أبحاثالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

مقالات مختارة عن الطائفية في سوريا

الطائفية ما بعد الأسد: في لحظة انكشاف الدولة والمجتمع/ هدى زين

نشر في 30 حزيران/يونيو ,2025

في لحظات التحوّلات الجذرية التي تمرّ بها المجتمعات الغنيّة، بتنوعها الديني -كما في الحالة السورية- لا تظهر الطائفية كعرضٍ طارئ للفوضى، ولا كمجرد نكوص في الوعي الجمعي، بل يتم تصنيعها كأداة لإعادة ترسيم الحقول السياسية والاجتماعية، وكآلية لإعادة التموضع وتوزيع النفوذ، في ظل انعدام الأفق الوطني وتعرّي البُنى.

الطائفية هنا لا تُختزل في كونها ردّة فعل سطحية أو استدعاء ميكانيكيًا لذاكرة ماض مقموع، بل تمثّل تصدّعًا داخليًا في نسيج التجربة المشتركة، وتتحول إلى أحد أنماط إعادة إنتاج الصراع، حين يتداعى العقد السياسي مُمثّلًا في دولة جامعة، ويتقوّض العقد الاجتماعي كأساس للتماسك والعدالة، فتغدو الدولة فراغًا سلطويًا وأمنيًا قابلًا لملئه بالانتماءات ما دون الوطنية.

بعد سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، لم تكن البُنى المجتمعية والسياسية والمؤسساتية السورية تحمل الحد الأدنى من مقوّمات الدخول في مشروع وطني جامع. على العكس، انكشفت البلاد دفعة واحدة على آثار أربعة عشر عامًا من العنف، وعلى إرثٍ طويل من التفكيك البنيوي للدولة والمجتمع معًا.

لم تكن لحظة الانهيار بداية بناء، بل لحظة انكشاف مرير على هشاشات راكمتها عقود الاستبداد وصراعات الثورة والحرب، ما فتح الباب أمام مرحلة انتقالية غامضة، تتداخل فيها احتمالات سقوط الدولة مع مؤشرات تفكك الاجتماع الوطني. وفي مثل هذه السياقات، يسود فراغ هرمي يبتلع الحدث ويُقطّع تسلسله، فتنبثق عنه تكتلات وانقسامات تسعى إلى احتلال الحقل العام، وغالبًا ما تتشكّل جماعات مغلقة، تلتفّ حول سردياتها الخاصة، وتبني آليات حمايتها بالانغلاق حول ذاتها. تندفع هذه الجماعات نحو اصطفافات وتفاهمات تُؤسَّس على المصلحة والخوف، وسرعان ما تتحول إلى ديناميات طائفية متسارعة. وهذا التصاعد ليس مجرّد استجابة تلقائية لسقوط النظام، بل نتيجة مركبة لتفاعل هشاشات متجذّرة مع فراغ سلطوي، ومخاوف غير مؤطّرة، وبُنى تمثيل مجتمعي لا تزال أسيرة مرجعيات ما قبل وطنية.

الطائفية، بهذا المعنى، لا تُفهَم ضمن حدود الوعي أو الأخلاق فحسب، بل تُقارب كبنية سياسية–خطابية، ومصلحية–وظيفية، تستعيد فاعليتها كلّما غابت السياسة كمجال جمعي منظم، أو فشلت في إدارة التعدد ضمن مشروع وطني متماسك. من هنا، فإن تشخيص الظاهرة الطائفية في سورية ما بعد ديسمبر 2024 لا يُعدّ ترفًا نقديًا ولا تمرينًا توصيفيًا، بل ضرورة معرفية وسياسية عاجلة، تتطلب تفكيك الشروط العميقة التي تعيد إنتاجها، لا الاكتفاء بإدانة تمظهراتها.

المحور الأول: تشخيص الظاهرة وتحليلها

المعطيات الملموسة منذ ديسمبر 2024

منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024 شهدت الساحة السورية تصاعدًا ملحوظًا للطائفية، لا كمجرد خطاب تعبوي، بل كبنية فاعلة تتجلى في ممارسة سياسية-اجتماعية متعددة المستويات: 

أولًا: على صعيد السلطة الجديدة، كشفت التعيينات الرئاسية أو الوزارية في مواقع تنفيذية، أمنية، وقضائية حسّاسة عن تموضع أحادي ضمن لون طائفي واحد، ما عمّق شعور الإقصاء لدى “مكونات” سورية أخرى، أوحى بأن الدولة الناشئة يُعاد تشكيلها على قاعدة تمثيل ضيق ومغلق.

ثانيًا: على مستوى الخطاب السياسي، تبنّت بعض القوى السياسية الصاعدة سرديات تستند إلى مقولات مثل “حماية الأقليات” أو “رفع المظلومية التاريخية” ضمن تأطير طائفي أو إثني، ما أعاد تفعيل منطق المحاصصة، وإن بِصورة غير معلنة.

ثالثًا: على المستوى المجتمعي، شهدت الساحة السورية انكماشات وانزياحات هوياتية متبادلة، ترافقت مع استدعاء سرديات ماضوية تُعيد التاريخ القريب والبعيد بمنظار طائفي، مما قوّض إمكانات بلورة خطاب وطني جامع وأدّى إلى عزلة متزايدة بين الجماعات، سواء بشكل منفرد أو عبر تحالفات ضيقة.

رابعًا: على المستوى الأمني ـ الميداني، برزت تشكيلات محلية ذات طابع طائفي واضح في مناطق عدة كالساحل والسويداء وبعض مناطق الشمال، ما كرّس الطائفية لا كخطاب فحسب، بل كأداة فعلية للسيطرة الميدانية.

خامسًا: على الصعيد الاقتصادي، تداخلت شبكات الولاء والانتماء الطائفي مع فرص الوصول إلى الموارد والتمثيل المحلي، خصوصًا في ظل إفلاس الدولة وتعثر الإعمار، مما جعل من الطائفة في كثير من الحالات المسار الأقصر نحو النجاة المعيشية. وهكذا، لم تملأ الطائفية فراغ المعنى فقط، بل فراغ الخبز والحماية.

رؤية تحليلية:

لا تولد الطائفية من وعي جاهز، بل من شروط اجتماعية وسياسية تولّد الحاجة إليها كملاذ أخير. فحين تعجز السياسة عن تنظيم التناقضات ضمن الفضاء العام، تتقدّم الطائفة كبديل دفاعي للانتماء، لا يّعِد بالعدل، بل بالحماية.

منذ عام 2011، مع العجز التدريجي للقيام بوظائف الدولة، بدأت الجماعات المحلية تعيد إنتاج ذاتها عبر الولاءات الأولية: الطائفة، العشيرة، الدين، والمنطقة. جاء هذا التحول في ظل تآكل شبكات التضامن الأفقي (النقابات، الجمعيات، الروابط المهنية) التي كانت تتيح بعض أشكال التماسك المجتمعي، ليحلّ محلها منطق الحماية الفئوية والسلاح والولاء. لم تكن هذه الدينامية حتمية، لكنها حدثت بفعل تحلل الحقل السياسي، وتحول منطق الثورة من مشروع وطني جامع إلى حلبة تمثيل للهويات المغلقة، في لحظة كشفت الفراغ الوطني عن تموضعات ما قبل وطنية.

في أعقاب السقوط، لم تحضر الطائفية كوعي مجرد، بل تجسّدت كمنظومة إدراكية وخطابية تداخلت فيها وظائف عدة منها:

أولًا: كنمط إدراك للذات والآخر، يُعاد من خلاله بناء الهوية على أساس التمايز لا التشارك، وتُصنّف الذاكرة الجمعية وفق مواقع الانتماء الهوياتي لا وفق أفق وطني مشترك.

ثانيًا: كأداة صراع على الهيمنة، تُستخدم الطائفية لإقصاء الآخر واحتلال موقع لها في الحقل السياسي الجديد، فتتحول إلى معيار لما هو ممكن وممنوع سياسيًا.

ثالثًا: كآلية للانكماش والحماية، حيث تُستدعى الهوية الطائفية بوصفها شبكة أمان مادية ورمزية في غياب الضمانات الوطنية. 

في كل هذه الوظائف، لا تظهر الهوية الطائفية كمعطى مسبق، بل كعلاقة سياسية دينامية يُعاد إنتاجها في شروط الانكشاف والانهيار. فتصبح الطائفية فاعلًا ومفعولًا به في آن، خطابًا وأداةً، آلية صراع ودرع نجاة.

الجذور البنيوية الممتدة

لفهم دينامية الطائفية بعد سقوط الأسد، لا بدّ من العودة إلى البنى التي مهّدت لتحولّها إلى أفق للصراع ولو بعجالة. لم يؤسّس النظام الأسدي دولة مؤسسات فعلية تخضع لمنطق القانون العام، بل شيّد منظومة سلطوية هجينة، لعبت فيها المؤسسات دور الواجهات الخدماتية، في حين تولت الأجهزة الأمنية والعنفية التحكم الفعلي بالمجتمع عبر الزبائنية والتسلط. وأعادت هذه الأجهزة تشكيل المجال العام على حساب الحريات والقانون، وحلّ الحزب الحاكم محل السياسة كأداة إخضاع، في حين تحول المجتمع المدني إلى واجهة فارغة المضمون.

وعلى مدى عقود، جرى تفكيك الروابط الأفقية التي تشكل نسيج المجتمع، من خلال ترييف المدن وضرب الطبقة الوسطى، وتحويل النقابات إلى أدوات ضبط، وتعزيز الولاءات العشائرية والمناطقية. لكن هذه “الهشاشات” ظلّت مضغوطة تحت قشرة الطغيان، ما جعل لحظة السقوط لحظة انكشاف، لا لحظة تفكك جديدة. 

لم تكن الطائفية غائبة عن هذا المشهد، بل كانت مُستثمرَة بذكاء سلطوي، لنتذكر -مثلًا- إطلاق الجهاديين من سجن صيدنايا لتطييف الثورة، أو سابقًا تمركز أجهزة العنف بأيدي فئة من الطائفة العلوية، مع تغليف ذلك بتحالف فوق طائفي هش مع برجوازيات سنية وريفية. وفي ظل اختناق السياسة وانكماش المجال العام، تحوّلت الطائفية إلى أحد أشكال استمرار الدولة التسلطية، لا بكونها معتقدًا دينيًا بل بوصفها أداة إدارة وتحكّم.

الطائفية ليست ظاهرة دينية بالدرجة الأولى

بالرغم من ارتداء الطائفية لباسًا دينيًا واستنادها إلى رموز لاهوتية، فإنها لا تُشتق من العقيدة، بل من علاقات القوة والانقسام الاجتماعي. بهذا المعنى، ليست جماعة “الطائفة” جماعة إيمان، بل وحدة تمثيل تعاد صياغتها داخل الحقل السياسي كأداة للفرز والإقصاء، لا للتدين أو التعبّد. اختزال الطائفية إلى ظاهرة دينية يطمس بنيتها الفعلية كأداة أيديولوجية لإدامة السلطة وتفتيت الصراع الحقيقي بين سلطة استحواذية وجماعات شعبية مهمشة.

تنتج الطائفية هوية مغلقة، تتغذى من الخوف والمظلومية، وتُشرعن الانغلاق والخضوع، ولكي تؤدي هذا الدور، تُبنى ذاتٌ جمعية شمولية تُمنح هالة رمزية خَلاصية، يبدو التقوقع داخلها شكلًا للنجاة. يتحوّل الانتماء من خيار حرّ إلى علاقة يُعاد فيها تشكيل الذات على نحو يجعل مغادرتها تهديدًا للوجود.

وقد تجلّت هذه الدينامية في ممارسات سلطوية متراكمة، بدأت منذ عهد الأسد الأب، حين استُخدمت الطائفية كأداة لإنتاج السيطرة والطاعة، وتعمّقت في عهد الابن ضمن استراتيجية أكثر تركيبًا، حيث وُظفت لتفكيك الروابط المجتمعية عبر خطاب إخضاع متواصل وممارسة قسرية ممنهجة. من الأمثلة البارزة على ذلك بعد 2011، العقاب الجماعي والتدمير المنهجي للبنى التحتية في مدن ذات أغلبية سنية، مقابل أنماط قمع انتقائية في مناطق أخرى، ما عزز صورة النظام كـ “حامٍ للأقليات”، في مواجهة أغلبية دينية ذات تنميط مُتخيّل، وكرّس تفاوتًا مدروسًا في تصميم الفرز الطائفي كأداة ضبط وسيطرة.

وفي مرحلة ما بعد السقوط، استمر هذا المنطق عبر وقائع عديدة: ففي الساحل السوري، شهد آذار 2025 جريمتين متتاليتين: الأولى هجوم نفذته مجموعات من فلول النظام السابق ضد عناصر الأمن العام، والثانية ردّ انتقامي تمثل في انتهاكات وجرائم جسيمة ضد عدد كبير من المدنيين من أبناء الطائفة العلوية، ثم تبع ذلك مشهد السويداء، بما حمله من مؤشرات على تصاعد الاستقطاب وصناعة “العدو من الداخل”، كآلية لإعادة رسم حدود الجماعات على أساس الخوف والشك المتبادل وفقدان الثقة.

خلال سنوات الثورة والحرب، تحوّلت الطائفية من أداة تحكم فوقية إلى منطق تمثيل متصارع بين الفاعلين، ثم أعيد تفعيلها بعد السقوط في تموضعات السلطة واصطفافات الفصائل. وهكذا تتبدّى الطائفية في التجربة السورية كبنية متجددة نابعة من تقاطع الاستبداد والانقسام والانتماء. ومستمرة في إعادة إنتاج ذاتها عبر صيرورة التحوّلات.

المحور الثاني: مقاربات المواجهة والمخرجات الممكنة

أـ تفكيك الشروط المنتجة للطائفية

الطائفية ليست انحرافًا أخلاقيًا يُكتفى بإدانته، بل نمط إنتاج اجتماعي ـ سياسي يُمنح شرعية من خلال بنى الانقسامات، لذا فإن مواجهتها لا تقتصر على الشجب، بل تبدأ بتفكيك الشروط التي تجعلها ممكنة، فهي لا تنشأ من فراغ، بل تتجذر في بنيات داخلية معقدة، تعيد إنتاجها باستمرار، ومن أبرز هذه البنى:  التعليم الذي يعيد تكوين الذاكرة الجمعية على أسس إقصائية أو طائفية مبطنة؛ والإعلام الذي يرسّخ صورًا نمطية ويُسوّق بخطابه التحيّز ضد الآخر الوطني؛ وبنيات الأمن المحلي التي تربط الحماية بالهوية لا بالقانون؛ والاقتصاد الزبائني الذي تُوزّع فيه الامتيازات على أسس فئوية، ما يولّد شعورًا جماعيًا بالغبن، يُستثمر لاحقًا في بناء مظلومية تعبّئ الاصطفاف.

 وبالتالي لا تبقى قيمة لأي برنامج في مواجهة الطائفية مع استمرار منطقها غير المُعلن، ولا جدوى من خطاب مدني دون مشروع وطني يضمن العدالة والتمثيل والحماية. المطلوب ليس تدمير الطوائف، بل حمايتها كخصوصيات اجتماعية وتجاوزها كمرجعيات سياسية، عبر عقد اجتماعي جديد يُعطّل الحاجة للطائفة كملاذ أمني أو كواسطة للتمثيل السياسي.

ب ـ إعادة بناء الحقل السياسي على أسس وطنية-اجتماعية

لا يمكن تصوّر سورية جديدة بلا استبداد، من دون تفكيك الحقل السياسي الطائفي وإعادة بنائه على أسس العدالة الاجتماعية والمواطنة، وهذا المسار يبدأ بثلاثة أعمدة رئيسية ولا ينتهي عندها:

1ـ دستور يضمن المساواة الفعلية: لا توازنات أو امتيازات هوياتية، بل مواطنة كقيمة قانونية-سياسية تستند إلى نظام قانوني يحمي الأفراد من التمييز، ويضمن استقلال السلطات، ويقيد منطق التعيين والقرار على الولاء الطائفي أو الاثني أو الفئوي، ويمنح السلطة التشريعية صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة.

2ـ أحزاب سياسية تطرح برامج لا هويات: فالحقل السياسي لا يُعاد بناؤه إلا بأحزاب تتنافس على السياسات والرؤى، فلا سياسة وطنية بدون أحزاب.

3ـ قانون انتخابي يتجاوز الهويات الأولية: فأيّ صيغة انتخابية تُقنن التمثيل الطائفي تعيد إنتاج الانقسام.. المطلوب قانون يقوم على دوائر واسعة وقوائم وطنية، مع فصل واضح بين التمثيل السياسي والمرجعيات الدينية.

ج ـ العدالة الانتقالية كمسار لتفكيك المنطق الطائفي

لا تُختزل العدالة الانتقالية إلى مجرد إجراء قانوني للمحاسبة، فهي عملية مجتمعية-سياسية وقضائية تهدف إلى تفكيك دوافع الانتقام والانقسام، وبناء الثقة من خلال مسار متدرّج يشمل الإنصاف، والمكاشفة، والمساءلة غير الانتقامية، والتعويض.

