهر الذي مُنح لها لتشكيل كادرها الإداري مرّ بصمت، دون أي إشعار أو تبرير.
الهيئة التي يفترض أن تعيد الأمل لعائلات المفقودين، تبدو مفقودة بدورها. والوعود التي صدرت باسم العدالة والمساءلة، تُركت معلّقة في الهواء، كما لو أن الإعلان عنها كان كافيًا لتسكين غضب الشارع وتخفيف الضغط الدولي، دون الحاجة لفعل أي شيء فعلي.
الغياب في سوريا لم يكن حكرًا على جهة واحدة. السجون التي ابتلعت السوريين لم تكن جميعها تحت سلطة الأسد. في مناطق كانت تُوصَف يوماً بـ”المحررة”، أُغلقت أبوابٌ أخرى على ناسٍ لم يُسمع بهم مجددًا. هناك، حيث كان يُفترض أن تتنفس الحرية، اعتُقل البعض بسبب رأي، أو نشاط، أو حتى مجرد صمت غير مريح.
اليوم، لا تعود وقفات ذوي المعتقلين إلى جهة واحدة فقط. الصور التي تُرفع، والقصص التي تُروى، تنتمي لمجموعة من الغائبين: من خُطفوا على يد النظام، ومن غُيّبوا على يد فصائل حملت راية الثورة، ثم تحوّلت إلى سلطات أمر واقع. سنوات مرت وكان كل طرف يقف وحده، كأن الفقد مقسم حسب خطوط السيطرة. أما الآن، فالوقفة واحدة، والحزن موحّد.
شيءً ما تغيّر
في دوما، بداية هذا العام، اجتمع العشرات أمام مبنى خالٍ يحمل آثار الزمن. كان في السابق مركزًا لتوثيق الانتهاكات. لم يأتِ الناس لأجله، بل من أجل الذين فُقدوا فيه. رُفعت صور رزان زيتونة وزملائها، الوجوه ذاتها التي اختفت في ليلة باردة من أواخر 2013. لم تكن الوقفة مجرد تذكير. الاتهام هذه المرة كان واضحًا، وموجّهًا نحو جيش الإسلام، الفصيل الذي سيطر على المدينة آنذاك، ولا يزال حضوره مستمرًا اليوم بصيغة مختلفة.
في النهاية، لا تبدو هذه الوقفات وكأنها تنهي شيئًا. لا أحد يعود، ولا أبواب تفتح. لكن شيئًا ما تغيّر. لم يعد ذوو المعتقلين يتحدثون همسًا، ولم تعد صور الغائبين طيّ الأدراج. صار للذاكرة مكان في العلن.
ومع ذلك، تبدو السلطة الجديدة وكأنها تتجنب الاقتراب من هذا الملف. هيئة المفقودين التي وُلدت بمرسوم، لم تولد في الواقع بعد. لا مقر، لا فريق، لا أثر. وكأن الاعتراف بالغياب مسموح، لكن السعي لكشفه مؤجل إلى أجلٍ غير مسمّى.
—————————————–
“طرائق النصر” تُعيق العدالة الانتقالية/ منهل عروب
2025.06.26
حاول رئيس لجنة السلم الأهلي حسن صوفان تبرير وجود شخصيات متهمة بجرائم حرب ضمن لجنة السلم الأهلي بقوله: “كما نودّ تفسير وجود شخصيات على غرار فادي صقر ضمن هذا المسار وأهمية دورها في تفكيك العُقَد وحلّ المشكلات ومواجهة المخاطر التي تتعرض لها البلاد”.
لم يُفصّل السيد صوفان في ماهية المشكلات وطبيعة المخاطر، ولكن يمكن معرفتها من خلال متابعة تفاصيل أحداث الساحل، والانفجارات التي كان من الممكن حدوثها أو التي حدثت فعلاً، ليس فقط في الساحل حيث خرجت في البداية مدن كاملة عن سيطرة الدولة الرخوة أصلاً، بل أيضاً في البؤر التابعة لها سواء في حمص وريفها، أو ضواحي دمشق في مزة 86 وعش الورور وغيرها، ناهيك عن الملفات الموازية لها في السويداء والجزيرة، حيث بدت البلد على حافة الانفجار والتفكّك، والدخول في حرب أهلية ودورة عنف جديدة.
بعكس عدد من القضايا السابقة، لم تتراجع الحكومة عن موقفها من العفو عن فادي صقر، ودافع رئيس اللجنة عن صواب اختيارها لتلك الشخصية ومناسبتها لقيادة المفاوضات مع البيئة الحاضنة للنظام السابق، وقدرتها على إخماد التوترات وفكّ شيفرات التمرّد.
فبجانب القوّة التي أظهرتها الدولة الجديدة واستعدادها الذهاب إلى أبعد مدى في التصدّي للتمرّد، سار معها بالتوازي مفاوضات شاقّة لإقناع فئات محدّدة في المجتمع العلوي ـولكنها فاعلة، ولديها الاستعداد والخبرة اللازمة لحمل السلاح- بالانفكاك عن قوى التمرّد ووقف دعمها.
الإقناع هنا ليس فقط بوقف التمرّد، بل بـ”صوابية” هذا الموقف أيضاً: فَهُم ـكجزء من الفئة الحاكمة السابقة وتحتكر القوّة، وتحصل على مزايا كبيرة من ذلك الاحتكارـ قد خسرت، هذا أولاً، ثانياً أنه ليس المطلوب منهم الاستسلام المذلّ، بل التعايش مع الوضع الجديد كمواطن عادي، ثالثاً أن هناك مطالب وأثماناً عليهم دفعها دون الشعور بالإذلال ودون التهديد الدائم بالسجن مقابل ضمان الأمان والحماية من الانتقام، والانجرار في دورات عنف الكل فيها خاسر.
لم يَسِرْ هذا التصوّر المثالي كما يجب، بل شابهُ الكثير من الخلل، حاولت الدولة الجديدة السيطرة على الوضع، والتصدي لحالات الانتقام والحؤول دون دورات عنف وعنف مضاد جديدة؛ لذلك كانت بحاجة إلى شخصيات مؤثّرة في بيئات التوتر وتستطيع الحديث معها وإقناعها.
عندما سُئل السيد صوفان عن معايير الشخصيات التي تمّ اختيارها، أجاب بكل وضوح أن “الاختيار عائد إلى التقدير والتأثير”، فكثير من القرارات لحظية، وتعتمد على المفاوضات والنتائج المباشرة لها، دون الدخول في تفاصيل التأصيل القانوني والشروح المصاحبة لها، والتي تبدو كـ”ترف” في لحظات دقيقة وحاسمة من الصراع، لم يطبع هذا الارتباك الحكومة الوليدة فقط، بل رأينا هذا في موقف أو “مواقف” الطائفة العلوية المتعدّدة والمتناقضة.
ربّما أُسيء فهم هذا التناقض، وتمّ تفسيره على أنه تنّصل من المشاركة في الجريمة الأسدية، وتمنّع عن الاعتذار، ولا مبالاة بما جرى من مآسٍ بحقّ السوريين، ولكن يمكن أيضاً تفسيره بغياب مرجعية معترف بها ومسموعة في بيئة الطائفة بعد هروب أركان النظام (وسنتكلم عن تلك النقطة المهمة لاحقاً وعلى لسان عدد من أبناء الطائفة نفسها).
وقد عبّر عنها السيد صوفان صراحة: “هناك بيئات لا تقبل من المثقف أو الشيخ بل لحامل السلاح… أي أن هذا “المجرم ـحامل السلاح” فادي صقر هو المؤثّر الأكبر في بيئة اعتادت العنف المنظم لسنوات طويلة، وليس كل هؤلاء المشايخ وتلك الوجاهات والمثقفين.
لا يقتصر التأثير على الحديث مع مختلف العائلات العلوية وضبط وإقناع أبنائها، وتخفيف التوترات، بل يمتدّ إلى الأسرار العسكرية للساحل المليء بأطنان السلاح وصولاً إلى الشخصيات الأمنية الكبيرة وامتداداتها وقطع محاولاتها في إعادة التواصل مع الطائفة عموماً، وإعادة تغذيتهم بمظلومية جديدة أو أحلام الانفصال خصوصاً.
يقول صوفان عن كل ذلك أنه لم يستطع أحد من أبناء الطائفة القيام بهذا الدور سوى المجرم فادي صقر وأضرابه، والإجابة الآن برسم أبناء الطائفة نفسها، مع التذكير طبعاً بأنّ الأيادي النظيفة منهم بالضرورة لن تعرف شيئاً لا عن السلاح المخزّن في جبال الساحل الفسيحة، ولا الخيوط الناظمة للعلاقات مع أفراد عائلة الأسد والشخصيات الأمنية الكبيرة ولا حتى مع شخصية تشبيحية أدنى رتبة مثل مقداد فتيحة!
الإشكالية الثانية هي الإفراج عن ضبّاط قاتلوا مع الأسد حتى لحظة سقوطه، والتي أثارت حفيظة الحاضنة الثورية، وانتشرت مقارنات بين استمرار اعتقال أحمد حسون “السنيّ” على سبيل المثال، والإفراج عن مقاتلين “علويين”، طبعاً بما تمثّله من سياسة متناقضة في مفهوم العدالة، وليس بما هو ضدّ طائفة معيّنة، وقد ردّ رئيس اللجنة والناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية مطوّلاً، يمكن اختصارها بكلميتن: لقد خرجوا بصفقة!
ما هذه الصفقة، ما بنودها وما الثمن؟ قال صوفان: “هذا ما يمكنني أن أقوله الآن، ويوجد ما لا يمكنني قوله، ويمكن في قادم الأيام الإفصاح عنه”، في إشارة منه إلى أن القضايا الملحّة لم تنتهِ بعد، وإبرام مثل هذا النوع من الصفقات ما زال وارداً في سياق مصالح يراها النظام الجديد “مصالح وطنية عليا”، وقد طلب السيد صوفان في المؤتمر أن يُحاسب على النتائج.
لقد تحدّث السيد صوفان بصفته رئيساً للجنة السلم الأهلي، في حين تجنّب الحديث عن العدالة الانتقالية بصفتها “استحقاقاً مؤجّلاً” لما بعد الاستقرار، ووصف المعايير التي اتّبعها بـ”تقديرات ميدانية” استوجبت الاستعانة بشخصيات نافذة في بيئات معينة لتحقيق “مصلحة وطنية أو عدلية”، وهي جملة تكشف عن ضبابية في تعريف العدالة، وعن سيولة في الجانب الحقوقي منها، وذلك من أجل تحقيق الأمن والاستقرار، فمتى تنتهي هذه المرحلة المؤقتة؟ ومَن يضمن ألا تتحول إلى واقع دائم؟
من الواضح وجود فجوة كبيرة بين ما تريده الحاضنة الثورية من حقوقها المشروعة، وأولوية الحكومة المتمثلة في الأمن والحفاظ على وحدة البلاد، وإطفاء الحرائق ولجم محاولات الانفجار والانفصال، فجوة وصلت إلى حدّ الاستعصاء.
ورغم تنويه الرئيس الشرع مبكّراً إلى ذلك في خطاب النصر في كانون الثاني الماضي، وطلبه من السوريين: “كما قبلتم منا هذا النصر، فأرجو مُتكرّمين أن تَقبَلوا منا طرائقَه”، إلا أنّه لا الدولة قادرة على المصارحة القاسية بحقائق ما يجري على الأرض ووضع خارطة متكاملة لمآلاتها، ولا الحاضنة الثورية ترى أنه من العدل التضحية مرتين: “مرّة وقد قدّمت ذلك الكمّ الهائل من الدماء وفلذات أكبادها لتحرير الوطن، ومرة بإجبارها على مصافحة قاتل أبنائهم، واعتباره بطلاً من أبطال النصر”!
تلفزيون سوريا
—————————-
الهيئة الوطنية للمفقودين في سورية تشكّل مجلسها الاستشاري/ حسام رستم
27 يونيو 2025
شكّلت الهيئة الوطنية للمفقودين السوريين التي أنشأها الرئيس أحمد الشرع في مرسوم أصدره في مايو/أيار الماضي، مجلسها الاستشاري الذي ضمّ خبراء وممثلين لروابط الضحايا. ونشرت الهيئة التي يترأسها محمد رضا جلخي، وتحظى باستقلال إداري ومالي، ليل أمس الخميس، السيرة الذاتية لأسماء أعضاء المجلس، وأكدت أنها حرصت على ضمان مشاركة متنوعة لإصحاب الخبرات الفنية وذوي الضحايا بـ”هدف دعم الجهود المبذولة لكشف مصير المفقودين، وتحقيق مسار شامل للحقيقة والعدالة”.
وضمّ المجلس الاستشاري للهيئة التي تهدف على غرار “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” لمعالجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في ظل نظام الأسد المخلوع، والعمل لكشف مصير أكثر من مئة ألف مفقود، المهندس أيمن شمو، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان أسس شبكة لتوثيق قضايا المفقودين والمعتقلين، وساهم في دعم تشكيل مجالس محلية عدة، وتنفيذ مبادرات للاستجابة الإنسانية داخل سورية، وهو يشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة منظمة “ملفات قيصر للعدالة” المسجلة في فرنسا التي بذلت جهوداً توثيقية وقانونية كبيرة خاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في سورية، من بينها ملفات وصور جرى تسريبها عبر الإنترنت.
كما ضمّ المجلس دياب سرية، المدير التنفيذي لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان منذ أكثر من عشر سنوات ركّز على الدفاع عن المعتقلين والمختفين قسراً في سورية، لا سيما ضحايا سجن صيدنايا. ومن أعضاء مجلس الهيئة الوطنية للمفقودين أيضاً زينة شهلا الحائزة على ديبلوم في الشؤون الدولية والدبلوماسية، والتي اعتقلها نظام الأسد المخلوع سابقاً بسبب نشاطها السياسي، وآمنة خولاني، وهي ناشطة على المستويين الوطني والدولي في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمفقودين، ومياسة الشيخ أحمد، منسقة في “عائلات من أجل الحرية” في الداخل السوري وعضو في ميثاق الحقيقة والعدالة أشرفت على حملات المناصرة والتنظيم المجتمعي التي تقودها عائلات المختفين والمختفيات قسراً.
ومن الأسماء في مجلس الهيئة الوطنية للمفقودين السوريين، أوس الدبّيش، وهو محام دولي أول في مؤسسة الامتثال العالمي (GRC) الذي يشرف على برامج العدالة وسيادة القانون ويطوّر سياسات الامتثال والتحقيق وفق المعايير الدولية، وأيضاً الطبيب محمد الأسود الذي يملك خبرة أكثر من عشر سنوات في التوثيق الطبي والقانوني، ويُعدّ تقارير تُقدَّم أمام المحاكم الدولية، إضافة إلى بلال بكور الذي يحمل دكتوراه في الهندسة وعمل في السنوات الأخيرة في جمع وتدقيق أدلة خاصة بالمفقودين ذات موثوقية عالية وشمولية واسعة.
إلى ذلك، رفعت الشبكة السورية لحقوق الانسان، في تقرير أصدرته، ليل أمس الخميس، عدد من قضوا تحت التعذيب في سجون النظام السوري السابق إلى 45.342 منذ عام 2011، بزيادة نحو 30 ألفاً أثبتت وفاتهم بعد سقوط النظام، وكانوا سابقاً في عداد المفقودين. وأفادت الشبكة بأنّ “أكثر من 99% من حالات الوفاة تحت التعذيب (45.032 من أصل 45.342 حالة) حصلت داخل مراكز احتجاز تابعة للنظام السابق الذي استخدم التعذيب أداة للقمع الممنهج ضمن سياسة رسمية شملت الأجهزة الأمنية الأربعة الرئيسة، وهي المخابرات الجوية، الأمن العسكري، أمن الدولة، والأمن السياسي، إضافة إلى السجون المدنية والعسكرية، ومراكز الاحتجاز غير الرسمية”.
ووثّقت الشَّبكة “استخدام 72 أسلوب تعذيب على الأقل، تراوحت بين الضرب، والصعق الكهربائي، والإيهام بالغرق، والشبح، والعزل الانفرادي، والحرمان من الطعام والرعاية الصحية، إلى جانب العنف الجنسي. وطاولت هذه الأساليب جميع الفئات من بينها أطفال ونساء وكبار سن وذوو إعاقة. وتوزّع ضحايا التعذيب على كل المحافظات، وفي مقدمها تصدّرت درعا وريف دمشق وحماة وحمص. وكان الانتماء المناطقي في كثير من الأحيان عاملاً مؤثراً في ممارسة التعذيب، فقد عمد عناصر النظام إلى تعذيب الضحايا على خلفية انتمائهم إلى مناطق معارضة ضمن عمليات انتقام جماعي.
————————————-
الهويات الخائفة وسرديات المظلومية.. دراسة لجذور العنف في سوريا
25/6/2025
شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تصاعدا ملموسا في حوادث العنف الأهلي، وسط حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي يتداخل فيها البعد الطائفي مع العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وفي هذا السياق، أصدر مركز عمران للدراسات الإستراتيجية دراسة تحليلية موسعة بعنوان “مؤشرات العنف الأهلي في سوريا.. مقاربة نفسية اجتماعية لبنية الصراع المحلي”، للباحثة حلا حاج علي، إذ سلطت الضوء على جذور العنف الأهلي وتداعياته، واستعرضت الآليات الكفيلة بتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
واستعرضت الدراسة عددا من تجارب الدول بعد النزاعات، وحاولت أخذ الدروس الممكنة في بناء السلم الأهلي.
ومن أبرز التجارب التي عرضت لها الدراسة، تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كما استعرضت الدراسة خروج دول من النزاع وتحقيق السلام بمعنى إنهاء الحرب الأهلية فقط دون تأصيل للتعايش الحقيقي، مثل ما حدث في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكذلك في تونس وليبيا واليمن.
مع مقاربة ما سبق بالحالة السورية، تبدو هذه الأخيرة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العنف السياسي مع البنية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع والتهميش، إذ راكمت سنوات الصراع في سوريا أنماطا متنوعة من الكراهية وعدم الثقة، أضيفت إلى إرث الحقد الناتج عن سياسات الاستبداد والظلم ما قبل الثورة.
ما يُميّز الدراسة هو تبنيها مقاربة نفسية اجتماعية لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في تحليل روافد الصراع والهويات القلقة، وتسلط الضوء على أدوار الجهات الأمنية والمؤسسات المحلية وآليات العدالة الانتقالية والمجتمع المدني في التصدي لهذه الظاهرة.
كما تقدم قراءة معمقة للخطابات المغذية للعنف وتوزع الحوادث على المستويات الجغرافية والاجتماعية، مع اقتراح حزمة سياسات إصلاحية.
تحليل بنية العنف.. الهويات الخائفة وسرديات المظلومية
واعتمدت الدراسة على توثيق 50 حادثة عنف أهلي خلال فترة زمنية محددة، شملت نماذج مختلفة من العنف “التقليدي” المباشر (كالصدامات المسلحة والاشتباكات المحلية)، والعنف “غير المباشر” أو الرقمي، الذي يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابات التحريضية.
وتراوحت دوافع هذه الحوادث بين الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية والسياسية، إلا أن الدافع الطائفي تصدر المشهد بنسبة 56% من مجموع الحالات المرصودة، في مؤشر خطِر على هشاشة النسيج الاجتماعي.
كما تركزت هذه الحوادث في مناطق ذات تركيبة سكانية متداخلة، يغلب عليها سجل من التعددية وصراعات الولاءات، ما يعكس وجود واقع اجتماعي هش قابل للاشتعال مع كل أزمة أو شرارة.
تذهب الدراسة إلى أن تصاعد مشاعر القلق والخوف ضمن مجموعات سكانية معينة يدفع الأفراد إلى البحث عن الحماية في الهويات الفرعية الضيقة (دينية، طائفية، أو قبلية)، ما يؤدي إلى تكريس الاستقطاب وإضعاف أشكال المواطنة الجامعة. كما خلصت الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، يجرى فيها تبادل الاتهامات والتحريض وترويج روايات المظلومية من كافة الأطراف.
ومن الملاحظ -بحسب الدراسة- غياب ثنائية واضحة بين “ضحية” و”جلاد”، حيث يمتلك كل طرف خطابا متماسكا عن مظلوميته وطموحاته، مع انتشار ظاهرة العدالة الانتقائية واستغلال رواية “الحق” لإقصاء الخصوم وتبرير العنف. كما تؤكد الدراسة، أن هذه الانقسامات الهوياتية تُنتج واقعا اجتماعيا متصدعا يصعب تجاوزه دون مشروع وطني جامع.
العوامل المغذية للعنف
تحدّد الدراسة جملة من العوامل التي تُسهم في إذكاء مظاهر العنف الأهلي في سوريا، من أهمها:
ضعف دور الدولة المركزية: وغياب سلطة القانون وانتشار السلاح بين المدنيين بما يسمح باندلاع المواجهات بسهولة.
تراجع الثقة في المؤسسات الأمنية: بفعل ممارسات سابقة ارتبطت بالقمع أو المحاباة أو الفساد، ما يجعل المواطن ينظر إلى الأجهزة الأمنية كجهة غير محايدة.
تضارب مصالح القوى المحلية: إذ تلعب الولاءات الضيقة (طائفية، عشائرية، حزبية) دورا رئيسيا في تحريك النزاعات.
العامل الاقتصادي: الأزمات المعيشية وغياب العدالة في توزيع الموارد تؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية وتصاعد النزاعات على الموارد المحدودة.
انتشار الخطابات التحريضية: خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الضوابط اللازمة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى خزان للكراهية والاستقطاب.
توصيات عملية لتعزيز السلم الأهلي
في ضوء ما سبق، قدمت الدراسة حزمة شاملة من التوصيات العملية للجهات الحكومية والمجتمع المدني وصناع القرار، من أبرزها:
تفكيك العنف الرمزي وإعادة بناء الذاكرة الجمعية
أكدت الدراسة ضرورة مراجعة الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تحمل مضامين إقصائية أو تبث الكراهية، وإشراك المختصين التربويين والنفسيين في مراجعة المناهج المدرسية وتعزيز قيم التسامح والسلم المجتمعي. كما أوصت بدعم المبادرات الفنية والثقافية التي تعيد صياغة روايات الحرب بصورة إنسانية جامعة.
إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء ثقة المواطن
دعت الدراسة إلى إعادة هيكلة العقيدة الأمنية، بحيث تتحول من “فرض الأمن” إلى “حماية المواطن”، وتفعيل دور الرقابة المجتمعية والتدريب المشترك بين الأمنيين والمدنيين لتعزيز ثقافة الشراكة.
هندسة هوية وطنية جامعة
شددت على أهمية إطلاق حوارات وطنية شاملة، تراعي حساسيات الماضي واحتياجات جميع المكونات، بهدف صياغة ميثاق وطني جديد تضمن فيه العدالة في التمثيل وعدم الإقصاء.
توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتعزيز اللامركزية
طالبت بإعطاء مجالس الإدارة المحلية صلاحيات أوسع باستخدام أدوات رقمية لتعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على الخدمات والموارد.
تفعيل عدالة انتقالية شاملة
أوصت الدراسة بإعطاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دورا أكبر في جبر الضرر ومعالجة ملفات الضحايا والمغيبين، جنبا إلى جنب مع إطلاق برامج اقتصادية تكافح آثار التهميش والإقصاء.
دعم وتمكين المجتمع المدني
أكدت أهمية توفير التمويل والإمكانات لمنظمات المجتمع المدني المستقلة، وإشراك الجاليات السورية في الخارج في جهود المصالحة وبناء المشاريع التنموية.
تطوير الفضاء الرقمي للحوار
حثت على دعم المنصات الرقمية المستقلة والمنتديات الحوارية، وسن تشريعات صارمة تجرم التحريض وخطاب الكراهية الرقمي، مع بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.
خاتمة
تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الطريق إلى السلم الأهلي في سوريا ليس دربا قصيرا، بل يتطلب شجاعة سياسية وإرادة جماعية ومشروعا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويلتزم بحقوق الإنسان والمساواة. وترى الدراسة أن التصدي لجذور العنف وتحقيق الاستقرار لن يتم من بإجراءات أمنية أو سياسية منعزلة، بل بمعالجة شاملة للانقسامات وإعادة بناء الثقة والذاكرة الجمعية.
وبذلك تضع الدراسة أمام صناع القرار والمجتمع السوري خارطة طريق عملية للتعافي المجتمعي، محذرة من أن تجاهل هذه التوصيات سيعني استمرار العنف الأهلي، وترسيخ الانقسامات، وعرقلة أيّ فرص حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس مستدامة من العدالة والسلام.
إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضرا على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك بحلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعا إستراتيجيا طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي لدى السوريين.
المصدر: الجزيرة
——————————————–
مؤشرات “العنف الأهلي” في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي
في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي
حلا حاج علي
الأحد, 22 حزيران/يونيو 2025
ملفات التحميل
نسخة PDF
ملخص تنفيذي
تتزايد حوادث العنف ذات الطابع الأهلي في المشهد الاجتماعي السوري وتختلط فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والمجتمعية، وتدفع باتجاه ترسيخ الانقسامات الهوياتية والاختلافات الفكرية، وتنذر باحتمالية الانزلاق إلى اللااستقرار الداخلي إلا أنّ هناك فرصةً لإعادة تشكّل العلاقات الاجتماعية على أسس المواطنة. وهذا مرتبط بتحقّق بعض الشروط البنيوية على المستويين الفردي والجماعي، منها: إعادة برمجة طريقة تفكير الأفراد، وإعادة تعريف العلاقات ضمن الهويات المختلفة.
تُقدّم كلٌّ من ألمانيا واليابان ولبنان والعراق وليبيا واليمن وتونس محاولات عملية متباينة لإعادة بناء السلم الأهلي. ورغم عدم إمكانية نقل هذه التجارب بحرفيتها إلى السياق السوري بحكم الخصوصيات التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إلا أنّ الاستفادة من دروسها يُمكن أن يُسهم في التفكير بشروط تعافٍ مجتمعي عادل مستدام
وثقت50 حادثة عنف محلي وقعت بشكل فيزيائي مباشر، أو من خلال التفاعلات الرقمية في الفضاء الافتراضي، أو حتى في الاتجاه المعاكس (أي من النشاط الرقمي إلى الفعل الميداني). وتنوعت الدوافع ما بين الطائفية والمناطقية والإثنية والسياسية والعشائرية. وقد تصدر النمط الطائفي الدافع الأكبر (نسبة 56%)، كما تُظهر البيانات أن العنف المحلي يتمركز بشكل رئيسي في المحافظات ذات التركيبة السكانية المتنوعة من حيث الانتماء الطائفي.
تعكس البيانات أن أنواع العنف المحلي في سورية ليست ثابتة جغرافياً أو نمطية الشكل، بل تتغيّر بتغيّر مجموعة من العوامل المتداخلة كالبنية الاجتماعية والديموغرافية للمجتمع المحلي، وعلاقة السكان بالسلطة المركزية أو الفاعلين المسلحين المحليين، أو علاقتهم بالجماعات الأخرى المبنية على درجة الاستقطاب الطائفي أو الإثني الناتج عن الحرب وتراكمات التهميش إضافة إلى حجم الخطاب التعبوي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي يُسهم في شرعنة العنف الرمزي والميداني.
برزت الهويات القلقة والخائفة كردّ فعل على شعور دائم بالتهديد دفع الأفراد إلى الاحتماء بالجماعة الضيقة. وعزّز الاستقطاب العابر للسياسة، ليطال أنماط الإدراك والعلاقات اليومية، بالتوازي مع ذلك برزت الهويات الرقمية كفاعلٍ جديد في الفضاء العام. وفي ظل غياب تنظيمات سياسية واجتماعية فعّالة ووطنية، أصبحت هذه الهويات منصات بديلة للتعبير والتشكيل، ولم تتحرر هذه الهويات المتشكلة حديثاً من منطق نحن مقابل هم، بل أعادت إنتاجه بأشكال أكثر تفاعلاً وأسرع انتشاراً. وقد تحوّلت العديد من هذه الفضاءات إلى ساحاتٍ منفلتة تُغذي الانغلاق، وتزيد من التصنيف والفرز، ما ساهم في ترسيخ مناخ من التنافر والتفكك الاجتماعي.
في السياق السوري لم تُفرز ثنائيات واضحة الحدود بين الضحية والجلاد، بل امتلك كل طرف سرديته الخاصة عن المظلومية، مطالباً بالعدالة من موقعه، دون الاعتراف بآلام الطرف الآخر مما أدى إلى شيوع العدالة الانتقائية، حيث تحولت العدالة إلى أداة للإقصاء والانتقام بدلاً من أن تكون وسيلة للإنصاف والمصالحة. وسيفرغ هذا المنظور مفهوم العدالة من مضمونه. كما تسيطر حالياً سرديات “الخطر، المؤامرة من فلول النظام السابق، الاستقرار، الطاعة، أولوية بناء المؤسسات، العيش المشترك، من يحرر يقرر “على بنية الخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي، ومع غياب مشروع ثقافي بديل سيبقى المجال الرمزي مشغولاً بخطابات الكراهية.
ولأسباب قديمة مرتبطة بتاريخ مليئ بسياسات الإبعاد من دوائر التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولأسباب حالية متعلقة ببطء ديناميات إنتاج عقد اجتماعي جديد، وفي ظل استمرار انتشار السلاح خارج الأطر النظامية فإنه سوف تتّسع دوائر التهميش، ويشعر كثيرون بالإقصاء من الحصة الوطنية للموارد، ما سيدفع إلى تبنّي القوة كأداةٍ للتمثيل وتحقيق الاعتراف، في ظل غياب عدالة انتقالية تراعي الجميع في توزيع الموارد. وهكذا ممكن أن تتحوّل كل موجة اضطراب اقتصادي وخدمي إلى مقدّمة لأخرى.
إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضراً على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك من خلال حلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي بين السوريين. فالسلم ليس مجرد غياب للعنف، بل مسار تراكمي لبناء الثقة، ويستند إلى مجموعة من المحاور المتداخلة كتشكيل الذاكرة المجتمعية وإنتاج علاقة متوازنة بين المواطن والدولة تسهم في بلورة هوية وطنية جامعة، وتعزيز مبدأ المساءلة المجتمعية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتمكين المجتمع المدني وتحرير الفضاء الرقمي.
لقراءة المادة كاملة اضغط الرابط:
——————————-
هل يتحوّل لبنان إلى “ملاذ آمن” لفلول نظام الأسد المخلوع؟/ فاطمة العثمان
فرّ عدد كبير من قيادات وعناصر أمنية تابعة لـ نظام بشار الأسد المخلوع إلى لبنان، وذلك فور سقوط النظام في الثامن من شهر كانون الأول 2024، مستفيدة من قرب الحدود بين البلدين.
واستقر الفارون في مناطق البقاع والضاحية الجنوبية في العاصمة بيروت وأماكن متفرقة أخرى، معتبرين لبنان ملاذاً آمناً، خاصّة أنّ السلطات اللبنانية الجديدة لم تسلمهم إلى سوريا الجديدة، وسط استمرار هيمنة “حزب الله” على المشهد السياسي والأمني رغم بدء عهد رئاسي جديد.
وردّاً على ذلك، نشر الجيش اللبناني حواجز أمنية في مناطق يتمركز فيها لاجئون معارضون لنظام المخلوع في سوريا، تحسّباً لأي اشتباكات أو توترات بين الطرفين.
لكنّ الواقع الحالي في سوريا من جهة، وإصرار الحكومة السورية الجديدة على محاسبة كل مَن تورّط في إراقة دماء السوريين من جهة أخرى، فرضا على لبنان مطلباً ملحاً يتمثّل في تسليم هؤلاء الفارين إلى القضاء السوري، كما أن استضافة لبنان لفلول النظام السابق وضعته في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.
“لبنان ما يزال خاضعاً لهيمنة ميليشيات إيران”
في هذا الصدد، قال العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني يعرب صخر لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّ السلطة اللبنانية الجديدة ترفض التحرّر من هيمنة ميليشيات إيران، رغم توفر الدعم والفرص الكافية لتحقيق ذلك.
وأضاف “صخر”، أنّ الدولة اللبنانية ما تزال تراعي مصالح “حزب الله” و”محور المقاومة والممانعة”، وتفتقر إلى الجرأة والنضج السياسي، فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية والقدرة على استغلال المتغيرات الإقليمية والدولية لصالحها.
وتابع: “لا يمكن تسليم فلول نظام المخلوع بشار الأسد إلى العدالة السورية إلا بعد أن تحسم السلطات اللبنانية أمرها، وتفرض سيادتها، وتُرسي علاقات سليمة مع سوريا الجديدة تقوم على مبادئ الحقوق والواجبات، بعيداً عن هيمنة حزب الله وأتباعه”.
ما موقف لبنان القانوني؟
من جانبه، أشار المحامي طارق شندب إلى أنّ أفراد النظام السوري السابق الفارين إلى لبنان، دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية، إذ دخل بعضهم بمساعدة ضبّاط لبنانيين مقابل رشاوى واتفاقات مالية، في حين كان من المفترض تسليمهم فوراً إلى السلطات المختصة.
وكشف شندب لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ “فلول النظام يتوزّعون في شمالي لبنان وجنوبه، إضافة إلى بيروت وجونية والبقاع”، مشيراً إلى أنّ بعضهم مطلوبون دولياً عبر الإنتربول بتهم تتعلق بالإرهاب أو تجارة المخدرات، كما لفت إلى أنّ “العديد منهم يحملون وثائق سفر وإقامات مزورة، وسط تجاهل من السلطات اللبنانية، مما يهدد العلاقات اللبنانية-السورية ويعرّض لبنان للمساءلة الدولية”.
وشدّد على ضرورة تسليم المطلوبين إلى سوريا وعدم منحهم أي تسهيلات، واصفاً إياهم بـ”المجرمين”، الذين تربطهم بالدولة اللبنانية علاقة أمنية بحتة، فضلاً عن تورّطهم في شبكات تهريب، مثل وسيم الأسد، الذي استُدرج من لبنان إلى سوريا.
وأعرب “شندب” عن مخاوفه من وجود هؤلاء على الأراضي اللبنانية، قائلاً: “إنهم يشكلون خلايا إرهابية، خاصة بعد ورود معلومات عن ضلوعهم في أحداث الساحل السوري عبر شبكاتهم، وتلقيهم دعماً مالياً من بعض الموالين للنظام السابق في لبنان”.
لبنانيون: “اللاجئون الجدد لا يشبهون من سبقهم”
أظهر استطلاع أعدّه فريق تلفزيون سوريا في لبنان، أن شريحة واسعة من اللبنانيين ترى أن الفئة الجديدة من السوريين الذين وصلوا مؤخراً إلى لبنان لا تمثّل “لاجئين” بالمعنى الإنساني، ولا تشبه أولئك الذين هربوا من الحرب خلال السنوات الـ12 الماضية.
وأكّد المشاركون في الاستطلاع، أنّ السوريين الذين لجؤوا إلى لبنان سابقاً فرّوا من الحرب والاعتقال والتعذيب، واستشهدوا بالصور التي ظهرت من “سجن صيدنايا” بعد سقوط النظام، لتبرير حجم موجات اللجوء، مشيرين إلى أنّ القادمين الجدد لم يفرّوا من الحرب بل من المحاسبة على جرائم حرب ارتكبوها خلال دعمهم للنظام البائد، ولا يندرجون تحت صفة “لاجئين”.
وطالبوا الحكومة اللبنانية بإحصاء أعداد “اللاجئين الجدد”، وتوثيق هويات القادمين بعد سقوط نظام المخلوع، ومتابعة ملفات المطلوبين لجرائم حرب بالتنسيق مع الحكومة السورية الجديدة، وتسليمهم باعتبارهم تهديداً للأمن اللبناني وللاجئين السوريين المقيمين في لبنان.
وكانت وزارة المهجرين اللبنانية قد كشفت في إحصاء رسمي، أنّ نحو 170 ألف سوري دخلوا لبنان بين كانون الأول/ ديسمبر 2024 وكانون الثاني/ يناير 2025، معظمهم يستقرون في مناطق حدودية مثل البقاع وبعلبك والهرمل، تحت إشراف تعاونيات “البتول” التابعة لـ”حزب الله”.
يشار إلى أنّ لبنان حصل على مهلة ستة أشهر من المجتمع الدولي لتنفيذ شروط تتضمن نزع سلاح “حزب الله” والفصائل الفلسطينية، وترسيم الحدود مع سوريا والاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها، إلا أنه لم يُحقّق أي تقدم يُذكر في هذا الصدد حتى الآن.
تلفزيون سوريا
——————————
وثقوا انتهاكاتهم بأيديهم.. خطوات مؤجلة لمحاسبة إعلاميي النظام المخلوع/ حسن إبراهيم
2025.07.10
ما تزال إجراءات محاسبة الإعلاميين الذين كانوا جزءاً من آلة الحرب والدعاية لنظام بشار الأسد المخلوع غير واضحة في سوريا، رغم مضي نحو 7 أشهر على سقوط النظام البائد.
إعلاميون رافقوا آلة القتل بالكلمة والصورة، وشكّلوا واجهة دعائية موازية للرصاص، برروا وأنكروا المجازر، وحرضوا علناً على القتل تحت شماعة “محاربة الإرهاب”، تلاحقهم اليوم أصوات السوريين وذوي الضحايا، مطالبة بالمحاسبة وتحقيق العدالة.
ويعد ملف محاسبة إعلاميي النظام من القضايا الشائكة، نظراً لارتباطه بعدة جهات معنية بالشأن الإعلامي أو بمسار العدالة، مثل وزارة الإعلام، هيئة العدالة الانتقالية، واتحاد الصحفيين السوريين.
قتل وتحريض وشماتة
تمتلئ ذاكرة السوريين بعبارات وشتائم طالتهم لسنوات، حملت رواية النظام المخلوع، واستهزأت بكرامة ضحاياهم وقدسية قضيتهم، خاصة تلك التي أطلقها إعلاميون وصحفيون عبر عدسات كاميراتهم وأقلامهم، ابتعدوا فيها عن المهنية وانحازوا للجلاد على حساب الضحية، وتعاملوا ببشاعة مع الجثث.
يعد شادي حلوة من أبرز إعلاميي النظام السوري، خاصة في حلب، وشارك في تغطية معارك قوات الأسد والميليشيات الرديفة في مناطق عدة، ورافق أبرز رجالات الأسد، سهيل الحسن، وطالته انتقادات واسعة بأنه أسهم في تزييف وتضليل الحقائق، والتشجيع على قتل المدنيين، عدا عن تسجيلاته وصوره الشامتة بالثورة والجثث.
ومن الأسماء، مراسل قناة “الميادين” اللبنانية، رضا الباشا، ومراسل قناة “سما” الفضائية، عبد الغني جاروخ، والصحفية كنانة علوش، التي تحولت منذ مطلع الثورة إلى مراسلة حربية مع قناة “سما”، وتعرف بصاحبة “سيلفي الجثث”، بعد أن نشرت صوراً لها مع جثث مقاتلين من المعارضة السورية، في نيسان/أبريل 2016، وما تبعه من تغطيات لاحقة.
” إحدى القصص التي جرت داخل أسوار “التلفزيون العربي السوري” وكان شاهداً عليها مع الأشهر الأولى للثورة السورية عام 2011، قائلاً إن المذيع والمحاور جعفر أحمد كان من المشاركين في قمع المظاهرات السلمية للسوريين بالعنف والضرب، و”كان دائماً على أهبة الاستعداد للقتل”.
وأضاف أن جعفر أحمد كان يعود إلى التلفزيون بعد أن ينتهي من “المهمات التشبيحية في قمع المتظاهرين في أحياء برزة وركن الدين والقابون والميدان وغيرها”، ويجلس ويضع الهراوة أمامه على الطاولة، ويستعرض بطولاته.
المذيع الذي تجاوز عمله الصحفي، كان يحمل “الهراوة” (عصا غليظة) ويشير إلى الدم الذي عليها ويقول “هذا دم الكلاب ببرزة”، ولم يتوقف دوره عند الهراوة بل تعداه إلى مرحلة حمل البندقية الروسية، التي لا تفارقه في السيارة وفي المبنى، وفق ما كتبه الصحفي فرحان المطر.
الصحفية داليا عبد الكريم ترى أن الانتهاكات تحتاج إلى قانون يحاسب بحسم، خصوصاً للإعلاميين الذين وثقوا انتهاكاتهم بأيديهم، ولا تعتقد أنهم كانوا مؤمنين بأي قضية إنما كانوا “مجرد متنفّعين”.
تلفزيون سوريا
————————-
فرنسا على أعتاب حكم تاريخي بشأن مذكرة توقيف الأسد/ ليندا عثمان
في جلسة علنية عقدتها محكمة النقض الفرنسية يوم الجمعة 4 يوليو 2025، تم استعراض أمر توقيف فرنسي صدر في نوفمبر 2023 بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، متهماً بالتواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب إثر استخدام الأسلحة الكيميائية في هجمات الغوطة ودوما في أغسطس 2013. جلسة المحكمة تناقش نقاشاً قانونياً دولياً جوهرياً حول مدى إمكانية تجاوز الحصانة الشخصية لرئيس دولة أثناء ولايته أمام نظام قضائي وطني في قضايا ارتكاب جرائم دولية جسيمة.
القضية تعود إلى مارس 2021، عندما قدّمت مؤسسات المجتمع المدني مثل “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” و”الأرشيف السوري” و”أطباء بلا حدود” شكوى جنائية أمام قاضي التحقيق في باريس، مستندةً إلى تقارير من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. هذه التقارير أكّدت استخدام غاز السارين عبر صواريخ أرض-أرض في دوما والغوطة الشرقية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 1000 مدني وإصابة آلاف آخرين بأعراض شديدة.
استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يسمح للسلطات الفرنسية بمحاكمة مرتكبي جرائم حرب أو ضد الإنسانية مهما كان مكان ارتكابها، أصدر قاضيان فرنسيان أمر توقيف في نوفمبر 2023 يشمل الأسد وآخرين . الإطار القانوني الفرنسي يستند إلى نصوص في القانون الجنائي تُجيز محاكمة من ارتكب جرائم حرب أو ضد الإنسانية إذا توفرت أدلة كافية. إلى جانب ذلك، فإن استخدام الأسلحة الكيميائية مصنف ضمن الجرائم الجاسئة (jus cogens)، وهي جرائم تمثل مندرًا ضمن القانون الدولي ولا تخضع للحصانة. وفي حزيران/يونيو 2024، أيدت محكمة الاستئناف في باريس صلاحية الأمر الموقوف، معتبرة أن الأفعال المنسوبة للأسد تتجاوز نطاق المهام الرسمية لرئيس دولة.
رداً، اعترضت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT) أمام محكمة الاستئناف، قائلة إن الأسد لا يزال يتمتع بحصانة شخصية كرئيس دولة في عام 2023، وأن إلغاء أمر التوقيف ضروري للحفاظ على سيادة فرنسا ومنع التدخلات السياسية عبر القضاء. لكن محكمة الاستئناف رفضت هذا الطعن، مؤكدة أن الجرائم الدولية خطيرة، وأنها تقع خارج نطاق الأفعال الرسمية، ما يمكّن من تجاوز الحصانة الشخصية.
أثارت القضية جدلاً قانونيًا في محكمة النقض حول نقطتين أساسيتين: أولاً، الحصانة الشخصية (ratione personae) التي تحمي رؤساء الدول أثناء وجودهم في المنصب، والتي تشمل جميع الأفعال التي قاموا بها، سواء رسمياً أو شخصياً، ومنعتهم من التعرض لأي ملاحقة أمام محاكم أجنبية. ثانياً، درجة إمكانية رفع هذه الحصانة إذا ارتكب رئيس الدولة جرائم تعتبر خارجة عن نطاق السلطة الرسمية وتصنف ضمن الجرائم الجسمية الخطيرة كجرائم ضد الإنسانية واستخدام أسلحة كيماوية.
قدم المدعي العام ريمي هايتز في الجلسة حجته بأن الحصانة الشخصية يجب أن تبقى مطلقة طوال مدة تولي المنصب لأنها تضمن سيادة الدول وتمنع “محاكمات انتقامية” وغير عادلة عبر الحدود. لكنه اقترح كذلك ما وصفه بـ”الحل الثالث”: وهو تجنب الخوض في المناقشات المعنوية بين الحصانة والتورط من خلال الاعتراف بأن فرنسا لم تعد تعترف بصفة الأسد كرئيس شرعي منذ عام 2012، وهو موقف مدعوم من وزارة الخارجية الفرنسية.
في المقابل، دافع ممثلو الضحايا والمنظمات المدنية عن مبدأ أن مكافحة الإفلات من العقاب تشكل “مصلحة ملزمة قانونيًا”، وأن الجرائم المرتبطة بأسلحة كيماوية تقع ضمن نظام الجرائم الجبرية (jus cogens) الذي يمنع التذرع بأي حصانة. وأكدوا أن محكمة النقض محكمة الجنائية الدولية لا تعترف بأي حصانة شخصية أو وظيفية في مثل هذه القضايا.
نتيجة هذه المداولات القانونية ستكون ذات أثر دولي واسع. إذا قررت المحكمة أن الجرائم الكيماوية تشكل خرقًا لقاعدة jus cogens وأن الحصانة الشخصية لا تُطبّق في هذه الحالة، فإن فرنسا ستكسر قيداً قانونياً، مما يفتح الباب أمام ملاحقة قضائية لرؤساء في السلطة. أما إذا استبقيت الحصانة كأساس قانوني لا يُجتاز، فإنها سترسخ حماية رؤساء الدول حتى في مواجهة أدلة دامغة على ارتكاب جرائم كبرى.
عند صدور القرار المنتظر في 25 يوليو 2025، سيتحدد المعيار القانوني لرفع أو تعزيز الحصانة أمام الجرائم الدولية الأشد خطورة، وستتضح مكانة المحاكم الوطنية في النظام القضائي الدولي. ستكون فرنسا بذلك قد اتخذت موقفًا قانونيًا وسياسيًا من العدالة الجنائية العالمية، وإما أنها ستعزز مبادئ “سيادة القانون” ضد “الإفلات من العقاب”، أو أنها ستضع قيودًا جديدة على مدى الجسامة التي يمكن عندها تطبيق الحصانة.
ليندا عثمان LL.M، محامية و ناشطة حقوق الإنسان.
—————————
======================



