أبحاثالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

 بين إسلام الشعب وإسلامية الدولة/ أحمد الشمام

2025.07.10

كثيرا ما تردد مفهوم الأسلمة في المجال التداولي، وقد تناولت الإخبارية السورية قبل أسبوع وفي برنامج “على الطاولة” مفهوم أسلمة الدولة.

غير أن عنوان الأسلمة يحيل إلى فعل خارجي يحمل نزوعا لفرض طابع ديني على المجال العام من قبل السلطة؛ تجاه المجتمع أو مجموعات مرتبطة به، ويغيب عن الكثير ضرورة الإقرار بأن المجال العام حافل بحضور الدين في شتى متونه وجنباته، وقد عانى تقلصا وانزياحا بفعل خارجي أو فوقي سلطوي طيل حقبة البعث، ومنه فإن التعبير الأصح ليس ظهور أسلمة للمجتمع، بل ظهور الإسلام في المجتمع والدولة كهوية مزاحة قسريا. يفيد تحديد المفهوم وتشخيصه ضمن سياقاته إلى تجريده من الحمولات الرمزية التي يراد حشرها؛ بذهنية التفارق والتضاد والتعابير البراقة التي تثير حدة النقاش، ويعيدنا إلى السياق الصحيح في تناوله وتشخيصه بمفهوم عودة ظهور الدين إلى ما كان يشغله قبل عسف الأسد وانعتاقه من التحييد أو التدجين.

إن السلطة المستبدة والفاسدة تكرس منظومتها بصنع مستبدين وفاسدين ضمن شعوبها المحكومة؛ لتجعل من البنى السياسية والاجتماعية نسخة تشابهها في الاستبداد والفساد لتدجين المجتمع، وتشغلهم بأعراض المرض لا في جذوره ومسبباته. وإذا اعتبرنا أن الثورة أنضجت جدلا خارج الإطار القديم فما زلنا تحت سطوة المزج بين المسببات والأعراض، لذا فإن التمييز بين أي منعكس وتأثير لفاعل خارج البنية الاجتماعية أو من فوقها – السلطة-، وبين عودة مكبوت أو محيد أو مدجن قسريا يعطي نتائج مغايرة. إذ يعجز حَمَلةُ فكرة الأسلمة حيال الماركسية في عسفها الذي مارسته على الدين في الاتحاد السوفياتي، وعن تفسير عودة المجتمعات السوفياتية إلى دينها الذي منعت عنه ومارسته في الأقبية؛ ولا يستقيم القول إنه قد تم فعل تنصير أو إرجاع للدين بفعل خارجي لأبناء تلك البلاد. وإذا ما تتبعنا الفعل الفوقي الذي يمثل تدخلا فوقيا أو خارجا على مألوف المجتمع ومجاله العام نجد العلمنة؛ فهي الجديرة بأن تَسِم الحقبة التي نشط بها مثقفون وناشطون؛ باعتبارهم يرونها نتاجا غربيا خالصا مع ضرورة إدخالها للمجتمع العربي؛ ولا ضير في ذلك لولا أن تلك العلمانية ابتليت بالاتباع، إذ نظر ناشطوها للدين كتراث مقولب قديم يراد تقليده في مجتمعات متحولة؛ فذهبوا لاستجلاب قوالب حديثة، وسقطوا في التقليد للوافد الجديد تحت مسمى التجديد، وبالنظر إلى مقولة أن الدولة لابد وأن تكون علمانية نجد أن الطرح الأصح معرفيا وثقافيا أن تكون مدنية -وإن بهوية دينية واضحة-، دون أن تكون ثيوقراطية بالمفهوم الغربي الذي حصر منافع الدولة وحقوقها بأبناء الدين الواحد، وعليه فإن مدنية الدولة تتدرج من الليبرالية في أقصى اليسار؛ إلى المحافِظة التي تتجلى مدنيتها بالتعامل مع مواطنيها على حد سواء، بدأ ذلك مذ اقتص الخليفة عمر بن الخطاب من ابن عمرو بن العاص إنصافا للقبطي المظلوم، أما حضور الدين فلأنه جزء من هوية الدولة وأحد أسس بنائها حينذاك، وقد استمر في كثير من الدول الحديثة بأشكال مختلفة، لكن قراءاتنا العربية وقعت تحت تأثير التنميط ضمن قيود ثقافوية أججت حرب الثنائيات.

لطالما تردد في الأوساط الثقافية أن دولة علمانية أو مسيحية أنصفت لاجئا أو مواطنا ولم تنصفه دولة مسلمة، وقد قيل في ألمانيا مثلا أن موظفا يهوديا قد أنصف اللاجئ السوري بمكان ما ولم ينصفه ذاك البلد المسلم، وقد يتعرض نفس اللاجئ لحاجة لدى دائرة حكومية موظفها مسلم أو عربي ولاجئ قديم في ألمانيا فلا ينصفه؛ فلا يُفسَّر فعل الموظف المزعج إلا بإحالته إلى دينه وإسلامه؛ دون اعتبار البعد الشخصي الفردي، أو الجماعي لكثير من قدماء المهاجرين الذي توظفوا في دوائر حكومية؛ المحكومين بالشعور بالدونية، فصاروا ملكيين أكثر من الملك، وانبطاحيين رغبة في إرضاء مدرائهم ومحيطهم دون جدوى.

تخضع تلك المقارنة لتنميط ثقافوي ومانوي؛ حيث لا يُرى في الموظف الغربي المنصف نظريا؛ سوى يهوديته أو مسيحيته، ولا يُرى في العربي سوى دينه وعرقه، في حين يتم التغاضي عن السبب الأساس الحقيقي الكامن ليس خلف دين هذا ولا اعتقاد ذاك؛ بل الدولة بما هي كيان ناجز ومبني على قوانين وضوابط لدرجة الغرق في البيروقراطية، وضوابط لفعل الفرد في المجتمع والدولة -موظفا كان أو مواطنا ذي حاجة يقرها ذاك القانون، مايعني أن السر يكمن فيما تؤمِّنه الدولة العربية والمسلمة لمواطنها؛ والمتعلق بثقافة العمل ونظامه وبنية القوانين وضوابطها، ويكفي ذكر شتى دول إفريقيا المختلفة في أديانها والمتشابهة حد التطابق في عدم قدرتها على إنجاز الدولة؛ بما هي كيان مستقر يتعالى على العصبيات وينبني على التكنوقراط دون تمييز ودون تدخل خارجي ولا نخب تتخبط.

لاشك أنا نعيش بوتيرة عالية؛ تشهد تغيرا في أدوات وأطر حرب الثنائيات التي شهدها المجتمع السوري خصوصا في شطره المتبني للثورة؛ إذ لايغيب عن أحد بعد القتل والتدمير الذي عاشه الشعب السوري في استحضار اليقينيات الكونية والاعتقادية لهذا الشعب وحضور الدين والاستنجاد بالله كمنقذ لدى غالبية ثائرة ضعيفة، وقد قابله التنظير على المنابر ذات البعد اليساري والماركسي والليبرالي ضد الإسلام بعد ظهور داعش، فكانت حجة لهؤلاء لينشطوا ضد الإسلام ككل وشيطنة كل ما يمت للإسلام بصلة خوفا من استلامهم السلطة، اللهم إلا الصوفية التي كانت لينة مطواعة هادنت النظام والتي تغزل بها حملة الموقف العقدي من الإسلام لدرجة تقاطعوا بها مع النظام تماما، وكم من مثقف وباحث تشابك مع مثقفين مؤيدين لنظام الأسد من يسارنا التقليدي الممانع واتفقوا على الموقف العدائي للدين الإسلامي.

نحن والحال هذه وأمام تداول مصطلح أسلمة الدولة، والدعوات المقابلة مابين كرٍّ و فرٍّ على جبهة متخيلة بين ضفتين خاضعتين لحرب الثنائيات تلك، ويتسابقان في المجال العام. في الضفة الأخرى لابد من القول بأن السلطة إسلامية جهادية، وطرحت رؤيتها في الانتقال من عقلية التنظيم إلى فضاء الدولة؛ وعبرت خلال ممارسات مؤسِّسة، ورؤى سياسية عامة عن رؤيتها في تجاوز الذهنية الحركية للتنظيم عقب استلام السلطة، ما يشير إلى التزام القيادة

الجديدة برؤية الدولة؛ مع وجود أرضية إسلامية وجهادية لها ولعناصرها؛ لكن السلطة نفسها تتضمن أنساقا داخلية ومستويات عدة من الرؤى الدينية؛ تتبلور شيئا فشيئا مع الإدارة الجديدة، ويتبعها جند وأتباع، وشطر من الشعب لم يستوعب بعد تلك الإشارات المفصلية في رؤية الدولة وسعتها وخروجها عن عقلية التنظيم، فذهبت تلك التابعة أو المؤيدة تتماهى مع الصورة القديمة للسلطة في عهدها الجهادي ولم تعِ رؤيتها الجديدة بعد؛ والتي تحتاج وعيا سياسيا وفهما حقيقيا لما تطرحه السلطة، كما تفتقر السلطة في هذه المرحلة الحرجة من تمكين الاستقرار والأمن؛ إلى برامج توعية عن هذا التوجه؛ واكتفت لانشغالاتها الكثيرة ببناء الدولة وتحتاج لوقت طويل لوضع برامج حول ذلك؛ فظهر أفراد وجماعات تمارس نشاطا دعويا فظا ومتشنجا في كثير من الأحيان، ونشاطا دعويا مدنيا لا لبس فيه في أحيان أخرى لكنه أثار تشنجا مقابلا، وظهرت مواقف اعتراض على وجود “الشيخ” في بعض الدوائر المدنية الخدمية رغم علم الجميع أن هناك دوائر لابد وأن تعمل بطواقمها القديمة ولابد من رجال ثقاة منتدبين من القيادة لضبط الفساد المستشري.

إن الهوية الدينية والثقافة الدينية جزء لا يتجزأ من مجتمعنا السوري بغالبيته وقد عانت إزاحة قسرية في عهد النظام وتم تحييدها عن المجتمع والمجال العام بأشكال شتى، وتعود البعض على موقعها المنزاح جهلا أو خضوعا أو توراثا لسبعة عقود؛ وباتوا يستهجنونها مع وجود من يحملون كراهية عقدية لها، وهذه الثقافة والهوية التي عانت إزاحة وتحييدا تظهر الآن خارجة من قمقم الكبت والعسف وستعود للمجال العام، مع فورة قد تكون مستهجنة تشبه فوضى الاحتفال، لكنها لابد وأن تعود لإيقاعها الطبيعي غير المنفعل بعد استيعاب المرحلة ولا النكائي ولابد أن يتأقلم معه السوريون كذلك ويغيروا موقفهم ويتعرفوا من جديد على هذا الحق في المجتمع.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى