حين ترى السلطة شعبها على شكل متابعين للمؤثرين.. أزمة فهم أم إدارة؟/ علي سفر

2025.07.08
لطالما بحثت، وأنا أرى “افتتان” السلطة الجديدة بمؤثري التيك توك وغيره، عن سبب واضح يبرر هذا الانسياق إلى العلاقة السريعة العابرة، وربما أستطيع أن أصفها بالسطحية، من دون أن أكسب عداوة الجهتين، طالما أنني لا أفتري على أصحاب القرار بما أقول!
وبلغة مختلفة عن الأسلوب البسيط الذي أتبعه في المقدمة، يمكن، بعد رؤية انجذاب السلطة الجديدة إلى المؤثرين، طرح السؤال: ما الذي يدفعها لتفضيل هذه العلاقة السطحية على التواصل المؤسسي الأصيل؟
“الافتتان” توصيف للعلاقة يتضمّن التفضيل، لكنه لا يعني أن الآخرين جميعهم يتم تجاهلهم في عملية التواصل، بل ثمة حضور معقول للصحفيين والإعلاميين الذين يشتغلون حاليًا في المؤسسات الرسمية والخاصة، ولا يخلو الأمر من تجاهل ما، يحدث لسبب مبهم، وقد يدفع المتضرر لتجاوز الأعراف الإدارية، فيرفع الشكوى مباشرة إلى رئيس الجمهورية، بدلًا من أن يخاطب مديره المباشر أو الوزير المكلَّف بحقيبة الإعلام في الحكومة الانتقالية، كما فعل السيد مصعب سعود، مدير العلاقات العامة في وكالة سانا، حين تم تجاهله فلم يُدعَ لحضور مراسم إطلاق الهوية البصرية، أسوةً بغيره!
ربما لا تكون المشكلة في أصحاب السلطة الحالية، بل في الظروف التي عاشوا فيها، إذ تملي عليهم تجربتهم الحياتية السياسية والنضالية الجهادية ألّا يولوا اهتمامًا بإعلاميين قضوا حياتهم في وسائل تقليدية، وأن يتركز اهتمامهم على الناشطين الذين اعتمدوا أدوات السوشيال ميديا لنقل الخبر، وانتهى بهم الحال لأن يكونوا أسياد مشهد التيك توك السوري، ولا سيما في تلك اللحظة الفارقة التي صنعتها عملية ردع العدوان.
لنقل إن العلاقة مع الإعلام ككل، من دون التقسيم الذي أتحدث عنه بين السوشال ميديا والتقليدي، لا بد أن تنتهي إلى نوع من الاعتدال، طالما أن الجمهور نفسه، أي السوريين، ما زالوا يطلبون من صنّاع القرار أن يكون الإعلام الذي يأخذون منه الخبر اليقين عن واقعهم ومستقبلهم تقليديًا، تتشخص فيه الكلمة، وتُعرَف فيه الوجوه!
لكن المشكلة التي لا يمكن تجاهلها، لا تتعلق بالوسيلة التي يستخدمها المعنيون وهم يبحثون عن طريقة لإيصال المعلومات إلى الجمهور، بل تتركز في أن هؤلاء لا يرون السوريين إلا جمهورًا للمؤثرين!
نعم، يحصل هذا، ويمكن التدليل عليه، ليس فقط من خلال ما تحدثنا عنه أعلاه، بل أيضًا من خلال طريقة تعاطي السلطة ذاتها مع شؤون السوريين، فهي تتبع طريقة مستعجلة في حلّ المشكلات التي تحتاج وقتًا، وكأنها تجيب عن سؤال يتصدر منشورًا على فيس بوك، وتغيّر الأولويات بحسب ما ترتئيه هي، لا بحسب الحاجات المزمنة!
سلوكيًا، لو أنك كنت تتصفح فيس بوك أو تيك توك، ورأيت شخصًا يحكي عن تأخر صرف راتبه، أو يتحدث عن التباين بين أجره وأجر شخص تم تعيينه بعقد استشاري، لقمت بتجاوز المنشور وبحثت عن غيره! ووفق هذا، لا تبدو حاجيات بعض الناس ملحّة، في حين يظهر أن ما يقع تحت الضوء هو ما يجب الاهتمام به، وأن يتم العمل على إنجازات تخصّه!
طبعًا، هذا لا يعني أن الأمور لا تسير، بل إن الحياة السورية، رغم البطء الشديد، تتحسن، وتصبح أفضل بما لا يقاس مقارنة بزمن النظام البائد، لكن شعور الناس بأنهم لا يحصلون على ما يحتاجونه لا يمكن تجاهله.
وفي محاولة الإجابة عن السؤال حول طبيعة وكيفية رؤية السلطة لجمهورها، الذي يتفاعل مع منجزاتها، فإن الوقائع تشعرك بأنها لا ترى في السوريين كتلة من المتلقين الذين يمكن دراسة أنماط سلوكهم تبعًا لعوامل مؤثرة شتّى، بل تراهم جمهورًا للمؤثرين، وبالتالي فإنها تحتاج إلى مؤثرين، لا إلى صحفيين، وحتى أولئك الذين يعملون في المؤسسات التقليدية (صحافة وإذاعة وتلفزيون)، فإن أهميتهم لا تأتي من مهنيتهم بقدر ما تأتي من قدرتهم على أن يكونوا “مؤثرين”!
هل يجانب الصواب توجّه الإدارة الجديدة في هذا الشأن؟ وهل يرون هذا الأمر مهمًّا؟
اللحاق بالمسألة من زاوية التغيرات الكبيرة التي يشهدها عالم الصحافة في زمن سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، يجعل الرؤى تتجه نحو الأكثر وصولًا، طالما أن التقليدي ينسحب لصالح المستجد، الديناميكي، الشبابي!
غير أن المشكلة ليست هنا، إذ تستطيع أن ترسل الرسائل والأخبار عبر أي وسيلة تريد، لكنك لا تستطيع، من خلال قراءتك لنمط جمهور السوشال ميديا والمؤثرين، أن تخاطب كل السوريين بالطريقة ذاتها. وقبل هذا، أنت تحتاج لأن تفكك الوضعية التي رزحت فيها هذه الجماهير طوال عقد ونصف بعد تفجّر ثورة الكرامة في 2011. لقد كان التواصل اضطراريًا يتم من خلال السوشيال ميديا، لكن التطور المجتمعي لا يتم عبر فيس بوك وتيك توك، بل يحتاج إلى نوابض وآليات مختلفة، تبدأ باستعادة الفضاء العام، في الواقع، لا في المجال الافتراضي! أي أنك تحتاج لأن تنظر في الأطر التي يجتمع فيها ومن خلالها الناس في حياتهم اليومية، طائفيًا وسياسيًا، عبر دور العبادة، ومقار الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، ومنظمات المجتمع المدني، وغيرها.
وبالتالي، فإن السوريين ليسوا مجرد جمهور للمؤثرين، الأمر الذي يوجب تغييرًا إلزاميًا في طريقة تعاطي المسؤولين الجدد مع مؤسساتهم وموظفيهم، وقراراتهم قبل أي شيء آخر، وصولًا إلى التعاطي بجدية مع فكرة السلطة، وجوهرها، ومؤدياتها، إذ لا يمكن لمن يتربع الآن على سدّة القرار أن يكون هوائيًا يتصرف وفق منطق بالونات الاختبار التي يطلقها أمام الجمهور منتظرًا ردّ فعله، ليحسم أمره.
استمرار السلطة الجديدة في التعامل مع السوريين كجمهورٍ لمؤثرين، لا كمواطنين فاعلين، مؤشِّر خللٍ عميق في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الفعل السياسي والتواصل العام. فالمؤثرون، مهما بلغت شعبيتهم، ليسوا بديلًا عن الإعلام المهني، ولا عن المؤسسات التي تُصاغ من خلالها الرؤية الوطنية الجامعة. وإن كانت أدوات السوشيال ميديا قد فرضت حضورها، فإن هذا الحضور لا يعفي السلطة من مسؤولية بناء قنوات تواصل أكثر جدية وعمقًا، تستند إلى الفهم لا إلى الانفعال، وإلى الاستماع لا إلى الاصطفاف وراء “الترند”.
تلفزيون سوريا



