المقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تحرير الشام خارج قوائم الإرهاب: قرار محفوف بالمخاطر/ مهيب الرفاعي

الأربعاء 2025/07/09

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، برزت “جبهة النصرة” كأحد أقوى الفاعلين الجهاديين، بوصفها فرعاً لتنظيم القاعدة في سوريا. ومع تعقّد المشهد السياسي والعسكري، شرعت الجبهة تدريجياً في فك ارتباطها بالقاعدة، وصولاً إلى إعلان “هيئة تحرير الشام” عام 2017، في محاولة لإعادة التموضع محلياً وتحسين صورتها دولياً. ورغم هذا التحول، بقيت الهيئة مدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية منذ 2018. ومع صعود “طالبان” في أفغانستان، بدأت الهيئة بمغازلة الغرب، ساعيةً إلى شرعنة وجودها في إدلب عبر نموذج حوكمة أكثر قبولاً دولياً. لكن سقوط نظام الأسد أواخر 2024 دفع واشنطن لإعادة تقييم علاقتها مع الهيئة، وسط نقاش حول جدوى تصنيفها كمنظمة إرهابية، لا سيما بعد إلغاء مكافأة القبض على قائدها أبو محمد الجولاني (الرئيس أحمد الشرع). تمثّل التحول الأبرز في مسار الهيئة ببروزها كسلطة فعلية في سوريا، بعد قيادتها عملية “ردع العدوان”، وما تلاها من تأسيس حكومة تسيطر على معظم المناطق السورية (عدا مناطق قسد). وتدير الهيئة هذه المناطق بما يشبه “حكماً انتقالياً”، مع تركيز متزايد على الشأن السوري وتراجع واضح عن خطاب الجهاد العالمي.

إزالة السمة

تكمن الدوافع الأميركية لمراجعة تصنيف الهيئة كمنظمة إرهابية في تغيير النظرة العالمية تجاه سوريا عموماً، وتجاه أعضاء “تحرير الشام”، خصوصاً بعد النجاح الذي حققوه في سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024. ويمكن قراءة هذه الدوافع في مسارات كما يلي: الاعتراف الضمني من قبل عدد من المؤسسات الأميركية بأن الهيئة لم تعد تمثل تهديداً جهادياً عابراً للحدود، ولم تعد تتبنى مشروع القاعدة العالمي، بل دخلت في مواجهة فعلية مع تنظيم “داعش” وبعض الفصائل الجهادية المتطرفة الأخرى؛ وهذا ما يساعد واشنطن في نظريتها حول الحرب على الإرهاب بوجود حليف شرق أوسطي جديد يعلم حقيقة هذه التنظيمات وملفاتها الخفية وطريقة عملها. وتبعاً لذلك، يرى خبراء قانونيون أن الهيئة لم تعد تستوفي الشروط التي تفرضها القوانين الأميركية لتصنيف أي كيان كمنظمة إرهابية أجنبية، خصوصاً إذا لم يُثبت ضلوعه في عمليات إرهابية ضد الولايات المتحدة أو مصالحها.

لو استمر تصنيف الهيئة في قائمة المنظمات الإرهابية، سيحمل هذا آثاراً قانونية معقدة، إذ يقيّد عمل منظمات الإغاثة، ويمنع الجهات الدولية من تقديم أي نوع من المساعدات الإنسانية أو الاستثمار في سوريا، ويعرقل فرص التطوير الاقتصادي وإعادة الإعمار، مما يفاقم من معاناة المدنيين. في هذا السياق، تبدو واشنطن معنية بإزالة تلك العقبات الإدارية لتفعيل قنوات الدعم، وتوسيع الحضور الدولي لسوريا، باعتبارها جزءاً من ترتيبات الاستقرار في المنطقة الجديدة؛ لاسيما بعد تصريحات ترامب المستمرة بشأن إعطاء سوريا فرصة جديدة عبر رفع العقوبات وعليهم الاستفادة منها. القوانين الأميركية تُجرّم أي تواصل مباشر أو غير مباشر مع الكيانات المصنفة إرهابياً، وبالتالي فإن رفع التصنيف يهدف إلى إزالة هذه العوائق، وفتح المجال أمام الدعم الإنساني والاقتصادي العاجل في سوريا ما بعد الحرب.

الانفتاح على إسرائيل

يتمثل البعد السياسي الإقليمي لهذا القرار في مساعي الإدارة الأميركية إلى بناء مداخل جديدة للتأثير في الملف السوري، في ظل انكفاء الدور الروسي وكف يد إيران من سوريا بعد تلقيها ضربات قاسية. وبهذا المعنى، فإن الانفتاح على “هيئة تحرير الشام” يُعد خطوة براغماتية في سياق إعادة رسم التوازنات في سوريا، واستباق مساعي قوى إقليمية كتركيا أو حتى الخليج العربي لملء الفراغ.

