الأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

سوريا حرة إلى الأبد: مقالات وتحليلات 11 تموز 2025

تحديث 11 تموز 2025

———————————

الهويات الخائفة وسرديات المظلومية.. دراسة لجذور العنف في سوريا

25/6/2025

شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تصاعدا ملموسا في حوادث العنف الأهلي، وسط حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي يتداخل فيها البعد الطائفي مع العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية.

وفي هذا السياق، أصدر مركز عمران للدراسات الإستراتيجية دراسة تحليلية موسعة بعنوان “مؤشرات العنف الأهلي في سوريا.. مقاربة نفسية اجتماعية لبنية الصراع المحلي”، للباحثة حلا حاج علي، إذ سلطت الضوء على جذور العنف الأهلي وتداعياته، واستعرضت الآليات الكفيلة بتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.

واستعرضت الدراسة عددا من تجارب الدول بعد النزاعات، وحاولت أخذ الدروس الممكنة في بناء السلم الأهلي.

ومن أبرز التجارب التي عرضت لها الدراسة، تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كما استعرضت الدراسة خروج دول من النزاع وتحقيق السلام بمعنى إنهاء الحرب الأهلية فقط دون تأصيل للتعايش الحقيقي، مثل ما حدث في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكذلك في تونس وليبيا واليمن.

مع مقاربة ما سبق بالحالة السورية، تبدو هذه الأخيرة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العنف السياسي مع البنية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع والتهميش، إذ راكمت سنوات الصراع في سوريا أنماطا متنوعة من الكراهية وعدم الثقة، أضيفت إلى إرث الحقد الناتج عن سياسات الاستبداد والظلم ما قبل الثورة.

ما يُميّز الدراسة هو تبنيها مقاربة نفسية اجتماعية لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في تحليل روافد الصراع والهويات القلقة، وتسلط الضوء على أدوار الجهات الأمنية والمؤسسات المحلية وآليات العدالة الانتقالية والمجتمع المدني في التصدي لهذه الظاهرة.

كما تقدم قراءة معمقة للخطابات المغذية للعنف وتوزع الحوادث على المستويات الجغرافية والاجتماعية، مع اقتراح حزمة سياسات إصلاحية.

تحليل بنية العنف.. الهويات الخائفة وسرديات المظلومية

واعتمدت الدراسة على توثيق 50 حادثة عنف أهلي خلال فترة زمنية محددة، شملت نماذج مختلفة من العنف “التقليدي” المباشر (كالصدامات المسلحة والاشتباكات المحلية)، والعنف “غير المباشر” أو الرقمي، الذي يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابات التحريضية.

وتراوحت دوافع هذه الحوادث بين الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية والسياسية، إلا أن الدافع الطائفي تصدر المشهد بنسبة 56% من مجموع الحالات المرصودة، في مؤشر خطِر على هشاشة النسيج الاجتماعي.

كما تركزت هذه الحوادث في مناطق ذات تركيبة سكانية متداخلة، يغلب عليها سجل من التعددية وصراعات الولاءات، ما يعكس وجود واقع اجتماعي هش قابل للاشتعال مع كل أزمة أو شرارة.

تذهب الدراسة إلى أن تصاعد مشاعر القلق والخوف ضمن مجموعات سكانية معينة يدفع الأفراد إلى البحث عن الحماية في الهويات الفرعية الضيقة (دينية، طائفية، أو قبلية)، ما يؤدي إلى تكريس الاستقطاب وإضعاف أشكال المواطنة الجامعة. كما خلصت الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، يجرى فيها تبادل الاتهامات والتحريض وترويج روايات المظلومية من كافة الأطراف.

ومن الملاحظ -بحسب الدراسة- غياب ثنائية واضحة بين “ضحية” و”جلاد”، حيث يمتلك كل طرف خطابا متماسكا عن مظلوميته وطموحاته، مع انتشار ظاهرة العدالة الانتقائية واستغلال رواية “الحق” لإقصاء الخصوم وتبرير العنف. كما تؤكد الدراسة، أن هذه الانقسامات الهوياتية تُنتج واقعا اجتماعيا متصدعا يصعب تجاوزه دون مشروع وطني جامع.

العوامل المغذية للعنف

تحدّد الدراسة جملة من العوامل التي تُسهم في إذكاء مظاهر العنف الأهلي في سوريا، من أهمها:

    ضعف دور الدولة المركزية: وغياب سلطة القانون وانتشار السلاح بين المدنيين بما يسمح باندلاع المواجهات بسهولة.

    تراجع الثقة في المؤسسات الأمنية: بفعل ممارسات سابقة ارتبطت بالقمع أو المحاباة أو الفساد، ما يجعل المواطن ينظر إلى الأجهزة الأمنية كجهة غير محايدة.

    تضارب مصالح القوى المحلية: إذ تلعب الولاءات الضيقة (طائفية، عشائرية، حزبية) دورا رئيسيا في تحريك النزاعات.

    العامل الاقتصادي: الأزمات المعيشية وغياب العدالة في توزيع الموارد تؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية وتصاعد النزاعات على الموارد المحدودة.

    انتشار الخطابات التحريضية: خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الضوابط اللازمة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى خزان للكراهية والاستقطاب.

توصيات عملية لتعزيز السلم الأهلي

في ضوء ما سبق، قدمت الدراسة حزمة شاملة من التوصيات العملية للجهات الحكومية والمجتمع المدني وصناع القرار، من أبرزها:

    تفكيك العنف الرمزي وإعادة بناء الذاكرة الجمعية

    أكدت الدراسة ضرورة مراجعة الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تحمل مضامين إقصائية أو تبث الكراهية، وإشراك المختصين التربويين والنفسيين في مراجعة المناهج المدرسية وتعزيز قيم التسامح والسلم المجتمعي. كما أوصت بدعم المبادرات الفنية والثقافية التي تعيد صياغة روايات الحرب بصورة إنسانية جامعة.

    إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء ثقة المواطن

    دعت الدراسة إلى إعادة هيكلة العقيدة الأمنية، بحيث تتحول من “فرض الأمن” إلى “حماية المواطن”، وتفعيل دور الرقابة المجتمعية والتدريب المشترك بين الأمنيين والمدنيين لتعزيز ثقافة الشراكة.

    هندسة هوية وطنية جامعة

    شددت على أهمية إطلاق حوارات وطنية شاملة، تراعي حساسيات الماضي واحتياجات جميع المكونات، بهدف صياغة ميثاق وطني جديد تضمن فيه العدالة في التمثيل وعدم الإقصاء.

    توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتعزيز اللامركزية

    طالبت بإعطاء مجالس الإدارة المحلية صلاحيات أوسع باستخدام أدوات رقمية لتعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على الخدمات والموارد.

    تفعيل عدالة انتقالية شاملة

    أوصت الدراسة بإعطاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دورا أكبر في جبر الضرر ومعالجة ملفات الضحايا والمغيبين، جنبا إلى جنب مع إطلاق برامج اقتصادية تكافح آثار التهميش والإقصاء.

    دعم وتمكين المجتمع المدني

    أكدت أهمية توفير التمويل والإمكانات لمنظمات المجتمع المدني المستقلة، وإشراك الجاليات السورية في الخارج في جهود المصالحة وبناء المشاريع التنموية.

    تطوير الفضاء الرقمي للحوار

    حثت على دعم المنصات الرقمية المستقلة والمنتديات الحوارية، وسن تشريعات صارمة تجرم التحريض وخطاب الكراهية الرقمي، مع بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.

خاتمة

تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الطريق إلى السلم الأهلي في سوريا ليس دربا قصيرا، بل يتطلب شجاعة سياسية وإرادة جماعية ومشروعا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويلتزم بحقوق الإنسان والمساواة. وترى الدراسة أن التصدي لجذور العنف وتحقيق الاستقرار لن يتم من بإجراءات أمنية أو سياسية منعزلة، بل بمعالجة شاملة للانقسامات وإعادة بناء الثقة والذاكرة الجمعية.

وبذلك تضع الدراسة أمام صناع القرار والمجتمع السوري خارطة طريق عملية للتعافي المجتمعي، محذرة من أن تجاهل هذه التوصيات سيعني استمرار العنف الأهلي، وترسيخ الانقسامات، وعرقلة أيّ فرص حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس مستدامة من العدالة والسلام.

إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضرا على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك بحلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعا إستراتيجيا طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي لدى السوريين.

المصدر: الجزيرة

——————————————–

مؤشرات “العنف الأهلي” في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي

في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي

حلا حاج علي

    الأحد, 22 حزيران/يونيو 2025

ملفات التحميل

    نسخة PDF

ملخص تنفيذي

    تتزايد حوادث العنف ذات الطابع الأهلي في المشهد الاجتماعي السوري وتختلط فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والمجتمعية، وتدفع باتجاه ترسيخ الانقسامات الهوياتية والاختلافات الفكرية، وتنذر باحتمالية الانزلاق إلى اللااستقرار الداخلي إلا أنّ هناك فرصةً لإعادة تشكّل العلاقات الاجتماعية على أسس المواطنة. وهذا مرتبط بتحقّق بعض الشروط البنيوية على المستويين الفردي والجماعي، منها: إعادة برمجة طريقة تفكير الأفراد، وإعادة تعريف العلاقات ضمن الهويات المختلفة.

    تُقدّم كلٌّ من ألمانيا واليابان ولبنان والعراق وليبيا واليمن وتونس محاولات عملية متباينة لإعادة بناء السلم الأهلي. ورغم عدم إمكانية نقل هذه التجارب بحرفيتها إلى السياق السوري بحكم الخصوصيات التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إلا أنّ الاستفادة من دروسها يُمكن أن يُسهم في التفكير بشروط تعافٍ مجتمعي عادل مستدام

    وثقت50 حادثة عنف محلي وقعت بشكل فيزيائي مباشر، أو من خلال التفاعلات الرقمية في الفضاء الافتراضي، أو حتى في الاتجاه المعاكس (أي من النشاط الرقمي إلى الفعل الميداني). وتنوعت الدوافع ما بين الطائفية والمناطقية والإثنية والسياسية والعشائرية. وقد تصدر النمط الطائفي الدافع الأكبر (نسبة 56%)، كما تُظهر البيانات أن العنف المحلي يتمركز بشكل رئيسي في المحافظات ذات التركيبة السكانية المتنوعة من حيث الانتماء الطائفي.

    تعكس البيانات أن أنواع العنف المحلي في سورية ليست ثابتة جغرافياً أو نمطية الشكل، بل تتغيّر بتغيّر مجموعة من العوامل المتداخلة كالبنية الاجتماعية والديموغرافية للمجتمع المحلي، وعلاقة السكان بالسلطة المركزية أو الفاعلين المسلحين المحليين، أو علاقتهم بالجماعات الأخرى المبنية على درجة الاستقطاب الطائفي أو الإثني الناتج عن الحرب وتراكمات التهميش إضافة إلى حجم الخطاب التعبوي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي يُسهم في شرعنة العنف الرمزي والميداني.

    برزت الهويات القلقة والخائفة كردّ فعل على شعور دائم بالتهديد دفع الأفراد إلى الاحتماء بالجماعة الضيقة. وعزّز الاستقطاب العابر للسياسة، ليطال أنماط الإدراك والعلاقات اليومية، بالتوازي مع ذلك برزت الهويات الرقمية كفاعلٍ جديد في الفضاء العام. وفي ظل غياب تنظيمات سياسية واجتماعية فعّالة ووطنية، أصبحت هذه الهويات منصات بديلة للتعبير والتشكيل، ولم تتحرر هذه الهويات المتشكلة حديثاً من منطق نحن مقابل هم، بل أعادت إنتاجه بأشكال أكثر تفاعلاً وأسرع انتشاراً. وقد تحوّلت العديد من هذه الفضاءات إلى ساحاتٍ منفلتة تُغذي الانغلاق، وتزيد من التصنيف والفرز، ما ساهم في ترسيخ مناخ من التنافر والتفكك الاجتماعي.

    في السياق السوري لم تُفرز ثنائيات واضحة الحدود بين الضحية والجلاد، بل امتلك كل طرف سرديته الخاصة عن المظلومية، مطالباً بالعدالة من موقعه، دون الاعتراف بآلام الطرف الآخر مما أدى إلى شيوع العدالة الانتقائية، حيث تحولت العدالة إلى أداة للإقصاء والانتقام بدلاً من أن تكون وسيلة للإنصاف والمصالحة. وسيفرغ هذا المنظور مفهوم العدالة من مضمونه. كما تسيطر حالياً سرديات “الخطر، المؤامرة من فلول النظام السابق، الاستقرار، الطاعة، أولوية بناء المؤسسات، العيش المشترك، من يحرر يقرر “على بنية الخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي، ومع غياب مشروع ثقافي بديل سيبقى المجال الرمزي مشغولاً بخطابات الكراهية.

    ولأسباب قديمة مرتبطة بتاريخ مليئ بسياسات الإبعاد من دوائر التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولأسباب حالية متعلقة ببطء ديناميات إنتاج عقد اجتماعي جديد، وفي ظل استمرار انتشار السلاح خارج الأطر النظامية فإنه سوف تتّسع دوائر التهميش، ويشعر كثيرون بالإقصاء من الحصة الوطنية للموارد، ما سيدفع إلى تبنّي القوة كأداةٍ للتمثيل وتحقيق الاعتراف، في ظل غياب عدالة انتقالية تراعي الجميع في توزيع الموارد. وهكذا ممكن أن تتحوّل كل موجة اضطراب اقتصادي وخدمي إلى مقدّمة لأخرى.

    إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضراً على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك من خلال حلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي بين السوريين. فالسلم ليس مجرد غياب للعنف، بل مسار تراكمي لبناء الثقة، ويستند إلى مجموعة من المحاور المتداخلة كتشكيل الذاكرة المجتمعية وإنتاج علاقة متوازنة بين المواطن والدولة تسهم في بلورة هوية وطنية جامعة، وتعزيز مبدأ المساءلة المجتمعية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتمكين المجتمع المدني وتحرير الفضاء الرقمي.

لقراءة المادة كاملة اضغط الرابط:

https://bit.ly/4neTbcO

————————————

 قمح السوريين بعد الأسد.. ما الذي تغيّر؟/ إياد الجعفري

الأحد 2025/06/29

مع تواصل عمليات تسليم القمح للمؤسسات المعنية، من المغري استكشاف ما الذي تغيّر في أول موسم في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد. فالاقتصاد المرتبط بهذه السلعة الاستراتيجية، حكمته أربع معادلات رئيسة في السنوات الأخيرة من عهد حكم بشار الأسد، لم يتغيّر أيٌ منها بصورة نوعية، باستثناء المعادلة الرابعة التي شهدت تغيّراً جذرياً.

أولى هذه المعادلات، هو أن سعر القمح المحلي أعلى من نظيره العالمي المستورد. وهي معادلة نجمت عن ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي عموماً، في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد، كنتيجة لرفع الدعم الحكومي عن المحروقات. وهي نتيجة لطالما حذّر منها الخبراء منذ 2020، وظهرت جليّة منذ 2022، بصورة اضطرت سلطات حكومة الأسد السابقة إلى دفع سعر للقمح المحلي، أعلى من المستورد، لإنقاذ هذه الزراعة الاستراتيجية، التي أخذ المزارعون السوريون، يُدبرون عنها، سنة تلو الأخرى.

في موسم 2023، دفعت سلطات النظام السابق 10 دولارات زيادة لطن القمح المحلي مقارنة بالسعر العالمي. أما في موسم 2024 فدفعت نحو 130 دولاراً زيادة. والجديد في هذا الموسم، الأول منذ سقوط نظام الأسد، أن سلطات الحكومة بدمشق دفعت ما بين 170 إلى 190 دولاراً زيادة لطن القمح المحلي مقارنة بالسعر العالمي. فيما دفعت سلطات “قوات سورية الديمقراطية- قسد”، نحو 160 دولاراً زيادة لطن القمح المحلي.

وقد اختلط الأمر على الكثيرين، ممن يعتمدون على أسعار مبيع القمح الآجل عبر المنصات المتخصصة بعرض أسعار السلع العالمية، والتي تحدد أسعار طن القمح ما بين 520 إلى 540 دولاراً. بينما الأسعار على أرض الواقع أقل من ذلك بكثير. إذ نقلت رويترز أن مصر اشترت مئات آلاف الأطنان من القمح خلال الأسابيع القليلة الماضية، بأسعار تتراوح ما بين 250 و258 دولاراً للطن، شاملة تكاليف الشحن. وهو ما يجعل تعليق البعض، عبر وسائل التواصل، بأن القمح السوري قد يكون الأغلى عالمياً، ليس بعيداً جداً عن الصواب. كما أن التسعيرة المعلنة من جانب سلطات الحكومة بدمشق لشراء القمح المحلي، هي الأعلى في تاريخ سوريا. وهي تعبّر عن وعي مسؤولي هذه الحكومة بخطورة خسارة هذه الزراعة الاستراتيجية، ومحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها. وفيما تحدثت بعض المصادر الإعلامية قبل أسابيع عن اتجاه سلطات الحكومة في دمشق بعيداً عن دعم زراعة القمح، يظهر سعر الشراء المحدد من جانب هذه السلطات، كعملية دعم مباشر للمزارع، كي يستمر في زراعة هذه السلعة. لكنه يرتب عبئاً ثقيلاً على خزينة الدولة.

أما المعادلة الثانية التي لطالما حكمت اقتصاد القمح في سوريا، في السنوات الخمس الفائتة، فهي تلك المنافسة بين سلطات الأمر الواقع، على شراء أكبر قدر ممكن من القمح المحلي. في السنوات السابقة كانت المنافسة بين أربع سلطات (النظام السابق، قسد، الإنقاذ في إدلب، والمؤقتة بشمال حلب). أما في هذه السنة، فانحصرت المنافسة بين “قسد” وسلطات الحكومة بدمشق. وقد قدّمت الأخيرة سعراً أعلى، لتعزيز حظوظها في جذب قدر أكبر من قمح شمال شرق سوريا، الخاضع فعلياً لسيطرة “قسد”.

أما أسوأ المعادلات، فهو الجفاف والتغيرات المناخية. فقد وصفت “الفاو” هذا الموسم في سوريا، بأنه الأسوأ منذ 60 عاماً. وقد أدى إلى تضرر نحو 95% من القمح البعلي، ونحو 30 إلى 40% من القمح المروي.

أثر الجفاف على زارعة القمح بسوريا، ليس جديداً. ففي تموز 2024، قال مهندسون زراعيون إن مردودية دونم القمح لذاك العام، كانت الأقل منذ سنوات. وفي عام 2022 قالت دراسة استقصائية نشرها مركز “السياسات وبحوث العمليات”، إن تداعيات موجات الجفاف على صحة الأراضي الزراعية، قد تكون وصلت إلى نقطة اللاعودة. وحذّرت الدراسة حينها من أن الجفاف يتضافر مع عقودٍ من سوء إدارة القطاع الزراعي والموارد المائية في البلاد، ليضع السوريين على حافة أزمة زراعية هي الأسوأ في تاريخهم المعاصر.

وختاماً، نصل للمعادلة الرابعة التي كانت تحكم اقتصاد القمح في سوريا، في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، والتي تغيّرت بصورة كبيرة، بعد سقوطه. وهي المتعلقة بالاستيراد. فقد كانت روسيا هي المصدر الرئيس للقمح المستورد، مع تسهيلات ائتمانية كبيرة. وقبل أيام نقلت رويترز خبراً عن رفع شركة روسية لتجارة الحبوب دعوى قضائية ضد مصرف سوريا المركزي ومؤسسة الحبوب، مطالبةً بمبلغ 71 مليون دولار. ومن المرجح أن هذه المبالغ هي ديون متراكمة منذ عهد الأسد. فقد كانت روسيا تمنح حكومة الأسد شحنات من القمح، بالدين. وكانت روسيا قد زودت سوريا، بآخر شحنة قمح، لمرة واحدة، بعد سقوط النظام السابق. ومن ثم توقفت إمدادات القمح الروسية، مع إشارة وكالة “تاس”، لوجود ديون متراكمة على النظام المخلوع، وفق خبر نشرته في نيسان الفائت. والملفت أن “تاس” نقلت هذا الخبر، حينها، عن الرئيس التنفيذي لشركة “إس تي جي” الروسية. والذي قال إن ديون الجانب السوري لشركته مقابل شحنات قمح ترجع لزمن الأسد، تصل إلى 116 مليون دولار. و”إس تي جي”، هي إحدى أذرع “ستروي ترانس غاز” الروسية في سوريا، رغم إنكار هذه الأخيرة الصلة التنظيمية والقانونية بينهما، تهرباً من العقوبات الغربية. وبعد سقوط نظام الأسد، خسرت “إس تي جي” مع ذراع آخر لـ”ستروي ترانس غاز”، كلاً من: استثمار مرفأ طرطوس، ومعامل الأسمدة الثلاثة التابعة للشركة العامة للأسمدة، ومناجم الفوسفات بتدمر.

وهكذا، خرجت روسيا من معادلة استيراد القمح إلى سوريا، خروجاً كاملاً على الأرجح. مما يفرض عبئاً في توفير موردين للقمح من مصادر أخرى، مع غياب التسهيلات الائتمانية التي كانت تتيحها روسيا، سابقاً. وقد يخفف من عبء هذا التطور، رفع العقوبات الغربية –بمعظمها- عن سوريا، مما يحسّن فرص شراء القمح من موردين عالميين. وأبرز المصادر البديلة لروسيا، أوكرانيا، الراغبة بشدة، في تطوير علاقاتها الإيجابية مع السلطات السورية الجديدة. وتظهر رومانيا أيضاً، في قائمة الموردين المحتملين.

يبقى أنه في معادلة الاستيراد، ازداد عبء التكلفة. فالفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، ستكون أكبر هذه السنة، مع تردي الإنتاج المحلي بفعل الجفاف. ومع استهلاك محلي يصل إلى نحو 2.5 مليون طن سنوياً، قد تصل الفجوة التي من المفترض سدها عبر الاستيراد إلى نحو 2 مليون طن. بتكلفة قد تصل إلى نحو نصف مليار دولار.

ملف استيراد القمح في سوريا، والذي يزداد ثقله على خزينة الدولة المرهقة، سنة تلو الأخرى، بالتوازي مع تأثير الجفاف وتردي مستويات المياه الجوفية بصورة مستمرة، يخلق صورة قاتمة لمستقبل هذه الزراعة الاستراتيجية في سوريا. بل ويهدد مستقبل الأمن الغذائي في البلاد، برمته. فتأمين رغيف الخبز في السنوات المقبلة سيصبح أكثر تكلفة وصعوبة، مما يتطلب حلولاً خلّاقة، ومعالجات استثنائية. وربما دعماً خارجياً، لإنقاذ زراعة القمح المحلية، وتحسين مردودها.

المدن

——————————–

في جدل بناء الأمة والدولة السوريتين/ موفق نيربية

لم يكن شائعاً في السابق استخدام مفهوم الأمة للدلالة على الناس الذين يعيشون في سوريا، بل كان ذلك أقرب إلى «المفهوم المُحرّم» لحساب مفهوم « الأمة العربية»، رغم البدء بترويج الأوّل منذ الربع الثاني للقرن العشرين، خصوصاً من خلال الحزب السوري القومي الاجتماعي وأنطون سعادة، الذي لم يكن يعني ذلك الشعب الذي يعيش ضمن حدود سوريا، التي نعرفها حالياً، بل أوسع من ذلك في مشرق البحر المتوسط. لم تكن هنالك غالباً مثل هذه الأمة قبل الثامن من ديسمبر الماضي، أو حتى كانت هنالك «دولة» أيضاً في العقد السابق. ما كان هو حدود مهتزّة للبلاد، تسيطر عليها قوى مختلفة، مع انقسام حاد في المجتمع والشعب ينكره البعض، وبنية غير محدّدة تماماً، ما بين الهشاشة والفشل والانهيار للدولة.

انكشف الحجاب عن العقل الفردي والجمعي، بعد ذوبان النظام وانكشافه في ذلك اليوم المشهود؛ وانقشاع غمامة الخوف والقلق القاتمة في المجتمع وداخل الضمير السوري، وانقلاب ما كان في الداخل إلى الخارج متعرّضاً لعوامل الطبيعة وتلوّثها، وظهور حالة تحرير للتعبير غير متحفّظة، تعالج الانقسام أحياناً بالدعوة إلى بتر الطرف الآخر.

في ضوء ذلك تحتاج البلاد إلى عملية كبرى ومعقّدة لبناء الأمة والدولة في وقت واحد. يشمل بناء الأمة تعزيز الشعور بالهوية – الوطنية الجامعة – والوحدة والتماسك الاجتماعي بين مختلف الجماعات الإثنية والدينية والمناطقية والسياسية. وقد زادت من صعوبات الأمر الانقسامات القومية والطائفية طويلة الأمد التي كانت تتفاعل في الخفاء نسبياً مع حالة إنكار عجيبة، وانكشفت بعد انهيار النظام وتداعيات الحرب الأهلية، أو ما في حكمها. تعدّ جهود المصالحة والحوكمة الشاملة والقيم المشتركة بالغة الأهمية هنا، مع أنها قد تكون بطيئة الفعل ومعقّدة. ولن يكون ممكناً تسريع خطاها إلّا من خلال الدخول الجدّي في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة مع الذات/ الآخر.

أمّا بناء الدولة الذي قد يشوّهه مفهوم «إعادة البناء» ويعطيه مضموناً مادياً ملموساً وحسب، فهو يشير إلى إنشاء مؤسّسات فعّالة وحوكمة وسيادة قانون… وبنية تحتية. في ظلّ الصراع وتدمير مؤسسات الدولة والتحديات الاقتصادية والمعاشية، يُعدّ بناء الدولة مهمة جسيمة وخطيرة، تتطلّب لنجاحها استعادة الأمن والاستقرار والحوكمة الفعّالة… وهذا ضروري في الوقت ذاته لجعل إعادة البناء ذات مضمون ومعنى، لا مجرّد «سوق سمك» يضجّ بصراخ السماسرة ولهاثهم وراء الكسب السريع. كلاهما صعب ويتطلّب جهوداً متزامنة. فدون هوية وطنية متماسكة قد تتعثّر خطوات بناء الدولة، وعندها يمكن للدولة الضعيفة أن تعيق وتمنع بناء الأمة. التحدّيات متعدّدة الأوجه ولا يمكن مواجهتها إلّا بعمل متضافر من الجهات الداخلية والخارجية على حدّ سواء. ضروري أن تقود السلطة الجديدة ونواتها عملية بناء الدولة بالتعاون مع النخب الاقتصادية والمهنية والإدارية السورية في الداخل والخارج، بالاستعانة أيضاً بالخبرة والتجارب الدولية، لإنجاز التحديث المؤسّسي والحكومي للحفاظ على انضباط المجتمع، ولكن مع تقديم وتيسير الخدمات العامة. في حين يحتاج بناء الأمة إلى أن تكون النخب الفكرية والثقافية والسياسية نفسها في المقدّمة بدور أقرب إلى أن يكون قيادياً، من أجل تعزيز التماسك المجتمعي والشعور بالهوية والانتماء الوطنيين والمشترَكَين، وبثقافة شاملة، ولو كان التنوّع أهمّ صفاتها، وبالقيم العامة في الحقوق والحريّات وسيادة القانون، وبالتضامن الاجتماعي. في الفكر السياسي الحديث، لا يكون الحدّ بين بناء الدولة وبناء الأمة واضحاً كالشمس دائماً. يستخدم سيمون تشيسترمان مصطلح بناء الدولة وحده، لأن بناء الدولة، كما يقول، يقتصر على حالة ما بعد الاستعمار. في حين يقرّ فوكوياما بالفرق بين المفهومين، لكن استخدامه لهما يوحي بأنّه يعتبر بناء الأمة مصطلحاً سياسياً لوصف ما يطلق عليه أكاديمياً بناء الدولة.

تحتاج سوريا إلى التعامل مع المفهومين والمهمّتين باستقلال نسبي بينهما، بسبب القلق من مصائر شبيهة، بما حدث في التجربة العراقية، التي كان الاهتمام فيها ببناء الأمة ضعيفاً، فنخر فيها الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي، وقسّمها التدخل الإيراني دون جهد كبير، فوصلت إلى حالة قلقة، بحيث جعلت كلّ محاولات الخروج منها تتعرّض للفشل المتكرّر. من جهة أخرى، ليس هناك دول فاشلة وحسب، بل أيضاً أمم فاشلة. فالأمم باعتبارها أساساً للدولة، قد تلحق بها ضعفاً وانهياراً، كما حدث في سوريا مع تداعي الدولة بقيادة الأسد في العقد الماضي، بذلك انعكس فشل بنية الأمة في بروز الانقسامات الطائفية والإثنية عميقاً- ومكتوماً- في العهد الطويل السابق، وهو ينعكس صارخاً حالياً، مع «فتح» القمقم وتحرير الجنّي المكبوت فيه. في مثل ذلك المسار يتجلّى ما اعتبره البعض فشلاً للأمّة، هو تفاقم لفشل الدولة. سوف يزيد ذلك المسار بالطبع صعوبات السلطة الجديدة وهي تحاول بناء الدولة على نسق جديد لم يتبلور حتى الآن. ولم نلمح حتى الآن اهتماماً بذلك، ربّما بسبب الانهماك في قضايا تظلّ شكليّة، رغم أهميّتها: كالاعتراف الخارجي، والتمركز حول الذات لتحصينها، إضافة إلى ضعف الخبرة والتجربة والخلفية الأيديولوجية بالطبع. ليس من عاصم من تلك الصعوبات والغرق فيها إلّا بجعل المسار دستورياً. وبشكل عميق غير ضحل ولا ظاهري. فمن أجل تيسير ذلك الطريق، أعطى فوكوياما ـ مثلاً – أهمية خاصة للدستور كمحور للولاء الجمعي أو الجماعي. كما نَحت هابرماس مفهوم «الوطنية الدستورية» ليحلّ جزئياً، أو كلياً في مكان بعض عناصر الهوية الأخرى، أو ربما ليتقدّم عليها. وبعد ذلك تمّ تداول مفهوم» الأمة الدستورية» على النسق ذاته… وبطريقة أخرى: حين يتمّ التركيز على بناء الدولة أحياناً فلدورها في تكريس بناء الأمة، الذي يعود لينعكس بدوره على تصليب بناء الدولة. يصبح مسار الدستور عندئذٍ قادراً على تخفيف الأثر التخريبي لبعض عناصر الهوية غير القابلة للتحوّل، ومنعها من إعادة إنتاج الانقسامات، أو فشل الأمة من جديد.

كان الإصرار على إبراز هوية الأغلبية دون غيرها في عدد من الدساتير السورية السابقة خاطئاً ومُفخِّخاً للدولة، زادت من تفاقم أثره سياسات الديكتاتورية التي تعرض نفسها كحلّ وحيد لا يمكن لشعب كهذا أن يعيش من دونه، مما كشف نهائياً عن مفارقة تركيبة النظام -الأقلّوية- ووحشية سلوكه مع شعبه بكلّ فئاته، وخصوصاً تلك التي تبنّتها الدساتير السابقة.

لم يجر تدارك ذلك في «الإعلان الدستوري»، الذي أُعلن في مارس الماضي، ولم يترك الأمر مفتوحاً للحوار والنقاش الوطني لاحقاً. فكأنّه أبطل مسبقاً ذلك الحوار وقرّر مخرجاته، كما فعل مع «مؤتمر الحوار الوطني» الذي شكّله ونظمه قبل ذلك أيضاً. وربّما كانت العلّة في ذلك المفهوم الذي يكاد يكون محظوراً حالياً: الديمقراطية، الذي لا يمكن من دونه تحرير الطاقات الكافية لمهمة كبيرة كهذه عنوانها الجمع بين بناء الدولة وبناء الأمة، أو بناء الدولة – الأمة على نمط حديث وقابل للحياة: ذلك هو مفهوم الديمقراطية. ولا يطلب أحد في سوريا الدخول في ذلك مباشرة من أوسع أبوابه، بل يؤكّد الجميع على أولوية الأمان والاستقرار، والسلام الداخلي والخارجي، وعلى الأمن المعاشي واستعادة قيمة العمل، وبالطبع مع تعزيز حقوق الإنسان وضمان الحريات الأساسية.. وقبول مبدأ الشمول والمشاركة وتنفيذه، لا الاستمرار في الالتفاف حوله.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————

الهوية السورية بعد التصدّع.. من الانتماء الجاهز إلى الوعي المفكّر/ مالك الحافظ

17 يونيو 2025

تتسلّل الكارثة إلى الوعي قبل أن تستقرّ في الواقع، لذا لا يكفي أن تنتهي الحرب كي يستعيد الإنسان السوري توازنه، إذ إن التشظي الذي خلّفته السنوات الماضية لن يتبدّد بسهولة مع سقوط نظام الأسد.

تتكشّف آثار الانهيار في الداخل النفسي قبل أن تظهر في البنية الاجتماعية، فلا يتوقف الأمر عند صدمة ما فُقد، إنما يتعداه إلى ما يستدعيه ذلك الفقد من أسئلة مؤجَّلة، مثل كيفية تشكل الذات من جديد وقد تخلخلت ركائزها؟ ما الذي يبقى من الإحساس الداخلي حين تنسحب العائلة من مركزها الرمزي، وتفقد اللغة وظيفتها في تسمية المعنى؟

في هذا الفراغ، يتحرّك السوري ليس كناجٍ من العنف فقط، وإنما كمن أُعيد وضعه أمام مرآة جديدة لا تعكس سوى هشاشته. بعد انكشاف البنى التي كانت تمنح الحياة معناها واتجاهها، يبدأ السوري في تفكيك الأسئلة التي ظلّت مؤجلة داخله. كيف يُعاد ترتيب الإحساس بالذات حين لا يعود هناك من يحدّدها أو يعترف بها، وكيف يُعاد توليد المعنى عندما تتحول المرجعية من يقين خارجي إلى حركة داخلية مشروطة بالقلق واللااستقرار.

هنا تناقش بام سيلفر كيف يمكن للفرد أن يُنتج “ذواتًا” متعددة ضمن بيئات مختلفة عندما تتفكك الهوية المركزية، وتدعو إلى فهم الذات كعملية مستمرة لا كجوهر ثابت.

الذات السورية أمام الفراغ

تلعب المرجعيات الجماعية دورًا مركزيًا في تشييد إدراك الذات؛ لأنها تحدد من نكون، وكيف نتحرك في العالم. الطفل مثلًا لا يكتشف ذاته في عزلة، إنما يراها من خلال عيون الآخرين؛ العائلة، المدرسة، المدينة، الوطن. هذه الأطر تُنتج معنى، وتؤطر الإحساس بالانتماء.

حين تنهار هذه المرجعيات، لا يتحرر الإنسان بالضرورة وإنما قد يواجه مساحة فارغة لا تحمل مؤشرًا واضحًا للتموضع، وهنا تبدأ المعضلة المتمثلة في غياب البوصلة. السوري الذي خرج من الحرب لا يجد نفسه في فضاء جديد، بقدر ما يكون في واقع منزوع الدلالة؛ تذوب فيه الهويات القديمة دون أن تنشأ بدائل متماسكة، والتصدع يظهر كعلامة تأسيسية لمرحلة نفسية مشوَّشة، تنفصل فيها الذات عن نقاط ارتكازها الأولى.

    توزّعت التجربة السورية على جغرافيا متباعدة، لكنها لا تنتج بالضرورة وعيًا متكاملًا، فالقرب من الحدث لا يضمن فهمه، تمامًا كما أن المسافة لا تولّد دائمًا تفكّرًا حرًا

يشير ألفرد شوتس إلى أن الأفراد لا يتحركون داخل أنظمة كبرى مجردة، وإنما داخل ما يسميه “العالم المعيش”، أي المنظومة اليومية من العادات والمعاني المتوارثة، فعندما تنهار المرجعيات الكبرى، تنهار معها تلك البنية غير المرئية التي تمنح الفعل البشري اتساقه الظاهري.

في مرحلة ما بعد التفكك، يسعى كثيرون إلى انتزاع وعي مستقل ينهض من تحت الركام، لكن هذا المسار لا يخلو من مفارقة فما يبدو تحررًا قد يتحوّل إلى عزلة، وما يُبنى كاستقلال قد ينزلق إلى قطيعة لا تولّد إلا فراغًا داخليًا. لا تنشأ الذات المستقلة إلا عبر صيرورة معقّدة من الاعتراف، والقدرة على التفاعل دون ذوبان، والانفتاح دون خضوع.

السياق السوري المشبع بتجارب الانصهار القسري والانتماءات الموروثة، لم يوفّر أدوات حقيقية لتكوين فردانية مرنة، والتحرر من القيد لا ينتج بالضرورة استقلالًا، وإنما قد يدفع نحو انكفاء يُفكّك الروابط ولا يقدّم بديلًا بنيويًا. ما نحتاجه هنا هو إعادة تأهيل الوعي للعيش في الفراغ، وتحويل الانقطاع إلى إمكان، لا إلى عزلة مغلقة.

ما إن تنهار البُنى الكبرى، حتى يبرز الفراغ بوصفه التجربة النفسية الأكثر استعصاءً، فيكون الفراغ تفككًا في المنظومة الإدراكية التي كانت تمنح الواقع استقراره الظاهري. في مواجهة هذا الانكشاف، تُترك الذات دون خارطة، ودون مرجعية، ودون أدوات جاهزة لإعادة التكوين.

يبيّن كريستوفر لاش بأن المجتمعات المتفككة قد تُنتج أفرادًا يسعون إلى الخلاص الشخصي على حساب التماسك الاجتماعي، ما يؤدي إلى فردانية هشّة، منفصلة عن أفق جماعي أو سردية مشتركة.

حين تختفي القوالب الجاهزة، تنفتح المساحات أمام بناء هوية لا تستمد مشروعيتها من الطائفة أو الخطاب القومي أو السلطة الأبوية. الذات السورية هنا وقد خرجت من نفق الانتماءات المغلقة، تجد نفسها في موقع يسمح بإعادة توليد المعنى؛ وليس استعادته بالضرورة.

إلا أن هذا التحول يحتاج إلى وعي يُعيد تسمية الأشياء، يُنتج سرديات جديدة، ويملك شجاعة التخلي عن اللغة الموروثة، ففي لحظة ما بعد الحرب، يصبح الوعي المفاهيمي ضرورة وجودية، وأداة للبقاء النفسي، وشرطًا لإمكانية العيش في زمن لا يعود فيه الماضي مرجعًا صالحًا.

تحديات تكوين الفردانية بعد الحرب

توزّعت التجربة السورية على جغرافيا متباعدة، لكنها لا تنتج بالضرورة وعيًا متكاملًا، فالقرب من الحدث لا يضمن فهمه، تمامًا كما أن المسافة لا تولّد دائمًا تفكّرًا حرًا. من بقي في الداخل لامس الصدمة بجسده، وتعايش مع التفكك وهو يحدث لحظة بلحظة، بينما من غادر لاجئًا/مهاحرًا إلى الخارج غالبًا ما أعاد ترتيب ذاته ضمن أنظمة أكثر استقرارًا، لكن من خلال أدوات قديمة، وسرديات لم تُحدَّث.

يرى فريد موتن أن اللغة وسيلة للانفلات من منطق السيطرة وإعادة التموقع خارج شبكات السلطة المعرفية. وهذا يُفهم كسلوك ضروري في ما بعد الحرب، حيث اللغة لا تشرح الخراب بل تتجاوزه بإيقاعات جديدة للذات.

السؤال اليوم لا يدور حول من كان من السوريين أقرب أو أصدق، وإنما من يملك القدرة على الترميم الرمزي والمعرفي، ومن يستطيع أن يُنتج تصورًا مختلفًا للذات السورية، فلا يعيد إنتاج الانقسام، ولا يكتفي برواية الألم.

إعادة البناء تتطلب أفرادًا يتحرّكون داخل وعي نقدي، يقرأ التجربة كسؤال مفتوح، وهذا الوعي لا يُصنّع من الخارج ولا يُستورد من الداخل، وإنما يُبنى في تلك المسافة القلقة التي تفصل السوري عن ذاته، وعن الآخر، وعن تاريخه الذي لم يُحسم بعد.

تبدأ إعادة البناء من زحزحة اللغة التي سبقت الانهيار واستمرت بعده. ما هو مطروح اليوم هو خلق فضاء معرفي يسمح بإعادة التفكير بالذات ضمن شروط متغيّرة، دون أن تُختزل التجربة إلى سردية خلاص أو تطهر.

تشير إليزابيث غروس إلى أن الذات ليست كيانًا متماسكًا بداخلنا، وإنما هي نتيجة عملية مستمرة من “التحوّل الجسدي والمعرفي” داخل الزمن. وعليه، لا يُعاد بناء الذات بعد الصدمة عبر الرجوع إلى أصل ثابت، وإنما عبر القدرة على استقبال التشظي كمكوّن أصيل في التكوين.

السؤال يكمن في إعادة صياغة أسئلة الطاعة والانتماء القسري، فكيف نكتب ذواتنا بعد أن انكسرت صيغ الهوية المغلقة، وما الذي يمكن الاحتفاظ به من بُنى سابقة دون إعادة إنتاجها، وأي سرد زمني يمكن أن يستوعب ذاتًا لم تعد تجد اتساقها في خط مستقيم.

في واقع متشظٍ يقوم على قدرة الوقوف في الفراغ دون استعجال الامتلاء، فإن الوعي الذي يُحتمل اليوم ما يُجرّب حدوده في انعدام المرجع، ويعيد كتابة شروطه دون انتظار إذن رمزي أو اعتراف خارجي.

السوري الذي خرج من الحرب يبحث عن إمكانية العيش داخل تشظٍّ لا يتحوّل إلى انكسار، وما يحتاجه ليس سردية تعويضية، وإنما لغة تفكّك، وتعيد تركيب ما بقي، بوصفه ذات تجتاز الانقطاع، وتخترع لنفسها إيقاعًا خاصًا في زمن لم يعد يَسِمُها بمكان ثابت أو سردية كبرى.

الترا سوريا

—————————–

3 تحديات أمنية تواجه الحكومة السورية رغم الاستقرار التدريجي/ فراس فحام

18/6/2025

بسقوط نظام الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سقطت المنظومتان الأمنية والعسكرية بالكامل، ورغم حلول مؤسسات حكومة الإنقاذ السابقة القادمة من إدلب محل المؤسسات المنحلة فإنها لم تكن كافية لملء الفراغ الكبير.

وفي وقت تستكمل فيه الحكومة السورية المشكّلة حديثا تشكيل وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية في البلاد وتوحيد الفصائل الثورية وجمع السلاح تعاني البلاد من تهديدات أمنية مستمرة، على رأسها استمرار نشاط فلول نظام الأسد بالتوازي مع تقارير عن التحاقهم بمناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق البلاد.

وبالإضافة إلى تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية يتزايد التوتر على خلفية الغضب الشعبي وعدم الرضا عن سير ملف العدالة الانتقالية، خاصة مع إعلان الإدارة السورية بشكل واضح عن وجود تعاون بين قيادات سابقة في نظام الأسد من أجل الاستقرار.

فلول نظام الأسد

في مطلع يونيو/حزيران الجاري أصدر نشطاء سوريون مهتمون برصد الأوضاع في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة “قسد” تقارير تؤكد استمرار التحاق فلول نظام الأسد بهذه القوات.

ووفقا للتقارير، فإن “قسد” -التي احتوت بالأصل عناصر سابقة من نظام الأسد بعد سقوطه- فتحت الباب للمتطوعين القادمين من الساحل السوري ومحافظتي حمص وحماة، حيث نظمتهم ضمن تشكيلات جديدة، ويناهز عددهم 6 آلاف عنصر.

وبحسب المصادر، فإن “قسد” وزعت هذه التشكيلات على منطقتي الطبقة والمنصورة في محافظة الرقة، بالإضافة إلى حقلي العمر وكونيكو في دير الزور.

وأفاد نشطاء ينحدرون من منطقة شمال شرق سوريا لموقع الجزيرة نت بأن “قسد” تعمل على تعزيز هيكلها بالعناصر العربية لتعويض النزيف الذي أصابها بعدما بدأت العناصر العشائرية العربية المحلية بالانفضاض عن التنظيم إثر سقوط نظام الأسد، مع تفضيل الالتحاق بالمؤسسة الأمنية التي تؤسسها الحكومة الجديدة، خاصة في محافظة دير الزور.

وفي الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري اندلعت اشتباكات بين الفرقة 66 التابعة للجيش السوري الجديد وتشكيلات تتبع لقسد شرق محافظة الرقة، مما أدى إلى سقوط قتلى بعد استخدام القذائف الصاروخية للمرة الأولى عقب الإعلان عن الهدنة بين الطرفين في مارس/آذار الماضي.

وتشهد مناطق شمال شرق سوريا -خاصة محافظة دير الزور- ارتباكا أمنيا وعمليات اغتيال شبه يومية، في ظل انتقادات كثيرة يوجهها الأهالي للجهاز الأمني الرسمي في المحافظة، مع الحديث عن احتوائه على عناصر كانوا سابقا ضمن الأجهزة الأمنية لنظام الأسد.

فقد نشر نشطاء من دير الزور معلومات تؤكد التحاق عناصر كانوا يعملون سابقا لدى النظام ضمن الفوج الـ47 الذي كان محسوبا على الحرس الثوري، وهذا ما دفع وزارة الداخلية السورية إلى الكشف عن تعليق عمل المئات من العناصر من أجل دراسة ملفاتهم مجددا.

وعلى الرغم من انخفاض نشاط فلول نظام الأسد في منطقة الساحل السوري ومحافظة حمص بعد الموجة الكبيرة لنشاطهم والتي بلغت ذروتها في مارس/آذار الفائت فإن الهجمات لم تتوقف بالكامل.

ونفذ عناصر مسلحون في اللاذقية منتصف يونيو/حزيران الجاري هجوما على عائلة تستقل سيارة لوحاتها صادرة عن محافظة إدلب، ظنا منهم أنها تتبع للأمن السوري.

كما شهدت منطقة تل كلخ في محافظة حمص هجمات لفلول الأسد، مما دفع الحكومة السورية إلى إرسال تعزيزات للمنطقة وتنفيذ حملة أمنية لتحييد العناصر المهاجمة.

نشاط خلايا تنظيم الدولة

في 30 مايو/أيار الماضي تبنى تنظيم الدولة هجوما على فرقة تتبع للجيش السوري الجديد نتج عنه مقتل عنصر وإصابة 3 آخرين من الفرقة 70، حيث تم تنفيذ الهجوم بعبوة ناسفة استهدفت آلية تتبع للفرقة في منطقة البادية السورية قرب محافظة السويداء.

التنظيم استبق هذا الهجوم بشن حرب إعلامية على الرئيس السوري أحمد الشرع بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض منتصف مايو/أيار الماضي، حيث اتهم التنظيم في زاوية خصصها ضمن صحيفة نبأ التابعة له الشرع بالتفريط بالشريعة مقابل الدعم الأميركي، ودعا المقاتلين الأجانب إلى الانضمام له.

وفي 12 يونيو/حزيران الجاري نقلت وكالة رويترز عن 20 مصدرا -بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون في سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا- تأكيدات بأن تنظيم الدولة بدأ إعادة تنشيط مقاتليه في العراق وسوريا، حيث يقوم بالدعاية لتجنيد المقاتلين مع توزيع الأسلحة.

كما أشارت المصادر إلى وجود قلق من انتقال مقاتلين أجانب مجددا إلى البلدين من أجل الالتحاق بالتنظيم.

وفي مطلع يونيو/حزيران الجاري سربت مصادر أمنية معلومات تفيد بتعيين تنظيم الدولة واليا في حلب يدعى أبو دجانة الجبوري وينحدر من العراق، مشيرة إلى أن سبب تعيينه هو عمله سابقا في تنظيم “جبهة النصرة”، وهو الاسم السابق لهيئة تحرير الشام قبل إعلان انفكاكها عن تنظيم القاعدة، وبالتالي فإن أبو دجانة يمتلك معرفة عن هياكل التشكيلات العسكرية التي كانت تابعة لـ”تحرير الشام” وتنشط حاليا ضمن الجيش السوري.

وفي منتصف مايو/أيار الماضي كشفت وزارة الداخلية السورية عن مداهمة مقرات يتوارى فيها عناصر من تنظيم الدولة ضمن أحياء حلب الشرقية شبه المهجورة، والتأكيد على إلقاء القبض على عناصر لخلايا تابعة للتنظيم.

وأكد مصدر أمني سوري للجزيرة نت أن خلايا تابعة لتنظيم الدولة أعادت بالفعل انتشارها في سوريا منذ بداية يونيو/حزيران الحالي، وتتمركز حاليا في بعض المناطق بريف دمشق وريف حلب، بالإضافة إلى مدينة دير الزور وما حولها، لكن دون رصد أي نشاط عسكري لها حتى اللحظة.

فجوات أمنية ومرحلة حساسة

وسلط معهد واشنطن للدراسات في تحليل صادر عنه أواخر مايو/أيار الماضي الضوء على عودة نشاط تنظيم الدولة، مشيرا إلى تنفيذه أكثر من 30 عملية منذ مطلع عام 2025.

وحذر المعهد في دراسته من قدرة التنظيم على إحداث اضطراب كبير في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة، وأوصى باستكمال تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، والذي ينص على سيطرة الحكومة على محافظة دير الزور، وبالتالي توحيد الإدارة في المحافظة، مما سيمنع التنظيم من استغلال الفجوات بين مناطق السيطرة المتباينة.

من جانبها، تدرك الحكومة السورية فيما يبدو أخطار عودة نشاط التنظيم في المنطقة وسوريا، وبناء عليه دخلت ضمن غرفة عمليات إقليمية تم الكشف عن تأسيسها أواخر مايو/أيار الفائت خلال اجتماع عقد في الأردن، وتضم الغرفة تركيا والأردن وسوريا والعراق ولبنان.

كما تحرص دمشق على تطوير التنسيق الأمني مع بغداد لمواجهة هذا التهديد، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال يونيو/حزيران الجاري المبعوث العراقي للملف السوري عزت الشابندر، وذلك بعد شهرين من زيارة رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري إلى دمشق.

التوترات الأمنية بسبب العدالة الانتقالية

يزداد التوتر الأمني في سوريا بشكل ملحوظ منذ المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان عضو لجنة السلم الأهلي المنبثقة عن الحكومة السورية في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري، بعد اعتراضات شعبية على إطلاق سراح العشرات من عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

وبدلا أن يساهم المؤتمر الصحفي في تهدئة الشارع السوري المطالب بمحاكمة الضباط والعناصر السابقين في نظام الأسد انطلقت إثره موجة اغتيالات في مختلف المناطق السورية -خاصة محافظة حمص- طالت عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

ولم تلق تصريحات صوفان القبول، خاصة تأكيده على أن قيادات سابقة في نظام الأسد مثل القيادي في مليشيا الدفاع الوطني فادي صقر تساهم في الملف الأمني وجهود تعزيز السلم الأهلي حاليا.

وردّت لجان ونقابات عدة على تصريحات صوفان، أبرزها لجنة العدالة الانتقالية في حمص المنبثقة عن فرع نقابة المحامين، وأكدت أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جادة وواضحة وشفافة وغير قائمة على المقايضات.

واعتبرت تصريحات صوفان عن إعطاء الأمان لقيادات سابقة في نظام الأسد استفزازا للضحايا، كما انتشرت دعوات لمظاهرات شعبية في إدلب وحلب وحمص وريف دمشق.

ومنذ المؤتمر الصحفي تم تسجيل حالات اغتيال لقيادات وعناصر سابقة في نظام الأسد نفذتها عناصر مسلحة مجهولة في محافظات عديدة، وطالت في محافظة حلب خالد الكحيل أحد قادة لواء القدس الذي كان بمثابة ذراع عسكرية رديفة لنظام الأسد في حلب.

وفي محافظة حمص تمت تصفية عقيدين سابقين في جيش الأسد هما هيثم محمود ويوسف محمود، كما أضرم مجهولون النار بمنزل الضابط السابق مفيد خضور ضمن مدينة مصياف في محافظة حماة.

ونتيجة تنامي حالات الاغتيالات ألقى العديد من خطباء المساجد في سوريا في 13 يونيو/حزيران الجاري خطبة موحدة عن ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي والابتعاد عن أعمال الانتقام.

ومن شأن تصاعد التهديدات الأمنية أن تؤثر سلبا على جهود الحكومة السورية الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي والمعاشي، خاصة إذا وصلت إلى مستوى يدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن العودة إلى سوريا وتأسيس مشاريع فيها.

المصدر: الجزيرة

——————————

حين يفشل السوريون في حل مشكلاتهم بأنفسهم/ بكر صدقي

مر الآن أكثر من ستة أشهر على السلطة الجديدة في دمشق، بما يمكّننا من فهم تعقيدات المشهد في سوريا إلى حد معقول، ولإعطاء بعض أجوبة محتملة على سؤال: إلى أين تتجه الأمور؟

على رغم كل الضخ الإعلامي الذي يسعى إلى بث التفاؤل بشأن مستقبل البلاد بعد خلاصها من الحقبة الأسدية البغيضة، يمكننا ملاحظة أن أموراً أساسية لم تتغير في سوريا الجديدة عما كانت عليه قبل الثامن من كانون الأول 2024.

أولها خريطة سيطرة السلطة المركزية، فهي قد بقيت كما كانت عليه في السنوات الأخيرة من حكم نظام الأسد، مع بقاء مناطق واسعة خارج سيطرتها في شرق الفرات وفي الشمال والجنوب، مع إضافة مناطق الساحل التي يمكن اعتبارها قد باتت في حالة «انفصال نفسي» عن سوريا بعد المجازر التي تعرضت لها في شهر آذار الماضي.

وثانيها استمرار وجود القواعد والقوات الأجنبية في أكثر من منطقة (الأمريكية في الشرق وجيب التنف في الجنوب، التركية في الريف الشمالي لحلب ومنطقة إدلب، الروسية في قاعدتي حميميم وطرطوس) مع إضافة جديدة تمثلت بتوغل عسكري إسرائيلي في الجنوب أضيف إلى الجولان المحتل منذ عقود.

وثالثها استمرار العلاقة بين الأدوات الأمنية للسلطة من جهة والمجتمع من جهة ثانية في كونها قائمة على علاقة قوة وشوكة وقسر، سواء في ذلك مخابرات نظام الأسد وشبيحته وجيشه وميليشيات حلفائه، أو الأمن العام وفصائل وزارة الدفاع في السلطة الجديدة أو المجموعات الدعوية التي تريد تعليم الناس «الدين الصحيح» وموجباته وقواعد السلوك «الصحيح». الواقع أن هؤلاء قد تفوّقوا على ما كان لدى نظام الأسد من تدخل في تفاصيل حياة الناس بالنظر إلى أنهم في مرحلة بناء نظامهم الجديد، في حين كان نظام الأسد المستقر (قبل الثورة، وبعدها أيضاً في المناطق الموالية) يبتعد عن التدخل في تلك التفاصيل ما دام الناس متخلين عن حقوقهم السياسية ومستسلمين أمام أبدية النظام.

رابعها أن البيئة الموالية في كلا النظامين متشابهة في تعبيراتها ومسالكها وحججها إلى حد التطابق، أو لنقل إن فكرة الموالاة الممجوجة في المجتمعات المتحضرة بقيت هي هي مع تغيير موضوعها من نظام الأسد إلى «السلطة الانتقالية». نعم، في كل المجتمعات البشرية ثمة قطاعات اجتماعية تكون راضية عن السلطة القائمة لأنها تعتبرها ممثلة لمصالحها وتطلعاتها ومثلها، تمنحها تفويضاً مشروطاً ومحدوداً زمنياً ما دامت وفية لتعهداتها. لكن هذه لا تسمى موالاة، بل قاعدة اجتماعية، والعلاقة بينها وبين السلطة السياسية هي علاقة سيد هو الناخب مقابل خادم هو السلطة. في حين أن فكرة الموالاة قائمة على تزلف هذه لسلطة قاهرة وخضوع لها مقابل مكاسب محتملة أو تفادي أذاها.

هذا ما كان قائماً في علاقة السوريين بنظام الأسد، وما زالت المعادلة نفسها قائمة في سوريا «الجديدة». ما هو مختلف في هذا الصدد يتلخص في أن النظام المخلوع لم يكن يسمح بأي نقد علني أو معارضة سياسية، في حين أن النقد لمسالك السلطة الجديدة في دمشق موفور اليوم لا بفضل سعة صدر الحكم الجديد بل بفضل ضعف حيلتها في مرحلة تأسيس مضطربة وهشة. فنحن نعرف أن ضيق أفق البيئة السلفية المسيطرة يترافق مع ضيق صدر شديد إزاء أي انحراف عن عقيدتها المتصلبة وخطابها الأكثر خشبية من خطاب البعث المنهار. ما تعجز السلطة عن منعه من صنوف النقد الحاد تحاول جوقة من الموالين تلافيه بخطاب عدواني وسفيه يستهدف كل «تطاول» (!) على السلطة الجديدة التي تبدو بالتزامها الصمت أكثر رصانة منهم.

خامسها أن كلا النظامين مهتم بتأمين شرعية خارجية أكثر من اهتمامها بالشرعية الداخلية، ولا يتعامل مع مطالب قطاعات وازنة من المجتمع إلا بصلف واستعلاء وفقاً لمنطق «أنا الدولة وعلى الجميع الخضوع!» وتتصرف البيئات الموالية بالمنطق نفسه إزاء البيئات المعارضة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن سوريا في مرحلة تأسيسية وبحاجة لرضى جميع الفئات بلا استثناء.

سادسها هو كيفية تعاطي المجتمع الدولي مع المشكلة السورية. ونلاحظ استمرارية لافتة بين سنوات الثورة والحرب ومرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. فحين اندلعت الثورة الشعبية في العام 2011 كان موقف الدول الأطلسية هو نوع من إدارة الأزمة من خلال السماح للاعبين الإقليميين بالتدخل الفعال، بما في ذلك التدخل الروسي. وحين بدأ التطبيع العربي مع نظام الأسد في سنواته الأخيرة، أيضاً تركت المبادرة للدول الإقليمية لمحاولة حل الأزمة السورية مع بقاء النظام من خلال مقاربة «خطوة مقابل خطوة». والآن نرى استمرار هذا الموقف من خلال رفع العقوبات الاقتصادية بناء على طلب دول إقليمية تراهن على السلطة الجديدة في دمشق، ومن خلال التعاطي الدبلوماسي معها الذي لم يبلغ درجة اعتراف رسمي بمعانيه الإيجابية. هذا ما يوصف عادةً بالتعاطي الحذر مع وضع السلطة الجديدة تحت المراقبة والاختبار إلى حين.

هل هذا جيد للسوريين أم سيئ؟ إن عدم التدخل الفظ وإملاء الشروط من فوق هو أمر جيد بلا شك، فهذا يترك هامشاً واسعاً ليقرر السوريون مستقبلهم بأنفسهم.

وهنا بالضبط تكمن المشكلة، فالسوريون غير موحدين في رؤية ما يجب أن تكون عليه دولتهم ونظامهم السياسي ونموذجهم الاقتصادي وكل ما يمكن أن يتفرع عن ذلك من تفاصيل عيشهم المشترك في وطن واحد، بل تتنازعهم ميول وتصورات متعارضة فشلوا إلى الآن في التقريب بينها وتدوير الزوايا الحادة وإبراز المشتركات التي تجمعهم أو اختراعها إذا كانت غير موجودة. هذا صعب جداً في ظل سلطة انتقالية تظن أنها الدولة! ليس مما يبهج القلب أن يستمر السوريون في هذا الفشل فيأتي المجتمع الدولي ليفرض عليهم ما يراه مناسباً من زاوية نظره، ليبقى لنا فقط أن نلعن الأشرار الذين يتدخلون في شؤوننا!

كاتب سوري

القدس العربي

—————————–

أثمان ليرة سورية جديدة: العملة عقد اجتماعي ويجب عدم التسرع في استبدالها/ مسلم عبد طالاس

17-06-2025

        منذ سقوط نظام الأسد قبل ستة أشهر، تتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية السورية فكرة استبدال الليرة السورية، باعتبارها خطوة محتملة في مسار بناء دولة واقتصاد جديدين. في ظاهر الأمر، قد يبدو هذا الطرح منطقياً، خاصة في بلد أنهكته الحرب والانقسام، وفقدت فيه العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، وانهارت ثقة الناس بمؤسسات الدولة. لكن ما يغيب عن كثيرين أن العملة ليست مجرد رمز سيادي، أو أداة تبادل، أو حتى مظهر من مظاهر الاستقلال الوطني. العملة في جوهرها عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، بل يمكن القول إنها المرآة التي تعكس عمق الثقة بين السلطة والمواطنين.

        عادة ما يَختزلُ الناس العملة في شكلها المادي: ورقة نقدية أو قطعة معدنية أو حتى رقم في حساب مصرفي. لكن جوهر العملة يتجاوز المادة إلى المعنى. فقبول الناس لتلك الورقة أو الرقم ينبع من إيمانهم بقدرة الدولة على الوفاء بتعهداتها، وعلى رأسها الحفاظ على قيمة العملة وضمان استقرارها. ما يُميز العملة الوطنية عن أي ورقة مطبوعة أخرى هو أن خلفها سلطة تتعهد للناس بأن هذه الورقة ستحفظ قيمتها، وستكون مقبولة من الجميع، وستعكس قوة الاقتصاد الوطني.

        هذا التعهد المتبادل، غير المكتوب لكنه راسخ في وعي كل مواطن، هو ما نسميه «العقد الاجتماعي النقدي». هو أشبه بوعد غير معلن بأن الحكومة ستحمي العملة وتضمن استخدامها الآمن والعادل في كافة المعاملات. من هنا، كلما أخلّت الدولة بهذا الوعد، سواء عبر سياسات نقدية فاشلة أو فساد مالي أو عجز عن فرض سلطتها، تآكلت الثقة وانهارت قيمة العملة.

        الثقة ليست قراراً سيادياً يُفرض بمرسوم، بل تُبنى على مدار سنوات من الإدارة الرشيدة، والاستقرار السياسي، والشفافية المالية، والوفاء بالالتزامات. فعندما تلتزم الحكومات بتطبيق سياسات اقتصادية متوازنة، وتوضح للرأي العام كيفية إدارة الموارد، وتعالج قضايا الفساد والهدر المالي، تتعزز الثقة تدريجياً بين المواطنين والدولة.

        لقد شهد التاريخ حالات فقدت فيها حتى أقوى الاقتصادات الثقة في عملتها الوطنية، كما حدث في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، حين أدت طباعة كميات هائلة من النقود بعد الحرب العالمية الأولى إلى تضخم مفرط، حتى أصبح الناس يحملون أكياساً من النقود لشراء أبسط الحاجيات، وفقد المارك الألماني قيمته تماماً نتيجة غياب الثقة في العملة. وكذلك في الأرجنتين مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تسببت الأزمات المالية وسوء الإدارة الاقتصادية وتراكم الديون بانهيار قيمة البيزو، وفقدان المواطنين ثقتهم بعملتهم الوطنية، ما دفعهم للجوء إلى الدولار أو المقايضة في معاملاتهم اليومية. في هذه اللحظات الحرجة، تظهر هشاشة العملة إن لم تكن مسنودة بعقد اجتماعي قوي، يضمن التزام الجميع – حكومةً وشعباً – بالحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني.

        في الحالة السورية، يعيش الناس منذ سنوات في ظل تآكل مستمر للثقة، ليس فقط بالعملة، بل بالدولة نفسها. السلطة السياسية منقسمة، والمؤسسات مفككة، والاقتصاد مدمر، وحياة الناس اليومية يطغى عليها الشك والبحث عن الأمان بأي ثمن. في مثل هذا السياق، أي حديث عن استبدال العملة يبدو فاقداً للأساس الذي يمنحه المعنى: الثقة.

        استبدال العملة في دول تمر بمراحل انتقالية قد يكون خطوة ضرورية في بعض الأحيان، خاصة إذا كانت العملة القديمة مرتبطة بنظام ساقط أو فقدت قيمتها بالكامل بفعل التضخم والانهيار الاقتصادي. لكن هذا الاستبدال لا يكون مجدياً إلا إذا أُدرِج كجزء من عملية أوسع لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وترسيخ الثقة، وإطلاق مشروع اقتصادي وسياسي جديد.

        في سوريا اليوم، تغيب معظم هذه الشروط: ليست هناك سلطة مركزية موحدة تحظى باعتراف غالبية المواطنين وولائهم، والمؤسسات المالية في حالة انهيار شبه كامل، والاقتصاد مدمر على ن غير مسبوق. في ظل هذا الواقع، فإن استبدال العملة لن يكون سوى خطوة رمزية بلا أثر حقيقي، بل على العكس قد يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة.

        لن يكون سهلاً أن تحظى العملة الجديدة بقبول شعبي ما لم يلمس الناس تغييراً جوهرياً في السياسات والمؤسسات والأوضاع العامة، وسيزداد الطلب على العملات الأجنبية (الدولار، اليورو، الليرة التركية) وعلى الذهب. وربما تظهر عملات محلية في مناطق خارجة عن سيطرة السلطة المركزية، ما يؤدي إلى تجزّؤ الأسواق واتساع الفوضى، ويقوضُ القدرة على إدارة السياسة النقدية. في غياب الثقة والعقد الاجتماعي، لن تصمد العملة الجديدة طويلاً، بل ستتحول إلى رمز جديد للفشل، وتتآكل قيمتها بوتيرة أسرع من العملة القديمة.

        التاريخ الاقتصادي الحديث مليء بالأمثلة عن دول حاولت استبدال عملتها، بعضها نجح وبعضها فشل، وكان الفيصلُ دوماً في مدى توفر الثقة بالعقد الاجتماعي. في زيمبابوي، حين انهارت الدولة وعجزت الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها، جرى استبدال العملة الوطنية أكثر من مرة، لكن دون جدوى. تخلى الناس ببساطة عن التعامل بأي عملة تصدرها السلطة، واتجهوا للدولار الأميركي والراند الجنوب إفريقي. لم يُجدِ أي غطاء قانوني، ولم تنجح محاولات الإقناع، لأن العقد الاجتماعي كان قد انهار تماماً. وفي يوغوسلافيا السابقة، أدى الانقسام السياسي والعسكري إلى تعدد السلطات وظهور عملات محلية في الأقاليم، وسرعان ما تحولت العملة الرسمية إلى ورقة لا قيمة لها. فرضت كل منطقة عُملتها، وكل جماعة منطقها، وتبددت كل إمكانية لإدارة اقتصادية موحدة.

        في المقابل، شكلت تجربة ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية نموذجاً ناجحاً، حين تم استبدال عملة الرايخ المتهالكة بعملة جديدة، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد توحيد السلطة في مناطق الحلفاء الغربيين، ووضع خطة مارشال لإعادة الإعمار، وتوفير الدعم الدولي والمؤسساتي والسياسي. هنا كان العقد الاجتماعي قائماً على صورة حكومة مركزية قوية، وبرامج اقتصادية واضحة، ودعم خارجي غير محدود. لم يكن المارك الألماني الجديد مجرد ورقة، بل رمزاً لبداية جديدة وثقة متجددة بين الدولة والمجتمع.

        ليس الاستبدال النقدي أداة سحرية لحل الأزمات، بل هو في حقيقته نتيجة نهائية لسلسلة طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية. والخطوة الأولى يجب أن تكون في إعادة بناء العقد الاجتماعي: سلطة شرعية وموحدة، ومؤسسات شفافة وقادرة، وسياسات اقتصادية رشيدة، وضمانات حقيقية لحماية قيمة العملة. فقط عندما يشعر المواطن أن الدولة قادرة على الوفاء بتعهداتها، وتملك الأدوات والموارد للقيام بذلك، تصبح فكرة استبدال العملة قابلة للنقاش ومبنية على أسس واقعية.

        وفي هذا السياق، لا بدّ من توعية الرأي العام بحقيقة أن القيمة الحقيقية للعملة ليست في الورق أو التصميم أو التسمية، بل في الثقة المتبادلة بين الناس ودولتهم. وهذه الثقة هي رأس المال الأكبر لأي دولة، وهي الحاجز الأخير أمام الانهيار الشامل.

        العملة ليست شعاراً وطنياً ولا قراراً سيادياً يتم اتخاذه بمعزل عن الواقع، بل هي عقد اجتماعي ومقياس للثقة بين المواطن والدولة. في ظل غياب هذا العقد، والانقسام والدمار وانعدام المؤسسات، فإن أي محاولة لاستبدال العملة لن تزيد الوضع إلا تعقيداً. المطلوب اليوم في سوريا ليس استبدال الورق بآخر جديد، بل إعادة بناء الأُسس التي تمنح هذا الورق قيمته الحقيقية: الثقة والاستقرار والوفاء بالالتزامات. هذه هي العملة الحقيقية التي يجب السعي إليها قبل أي مشروع نقدي جديد.

        * مسلم عبد طالاس هو اقتصادي سوري وأستاذ جامعي. باحث في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة IDOS في بون، ألمانيا.

موقع الجمهورية

—————————-

سورية: تحدّيات أمن الطاقة وإعادة الإعمار/ نبيل مرزوق

نشر في 17 حزيران/يونيو ,2025

أزاح التحرّر من قيد العقوبات الدولية عن كاهل سورية عبئًا ثقيلًا كان يعوق استئناف نموّها وإعادة الحياة لقطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هناك العديد من التحديات التي ما زالت تحول دون تعافي سورية وانطلاقتها نحو البناء والاستقرار، مثل: تحقيق الأمن والاستقرار، والسلم الأهلي، واستعادة الروابط المجتمعية والوطنية وروح التضامن، وإعادة البناء، ومواجهة مشكلات البطالة والفقر، والتطور العلمي والتقني لمختلف جوانب حياة المجتمع السوري. تحديات كبرى تواجه المجتمع السوري إلا أن المجتمع الذي خرج من ستة عقود من التسلّط والاستبداد قادرٌ -بفضل تضامنه ووعيه- على أن ينهض في مواجهة هذه التحديات.

لم يصُغ السوريون والسوريات رؤيتهم للمستقبل المنشود ومكانهم ومكان دولتهم، لأن نظام الاستبداد واجههم بالقتل والتدمير، وهم اليوم مطالبون بصياغة رؤيتهم لمستقبلهم ومستقبل بلدهم، عبر الحوار الوطني والآليات الدستورية. ومن هذا المنطلق، لا يمكننا عدّ عملية إعادة البناء عمليةً عاديةً تخضع لمبادرات واجتهادات، من السلطة الحاكمة أو من الأفراد والمجتمع المدني، حيث سيكون ذلك هدرًا لفرصة استثنائية وإمكانيات تزخر بالحياة والفعالية، وفي انتظار صياغة الرؤية الوطنية، تكون عيوننا على المستقبل عند القيام بأي عمل يتعلق بالإصلاحات وإعادة الإعمار.

 نحاول، في هذه الورقة، طرح بعض الآراء والمقترحات من منطلق أن ما نقوم به اليوم سيكون جزءًا مكونًا من صورة المستقبل، والغاية من ذلك أننا لا نملك ترف الوقت وفسحة المراجعة، والإصلاح هو أن نسير باتجاه الرؤية الممكنة. الفرصة المتاحة الآن لسورية هي إعادة هيكلة قطاعاتها الإنتاجية المدمّرة، وفق رؤية مستقبلية مدروسة، لا كعملية إعادة بناء وتشغيل وفق ما اعتاد عليه المنتجون الحاليون. وفي إطار تحدي إعادة الإعمار، تبرز أولوية الطاقة وتحدياتها، كمحرك رئيسي في مجمل عملية إعادة الإعمار والاستقرار والسّلم الأهلي وترميم الروابط والعلاقات المجتمعية.

تحاول الورقة الإجابة عن التساؤلات المطروحة، من خلال دراسة منهجية تشمل الأقسام التالية: القسم الأول: تحدي الطاقة وإعادة الإعمار، حيث يقدّم تصورًا عن أهمية الطاقة في التنمية؛ القسم الثاني: مشكلات الطاقة قبل عام 2010، وفيه استعراض للمصادر الأولية للطاقة وإنتاج الطاقة وتوزيعها والمشكلات التي واجهتها خلال السنوات السابقة على عام 2011؛ القسم الثالث: الآثار الناجمة عن الصراع المسلح وسيطرة قوى الأمر الواقع، ويعرض التقديرات المختلفة لحجم الأضرار التي لحقت بالقطاع نتيجة الحرب؛ القسم الرابع: إعادة الإعمار وأولوية قطاع الطاقة، ويركز على مبادئ أولية لإعادة بناء القطاع، مثل الاستدامة والفعالية والسيادة الوطنية واقتصادية القطاع؛ أما القسم الأخير: الآلية المقترحة للعمل منذ الآن، فيركّز على آليات العمل والتشاركية والمسؤولية وتحقيق أمن الطاقة للبلاد.

المنهجية المتبعة في هذه المقالة تقوم على تتبع تاريخي للتحولات الجارية في القطاع وتحليل التغيرات، واعتماد مسوح ودراسات منهجية أُعِدّت خلال السنوات الماضية، إضافة إلى البحوث العلمية الدولية الخاصة بالطاقة، والطاقات المتجددة خصوصًا.

يمكنكم قراءة المادة كاملة من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.

  تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

 نافذة صغيرة في جدار العزلة.. فرص وتحديات قرار واشنطن فتح باب التقانة للسوريين

ربى خدام الجامع

2025.06.18

بعد سنوات من العزلة الرقمية الخانقة، فتحت الولايات المتحدة نافذة صغيرة على أمل كبير للسوريين. ففي خطوة غير معلن عنها على نطاق واسع، خففت واشنطن القيود المفروضة على تصدير التقانة إلى سوريا، واضعة بذلك حدًا جزئيًا لحظر طال كل شيء من أدوات البرمجة إلى خدمات الحوسبة السحابية.

ترى مقالة نشرها موقع منظمة الحدود الإلكترونية بأن هذا التحول، وإن جاء متأخراً، قد يُعيد وصل السوريين بالعالم الرقمي، ويفتح أمام المبرمجين والطلاب ورواد الأعمال أبواباً كانت موصدة لعقد من الزمن. فهل يكون هذا القرار بداية النهاية لعزلة سوريا التكنولوجية، أم مجرّد استراحة قصيرة وسط متاهة العقوبات والجغرافيا السياسية؟

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة برفع العقوبات عن سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية موقع منظمة الحدود الإلكترونية ومصادره، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

لم تقيد العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا منذ عقود طويلة حركة التجارة والصفقات المالية فحسب، بل إنها قيدت وبشكل كبير وصول السوريين إلى التقانة الرقمية، إذ ابتداء من أدوات تطوير البرمجيات وصولاً إلى الخدمات السحابية الأساسية، عُزل السوريون عن اقتصاد الإنترنت العالمي، وهذا ما خنق الابتكار، والتعليم، والريادة في مجال الأعمال والمشاريع.

لسنوات طويلة، ضغطت منظمة الحدود الإلكترونية من أجل إصدار إعفاءات من العقوبات تشمل التقانة في سوريا والسودان وإيران وكوبا، وفي الوقت الذي حقق المجتمع المدني مكاسب في مجال تأمين رخص عامة بالنسبة لإيران والسودان بما سمح بتصدير تقانة الاتصالات إليهما، فإن النزاع في سوريا الذي بدأ في عام 2011 جعل من مسألة تخفيف العقوبات حلماً بعيداً عن التحقق.

ولكن التغيرات الأخيرة التي طرأت على السياسة الأميركية يمكن أن تعتبر بداية لهذا التحول، إذ في خطوة مهمة جرت بكل هدوء، خففت الحكومة الأميركية العقوبات المفروضة على سوريا، وفي 23 أيار الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الرخصة العامة رقم 25 والتي سمحت لشركات التقانة بتزويد السوريين بخدماتها، ولهذا فإنه قد يترتب على هذا القرار أثر إيجابي فوري على حياة ملايين مستخدمي الإنترنت في سوريا، وخاصة من يعملون في قطاعي التقانة والتعليم.

تركة من العزلة الرقمية

على مدار سنين طويلة، ألفى السوريون أنفسهم محرومين من الوصول حتى إلى الأدوات الأساسية في المجال الرقمي، وذلك لأن العقوبات الأميركية، تقيد وصول الشعب السوري إلى معظم خدمات شركات مثل غوغل وآبل ومايكروسوفت وأمازون، سواء بحكم القانون أو بحكم القرارات الحذرة التي تتخذها تلك الشركات لتتجنب العقوبة. ما يعني بأن المطورين لم يكن بوسعهم الوصول إلى مستودعات GitHub أو الاستعانة بسحابة غوغل، ولم يكن بوسع الطلاب تحميل برامج للتعليم الافتراضي، كما عانى أصحاب المشاريع كثيراً في أثناء إقامتهم لشركاتهم الناشئة وذلك بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى طرق رقمية مضمونة للدفع أو بسبب عدم توفر البنية التحتية لذلك.

وهذه القيود تضر بالمستخدمين، وذلك لأنها تحرمهم مثلاً من الوصول إلى متجر غوغل بلاي داخل سوريا، وهذا يعني بأنه لا يمكن للسوريين تحميل نسخ آمنة وبكل سهولة من الأدوات التي تستخدم بصورة يومية مثل سيغنال وواتساب، مما يزيد خطر تعرض محادثاتهم واتصالاتهم للمراقبة والتجسس.

زادت تلك القيود من المصاعب التي خلقتها الحرب والانهيار الاقتصادي والرقابة الداخلية، إذ حتى مع عدم تمكن العاملين السوريين في مجال التقانة من التواصل مع مجتمع التقانة العالمي، كانت المناطق الرمادية للقانون والعقبات التقنية تحول دون مشاركتهم في هذا المضمار.

ما الذي تغير بعد تخفيف العقوبات؟

بموجب الرخصة العام رقم 25، أصبح بوسع الشركات اليوم تزويد سوريا بخدماتها التي لم تكن متوفرة بصورة فاعلة في البلد قبل ذلك، وفي الوقت الذي قد تحتاج الشركات لوقت حتى تواكب التغيرات التي طرأت على القوانين، نأمل أن يتمكن السوريون في القريب العاجل من الوصول إلى التقانة والاستفادة منها بما يمكنهم من التواصل بحرية أكبر وإعادة بناء ما خربته الحرب.

أما بالنسبة للمطورين السوريين، فإن الأثر المترتب على ذلك يعتبر بمنزلة تحول هائل، فعودة الوصول إلى منصات مثل GitHub و AWS و Google Cloud تعني القدرة على ابتكار تطبيقات وتجريبها ونشرها من دون الحاجة لشبكات افتراضية خاصة (VPN) أو لحلول بديلة. كما أن ذلك يفتح الباب أمام مشاركتهم في فعاليات ومسابقات البرمجة والاختراق الإبداعي، والعمل عن بعد، ومجتمعات المصادر المفتوحة، أي المشاركة في تلك القنوات التي تعتبر بمنزلة شريان حياة لمن يعيشون في مناطق النزاع. كما لابد للطلاب والمعلمين أن يستفيدوا من ذلك، إذ مع تخفيف العقوبات، أصبح بوسعهم الوصول إلى الأدوات والمنصات التعليمية التي لم تكن متوفرة في السابق، وبوسع رواد الأعمال أن يصلوا أخيراً إلى مجتمعات آمنة، ومنصات تجارية، وبنية رقمية أوسع باتوا بحاجة إليها ليطلقوا مشاريعهم التجارية ويوسعوها، وبإمكان تلك التطورات أن تسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي.

غير أن هنالك تحديات على الرغم من تلك الأنباء السارة، لأنه من المعروف عن كبرى شركات التقانة تأخرها في الاستجابة لعملية تخفيف العقوبات، وذلك لأن تلك الشركات تبالغ عادة في الالتزام تجنباً لأي مساءلة، كما أن معظم العقبات المالية واللوجستية لن تختفي بين ليلة وضحاها، وعلى رأسها عملية معالجة التحويلات المالية، وعدم وجود الإنترنت بشكل مستمر، وتواصل النزاع.

والأهم من كل ذلك هو أن عملية رفع العقوبات لا تمثل تصريحاً عاماً شاملاً، بل إنها ليست أكثر من انفراجة حذرة، لأن أي تحولات أو تغيرات جيوسياسية قد تطرأ مستقبلاً على السياسة الخارجية الأميركية يمكن أن تمنع وصول السوريين مرة أخرى لكل ذلك، وهذا ما يجعل المستقبل الرقمي بالنسبة للسوريين غير واضح المعالم.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الولايات المتحدة عبر إزالة العقبات التي تفرضها العقوبات، قامت بخطوة باتجاه الاعتراف بأن الوصول إلى التقانة لم يعد رفاهية، بل ضرورة، حتى في الدول التي تخضع للعقوبات أو التي تشهد نزاعات.

وبالنسبة للمستخدمين السوريين، يعتبر رفع العقوبات عن التقانة أكثر من مجرد تغير بيروقراطي، لأن ذلك يمثل بداية لفتح باب أغلق منذ أمد بعيد، وبالنسبة لمجتمع التقانة الدولي، فإن ذلك يمثل فرصة للعودة للتعامل الكامل بكل مسؤولية مع شعب حُرم من الخدمات الرقمية الأساسية لفترة طالت كثيراً.

المصدر: The Electronic Frontier Foundation

———————————

 كيف يمكن لسوريا الاستفادة من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام؟

ربى خدام الجامع

2025.06.18

نشرت مجلة “المراقب الجيوسياسي” (The Geopolitical Monitor) تقريراً تحليلياً سلّط الضوء على إمكانية استفادة سوريا من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام والمصالحة الوطنية، وذلك في سياق ما بعد الحرب.

وتناول التقرير أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين، مشيراً إلى الدروس التي يمكن لسوريا أن تتعلمها من مسار تعافي ليبيريا بعد الحرب الأهلية التي انتهت عام 2003، مع التركيز على التحديات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إعادة الإعمار.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع إعادة إعمار سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المنصة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

تماماً كما شهدت ليبيريا تحديات معقدة وهي تسعى نحو نشر السلام بعد انتهاء آخر حرب أهلية فيها عام 2003، كذلك أصبحت سوريا أمام مسار صعب على طريق نشر السلام والمصالحة، غير أن المثال الناجح الذي تحقق في ليبيريا، والتي أصبحت اليوم دولة ديمقراطية ومستقرة، يكشف بأن هذا المسار ليس بمستحيل، وهنالك دروس كثيرة بوسع سوريا الاستفادة منها في هذا المضمار.

إعادة إعمار سوريا: عملية مكلفة لكنها ليست مستحيلة

في ليبيريا، لعبت البعثة الأممية في ليبيريا وغيرها من العناصر الإقليمية الشريكة دوراً مهماً في عملية إعادة بناء البلد، فقد وصل الناتج القومي الإجمالي لليبيريا في عام 1998 إلى 295 مليون دولار، وذلك قبل اندلاع حربها الأهلية الثانية بعام واحد. ومنذ انتهاء الحرب في عام 2003، حصلت ليبيريا على مساعدات وقروض وإعفاءات من الديون وصلت قيمتها إلى ستة مليارات دولار مجتمعة، أي ما يعادل أضعاف حجم اقتصادها في عام 1998.

وبالمقابل، فإن عملية إعادة بناء سوريا قد تصل كلفتها إلى 400 مليار دولار وذلك بحسب مؤسسة كارنيغي، وهذا الرقم أعلى بكثير من إجمالي المساعدات التي رصدت لليبيريا، حتى مع مراعاة نسبة التضخم التي ظهرت منذ نهاية الحرب الأهلية الليبيرية. وفي هذا السياق، فإن الناتج القومي الإجمالي السوري قد وصل في عام 2010 إلى نحو 60 مليار دولار، وذلك قبل عام واحد من اندلاع الحرب السورية، كما أن خطة مارشال التي تأسس بموجبها صندوق الإنعاش الأوروبي قد رصدت 13 مليار دولار لتعافي أوروبا من آثار الحرب العالمية الثانية (ما يعادل بقيمة الدولار اليوم نحو 150 مليار دولار)، وكل تلك الأرقام تقل عن المبلغ الذي حددته التقديرات لإعادة إعمار سوريا، والذي وصل إلى 400 مليار دولار.

غير أن إعادة إعمار سوريا تتطلب التزاماً كبيراً بتقديم الموارد، ولشرح هذه الفكرة نقول بإن إجمالي الثروة في العالم يزداد بسرعة أكبر من وتيرة ازدياد التضخم، ولذلك أصبح إجمالي الناتج العالمي أكبر بخمسين ضعفاً مما كان عليه في عام 1960، والذي وصلت قيمته وقتئذ إلى ما يربو عن 100 تريليون دولار بمقاييس اليوم. وبالمقابل، فإن قيمة الدولار الواحد كانت تعادل في عام 1960 نحو أحد عشر ضعفاً من قيمته في عام 2025، أي أن مبلغ 150 مليار دولار بمقاييس اليوم يعبر عن نسبة ضئيلة من ثروة العالم مقارنة بثروته التي وصلت إلى 13 مليار دولار في عام 1960.

هذا وستلعب الدول الإقليمية دوراً مهماً في إعادة إعمار سوريا، فالناتج القومي الإجمالي للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد وصل إلى نحو 2.1 تريليون دولار، أما تركيا التي تجاور سوريا فيقل ناتجها القومي الإجمالي عن ذلك، حيث وصلت قيمته إلى 1.1 تريليون دولار، ولكن عندما نجمع الناتج القومي الإجمالي لتلك الدول فسنحصل على قيمة تقارب الناتج القومي الإجمالي للمملكة المتحدة والذي يبلغ 3.4 تريليون دولار، في حين تتمتع كل من ألمانيا واليابان والصين والولايات المتحدة بناتج قومي إجمالي أعلى من ذلك.

وعلى أرض الواقع، فإن المجتمع الدولي إن كانت لديه الرغبة والإرادة، فيمكن عندئذ لمزيج من المساعدات والقروض أن يضع سوريا على مسار التقدم الاقتصادي والاستقرار. والأهم من كل ذلك، ستظهر الحاجة عندئذ لتنصيب حراس أشداء يمارسون سلطاتهم ضد الفساد والابتزاز، وهنا يمكننا أن نتعلم الدرس من ليبيريا التي عانت من مصاعب مزمنة مع الفساد، وتلك المصاعب تعلم المجتمع الدولي دروساً تتعلق بكيفية تجنب الوقوع في تلك المزالق مع الحالة السورية، إذ تشمل الأمثلة على ذلك الشفافية الكاملة بالنسبة لمسؤولي الحكومة والوزارات، وبذل ما يكفي من الجد والاجتهاد فيما يتصل بإدارة الأموال، إلى جانب مشاركة الناس في عملية توزيع المساعدات.

ومن المرجح للتوترات الجيوسياسية التي أثرت على سوريا أن تؤثر على الأطراف الذين سيدعمون هذا البلد من خلال المساعدات في نهاية المطاف، فسوريا محاطة بقوى إقليمية تدخلت في الحرب ناهيك عن الانقسامات الطائفية الموجودة فيها، وعندما نقارن ليبيريا بها، نجد بأن التجربة الليبيرية مع الحرب الأهلية كانت مباشرة نسبياً وأثارت جدلاً أقل من سوريا على الصعيد الجيوسياسي. لذا فإن المصالح الجيوسياسية المتعارضة ما بين الجهات الفاعلة الإقليمية مثل تركيا ودول الخليج وإيران تعتبر من أهم القضايا التي ستواجهها سوريا في عملية إعادة بنائها بما أن كل هذه الدول قد دخلت في حالة تنافس على النفوذ الإقليمي.

العمل الجاد على صعيد السلام والمصالحة

تعتبر مسألة تشجيع حالة العودة للإندماج على المستوى السياسي والاقتصادي بالنسبة للمقاتلين السابقين مسألة مهمة للغاية، إذ في ليبيريا، وضعت برامج اقتصادية محددة لإعادة دمج عناصر سابقة من فصائل الثوار، وقد حققت تلك البرامج نجاحاً منقطع النظير. كما استطاع هذا البلد وبكل نجاح أن يدمج عناصر الميليشيات ضمن الجيش، ما أوجد قوة متعددة الأعراق ضمن تلك العملية. ثم خضع الجيش نفسه لتدريب مباشر على حقوق الإنسان، كان الهدف منه تحسين العلاقات بين الجيش والشعب. وفي ليبيريا أيضاً، جرى تشجيع الخصوم السياسيين السابقين على المنافسة في اجتماعات المجلس التشريعي، لا من خلال النزاع المسلح، وذلك بعد خوض السباق الانتخابي. وهذه العملية في سوريا لابد أن تكون صعبة وعسيرة، لأنه من غير المضمون أن تقبل جميع الميليشيات بنزع سلاحها أو تسريح عناصرها، ومن المرجح لإصلاح المؤسسة العسكرية القديمة أن يستغرق سنوات من العمل. غير أن عملية الدمج هذه تعتبر ضرورة أساسية لأي عملية انتقال ناجحة بعد النزاع، كما هي الحال في سوريا اليوم.

ثم إن تمكين المجتمعات التي هُمشت بسبب القتال كان من العناصر الأساسية لنجاح عملية إعادة بناء ليبيريا، إذ أسهم العمل الشعبي الجماعي، إلى جانب تمكين النساء، في ترسيخ استقرار النظام السياسي بليبيريا، كما شجع على مشاركة أطياف متنوعة من المجتمع المدني الليبيري. ولهذا يمكن تطبيق العمليات نفسها في سوريا لترسيخ الاستقرار فيها.

يذكر أن ليبيريا شكلت لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة، وشجعت على الحوار ضمن إطار العمليات السياسية الرسمية، فتبنت بذلك أساليب الحوار المتبعة في الدول الديمقراطية الغربية، مثل القاعات التي يجتمع فيها سكان المدينة بالسياسيين وتدار فيها نقاشات عامة وغير ذلك. ولهذا، تحتاج سوريا هي الأخرى إلى تبني سبل وطرائق مماثلة من أجل الحوار إن كانت ترغب بحق في أن تصبح دولة تحكم شعبها بطريقة ديمقراطية.

أهمية المسائل المتعلقة بالحكم

لابد من دراسة وافية لطبيعة أي مؤسسة سياسية جديدة، فقد احتفظت ليبيريا بنظامها الرئاسي بعد نهاية الحرب الأهلية فيها، بيد أن ذلك قد لا يكون الشكل الأمثل بالنسبة لسوريا، إذ بعد مرور أكثر من عقد على محاربة الرئيس المستبد المخلوع بشار الأسد، فإن الاحتفاظ بنظام رئاسي متين قد يعتبر عودة لتلك الممارسات السابقة أيام النظام البائد، وفي حال احتكار فئة معينة للسلطة التنفيذية في البلد عبر النظام الرئاسي، فلابد للانقسامات الطائفية أن تشتد عندئذ.

وبالمقابل، فإن فرض نظام برلماني في سوريا قد يضعف الضوابط وحالات التوازن فيها، كما أن الانقسام الطائفي في سوريا قد يصعب مسألة الحكم عبر البرلمان. لذا فإن تبني نظام شبه رئاسي، يجري من خلاله تقاسم السلطة التنفيذية بشكل فاعل، قد يساعد على تشكيل ائتلاف حاكم إلى جانب التفاوض بين مختلف الفرقاء السياسيين. ولكن قد يتمثل الخطر هنا بظهور حالة شلل سياسي في حال كان الرئيس ورئيس الوزراء ينتميان لحزبين مختلفين.

ثمة خيار آخر مطروح على الطاولة اليوم، وهو سوريا الفيدرالية، بيد أن الخطر الكبير هنا يكمن في احتمال ظهور حالة من عدم الاستقرار جراء التحول إلى النظام الفيدرالي، كما أن هذا النظام قد يضعف الوحدة الوطنية لسوريا ويجعلها عرضة للنفوذ الخارجي مستقبلاً. ونظراً لوجود تكتلات عرقية مثل الكرد في شمال شرقي سوريا الذين سعوا منذ أمد بعيد للتمتع باستقلال ذاتي، إلى جانب العلويين الموجودين في الساحل السوري، فإن النظام الفيدرالي قد يصبح ضرورياً لحماية المصالح السياسية لتلك التكتلات إلى جانب ضمان تأييدهم للدولة الجديدة. وبالمقابل، نجد بأن ليبيريا بقيت دولة موحدة على مدى فترة استقلالها الطويلة.

هذا ويتعين على سوريا أيضاً تغيير نظام انتخاب مجلس الشعب، وذلك لأن نظام التكتل الحزبي الحالي يضمن فوز أكبر حزب ضمن الدائرة الانتخابية بجميع المقاعد المتنازع عليها. وهنا لابد من إيلاء اهتمام كبير بالأقليات حتى تدلي بصوتها، وحتى تكون ممثلة بأحزابها. ثم إن تحديد نسب التمثيل في مجلس الشعب يعتبر وسيلة ناجعة لتحقيق ذلك، بيد أن تطبيق نظام التمثيل النسبي، مثله مثل تبني النموذج الفيدرالي، لابد أن تعترضه عقبات طائفية مماثلة، وبصرف النظر على المشكلات الطائفية والأمنية، قد تجد أكثر الدول استقراراً صعوبة في إصلاح دساتيرها ونظمها الانتخابية.

وهنالك أيضاً تحديات تواجهها سوريا اليوم وواجهتها ليبيريا من قبلها ولكن بنسبة أقل، وذلك لأن نسبة النازحين في الداخل السوري وخارج سوريا تفوق نسب من نزحوا من ليبيريا، فقد نزح الآلاف من الليبيريين وقت الحرب، في حين نزح 14 مليون سوري وسورية خلال الحرب، وهذا ما يؤكد مدى تعقيد عملية إعادة دمج المواطنين النازحين، كما تعرضت ليبيريا لتحديات كبيرة في مجال بناء المؤسسات وعمليات بناء الثقة، وهذه التحديات لابد أن تظهر بصورة أشد وأخطر في سوريا.

على الرغم من أن مهمة بناء سوريا الجديدة منوطة بالسوريين أنفسهم، لا يمكن للمرء أن ينكر أهمية التدخلات الدولية الكبيرة ضمن هذا المسار الشاق الذي ينتظر سوريا. ولكن نظراً لوجود إرادة دولية كافية، فإن الأنموذج الليبيري يشير إلى إمكانية عودة السلام والاستقرار لسوريا.

المصدر: The Geopolitical Monitor

تلفزيون سوريا

——————————

 التدهور البيئي في سوريا.. تهديد للاستقرار أم نتيجة له؟

ربى خدام الجامع

2025.06.18

وسط دمارٍ خلّفته حربٌ دامت أكثر من عقد، وسنواتٍ من الحكم الاستبدادي، تواجه سوريا اليوم أزمة بيئية تُهدّد مسار تعافيها الهش من النزاع.

فبينما تُستنزف موارد البلاد الطبيعية وتُدمّر غاباتها وتنهار بنيتها التحتية البيئية، تُهمَّش هذه القضايا في أجندة الحكومة الجديدة التي تواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة. وفي مادة تحليلية نشرتها ذا سينشري فاونديشن، تسلّط المؤسسة الضوء على الجراح البيئية العميقة التي خلفها النزاع، مشددةً على أن تجاهل هذه الأزمات قد يقوّض قدرة الدولة على الاستقرار وإعادة الإعمار، بل ويهدد بتكرار سيناريو الفوضى. وتدعو الدراسة إلى ضرورة أن تضع الحكومة السورية الجديدة، إلى جانب المجتمع الدولي، سياسات بيئية جادة توازي في أولويتها باقي التحديات، مشيرة إلى أن مستقبل سوريا يرتبط ارتباطاً مباشراً بسلامة بيئتها واستدامتها.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن والبيئة في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية هذه المؤسسة الأميركية ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

من الصعب علينا أن نتخيل اليوم كيف كان الشعب السوري يعتبر ثروات بلده جزءاً من روح أرضه، إذ قبل قرن من الزمان، كانت مياه نهر الفرات، قبل بناء السد عليه، تفيض كل عام فتروي الأرض، كما كانت الكواسر التي اختفت منذ أمد بعيد، وعلى رأسها النمور تجوب غابات السرو والصنوبر التي تمتد على مساحات شاسعة في جبال الساحل السوري، وهذا ما جعل الشاعر الشهير نزار قباني يصف مدينته دمشق بقوله: “والماء يبدأ من دمشق فحيثما.. أسندتَ رأسك جدول ينسابُ”.

أما اليوم، وبعد عقود من الحكم الاستبدادي، وبعد مرور أربع عشر سنة من الحرب، تحولت أنهار كثيرة في سوريا إلى سواق، أو اختفت بفعل التلوث، كما دُمرت الغابات، وأصبحت الأراضي الزراعية في خطر، وذلك في ظل غياب قوانين ناظمة بالنسبة لحماية البيئة في سوريا.

والأزمة هنا تعدت كونها أزمة تتعلق بالنواحي الجمالية للبلد، لأن المشكلة البيئية السورية تمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد والاستقرار، بما أنها قادرة على إضعافهما بشكل أكبر، فقد كان سوء الإدارة في المجال الزراعي والجفاف الذي ضرب البلد من الأسباب الكثيرة التي مهدت الطريق لاندلاع الحرب في سوريا، واليوم ماتزال سوريا غير مستعدة لمجابهة تلك الكوارث البيئية تماماً كما كانت قبل خمسة عشر عاماً، ومع ذلك، ما يزال السياسيون يتعاملون مع المشكلات البيئية على أنها ضرب من الترف، أي كشيء لابد من أخذه بعين الاعتبار مستقبلاً بعد حل مشكلات عاجلة أخرى.

غير أن البيئة في سوريا لا يمكنها أن تنتظر حتى تحل جميع مشكلات البلد، بل إن الكارثة البيئية الوشيكة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بغيرها من الأزمات في سوريا. ولهذا يجب على السياسيين في الحكومة السورية الجديدة والمجتمع الدولي أن يشرعوا بوضع سياسة للبيئة في سوريا بما أن ذلك أولوية، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك، فإن البلد ستغرق في حالة من الفوضى من جديد.

جراح بيئية غائرة

عند توجه تحالف الثوار الذي قاده أحمد الشرع نحو الجنوب في كانون الأول 2024 بهدف تحرير البلد من نظام بشار الأسد بشكل نهائي، رأى هؤلاء الثوار مشهد بلد مدمر على أصعدة كثيرة.

فقد تدمر الاقتصاد السوري، وأصبح نحو 90% من الشعب يعيش تحت خط الفقر، كما تعرض 12.9 مليون سوري وسورية، بينهم أطفال، لمستوى مرعب من الجوع وسوء التغذية. في حين نزح ملايين السوريين والسوريات في الداخل السوري وفي الخارج، ومعظمهم أصبح عاجزاً عن تلبية احتياجاته الأساسية، مثل الحصول على مياه نظيفة وكهرباء. وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات والبنية التحتية.

غير أن المعاناة السورية تجاوزت كل ذلك بكثير، لأن الحرب وسوء إدارة النظام الاستبدادي تركا ندوباً عميقة في الأرض نفسها، فقد اختفت ثلث غابات البلد منذ عام 2011 بسبب قطع الأشجار بهدف الاحتطاب أو بسبب حرائق الغابات الضارية، ناهيك عما تعرضت له الغابات من قصف وقذائف أطلقتها المدفعية. كما زاد تلوث الهواء في سوريا خلال فترة النزاع حتى مع انهيار قطاع الطاقة، ثم إن الحرائق التي خلفها النفط لوثت الأراضي الزراعية والمراعي.

أصبحت الموارد المائية في سوريا بحالة مزرية، فقد تعرض ثلثا محطات معالجة المياه لتدمير شديد خلال الحرب، ناهيك عن ازدياد الظروف المناخية في المنطقة سوءاً، وهذا ما جعل السكان عرضة لنزوح ونزاع جديد، لاسيما في الريف حيث يعتمد معظم الناس على الزراعة (فلقد استهدف نظام الأسد حتى البنية التحتية الخاصة بالمياه وذلك بهدف معاقبة الثوار)، أما منطقة حوض الفرات في شمال شرقي سوريا والتي تعتبر سلة الخبز وشريان الحياة في البلد، فقد خنقها التغير البيئي والاستغلال الجائر، فأصبح منسوب مياه النهر اليوم يعادل نصف منسوبه المعروف على مر التاريخ. وتقدر الأبحاث بأن إجمالي الهدر المائي في سوريا قد وصل في عام 2022 إلى نحو 2.2 مليار متر مكعب بسبب الدمار الذي خلفه النزاع ناهيك عن تغير ظروف المناخ، وتلك الكمية تكفي لغمر ما يعادل قدماً على امتداد مساحة تعادل تقريباً سبعمئة كيلومتر مربع، ونتيجة لذلك خسرت سوريا أراض زراعية كثيرة، وانتشرت حالة شح الماء فيها، ناهيك عن تفشي الكوليرا في البلد، وهذا ما دفع الفلاحين السوريين إلى الانتقال للعيش في المراكز الحضرية للمدن مثل دمشق، الأمر الذي فاقم الأزمة الاقتصادية وزاد من حالة التنافس على الموارد والوظائف.

الحاجة لإمكانيات على مستوى الدولة

تواجه الحكومة السورية الحالية مشكلتين أساسيتين في استجابتها للأمور البيئية، وهي عدم وجود إمكانيات لدى الدولة تمكنها من معالجة الأخطار البيئية والمناخية وحالة التدهور التي تشهدها البيئة والمناخ في سوريا، إلى جانب عدم إيلاء الأولوية للمشكلات البيئية وتقديم مشكلات قد تبدو أهم وبحاجة لحلول عاجلة عليها، ولقد تعرضت دول أخرى شهدت حالة تغيير للنظام وعمليات انتقالية أخرى لتحديات مماثلة، إذ عاش العراق مثلاً أزمة مزدوجة تمثلت بعدم استعداد العناصر الفاعلة في الدولة لمعالجة مشكلة البيئة بل وعجزها عن ذلك، وهذا ما تسبب بتدمير النظم البيئية في العراق، وأسفر عن اضطرابات اقتصادية وسياسية واجتماعية.

وفي سوريا، وكما هي الحال في العراق، تحتاج عملية معالجة القضايا البيئية وتقليص حجم التدهور البيئي من أجل خلق حالة مقاومة بيئية واستجابة مناخية فعالة إلى وجود إمكانيات لدى دولة قوية، ويقصد بذلك قدرة الدولة على طرح أهداف عامة وخاصة وتحقيقها بالنسبة لهذا المضمار، وتتطلب تلك الخطوات وجود دولة قوية موحدة بعيدة كل البعد عن الانقسامات، إلى جانب وجود تسلسل قيادة قائم على الشفافية، مع احتكار للسلطة والقوة في البلد، لأنه لا يمكن إلا لدولة قوية على تلك الشاكلة أن تطرح سياسات بيئية وأن تفرض قوانين متعلقة بالبيئة، ومن المرجح لذلك أن يصطدم بمقاومة على جبهات عديدة، تبدأ بالعناصر الفاعلة على المستوى السياسي والاقتصادي والتي قد يهدد ذلك مصالحها، مروراً بالشعب الذي يمكن أن يتضرر نمط حياته بسبب ذلك، ناهيك عن مقاومة العناصر الفاعلة الإقليمية التي تشترك مع البلد بموارد طبيعية مثل المياه. كما أن إمكانيات الدولة تساعد الحكومات على بناء البنية التحتية اللازمة، وتضمن استمرارية طرح السياسات التي تقدمها إدارة للبلد وانتقالها من إدارة لأخرى، إلى جانب ضمان التواصل الفعال بين الوزارات على تحقيق الأهداف كلها في هذا السياق.

غير أن التحديات التي تواجهها سوريا في هذا المضمار صعبة وشاقة بالفعل، فحكم آل الأسد الظالم الذي استمر في سوريا لأربع وخمسين سنة خلّف بلداً مقسماً على المستوى السياسي والجغرافي، إذ حتى بعد تسلم هيئة تحرير الشام لزمام الأمور، ما تزال فصائل مختلفة تسيطر على أجزاء مختلفة من البلد، وما تزال المواجهات بين تلك العناصر الفاعلة المتناحرة هي القاعدة وليست الاستثناء حتى اللحظة.

وفي الوقت الذي تحاول حكومة الشرع الجديدة أن تظهر قوتها ووحدتها وشرعيتها للشعب السوري وللمجتمع الدولي، خاصة فيما يتصل بتاريخ الشرع وارتباطه بتنظيم القاعدة، ما تزال مسألة الخروج بمشروع لدولة قوية أمراً مستبعداً وهدفاً محفوفاً بالحديات في الوقت الراهن، بما أن الأحداث التي وقعت على الأرض تشير لوجود دولة ذات إمكانيات وسيطرة محدودة.

البيئة ليست مسألة ثانوية

تثير محدودية إمكانيات الدولة مسألة أولوية القضايا البيئية، بيد أن الحالة العراقية تظهر مدى ارتباط القضايا البيئية بإمكانيات الدولة بحيث لا يمكن الفصل بين أهدافهما. إذ بعد سقوط صدام حسين في عام 2003، قدمت الحكومة العراقية من حيث الأولوية ما اعتبره صناع القرار وقتئذ بمثابة تحديات وتهديدات مباشرة يتعرض لها البلد ووجوده، وشملت تلك الأمور تشكيل الحكومة، وبناء الدولة، ومعالجة النزاع الداخلي بين العناصر الفاعلة المتناحرة، واعتقال رموز النظام السابق ومحاكمتهم، ثم معالجة خطر تنظيم الدولة الإسلامية وما ترتب على ذلك من عواقب. فقد اعتبرت تلك الأمور أشد أهمية بالنسبة للنظام الهش مقارنة بحماية البيئة والاستجابة للمناخ، بما أن تلك القضايا تعتبر في معظم الأحيان بمثابة رفاهيات من فضول الأمور لا مشكلات وجودية.

غير أن الدمار البيئي بقي يلاحق العراق حتى بعد وصول هذا البلد لحالة شبه استقرار، فالجفاف الشديد، وموجات الحرارة المرتفعة، والاقتتال الداخلي على الحق بالمياه والذي تطور ليتحول إلى نزاع أكبر، من المرجح أن تتحول إلى ألغام تعترض سبيل العراق في سعيه نحو التقدم. إذ كما يحتاج النجاح في مجال البيئة إلى إمكانيات الدولة، كذلك يمكن لأزمة البيئة أن تقوض إمكانيات الدولة وأن تقضي عليها بسرعة كبيرة.

تواجه الحكومة السورية مشكلة مشابهة، وذلك لأن التحديات التي تعترض البلد اليوم تضم عناصر فاعلة متناحرة على الأرض، سواء أكانت تلك العناصر محلية أم إقليمية أم دولية، وهذه العناصر تسعى لتمد نفوذها ضمن هيكل سلطة ناشئ وهش، ناهيك عن القضايا المتعلقة بشرعية النظام الحالي، والقبض على عناصر النظام البائد، والاتجار بالمخدرات، والخطر المتمثل بانتشار الإدمان على الكبتاغون، والهجمات التي تتعرض لها الأقليات، والأزمة الاقتصادية الآخذة بالتفاقم. إذ في الوقت الذي حكم الشرع هو وفصيله الثوري في السابق محافظة إدلب بكل فعالية وكفاءة أيام كانت تحت سيطرة الثوار طوال السنين الماضية، فإن حكم سوريا التي تتميز بتنوع وتعقيدات أكبر ليس مهمة سهلة.

لذا وفي ظل هذه المشكلات المباشرة، من المرجح للبيئة أن ينظر إليها باعتبارها قضية ثانوية، فمن بين الوزارات التي عينها النظام الجديد، نلاحظ غياب وزارة البيئة بشكل واضح، لأن الحكومة تتوقع من وزارة إدارة الطوارئ والكوارث التي استحدثتها مؤخراً، كما تتوقع من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي أن تعالجا القضايا البيئية في سوريا، أي أنها تفترض بأن التفاعل مع البيئة لابد أن يركز وبصورة رئيسية على الاستجابة للكوارث وعلى التعافي. غير أن الاستجابة البيئية عملية طويلة الأمد تنطوي على سياسات وعلى تعليم وثقافة في هذا المجال وعلى تطوير في البنية التحتية. وفي الوقت الذي تمثل الإصلاحات الزراعية جزءاً من صمود البيئة ومرونتها، لا تقتصر قضايا البيئة على القطاع الزراعي بل تشمل أيضاً إدارة موارد أخرى، مثل معالجة قضية تقاسم المياه.

إن عدم تقديم المشكلات البيئية والمناخية على غيرها من المشكلات لابد أن يخلف آثاراً سلبية على إمكانيات الدولة السورية واستقرارها، لأن ذلك سيخلق حلقة مفرغة من الأزمات بما أن قضايا البيئة ستُستبعد لتحتل الدرجات السفلى من سلم الأولويات ضمن أجندة الدولة، وبذلك فإن قدرة الدولة على الاستجابة لتلك القضايا ستتراجع بشكل مطرد بعد أن تتردى الظروف والأحوال بشكل أكبر.

حرائق الساحل

استحقاقات سوريا الخضراء الأساسية

وهذا النوع من الأزمات التي تؤكد نفسها بنفسها يمثل خطراً وتهديداً لسوريا في الوقت الراهن، إذ لطالما ارتبط التدهور البيئي بظهور النزاع وتفاقمه، سواء بسبب التنافس المتزايد على الموارد الشحيحة، أو بسبب تفاقم النزاعات القائمة. كما بوسع التدهور البيئي أن يؤدي إلى تفاقم وتردي الظروف الاقتصادية بشكل أكبر، وعلى رأسها الفقر والبطالة، وعندما يجتمع التدهور البيئي مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، فإن ذلك لابد أن يزيد من معدلات النزوح، وهذا بدوره يمكن أن يتسبب بظهور تحديات جديدة، مثل نضوب الموارد ضمن عدد كبير من المجتمعات، إلى جانب تصعيد النزاع والشقاق بين النازحين والأهالي. وتلك الظروف تهدد الدول التي تشهد فترات تحول وعمليات انتقالية بما أن معالجة أزمة النزوح تحتاج لإمكانيات في مجال تطوير البنية التحتية بما يخفف الضغط على الأهالي ويوفر الحماية للنازحين.

لم يفت الأوان بعد

مع تفاقم الظروف المناخية في المنطقة، يتعين على الحكومة السورية الجديدة معالجة الإهمال الذي امتد لعقود وكذلك الدمار الذي لحق بالبيئة على المدى البعيد. وفي الوقت الذي لم تتخذ الحكومة بعد خطوات مباشرة لتحقيق ذلك، لم يفت أوان تحقيق ذلك بالنسبة لسوريا وشعبها.

ولذلك يجب على الحكومة السورية الجديدة أن تستثمر في سياسات واستراتيجيات طويلة الأمد تركز على البيئة وتشتمل على تشكيل هيئات حكومية تعمل وبشكل مباشر على تنسيق الحلول المطروحة من أجل معالجة مشكلة التدهور البيئي، إلى جانب تشكيل حالة مقاومة ومرونة تجاه الظروف المناخية مستقبلاً. وينبغي لتلك الاستراتيجيات أن تأخذ في الاعتبار الدول المجاورة لسوريا، إذ يجب طرح سياسات مثلاً لإدارة العلاقات بين سوريا وتركيا والعراق من خلال إقامة نظام لتوزيع الحصص المائية بشكل عادل بينها. غير أن كل تلك الأمور لن تتحقق بسهولة، نظراً للعلاقة المعقدة القائمة بين سوريا ودول الجوار، وخاصة مع تركيا. ومع ذلك لابد للحكومة السورية أن تلتزم بذلك وبشكل صريح، وهذا لن يتم إلا من خلال تشكيل وكالات وهيئات فعالة تعمل على وضع تلك السياسات وتنفيذها.

وأخيراً لابد للقيادة السورية الجديدة أن تدرك بأنه لا يمكن فصل البيئة عن العلاقات الاجتماعية القائمة، بما أنها تعتبر استمراراً لتلك العلاقات. إذ في الوقت الذي يمكن للتدهور البيئي أن يزيد من فرص تأجيج النزاعات، يمكن للنزاع أن يضر بالبيئة بشكل كبير، وبالنتيجة، يجب على النظام الجديد أن يقدم مسألة خلق هوية وطنية قوية على غيرها من الأمور، إلى جانب إعادة بناء البلد بشكل يدعم فكرة حصول أبناء وبنات الشعب السوري على حصص عادلة من الموارد، وليس فقط على حصص عادلة ضمن صفوف السلطة والتمثيل في الحكومة، وذلك بصرف النظر عن انتماءات المواطن العرقية أو الدينية.

وبوسع المجتمع الدولي، والولايات المتحدة، دعم هذه الأهداف، وذلك عبر مواصلة عملية رفع العقوبات عن حكومة الشرع والتعامل معها بالنسبة للقضايا البيئية. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب توصف برجعيتها وتخلفها في التفكير بالقضايا البيئية ومعالجتها، فإنه يمكن للنشاط والمناصرة أن يكون لهما تأثير في هذا المجال، كما يجب على من يهتم بأمر سوريا والمنطقة أن يواصل المطالبة بالتركيز على البيئة ضمن السياسات.

وفي الختام، يمكن القول بإن مستقبل سوريا وشعبها ما يزال غامضاً ومجهولاً، غير أن العنصر الواضح والأكيد في هذا المستقبل يتمثل بارتباط صحة الشعب السوري وسلامته بالبيئة وبالأرض ارتباطاً وثيقاً.    

المصدر: The Century Foundation

تلفزيون سوريا

—————————————-

 مرحلة إعادة الإعمار في سوريا: هل نُعيد التفكير بناءً على خارطة توزع المياه؟/ د. أحمد حج أسعد

2025.06.18

عقود من التخطيط والتنفيذ تجاهلت العلاقة الحيوية بين السياسات التنموية وإدارة الموارد المائية. واليوم، وفي ظل ما تواجهه سوريا من تحديات هائلة لإعادة الإعمار، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكن إعادة إعمار سوريا دون مراجعة جذرية لهذه العلاقة؟

في هذا المقال أقدم طرحًا نقديًا يستند إلى تحليل الواقع المائي لسوريا من منظور تنموي، مشددًا على ضرورة إعادة هيكلة الخارطة التنموية للبلاد انطلاقًا من التوزيع المكاني والكمّي والزماني للموارد المائية. وأؤكد أن تجاوز الأزمة المائية يتطلب معالجة جذرية تُعد شرطًا بنيويًا لأي مسار فعّال لإعادة الإعمار، إذ إن إغفال هذا البعد يُفضي إلى مقاربات تنموية قاصرة وربما غير قابلة للتحقق.

كانت وما تزال المياه حجر الأساس في التنمية، خصوصًا في المناطق الجافة وشبه الجافة مثل سوريا. ورغم هذه الحقيقة، جرى تجاهل ضرورة الاستخدام العقلاني والمستدام للمياه في رسم السياسات التنموية خلال العقود السابقة، ما تسبب في تدهورها من الناحيتين الكمية والنوعية. واليوم، تفرض أزمة المياه المتفاقمة نفسها بقوة على عملية التخطيط كعامل رئيسي في نجاح إعادة الإعمار والتنمية.

المياه: بين التنمية وأجندات السلطة

رسمت المياه منذ القدم خارطة الاستقرار البشري في سوريا؛ فقد تمركز السكان حيث وجدت الأنهار والينابيع، وازدهرت الزراعة المروية على ضفاف الأنهار وبالقرب من منابع المياه. كما تنوعت الزراعة البعلية تبعًا لتوزع الهطول المطري، الذي يتفاوت من 1500 ملم غربًا إلى أقل من 200 ملم جنوبًا وشرقًا. أما البادية، حيث تقل الأمطار عن 200 ملم، فاعتمد سكانها على الرعي وبعض الزراعات المحدودة في الواحات (الفيضات).

ومع نشوء الدولة، تولت المؤسسات الحكومية إدارة المياه، فشكّل استخدامها للشرب والصناعة والري محورًا رئيسيًا في سياساتها التنموية منذ منتصف القرن العشرين. بُنيت السدود، ومحطات مياه الشرب، وشبكات الري، وشجعت الدولة المزارعين على استثمار المياه الجوفية للتحول من الزراعة البعلية إلى المروية، مما أدى إلى توسع كبير في الخارطة الزراعية. فقد انتشرت الزراعات الحقلية المتنوعة، والخضار، والأشجار المثمرة المروية في مناطق كان إنتاجها محصورًا بالشعير البعلي حتى تسعينيات القرن الماضي. بين عامي 1990 و2006، ارتفعت المساحات المروية من المياه الجوفية بنسبة 235٪، ومن المياه السطحية بنسبة 196٪.

كما ساهمت السياسات الحكومية، من خلال تضخيم الجهاز الإداري في المدن، وإنشاء الثكنات العسكرية والمصانع في محيطها، في تشجيع السكان الريفيين على الانتقال إلى المدن، وبالتالي زيادة الطلب على المياه فيها.

هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف إلى تحقيق التنمية، فقد خضعت في جزء كبير منها لمنطق السيطرة من قبل السلطة السياسية، التي غيبت استراتيجيات استخدام وإدارة الموارد المائية المبنية على أسس الدراسات العلمية التي أنجزتها المؤسسات الحكومية الرسمية.

فرغم ما تحقق من زيادات في الإنتاج الزراعي والصناعي، إذ ارتفع إنتاج القمح بنسبة 250٪، والقطن 163٪، والزيتون 252٪، واللحوم الحمراء 183٪ بين عامي 1985 و2006، كما بلغت نسبة السكان الذين يحصلون على مياه الشرب من الشبكات العامة نحو 95٪ في المدن، و89٪ في الريف، بمعدل يتراوح بين 50 و125 لترًا يوميًا للفرد، ونجحت السلطة السياسية في رسم خارطة التعزيز الشعبي لنظامها، إلا أن هذه النتائج لم تدم طويلًا. فقد أدت إلى استنزاف خطير للمياه، إذ تجاوز العجز المائي 3.25 مليار متر مكعب في عام 2008–2009، فانخفض مستوى المياه الجوفية، وجفّت العديد من الينابيع والأنهار، وأصبح المزارع يدفع أكثر من أجل الحصول على المياه، خاصة بعد رفع الدعم عن المازوت الذي يُعد العمود الفقري لاستخراج المياه. كما واجه سكان المدن الكبرى، وعلى رأسها دمشق وريفها، مصاعب متزايدة في الحصول على مياه الشرب.

كما ساهم سوء إدارة ملف المياه، إلى جانب عوامل أخرى، في خلق أزمة في العلاقة بين المزارعين والنظام السابق، تُرجمت إلى احتجاجات شعبية تمركزت بشكل رئيسي في المناطق الريفية، ما أدى إلى تزعزع أركان الخارطة التي كان قد رسمها.

المياه أثناء الصراع

مع اندلاع الصراع، أصبحت البنية التحتية العامة والخاصة للمياه هدفًا مباشرًا للهجمات أو عرضة للنهب والتخريب، لا سيما من قبل النظام السوري وحلفائه. أدى ذلك إلى تدهور شديد في إمكانية الحصول على مياه الشرب، وانخفاض كبير في الإنتاج الزراعي بسبب انهيار شبكات الري العامة، وتراجع المساحات المروية من المياه الجوفية.

ومع ذلك، لوحظ في بعض المناطق تعافٍ طفيف في مستويات المياه الجوفية، ما قد يشكل بارقة أمل، إن تم التعامل معه بحكمة.

اليوم.. التحديات أكبر

تُظهر المؤشرات حجم المأزق الحالي: انخفاض مستوى المياه الجوفية، وتلوّث شديد للأنهار، وتدهور كبير في البنية التحتية للموارد المائية، وكل ذلك نتيجة عقود من التخطيط التي تجاهلت “الميزان المائي” وواقع الموارد المتاحة، واستهداف البنية التحتية للموارد المائية كأهداف عسكرية، فضلًا عن تفاقم آثار التغير المناخي.

التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في شح المياه، بل في مدى استعداد الإرادة السياسية الجديدة للتعامل مع المياه كأولوية وطنية. فالماء ليس مجرد مورد بيئي، بل هو أساس العدالة والاستقرار والتنمية.

ليس الحل جاهزًا.. بل الأسئلة هي البداية

لن تُرسم خارطة تنموية مستدامة من دون العودة إلى خارطة توزّع الموارد المائية، والاستماع إلى صوت العلم لا إلى رغبات السلطة السياسية. ولهذا، لا بد من طرح أسئلة جدية تشكّل منطلقًا لأي خطة واقعية لإعادة الإعمار:

    هل هناك إرادة سياسية حقيقية لإعطاء المؤسسات العلمية المستقلة دورًا محوريًا في تخطيط استخدام المياه، بما يتناسب مع إمكانيات كل حوض مائي؟

    هل سيتم تفعيل القوانين الخاصة بتنظيم استخدام المياه، وتحرير القضاء من القيود السياسية التي عطّلت دوره الرقابي لعقود؟

    هل ستُعتمد استراتيجية جديدة توائم بين الوضع الحالي والتطلعات التنموية، وصولًا إلى استخدام مستدام للموارد المائية؟ أم سيُكتفى بتعديلات شكلية على استراتيجية الخطة الخمسية العاشرة، كما فعلت بعض المنظمات الدولية أثناء تحضيرها لملفات إعادة الإعمار؟

    هل يمكن تبني أنشطة اقتصادية أقل استهلاكًا للمياه وأكثر جدوى من حيث العائد الاقتصادي؟

    هل يمكن نقل بعض الإدارات من المدن الكبرى إلى مناطق أكثر غنى بالمياه لتخفيف الضغط على مصادر الشرب؟

    ماذا عن الصناعات الثقيلة والملوثة؟ ألا ينبغي نقلها إلى أماكن يكون ضررها أقل على الصحة العامة والبيئة؟

    هل هناك استعداد لدى الصناعيين والمجتمعات المحلية لتحمّل مسؤولياتهم في حماية الموارد المائية؟

ماء من أجل عدالة واستقرار وتنمية

لن تُبنى سوريا المستقبل بخرائط سياسية فقط، بل لا بد من خارطة مائية عادلة. كما لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية دون مراجعة جذرية لمسألة المياه، والاستفادة من دروس الماضي، ومواجهة تحديات الحاضر، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات التغير المناخي. فالماء ليس مجرد مورد، بل هو حق إنساني وشرط لتحقيق تنمية عادلة وضمانة لاستقرار اقتصادي–اجتماعي–سياسي طويل الأمد.

تلفزيون سوريا

—————————–

وزارة الدفاع السورية تبحث ضبط الهيكلة.. هل تنجح في بناء الجيش؟/ عبد الله البشير

18 يونيو 2025

في إطار الجهد لتنظيم البنية الإدارية والعسكرية، وتوحيد الهيكلة والبيانات في المؤسسة العسكرية في وزارة الدفاع السورية، عقد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة اجتماعاً مع شعبة التنظيم والإدارة، وفق ما أعلنت الوزارة اليوم الأربعاء، بحث خلاله الترتيبات الإدارية والبنية التنظيمية للقوات المسلحة، بما يضمن ضبط الهيكلية، وآليات إصدار الهويات، وبطاقات حمل السلاح، إلى جانب عدد من الملفات التنظيمية الأخرى، وفق ما ورد عبر صفحة الوزارة.

تنظيم على مراحل

وبخصوص العملية التنظيمية، يرى الباحث والضابط المنشق السابق رشيد حوراني، خلال حديثه مع “العربي الجديد”، أن العملية التنظيمية في الجيش والقوات المسلحة أو في وزارة الدفاع، بدأت على مراحل، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى هي إجراء جرد لكافة الأسلحة الموجودة لدى الفصائل بالدرجة الأولى، ومن ثم تنظيم هذه الأسلحة ضمن وحدات عسكرية مختصة. ويبيّن أن المرحلة الثانية بدأت بتنظيم العناصر، وإجراء جرد نظامي، وإعداد ذاتيات للمقاتلين الموجودين في الفصائل، موضحاً أن هذه المرحلة مرت بعدد من العثرات، منها عدم رغبة بعض العناصر في الاستمرار بالعمل العسكري، ووجود عدد من العناصر غير الملتحقين وفق القوائم.

ويوضح حوراني أنه خلال هذه العملية، تم ضبط كافة العناصر، وإعداد الذاتيات الخاصة بهم في وزارة الدفاع، أي ذاتية مركزية في وزارة الدفاع، من قبل شعبة التنظيم والإدارة، ويضيف: “حالياً يجري العمل على اتجاهين، الأول هو الإعلان عن تنسيب عناصر جديدة لصالح وزارة الدفاع ضمن الوحدات العسكرية المتعددة، والأمر الثاني هو استيعاب الضباط المنشقين أفرادا لا كتلا”. ويقول حوراني: “تم تحديد مقابلات للضباط المنشقين في مقرات في الشمال السوري، ويجري الضباط المنشقون مقابلات في إدارة شؤون الضباط يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وهذا الإجراء مفتوح لتلافي صعوبات السفر، أو لمن هم من الضباط خارج سورية ويتمكنون من الحضور إلى إدارة شؤون الضباط في دمشق، لإجراء المقابلة والاطلاع على اختصاصهم، ومن ثم تعبئتهم في المكان الذي يناسب اختصاصهم، ليتم فرزهم في أقرب وقت ممكن إلى المكان الذي يناسب اختصاصهم وإقامتهم”.

ويذكر حوراني أنه خلال المرحلة السابقة أُعدت هيكلية عسكرية للوحدات الميدانية والفرق العسكرية التي وصلت تقريباً إلى ما يقارب 100 ألف بين قادة وعناصر ومقاتلين، ويضيف: “يجري العمل على إنشاء الإدارات والكوادر البشرية المتخصصة بالإدارات، مثلاً، شعبة التنظيم والإدارة هي بمثابة إدارة القوى البشرية في كل الجيوش، وهي موجودة في كل جيوش العالم. لذلك، تم اجتماع بين وزير الدفاع وشعبة التنظيم والإدارة، لأنها مسؤولة عن القوى البشرية في الجيش بشكل عام.

ويردف حوراني بالقول: “بعد الوصول إلى الذاتيات المركزية في شعبة التنظيم والإدارة، يجري العمل حالياً على دراسة إصدار بطاقات عسكرية خاصة بالملتحقين بالمؤسسة العسكرية، وبطاقات حمل السلاح، لأن العناصر السابقة في الفصائل، بشكل خاص، كانت لكل منها بطاقة عسكرية خاصة بها. هذه البطاقات سيتم التخلص منها، واعتماد بطاقة موحدة لكافة العاملين في وزارة الدفاع السورية”.

تخبط في مرحلة التأسيس

من جهته يرى الباحث السياسي أنس الخطيب، أن هناك تخبطاً وخللاً في عملية بناء المؤسسة العسكرية السورية، وضعفاً في المعايير، وتجاوزات للتراتبية العسكرية، موضحاً لـ”العربي الجديد”، أن الجيوش النظامية في مرحلة التأسيس أو إعادة البناء تحتاج إلى الانضباط وفق المعايير الأكاديمية التي تصاحب كل مرحلة من مراحل التأسيس، ليكون المخرج النهائي جيشاً احترافياً.

ويمكن القول إن الجيش السوري يعاد بناؤه بشكل جذري للمرة الأولى منذ 1946، وفق ما بيّن الخطيب، قائلاً: “لكن إعادة البناء هذه تواجه عدداً من التحديات، كنقص الموارد والتنافس الداخلي، وتتأثر بشكل سلبي بعدم الاستقرار السياسي والأمني الحاصل في البلاد، بالإضافة إلى نقص الخبرة والتدريب، خاصة أننا نتحدث عن عملية انتقالية من الحالة الفصائلية والمليشياوية خارج إطار الدولة، إلى حالة الجيش النظامي”.

ويلفت الخطيب إلى وجود أخطاء تزيد من تعقيدات عملية التأسيس، كتجاوز التراتبية العسكرية، وطريقة تجنيد الأجانب، وإعطاء بعضهم رتباً عسكرية عالية، كذلك منح رتب عسكرية عالية لمدنيين وعسكريين دون محددات علمية أكاديمية، مع ضعف في الاستفادة من الضباط المنشقين في تولي المناصب داخل الجيش، أو الاستفادة من الخبرات، رغم وجود بعض المحاولات لسد هذا الخلل، لكنها ليست بالمستوى المطلوب، مضيفاً: “عليه، لابد من مراجعة علمية شاملة لخطط واستراتيجيات عملية إعادة بناء الجيش السوري”.

وكان وزير الدفاع السوري كشف عن أن نحو 130 فصيلاً عسكرياً دخل ضمن الهيكلية التنظيمية للوزارة، بعد توضيح الهيكلية العسكرية لهم، لافتاً إلى أن هذه الفصائل تخضع، بما فيها من وحدات، للبنية التنظيمية للوزارة، وأشار إلى أن بعض الفصائل مُنحت مهلة لمدة عشرة أيام لإتمام الالتحاق بالوزارة، باستثناء مناطق شمال شرقي سورية، كون المنطقة تخضع لاتفاق مختلف تنفذه تمضي الوزارة في تنفيذه.

العربي الجديد

—————————–

 كفى يا د. برهان غليون: الشعب السوري ليس غطاءً لعسفكم القديم/ نوار الماغوط

نقد الدكتور غليون هنا ليس فقط لطرحه السياسي، بل لغيابه عن الواقع السوري

17 يونيو، 2025

في كل مرة يخرج علينا الدكتور برهان غليون، تعود الذاكرة إلى التجربة المرّة التي خاضها السوريون حين وضعوا آمالهم في “المجلس الوطني السوري”، الذي شكّل أول محاولة تنظيمية للمعارضة. لكن بدلًا من أن تكون هذه التجربة نقطة انطلاق، تحوّلت إلى محطة انهيار مبكر للثقة، بسبب الأداء الفاشل، والعجز عن التمثيل الحقيقي، والانغماس في المساومات الإقليمية والدولية.

ورغم كل هذا الفشل، يصرّ الدكتور غليون على البقاء في الواجهة. ليس كمراجعٍ لتجربة سياسية عميقة، بل كمقدّم لحلول جديدة، يطرحها بمنطق الواثق، وكأن سوريا  ما زالت تبحث عن وصيّ.

في لقائه الأخير على قناة “الإخبارية السورية”، والتي لا تُخفي ميلها لتسويق طروحات ما يُسمى “المعارضة الناعمة”، طرح د. غليون فكرة تشكيل مجلس تشريعي عبر انتخابات محلية تبدأ من الأحياء والقرى. فكرة براقة على السطح، لكن تنقصها كل مقوّمات الواقع.

كيف يمكن أن نتحدث عن انتخابات بلدية في مناطق مثل دير الزور، الرقة، وعفرين وريف حمص وحماه وحلب وإدلب والغوطة، وسكانها الأصليون إما مهجّرون، أو معتقلون، أو موزعون بين المنافي والمخيمات؟ كيف نثق بنتائج انتخابات تتحكم بها بقايا النظام السابق وتشرف عليها سلطات الادارة الجديدة، وتخضع لتوازنات السلاح والتمويل والمنظمات الأجنبية؟ من سيمثّل أهل الثورة؟ ومن يضمن ألّا يعاد إنتاج المجالس المحلية وفق نفس الآليات التي استخدمها النظام لعقود: التعيين الأمني، الولاءات العائلية، والفساد المنظم

ما يثير القلق أكثر من الطرح نفسه، هو التوقيت والتكرار. الدكتور غليون لا يظهر في الإعلام ليقدّم مراجعة صادقة، بل يتم استدعاؤه إعلامياً كصوت “معارض معتدل”، يُراد له أن يبرّر المشاريع المطروحة كـ”حلول وسط” بين النطام  والثورة.

هذا الاستخدام لا يمكن فصله عن سياق إعادة تدوير المعارضة، وتلميع بعض الأسماء المحسوبة على “الثورة ”، لإقناع السوريين بأن هناك “شرعية جديدة” في الطريق، تُبنى عبر صيغ تنظيمية مفرغة من المعنى: مجالس، لجان، انتخابات… كلّها دون أي أساس قانوني، أو عدالة انتقالية، أو مساءلة.

الدكتور برهان غليون ليس وحده من يتحمّل مسؤولية الإخفاق. لكن كونه أول من تسلّم قيادة سياسية باسم الثورة، فإن عليه واجبًا أخلاقيًا واضحًا: التوقّف عن الظهور الإعلامي، والامتناع عن طرح مشاريع باسم السوريين، ما لم يكن مستندًا إلى شرعية ثورية حقيقية، لا إلى منصات إعلامية تموّلها أجندات خارجية.

إن الشعب السوري لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه في صالات مكيفة، بل إلى من يخدم قضيته، بإخلاص واستقلالية بعيد عن المال السياسي أو الاجندات الخارجية . أما إعادة طرح الأفكار نفسها، من قبل الوجوه نفسها، بعد أكثر من عقد من الفشل، فهو استهتار بعقول الناس وذاكرتهم ودمائهم

إلى الدكتور غليون، نقولها بوضوح: كفى.

كفى تكرارًا لنفس الوصفات التي لم تُنتج إلا الفشل.

كفى ظهورًا إعلاميًا يوظَّف لتبرير أمر واقع لم يختَرْه الشعب، ولا يمثّله.

وإن لم يكن في الأمر أجندة خفية، فليكن الاعتزال فضيلة، .

نقد الدكتور غليون هنا ليس فقط لطرحه السياسي، بل لغيابه عن الواقع السوري، خاصة بعد فشل تجربته السابقة في قيادة المعارضة. الحديث عن اللامركزية والمجالس المحلية كأنه مفتاح الحل فيه قفز على مأساة ملايين المهجرين واللاجئين، الذين يُراد إقصاؤهم بحجة الواقعية، بينما على أرض الواقع تتحكم بقايا النظام وأمراء الحرب والمنظمات الدولية الفاسدة بمفاصل المجتمع المحلي

لا يمكن بناء أي شرعية جديدة على بقايا نظام مجرم، ولا على شبكة علاقات مموّلة ومصفّاة أمنياً. لذلك، فإن أي حديث عن انتخابات أو تمثيل سياسي قبل تحقيق عدالة انتقالية حقيقية، ومحاسبة رموز الفشل، ليس إلا غطاءً جديداً لعسف قديم.

العربي القديم

———————————-

الحسكة.. ظاهرة “التشليح” تثير النزاعات العشائرية وتهدد بتداعيات خطيرة/ محمد جفال

18 يونيو 2025

شهدت مدينة الحسكة وأريافها، في السنوات الأخيرة، تصاعدًا مقلقًا في ظاهرة السطو المسلح، المعروفة محليًا باسم “التشليح”. هذه الظاهرة، التي باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن والاستقرار الاجتماعي في المنطقة، تتجاوز حدود السرقة البسيطة لتصل إلى جرائم القتل والإصابات الخطيرة، بل وحتى النزاعات العشائرية التي تهدد النسيج الاجتماعي.

تفاقم الظاهرة.. الأسباب والتكتيكات

تعد ظاهرة “التشليح” واحدة من التحديات الأمنية التي تفاقمت في الحسكة منذ بداية الأزمة السورية، حيث استغلت عصابات منظمة حالة عدم الاستقرار الأمني لتوسيع نطاق عملياتها. تعتمد هذه العصابات على أساليب متطورة لاستدراج ضحاياها، وأبرزها استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك.

يتم عرض سلع جذابة مثل السيارات، الدراجات النارية، الآلات الزراعية، أو الأدوات المنزلية بأسعار منخفضة بشكل لافت، مما يجذب الباحثين عن الصفقات الرخيصة. بعد ذلك، يتم تزويد الضحايا بأرقام للتواصل، ليتم استدراجهم إلى مناطق نائية أو مهجورة حيث يسهل الاستفراد بهم.

تتركز هذه العمليات في بؤرتين رئيسيتين؛ هما: طريق الحسكة – الهول بالقرب من جبل كوكب شرق المدينة، والضواحي القريبة من الحسكة على طريق الحسكة – الشدادي جنوبًا. هذه المناطق، التي تفتقر إلى الرقابة الأمنية الكافية، أصبحت وكرًا للعصابات التي تنفذ عملياتها بجرأة متزايدة.

تداعيات خطيرة.. من السرقة إلى القتل

لم تقتصر نتائج عمليات “التشليح” على السرقة أو الاعتداءات البسيطة، بل امتدت لتشمل جرائم قتل وإصابات خطيرة. في بعض الحالات، يلجأ أفراد العصابات إلى تصفية الضحايا الذين يقاومون أو يتعرفون على أحدهم، مما يفاقم من خطورة هذه الجرائم.

    ظاهرة “التشليح” ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي تحدٍ اجتماعي يهدد تماسك المجتمع. ومع استمرار هذه الجرائم

على سبيل المثال، شهدت قرية سبع سكور بريف الحسكة الجنوبي الشرقي حادثة سطو في الفترة الاخيرة، حيث خسر الضحية مبلغ 3000 دولار أميركي و700 ألف ليرة سورية، بالإضافة إلى هاتفين محمولين. وفي حادثة أخرى على طريق حي النشوة داخل المدينة، سلب مسلحان مواطنًا 350 دولارًا أميركيًا قبل أن يلوذا بالفرار.

أما الحادثة الأكثر خطورة، فقد طالت وجيهًا عشائريًا برفقة ابنه على طريق بين قريتي السحيل والمجيبرة بريف الحسكة الشرقي. استهدفت العصابة الضحية بالرصاص المباشر بعد سلبه 5 ملايين ليرة سورية وأجهزة خلوية، مما أدى إلى إصابته بجروح متفاوتة.

هذه الحوادث، وغيرها، أثارت حالة من الذعر بين السكان، الذين بدأوا يشعرون بانعدام الأمان حتى في مناطقهم السكنية.

تداعيات اجتماعية.. نزاعات عشائرية وتوترات

تجاوزت تداعيات “التشليح” الخسائر المادية والبشرية لتصل إلى إثارة نزاعات عشائرية. في بعض الحالات، تحولت هذه الجرائم إلى صراعات بين عائلات الضحايا والعصابات، مما أدى إلى حرق منازل وتسجيل إصابات إضافية.

على سبيل المثال، شهدت أرياف الحسكة توترًا واشتباكات بين قبيلتين بعد مقتل شاب من قرية “خربة جاموس” على يد مسلحين في منطقة تكثر فيها عمليات السطو.

هذه النزاعات أثارت استياءً واسعًا في المجتمع المحلي، حيث أكد المواطن علي العلي أن ظاهرة “التشليح” تتعارض مع الأعراف الاجتماعية والتعاليم الدينية. ودعا إلى تكاتف المجتمع للقضاء عليها قبل أن تتفاقم إلى مستويات أخطر.

من جانبه، أشار عواد المحمد إلى أن الأعراف العشائرية تنبذ هذه الأفعال “المشينة” التي تعكس “فكرًا إجراميًا لا إنسانيًا”. وأضاف أن العديد من القبائل في الجزيرة أصدرت بيانات تستنكر هذه الظاهرة، معلنة براءتها من مرتكبيها ومؤكدة طردهم من العشائر.

شهادات الضحايا.. قصص مأساوية

تكشف قصص الضحايا عن الوجه القاسي لهذه الظاهرة. أيمن حماد، أحد الضحايا، روى تجربته المروعة بعد تعرضه لعملية سطو في قرية العابد، على بعد كيلومترين شرق الحسكة. اعترضت عصابة مكونة من ثلاثة أشخاص طريقه في وادٍ قريب، حيث سلبوه مبلغًا ماليًا وهاتفه الخلوي قبل أن يطعنوه في البطن.

نجا أيمن بأعجوبة بعد إسعافه، لكنه لا يزال يعاني من آثار الحادثة النفسية والجسدية.

في حادثة أخرى، تعرض موظفون تابعون لمنظمة “سيف ذا جيلدرن” لعملية سطو على طريق الهول، مما يعكس استهداف هذه العصابات لمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك العاملين في المجال الإنساني. هذه القصص تؤكد الحاجة الملحة لتدخل أمني فعال للحد من هذه الجرائم.

التعاون المجتمعي وزيادة الوعي

لتتمكن الحسكة من استعادة أمنها واستقرارها، يتطلب الأمر جهودًا من المجتمع المحلي، ومن الضروري تعزيز الرقابة الأمنية في المناطق النائية، وزيادة الوعي المجتمعي بمخاطر الوقوع في فخ العروض الوهمية. كما يمكن للعشائر أن تلعب دورًا مهمًا في ردع هذه الجرائم من خلال استمرارها في نبذ مرتكبيها ورفض أي تغطية لهم.

إن ظاهرة “التشليح” ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي تحدٍ اجتماعي يهدد تماسك المجتمع. ومع استمرار هذه الجرائم، يبقى الأمل معلقًا على تعاون الجميع لاستعادة الأمان وإنهاء هذا الكابوس الذي يهدد حياة الأبرياء.

——————————

تفجير كنيسة في دمشق: “داعش” لحظة سياسيّة قبل أن يكون تكفيرياً/ حازم الأمين

23.06.2025

“داعش” ليس جسماً منفصلاً عن مشهد عام، وهو لا يشتغل بمنأى عن وقائع عامة. ولعل معادلة “نومه” في الصحراء، سواء السورية أو العراقية، خير تمثيل لهذه المعادلة، ذاك أنه يغادر الصحراء ويتمدد نحو المناطق الحضرية حين يلتقط وظيفة تُعرض عليه من القوى “الحضرية”. عدة الشغل متوافرة دائماً. مجتمعاتنا مفخخة دائماً بما يمكن للتنظيم أن يستثمر فيه.

 التفجير الانتحاري الذي شهدته العاصمة السورية واستهدف كنيسة وقتل وجرح العشرات، حدث في لحظة سياسية شديدة الوضوح. الكثير من عناصر الخبر يشير إلى أن تنظيم “داعش” يقف وراء التفجير. انتحاري يحمل رشاشاً وزنّر نفسه بحزام ناسف، أقدم على ارتكاب الجريمة، وقبل أن يفجّر نفسه بالمصلّين، أطلق الرصاص وقتل عدداً منهم بحسب بعض الشهود. لطالما نفذ انتحاريو “داعش” السيناريو نفسه، في العراق وفي سوريا، وفي غيرهما من البلدان.

القول بأن “داعش” ارتكب جريمة دمشق حسب اتهام وزارة الداخلية السوريّة، لا يضعف فرضية “اللحظة السياسية” التي وقعت الجريمة في سياقها. ولنكن واضحين أكثر: تفجير الكنيسة حدث بينما كانت أميركا وإسرائيل تقضيان على البرنامج النووي الإيراني. لا بل كان سياقاً من الهزائم يحاصر إيران وأذرعها في كل الإقليم.

 أما افتراض الافتراق المذهبي بين إيران و”داعش”، فهذا لا يعني شيئاً إذا ما استعدنا تاريخاً من الوقائع التي وُظِّف فيها “داعش” وأخواته في مواجهات استثمرت خلالها أنظمة لا تمت الى “داعش” بقرابة مذهبية.

التجربة السورية على هذا الصعيد غنية بالأمثلة، فيوم أطلق النظام البعثي السابق سراح مئات من الجهاديين في الأيام الأولى للثورة بهدف عسكرتها وأسلمتها، فعل ذلك انطلاقاً من معرفته بما ستؤول إليه فعلته. فهو، أي النظام، راكم خبرات كبيرة في معرفة طبيعة الجماعات الجهادية، وفي أساليب عملها وكان يعرف تماماً إلى أين سيتوجه المفرج عنهم، وماذا سيفعلون. كما أننا لا ننسى دور النظام نفسه في احتضان وتنظيم وتسليح الجهاديين العراقيين وإرسالهم إلى بغداد لقتال الأميركيين.

إيران نفسها استعانت بالتجربة السورية في العراق. تدفق “داعش” على المدن العراقية كان جزءاً من مشروع إيراني. سقوط الموصل على يد حفنة من مقاتلي التنظيم، وانسحاب أكثر من خمسين ألف جندي عراقي من المدينة، كانا أمراً مريباً.

“داعش” موجود عند الطلب. استثمرت فيه طهران كما استثمرت أنظمة خليجية في سياق صراعها المذهبي مع إيران، وسهلت أنقرة له مهمة استقبال الجهاديين الوافدين إلى سوريا عبر أراضيها. في لبنان كلنا شهدنا كيف ولدت “فتح الإسلام” ومن أرسلها من سوريا إلى نهر البارد.

تنظيم “داعش” لا يمكنه أن ينشط ويستيقظ من دون “لحظة سياسية”، في العراق أقدم نوري المالكي، على حماقة، بتطبيق القمع الدموي لانتفاضة المدن السنية، فاستيقظ التنظيم بوصفه “سيف السنة” وتدفقت الأموال من الخليج والمقاتلين من كل أنحاء الأرض.

التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.

“داعش” ليس جسماً منفصلاً عن مشهد عام، وهو لا يشتغل بمنأى عن وقائع عامة. ولعل معادلة “نومه” في الصحراء، سواء السورية أو العراقية، خير تمثيل لهذه المعادلة، ذاك أنه يغادر الصحراء ويتمدد نحو المناطق الحضرية حين يلتقط وظيفة تُعرض عليه من القوى “الحضرية”. عدة الشغل متوافرة دائماً. مجتمعاتنا مفخخة دائماً بما يمكن للتنظيم أن يستثمر فيه.

العنف والقيم “الجهادية” والإرث الذي خلفه البعث، والجيوش المنحلة، والانقسام المذهبي، هذه كلها محركات عمل التنظيم، إلا أنها لا تعمل من دون قوة دفع من خارجها. يجب ربطها بمشروع مذهبي أولاً، ثم بالتمويل، ولاحقاً بالتسليح وبخطوط إمداد بالمتطوعين (تركيا والخليج)، والأهم بوسائل إعلام تتولى جعل الحدث محور الحياة العامة (قناة الجزيرة).

“المقاومة” في العراق تقاطعت على دعمها مصالح النظام السوري (العلوي) مع “فلول” الجيش العراقي المنحل (السني) مع مصلحة الإيرانيين بقتال الجيش الأميركي، فولد “المجاهدون”، وللمفارقة كان من بينهم “أبو محمد الجولاني”! هذا العرض يأخذنا إلى تفجير الكنيسة في دمشق يوم الأحد الفائت.

“داعش” في الصحراء، والنظام في دمشق هو اليوم درة عين الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وتركيا، وفي هذا الوقت تتعرض إيران وأذرعها إلى ضربات أدت إلى إضعافها على نحو لم تشهده منذ أكثر من أربعين عاماً. سوريا هي الحلقة الأضعف التي قد تخطر في بال أي راغب في الحد من النفوذ الأميركي والسعودي.

لا يعني هذا أننا سنكون في سوريا أمام سيناريو عراقي، ذاك أن الراغب في دفع “داعش” من الصحراء إلى المناطق الحضرية في سوريا، أمامه عقبات لم تواجهه في العراق. العقبة المذهبية التي شكلت في العراق قوة جذب رئيسية للتنظيم غير متوافرة في سوريا، فالسنة سيكونون فيها بمواجهة السنة، والتمويل الخليجي أيضاً لن يكون متوافراً، أما الحدود، وهي الخاصرة الرخوة لسوريا، وخصوصاً من جهتي العراق ولبنان، فهي قد توفر للتنظيم إمداداً لوجستياً. أما المقاتلون، فلطالما التحقوا بـ”الجهاد” عندما تحول الأخير إلى قضية “الأمة السنية”، وهو ما لن تشهده سوريا اليوم.

تفجير الأمس في دمشق هو حدث أمني لا يبدو أنه من السهل تحويله إلى واقع سياسي يومي. إلا أنه مؤشر إلى مشهد قد يتعدى سوريا، فإذا كانت النية نقل مهمة الأذرع في العراق وفي لبنان من المواجهة المباشرة مع الأميركيين إلى تعطيل مشروعهم في سوريا، فسنكون أمام نقل للاضطرابات الأمنية إلى كلَي البلدين.

التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.

تفجير دمشق وقع في “لحظة سياسية” مشابهة. من شبه المحسوم أن “داعش” نفذه، ومن الحكمة أن نرتاب، طالما أننا سبق أن شهدنا على ما شهدناه في العراق وفي سوريا.  

درج

—————————-

الإصلاح الضريبي في سوريا يبدأ بعد عقود من المحاباة والفساد/ شام السبسبي

23/6/2025

دمشق – عانى السوريون لسنوات طويلة من النظام الضريبي الذي كان سائدا في عهد نظام بشار الأسد المخلوع، حيث صُمّم -وفقًا لرؤية العديد من الخبراء- لحماية مصالح كبار التجار ورأسمالية المحاسيب التي كانت تهيمن على البلاد؛ فأعفى النظام بذلك أصحاب الثروات المرتبطين بالسلطة من المساءلة، في حين أرهق كاهل صغار التجار والصناعيين بضرائب تُفرض دون معايير واضحة، الأمر الذي أدى إلى هجرة آلاف الصناعيين والتجار من البلاد.

وفي إطار التعامل مع هذه التركة الثقيلة، عقدت لجنة الإصلاح الضريبي، برئاسة وزير المالية السوري محمد يسر برنية، الأسبوع الماضي، أول اجتماع لها منذ الإعلان عن تشكيلها مطلع الشهر الجاري.

وأكد الوزير لوسائل الإعلام، عقب الاجتماع، أن النظام الضريبي الحالي “غير قابل للاستمرار، لأنه لا يخدم الرؤية الاقتصادية للبلاد، ولا مصالح القطاع الخاص، ولا مفهوم العدالة، فضلًا عن عدم قدرته على دعم عجلة الصناعة في البلاد”.

وأوضح أن اللجنة اتفقت على المحاور الأساسية للإصلاح الضريبي، والتي تشمل تخفيض الشرائح الضريبية، وتبسيط الإجراءات، وتوحيد الضرائب.

شراكة مع القطاع الخاص

وأشار برنية إلى أن الدولة حريصة على أن “تكون شريكا فاعلا للقطاع الخاص، وليست مجرد جهة جباية”، مؤكدا أن الإصلاحات الضريبية الجارية ستأخذ وقتها الكافي لتتبلور بصورة سليمة ومتوازنة، تضمن ملاءمتها لجميع الأطراف على المدى الطويل، وليس لفترة محدودة تمتد لعامين أو ثلاثة فقط.

وشدد الوزير على ضرورة تجنّب الاستعجال أو القفز على المراحل، داعيًا إلى اعتماد نهج تدريجي في بناء نظام ضريبي عصري يخدم مصلحة سوريا ويدعم عجلة الصناعة، مع السعي إلى توفير نظام واضح وشفاف يمنح المستثمر الثقة الكاملة بأنه سيخدم مصالحه.

كما أشار إلى أنه تم بالفعل إلغاء عدد من الرسوم، وهناك توجه لإلغاء المزيد من الضرائب، مع العمل على توحيد النظام الضريبي والانتقال إلى ضرائب أقل عددًا وأكثر توحيدًا.

وفي ختام تصريحاته، شدد برنية على أن سوريا ماضية نحو أن تصبح “من أكثر الدول تنافسية من حيث نظام الضرائب الحديث”.

تنشيط صناعات

وفيما يتعلق بالإصلاحات الضريبية الجارية، يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي أنها تستند إلى دراسات تهدف إلى إعادة تنشيط صناعات محلية تمتلك سوريا خبرة طويلة فيها، مثل صناعة النسيج، إلى جانب تحفيز صناعات جديدة وواعدة مثل التكنولوجيا، والتي لا تزال البلاد تفتقر إلى بنى تحتية كافية لها.

ويربط قضيماتي نجاح تعديل النظام الضريبي برؤية الحكومة وخططها الإستراتيجية، سواء على المدى المتوسط (5 سنوات) أو الطويل (10 سنوات). ويؤكد أن تخفيض الضرائب أو الرسوم يجب أن يتم وفق 3 معايير رئيسية:

    حجم الإنتاج المحلي، الفترات الزمنية (المواسم).

    الحالة العامة للاقتصاد، بما في ذلك حجم الاستثمارات المتوقعة واحتياجات السوق المحلي من المنتجات القابلة للتصنيع الداخلي.

ويشير الخبير إلى أنه كلما اقتربت البلاد من تحقيق الاكتفاء الذاتي من منتج معين، يمكن حينها رفع الضرائب عليه تدريجيًا، والعكس صحيح.

ويوضح أن سوريا، في الوقت الراهن، بحاجة للاستيراد، مما يتطلب ضرائب ورسومًا منخفضة، مؤكدًا ضرورة تعديل قيم تلك الضرائب بشكل دوري استنادًا إلى مراجعات منتظمة للواقع الاقتصادي.

ويضرب مثالًا بالضرائب الزراعية، التي يجب أن تتغير تبعًا للمواسم والمحاصيل، مشددًا على أن النظام الضريبي يعد ملفا شائكا يرتبط بالظروف المتغيرة بشكل مباشر.

تعزيز الشراكة

وفيما يتعلق بالأثر المتوقع لهذه الإصلاحات على البيئة الاستثمارية والقطاع الخاص في سوريا، يشير قضيماتي إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، نظرًا لما قد تحققه من فوائد عديدة، من أبرزها تقليص الهدر في القطاع العام، وتقديم نموذج إداري فعال من خلال القطاع الخاص.

ويشدد على ضرورة الحفاظ على دور الدولة الرقابي، لا سيما فيما يخص الأسعار وتوفير المنتجات الأساسية في السوق، مؤكدًا أن هذه الشراكة تمكّن الدولة من الخروج من دور “الجباية” التقليدي، وتقي القطاع العام من الخسارة كما كان على عهد النظام المخلوع.

ويرى قضيماتي أن تطبيق هذه الشراكة مستقبلًا قد يتم من خلال تأسيس شركات قابضة يديرها القطاع الخاص بمساهمة رمزية من الدولة، مقابل منح تسهيلات ونسب من الأرباح.

وعن الحاجة لزيادة الإيرادات الحكومية وتخفيف العبء الضريبي عن المواطن في آن واحد، يرى الخبير أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب توفر عدة معايير، في مقدمتها “انتهاء ثقافة الرشوة والمحسوبيات”.

ويؤكد أنه إذا تم “ضبط الاقتصاد”، فلن تواجه الدولة عجزًا في الموازنة، خاصة أن سوريا بلد غني بالثروات الباطنية التي من شأنها أن تخفف العبء المالي، إلى جانب الشراكات مع الدول الأخرى لتمرير خطوط الغاز والنفط والاستفادة من عائداتها.

ويخلص قضيماتي إلى أن الحكومة مطالبة بزيادة إيراداتها بشكل مدروس خارج إطار ما يُعرف بالإيرادات الضريبية أو الرسوم التقليدية.

المصدر: الجزيرة

——————————–

 هل أفادت نصائح طالبان الحكم السوري الجديد؟/ حسام جزماتي

2025.06.23

بعد يومين فقط من إسقاط بشار الأسد بثت وكالة “أفغانستان بالعربي” كلمة مصورة للمولوي عبد الحق حمّاد

، أحد قادة حركة طالبان، في “رسالة صادقة” حملت “نصائح ذهبية” لأهل سوريا في مرحلة التمكين وبناء المستقبل، لتكون الثورة نموذجاً للعدل والكرامة، وفق تعبير الوكالة.

وقد لاقت تلك الدقائق الست رواجاً واسعاً في أوساط نخبة التحرير وكوادره ومعظم حاضنته، لا سيما وأن انتصار طالبان، في آب 2021، بإجبارها القوات الأميركية على الانسحاب، كان قد شكّل، في البيئة الحاكمة لإدلب ومحيطها وقتئذ، بشرى كبيرة تشير إلى أمور عدة أولها إمكان فوز الطرف الأضعف من أبناء البلد على محتل يمثل الدولة الأقوى في العالم، وثانيها احتمال تأقلم المجتمع الدولي مع من يفرض وجوده كأمر واقع على الأرض، وتغيير تقييمه له من وصفه جماعة متشددة تتصل بالإرهاب.

بعد تهنئة “الأهل” في سوريا، شعباً وقادة، يؤكد المولوي عبد الحق على عشر نقاط نعرض أبرز ما ورد فيها:

    أول ما نوصيكم به هو أن يكون عملكم خالصاً لله سبحانه وتعالى، تذكروا أن النصر أمانة.

    النصر ليس نهاية الطريق، بل هو بداية اختبار جديد، فلا تستعجلوا في تغيير كل شيء دفعة واحدة، فالإصلاحات التدريجية المدروسة أكثر استدامة.

    لا تسمحوا للخلافات أن تفرّق صفوفكم، تذكروا أن أعداءكم يتربصون بكم.. اجتمعوا على كلمة سواء، واجعلوا مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وإذا كانت هناك مؤسسات أو أنظمة قائمة يمكن إصلاحها فلا تهدموها بل أصلحوها، لا تفرّطوا في خبرات موظفي الدولة القادرين على المساهمة بل أدمجوهم في مسيرة البناء، لا تدَعوا الجراح التي خلّفتها سنوات الحرب تعيق إعادة بناء المجتمع.

    كما أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم بالعفو.. اعفوا عمن أساء واغرسوا في قلوب شعبكم التسامح والمحبة، اجعلوا الماضي درساً وانظروا إلى المستقبل.

    لا يمكن لدولة أن تقوم على الأفراد وحدهم، أسسوا نظاماً قوياً من المؤسسات يحكم بالعدل ويضمن حقوق الجميع، ضعوا قوانين صارمة لمحاربة الفساد والمحاسبة وراقبوا تنفيذها بلا محاباة.

    اعملوا على تأمين الغذاء والصحة والتعليم والمأوى لكل مواطن، هذه مسؤوليتكم الأولى.

    تعاملوا بحكمة مع العالم، ابنوا علاقات قائمة على الاستقلال والكرامة وابتعدوا عن التبعية لأي طرف، استفيدوا من التعاون الدولي في بناء وطنكم من دون تفريط.

    لا تنسوا أن النصر من عند الله، فاستمروا في التوكل عليه في كل قراراتكم.

    لا تتعجلوا في اتخاذ القرارات واعملوا بخطى ثابتة ومدروسة لتحقيق الأهداف.

    تكوين مجلس شورى يضم نخبة من العلماء ذوي الحكمة والبصيرة.

من زاوية عملية لم يكن هناك ما يدفع الذين وصلوا إلى السلطة في دمشق إلى الاستماع لنصائح خراسانية، فليس لدى أفغانستان عقوبات ترفعها ولا تمويلات تقدّمها، غير أن الرسالة كانت فرصة ثانوية لهم للقول إن التحولات الواقعية للجماعتين جاءت من منبع واحد، فها هي طالبان، الموثوقة الخبيرة، تنصح بالعفو والتسامح وبالمحافظة على المؤسسات وبالاستفادة من موظفي النظام.

لكن هذه نظرة إلى السطح فقط. فمن المعروف أن طالبان، من قبل هذه النصائح ومن بعدها، جماعة عارمة، واثقة من نفسها ومن شعبيتها، مجاهدة في حدودها، وليست مجموعة سلفية جهادية تحيرت في التنظيم حتى وجدت درب السلامة في التحول إلى ما أسماه بعضهم “جهادية محلية” بدا تجليها “البراغماتي” على شكل مشروع دولة مسكونة بالتنمية، محافظة ملبرلة، بهدف استعادة دورها الاقتصادي في المنطقة.

وذلك فضلاً عن أن اختلاف تجربتي البلدين يجعل سحب بعض النصائح متعذراً من الناحية الواقعية وإن حملت العنوان نفسه، فبين السوريين وبين العفو مجازر لا تكاد تحصى، ومقابر جماعية ما تزال تُكشف، وفظائع وإعدامات في السجون، وهذه كلها حقوقٌ للضحايا وذويهم لم يفوضوا أحداً بالتنازل عنها أو بالتعامل في ملفها بطريقة غامضة انتقائية وفق مصالحات فردية تتعدد تبريراتها وتكثر التسريبات عنها، لا سيما في حالات رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد أو بعض ضباطه وقادة ميليشياته كما أثير حول العفو الأخير.

أما ملف التعاون مع الدول من دون المساس باستقلالية القرار فلا يبدو واضحاً كفاية في الحالة السورية التي دأبت على الحديث عن شراكات استراتيجية ربما كانت أكثر من طاقة بلد واحد صغير على استيعابه، في حين تبدو المصالحة مع دول كانت عدوة، كالولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل”، أمراً لا يمكن أن يحدث من دون ثمن لم يتضح.

وفي النصائح تتكامل المحافظة على المؤسسات مع بناء نظام قوي عادل، ومع الاستفادة من خبرات موظفي الدولة السابقين ودمجهم في عملية البناء، وهي أمور تختلف عن تطويع المؤسسات، وأولها الوزارات والهيئات العامة، لهيمنة جماعة مترابطة بإحكام ومحسوبة على بعضها بعلاقات من تحت الطاولة ومن وراء الكاميرا.

وكذلك لا تشبه مرور المحافظة على الموظفين بطرق فرعية لا يحركها هاجس البناء؛ مثل ضمان متنفذين جدد لأقاربهم أو أبناء بلداتهم الذين لم ينشقوا، أو استمرار مديرين وموظفين في أعمالهم بعد تسويات مالية، مما يعطي ما تجري المحافظة عليه شكل المؤسسات لا حقيقتها.

في المجمل لا يختلف الهيكل العام للنصائح الطالبانية عن شروط الدول الغربية رغم أن ذلك يبدو مفاجئاً لبعضهم، إذ يصب الكل في خانة “بناء الدولة” الكفؤة التي تقدم الخدمات الأساسية لمواطنيها من دون أن يخالط ذلك تمييز أو استئثار لصالح جماعة فئوية من أي نوع، وهو كذلك ما يطلبه قطاع كبير من السكان من الحكم الجديد، لكن آخرين سواهم يصرّون على عقلية “نحن الدولة ولاك”!

تلفزيون سوريا

——————————–

الفلسطينيون السوريون يواجهون تحدّيَين دفعة واحدة

24 يونيو 2025

أيّ قدَرٍ هذا الذي يجعل بعض الناس يولدون فلسطينيين سوريين؟ هذا يعني أنّ عليهم أن يحملوا على كتف واحدة، ثقل الأعباء التي تواجه السوريين الآن، مع ثقل الأعباء التي تواجه الفلسطيين دائماً.

ومنذ عام النكبة 1948 عاش الفلسطينيون في سورية مندمجين مع المجتمع السوري، متشاركين معه في كل شيء، ولذلك حين أتت الثورة السورية كانوا جزءاً منها، ودفعوا ثمن ذلك، مثلما دفع السوريون وزيادة.

من بين عيوبه وجرائمه التي لا تحصى، فعل حزب البعث شيئَين طيّبَين: ترك شعوراً عاماً لدى سوريين كثيرين أن العربي ليس أجنبياً، وأن فلسطين قضية شخصية لا سياسية.  ومنذ 1949، بداية اللجوء الفلسطيني إلى سورية، حظي الفلسطينيون في سورية بأفضل وضع قانوني في جميع الدول العربية، وتعامل معهم الشعب السوري أولاً، والسلطات المتعاقبة ثانياً، بوصفهم جزءاً من نسيج المجتمع السوري، وكان لهم جميع حقوق السوريين، وكانوا جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري، وكانت كلمة فلسطيني في أي مكان في سورية تطابق تماماً أن تقول: ديري، أو حوراني، أو حموي.

مع قيام الثورة السورية، انخرط الفلسطينيون السوريون فيها، مثل جميع فئات الشعب السوري، فقامت مظاهرات واسعة في مخيّمات اليرموك في دمشق والرمل في اللاذقية والنيرب في حلب، وردّ عليها النظام بقسوة مفرطة، فحاصر مخيّم اليرموك وقطع عنه الماء والغذاء، في واحدة من أسوأ جرائمه خلال الثورة، وقصف بالطائرات والمدفعية مخيّمات حمص والرمل وحندرات، واعتقل آلاف الفلسطينيين، لم يُعرف بعد مصير معظمهم.

يحاول الفلسطينيون السوريون، وفي سورية الجديدة، أن يتلمسوا طريقهم، ليكونوا جزءاً منها، في ظل تحدّيات كبيرة تواجههم، فهم يتشاركون مع السوريين الآخرين مئات التحدّيات الصعبة، ويضيفون عليها تحدّياتهم الخاصة، خصوصاً أن التغيير السياسي في سورية جاء في لحظة تخلي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) عن جزء من دورها ومهامها، بسبب قرار الولايات المتحدة عدم تمويلها، على وقع الحرب الإسرائيلية على غزة، لزيادة الضغط على الشعب الفلسطيني.

يتجاوز عدد الفلسطينيين في سورية 650 ألفاً، وبحسب تقديرات “أونروا”، فالعدد تجاوز 670 ألفاً، منهم 581 ألفاً، مسجلون لديها وتقّدم لهم الخدمات التعليمية والصحية وبعض المساعدات. ويتوزع الفلسطينيون في سورية على 13 مخيماً، أبرزها اليرموك، إذ يعيش معظم هؤلاء اللاجئين في ظروف صعبة، ويعاني أكثر من 91% منهم من الفقر، ويعيش أكثر من 40% منهم في حالة نزوح مطول بسبب النزاعات والدمار الذي لحق بمساكنهم.

كان الفلسطينيون في سورية يتمتعون بحقوق مدنية كاملة باستثناء الجنسية والحقوق السياسية، بفضل المرسوم 260 لسنة 1956. ومع ذلك، أضعفت سنوات الحرب هذا الموقع، وزادت من التهميش القانوني والتضييق الإداري عليهم. وفي 1949، لجأ 80 ألف فلسطيني إلى سورية، وتوزّعوا على مخيّمات اليرموك وخان الشيخ وجرمانا وخان دنون وسبينة والست زينب والوافدين في دمشق، والنيرب وحندرات بحلب، والعائدين بحمص، والرمل باللاذقية، ومخيّم حماة. ومخيّم درعا.

وقد تراكبت على الفلسطينيين السوريين ظروفٌ معقّدة، جعلت حياتهم أصعب، والتحديات التي تواجههم أشد صعوبة، فمع تراجع تمويل “أونروا” وسقوط نظام بشّار الأسد، والمرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سورية، خرجت إلى السطح تحديات كبيرة تتعلق بإعادة إعمار المخيّمات المدمرة، خاصة مخيّم اليرموك. والكشف عن مصير المعتقلين والمختفين قسرياً، وعودة النازحين داخلياً وخارجياً، وتوفير بيئة قانونية وإنسانية تضمن حقوق اللاجئين وتحفظ كرامتهم وأمانهم.

ومع سقوط الأسد انكشف حجم الدمار في المخيّمات، وأهمها مخيّم اليرموك، الذي تعرض لدمار كبير، بسبب مشاركة سكانه في المرحلة الأولى من الثورة السورية، إذ تقدّر نسبة الدمار في الممتلكات والأبنية بحوالى 60%، مع وجود 20% من الأبنية غير صالحة للسكن والآيلة للانهيار، بينما بلغت نسبة الدمار في مخيّم حندرات حوالى 80%، ما يجعله من أكثر المخيّمات تضرراً، مثل مخيّم درعا الذي تعرّضت 80% من بيوته للتدمير الممنهج والمقصود، وفي مخيّم خان الشيح، بلغت نسبة الدمار 30%، وتعرّضت بقية المخيّمات لأضرار متفاوتة بحسب موقعه وعدد سكانه.

ليس الدمار والحاجة إلى إعادة الإعمار التحدّي الوحيد الذي يواجه الفلسطينيين السوريين، إذ يعانون من نقص في الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وتراجع التعليم والخدمات الصحية، والانفلات الأمني، وانتشار البطالة والفقر. … ومع تراجع الدور المركزي لوكالة أونروا، بسبب نقص التمويل، تحاول السفارة الفلسطينية في دمشق سدّ جزء من الفراغ، عبر التعاون مع منظمّات عدّة لتقديم الخدمات اللازمة مثل؛ الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يقدّم خدمات طبية وإنسانية في المخيّمات الفلسطينية في سورية، ومنظمّة التحرير الفلسطينية التي تعمل على دعم حقوق الفلسطينيين وتقديم المساعدات المختلفة من خلال السفارة، مع استمرار دور أصغر لوكالة أونروا في تقديم خدمات تعليمية وصحية وإغاثية.

وتتفاوت أوضاع الفلسطينيين كثيراً بين المخيّمات المختلفة، إذ يشهد بعضها استقراراً نسبياً، بينما تعاني أخرى من مشكلات أمنية واجتماعية كبيرة، ولكنّ جميع المخيّمات تعاني من تردّي البنية التحتية، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية وعدم توفر فرص العمل.

ومثل جميع السوريين، يواجه الفلسطينيون السوريون تحدّيات رئيسية، أولها إعادة إعمار بيوتهم، والكشف عن مصير آلاف المعتقلين والمختفين، الذين خطفهم النظام خلال سنوات الثورة، ووضعهم في معتقلاته الرهيبة، وهذا كان الفعل الوحيد الذي صدق فيه النظام السابق، حين كان يقول: لا فرق بين الفلسطيني والسوري، فقد ساوى بينهم حقاً في الدمار والموت والاعتقال،

بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الفلسطينيون إلى تحسين الوضع القانوني، إذ يمكن للفلسطينيين في سورية الاستفادة من التغيرات السياسية لتحسين وضعهم، وضمان حقوقهم المدنية والسياسية في الدولة الجديدة. وعودة النازحين، داخلياً أو خارجياً، إذ يحتاج هؤلاء النازحون إلى دعم لإعادة بناء حياتهم واستقرارهم في مناطقهم الأصلية. ويمكن التعويل على التعاون الدولي لتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين، وتقديم الدعم اللازم لإعادة الإعمار.

على الرغم من التحدّيات الكبيرة، هناك آمال معلقة على مستقبل أفضل للفلسطينيين في سورية، في ضوء التغيرات السياسية والاجتماعية الجارية.

————————————-

زيتونة لا شرقية ولا غربية/ عبير داغر اسبر

24 يونيو 2025

الزيتونة المباركة شجرة الصراع السوري الجديد.

لا تُزرَع كما تُزرَع بقية الأشجار، بل تُغرس بالوجدان كما تُغرس القيم، وتُمنح ثمراتها اسماً كما يفعل الآباء بالأبناء: الصوراني، الدعيبلي، الخضيري، الدان، القيسي، الجلط، محزم أبو سطل… كل هذه ليست مجرّد أصناف، بل أنساب ضاربة في القدم. لكل نوع طعمه، وتاريخه، وقوامه الخاص، وذكراه المرمية للريح. فالزيتونة في الوعي السوري أكثر من شجرة: هي أصل الأنواع. شجرة لا تُزرع لك فقط، بل لنسلك من بعدك لتباركه بعد كل صلاة.

لهذا، بدا، بعد انتهاء فجيعتنا، أن إعادة تأهيل بساتين الزيتون دليلٌ على “عودة الدولة والحياة”، إذ لطالما رُبطت المناطق بمحصولاتها، فحضرت الشجرة الجليلة عبر مدنٍ وبلداتٍ امتدت شمالاً وجنوباً، من جبل سمعان وأعزاز، وكفرنبل إلى ازرع والصنمين، أما غرب البلاد فسكب شلالات زيته من منحدرات صلنفة والقرداحة. ناهيك عن حمص، في تلدو والحواش، حتى الزبداني ويبرود في ريف دمشق بأشجارها المعمّرة.

أما عن الحكاية، فقد حملتها مناطقنا، محوّلة كلّ ما فيها إلى رمز، فلم يكن الزيتون فيها مجرّد محصول يُقطف، يُعصر، ويُخمّر، بل رمزٌ لصمودٍ عنيد. وفيما كانت الطائرات تجرؤ على محو الحقول وإشعال الحرائق، بقيت شجرةٌ وحيدةٌ صامدة في العراء، كأنّها ترفع لافتة حرية: “نحن هنا، ما زلنا نثمر”.

كما لو أن تلك الشجرة بمحصولها الرباني المبارك تخوض حروبها عنا، أيقنت، بعدما أطعمت من جسدها وسقت من نسغها سلالات من بشر، أنها لم تعد مجرّد شجرة، بل صارت مكاناً للاصطراع، وجبهة رمزية مفتوحة في قلب “سورية الجديدة”.

ما بين زيتون الشمال وزيتون الغرب

ما زال محصول سورية من الزيت والزيتون يثير جشع المستغلين، لكن الخطابات الرسمية، على اختلاف مصادرها، لا تزال تستدعي شجرة الزيت المبارك رمزاً للثبات والبقاء. لكن رمزيةً كهذه تبدو مشوّهة، تُفرغ من مضمونها حين تُفرض على قرىً غُيّرت ديموغرافيتها، بالنزوح والتهجير حيناً وبالحرائق والحصار حيناً آخر، أو إعادة هيكلة غير بريئة لمشاريع إعادة إعمار، لا تلقِ أدنى اهتمام للذاكرة أو التاريخ.

عن نسغ الحياة، عن عروقنا التي جفّت.

قبل سنوات فجيعتنا الأربع عشرة، كانت سورية من كبار مصدّري الزيت، وكانت شجرة الزيتون رافعةً اقتصادية تصلنا بأقطاب العالم المنتج للزيت المبارك. أما اليوم، بعد انقسام بين شمال وغرب، فقد صار الزيتون “عملةَ بقاء”. ليس لأن المعاصر بحاجةٍ إلى إعادة تأهيل فقط، والأسواق انكمشت بسبب التهريب، لكن بسبب اجتياح الفساد البساتين الممتدّة على جغرافيا سورية بتعدّديتها، حيث حوّلت المليشيات تلك البساتين إلى غنائم، وأرض محروقة، بحيث لم تترك شيئاً إلا مسحته بالدم.

يعلم الكل أن زراعة الزيتون اليوم ليست بريئة. إنها، في أحيانٍ كثيرة، بيانٌ سياسي: من يزرع؟ ولمن؟ وفي أي سياق؟ وتحت أي راية؟ حتى فعل الزراعة البسيط يقبع في قلب الصراع.

في القرآن الكريم، وُصفت الشجرة الأولى بأنها “زيتونة لا شرقية ولا غربية”، وكأنها نبوءةٌ بأن تبقى هذه الشجرة متعامدة مع كل اتجاه للشمس، بعيدة عن تقسيم الضوء بين شرق وغرب. فهل سينجو زيتوننا بكل جهاته؟ الجواب مقلق، محيّر، فالصراع لم يعد بالرصاص فقط، ففلاحُ تلك الأرض يمسك بشجرته المباركة، يحفر لها وطناً للسلام في بلدٍ يتوق أن يحلّ عليه السلام. وهل سننجو بفضل بركات أشجارنا تلك؟ الجواب عند قطرات الزيت تُشعل سراج الضمير وتملأه نوراً من “كوكب دُرّي يوقد من شجرة مباركة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار”.

العربي الجديد

—————————————-

زيادة الرواتب في سوريا.. بين الضرورة الاجتماعية والمخاطر التضخمية/ ملهم جزماتي

أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرسومًا تشريعيًا يقضي بزيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 200% لجميع العاملين بالدولة، في خطوة تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، لكنها تثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد السوري على تحمل هذه الزيادة دون تفاقم الأزمة التضخمية.

تشمل الزيادة العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة، وشركات ومنشآت القطاع العام، والوحدات الإدارية، بالإضافة إلى جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50% من رأسمالها. كما يشمل هذا القرار مختلف أنواع العاملين المؤقتين والمتعاقدين، بشرط ألا يزيد راتبهم التعاقدي عن راتب الموظف الدائم من نفس المؤهل. ونص المرسوم أيضًا على رفع الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع الخاص والتعاوني والمشترك ليصبح 75,000 ليرة سورية شهريًا.

على الرغم من أن الزيادة بنسبة 200% تبدو كبيرة اسميًا، فإن الاقتصاد السوري يعاني من تضخم مفرط وتدهور مستمر في قيمة الليرة السورية. إذا لم تترافق هذه الزيادة مع إجراءات حقيقية لضبط الأسعار وزيادة الإنتاج المحلي، فإن قيمتها الشرائية ستتآكل بسرعة، وقد لا يشعر المواطن بتحسن كبير في مستوى معيشته على المدى الطويل.

النقطة الأبرز في المرسوم هي أن الزيادة لا تسري على العاملين المدنيين والعسكريين المشمولين بأحكام قانون العاملين الأساسي رقم “53” لعام 2021 الصادر عن “حكومة الإنقاذ السورية (سابقًا)”. هذا يعني أن الموظفين الذين كانوا يتبعون الإدارة السابقة في مناطق مثل إدلب مستثنون من هذه الزيادة المباشرة. يبدو أن هذا الاستثناء نتيجة رغبة الحكومة في توحيد رواتب وأجور العاملين في مختلف أرجاء سوريا، فمتوسط الرواتب والأجور في مناطق النظام سابقًا والذين شملهم المرسوم يبلغ قبل الزيادة 30 دولارًا وسطيًا، في حين أن متوسط الرواتب والأجور في مناطق حكومة الإنقاذ سابقًا يبلغ 125 دولارًا وسطيًا. بعد تطبيق الزيادة، ستصبح رواتب موظفي مناطق النظام السابق حوالي 90 دولارًا، مما يقلل الفجوة مع رواتب موظفي مناطق الإنقاذ السابقة. طبعًا يجب ملاحظة أن هناك العديد من العاملين تم توقيفهم عن العمل، كما أعلنت الحكومة عن وجود العديد من الأسماء الوهمية تتقاضى رواتب إبان النظام البائد، ولكن لا يوجد أرقام دقيقة عن عدد هؤلاء الموظفين الذين تم شطبهم مؤخرًا.

اختلاف سلم الرواتب بين المنطقتين يخلق نظامًا مزدوجًا للرواتب داخل دولة واحدة، وهذا أمر سلبي جدًا، كما له آثار سلبية على المستوى الاجتماعي، ويخلق شعورًا بالظلم. لكن محاولة توحيد هذا النظام تتطلب وقتًا وتدرجًا في التطبيق لتجنب الصدمات الاقتصادية والاجتماعية.

تضمن المرسوم نقطة مهمة جدًا، وهي إعطاء وزير المالية صلاحية اتخاذ القرار في تمويل هذه الزيادة. من المعلوم أن جزءًا من هذه الزيادة سيتم تمويله قطريًا عبر المنحة التي قدمتها قطر للحكومة السورية بهدف زيادة الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام في سوريا. بالعودة إلى إعلان الحكومة السورية عن المنحة القطرية، فقد رافق الإعلان وعد قطعته الحكومة بزيادة الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام بنسبة 400%، على أن تتم هذه الزيادة على مراحل.

مع الأخذ بعين الاعتبار عدد العاملين في القطاع العام السوري البالغ 1.25 مليون عامل حسب تصريح وزير المالية في الحكومة الانتقالية السابقة محمد أبا زيد، ويتقاضى كل عامل راتبًا قدره 30 دولارًا وسطيًا، وبعد الزيادة سيصبح 90 دولارًا، نجد أن إجمالي فاتورة الرواتب ستصبح 112.5 مليون دولار شهريًا. أي أن الحكومة ستواجه عجزًا إضافيًا في تغطية الرواتب والأجور بعد الزيادة بمقدار 75 مليون دولار شهريًا. إذًا ما هي المصادر التي سيعتمد عليها وزير المالية في تغطية هذا العجز، مع ملاحظة أن الحكومة ما زالت حتى الآن تواجه مشاكل في تمويل الرواتب والأجور قبل الزيادة، ويتضح ذلك من خلال تأخر تحويل هذه الرواتب، وهذا التأخر يصل لأكثر من شهر في حالات كثيرة.

اقتصاديًا، لدى الحكومة السورية خياران لتغطية هذا العجز في ظل بقاء الناتج القومي الإجمالي على حاله، وعدم تطوير وسائل الإنتاج، وعدم وضوح الخطة الاقتصادية حتى الآن. الخيار الأول هو طباعة المزيد من العملة السورية، فإذا لجأت الحكومة إلى طباعة كميات إضافية من الليرة السورية لتمويل هذه الزيادات (وهو سيناريو محتمل في ظل شح الموارد الأخرى)، فإن ذلك سيزيد من المعروض النقدي دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات. هذا سيؤدي مباشرة إلى تدهور قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، ومن المعلوم أن تدهور قيمة الليرة يجعل الواردات التي تعتمد عليها سوريا بشدة للغذاء والوقود والمواد الخام أكثر تكلفة، مما يغذي التضخم المستورد.

أما الخيار الثاني والأكثر منطقية وواقعية، فهو تمويل هذا العجز عن طريق المنح والمساعدات الدولية. هذه المساعدات ستساعد بكل تأكيد الخزينة السورية على زيادة احتياطاتها من النقد الأجنبي، وتجنيبها طباعة المزيد من العملة المحلية، ما يؤدي إلى تجنب الآثار التضخمية التي ذكرناها آنفًا. لكن هذا الخيار يتطلب التزامًا دوليًا مستمرًا، وهو ما قد لا يكون مضمونًا على المدى الطويل.

تجارب دول مجاورة مرت بظروف مشابهة تظهر دروسًا مهمة. في لبنان، أدت زيادة الرواتب دون إصلاحات هيكلية إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية. في العراق، ساعد الاعتماد على المساعدات الخارجية في استقرار الرواتب مؤقتًا، لكن دون حل جذري للمشاكل الاقتصادية. أما في الأردن، فقد حقق التدرج في الإصلاحات مع الدعم الدولي نتائج أفضل وأكثر استدامة.

كلف المرسوم وزير المالية بتعديل جداول الأجور وإصدار التعليمات التنفيذية اللازمة، بما في ذلك تحديد مصدر تمويل هذه الزيادة. يبدأ العمل بالمرسوم اعتبارًا من أول الشهر الذي يلي تاريخ صدوره (أي في 1 من تموز 2025). هنا يجب التأكيد على ضرورة الإسراع في إصدار التعليمات التنفيذية للقرار، لأن الحاجة إلى تعديل جداول الأجور وإصدار تعليمات تنفيذية من قبل وزير المالية قد تؤدي إلى تأخير في التطبيق أو ظهور بعض التعقيدات البيروقراطية، وعدم فقدان الثقة في المنظومة الاقتصادية السورية.

وبينما تهدف زيادة الرواتب إلى تخفيف المعاناة الاقتصادية للمواطنين، فإنها في غياب خطة اقتصادية شاملة لزيادة الإنتاج المحلي، واستقرار العملة، وتأمين مصادر تمويل مستدامة (مثل الاستثمار الأجنبي أو زيادة الصادرات أو المساعدات الكبيرة)، من المرجح أن تفاقم الضغوط التضخمية الشديدة في سوريا. قد توفر هذه الزيادة راحة مؤقتة، لكن التأثير طويل المدى سيكون على الأرجح مزيدًا من تدهور قيمة الليرة السورية واستمرار تآكل القوة الشرائية للمواطن العادي.

يعتمد نجاح هذا الإجراء في تحسين مستويات المعيشة بشكل حقيقي على قدرة الحكومة على السيطرة على التضخم وتحفيز الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يمثل تحديًا هائلًا يتطلب رؤية استراتيجية واضحة ودعمًا دوليًا مستمرًا.

عنب بلدي

—————————————–

آليات عودة اللاجئين السوريين: حلول واقعية متعددة الأبعاد بين الأمن والعدالة وإعادة الإعمار/ سامر بكور إبراهيم خولاني

نشر في 24 حزيران/يونيو ,2025

تمثّل قضية عودة اللاجئين السوريين واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا، في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وبدء عمليات بناء الدولة الجديدة، إذ أسفرت سنوات الحرب عن تهجير أكثر من 13 مليون سوري، وتحوّلت العودة إلى الوطن، من مجرد رغبة فردية، إلى مسألةٍ ترتبط بالتحولات السياسية وإعادة إنتاج العلاقة بين المواطن والمؤسسات. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية، مفادها أن قرار العودة لا يُبنى على العامل الأمني وحده، بل يتأثر بتفاعل مركّب بين ظروف داخلية في سورية من ضغوط اقتصادية واجتماعية، وتحولات قانونية وإدارية، وتصورات نفسية وسوسيولوجية للاجئين أنفسهم، فضلًا عن سياسات الدول المضيفة. وبمقاربة تجربة البوسنة، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل محددات العودة المحتملة وتفسير التعقيدات المرتبطة بها، مستندة إلى إطار نظري متكامل. واعتمدت الدراسة منهجية نوعية، مستندة إلى تحليل بيانات وتقارير منظمات دولية، وإجراء عدد من المقابلات شبه المنظمة. وتصل الدراسة إلى أن تحقيق عودة آمنة وكريمة يستلزم تحوّلًا بنيويًا واسعًا يشمل العدالة الانتقالية، والمساءلة القانونية، وإعادة الإعمار بكل جوانبها، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة. وتؤكد النتائج أن عودة اللاجئين إن لم تُدرج ضمن تسوية سياسية شاملة تُعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة على أسس من الحقوق والكرامة والمواطنة، فإنها ستظل غير مستدامة.

يمكنكم قراءة البحث كاملًا من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.

  تحميل الموضوع

مركز حرمون

—————————-

المزة 86″:من حيٍّ محصّن…إلى اختبار للعدالة ما بعد الأسد/ مصطفى الدباس

الأربعاء 2025/06/25

يبدو أن بياناً صادراً عن لجنة أحياء منطقة المزة في دمشق، حيث وصف حي “المزة 86” بأنه مُقام على “أراضٍ مغتصبة” جرى الاستيلاء عليها بقوة السلاح زمن حافظ الأسد، قد أعاد قضية الحي إلى الواجهة. وطالب البيان الذي نشر في مواقع التواصل الاجتماعي، بإعادة هذه الأراضي لأصحابها الأصليين، وأكد أن كل عمليات البيع والشراء التي تمت فيها باطلة قانوناً، كون الحي بأكمله خارج التنظيم ولا يخضع لأي طابو رسمي.

لكن البيان، وإن صِيغ بلغة قانونية، إلا أنه في جوهره يعيد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في دمشق، ملف لا يقتصر على ملكية الأرض أو صفقات بيع غير شرعية، بل يمتد إلى طبيعة نظام الأسد نفسه، وتركيبته الأمنية والاجتماعية، وطرق ضبطه للمجتمع عبر آليات لم يكن السكن إلا واحدة من أدواتها.

وتعليقاً على البيان، قالت الناشطة المدنية والعاملة في مجال الحريات العامة، أمل حميدوش، في حديث مع “المدن”، أن “من يمتلك حقاً مثبتاً ولجأ إلى قضاء عادل، ينبغي أن يُنصَف ويُعوَّض، فذلك من أبسط مفاهيم العدالة”. لكنها حذرت في المقابل من نبرة البيان، التي وصفتها بأنها “انتقائية، وتحمل نَفَساً انتقامياً وطابعاً طائفياً مبطناً، وكأنها تحمّل سكان الحي ككتلة واحدة وزر قرارات اتخذتها السلطة في مرحلة سابقة”.

وأضافت حميدوش أن حي المزة 86 “لا يقتصر على العلويين كما يروج البعض، بل يسكنه سوريون من مختلف الطوائف، خصوصاً بعد الثورة، حيث لجأ إليه كثيرون من إدلب وحلب ودير الزور، إضافة إلى أسر كردية، باعتباره منطقة كانت آمنة نسبياً، وأصبح العديد من هؤلاء من ملاك العقارات فيه”.

وأشارت حميدوش إلى أن حصر النقاش في المزة 86 فقط “يغفل أحياء أخرى شهدت انتهاكات مماثلة، بل أوسع بكثير، مثل منطقة الرازي التي جرى اقتلاع مئات الهكتارات من أراضيها الزراعية، بهدف إنشاء مشاريع تجارية لصالح السلطة ورجال أعمالها، من دون أي تعويض حقيقي للمتضررين”.

وختمت حميدوش: “إذا أردنا فعلاً بناء عدالة انتقالية في سوريا، فعلينا أن نرفض تصنيف المظالم وفق الانتماء السياسي أو الطائفي. لا يمكن أن نخدم السلم الأهلي من خلال معالجات مشحونة بثقافة الثأر. ما نحتاجه هو روح العدالة، لا روح الانتقام”، مضيفة أن هناك قرى يتم إخراج أهلها العلويين منها في ريف حماه الشمالي، لكنها لا تحظى بالتغطية الإعلامية نفسها، بسبب تغير الظروف السياسية والجهات الحاكمة في سوريا.

الحي الذي ولد من رحم السلطة

ونشأ حي “المزة 86” في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، عندما قررت سرايا الدفاع، بقيادة رفعت الأسد، الاستيلاء على أراضٍ زراعية في سفوح جبل المزة، كانت مملوكة لعائلات دمشقية، وجرى توزيع هذه الأراضي على عناصر أمنية وعسكرية، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، وسُمح لهم بالبناء عليها من دون أي تراخيص، ومن دون إشراف هندسي من المدينة.

وحمل الحي اسمه من كتيبة “86” التابعة لسرايا الدفاع، وهي الكتيبة التي أشرفت على تلك المنطقة حينها، وسرعان ما توسع الحي من دون تخطيط، وانقسم داخلياً إلى “المزة 86 مدرسة” و”المزة 86 خزان”، وبات ملاذاً حصرياً لعناصر الأمن والجيش، وأسرهم، وأبناء شبكات الولاء التي صنعتها السلطة بعناية على مدار عقود.

ولم يكن الحي مخالفاً بالمعنى التقليدي فقط، بل كان مشروعاً سياسياً صريحاً، استُخدم لتوطين الموالين للنظام، وتوفير امتيازات سكنية لهم، بعيداً من الرقابة القانونية، وفي الوقت نفسه، ضمن حدود العاصمة، ولم تُقدم هذه الامتيازات بوصفها حقوقاً، بل كمكافآت على الولاء.

وتحول الحي إلى حالة شاذة في جسد دمشق، كل شيء فيه كان خارج المنطق العمران، بدءاً من الأبنية الملتصقة ببعضها والشوارع الضيقة، والخدمات بائسة، وليس انتهاءً بالبنية التحتية المتهالكة، لكن الحماية السياسية كانت كفيلة بتغطية ذلك كله. وفي حين كان النظام يلاحق سكان العشوائيات في مناطق أخرى بالإزالة أو الغرامات، كان “المزة 86” يتوسع بلا رادع، لأنه لم يكن فقط حيّاً، بل أداة ضبط.

ما بعد السقوط: فراغ وتحوّلات

وبعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخل الحي في مرحلة جديدة وبدأت تظهر تصدعات في البنية السياسية والاجتماعية التي كانت تحكمه، حيث سلّم العديد من سكانه أسلحتهم، خصوصاً أولئك الذين عملوا مع الفروع الأمنية أو الجيش، في حين غادرت عائلات كاملة بصمت، خوفاً من انتقام متوقع أو من نبذ اجتماعي، بعدما ارتبط اسمها علناً بسلطة سقطت وهرب رئيسها خفية إلى روسيا، تاركاً وراءه آلاف الموالين الذي استفادوا من وجوده لعقود.

لكن في المقابل، لم يكن الحي كتلة موالية واحدة، فبين من عاشوا فيه أيضاً معارضون للأسد، بعضهم من أبناء الطائفة العلوية نفسها، عاشوا عقوداً في عزلة وخوف، داخل بيئة تدار بالشبهة والولاء، ولم يستفد هؤلاء من الامتيازات المقدمة، ولم تكن لهم يد في الاستيلاء، بل دُفعوا إلى الهامش، في حياتهم وفي انتمائهم.

وهنا تحديداً تكمن المعضلة الأخلاقية: هل تتم مساءلة جماعية لأهالي حي، لمجرد أنهم سكنوا في مكان بني على الظلم؟ هل يمكن نزع ملكيات عمر كامل، من دون التمييز بين المستفيد والمهمش، بين المستوطن السياسي، والمولود الذي لا يعرف غير هذه الأرض بيتاً؟

واليوم، تشير التقديرات إلى أن الحي يضم ما بين 150 إلى 200 ألف نسمة، كثيرون ولدوا فيه، ولم يشاركوا في أي استيلاء، ولا يملكون مأوى آخر، ومع ذلك، يفتقر معظمهم إلى أي أوراق ملكية قانونية، ويعيشون في بيوت مهددة قانونياً وإنسانياً.

والحال أن فتح ملف الحي لا يُفترض أن يكون تصفية حسابات مع حقبة سابقة، بل مدخلاً جاداً لنقاش يتجاوز مسألة العقار، إلى سؤال: كيف تبني عدالة انتقالية في بلد تفكك فيه القانون، وتحول إلى أداة قمع؟ كيف تُعيد الأرض إلى أصحابها، من دون أن تخلق مظلومين جدداً؟ وهل تكفي أدوات القضاء لإغلاق جراح مفتوحة، أم أننا بحاجة إلى ميثاق أخلاقي  وسياسي، يعيد تعريف العلاقة بين الناس، والدولة، والأرض؟

اختبار أخلاقي وقانوني لسوريا الجديدة

لم يكن حي “المزة 86” مجرد حي مخالف، بل مرآة مصغرة للنظام السوري، في توزيع السلطة، وتحويل القانون إلى أداة انتقائية، وخلق الولاء من خلال الامتيازات، وما يجري اليوم، هو أول تصادم فعلي بين إرث القوة، وحلم العدالة.

ولذلك، فإن مستقبل الحي لا يجب أن يقاس فقط بعدد القضايا المرفوعة، ولا بعدد العقارات المستعادة، بل بقدرة المجتمع على أن التفريق بين الجريمة والمنشأ، بين الفساد والمكان، وبين المعاقبة والتصحيح، وبهذا فإن المزة 86 قد لا يكون مجرد حي بل اختباراً مبكراً ومركباً للعدالة في سوريا ما بعد الأسد.

المدن

—————————————–

 “جنسيتي من حقن”.. مطلب قديم للسوريات هل تفتح السياسة له بابا جديدا؟/ زينب مصري

2025.06.26

“مرارة عميقة وحزن كبير أشعر به في داخلي، فرغم كوني الأم لا أملك الحق القانوني في منح أبنائي جنسيتي السورية. هذا ليس مجرد قانون ناقص، بل هو إنكار لجوهر الأمومة ولأحد أبسط حقوقي كإنسانة”.

لا يقتصر هذا الشعور الذي عبّرت عنه السورية نور بيطار على حالة فردية في بلدان الشتات، بل يمتد ليشمل آلاف السوريات في الداخل السوري حيث يواجهن واقعًا متشابهًا في ظل استمرار العمل بقانون الجنسية السوري منذ نحو ستين عامًا والذي يسلبهن حقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن غير السوريين.

طُرح مشروع تعديل قانون الجنسية السوري في “مجلس الشعب” مرات عديدة خلال العقدين الماضيين، وظهرت بوادر للمضي قدمًا عام 2011 بعد إصدار رئيس وزراء النظام المخلوع حينها عادل سفر قرارا بتشكيل لجنة حكومية لدراسة مشروع تعديل القضايا المرتبطة بالجنسية، خاصة أبناء الأمهات السوريات المتزوجات من أجانب.

لكن غياب الإرادة السياسية للنظام البائد للتعديل وتذرعه بالتغيير الديموغرافي الذي قد ينجم عن منح الجنسية لأبناء السوريات من الأجانب وخاصة الفلسطينيين، وحجته بمحاربة “الإرهاب” بعد قيام الثورة السورية، حال دون ترجمة هذه المحاولات إلى تغيير فعلي.

اليوم، ومع التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام في 8 من كانون الأول 2024، تجد السوريات أنفسهن أمام فرصة لكسر التمييز ضدهن بدعم من العديد من المنظمات النسوية التي تسعى لتسليط الضوء على التبعات القانونية والاجتماعية التي يعاني منها أبناء السوريات، خاصة المعرضين منهم لخطر انعدام الجنسية.

نساء سوريا.. “شعور بالتمييز”

تقول نور وهي سورية متزوجة من مواطن تركي وأم لطفلين إنها كثيرًا ما شعرت بالتمييز، وخاصة عندما ترى أمهات في دول أخرى، كتركيا مثلًا، قادرات على منح أبنائهن الجنسية بكل بساطة. ففي تلك اللحظات، تشعر أنها “أقلّ قيمة، ليس كأم فقط، بل كمواطنة أيضًا”، متسائلة: “هل يُعقل أن يُربط انتماء الطفل بجنسية الأب فقط وكأن دور الأم لا يتجاوز حدود العاطفة والرعاية؟”.

حصل أبناء نور على الجنسية التركية فقط، لكن لو حصلا على الجنسية السورية أيضًا ستشعر أن هويتهم “مكتملة وأن لهم جذورًا واضحة في وطنهم الأم سوريا”، بحسب ما تضيفه في حديث لموقع تلفزيون سوريا، و”سيكون لديهم الحق في الانتماء، وفي التعليم وفي التملك، وفي كل ما يُبنى عليه المستقبل بثقة، أما إن لم يحصلوا عليها، فسيبقون “معلّقين بين الهويات، غرباء في بلد أمهم، محرومين من أبسط الحقوق، وهذا ما لا تريده لهم أبدًا”.

وتطلب نور من الحكومة السورية الجديدة أن تعي حجم الظلم الذي تتعرض له الأمهات السوريات، وأن تكون هذه المرحلة الجديدة فرصة لتصحيح هذا الخلل التاريخي، بحسب وصفها، كما ترجو من المنظمات الدولية أن ترفع الصوت مع الأمهات السوريات، وأن تُطالب بقانون يضمن المساواة في الحقوق، ويعترف بالأم كمصدر للجنسية، تمامًا كما هو الأب.

سوريات يطالبن بمنح أبنائهن الجنسية

هذه المطالبات التي وجهتها نور لم تكن جديدة، وإنما هي امتداد لأصوات نسائية طالبت على مدار عقود بالتغيير وعملت خلال سنوات الثورة السورية على رفع الوعي بمشكلة أبناء السوريات وحرمانهم من حقوقهم الأساسية سواء كانوا يعيشيون في الداخل السوري أم في بلدان آبائهم.

ومن بين هذه الأصوات برزت مبادرة “جنسيتي من حقن” التي انطلقت نتيجة للتزايد الملحوظ بعد عام 2011 في أعداد الأطفال عديمي الجنسية المولودين لأمهات سوريات، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد المخلوع، حيث واجهت كثير من النساء صعوبات جدية في تسجيل أطفالهن ومنحهم الجنسية، لأسباب متعددة تتعلق بالقوانين السورية، وبالوضع الأمني والسياسي المتغير.

انطلقت المبادرة عام 2017 وهي مبادرة حقوقية أطلقها فريق “ورشة”، بعد توثيق حالات متزايدة لأمهات سوريات غير قادرات على تسجيل أطفالهن، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة الأطفال وحقوقهم الأساسية في التعليم والرعاية الصحية والتنقل وحتى إثبات الوجود القانوني، بحسب مؤسسة ومديرة الحملة، رشا الطبشي.

وقالت الطبشي في مراسلة إلكترونية مع موقع تلفزيون سوريا: “منذ البداية، كنا ندرك أن هذه ليست أزمة طارئة أو ظرفية، بل مشكلة قديمة ومتجذرة في البنية القانونية السورية، وممتدة في مختلف المناطق الجغرافية السورية، حتى قبل الثورة. لكن بعد مرور سنوات على انطلاق الثورة، ومع تفاقم التحديات السياسية والقانونية والاجتماعية، أصبحت هذه القضية أكثر إلحاحًا وتعقيدًا، وتحتاج إلى تحرك جدي لضمان حقوق الأمهات وأطفالهن، وفتح نقاش حقيقي حول المرسوم التشريعي رقم 276 الخاص بالجنسية وآثاره التمييزية”.

حملة “جنسيتي من حقن”.. ما مطالبها؟

المطلب الأساسي لحملة “جنسيتي من حقن” هو تعديل المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969، وفق ما أضافته، ليكفل المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في حق نقل الجنسية إلى الأبناء والبنات، دون شروط تمييزية مبنية على جنس أحد الوالدين أو جنسية الطرف الآخر.

وتطالب الحملة بأن يكون حق منح الجنسية حقاً للام كما للأب، بما ينسجم مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في الإعلان الدستوري والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها سوريا، بالإضافة إلى إيجاد حلول فورية وبأثر رجعي لجميع المتأثرين والمتأثرات بهذا التمييز، وثتبيت حقهم في الجنسية السورية، ما يضمن وصولهم إلى الحقوق الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والعمل والتنقل وغيرها.

وبانتظار تعديل قانون الجنسية، أشارت الطبشي إلى المطالبة بإجراء تعديلات فورية على القرارات والسياسات والقوانين المعمول بها، بما يضمن أن يعامل أبناء وبنات السوريات معاملة المواطنين السوريين في كل مجالات الحياة اليومية والحقوق الأساسية.

تحديات وعراقيل

في المراحل الأولى من إطلاق الحملة كان أبرز ما واجهه الفريق هو غياب الإرادة السياسية لتعديل قانون الجنسية وعدم قدرته على العمل في مناطق النظام السابق، إلى جانب صعوبات كبيرة في إيصال أصوات المتضررات داخل سوريا، خاصة بسبب القيود الأمنية والمخاطر المرتبطة بالعمل الحقوقي. 

أما اليوم، وعلى الرغم من توسع النقاش حول القضية، فإن التحديات ما زالت مستمرة ولكنها باتت مختلفة، من أبرزها غياب البيانات الرسمية الدقيقة حول أعداد المتأثرين، ما يصعب قياس حجم المشكلة بشكل واضح وتقديم أدلة داعمة لمطالب الحملة، بحسب الطبشي.

وتحدثت الطبشي عن التحديات الاجتماعية كاستمرار النظر النمطية لدور المرأة، وإنكار أو التقليل من أهمية حقها في منح الجنسية إلى جانب ضعف وعي المجتمع بحجم المشكلة وآثارها القانونية والإنسانية، مشيرة إلى استمرار عملهم على معالجة هذه التحديات من خلال التوعية المجتمعية وجمع الشهادات والعمل على إنتاج معرفة بديلة تبرز حجم التمييز القائم وآثاره.

رسالة إلى الحكومة السورية الجديدة

وتوجهت الطبشي برسالة إلى الحكومة الجديدة مفادها أنّ الآوان قد آن لإنهاء التمييز ضد النساء في قانون الجنسية، إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح أو عن مستقبل عادل لسوريا في ظل استمرار قوانين تميز ضد نصف المجتمع، وتحرم الأمهات من أبسط حقوقهن في منح الجنسية، فتعديل هذا القانون ليس مطلباً حقوقياً فقط بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع سوري متماسك، يضمن العدالة لجميع المواطنين والمواطنات ويحمي أبناءه وبناته من التهميش والحرمات بسبب جنس أحد الوالدين.

وأردفت أن قانون الجنسية يشكل اختباراً حقيقياً لجدية أي سلطة في احترام مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون وحقوق الإنسان، في سياق المرحلة التي تمر بها سوريا، والتي يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو العدالة والمساواة وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وأكدت الطبشي أن مسؤولية التغيير لا تقع على عاتق الحملة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية، يشارك فيها كل فرد في المجتمع.

قانون الجنسية السوري.. “انتهاك دستوري”

يمنع قانون الجنسية السوري

الصادر عام 1969 والذي ما يزال معمولًا به إلى يومنا هذا المرأة السورية من منح جنسيتها لأولادها أو زوجها، ويعد مخالفة واضحة لنصوص الإعلان الدستوري

المؤقت في المادة رقم “10” التي تنص على أن “المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو النسب”.

كما يخالف القانون الإعلان الدستوري في المادة رقم “12” التي تنص على أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية تعد جزءًا لا يتجزأ من الإعلان.

وتُبيّن المادة رقم “51” أن القوانين السابقة تظل نافذة إلا إذا عدلت أو ألغيت، مما يعني أن قانون الجنسية (276/1969) يجب تعديله إذا خالف الإعلان، وهنا واضح أن الإعلان يُلزِم بأن تُتاح للأم السورية الحق الدستوري نفسه في منح الجنسية لأطفالها كما يُمنح للأب، ويعتبر أي تمييز في هذا السياق انتهاكًا دستوريًا، بحسب ما أوضحه المختص بالقانون الدولي والمدافع عن حقوق الإنساني المعتصم الكيلاني.

وقال الكيلاني لموقع تلفزيون سوريا إن المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 يعتمد مبدأ “الدم”، ما يعني أن الجنسية تُنقل بشكل أساسي عبر الأب بغض النظر عما إذا وُلد الطفل داخل سوريا أو خارجها، ولا يحق للأم السورية منح الجنسية إلا في حالة استثنائية (غياب الأب أو عدم إثبات النسب)، وبشرط أن ولادة الطفل تكون داخل سوريا، وهذا التفسير القانوني يتعارض مع المادة “10” من الإعلان الدستوري المؤقت في البلاد، التي تشدد على عدم التمييز القائم على النسب أو الجنس.

خرق للالتزامات الدولية

وأضاف أنه بوجود المادة رقم “12” في الإعلان الدستوري المؤقت في البلاد، فقد أصبح القانون الوطني ينطبق عليه تلقائيًا إطار الالتزام بالمعايير الدولية، والمشروع الحالي في قانون الجنسية يتناقض مع المعايير التالية:

    اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) – المادة 9 (2): تكفل حق الأم بمنح الجنسية لأبنائها دون تمييز جنساني.

    اتفاقية حقوق الطفل (CRC) – المادة 7: تؤكد على حق الطفل في حفظ جنسيته وعدم حرمانه تعسفيًا.

    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) – المادة 15: لكل شخص حق في جنسية، ولا يجوز تجريده منها تعسفيًا.

    ميثاق الأمم المتحدة – المادتان 1 (تقرير المصير) و55 (احترام حقوق الإنسان والمساواة).

وانتهاك هذه المواد يعني أن القانون السوري الحالي يخرق التزاماته الدولية، ويُعد، من منظور الإعلان، قانونًا يتعين تعديله.

فرصة للتغيير

والفرصة متاحة لتعديل القانون في ظل الظروف السياسية الحالية، بحسب الكيلاني، خاصة إذا تم تطبيق ضغوط داخلية من المجتمع المدني والوزراء وضغوط دولية كالأمم المتحدة والشركاء الدوليين من أجل تعديل القانون ليتسق مع الإعلان الدستوري المؤقت للبلاد.

فسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 أدى لإصدار الإعلان المؤقت في آذار 2025، الذي بُني على صيغة دستورية مؤقتة تدوم خمس سنوات، وبالتالي فإن مجلس الشعب الانتقالي والذي يُشكّل ثلثه من ترشيح رئيس الجمهورية والباقي عبر انتخابات مقيدة يمتلك صلاحية اقتراح وتعديل القوانين والمصادقة عليها، بموافقة ثلثي أعضائه.

ووفق المادة “51”، يمكن لمجلس الشعب إلغاء أو تعديل قانون الجنسية، بشرط توفر النص الدستوري الملزم، أي الإعلان المؤقت.

من يمكنه الدفع بالتعديل؟

وبيّن الكيلاني أن هناك أربع جهات يمكنها الدفع بهذا التعديل وهي البرلمان السوري الانتقالي الذي يمتلك السلطة التشريعية لتعديل أو إلغاء القانون، بتصويت ثلثي الأعضاء، واللجنة الدستورية المكلفة بإعداد الدستور الدائم التي تمتلك صلاحية إدراج بند يضمن نقل الأم للجنسية لطروحاتها، مما يُسهل التشريع لاحقًا.

كما أن الحكومة الانتقالية قادرة على تقديم مسودة تعديل مع الاعتماد على نصوص الإعلان ومواد الإعلان المؤقت، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني النسائية والحقوقية من خلال تنظيم الضغوط القانونية والرأي العام للتأثير على البرلمان الانتقالي لاتخاذ القرار.

تلفزيون سوريا

——————————–

تحديات تواجه سوريا للانخراط في نظام سويفت وتداول الدولار/ حسن الشاغل

28/6/2025

لا شك في أن عودة سوريا إلى نظام سويفت يساهم في فتح قنوات التحويلات المالية الدولية، ويقلّص الاعتماد على الوسائل غير الرسمية باهظة التكلفة، مثل السوق السوداء أو وسطاء التحويل.

ويسهم استئناف سويفت في تسهيل تحويلات المغتربين، وأموال المستثمرين، والأموال المحتملة لإعادة الإعمار، والتي قدرتها العديد من المؤسسات المالية الدولية بـ400 مليار دولار.

وسيكون لعودة العمل بنظام السوفيت دور لوضع خطة لتحديث المصارف، وتعزيز سلسلة الامتثال، وإطلاق المؤسسات الضامنة للودائع، مع تعزيز الثقة أمام المستثمرين.

لكن بحسب العديد من المراقبين والمتابعين تشهد عملية العودة إلى نظام سويفت بعض التحديات التي لا بد من إزالتها والتعامل معها من قبل الحكومة السورية، ومن جانب آخر لا تزال غالبية البنوك السورية غير مسموح لها بالقيام بمعاملات مالية مقيمة بالدولار.

غالبية البنوك السورية غير مسموح لها بالقيام بمعاملات مالية مقيمة بالدولار (غيتي)

آليات التعامل مع سويفت

يقول الخبير في الاقتصاد السوري يونس الكريم، في تصريح خاص للجزيرة نت، أن آليات عمل نظام سويفت معقدة، وهي شبكة اتصالات مالية، وسويفت ليس مؤسسة قادرة على التعامل مع دولة ما فور رفع العقوبات عنها، مثل سوريا.

ويعرض الكريم مجموعة من الشروط، التي وصفها بالتحديات، والتي يجب أن تنفذ من عدة أطراف حتى تعود سوريا إلى نظام سويفت:

    أولا، الموافقة التقنية من الفدرالي الأميركي، الذي يعد الراعي والمسؤول عن شبكة اتصالات نظام سويفت. ويصنف الفدرالي على أنه بنك العالم باعتباره متحكما بالدولار.

    ثانيا، وجود الموثوقية والشفافية، في التعامل مع المصارف السورية، وعدم وجود مخاطر، ويوضح الكريم هنا عددا من المخاطر:

    – سياسة حبس السيولة التي ما زالت المصارف السورية تتبعه، وهو ما يعني أن أموال المودعين لا يمكن سحبها سواء كان العميل مستثمرا أو منظمة أو فردا، وبالتالي يمنع هذا الإجراء الكثير من العملاء من استخدام نظام تحويل سويفت عبر البنوك السورية، وذلك خوفا من حبس السيولة.

    – قيام شركة شام كاش بالعديد من العمليات المالية للحكومة، وهي شركة غير رسمية، وهذا الأمر، بحسب الكريم قد يشكل تهديدا للشفافية في المصارف الدولية.

    ثالثا، يرى الكريم أن العقوبات المفروضة على سوريا لم ترفع بشكل كامل، بل علقت لمدة معينة، وهو ما يجعل البنوك والمصارف الدولية متخوفة من العمل مع المصارف السورية.

    رابعا، لتسريع الانضمام إلى نظام سويفت يمكن الاستفادة من بنوك قطر وتركيا لتكون بنوكا مرسلة وضامنة، إلا أنه لا يوجد ضامن لعمليات المراسلة إلى الآن من بنوك الدول الصديقة.

بالتالي، لا يمكن القول إن سوريا جاهزة لاستخدام نظام سويفت بشكل طبيعي، بل يتطلب ذلك تخطي بعض المراحل والتحديات أو شروط معينة.

تحدي تداول الدولار

ما زالت سوريا خاضعة لمجموعة من العقوبات الثانوية المرتبطة بشخصيات كانت تعمل لحساب النظام المخلوع، وهذه الشخصيات تمتلك حصصا سهمية ونفوذا على المصارف والبنوك في سوريا.

في هذا السياق، يقول الكريم للجزيرة نت إن البنوك السورية الخاصة غير مسموح لها بالتعامل والتداول بالدولار، (مثل بنك سوريا الدولي الإسلامي، وبنك بيمو، وغيرها) حيث تخشى هذه البنوك التعامل بالدولار لأنها خاضعة للعقوبات بشكل مباشر أو عبر أعضاء مجلس إدارتها للعقوبات الأميركية الثانوية التي قد تطال شركاءها أو مسؤوليها الخاضعين للعقوبات الدولية.

ولهذا السبب لم يتم تفعيل بعد نظام السويفت الدولارية لهذه البنوك رغم استعادة رموز “سويفت” (SWIFT).

وقد سمحت الحكومة السورية للبنك التجاري السوري فقط “سي بي أو إس” (CBOS) بتداول الدولار واستخدامه للعمليات المالية الدولية، التي يعتقد أنها كانت تحت بند العامل الإنساني.

وعند منح استثناءات أو تراخيص جزئية (كما حدث في مايو/أيار 2025 بترخيص من “أو إف إيه سي” OFAC)، فضّلت الحكومة السورية توجيه العمليات الدولارية عبر بنك واحد فقط، وهو البنك التجاري، وذلك لعدة أسباب بحسب مسؤولين في الحكومة، وهي:

– أن البنك التجاري هو البنك الحكومي الوحيد المخول بالتعاملات الخارجية، ويخضع مباشرة للحكومة.

– يُعتبر “أكثر موثوقية” للتحكّم في تدفقات العملات.

– لضمان عدم استخدامه في عمليات تمويل محظورة.

وبحسب خبراء، فإن عرقلة تعامل غالبية المصارف السورية بالدولار قد ينتج عنها أضرار على عملية تنمية اقتصاد البلاد، لأن الدولار هو العملة الأكثر استخداما في التجارة العالمية.

عشرات يصطفون أمام أجهزة الصراف الآلي في دمشق لسحب أموالهم (غيتي)

ويؤكد الكريم أن عرقلة تداول الدولار تُصعب من القيام بعمليات المراسلة والدفع واستلام الأموال في التعاملات التجارية الدولية، وإلى ارتفاع تكلفة الواردات، وانخفاض مستوى الإنتاج الصناعي والتجاري، ونمو السوق السوداء، علاوة على صعوبة تلقي الحوالات من الخارج، حيث يجد السوريون في الخارج صعوبة في إرسال الأموال إلى الداخل بطرق رسمية.

وبحسب ما نشر المستشار الاقتصادي الرئيسي في مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا الدكتور كرم شعار على موقعه الرسمي، فإن منع تداول الدولار سيكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد السوري.

انعكاسات سلبية على الأداء الاقتصادي

ويرى الكريم أن التحديات التي تواجهها سوريا لتسريع دخولها إلى نظام سويفت إضافة لحل مشكلة تداول الدولار من قبل العديد من المصارف السورية ستكون لها انعكاسات سلبية على التدفقات المالية إلى داخل سوريا، وبذلك قد يؤجل المستثمرون الدخول إلى السوق السورية.

وأضاف الكريم أن المستثمرين يفضلون القيام بمعاملاتهم المالية بطرق سليمة وشرعية، وعدم استئناف عمل نظام سويفت قد يشعرهم بارتفاع مستويات المخاطرة، علاوة على عدم وجود التأمين وشركات التأمين.

حلول مقترحة

    استكمال رفع العقوبات الأميركية والأوروبية لا سيما المتعلقة بعمل البنوك الخاصة.

    تسهيل عمل منظمات المجتمع المدني في سوريا، حيث لدى هذه المنظمات باع طويل في التعامل مع البنوك الدولية.

    إلغاء سياسة حبس السيولة، وإعادة بناء البنك المركزي وإعادة هيكلته بعيدا عن فرض سياسات نقدية.

    إعادة هيكلة المصارف الخاصة، وإبعاد الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق والمفروض عليها عقوبات، ويتطلب ذلك أن تبدأ الدولة في عملية عدالة انتقالية، وذلك يتيح للبنوك العودة إلى السوق المالية.

    خامسا، طلب من الدول الصديقة مثل السعودية وقطر أو تركيا أو الأردن، أن ترشح بنوكا للقيام بدور المرسل للحكومة السورية، وأن يكون هذا الدور مدعوما من الدول الأم.

    إلغاء عمل شركة شام كاش غير المرخصة.

    قيام البنك المركزي السوري بالدعوة لمؤتمر دولي لرؤساء البنوك المركزية في العالم، لمساعدة سوريا في تخطي هيكلة البنك المركزي، ومن أجل تسريع عمل نظام سويفت في سوريا.

المصدر: الجزيرة

——————————-

 سوريا تكسر العزلة… اختبار الشفافية في أوّل مواجهة مالية/ رهام علي

السبت 2025/06/28

بعد أكثر من أربعة عقود من العزلة المالية، سجلت سوريا خطوة مهمة بإتمام أول تحويل مباشر عبر شبكة “سويفت”، ما يفتح آفاقاً جديدة أمام النظام المصرفي السوري للانخراط في الاقتصاد العالمي. لكن هذه الخطوة تنطوي على تحديات كبيرة، وتتطلب إصلاحات مالية وهيكلية لضمان استمرارها ونجاحها.

نافذة استثمارية تاريخية واعدة

يؤكد مستشار السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي، في حديث لـ”المدن”، أن أول تحويل مصرفي مباشر عبر شبكة “سويفت” ليس مجرد إجراء مالي، بل لحظة مفصلية تعني عودة الحياة إلى النظام الاقتصادي السوري. كما يرى أن هذه الخطوة تعكس انخراط سوريا مجدداً في المنظومة المالية العالمية كشريك فعّال، بعد أكثر من أربعة عقود من العزلة التي بدأت منذ عام 1979، حين تم تصنيف البلاد كدولة مارقة وراعية للإرهاب، ما أدى إلى حرمانها من المشاركة في النظام المصرفي العالمي.

ويضيف القاضي: “لا يمكن لأي مستثمر دولي أن يدخل إلى السوق السورية دون إمكانية التحويل المالي، وهذا ما كان مفقوداً لعقود”، إذ يشكّل اعتراف البنوك المراسلة بالقطاع المصرفي السوري كمؤسسة آمنة وشفافة، خطوة استراتيجية لفتح باب الاستثمارات وكسر العزلة الاقتصادية.

كذلك، يعتبر مستشار السياسات الاقتصادية المحلية أن هذه العودة الاقتصادية المشروطة تستلزم التزاماً صارماً بمعايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال، خصوصاً فيما يتعلق بمصادر الأموال الداخلة إلى سوريا، بحيث لا تكون مرتبطة بجهات فاسدة أو شخصيات متهمة بتخريب الاقتصاد في العقود الماضية، ويقول القاضي: “إنها رسالة واضحة للعالم بأن سوريا تسعى لتكون جزءاً موثوقاً من الاقتصاد العالمي، والكرة في ملعب الجهات المصرفية الرسمية لضمان تطبيق المعايير الدولية وتحصين التجربة من أي انتكاسات”.

ويختم القاضي بالإشارة إلى البعد الرمزي والتاريخي للخطوة، لافتاً إلى أن “سوريا قادرة على استعادة مكانتها إذا ما تمكّنت من تأسيس صيرفة حقيقية تعتمد أعلى المعايير العالمية، خصوصاً مع تراجع دور القطاع المصرفي اللبناني، الذي كان في الماضي ملاذاً للرساميل السورية”.

انفتاح سياسي بواجهة مالية

من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي في كلية العلوم السياسية في جامعة دمشق الدكتور قاسم أبو دست، في تصريح لـ “المدن”، أن عودة سوريا إلى “سويفت” لا يمكن فصلها عن المسار السياسي، فهي تعكس تغيرات داخلية وخارجية، منها تشكيل الحكومة الانتقالية وتحسن العلاقات مع الغرب.

ويشير أبو دست إلى أن الخطوة فتحت الباب أمام أول تحويل مصرفي رسمي من بنك سوري إلى بنك إيطالي، مع توقعات بتوسيع التعاملات لتشمل بنوكاً أميركية مستقبلاً، وهو ما يعكس بداية انفتاح مالي تدريجي.

كذلك، يوضح أستاذ الاقتصاد الدولي أن المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدولي، تشترط للانفتاح التزاماً صارماً بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب إصلاحات مصرفية تدريجية، ورفع جزئي للعقوبات، لكنه يحذّر من التحديات القانونية التي تواجهها المصارف الأوروبية المتعاملة مع سوريا، بسبب العقوبات المفروضة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، ما يتطلب تدقيقاً عالياً لتفادي الغرامات.

ووفقاً لأبو دست، فإن الاقتصاد السوري اعتمد خلال سنوات الحرب على قنوات تحويل غير رسمية، بعمولات وصلت إلى 40% أحياناً، ما خلق بيئة مالية مشوّهة، تتطلب معالجتها عبر إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة التحويلات، وتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء.

تحديات تقنية لإعادة بناء الثقة المصرفية

بدوره، يوضح الخبير المصرفي أنس فيومي، في تصريح لـ “المدن”، أن العقوبات الدولية لم تضرّ فقط بالعلاقات المصرفية الخارجية، بل عطّلت أيضاً تحديث البنية التحتية التكنولوجية للمصارف المحلية، إذ اضطرت هذه الأخيرة للاعتماد على وسطاء وشركات خارجية لتشغيل أنظمتها، ما جعلها عرضة لأعطال حادة، خصوصاً خلال فترات الضغط القصوى مثل عام 2013.

ويؤكد فيومي أن مصرف سوريا المركزي حاول الحفاظ على مستويات من الامتثال، لكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع السوق أو المستثمرين. ويعتبر أن التحويل المباشر عبر “سويفت” قد يحسن كفاءة العمليات ويقلص التكاليف المرتبطة بالتحويلات عبر الوسطاء، ما قد يعزز ثقة المستثمرين.

لكنه يشدد أيضاً على أن الانفتاح التقني وحده لا يكفي. بل يتطلب، حزمة إصلاحات متكاملة، تشمل تحديث القوانين الضريبية، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وتطوير تشريعات خاصة بالمشاريع الكبرى والبنى التحتية.

وينوّه فيومي إلى أن الحديث عن تصنيف البنوك السورية في الأسواق الدولية “لا يزال مبكراً”، لكنّ إمكانات الإصلاح كبيرة رغم التحديات المتراكمة منذ التحول إلى القطاع العام في الستينيات.

عودة مشروطة… وأثمان لا يمكن تجاهلها

في المحصلة، تشكّل عودة سوريا إلى شبكة “سويفت” نافذة مصرفية على النظام المالي العالمي، لكنها تبقى خطوة رمزية ما لم تُترجم بإصلاحات حقيقية تمس البنية الرقابية والتشريعية والحوكمة.

فالثقة لا تُمنح عبر شبكة تحويل إلكترونية، بل تُبنى من خلال مصداقية المؤسسات واستقلاليتها. وسوريا، رغم أهمية هذه الخطوة، لا تزال في بداية الطريق.

المدن

————————————–

أطفال بلا أوراق ثبوتية في سورية والمنفى/ هاديا المنصور

29 يونيو 2025

في المخيمات وعشوائيات المدن السورية ودول اللجوء، يكبر آلاف الأطفال في الظلّ، محرومين من أبسط حقوقهم؛ الاعتراف بوجودهم قانونياً. وهؤلاء الأطفال وُلدوا وسط الحرب والنزوح والفقر، ولا يملكون أوراقاً ثبوتية تؤكّد هويتهم، الأمر الذي يضعهم في خانة “اللامرئيين” بالنسبة إلى مؤسسات الدولة والعالم.

ويُعَدّ الزواج غير المسجّل أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الظاهرة، إذ تزايدت في خلال سنوات الحرب حالات الزواج العرفي من دون تثبيت في المحاكم الشرعية، بسبب تعطّل مؤسسات الدولة، أو صعوبة الوصول إليها في بعض المناطق، وبالتالي لا يمكن تسجيل طفل رسمياً من دون عقد زواج قانوني يثبت نسبه.

إلى جانب ذلك تسبّبت الحرب السورية في نزوح آلاف العائلات داخل سورية وإلى خارجها، عدد كبير منها إمّا فقدت وثائقها الرسمية في أثناء ذلك وإمّا تلفت. وفي حالات عديدة، وُلد أطفال في دول اللجوء من دون تسجيل قانوني، أو إفادات ولادة غير معترف بها من قبل الدولة السورية.

تخبر سميرة قطان، نازحة سورية من ريف إدلب الجنوبي (شمال) تسكن في مخيم “الكرامة”، بالقرب من إعزاز (شمال)، “العربي الجديد”: “أنجبت طفلي في خيمة من القماش، وسط البرد والطين. لم يكن يتوفّر أي مستشفى، فساعدتني امرأة متقدّمة في السنّ في الولادة”، مشيرة إلى أنّ “زوجي فُقد قبل أن نسجّل زواجنا رسمياً، في غياب المحاكم والقضاة وسط الفوضى”. تضيف: “لم أكن أعرف حتى كيف أسجّل طفلي، أو إلى أين أذهب، وأنا لا أملك المال ولا الوثائق المطلوبة”. وتتابع قطان: “طفلي يبلغ من العمر اليوم ستّة أعوام، وهو لا يذهب إلى المدرسة. وأنا أخاف أن يكبر بلا مستقبل وبلا شهادة وبلا اسم رسمي. حتى في المستشفى، في حال أُصيب بمرض، يسألون عن أوراقه، فيما هو غير موجود في نظر الدولة والعالم”.

وتكمل قطان حديثها لـ”العربي الجديد”، وهي تنظر إليه يلعب بالتراب أمام الخيمة، وتتساءل “ما ذنبه؟ هو ضحية حرب لم يخترها وواقع لم يفهمه بعد”. وتقرّ المرأة السورية: “أخاف أن يحلّ اليوم الذي يحتاج فيه إلى هوية فيُقال له: ليس لك مكان هنا. هذه ليست حياة، إنّه انتظار دائم في المجهول”. وتلفت إلى أنّ “إعادة الإعمار ليست وحدها التحدّي الأساسي في سورية ما بعد الحرب، إنّما كذلك الاعتراف بأبناء هذه الأرض بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق يحملون اسماً وهوية ولديهم مستقبل”.

تقيم اللاجئة السورية، ربا الأسعد، في مدينة شانلي أورفا التركية منذ عام 2016، وهي أمّ لثلاثة أطفال وُلدوا جميعاً في تركيا من دون أن تتمكّن من تسجيلهم رسمياً. تخبر “العربي الجديد”: “هربنا من ريف حلب تحت القصف، ولم نأخذ شيئاً سوى الملابس على أجسادنا. دخلنا تركيا بواسطة التهريب عبر الحدود، ولم نكن نحمل جوازات سفر ولا أوراقاً ثبوتية. كنت حاملاً بابنتي الكبرى حينها، وقد وضعتها في مستشفى صغير في ريف أورفا. ولأنّني لم أكن أحمل إقامة ولا بطاقة حماية مؤقتة (كيملك)، رفض المعنيون منحها شهادة ولادة رسمية”.

وتلفت الأسعد إلى أنّ “ابنتي اليوم في الثامنة من عمرها، ولا تملك أي أوراق تثبت أنّها موجودة. وهي لم تلتحق بمدرسة، ولا تستطيع تلقّي لقاحاتها بانتظام، وفي حال أُصيبت بمرض أخاف من نقلها إلى المستشفى. وعند كلّ حاجز أو مراجعة، أشعر كذلك بالخوف، كأنّما نحن متّهمون دائماً، فقط لأنّنا بلا أوراق”. وتتابع: “أولادي بلا هوية، وأنا كأمّ أشعر بالعجز والذنب يومياً. أشعر بأنّنا عالقون في مكان لا يرانا فيه أحد”. وتشدّد اللاجئة السورية على أنّها تريد فقط أن يصار إلى الاعتراف بأطفالها “وأن تكون لهم أسماء في السجلات الرسمية، وأن يذهبوا إلى المدرسة مثل بقيّة الأطفال. أريد أن أطمئنّ عليهم، وأنّهم ليسوا منسيّين”.

وما تعاني منه سميرة قطان وربا الأسعد مجرّد قصّتَين من آلاف القصص التي تروي معاناة السوريين مع فقدان الهوية، والتحديات القانونية والإنسانية التي تواجههم، ولا سيّما أنّ عدم توفّر الوثائق يحرم الأطفال من التعليم والصحة والحماية والميراث وحتى الحقّ في الزواج والعمل مستقبلاً، ويحوّل حياة الأمهات إلى مسلسل قلق وانكسارات يومية.

في سياق متصل، تعلو أصوات الأهالي والحقوقيين المطالبة بآلية وطنية وأخرى دولية تضمنان تسجيل الأطفال بأثر رجعي، لتفادي مزيد من الانهيار في البنية الاجتماعية. وتحذّر منظمات حقوقية من أنّ هذا الجيل من الأطفال بلا هوية يمثّل قنبلة اجتماعية موقوتة، في حال لم تُتَّخَذ خطوات عاجلة لمعالجة أوضاعهم القانونية.

ويقول الناشط الحقوقي لؤي حمدان لـ”العربي الجديد” إنّ “ظاهرة الأطفال غير المسجّلين واحدة من أخطر تبعات النزاع في سورية”، مشيراً إلى أنّها “تتفاقم بصمت. فعدم تسجيل الزواج في المحكمة يؤدّي تلقائياً إلى عدم تسجيل المواليد الناتجين عنه، وبالتالي يكون هؤلاء الأطفال عديمي الجنسية، وغالباً ما يُستَغَلّون في العمل أو التسوّل”.

يضيف حمدان: “نحن أمام جيل مهدّد بالحرمان من كلّ الحقوق الأساسية. والمشكلة ليست قانونية فحسب، بل هي إنسانية في جوهرها”، ويطالب “الحكومة السورية الجديدة ومنظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة باتّخاذ خطوات سريعة لتسوية أوضاع هؤلاء الأطفال عبر إتاحة آليات استثنائية لإثبات النسب، حتى في غياب عقد زواج رسمي”، مشدّداً على ضرورة “ألا تصطدم العملية بتعقيدات قانونية وبيروقراطية. لا بدّ من تبسيط إجراءات التثبيت القانوني، وتفعيل المحاكم، وتوفير حلول خاصة للأطفال مجهولي النسب أو مجهولي الأب أو الأم، لتجنيبهم حياة التهميش، خصوصاً أنّ هؤلاء الأطفال لم يختاروا أن يولدوا بلا أوراق؛ هم ولدوا في الزمان والمكان غير المناسبَين”.

العربي الجديد

—————————–

سورية: في إشكال القلق الأقلوي/ حسين عبد العزيز

29 يونيو 2025

مع كل حدث في سورية، سرعان ما يجري الحديث عن قلق الأقليات: هكذا جرى الحديث منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، عن خطر يتهدّد الأقليات التي وقفت إلى جانب نظام الأسد، بدءًا بالعلويين، وانتهاء بالمسيحيين، والدروز، والأكراد. ومنذ أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي، الناجمة عن كمين فلول النظام لعناصر الأمن العام، تكاثر الحديث في هذه الوسائل عن إجرام ممنهج يجري بحقّ السوريين العلويين، وعن قلق الأقليات الأخرى من مصير مشابه، أو اضطهاد أقل. ومع تفجير كنيسة مار إلياس في منطقة دويلعة جنوب شرقي دمشق، جرى الحديث فوراً عن قلق مسيحي، بل ذهب بعضهم، في مزايدة دوغماتية، للحديث عن أن تفجير الكنيسة جاء بسبب مواقف المسيحيين الوطنية، وكأن غيرهم غير وطنيين، على ما في هذا الكلام من رعونة وغباء.

بينت الأحداث السابقة على الجملة أن القلق الأقلوي في سورية مبالغ فيه، وينتمي إلى فضاء اللاوعي السياسي ـ الاجتماعي أكثر مما ينتمي إلى الفضاء الواقعي، فلا جرائم ارتُكبت بحق الأكراد، ولا بحق الدروز، ولا بحق المسيحيين. أما إخواننا من الطائفتين العلوية والشيعية فقد جرت بحقهم تجاوزاتٌ لا يستهان بها، لكن هذه التجاوزات، على الرغم من تنديد أي إنسان عاقل بها، كانت أقل من المتوقع، حتى من المراقب غير السوري، فالثوار المقاتلون كانوا ممتلئين بغضب وحقد لا يمكن وصفه في ظل المقتلة الكبرى التي نفذها نظام الأسد على أعين جميع السورين عامة. وليس الحديث هنا عما يجب أن يكون، بل مهمة هذه المقالة تفسير الواقع بعقلانية وموضوعية، فلا مكان لدى جزء من مقاتلي الثورة أو غالبيتهم لمفهوم الواجب الأخلاقي عند كانط، ولا لمفهوم الإنسان الأعلى عند نيتشه، ومعظمهم من عانى من مقتل ذويهم ظلما، ناهيك بمعانة هدم البيوت والتهجير، وحياة الموت التي عاشوها طول سنوات خلت كل يوم. أما أحداث الساحل، فقد فجرت الغضب المكبوت عنوة، بعدما شهد الثوار والمقاتلون الكمين الذي قام به فلول النظام السابق ضد عناصر أمنية.

ليس هذا الكلام لتبرير الأحداث والقتل العشوائي، بل هو للخروج من إشكال التفكير الأقلوي في سورية، سواء بالنسبة للشعب أو بالنسبة للسلطة، فلا علوي، ولا سني، ولا مسيحي، وشيعي، ولا كردي يتميز أحدهم عن الآخر إلا في العمل الوطني من أجل نهضة سورية على أسس حداثية تجب منظومة العلاقات العمودية.

مناسبة هذا القول، كلمة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر يازجي، خلال تشييع ضحايا التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس قبل أيام. ولا يتعلق الأمر بتحميل حكومة الرئيس أحمد الشرع مسؤولية عدم توفير الأمن الكافي، فهذا انتقاد محق، خصوصا في أماكن العبادة من حيث هي أماكن للتجمّع، وسهلة الاستهداف، وإنما الأمر يتعلق باللغة الطائفية الأقلوية التي استخدمها يازجي، وما تزال كامنة في المجتمع السوري بكل مكوناته، فغبطته لم يحمّل حكومة الشرع المسؤولية عن عدم توفير الأمن بشكل عام في كل سورية، ولكل أفرادها، بل حمّلها المسؤولية من منطلق تعرّض كنيسة مسيحية للاستهداف.

وتنمّ هذه اللغة التي استخدمها يازجي، وقبله شيخ العقل عند الدروز حكمت الهجري الذي رفض تسليم سلاح مع أنصار له للحكومة، وطالب بتدخل دولي، وأرسل وفداً سورياً درزياً إلى إسرائيل، عن وعي أقلوي يحرّك المواقف والممارسات الاجتماعية والسياسية، وهو وعيٌ لا يختلف، في جوهره ومظهره، عن الحكومة الجديدة التي تصدر قراراتٍ وتمارس عملها وفق وعي لأكثريتها الدينية. وفي الحالتين، نحن أمام مأزق شديد، قد يقود إذا ما نشأت ظروفٌ طارئةٌ إلى صراع شديد.

المشكلة في سورية حالياً أن الأقليات تطالب الأكثرية السنية، وتنتظر منها بوادر حسن نية، لم يجر تقديمها بعد بما يرضي الأقليات. وفي المقابل، تنتظر الأكثرية السُنية من الأقليات تبرئة كثيرين من ناسها من دعمهم النظام السوري السابق، وصمتهم على مجازر ارتكبت بحق السُنة أكثر من عقد. ولم نر اليازجي ينتفض ضد مقتلة نظام الأسد ضد الشعب السوري (الأغلبية السنية)، ولم نر أيضاً الحكومة السورية والرئيس الشرع يُظهران مدى اهتمامهما بالحدث الكبير (تفجير الكنيسة)، فلا مؤتمر صحفيا لوزير الداخلية، ولا زار الكنيسة، موقع التفجير.

في قانون نيوتن الثالث: لكل فعل رد فعل مواز له في القوة ومضادٌّ له في الاتجاه، وإذا ما أسقطنا هذا القانون على حركة الأفراد والمجتمعات فسنجد أن الهُوية السُنية اليوم في أوج فورتها، بعد أكثر من خمسين سنة من الاضطهاد، ولن يكون غريبا أن السقوف السياسية للحكم الجديد أقل بكثير من سقوف الأقليات والمثقفين الليبراليين والعلمانيين من السُنة أنفسهم، ومنهم كاتب هذه السطور. وضمن الرؤية السوسيو سياسية لحركة المجتمعات التاريخية، نحن أمام فورة سُنية، نأمل أن لا تطول كثيرا، ونأمل أن يتعلم السُنة من تجارب تاريخ سورية بعد الاستقلال، حين احتكرت النخبة السُنية السياسة والاقتصاد معا، وأبعدت الأقليات، الأمر الذي أدى إلى تحالفات أقلوية أخرجت السُنة (اللجنة العسكرية الخماسية في الستينيات لا يوجد فيها سني، حيث اقتصرت على ثلاثة علويين: محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد، درزي هو أحمد المير، إسماعيلي هو عبد الكريم الجندي) من الحكم نصف قرن.

لا يجب أن تُقابل هذه الفورة السُنية، “المؤقتة” بشروط الإمكان التاريخي، بفورة مسيحية، أو علوية، أو درزية، أو غيرها، وإنما بفورة سياسية من هذه الأطراف من حيث هم أفرادٌ مواطنون في هذه الدولة، لهم حقوق وواجبات، ولا تقتصر واجباتهم على ما ينتظرونه من الدولة، بل على ما يقومون به، باعتبارهم أفراداً سياسيين، من أجل الضغط على الحكم الجديد للتغيير، أو على الأقل، لتخفيف نزعته السُنية في الحكم.

لم تعد البنى السياسية والاجتماعية والثقافية في سورية تتحمّل منطق الأكثرية والأقلية الديني، ولا بد من الانتقال إلى منطق الأكثرية والأقلية السياسي، وهو أمل لن يتحقق على ما يبدو في السنوات القليلة المقبلة، وهي سنواتٌ تعتبر لا أهمية لها في عمر المجتمعات.

العربي الجديد

——————————–

مخيم الهول.. ملجأ يضم عائلات مقاتلي تنظيم الدولة

29/6/2025

يقع عند الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة، أنشئ عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية من أجل إيواء النازحين العراقيين الفارين من أتون الحرب، قبل أن ينتهي به المطاف ملجأ يلم شمل الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بعد سقوط آخر معاقله عام 2019.

تسيطر عليه “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتشرف على تدبير شؤونه عبر “الإدارة الذاتية لشرق وشمال سوريا” بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية.

يعيش سكانه ظروفا قاسية، إذ يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم في ظل ضعف الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وشح الإمكانيات المرصودة التي تظل قاصرة أمام حجم الاحتياجات الكبيرة للسكان.

برز المخيم على واجهة الأحداث من جديد أواخر يونيو/حزيران 2025، عقب إعلان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية أن الضالعين في حادث تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق في 22 من الشهر نفسه ينحدرون من مخيم الهول.

الموقع والمساحة

يقع مخيم الهول في ضواحي محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، على بعد حوالي 40 كيلومترا من مركز المدينة، ويتألف من 7 أقسام ويبعد عن الحدود العراقية 13 كيلومترا فقط.

وتبلغ المساحة الإجمالية للمخيم حوالي 3.1 كيلومترات مربعة، ويحيط به سياج أمني بطول يقارب 12.1 كيلومترا.

التأسيس

تأسس مخيم الهول عام 1991 لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، ثم أُعيد فتحه مرة أخرى بعد غزو العراق عام 2003 لاستيعاب موجة جديدة من النازحين.

وفي أبريل/نيسان 2016، أعادت قوات “قسد” افتتاح المخيم ليكون ملاذا لآلاف النازحين الفارين من مناطق سيطرة تنظيم الدولة.

التركيبة السكانية

شهد المخيم تحولات ديمغرافية كبيرة بعد إعادة فتحه في أواخر العقد الثاني من القرن الـ21، إذ ارتفع عدد سكانه من 10 آلاف نازح في بداية عام 2019 إلى 74 ألفا بحلول أبريل/نيسان من العام نفسه، وغالبية من فيه من النساء والأطفال، ويعزى هذا التزايد الكبير إلى تدفق عائلات مقاتلي تنظيم الدولة عقب الهزائم المتتالية التي تلقاها على يد قوات التحالف الدولي، كانت آخرها في معركة الباغوز فوقاني في التاسع من فبراير/شباط 2019.

وفي مطلع عام 2025، انخفض عدد النازحين في المخيم بشكل ملحوظ نتيجة مغادرة عشرات الأسر العراقية نحو بلدانهم على دفعات متتالية ضمن خطة الإعادة التي نسقتها سلطات بغداد بالتعاون مع “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.

ويضم المخيم إلى حدود يونيو/حزيران 2025 ما يقارب 37 ألفا معظمهم من سوريا والعراق، وبينهم نحو 6500 نازح يتوزعون على 42 جنسية من مختلف دول العالم، بينهم أوروبيون وآسيويون.

إدارة المخيم

يتبع مخيم الهول من الناحية الإدارية إلى “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، وهي هيئة مدنية تأسست عام 2014 وتتولى إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.

وتشترك الإدارة الذاتية مع “قسد” في تنظيم شؤون المخيم، إذ تضطلع بالمهام المدنية والإغاثية، بينما تتولى “قسد” الجوانب الأمنية وحماية محيط المخيم.

وتنسق الإدارة الذاتية عملها داخل المخيم مع منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر ومنظمات أخرى غير حكومية من أجل توفير الخدمات الأساسية ومراقبة الأوضاع الصحية والإنسانية وتنظيم عمليات إعادة اللاجئين التي تستهدف خصوصا العائلات السورية والعراقية.

وضع إنساني متأزم

يعاني سكان المخيم من أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الاكتظاظ الشديد وضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، وفق تقارير أممية.

ويعيش النازحون في بيئة تفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية والمياه الصالحة للشرب والتعليم والحماية الأمنية، وتنتشر أمراض سوء التغذية والإسهال الحاد بين الأطفال، في ظل محدودية المرافق الطبية وقلة المساعدات.

وقد توفي 5 أطفال دون الخامسة من العمر في غضون 4 أيام فقط في أغسطس/آب 2020، نتيجة مضاعفات متعلقة بسوء التغذية والإسهال الحاد والنزيف الداخلي ونقص السكر في الدم، وفق ما جاء في تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، التي وصفت الواقعة بـ”مأساة لأسباب يمكن منعها”.

كما يشهد المخيم توترات أمنية متكررة، مما يعمق شعور السكان بالعزلة والخوف. وتعاني النساء من قيود اجتماعية صارمة، خاصة في القطاع الخاص بـ”المهاجرات”، وهو قسم داخل المخيم يضم أرامل وزوجات مقاتلي تنظيم الدولة مع أبنائهن دون سن 12 سنة، ويُقدر عددهم بحوالي 6300.

ويبقى الأطفال عرضة للتجنيد الأيديولوجي والحرمان من التعليم النظامي، في ظل معاناتهم من “أزمة الهوية” بسبب عدم حصولهم على وثائق رسمية تثبت نسبهم، خاصة من وُلد منهم في فترة سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة.

اتفاق لإعادة النازحين السوريين

في أواخر مايو/أيار 2025، أعلنت “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” عن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق، يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من مخيم الهول.

وجاء الاتفاق بعد اجتماع ثلاثي ضم ممثلين عن الإدارة الذاتية والحكومة السورية والتحالف الدولي، صودق فيه على “آلية مشتركة” لإعادة العائلات السورية.

وأجرت الحكومة السورية هذا الاتفاق في إطار مساعيها الرامية إلى استعادة السيطرة على المناطق الحيوية بعد سلسلة من الاتفاقات الأخرى التي شملت تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط. كما يأتي في سياق الضغوط الأميركية لرفع العقوبات عن سوريا، إذ تعتبر واشنطن معالجة ملف المخيمات والسجون أحد الشروط الأساسية.

وبينما مثّل الاتفاق انفراجة في أفق حل الأزمة الإنسانية داخل المخيم، ظل مصير آلاف العائلات الأجنبية غامضا في ظل استمرار رفض معظم الدول استعادة مواطنيها.

مخيم الهول للاجئين العراقيين في شمال شرق محافظة الحسكة السورية

تهديدات أمنية

يرى مختصون أن “مخيم الهول يمثل أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم الدولة الإسلامية، ويعتبرون أن “أحداث القتل المتكرر ووقائع الاختفاء القسري دليل قاطع على التهديد الأمني الذي يشكله المخيم”.

ويعتقد آخرون أن المخيم “بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، إذ تحاول بعض الأمهات نشر وتعزيز أيديولوجيا التنظيم بين أبنائهن”، مما يثير مخاوف من تحوله إلى “حاضنة للتطرف”.

وفي مطلع مايو/أيار 2025، شنت قوات “قسد” حملة أمنية داخل المخيم بهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة، وشملت الحملة تفتيش الخيام والمرافق واعتقال المشتبه بهم.

وأسفرت الحملة وفق تقارير محلية عن اعتقال 20 شخصا وضبط 15 خلية نائمة، إضافة إلى مصادرة 10 قطع سلاح ومواد متفجرة كانت مخبأة في مناطق متفرقة داخل المخيم.

وفي 25 يونيو/حزيران 2025، كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن خلية تابعة لتنظيم الدولة، انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل 25 وإصابة العشرات.

ووفق التحقيقات الرسمية، فإن الانتحاري الذي نفذ التفجير، والعنصر الآخر الذي ألقي عليه القبض قبل تنفيذ عملية ثانية، قدِما معا من مخيم الهول عبر البادية السورية، بدعم من قيادي في التنظيم يدعى محمد عبد الإله الجميلي المعروف بـ”أبو عماد”.

المصدر: مواقع إلكترونية

———————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى