فن الثورة السورية: صوت معبّر عن آمال وأحلام/ سمر شمة

9 يوليه 2025
رافقت الأغاني والأهازيج الشعبية التراثية الثورة السورية في أحداثها وتقلباتها وانتصاراتها وخيباتها، واستعادت حضورها القوي في المظاهرات الحاشدة والاحتجاجات الجماهيرية، ولا سيما في السنوات الأولى من الثورة. ولعبت دورًا كبيرًا في تعبئة السوريين وتحفيزهم على التظاهر والمطالبة بالتغيير وإسقاط النظام الاستبدادي البائد. تحدّت وأصحابها العنف والبطش والرصاص الحيّ والقصف المدفعي والجوي ودبابات الأسد وشبيحته والميليشيات الطائفية الداعمة لنظامه، وشكّلت علامة فارقة في مسار الأحداث وتفاصيلها، وتنوّعت بين أغانٍ ثورية خالصة، وأخرى استمدّها الفنانون والمنشدون والمتظاهرون من الوقائع الجارية والصادمة. كانت محرّكًا قويًا لعزيمة المتظاهرين والمعارضين للطغيان، ولم يستطع استبداد النظام ووحشيته أن يسجنها أو يدفنها وهي على قيد الحياة، لأن الأغنية كما يقولون هي سيرة الشعوب، وقادرة على هزيمة الموت والديكتاتوريين، والانتشار رغمًا عنهم.
أصبحت الأغنية الشعبية بعد انطلاق الثورة جزءًا أساسيًا منها، وثّقت مراحلها المختلفة، وأبرزت مطالبها، وعزّزت الوحدة الوطنية ودعت إليها، وكانت صوتًا معبرًا عن آلام وأحلام السوريين وعذاباتهم الممتدة لعقود. جسّدت التراث والفولكلور من مختلف المحافظات، وعبّرت عن خصوصية وتركيبة البلاد وانقسامها الثقافي والمناطقي، ونقلت القضية السورية العادلة إلى العالم، وعكست الهوية الثقافية للسوريين، وعزّزت التماسك الاجتماعي بين الأفراد، وكانت عبارة عن رسائل للداخل والخارج ضد القتل العشوائي والاعتقالات التعسفية والتعذيب الوحشي واغتيال حاضر ومستقبل الشعب السوري، إضافة إلى مناداتها بالعدالة والكرامة والحرية.
لم يتعلّم الكثير من أصحابها الموسيقى والمقامات الموسيقية والسلم الموسيقي، لكنها جاءت استجابة للحظة تاريخية لا تتكرر، ولحاجة ملحّة في التغيير. وقد اعتمدت هذه الأغنية اللحن البسيط والكلمة الواضحة لنقل سردية السوريين وحكاياهم الموجعة، وساهمت في توثيق وحفظ التراث والقيم الاجتماعية والثقافية. سبقت وسائل الإعلام في تأثيرها على السوريين وعلى الرأي العام، وخاطبت جماهير الثورة بلغة قريبة منهم جسّدت ماضيهم وحاضرهم المنهك، ولذلك لا يمكن لأي سوري أن ينسى روادها وأبطالها، والأصوات الجماعية التي هزّت الوجدان والضمائر، وكل ركن من أركان النظام الذي حاربها بوحشية لا مثيل لها، ورأى فيها تهديدًا لسلطته القمعية، وسعى بكل الوسائل لقتل هذا النوع من التعبير بالرأي، ووصل به الأمر إلى اعتقال من يسمع هذه الأغاني ويحتفظ بها في جواله فقط، وكأن ذلك جريمة لا تُغتفر.
امتزجت أغاني الثورة بالهتافات الشعبية المطالبة برحيل النظام المجرم: “يلا ارحل يا بشار”، وعلت في كل مكان لتؤكد على مقولة: “ما في للأبد، ما في للأبد، عاشت سورية ويسقط الأسد”، وعلى أن: “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد”.
تعدّدت وتنوّعت الأصوات الغنائية المعارضة، والتي وقف أصحابها مع مطالب الشعب السوري المحقة، ودعموا ثورته، وأصبحوا رموزًا موسيقية وثورية لديه. ومن أبرز المنشدين الذين حملوا الصوت الثوري للمجتمع السوري، الشهيد عبد الباسط الساروت، الذي كان حارسًا لنادي الكرامة لكرة القدم في حمص، ولُقّب “بحارس الثورة السورية”. وقد خرج هاتفًا بين آلاف السوريين، وقاد الاحتجاجات بأغانٍ بسيطة وسهلة، مستقاها من التراث الشعبي الذي يحكي سيرورة الثورة ومراحلها وأفراحها وأتراحها. ومن أشهر أغانيه: “يا يمّا، بثوب جديد، زفّيني، جيتك شهيد. يا يمّا، زفّيني وافرحي فيني، وإن فارقتك سامحيني، يا يمّا”.
أصبح الساروت أحد ملامح الثورة، وهو الذي بدأ معارضًا سلميًا للنظام، وتحول إلى مقاتل على الجبهات بعد استخدام الحل الأمني العسكري من قبل الأسد وحلفائه، وتعرّض مرات عديدة للاغتيال والقتل. وتوجّه في أناشيده للمدن السورية كافة، كما في أنشودته التي يرددها السوريون حتى اليوم:
“جنّة جنّة جنّة، جنّة يا وطنّا، يا وطن يا حبيّب، يا بو تراب الطيب، حتى نارك جنّة. حمص يا أم العروبة، للخوف باست توبة. يا حماه سامحينا، إنّك منّا وإلينا. من الرقة للقامشلي، دم البطولة يغلي. حتى أحرار الساحل، تبصم إنك راحل. يا خسيس ارحل عنّا”. وأغنية: “والله لنشيلك بشار”، وفيها أيضًا حضرت المدن السورية من درعا إلى دير الزور، واللاذقية، ودمشق وريفها، وحلب، وحماه، وحمص. وبعد استشهاده في قصف لنظام الأسد، بقي السوريون ينشدون كلماته ويشيدون بتضحياته الجسام.
وكان أحد أبرز الأسماء في موسيقى وأغاني الثورة، منشدها ابن مدينة حماه المؤدي الشعبي إبراهيم القاشوش، الذي عُرف بهتافاته وأغانيه الحماسية التي أعطت الاحتجاجات زخمًا كبيرًا، وألهمت حماس الثوار، وأشهرها: “يا بشار ومالك منا، خُذ ماهر وارحل عنّا، وهاي شرعيتك سقطت عنّا، ويلا ارحل يا بشار. يا بشار ويا خسيس، ودم الشهداء مانو رخيص، وضبّلي غراضك بالكيس، ويلا ارحل يا بشار”.
وقد أصبحت هذه الأغنية شعارًا على مدى سنوات الثورة السورية يطالب برحيل النظام وأزلامه. وغنّى القاشوش أيضًا في ميادين التظاهرات: “بدنا نشيلو لبشار، بهمتنا القوية، سورية بدها حرية، وبلا ماهر وبلا بشار، وهالعصابة الهمجية”. ورغم تداول أنباء عن استشهاده على يد جيش النظام وأمنه بعد اقتلاع حنجرته ورمي جثته في نهر العاصي عام 2011، إلا أن عملية تحرير حماه من خلال معركة “ردع العدوان” كشفت عن نجاته وبقائه على قيد الحياة، بعد أن غنّى السوريون أغنيته هذه وأضافوا إليها تحية له في كل المدن الثائرة: “حيّوا إبراهيم القاشوش، وحيّوا رجال السورية، سوريا بدها حرية”.
الفنان المعروف سميح شقير كتب ولحّن وغنّى أول أغنية للثورة بعنوان “يا حيف”، بعد أيام قليلة من انطلاقها ومواجهتها بالعنف المفرط الوحشي. وقد أثّرت تأثيرًا كبيرًا على الشعب الثائر بعد عشرة أيام من سقوط أول أربعة شهداء في مظاهرات درعا في 18 آذار/ مارس 2011. وفيها وثّق اعتقال النظام المجرم لأطفال درعا الذين كتبوا على الجدران شعارات تنادي بإسقاط الأسد، وتعذيبهم واقتلاع أظافرهم، واستخدام الرصاص الحيّ لمواجهة أول مظاهرة خرجت احتجاجًا على اعتقالهم، وعرّى النظام الذي يدّعي المقاومة والصمود، وهو في الحقيقة راكع أمام الاحتلال الإسرائيلي، وحارس أمين لحدوده منذ عقود، بينما يستخدم السلاح ضد شعبه، ويقتل المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي. وقد تحوّلت هذه الأغنية إلى أيقونة من أيقونات الثورة، ولم يستطع المستبد منع انتشارها وترديدها من قبل السوريين حتى يومنا هذا: “يا حيف، زخّ رصاص على الناس العزّل، يا حيف. وأطفال بعمر الورد تعتقلن كيف. وإنت ابن بلادي، تقتل بولادي، وضهرك للعادي، وعليّي هاجم بالسيف. هذا اللي صاير، يا حيف، بدرعا، ويا يمّا، يا حيف”.
يقول شقير عن هذه الأغنية: “المشاهد التي رأيناها في الأيام الأولى للثورة صدمتني، فخرجت معي الأغنية خلال ساعتين، بعد تدقيق كبير حول صحة ما يحدث. وقد التقطها الناس في الشوارع والساحات، وحتى في المساجد”. ثم تتالت بعدها الأغاني، ومنها: “يا ابن البلد، خلّي عينك عالبلد”، وذلك بعد أن بدأت أحلام السوريين تتسرب من بين أصابعهم، ورُفعت رايات عديدة، وأصبح السلاح هو المسيطر على المشهد السوري.
الفنان وصفي المعصراني كان أيضًا من الأصوات التي أضافت إلى أغاني الثورة أبعادًا موسيقية مميزة، مزج فيها بين ألحان العزف التقليدي والكلمات العاطفية الحماسية التي تعبر عن حق السوريين في الحياة الحرة الكريمة. وغنّى أغاني من التراث برؤية جديدة وكلمات تناسب الأحداث الجارية: “سكابا يا دموع العين سكابا، على شهداء سورية وشبابا”، و”عالهودلك يابا عالهودليا، ما بدنا حكم الأسد، بدنا الحرية. يا ويلي ويلي يا درعا، يا وردة مضواية بشمعة، صرنا نهتف لكِ كل جمعة، وننادي بالسلمية. يا ويل ويلي يا بانياس، ضربوا نسوانها بالرصاص”.
وقد غنّى المتظاهرون في حمص والمدن السورية أغنية الشهيد طارق الأسود التي غناها المعصراني بصوته، والتي أصبحت واحدة من الأيقونات الغنائية: “طيب إذا منرجع، توعدنا تسمعنا. ماشي يلا ارحل، هاي مطالبنا. بدنا دم الشهدا، ترجع نهر بردى. ونلم كل دمعة، نزلت بكل جمعة. ترجع لنا حمزة، هاجر وأخوتنا. لسّا الشعب بدو، ترحل وتتركنا”.
وغنّى الفنان الشعبي أحمد القسيم، وهو من مدينة الحراك، لدرعا مهد الثورة السورية وللسوريين في كل مكان، متمسكًا بالتراث والفولكلور، ومن أشهر أغانيه: “عيني عليها، حوران يا أهل الهوى يا عمّي. لسهر وراعيها، واشيل عنها الحزن، يا قلبي. نوحي عليها، نوحي عليهم”. وأغنية: “ارفع راسك فوق، أنت سوري حر”، والتي اكتسحت الساحات والشاشات بعد سقوط النظام، وغناها السوريون في المنازل والحدائق واحتفالات النصر والميادين: “ارفع راسك فوق، أنت سوري حر. ارفع راسك لا للذلة، وعن أرضك لا ما تتخلى. لا تركع إلا لله، أنت سوري حر. ارفع راسك، احمِ بلادك، احمِ أرضك، أرض ولادك”.
هناك المئات من الأعمال الفنية التي صدرت تحت مسمّى “فن الثورة”، ومنها تجربة المغني السوري خاطر ضوا، الذي أطلق أول أغانيه “يا سورية يا بلادي” منذ اليوم الأول من عمر الثورة السورية، وبعدها أغنية “يا حمص يا أم الحجار السود”، و”شو بيقربك حمزة؟ من غير قصد صار المدى كلو صدى. صوت الصبي، بعمر الورد، خطفوا الحزن. صار الولد، راية بلد. اتعمد بدمو للأبد. كيف انقتل؟ كيف انولد؟ باقي عا قلبي متكي، يحكي كلامو اللي ما انحكى”. وقد لحّن معظم أغانيه بنفسه، وآمن بقدرة الفن والموسيقى على المشاركة في صنع التغيير: “ما دمنا قادرين على الغناء والعزف وطرح عناقيد الموسيقى، فهذا ليس انتصارنا على النظام السوري ومن يدعمه، بل على كل من يريد مسح سورية شعبًا وأرضًا. سورية أغنية عصيّة على السكوت”.
وهناك منشدون غير معروفين غنّوا للثورة ولتضحيات الثوار والجيش الحر: “جبينك عالي وما بينطال، يا هالجيش السوري الحر. شرفك مضرب للأمثال، هديرك من موج البحر. إيدك والثورة السورية، بيحموا بلدي من كل شر”.
من الأغاني التي يرددها السوريون أغنية “لو ترجع”، أداء الفنان عبد الحكيم قطيفان، وبُثّت لأول مرة في ذكرى أربعين الشهيد عبد الباسط الساروت، الذي يُعتبر أيقونة من أيقونات الثورة السورية. كتبها الشاعر فراس الرحيم لصديقه، الذي قاد المظاهرات السلمية وقاتل النظام وشبيحته وحلفاءه، ولم يقبل أن يغادر سورية إلى أي بلد في العالم، وفقد أشقاءه جميعًا بعد استشهادهم في ساحات القتال: “يوم الودّع، اشقد تمنينا وغنّينا. ترجع حمص ونمشي بيها، نوصل للشام نحييها. نروح لحمزة بدرعا نزوره، أرض الأحرار نحييها. هالحزّ وينك عبد الباسط؟ نيّال الأرض اللي بيها. تستاهل سورية عيونك، آااه لو ترجع”.
في نهاية العام الماضي، وبعد سقوط النظام وهروبه، عادت أغاني الثورة السورية إلى المشهد، وصدح السوريون بمختلف أعمارهم وانتماءاتهم بالأغنيات التي لامست مآسيهم واحترمت حقهم في الحياة الحرة الكريمة، وعاشت في ذاكرتهم نابضة بالحياة. ورغم أن الغناء والفن لا يمكن أن يوازي تضحيات السوريين الكبيرة، إلا أن الحقيقي منه سيبقى ملازمًا لذاكرة السوريين اليوم وغدًا، وهم يرددون: “مندوسهم، مندوسهم، بيت الأسد مندوسهم”، و”بالحب بدنا نعمرها، وما عاش اللي يزعلها، وسورية الحلوة ما أجملها، لعيونا كل شي بيهون”.
ضفة ثالثة



