مقالات مختارة تناولت الحالة الاقتصادية في سوريا

مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات.. الوعود المعلقة للاقتصاد السوري/ ملهم الجزماتي
أعلن البنك الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنسبة متواضعة تبلغ 1% في عام 2025 بعد انكماش بنسبة 1.5% في عام 2024. هذه التوقعات المتحفظة تعكس الشكوك حول قدرة الاقتصاد السوري على التعافي السريع، رغم الإعلانات المتفائلة من وزراء الحكومة السورية عن نسب أعلى وخاصة بعد الإعلان عن العديد من الاستثمارات الجديدة في قطاعات اقتصادية عديدة.
ولكن عند النظر إلى هذه الاستثمارات التي تم الإعلان عنها نجد معظمها عبارة عن مجرد “مذكرات تفاهم”، وهنا يجب التفريق بين مذكرة التفاهم والاتفاقية الملزمة من الناحية القانونية. مذكرة التفاهم ليست لديها قوة قانونية قطعية، وعادة ما تكون قابلة للتفسير وتهدف إلى تنفيذ التفاهم والتبادل. أما الاتفاقية فعادة ما تكون لها قوة قانونية قاطعة وتخضع للعقود والقوانين، وتحدد التزامات واضحة ومواعيد محددة للتنفيذ وآليات المتابعة والمساءلة.
سلسلة “مذكرات التفاهم”
منذ كانون الثاني 2024، تتسارع وتيرة توقيع ما تسميه الحكومة السورية “اتفاقيات استثمارية” مع شركات عالمية وإقليمية. الأرقام المعلنة مذهلة، أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمارات والمساعدات الدولية خلال ستة أشهر فقط. لكن التدقيق في طبيعة هذه “الاتفاقيات” يكشف أن الغالبية العظمى منها عبارة عن مذكرات تفاهم تعبر فقط عن نوايا التعاون، دون التزامات قانونية واضحة أو جداول تنفيذ محددة.
في أيار 2025، وقعت شركة “موانئ دبي العالمية”، “مذكرة تفاهم” بقيمة 800 مليون دولار مع الحكومة السورية لتطوير وإدارة وتشغيل محطة متعددة الوظائف في ميناء طرطوس. قبل ذلك بفترة وجيزة، وقعت شركة الشحن الفرنسية “CMA CGM” اتفاقية امتياز لمدة 30 عامًا بقيمة 260 مليون دولار لإدارة ميناء اللاذقية. هذه الاتفاقية الأخيرة تعتبر من الاتفاقيات القليلة التي تحمل طابعًا ملزمًا نسبيًا، كونها اتفاقية امتياز محددة المدة والشروط.
في 30 حزيران 2025، أعلنت الحكومة السورية عن توقيع مجموعة من “مذكرات التفاهم” مع تحالف دولي يضم شركات من الولايات المتحدة وقطر وتركيا، بقيمة إجمالية تصل إلى 7 مليارات دولار في قطاع الطاقة. المراسم حضرها الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، في مشهد يوحي بأهمية استثنائية للحدث. وزير الطاقة السوري محمد البشير وصف هذه المذكرات بأنها “أكبر مشروع من نوعه في تاريخ سوريا الحديث”، مشيرًا إلى خطط لإنشاء أربع محطات غازية ومحطة طاقة شمسية بقدرة اجمالية تبلغ 7000 ميغاواط.
لكن شركة “UCC Holding” القطرية، التي تم تسليط الضوء عليها كأكبر مستثمر بقيمة 7 مليارات دولار، لم تقدم أي التزامات قانونية ملزمة أو جداول زمنية محددة للتنفيذ. المذكرة تتضمن خططًا لبناء أربع محطات طاقة تعمل بالغاز ومحطة طاقة شمسية، لكن دون تحديد مواعيد بدء العمل أو آليات التمويل الفعلية.
في 7 من تموز 2025، وقعت وزارة السياحة السورية مذكرة تفاهم مع مجموعة “إنفنتشر” بقيمة 8 مليارات دولار لإطلاق مشاريع تنموية وسياحية كبرى في سوريا. المراسم جرت بحضور رسمي رفيع المستوى، وتم الترويج للحدث كإنجاز اقتصادي كبير للحكومة الجديدة. لكن الحقيقة أن هذه الوثيقة، مثل العشرات من “الاتفاقيات” الأخرى التي وقعتها دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد، ليست سوى مذكرة تفاهم غير ملزمة قانونيًا.
مشروع “بوابة دمشق” يمثل مثالًا صارخًا على الفجوة بين الإعلانات الرنانة والواقع القانوني. في مراسم رسمية بحضور الرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء والفنانين، أعلنت وزارة الإعلام السورية عن توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “المها الدولية” للمنتج الكويتي محمد سامي العنزي، لإنشاء مدينة للإنتاج الإعلامي بقيمة تقدر بأكثر من 1.5 مليار دولار. وزير الإعلام حمزة المصطفى وصف المشروع بأنه “أول مدينة إنتاج إعلامي وسينمائي وسياحي متكاملة في سوريا”، مشيرًا إلى أن المدينة ستقام على مساحة تقارب مليوني متر مربع وستوفر أكثر من 4 آلاف فرصة عمل مباشرة.
لكن رئيس مجلس إدارة “المها الدولية” محمد العنزي كشف أن “المشروع يحتاج ما بين خمس إلى سبع سنوات لإنجازه بالكامل” دون تحديد موعد لبدء التنفيذ. هذا التصريح يؤكد أن المذكرة لا تتضمن التزامات زمنية محددة، وأن التنفيذ مرهون بعوامل مستقبلية غير واضحة.
أيضًا على الصعيد الدولي نجد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وضع خطة مدتها ثلاث سنوات بقيمة 1.3 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية وإطلاق شبكة حماية اجتماعية ودعم الشركات الناشئة الرقمية. هذا البرنامج يختلف عن مذكرات التفاهم الأخرى كونه يأتي من منظمة دولية معترف بها وله آليات تمويل واضحة، لكنه يبقى مشروطًا بالاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
المانحون الأوروبيون تعهدوا في “مؤتمر بروكسل” في آذار 2025 بتخصيص 6.5 مليار دولار لإعادة إعمار سوريا. هذا التعهد جاء في إطار مؤتمر دولي رسمي، لكنه أيضًا ظل مرتبط بشروط سياسية وحقوقية قد تؤثر على آليات الصرف والتنفيذ.
صخب إعلامي كبير
يثير حضور الرئيس السوري أحمد الشرع شخصيًا لمراسم توقيع مذكرات التفاهم تساؤلات حول البروتوكول المناسب لمثل هذه المناسبات. فبينما تحتاج الاتفاقيات الملزمة والمعاهدات الدولية إلى حضور رئاسي لإضفاء الطابع الرسمي عليها، تبقى مذكرات التفاهم مجرد إعلانات نوايا لا تحمل أي التزامات قانونية. هذا التعامل مع المذكرات كأحداث رئاسية يخلق توقعات مضللة لدى الرأي العام حول طبيعة هذه الاتفاقيات وإمكانية تنفيذها.
التجربة السورية السابقة تؤكد هذه المخاوف، حيث شهدت البلاد توقيع العشرات من مذكرات التفاهم خلال مؤتمرات الاستثمار السابقة، بما في ذلك مؤتمر الاستثمار الخليجي عام 2008 في دمشق، والتي حضرها وزراء ومستثمرون رفيعو المستوى. لكن معظم هذه المذكرات بقيت حبرًا على ورق ولم تتحول إلى مشاريع فعلية، مما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستثمار في الطقوس الرسمية لتوقيع وثائق غير ملزمة.
الخطر في هذا النهج أنه يحول مؤسسة الرئاسة إلى أداة ترويجية لمشاريع قد لا ترى النور أبدًا، مما يضر بمصداقية الدولة ويخلق فجوة بين الوعود الرسمية والواقع على الأرض. كما أن الإفراط في استخدام الحضور الرئاسي لمناسبات غير ملزمة يقلل من وقع وأهمية الأحداث التي تستحق فعلًا هذا المستوى من الاهتمام الرسمي.
لماذا لا يتم توقيع اتفاقيات؟
النظام المالي السوري يواجه تحديات هائلة تعيق النشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار. العقوبات الدولية وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي العالمي تحد من قدرة سوريا على جذب الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ المشاريع الكبيرة. رغم رفع بعض العقوبات مؤخرًا، فإن الأصول المجمدة والقيود المصرفية لا تزال تشكل عوائق كبيرة.
ضعف الإطار القانوني والمؤسسي يزيد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار في سوريا. عدم وضوح الآليات لتحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات ملزمة ونقص الشفافية في عمليات التوقيع والمتابعة يجعل المستثمرين يترددون في الالتزام بمشاريع طويلة المدى.
الواقع على الأرض يظهر أن معظم المشاريع المعلنة لم تبدأ بعد، وأن الشركات الموقعة على مذكرات التفاهم لم تقدم التزامات مالية فعلية أو جداول زمنية محددة للتنفيذ. حتى المشاريع التي حددت مددًا زمنية، مثل مشروع “بوابة دمشق” الذي يحتاج من خمس إلى سبع سنوات، لم تحدد مواعيد بدء العمل أو مصادر التمويل الفعلية.
يبدو أن الحكومة السورية تواجه ضغوطًا كبيرة لإظهار إنجازات اقتصادية سريعة لتعزيز شرعيتها وكسب ثقة الشعب السوري والمجتمع الدولي. هذا الضغط قد يدفعها إلى المبالغة في أهمية مذكرات التفاهم وتقديمها كإنجازات حقيقية، رغم عدم وجود ضمانات لتنفيذها.
على الجانب الآخر نجد أن المستثمرين الأجانب يتعاملون بحذر شديد مع الوضع في سوريا. رغم الفرص الاستثمارية الكبيرة المحتملة، فإن المخاطر السياسية والأمنية والقانونية تجعل معظم الشركات تفضل توقيع مذكرات تفاهم غير ملزمة كخطوة أولى، مع إمكانية الانسحاب إذا لم تتحسن الظروف.
الشركات الإقليمية، خاصة الخليجية، تظهر اهتمامًا أكبر بالاستثمار في سوريا مقارنة بالشركات الغربية. هذا الاهتمام مدفوع بعوامل جيوسياسية واقتصادية، لكنه يبقى محدودًا بالمخاطر المرتبطة بعدم الاستقرار والعقوبات الدولية.
ما الحل؟
الحاجة إلى إطار قانوني واضح وشفاف لتحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات ملزمة تبقى أولوية قصوى. من دون هذا الإطار، ستبقى معظم المذكرات الموقعة مجرد نوايا حسنة لا تترجم إلى استثمارات فعلية أو مشاريع تنموية حقيقية.
أيضًا التحديات الأمنية تبقى عائقًا كبيرًا أمام تنفيذ أي مشاريع استثمارية. عدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق والتوترات المتواصلة خاصة بعد سقوط النظام تخلق بيئة غير مناسبة للاستثمار طويل المدى.
في النهاية، تبقى مذكرات التفاهم التي توقعها الحكومة السورية مجرد خطوة أولى في رحلة طويلة نحو التعافي الاقتصادي. النجاح في تحويل هذه المذكرات إلى استثمارات فعلية يتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا، وإطارًا قانونيًا واضحًا، وشفافية في التعامل مع المستثمرين، وقبل كل شيء، إرادة سياسية حقيقية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية اللازمة.
عنب بلدي
هل يكبح الانقلاب الاقتصادي “قسوة” الدولار على السوريين؟/ سميرة المسالمة
الثلاثاء 2025/07/08
خمسة عقود متتالية والدولار الأميركي يحكم اقتصاد السوريين وحريتهم، كأنه لعنة أصابتهم. يمد لسانه شامتاً مع كل تراجع للعملة السورية أمامه. الليرة التي تبكي في زاوية ما من أدراج المسؤولين، ومع كل تدن في سعرها، تصبح تكاليف المعيشة اليومية عدو يفتت الاستقرار المالي، ويعجز الاقتصاد السوري عن تحمل ضرباته. الليرة التي كانت ثلث الدولار قيمة، قبل أن تصبح “رفيقة بعثية”، كما كان حال معظم تفاصيل السوريين، عملتهم، جيشهم، تعليمهم، اقتصادهم، وإعلامهم (لا أستثني منهم نفسي)، أصبحت ممسوحة من قائمة التسعير. لنحو عشر سنين ماضية صارت فيها بلا هوية، وبلا قيمة، مجرد سلاح قاتل هزم أحلام وطموحات السوريين.
في الاقتصاد ثمة مروحة اختيارات واسعة، عالم من المصطلحات، يطفو بعضها في زمن الانفلات والفوضى، على نحو خاص في زمن التسعير بلا معايير، كما يطفو بعضها الآخر في زمن إطفاء حرائق الفساد المالي، واستنباط الحلول من المستحيل، لوقف النزيف المستمر، فهل يكون مصطلح “التعويم المدار” الذي أطلقه الدكتور عبد القادر حصرية حاكم مصرف سوريا المركزي مؤخراً، خطوة إنقاذ من موت كاد يلوح لعملة السوريين، حبل نجاة، أم أنه مجرد لعبة تقنية سرعان ما تتآكل نتائجها، وتخسر معركتها مع سوق سوداء تعرف مخابئها ومحاذيرها، ويهيمن فسادها في دوائر المسؤولين؟
والسؤال هنا محق، هل تملك سوريا أدواتها الاقتصادية والنقدية لترك الأسعار تترنح كما يحلو لأمواج السوق أن تأخذها، حسب العرض والطلب، بالطبع، من غير أن تتخلى عن عصا التدخل عند الضرورة للملمة الانفلات والتقلبات الحادة، وفقاً للمعنى التقني للمصطلح؟ من دون أن ننسى أن سوريا للمرة الأولى، تعيش انقلابا نوعياً في تعاطي السوق السوداء مع أسعار الدولار، والعمل على تحطيمها أمام السعر الرسمي في “المركزي”، تحت عناوين نقص السيولة، أو حبسها من قبل المصرف ذاته، عبر إجراءات تقييدية لعمليات السحب، أي “تحديد سقف متدن”، في الوقت الذي تتوفر فيه العملة السورية بين أيدي تجار، لا نعرف كيف يتم تبديلها مصرفياً وعلى أي الأسعار، ما يوحي بوجود التآمر بين بعض التجار والمصرفيين القادرين على كسب أرباح خيالية بين سعر شراء الدولار من المواطنين، وسعر الشراء في المصارف!
كان السوريون على الدوام يريدون تقليل الهوة بين السعر الرسمي المرتفع في السوق السوداء، وبين السعر المصرفي له، والتي كانت لعقود مصدر اضطراب اقتصادي. أما اليوم، فالغاية من مطالبة المركزي بالتدخل هو الشعور العام بأنهم “يسرقون علناً” من فئة قليلة “محظوظة”، وتحت مسميات تحرير مهنة الصرافة، وانعدام الرقابة عليها. فصارت الغاية من التدخل الحكومي تحت أي مصطلح اقتصادي هي ليست فقط اللحاق بالسوق، بل التحكم بإيقاعه لوقف نزيف مدخرات السوريين على أيدي التجار المتنفذين.
الحديث عن “تعويم مدار” صار ضرورة مجتمعية، كما هو حاجة اقتصادية ملحة، لتحقيق سياسة نقدية واقعية، لإعادة الإمساك بخيوط السوق بالشراكة العادلة، عبر الشفافية، والمرونة، والانفتاح على التحويلات النظامية والاستثمار.
إن نجاح هذا النموذج “المقترح” مشروط بتوافر سيولة نقدية كافية لدى المصرف المركزي للتدخل، ووجود أدوات رقابة فاعلة، وإرادة سياسية لحماية الاقتصاد من التضخم والمضاربة. غاية ما يحتاجه المواطن المسحوق فعلياً، الشعور باستقرار الأسعار، ليس لأنه يملك الدولار، بل لأن كل سلبيات تدحرج سعره نزولاً أو صعوداً تنعكس على رغيف خبزه، وتسعيرة تذكرة مواصلاته المهترئة. ولهذا، ربما السياسة الجديدة تنهي حالة التلاعب المتعمدة بثقة العملاء بالمصارف التي تآكلت منذ عام 1963.
لا شك أن المطارح التي تألم منها الاقتصاد السوري كثيرة ولا تعد، ولا أحد يملك العصا السحرية لعلاجها، خصوصاً ما يتعلق بسعر الصرف الذي إن انخفض، يمد لسانه للسوريين شامتاً، وإن ارتفع يغتال أحلام صغار الكسبة وفقراء الشعب، وإما يجعلنا نقول صراحة إن المطلوب من حاكم مصرف سوريا أن تدار الليرة بالعقل الاقتصادي الذي عرف به، لا بالشعارات والتصريحات. وأن يبدأ بشق الطريق نحو التعافي، لجعل الدولار مجرد عملة لا أداة شماتة، تذبح عنق حاملها. فهل آن الأوان؟
المدن
————————————-
الإنفاق العام وتحفيز النشاط الاقتصادي: زيادة الأجور والرواتب والدعم الاجتماعي أولوية للحكومة المؤقتة/ نبيل مرزوق
نشر في 10 تموز/يوليو ,2025
تحاول هذه المقالة التركيز على سمات الوضع الراهن الذي خلّفته الحرب والصراع، على مدى 14 عامًا، من حيث دمار قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والفقر والبطالة، وذلك بعدما أعلنت الحكومة المؤقتة نيتها زيادة الأجور للعاملين في الدولة والقطاع العام، كبادرة مشجعة، إلا أنّ ذلك يتطلب توسيعًا وزيادة في الإمكانيات بعيدًا عن بعض ما أوحت به بعض التصريحات التي مكانها الإصلاح الإداري والمؤسسي، وهو خطوة تحتاج إلى رؤية استراتيجية، لكونها ليست مشكلة شخصية أو مشكلة فئات معينة.
تحاول الورقة، من خلال استعراض عوامل القصور في الطلب والإنتاج، الدعوة إلى زيادة ملموسة في الإنفاق العام وتدعم التوجّه إلى زيادة الأجور، وإسعاف القطاع الزراعي وتخليصه من معوقاته الحالية، وتوفير دعم مالي أو تسهيلات في سنته الأولى من استعادة نشاطه. يشكّل فقر الدخل وانعدام الموارد للعديد من الأسر المتضررة، بفقد معيلها أو مأواها أو بمعاناتها من الإعاقة والشيخوخة، حرمانًا بالغ الأثر على معيشة هذه الفئات الاجتماعية، ما يتطلب تضامنًا وطنيًا وتشريعات وتدابير مالية، تساعد هذه الأسر في الحصول على حياة كريمة تتجاوز أهميتها دورها الاقتصادي، لتكون جسرًا للسلم الاجتماعي والأهلي. وتؤكد الورقة أهمية التضامن وضرورة استعادة رأس المال الاجتماعي وإعادة بناء الإنسان السوري، لتحقيق التنمية والرفاه.
يمكنكم قراءة المادة كاملةً من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————–
فيتنام وسوريا.. دروسٌ في التعافي الاقتصادي المتوازن/ وائل مرزا
2025.07.07
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح الاقتصادية بحدة، وتُلقي فيه السياسة بظلالها على التجارة الدولية، وفي مشهدٍ يختصر تحولات التاريخ وجدلياته الكبرى، برز قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ أيام، بفرض تعرفةٍ جمركية بنسبة 20% على الواردات الفيتنامية، مبرراً ذلك بوجود عجزٍ تجاريٍ كبير لصالح فيتنام.
هذا القرار يسلّط الضوء على ظاهرةٍ اقتصادية لافتة: ففيتنام، الدولة التي عانت من حروب مدمرة لعقود، تُصدِّرُ اليوم إلى الولايات المتحدة ما قيمته أكثر من 39 مليار دولار، بينما لا تستورد منها سوى نحو 3 مليارات دولار، مما يشكل عجزاً تجارياً هائلا لصالح هانوي. إن هذه الارقام ليست مجرد إحصائيات، وإنما هي قصة تحولٍ اقتصادي مذهل، تقدم دروساً قيمة، خاصةً لدولة مثل سوريا التي تمر بمرحلة “تحرير” وتستشرف مستقبلها.
لقد خاضت فيتنام تجربة “Doi Moi” منذ عام 1986، حين قرّرت التحرر من قبضة الاقتصاد المركزي الجامد من دون أن تتخلّى عن هويتها السياسية، حيث قرّرت، وقتها، أن تكون دولة إنتاج، فلم تضع كل رهاناتها على العقارات أو الخدمات أو الدعم الخارجي، بل بنت ثقافة تصديرية، وشجعت على تكوين الصناعيين، وربطت التعليم المهني بسوق العمل.
فتحت فيتنام الأبواب للاستثمار، ولكن بشروطها، أصلحت التعليم وربطته بسوق العمل، اعتمدت على الصناعات الخفيفة القابلة للتصدير، لا على أوهام الصناعات الثقيلة، ومن خلال علاقاتٍ مدروسة مع السوق العالمية، تحوّلت إلى عقدةٍ رئيسةٍ في سلاسل الإمداد العالمية، ووجهة إنتاجٍ مهمة للإلكترونيات والملابس والسلع الزراعية المعالجة.
وعلى النقيض من فيتنام التي كانت، خلال حروبها، تعيش في فقرٍ مدقعٍ وتفتقر إلى بنيةٍ صناعيةٍ حقيقية، تمتلك سوريا إرثاً صناعياً وتاريخاً اقتصادياً مزدهراً يسبق فيتنام بكثير، فقبل عقود من قيام الثورة، كانت الصناعة السورية، خاصةً في مجالات النسيج، والأغذية، والصناعات الخفيفة، مزدهرةً ومنافسةً في المنطقة، وكانت المدن السورية مثل حلب وحمص ودمشق مراكز صناعية وتجارية حيوية، بينما كانت فيتنام ما تزال عالقةً في حروب الوصاية والصراعات الأيديولوجية.
لم تكن سوريا بلداً صناعياً متكاملاً، لكنها كانت في طريقها إلى أن تكون كذلك، وهذا التاريخ الصناعي يقدّم لسوريا ميزةً نسبيةً كبيرةً في مرحلة ما بعد “التحرير”، حيث توجد خبرات متراكمة، وبنية تحتية قابلةٌ جداً لإعادة التأهيل، ويدٌ عاملة ماهرة معروفة بإتقانها للعمل الصناعي.
واليوم، بعد عقدٍ ونيف على حربٍ مدمّرة، تقف سوريا على مفترق طريق، فالناتج المحلي الذي كان يزيد على 60 مليار دولار في 2010 تراجع إلى نحو ربع هذا الرقم، وقد خلّفَ التهجير، ومعه انهيار البنية التحتية، والعقوبات، اقتصاداً شبه مُعطّل، ولكن، ما تزال هناك، تحت هذا الركام، طاقةٌ كامنة -مادية وبشرية- لو وُظّفت بشكلٍ رشيد، لأمكن لها أن تتجاوز ما فعلته فيتنام.
والفرق هنا لم يكن، ولن يكون، يوماً، في حجم الثروات الطبيعية، وإنما في كيفية التفكير، وفي شكل القرار السياسي والاقتصادي، وفي جرأة النخب على إعادة تعريف الأولويات.
فسوريا تمتلك موقعاً جغرافياً فريداً بين آسيا وأوروبا، ولديها جاليات واسعة في الخليج وأوروبا تملك المال والخبرة، هذا فضلاً عن ذاكرةٍ صناعيةٍ حيّة، وقاعدةٍ من المعارف التقنية، وإن كانت متناثرة اليوم.. فوق هذا، تمتلك سوريا أيضاً فرصةً إقليميةً ودولية نادرة: تبدأ باهتمامٍ صينيٍ وروسيٍ وخليجي متزايد بالاستثمار، ولا تنتهي بشهيةٍ أممية عالمية لإعادة الإعمار، لكن الفرصة وحدها لا تكفي، فكل فرصةٍ كبرى، إن لم تُقابل برؤية، تصبح عبئاً أو تُختطفُ لصالح حفنةٍ من المنتفعين.
من هنا، تبرز الحاجة إلى بذل جهودٍ خلاقةٍ مضاعَفة لكي تتبنى سوريا نموذجاً اقتصادياً يوازن، بمهارةٍ شديدة، بين الانفتاح وضرورة الحفاظ على العدالة الاجتماعية وتجنب فخاخ السياسات النيوليبرالية المتطرفة، فبينما يُعدُّ الانفتاح على السوق العالمي والاستثمار الأجنبي محركاً للنمو، يجب أن يكون هذا الانفتاح موجهاً ومقيداً بضوابط تضمن توزيعاً عادلاً للثروة، وتحمي القطاعات الحيوية، وتوفر شبكة أمانٍ اجتماعي للمواطنين.
إن الانفتاح على الاستثمار لا يجب أن يعني بيع أصول الدولة أو التورط في وصفات نيوليبرالية جاهزة، وإن مشاريع إعادة الإعمار، إن لم تُربط بسياسات إنتاجية واضحة، فستكرّس الريع وتُعيد إنتاج الفقر ذاته، والغرقُ في سياسات الخصخصة الشاملة، ورفع الدعم عن السلع الأساسية من دون بدائل، وتحرير الأسواق بشكلٍ مطلق، قد يؤدي إلى تفاقم الفوارق الطبقية وزيادة الفقر وإضعاف قدرة الدولة على التدخل لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتلك نتائج قد تقوض الاستقرار الاجتماعي والسياسي على المدى الطويل، وتخلق أرضيةً خصبةً لأزمة جديدة.
لهذا، يجب أن يكون الهدف هو اقتصاد سوق اجتماعي، يجمع بين كفاءة السوق ودور الدولة في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، فضلاً عن ذلك، يجب ألا تتضارب التنمية الاقتصادية مع الحرص على صون ما هو أصيلٌ، وقابلٌ للحياة، في هوية سوريا الثقافية والتاريخية، وتجنب ذوبانها في أنماط استهلاكية أو ثقافية دخيلة.
إن التنمية ليست مجرد أرقامٍ اقتصادية، ولا يجب أن تُقايضَ بالهوية، وإنما هي عمليةٌ شاملة تمس روح المجتمع، وليس المطلوب أن تتحوّل سوريا إلى سوقٍ تستهلك ما يُنتج في الخارج، بل أن تبني نموذجاً خاصاً بها: منفتحاً على العالم بلغته، متمسكاً بجذوره.
لقد حافظت فيتنام، رغم انفتاحها الاقتصادي، على كثير من خصوصيتها الثقافية، وثمة لسوريا تاريخٌ وحضارة عريقة، وتنوعٌ ثقافي غني، هو بمجمله تراثٌ يجب أن يكون مصدراً للقوة والإلهام، لا عبئاً أو شيئاً يمكن التضحية به في سبيل التقدم المادي.
وهذا يتطلب الاستثمار في التعليم الذي يعزز الانتماء، ودعم الفنون والآداب التي تعكس الهوية، وتشجيع السياحة الثقافية التي تبرز أصالة البلاد، ووضع سياسات تحمي التراث المادي وغير المادي، كما أن قطاع الثقافة والفن والسياحة التراثية يجب أن يصبح جزءاً من مشروع التنمية، لا مجرد إضافةٍ تجميلية. إن التنمية المستدامة هي تلك التي تبني المستقبل دون أن تهدم الماضي، وتستفيد من تجارب الاخرين دون أن تفقد ذاتها.
وكما فعلت فيتنام، ثمة شرطٌ أساسي يتمثل في أن تتجاوز سوريا الصراعات الأيديولوجية التي مزقتها، وأن تُركِّزَ على المصلحة الوطنية العليا المتمثلة في التعافي الاقتصادي، وتحسين مستوى معيشة المواطنين جميعاً، وهذا يتطلب براغماتية سياسية وقدرة على بناء توافقات داخلية حساسةٍ مدروسة، وصولاً إلى عملية مصالحةٍ سياسية وثقافية واجتماعية شاملة في سوريا.
إن دروس التاريخ كثيرةٌ في هذا السياق، فقد نهضت ألمانيا بعد حربين عالميتين لأنّ القرار كان سيادياً في جوهره، وارتفعت كوريا الجنوبية من دولةٍ تعتمد على المعونات إلى قوةٍ صناعيةٍ عالمية، لأنها وضعت الإنتاج في قلب السياسة، أما مصر، على سبيل المثال، فقد طبّقت التحرير الاقتصادي بلا حمايةٍ اجتماعية كافية، فانتهى بها الحال إلى تركّز الثروة بيد قلة، وانفجارات اجتماعية لاحقة.
إن ما تحتاجه سوريا ليس فقط قوانين جديدة، وإنما عقلٌ سياسي جديد، يؤمن أن الأمن يبدأ من رغيف الخبز، ومن كرامة المصنع، ومن ثقة المستثمر، ومن كفاءة الإدارة، فليس المطلوب هنا الانتقال من الدولة الأمنية إلى دولة السوق، وإنما إلى دولةٍ مُنتِجة، توازن بين القوة والعدالة، وبين الانفتاح والسيادة، وبين التخصص الصناعي والتكامل الثقافي.
وإن سوريا تمتلك فرصةً حقيقيةً، في ضوء الانفتاح الحالي على الاستثمارات، وتَحرُّك بعض القطاعات الاقتصادية، للبدء بمسارٍ وطني حقيقي: مسار يعيد الاعتبار للصناعة المحلية، ويُصممُ قانوناً محفزاً للمناطق الصناعية، ويضع “التصدير” هدفاً حقيقياً لا شعاراً فارغاً.
لكن هذا يتطلب تحوّلاً إدراكياً في النخبة السياسية والاقتصادية، يقرّ بأن مستقبل سوريا لا يُبنى على مساعدات أممية، ولا على تحويلات المغتربين فقط، بل على اقتصادٍ منتج، يعيد للدولة هيبتها من بوابة العمل، لا من بوابة الأمن فقط، وإذا كانت فيتنام قد نجحت لأنّها قرّرت أن تُراكِمَ المعنى فوق الألم، فإنّ سوريا قادرةٌ على أن تسبقها إن هي جعلت من ذاكرتها قوةَ دفع، ومن حاضرها لحظةَ إدراك، ومن مستقبلها مشروعاً لا يقبل التأجيل.
تلفزيون سوريا
————————————
سوريا تُعيد رسم اقتصادها: صناديق سيادية وحوافز للمستثمرين
الخميس 2025/07/10
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم اقتصادية متتالية، تضمنت إحداث صندوقين سيادي وتنموي مستقلين، وتعديلات وُصفت بالمحفّزة على قانون الاستثمار. وتعدّ هذه الخطوات بمثابة تحوّل نوعي في هندسة السياسات الاقتصادية الرسمية، عبر إعادة تعريف دور الدولة كمستثمر وشريك، لا كممول مباشر فقط، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والمبادرات الوطنية والدولية.
المرسوم 112: صندوق التنمية لإعادة الإعمار
بموجب المرسوم 112 لعام 2025، تم إحداث صندوق التنمية كمؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئاسة الجمهورية. ويهدف الصندوق إلى دعم مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، خصوصًا في المناطق المتضررة، من خلال أدوات تمويلية غير تقليدية تشمل التبرعات المحلية والدولية، والهبات، والإعانات، دون تحميل الخزينة العامة أعباء إضافية.
وفي تصريح لـ “المدن”، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور علي محمد أن المرسوم يشكل “خطوة استراتيجية نحو بناء ذراع تمويلية مستقلة وفعالة للدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب”، ويشير إلى أن “الصندوق ليس مجرد مؤسسة بيروقراطية، بل هيئة تنفيذية مستقلة لها شخصية قانونية واضحة، ما يضمن لها العمل بأدوات القطاع الخاص في التنفيذ، بعيداً عن الإبطاء والإعاقة المؤسسية”.
ويضيف محمد أن المرسوم يتميّز بـ”هيكلية إدارية دقيقة تشمل مجلس إدارة، ومديراً عاماً، وتفويضات واضحة الصلاحيات”، كما أن النصّ على إمكانية الاستعانة بشركات تدقيق خارجية ورفع تقارير دورية للرئاسة يعكس “جدية الرقابة وشفافية الأداء”.
في السياق، يلفت محمد، إلى أهمية تبني فكرة القرض الحسن كآلية تمويل ضمن الصندوق، بوصفها أداة ذات بُعد اجتماعي واقتصادي تستند إلى منطق التمويل الإسلامي، وتهدف لدعم مشاريع حيوية دون فرض فوائد مالية، وهو ما يعطي بعدًا تنموياً جديداً يتناسب مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحالية في البلاد.
المرسوم 113: استثمار مباشر وتحويل الأصول لرافعة إنتاجية
المرسوم رقم (113) نص على إحداث الصندوق السيادي للجمهورية العربية السورية، ككيان استثماري مملوك من الدولة يُدار بطريقة مستقلة ومهنية، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي من خلال استثمار الفوائض المالية والأصول العامة الراكدة، وتحويلها إلى أدوات إنتاجية مباشرة ضمن السوق المحلية أو على مستوى الاستثمارات الخارجية.
يعتبررئيس المنتدى الاقتصادي السوري عماد غريواتي، والصناعي محمد الشاعر، أن الصندوق يمثل نقلة نوعية في الفكر الاقتصادي الرسمي، حيث “يوفر للدولة فرصة الدخول في مشاريع استراتيجية كطرف شريك، دون اللجوء إلى أدوات الدين أو الاقتراض الخارجي”، مؤكدين أن “وظيفته تشبه شركة قابضة وطنية، لكنه لا يحمّل المالية العامة أعباء أو التزامات مباشرة”.
ويوضحان في تصريح لـ “المدن”، أن الصندوق يشكل منصة تنظيمية لاحتضان المبادرات الفردية والمشتتة ضمن كيان مؤسسي، مع الإشارة إلى ما نادى إليه الصناعيون ورجال الأعمال مراراً، بإنشاء مظلة موحدة تتيح لهم الاستثمار الآمن في مشاريع وطنية.
وعليه يصف غريواتي والشاعر، هذا الصندوق بأنه قد يكون “الأداة المنتظرة لتجميع الطاقات ورأس المال السوري المغترب والمحلي، وتحويلها إلى قيمة إنتاجية فعلية”.
كذلك، يتفق غريواتي والشاعر، على أن نجاح الصندوق مرهون بإدارته المهنية، وشفافيته في الاختيار، والوضوح في التوجّه التنموي، خاصة إذا تم تحديد أولوياته وفقاً لحاجات الاقتصاد المحلي والقطاعات المنتجة.
من جهته، يعتبر الباحث الاقتصادي الدكتور علي محمد، أن إنشاء الصندوق السيادي يمثل “واحداً من أخطر الأدوات التي يمكن أن تُحدث تحولاً نوعياً في إدارة أصول الدولة”، ويشير إلى أن الصندوق يعتمد على نموذج استثماري عالمي يقوم على إدارة الأصول غير المستثمرة حالياً، وتحقيق عوائد مالية مستدامة للدولة، من خلال مشاريع استراتيجية طويلة الأجل.
ويوضح محمد لـ “المدن”، أن المرسوم يضمن للصندوق هوية قانونية مستقلة، تمكنه من التصرف بحرية في الأصول الحكومية، بعيداً عن الروتين الإداري، كما ينصّ على تشكيل مجلس إدارة بمرسوم رئاسي، واعتماد تقارير رقابية دورية تُرفع مباشرة إلى رئاسة الجمهورية، ما يوفّر أعلى مستويات الشفافية المؤسسية، بحسب تعبيره.
كذلك، يؤكد محمد أن الصندوق “يستلهم من تجارب عالمية ناجحة كصناديق النرويج والسعودية والإمارات”، منوهاً بأن الهدف الأساسي للصندوق في الحالة السورية هو تحفيز الإنتاج الوطني وتفعيل الموارد المعطّلة، سواء عبر ضخ استثمارات مباشرة في مؤسسات قائمة أو دعم مشاريع جديدة، بما يخلق دينامية اقتصادية طويلة الأمد.
المرسوم 114: ضمانات أكبر وحوافز أوسع
في السياق، أصدر الرئيس الشرع المرسوم رقم 114 لعام 2025 القاضي بتعديل بعض مواد قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، حيث أدخل المرسوم سلسلة من التعديلات التي وُصفت بأنها “ضمانات إضافية” و”محفزات مشجعة” للمستثمرين، خصوصاً في مجالات الإعفاءات، والملكية، والتشريعات الناظمة.
الخبير المالي والمصرفي أنس الفيومي اعتبر في تصريح لـ “المدن”، أن التعديلات جاءت لتلبي مطالب جوهرية لطالما طُرحت من قبل المستثمرين السوريين والعرب، وعلى رأسها موضوع الضمانات الدستورية والتشريعية، مشيرًا إلى أن “النص على إشراف رئاسي مباشر في مواد القانون يعزز الثقة بالبيئة القانونية للاستثمار”.
ويضيف الفيومي أن المرسوم رفع نسبة الإعفاء الضريبي من 75٪ إلى 80٪، وهي نسبة كبيرة في ظل المنافسة الإقليمية، كما شمل التعديل المشاريع الصحية التي كانت مغفلة سابقاً، إضافة إلى الاستثمار في البنى التحتية، وهو توجه ضروري لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
ويلفت أيضاً إلى أن أحد البنود الأكثر جذبًا هو تعديل آلية تحويل أجور العاملين الأجانب، حيث أصبح بالإمكان تحويل كامل أجورهم وتعويضاتهم إلى الخارج عبر القنوات المصرفية، بعد أن كانت النسبة محددة بـ 50٪، ما يساهم في تسهيل تشغيل الخبرات الأجنبية.
كذلك يشير الفيومي، إلى أن التعديل عالج نقطة محورية تتعلق بوضوح الالتزامات الضريبية، حيث نص على أن “أي مشروع حاصل على ترخيص لا يخضع لضرائب أو تعليمات جديدة لاحقة”، وهو ما يمنح المستثمر يقيناً مالياً على المدى الطويل.
في السياق، شملت التعديلات التحكيم كخيار قانوني لفض النزاعات، وتوسيع الحوافز الجمركية لتشمل إمكانية استخدام المعدات والتجهيزات الممولة للمشروع في أكثر من مجال أو حتى تأجيرها أو المشاركة بها في مشاريع أخرى، ما يمنح المستثمرين مرونة أكبر في إدارة أصولهم، وفقاً للفيومي، الذي يعتبر أن المرسوم يعكس رغبة واضحة بإعادة جذب رؤوس الأموال السورية المهاجرة، وتهيئة بيئة قانونية وتنفيذية تشجع على إطلاق مشاريع استراتيجية في المرحلة القادمة من إعادة الإعمار والتنمية.
المدن
——————————–
الشرع يحدث “الصندوق السيادي” في سوريا
أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع اليوم، الأربعاء 9 من تموز، مرسومًا يقضي بأحداث صندوق سيادي.
وجاء في المرسوم في رقم “113”، أنه يحدث في الجمهورية العربية السورية مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى “الصندوق السيادي” تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية، وفق ما ذكرته الوكالة السورية الرسمية (سانا).
وتابع أن إحداث الصندوق يهدف إلى:
تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة.
الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من جميع الاختصاصات.
تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة.
تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية، وفق المرسوم.
وبين المرسوم أن الصندوق يعمل بالاعتماد على نظام حوكمة صارم وشفاف من خلال، تقارير ربع سنوية وسنوية تقدم لرئاسة الجمهورية، والتدقيق المالي غير أجهزة مستقلة عن الصندوق، إضافة إلى الرقابة الآنية وتصويب الأخطاء قبل وقوعها.
ويتولى إدارة الصندوق مجلس الإدارة ومدير عام، ويتألف مجلس الإدارة:
رئيس مجلس الإدارة رئيسًا
المدير العام نائبًا للرئيس وعضوًا
معاون المدير العام عضوًا
أحد المديرين في الصندوق عضوًا
ثلاثة خبراء أعضاء
ويسمى كل من مجلس الإدارة ومدير عام الصندوق بمرسوم، ويعتبر الأخير عاقد النفقة وآمرًا للتصفية، والصرف ويمثل الصندوق أمام القضاء والغير.
ولا تعتبر جلسات مجلس الإدارة قانونية إلا بحضور أغلبية الأعضاء من بينهم الرئيس، وفي حال غيابه ينوب عنه في رئاسة المجلس نائب رئيس مجلس الإدارة، وفق المرسوم.
وأضاف المرسوم أن قرارات مجلس الإدارة تتخذ بأغلبية الأصوات وفي حال تساوي الأصوات يرجح جانب الرئيس.
ويكون المدير العام مسؤولًا أمام مجلس الإدارة وأمام رئيس الجمهورية عن حسن سير العمل بالصندوق ويتولى المهام والاختصاصات الواردة في النظام الداخلي للصندوق، بحسب ماورد ضمن المرسوم.
وبين المرسوم أن الموارد المالية للصندوق تتكون من المصادر الآتية:
الاعتمادات والأموال التي تخصصها الدولة له
الموارد التي تتحقق من نشاطات الصندوق
قيمة الأصول الثابتة في المجلس والاستثمارات الخاصة به
الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة
ويصدر النظام الداخلي للصندوق بقرار من المدير العام، أما الهيكل التنظيمي للصندوق متضمنًا الملاك العددي يصدر بمرسوم.
وانتقد مدير البرنامج السوري في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، الدكتور كرم شعار، المرسوم لأنه يسمح للرئاسة التصرف بممتلكات القطاع العام والاستثمار بمعزل عن الوزارات أو السلطة التشريعية.
وفي ظل الوضع الإداري والقانوني المعقد للمرحلة الانتقالية، يمكن تفهم المرسوم بحكم المرحلة الانتقالية، لكن كون “الصندوق السيادي” لا يخضع للمساءلة من أحد وتقاريره المالية تعرض على الرئاسة فقط، فهو غير متفهم وغير منصف للسوريين الذين من أموالهم جرى بناء القطاع العام، بحسب شعار.
ويأتي مرسوم إنشاء “الصندوق” وسط سعي الإدارة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى إرساء أسس جديدة لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري وإنعاشه بعد سنوات من الصراع والتدهور الاقتصادي.
———————————