ثم إن مرحلة الانفتاح على إسرائيل والسير في ملف التطبيع ، يحتاجان وجود جسد نظامي في سوريا، غير خاضع لأية عقوبات أو تصنيفات عالمية من شأنها أن تعرقل هذا المسار. تبدو الإدارة الجديدة في سوريا أقرب إلى التطبيع مع إسرائيل، في ظل الحديث عن مفاوضات ولقاءات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين بحضور وسطاء لإعادة رسم معالم العلاقة بين تل أبيب ودمشق؛ بعد زيادة وتيرة العمليات الإسرائيلية والاقتحامات في جنوب سوريا، ووجود ضغط دولي لانضمام سوريا إلى حلف “اتفاقيات ابراهام”. لكن هذا لن يتم في حال بقيت الهيئة مصنفة على لائحة الإرهاب، ما ينعكس على الجبهة الداخلية ويضعف الحجة في التطبيع مع من يصفهم الاعلام العبري بـ”الإرهابيين”.

لكن البعد الإقليمي لقرار رفع الهيئة من قائمة الإرهاب، يبدو أكثر حساسية وتأثيراً. فمن اللافت أن النظام الجديد في دمشق، المنبثق عن “هيئة تحرير الشام”، لم يُظهر عداءً صريحاً تجاه إسرائيل، بل اعتمد سياسة الصمت أو الحذر في التعامل مع الضربات الإسرائيلية التي تلت سقوط انظام، ولم يُبدِ أية تفاعلات مقاربة ضد عمليات التوغل والاعتقالات التي طاولت شباناً سوريين في قرى القنيطرة أو ريف دمشق، وهذا التوجّه يُفسَّر في واشنطن كإشارة براغماتية إيجابية قد تُسهم في إعادة هيكلة العلاقات السورية-الإسرائيلية على المدى البعيد، أو على الأقل تقليص التوترات العسكرية في الجبهة الشمالية لإسرائيل.

إضافة إلى ذلك، لعبت الإدارة السورية الجديدة دوراً مهماً في تحجيم نفوذ حزب الله والميليشيات الإيرانية داخل الأراضي السورية، ومنع استخدام الأراضي السورية كممر عسكري إلى لبنان، وتقويض الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة، إما عبر محاربتها مباشرة أو عبر قطع طرق الإمداد لها عبر خلايا نائمة أو عاملة في سوريا؛ الأمر الذي يعزّز من مكانة الهيئة لدى صناع القرار في الولايات المتحدة والخليج. فمثل هذا التحول يخدم أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، الساعية إلى تقليص نفوذ طهران، وتحصين الجبهة الشمالية لإسرائيل، وتعزيز أمن الأردن.

مخاطر محتملة

يبقى الأمر محفوفاً بالمخاطر، نظراً لطبيعة الحذر التي تتسم بها المؤسسات الأمنية الأميركية، خصوصاً تجاه تنظيم له سجل طويل في العمل المسلح وتقارير بانتهاكات ضد المدنيين قبل وبعد سقوط نظام الأسد. كما أن منح شرعية دولية لتنظيم يُتهم بالحكم السلطوي وبارتكاب انتهاكات دون ضمانات واضحة أو عمل شفاف للجان تقصي الحقائق، يتعارض مع القيم التي ترفعها واشنطن. وتزيد التوترات الطائفية والدينية في مناطق سيطرة الهيئة، خصوصاً تجاه الأقليات، من صعوبة دمجها كقوة سياسية جامعة تمثل كل السوريين، في ظل شكوك حول التزامها بالتعددية والانفتاح.

إلا أن هذا السيناريو، رغم إغرائه للعديد من العواصم، يبقى رهين سلوك الهيئة في المرحلة المقبلة. فاستمرار الخطاب المعتدل يجب أن يترافق مع إصلاح حقيقي في البنية السياسية، وإشارات ملموسة على الانفتاح، وقبول الآخر، ورفض العودة إلى النهج الإقصائي أو العنف الديني. كما يتوجب على الهيئة أن تثبت قدرتها على ضبط الفصائل المتشددة، ومنع تجدد نشاط الجهاديين الأجانب أو المحليين على أراضيها.

يمكن القول إن توجه واشنطن لرفع “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب ليس مجرد قرار قانوني تقني، بل هو جزء من مقاربة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، تعكس براغماتية متزايدة في التعامل مع الواقع السوري، وتفتح نافذة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وشركائها. لكنه رهان محفوف بالمخاطر، يتطلب تدقيقاً متواصلاً، وشروطاً واضحة، وآليات مراقبة صارمة لضمان عدم انزلاق التجربة نحو إعادة إنتاج التطرف في ثوب سياسي جديد.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى