المركزية واللامركزية ليست شعارات سياسية/ جمال الشوفي

2025.07.08
لم يتوقف الحوار السوري يومًا حول طبيعة نظام الحكم المرتقب بعد سقوط النظام، ولن يتوقف اليوم. واستقرار سوريا مشروط بقدرتنا على استعادة بنيان الدولة ومؤسساتها، التي أصابها الشلل والعطب والهدر العام طوال عقود من حكم الاستبداد المركزي المهيمن، متمثّلًا بنظام الأوليغارشية العسكراتارية الأمنية، المسبّب الرئيسي لتحديات وصعوبات ما بعد 8/12/2024، والدخول في سياق “سوريا ما بعد الثورة”. وهذا حوار لا بدّ من استمراره.
أيًّا يكن السياق العام للحوار السوري حول المركزية أو اللامركزية، فقد بدأت مقدماته بالتوجّه نحو استرداد الدولة بكامل مؤسساتها من نظام الحكم السلطوي السابق. وهذا فعل سياسي وثوري عام، في حين كانت الرؤى تتباين حول الطبيعة الإدارية لنظام الحكم السوري، وهو أمر طبيعي.
وإذ تؤكد معظم الأوراق السياسية السورية في تلك الفترة على أن اللامركزية الإدارية هي أفضل أشكال الحكم ديمقراطيًّا في النظم العصرية، فقد خرجت بعض الآراء التي تبحث في أشكال أكثر اتساعًا من النظام الإداري اللامركزي، إلى اللامركزية السياسية والموسعة وغيرها من المصطلحات التي لم تُدقّق سياسيًّا إلى اليوم، وبقي معظمها مؤجلًا إلى المستقبل.
في المبدأ، لا تختلف أدبيات السياسة وشؤون الحكم على أن تعريف الدولة سياسيًّا هو السيادة الشعبية على كامل الجغرافيا والحدود، والتوافق الوطني على عقد اجتماعي ينظّم دستورها وقوانينها الوضعية وطريقة وشؤون الحكم، وتفعيل المؤسسات الحكومية عامة، ومنها السلطة السياسية.
وهذا لا يعني بالمبدأ أن مفهوم السيادة يقتضي نظام حكم مركزيًا! فالتداخل المتداول سياسيًّا بين مؤسسات الدولة ودور السلطة السياسية فيها، يُمثّل اختلاطًا معرفيًّا ومصلحيًّا في آن، كرّسته سياسات السلطة الحاكمة لعقود في دمشق، إذ إنها عملت على الهيمنة المطلقة على جميع شؤون الدولة ومؤسساتها عسكريًّا وأمنيًّا وإداريًّا. وما عاشته سوريا وتحصد نتائجه اليوم كان نتيجة مباشرة لتلك السياسات.
ولا يخفى على أحد أن تلك السلطة، وللتخلّص من أزماتها التي طرحتها عليها ثورة الكرامة والحرية، عملت على تغيير الدستور عام 2012، متخلية نظريًّا عن مركزية هيمنة القيادة الفردية لحزب البعث على الدولة والمجتمع، وضمّنته بعض المفاهيم المتعلقة بالإدارة اللامركزية، بناءً على ما طرحته عام 2011 فيما سُمّي بالقانون 107 للإدارة المحلية.
والجدير بالاهتمام أن هذا القانون تضمن في مادته الثانية التوجّه نحو اللامركزية الإدارية، والتي تعني أن كل وحدة إدارية تعمل على تقييم احتياجاتها، وتنظيم خططها ومشاريعها العامة، وتنتخب مجلسها ورئيسها كأفضل شكل لانتشار واتساع الديمقراطية ــ نظريًّا.
لكن في المقابل، حافظت السلطة المخلوعة على مركزيتها السلطوية من خلال تعيين المحافظين والقادة الأمنيين ورؤساء الشرطة، مع إعفائهم من الملاحقة القانونية.
والجدير بالذكر أيضًا أن رؤساء مجالس المحافظات المنتخبين يتبعون مباشرة لرئيس مجلس الوزراء عبر وزير الشؤون الاجتماعية والعمل.
إذًا، يمكن للسلطة المركزية التي تبتلع الدولة أن تُفعّل اللامركزية إداريًّا وتبقي على سلطويتها المطلقة أمنيًّا وعسكريًّا!
ومن جهة أخرى، فإن مقاربات متعددة لطبيعة نظم الحكم العصرية تلتقي على أولوية سيادة الدولة، لكنها تختلف ــ من دون تعارض ــ حول طبيعة نظام الحكم السياسي (جمهوري، رئاسي، مختلط، ملكي…)، بل وأيضًا حول إدارة الوحدات الإدارية سياسيًّا.
وهنا تتعدّد الأشكال بين النظم الجمهورية والملكية والفدرالية وحتى الكونفدرالية، وكلّها يجب أن ينصّ عليها الدستور وفق التعاقد الاجتماعي الوطني.
أما اللامركزية الإدارية، فهي شكل إداري معمول به في غالبية الدول العصرية، مع احتفاظها ببنيتها العامة السياسية، كما في الجمهورية الفرنسية. في حين تتوسع قليلًا في النظام الملكي البرلماني البريطاني إلى نوع من اللامركزية السياسية (من دون أن تبلغ حد الفيدرالية)، لتشمل دول المملكة جميعها. في حين أن الولايات المتحدة الأميركية تخضع لنظام فيدرالي واضح بين ولاياتها الخمسين.
من الطبيعي، في هذه الحالة، أن يُثار الجدل حول طبيعة نظام الحكم في سوريا. ولكن ليس من الطبيعي أن تختلط المفاهيم وتصبح متداخلة يصعب فكّ اشتباكها! وليس ذلك فقط، بل تتحوّل بعض المفاهيم إلى شعارات سياسية فارغة من محتواها، ومتخارجة عن سياقاتها.
خروجًا من هذا الاختلاط، وبالعودة إلى تجارب التاريخ وبناء الدول، يمكن تحديد بعض المبادئ العامة:
لا يحدّد شكل نظام الحكم إلا دستور عام يمثّل عقدًا اجتماعيًّا وطنيًّا توافقيًّا، يجب الوصول إليه في نهاية المرحلة الانتقالية.
لا وجود لما يُسمّى “المركزية السياسية المطلقة” إلا في النظم الشمولية الاستبدادية، التي أصبحت خارج العصر السياسي، كالاتحاد السوفيتي أو القوميات العربية التسلطية أو الإيرانية الإسلامية.
اللامركزية الإدارية ليست نقيضًا للمركزية. فسيادة الدولة لا تعني بناء نظام مركزي مستبدّ، والمشاركة الفعلية في إعادة بناء ما تهدّم في سوريا لا تعني الاهتمام بالمحليات من دون الوطن عمومًا. وبناء الدولة مسؤولية سورية عامة لا تقتصر على دور الحكومة الانتقالية حصرًا.
اللامركزية الإدارية المطروحة سوريًّا ــ رغم ما يحيط بها من شكوك ــ تخشى من عودة هيمنة المركزية السابقة، لكنها، في الوقت ذاته، لا تدرك الفرق بينها وبين اللامركزية السياسية أو الفدرالية، فتصبح شعارًا بلا مضمون ديمقراطي.
وهي، إذ تنتقد آليات التعيين لدى الحكومة الانتقالية، تميل إلى ممارسة ذات النهج في محلياتها، مما يُكرّس التباعد الجغرافي السوري، إذ تُطرح هذه اللامركزية غالبًا في مناطق ذات لون طائفي أو ديني واحد.
اللامركزية الإدارية لا تعني فوضى السلاح وغياب سيادة القانون، بل تعني أعلى درجات الانضباط، وسيادة الأمن والأمان، وتلبية الحاجات المادية للوحدة الإدارية. فهي تمثّل قاعدة هرم ماسلو للاحتياجات، في حين تحقيق الذات ــ فرديًّا أو جماعيًّا، سياسيًّا أو دينيًّا ــ يأتي في القمة.
ومن هنا، فإن طرح اللامركزية بوصفها مطلبًا سياسيًّا يأتي من القمة إلى القاعدة، متناسية متطلباتها المادية وسيادة القانون كشرط لتحقيق الأمان، الذي بدوره يُتيح إجراء انتخابات ديمقراطية تحدد هدف وجوهر اللامركزية المطروحة.
اللامركزية السياسية، وصولًا إلى الفيدرالية، تتحدّد حيزاتها السياسية بناءً على أرضية دستورية عامة، وتتشكل وفق أهداف محلية تنموية، سياسية واقتصادية.
فإن افترضنا أن الحالة الدستورية السياسية ناجزة، فهل يمكن استفتاء الشعب ــ وطنيًّا أو محليًّا ــ على طبيعة إدارة الحكم (إدارية أو سياسية أو فيدرالية)، قبل أن تتشكّل الأرضية العامة للدولة، وسيادتها القانونية والأمنية على كامل أراضيها وحدودها؟
وهل يمكن الوصول إلى جيش وطني واحد، يتجاوز العقلية الفصائلية ومحلياتها، ويتكفّل بحماية الحدود؟
وهل يمكن إنشاء جهاز شرطة وضابطة عدلية وأمن داخلي، يضبط القانون ويحاسب الخارجين عليه، ويحمي المُنتخبين المفترضين ديمقراطيًّا، قبل ذلك؟
بين الواقع ومتطلباته وصعوباته، وبين الهدف المنشود، ليست هناك هوة فقط، بل معضلات وتحديات، يجب المشاركة في حلها والعمل على تجاوزها، مهما كانت الصعاب.
بين حسن النية والخطأ السياسي العام، يظهر الخلط بين الحلم والواقع، ويبرز التداخل بين زمنين:
زمن مستقبل سوريا والدستور وطبيعة نظام الحكم إداريًّا باللامركزية أو غيرها، مع وضع أسسها الوضعية والقانونية، وزمن الحاضر واستحقاقاته. وهذا ما يجب استبعاده من وهم سياسي، مزين بشعارات ذات قيمة سياسية رنانة، لكنها مفرغة من مضمونها، ولا ترتقي لمستوى شؤون الدولة والحكم.
فإن كنتُ شخصيًّا أطمح مستقبلًا لبناء نظام حكم ديمقراطي لا مركزي إداريًّا، مسنودًا بدولة سورية عصرية تليق بتضحياتنا، فإنني أرى اليوم، وبكل مسؤولية، ضرورة المشاركة في بناء مؤسسات الدولة التي تُهيّئ الأرضية لهذا الهدف، خاصة المؤسسات التنموية والإدارية والقانونية، وتوفير بيئة الأمان والاستقرار المادي لعموم السوريين، للمشاركة في الاستفتاء على نظام الحكم العام من دون خوف أو غلبة.
فبين الواقع ومتطلباته وصعوباته، وبين الهدف المنشود، ليست هناك هوة فقط، بل معضلات وتحديات، يجب المشاركة في حلها والعمل على تجاوزها، مهما كانت الصعاب. وإلا، فلن تحمينا الكلمات البراقة ولا ألحان عزفها الرنّان، إن لم تكن محمّلة بالمضمون والمحتوى.
تلفزيون سوريا