فالطائفية تزدهر حين تُترك المظالم دون اعتراف، ويُختزل الصراع في ثنائيات ضيقة من قبيل: “نحن الضحايا، وهم الجناة”. أما العدالة الانتقالية، فهي لا تُدين جماعة، بل تُسائل الفاعل، وتعيد الاعتبار للضحايا دون إنتاج شيطنات جديدة.  وهي ليست لحظة فاصلة، بل مسار طويل، لا يُكتب له النجاح دون شفافية واحترام القانون الدولي ومراعاة تعقيد السياق المحلي. تقع مسؤولية إطلاق هذا المسار أولًا على عاتق السلطة الجديدة، بصفتها الجهة المخوّلة بوضع أسس العدالة، لا إعادة إنتاج المنظومة القديمة بثوب مختلف.

د ـ مواجهة الاقتصاد السياسي للطائفية

لا يمكن اجتثاث الطائفية دون تفكيك بنيتها التحتية المتجذرة في شبكات الولاء والمحسوبية. المواجهة الفعّالة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي وفق مبادئ العدالة والمواطنة:

    بناء سياسات اقتصادية تعيد التوازن الطبقي، عبر نظام ضريبي عادل يوزع الدخل والثروة، ويكسر الاحتكارات.

    توزيع الموارد بعدالة جغرافية-اجتماعية، لإنهاء تهميش الأطراف وتفكيك مركزية الامتياز.

    إخضاع العقود والتوظيف وآليات التمويل لمبدأ الكفاءة والشفافية.

    فرض رقابة تشريعية على المؤسسات المالية، لمنع استخدامها كأدوات فرز طائفي أو مناطقي.

    ضمان النفاذ العادل إلى الفرص الاقتصادية، خارجوساطة المرجعيات، لكسر الاحتكار الطائفي لسبل العيش.

    تفكيك التحالف الثلاثي (بين رجال الدين، ورجال الأعمال، ورجال الميليشيات) الذي حول الطائفية إلى أداة تراكم ثروة ونفوذ.

ه ـ إعادة بناء اللغة والخطاب

لا تنمو الطائفية في الواقع فقط، بل في اللغة والخطاب أيضًا. فهي تتغذى من الكلمات التي نختارها، ومن الرموز التي نعيد بها ترسيم حدود الجماعة. لذلك، لا بد من مساءلة البنى الخطابية التي تصوغ الوعي والانتماء، بدءًا من اللغة اليومية، مرورًا بالإعلام، وصولًا إلى المناهج التعليمية والخيال الثقافي. إعادة بناء اللغة لا تعني فرض لسان واحد، بل خلق فضاء لغوي-مدني، يسمح بتخيّل الجماعة السياسية خارج القوالب الطائفية، حيث لا يكون التعبير عن الذات مشروطًا بنفي الآخر، بل نابعًا من مشاركة الذاكرة والمعاناة والمصير.

ومن يتحمّل المسؤولية؟

المسؤولية جماعية، لكنها متفاوتة:

    السلطة الانتقالية تتحمّل العبء الأكبر، إذ يقع على عاتقها تأسيس مؤسسات تُعيق إعادة إنتاج الطائفية، عبر سلطة تشريعية مستقلة، إعلام وطني، وآليات تمثيل سياسي منفتحة. 

    القوى السياسية المدنية مطالبة بتقديم صيغ بديلة عابرة للهويات الأولية والخطابات الأقلوية.

    منظمات المجتمع المدني مسؤولة عن بناء الثقة الأفقية وتفعيل شبكات حماية مدنية على تماس مع الحياة اليومية.

    النخب الفكرية والدينية مدعوّة لإنتاج خطاب نقدي يزعزع البُنى الذهنية الطائفية، ويعترف بتعدّد السرديات دون نفي الآخر والتعالي عليه. 

    الفصائل المسلّحة غير التابعة للدولة تتحمّل مسؤولية ترسيخ الطائفية بفرض الانتماء كشرط للحماية، في الشمال الشرقي والغربي والساحل والسويداء.

خاتمة مفتوحة

فرادة الحالة السورية لا تكمن في الحدث وحده، بل في كثافة التفاعل بين العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية العميقة. فالطائفية لا تُفهم خارج هذا التشابك المركّب. ومواجهتها ليست معركة رمزية أو رقمية، بل تمسّ جوهر المشروع الوطني المقبل. لن تُهزم بالنوايا، بل بالمؤسسات؛ ولن تُلغى بالشجب، بل بتفكيك البنى التي تتيح إعادة إنتاجها. وفَهْمُ شروط تشكّلها هو الخطوة الأولى في مسار مقاومتها.

نزع تسييس الدين والطائفة ليس رد فعل ظرفي، بل مشروع استراتيجي طويل النفس، يُدار بخبرات متخصصة في السياسات العامة، والتعليم والإعلام، لا بقرارات فوقية أو بشعارات مرتجلة. أما المساواة الاجتماعية، فهي الشرط الجوهري لنزع فتيل الانقسام، فحين تغيب العدالة في التعليم والصحة والسكن، يُعاد إنتاج الطائفية.

المجتمع السوري لم ينهَر، بل تفكّك، ومع ذلك لا يزال يحمل في تربته بذور “نحن” جديدة: جماعة تتأسس على الاعتراف المتبادل، وتعيد طرح سؤال الوطن بوصفه تفاوضًا حيًّا على المعنى والمسؤولية.

يمكن لسورية أن تنتقل من الفراغ إلى التماسك، إذا جرى بناء المشروع الوطني على أسس تشاركية. عندها قد تتحوّل التجربة السورية إلى واحدةٍ من أعمق الدروس في مقاومة التفكك، وإعادة تشكيل الاجتماع السياسي على قواعد تتجاوز الطائفة والانتماءات ما دون وطنية، نحو بناء الإنسان-المواطن، والدولة-المواطنة.

تنويه:

كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “الأزمة الطائفية في سورية”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.

رئيس التحرير

مركز حرمون

—————————————–

تفكيك الطائفية بأدوات نفسية (الضرورة والبنية)/ مكارم بديع الفتحي

نشر في 3 تموز/يوليو ,2025

تُعدّ الطائفية ظاهرة بالغة التعقيد متعددة الأوجه، وقد ظهرت العديد من الدراسات والمقالات التي تتناول أبعادها الثقافية والسياسية، لكن هذه الظاهرة لا تزال تثير التساؤلات أكثر مما تقدّم من إجابات؛ وتتمحور هذه التساؤلات حول جذورها التاريخية، والأفكار المؤسسة لها، والعوامل المؤثرة في نموها وتصاعدها، ونتائجها التي تدفع الأفراد والجماعات نحو العداء والصراع.

الطائفية في بنيتها التكوينية ترتكز على منظومة من الأفكار والمشاعر والسلوكيات، وتخضع لصيرورة تتأثر بالأحداث التاريخية والاستثمار السياسي. ومن ثَم فإن دراستها من حيث أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية مبررةٌ جدًا.

 في هذا المقال، نؤكد أهمية الطائفية، وضرورة التركيز على دراستها من الناحية النفسية، بأدوات علم النفس، وذلك لتجذرها في عقل الإنسان ومشاعره. إذ لا يمكن الحديث عن الطائفية دون الحديث عن الطائفيين، ولا توجد طائفية بدون أفراد طائفيين، وعندما يكون الحديث عن الأشخاص، ينبغي الاستعانة بعلم النفس وأدواته، من أجل تحليل كيفية تحرّك أفكار هؤلاء الأشخاص ومشاعرهم وسلوكياتهم.

لماذا نستدعي الأدوات النفسية لتفكيك الظاهرة الطائفية؟

 إن تشابك الأفكار والمشاعر والسلوكيات الطائفية، في أثناء التوترات السياسية، يجعل الطائفية تبدو كأنها صدمة حادة للمجتمع، أو عرض لمرض نفسي عميق يستوجب استدعاء المعالج النفسي واستشارته عما يحصل في أعماق نفوس وعقول هؤلاء الأشخاص الذين يصرّون على تدمير أنفسهم ومجتمعاتهم، بطريقة لا يستطيع كثيرون فهم إصرارهم على الانتحار الجماعي.

عندما يقوم المعالج النفسي بمعالجة مريض الاكتئاب أو القلق أو غيره، يستخدم منهجًا يبدأ من السؤال، فيسأل عن الأعراض (ما نوعها؟)، وعن تاريخ الأعراض: (متى بدأت؟ وكيف تطورت منذ بدايتها؟ ما المسار الذي اتخذته؟ ما الأفكار السلبية والمشاعر السلبية والسلوكيات السلبية التي تراكمت في المرحلة ما قبل انفجار المرض؟). هذه الأسئلة مهمّة لفهم الطائفية، كما هو الحال لفهم المرض النفسي، الذي عادة يستمر لسنوات تتراكم فيها الأفكار السلبية والمشاعر السلبية بصمت، قبل أن تتحول إلى مرض، أو قبل أن تصادفها صدمة حادة تدفعه إلى اكتئاب حاد أو قلق حاد.

 لا أودّ هنا مناقشة تصنيف الطائفية علميًا على أنها مرض نفسي أم لا؛ فهذا عمل علمي وأكاديمي يتطلب جهودًا كبيرة ومؤسسات علمية ضخمة، لكي يتم تصنيف الطائفية ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، لكن ممّا لا شك أن الطائفية مشكلة نفسية بامتياز، تتداخل فيها الأفكار والمعتقدات الراسخة، والاتجاهات الاجتماعية المكتسبة، والمشاعر السلبية العميقة، والسلوكيات المعبرة عن هذه الأفكار والمعتقدات والمشاعر. لذا يبدو أن ضعف التركيز على أبعادها النفسية يقوّض كافة جهود معالجتها. أما الكتابات التوصيفية الثقافية حول الطائفية، التي تتناول مدى وجودها في المنطقة العربية، وتأثير البعد السياسي فيها، ودراسة تطورها التاريخي، وحتى محاولات رسم أشكال تكونها الاجتماعي، فلم تكن كافية.

وباعتبار أن الطائفية فلسفة ونظام قيم تفصيلي، تتدخل في كل شؤون الحياة وتفسرها، والأشخاص المقدّسون للطائفية حرّاس لهذه التفاصيل الدقيقة الصغيرة، ومع طول الزمن وثباته، يمسي عسيرًا اعتماد مقاييسَ من خارج هذه المنظومة، أو قِيمٍ غير ما تعتقده الجماعة في نفسها[1].

فالتفاعل الحقيقي يكمن في بنية الشخصية، وضمن تعقيدات العملية المعرفية والانفعالية للإنسان، البعد النفسي للطائفية بعدٌ جوهري، ويمكن التأكيد أن العامل السياسي لا يستطيع تفجير الطائفية، ما لم يمر عبر المسار النفسي للأفراد والجماعات. ومن الاختزال المخل، تركيز الكتابات العربية على كل مناهج الكتابة دون التركيز الفعلي على جوهر الظاهرة، وهو ما يتمثل في بعدها الإنساني وتراكيبها النفسية، ضمن رؤية متعددة الأبعاد.

فالطائفية بهذا المعنى هي نتيجة معالجة عقلية وشعورية سلوكية مرّت بمسار معقّد لتصل إلى ما يعرف بالتعصب الطائفي، وهو تعلق مفرط بالطائفة، وعدم رغبة في قبول معتقدات ووجهات نظر وآراء الطوائف الأخرى، مما قد يؤدي إلى التحيز والتمييز ضد الجماعات الأخرى[2].

إن الفهم العميق للجذور النفسية للطائفية، وبناء استراتيجيات تدخل أكثر فعالية لمعالجتها، يستوجب تفكيك البنى العميقة المتجذرة في عقل الإنسان ومشاعره وفهمه. وهذا تحدٍ معرفي كبير بلا شك، ولا سيما أن فهمنا للعقل البشري، وكيفية عمله في المواقف الحياتية المرتبطة بمحركات نفسية متأثرة بمحتوى طائفي، لا يزال في مراحله الأولى.

الأدوات النفسية لتفكيك الطائفية

للطائفية -كما ذكرنا- مسار طويل للوصول إلى الشكل السياسي أو الاجتماعي. ويمكن تبسيطها على مستويين رئيسين هما: المستوى التكويني (فرضيات الأصل)، والمستوى التعزيزي (فرضيات الصيانة).

أولًا: المستوى التكويني

في المستوى التكويني دائمًا يبرز سؤال: ما هو المكوّن الأساس الذي تنشأ بسببه الطائفية؟ وعادة ما يُناقش في الظواهر والاضطرابات النفسية، إن كان هذا الاضطراب ناتجًا عن وجود جينات وراثية يمكن أن تؤدي إلى ظهور هذا الاضطراب النفسي.

ومما لا شك فيه أنه لا أحد يمكنه القول إن الطائفية ذات بعد وراثي مطلقًا، وهناك إجماع على أنها وليدة ثقافة مجتمع وطريقة تفكيره حتمًا، وإن الأفكار والمشاعر يزرعها المجتمع عبر ما أسميه “الوراثة الاجتماعية والنفسية”، وهي أشد خطرًا وتأثيرًا من الوراثة الجينية في نشوء الاضطرابات النفسية والسلوكيات المتطرفة، حيث تتشكل القناعات والقيم عبر التنشئة الاجتماعية ضمن بيئة معينة.

 لكنّ بعض الدراسات تناقش احتمال وجود عوامل عصبية أو اضطرابات تغذّي الشعور والأفكار الطائفية، وتشير إلى تغيّر في الوظائف الدماغية القشرية العليا، وسيطرة المناطق البدائية اللازمة للحفاظ على البقاء، وانخفاض القدرة على السيطرة والتحكّم في مناطق الفصّ الجبهي من الدماغ (المكافئ الذهني)، أي حصول تشويه في الطريقة التي تفسّر فيها الخلايا العصبية في الدماغ ما يردها من المحيط، من معلومات، فيكون الخلل في قدرة الدماغ على استقبال المعلومات الواردة إليه ومعالجتها واستيعابها، والمكافئ الاجتماعي لهذه التغيرات تأسيس ثقافة هذيانية مبنيّة على الخرافة، تسيطر على الحياة العامة والخاصة، وتنتشر على جميع المستويات في كلّ مكان، في الشارع والمدرسة والبيوت والمساجد والكنائس، وتعبّر عن نفسها بالانشغال المفرط في قضايا غيبية[3].

يرى بعض الباحثين أن هذا التغير في بينة الدماغ يحصل بشكل أساسي عند الأشخاص الهوسيين، بحكم أن لديهم طاقة هائلة تعمل على تغير بنية دماغهم، وتجعلهم أميل إلى الأفكار المتطرفة ورفض الآخرين والاستعلاء عليهم. وعلى الرغم من أن هذه الفرضية متماسكة نظريًا، ومنسجمة مع أعراض الهوس وخصائص الهوسيين، فإنه لا توجد دراسات حقيقية تحسم الأمر، وهذا بحد ذاته مهمة علمية تؤكد ضرورة دراسة الطائفية وفقًا للأدوات النفسية.

الخوف نقطة استناد الطائفية

لا تظهر الطائفية بمحض الصدفة، وإنما تظهر نتيجة أحداث سياسية ودينية وثقافية ومجتمعية مختلفة[4]، تهيئ البيئة لتشكل مناخ طائفي عام، وترى الدارسات النفسية أن سمته الأساسية أنه مناخ من الخوف، ومن أهم التفسيرات التي تتبناها الأبحاث النفسية حول الطائفية، في ما يعرف بـ “علم نفس الطائفية”، أن الخوف هو من أهمّ العوامل المؤسسة للطائفية، لما يشكّله من ضغوط نفسية حادة. حيث يُحدث الخوف تغيرات كبيرة وحادة في التركيبة المعرفية والانفعالية للعقل البشري، ويُولد أنماطًا سلوكية خاصة ناتجة عن جهود الأفراد ومحاولاتهم التخلص من هذا الشعور المؤلم، وهذا ما تحاول تفسيره نظرية إدارة الرعب.

 موقع تأثير الخوف الأكبر هو في عقلنا الباطن، حيث تتداخل أفكارنا ومشاعرنا بطريقة غامضة، فالخوف هو المولد الأساس للغموض في عقولنا. وبالنظر إلى منطقتنا العربية، نجد أنها مسكونة بخوف قديم وعميق، يُعززه محتوى ثقافي اجتماعي رسمي وشعبي، يجعل الخوف أشدّ قتامة ورهبة في نفوس الأطفال، والكبار، والنساء، والرجال.

هذه المخاوف التي لم تفارق الإنسان في هذه المنطقة، ولو لفترة قصيرة، تُشكل وتُكون عقله الباطن ومشاعره السحيقة ونظرته إلى السلطة الإلهية، والسلطة الأسرية، وجميع السلطات الاجتماعية والسياسية، لذا فالعلاقة مع هذه المؤسسات تقوم على منظومة مفاهيم مركبة ضمن ثلاثية (الخوف والغموض والسلطة).

هذه الثلاثية تكرست لدرجة أن الجميع يحرص على استمرارها كما هي (المتضرر منها وصانعها)، ذلك بسبب تكون متلازمة الخوف من الخروج من الخوف، ويصبح الكل ضد من يريد أن يخرجهم من خوفهم. لأن مواجهة الخوف -كما تشير المقابلات مع المتعالجين نفسيًا- تُولّد ألمًا أشد من الخوف نفسه، وهذا العامل عادة هو سبب استمرار المرض النفسي، خاصة اضطراب القلق.

عندما تحصل التوترات في مجتمع ما، تكتشف القوى الطائفية وجميع القوى المتسلطة على هذا المجتمع، أن أفراد هذا المجتمع أصبحوا رهينين للخوف، ومن ثم تبدأ جميع السلطات استثمار هذا الخوف وتكريسه، وتحفيز عناصر الخوف من الآخر، والطائفية أخصب حقل لهذا الاستثمار.

تُبرز القوى الطائفية نفسها بمظهر القوة الملهمة التي تُشعر الخائفين بالأمان، وتشير الدراسات النفسية إلى أن الخوف المستمر من الآخر الذي تولده الاضطرابات السياسية يؤدي إلى زيادة الدعم الاجتماعي لأفراد المجموعة الداخلية[5] القريبة منك فقط، وتعمل لتعزيز المحتوى الطائفي بأقصى درجاته، بهدف تكوين شعور قوي بالانتماء لها. وبتأثير الخطب والعبارات النارية والتحشد والتجمهر، يبرز عامل الشجاعة والقوة والإحساس بالانتماء كأهم حلم يداعب الجميع، وهذا مكسب لا يمكن تعويضه وفرصة لا يمكن تفويتها للخائفين الذين يتحولون إلى أبطال.

في المقابل، تُظهر القوى الطائفية قدرتها عبر المطالبة بالانضباط والالتزام الشديد من أفراد الطائفة، الذين هم أيضًا يحتاجون إلى إعلان تأييدهم لطائفتهم وإبراز شجاعتهم في الدفاع عنها، للتخلص من خوفهم والشعور بالشجاعة التي يحتاجونها، (تمامًا كطفلٍ مهذب يبالغ في إظهار الطاعة). ويصبح الانتماء إلى الطائفة حاجة نفسية، وتصبح معادلة العلاقة مع الطائفة كما يلي (أنا الأمان لك من الآخرين، مقابل الدفاع عني والانتماء لي وحدي). وبهذه الطريقة، يتكون الأساس والقاعدة لتكوين الطائفية التي في ظل التوترات السياسية تجد لها كثيرًا من المبررات والتأكيدات أنها الحامي للفرد من الخوف والخطر.

وفي هذا النمط من الخوف، لا يبحث الأفراد عن الانتماء إلى المجموعات الكبيرة، لأنها لا تحقق لهم الطمأنينة والتخلص من القلق والمخاوف، أعني أن الفرد لا يشعر بالطمأنينة من السلطة المركزية للدولة، بل يسعى إلى طمأنة مخاوفه عبر قوى قريبة مختلفة، من خلال المجموعات الجنسية أو العائلية أو القروية التي تكونه وتشكل بحد ذاتها مصدرًا لسلطات جزئية، ففي حالة مجتمع عصبوي مقسّم، يفتقر إلى السلطة المركزية، ترتب الجماعات قواها، وتخلق سلطتها الخاصة، سلطة الوجهاء والأعيان ورجال الدين[6].

مفهوم السلطة والقوة: (الوجه الآخر للخوف)

مفهوم القوة والسلطة مفهوم ديناميكي في علم النفس، وأمرٌ حيوي لفهم العلاقات البشرية ونشوء الاضطرابات النفسية، خاصة في ظواهر اجتماعية معقدة مثل الطائفية، فالشعور بالقوة آلية دفاع تساعد على حماية “الأنا” من مشاعر التهديد والرفض، لذا نجد الأفراد يتكاتفون في بيئاتهم المحلية أو الطائفية، عندما يتعرضون للرفض المعنوي، أو التهميش الاقتصادي، أو التهديدات الوجودية عبر الحرب، أو توقع مواجهة فعلية مع طائفة أخرى، عادة ما تشكل لها تهديدًا وجوديًا وصراعًا عقائديًا، حتى لو كان هذا التهديد وهميًا. إن الشعور بالقوة يطمئن المجموعة الطائفية ويحفظ تماسكها، لا تكون الجماعة إلا بالعصبية، أي بشعور التضامن والتلاحم الجماعي تجاه الجماعات الأخرى، وهذا أساس سلوكها[7].

الشعور بالقوة، لدى أولئك الذين يعانون الهوس، ستار يحميهم من الشعور بعدم الأمان أو النقص. ولا يمكن أن يكون الشعور بالقوة متوازنًا في هذا السياق، بل يجب أن يكون مفرطًا ليؤدي وظيفته. لذا يرافق هذا النمط محاولة السيطرة المفرطة على الآخرين، كحاجة ملحّة للشعور بالأمان، خاصة عندما يتعلق بوجود أطراف أخرى منافسة تُشعره بالقلق وتُخيفه من الفوضى، لذلك يصبح لديه شعور بأن كل سلوك خارج عن تحكمه هو سلوك مخيف يجب ضبطه. ولذا تعمل الجماعات الطائفية على إظهار القوة المطلقة أو التحدي، والتهديد باستخدام أقصى أشكال القوة، وهنا يكون خطر التحوّل إلى العنف الطائفي.

الشعور بالحاجة إلى القوة والسلطة يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الولاءات، وفرض السيطرة، وتغذية الصراعات، إلا أنه شديد الخطورة، ومن أشد مخاطره أنه يدفع الأفراد والجماعات إلى فقدان التعاطف مع الآخرين، ومن ضمنهم أحيانًا الأسرة وشركاء الوطن، ويؤدي إلى تراجع احترام قيم المجتمع، وتكون دائمًا القيمة الأساسية تحقيق ما تريده الطائفة وما يحميها، ولو على حساب القيم، وقد تصل الرغبة في الشعور بالقوة بالأفراد والجماعة الطائفية إلى درجة الوصول إلى مشاعر الكراهية الحادة للآخرين وتعظيم الشعور بالذات، مما يمثل فيما بعد خطرًا على الطائفة والأفراد، وهذا ما يفسّر كيف يمكن لطائفة ما أن تدمر نفسها، نتيجة رغبتها في الشعور بالقوة الذي لا تقابله رغبة في فهم قوتها الحقيقية ومكانتها الطبيعية. وفي جو متشنج، يقع الجميع في هذا الشعور، ويذهب الجميع إلى العنف الطائفي الذي يعرف البعض كيف يبدؤوه، لكن في الغالب لا أحد يعرف كيف يوقفه.

ثانيًا: المستوى التعزيزي والتحفيز نحو الطائفية

يشير الدكتور عزمي بشارة في كتابه (الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة) أن الطائفية ظاهرة اجتماعية وليست خيارا ثقافيا سياسيا فرديا، وان خيار الانتماء الى الطائفة من عدمه خيارا وهميا على الاغلب في حالة هيمنة الطائفية نفي لحرية الاختيار هذه ومن ثم يصبح الصراع مع الطائفية شرط ممارسة الحرية[8].

ذلك أن الطائفية – كما أشرنا – سلسة طويلة من التحولات العقلية والمعرفية والانفعالية والسلوكية، وجود الخوف أو العوامل في المستوى التكوينية لا يكفي من أجل ظهور العقل الطائفي أو المشاعر الطائفية، ويمكن الإشارة الى مجموعة العمليات التي تعزز وتشكل الطائفية، وتظهرها إلى العلن كمواقف اجتماعية وسياسية.

               التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory):

نظرية التعلم الاجتماعي للعالم المشهور باندورا من النظريات التي تقوم على النمذجة والتقليد والمحاكاة وتعلم السلوكيات من خلال مشاهدة سلوكيات النموذج[9] المقتدى به تشير نظرية التعلم الاجتماعي المشهورة في تفسيرها لتشكل الطائفية، إلى أن الطائفية تبدأ بالتشكل في البيئة الطائفية، بيئة تصنع طائفيين تتوافر في داخلهم نوازع ورغبات للطائفية، فالأفراد يتعلمون المعتقدات والسلوكيات الطائفية من خلال ما يرونه من مواقف طائفية يتم تعزيزها من قبل البيئة المحيطة، إن كانت الأسرة، أو المجتمع الديني أو الشارع أو الإعلام ، أو المؤسسات الاجتماعية الأخرى، بحيث تصبح المواقف الطائفية غير مستهجنة، بل مشجعًا عليها، وتتحول إلى اعتبارها نموذجًا إيجابيًا يمكن للآخرين تقليده، وهذا التحول هو التحول القيمي نحو قبول الطائفية ، وهو الخطوة الانتقالية نحو الطائفية الفعلية.

حيث يمر التعليم الاجتماعي الطائفي بمرحلتين: الأولى مرحلة أسميها (التحشيد أو التعلم الطائفي همسًا) والثانية (التحشيد الطائفي بالتحدي). وكلا مرحلتي التعليم والتنشئة هما تعليم ملهم، بمعنى أنه يحتوي على الإثارة ومداعبة مشاعر الشباب والمراهقين وأحيانا حتى الكبار، فحين يكون التعليم همسًا، غالبًا ما تتحرك لدى الطائفيين نوازع حب المغامرة، ليجربوا مواقف طائفية بسيطة، بعد أن يكونوا قد تقاسموا همسًا أحاديث وقصص تحرض على الطائفية، ولهذه الأحاديث عن الابطال الطائفيين سحرها الخاص، ودورها في تهيئة الجو عندما يحين وقت التحدي، وهو الوقت الذي تحدده الظروف السياسية في البلد، وفقدان الدولة سلطتها القوية التي تضبط القانون.

التطبيق العملي عبر التماهي بالأقوى

في مرحلة أخرى يتحول الشعور بالقوة الذي أشرنا إليه كعامل تكويني في أجواء الشحن الطائفي، إلى طاقة تسعى للانفلات بأقصى ما يمكن، وتصبح وظيفة التفاعلات والأفكار الطائفية إشعار الفرد بالتفوق على الطوائف الأخرى، سواء على أساس تفوق ديني، أو تاريخي، أو اجتماعي، ويصبح دور المحتوى الثقافي والقصص الطائفية إشباع ما يسمى النرجسية الطائفية، وهي اعتقاد بعظمة الطائفة وصوابية حقها، وأنه لا انتماء يعلو على هذا الانتماء. والنرجسية الطائفية تكتمل صورتها عند البحث عن صورة الأقوى في المحيط من أجل التماهي معها.

تُظهر الأبحاث أن النرجسية الجماعية يمكن أن تؤدي إلى عداءٍ داخليٍّ بين الجماعات كوسيلةٍ لتحقيق التقدير الذي يُنظر إلى الجماعة الداخلية على أنها تستحقه[10].

والتماهي بالأقوى (Identification with the Aggressor): ميكانيزم نفسي معروف يلجأ إليه الضعيف والخائف، وتلجأ إليه الشرائح الضعيفة من المجتمع، حيث يقوم الضعيف الخائف بمحاولة التصرف كما يتصرف الأقوى، بهدف إشعار الذات بأنها أصبحت أقوى. وباعتبار أن الأقوى غالبًا ما يعتدي على حقوق الأضعف، ويستبد به، ويعتدى على ممتلكاته، وفي أجواء الغموض في موازين القوة اثناء ضعف الدولة، الجميع يتصرف كقوي، وهذا هو زاد الطائفية ومعززها في هذه الأجواء.

التحيزات المعرفية وصناعة الصور النمطية

الصور النمطية هي الشكل الثقافي والاجتماعي للتماهي بالأقوى والنرجسية الطائفية، والصور النمطية (Stereotypes) تدور حول سلبيات الطوائف الأخرى، وبطولات الطائفة نفسها، والصور النمطية في الحقيقة هي الركن الأساس في عملية التنشئة الطائفية، حيث تكتسب هذه الصور قيمتها من حجم المبالغة والإثارة والعدوانية فيها تجاه الطوائف الأخرى، فتسعى إلى تجريدها من إنسانيتها، مما يسهل على الأفراد تبرير التمييز أو العنف ضد هذه الطوائف، وهكذا تُصبح هذه الصور النمطية متجذرة في اللاوعي الجمعي، وتُورث عبر الأجيال.

تختزن الطائفية في منطقتنا صورًا نمطية، ومحتوى ثقافيًا وشعبيًا فعالًا، مسندًا إلى أدلة دينية واجتماعية في مجتمعات لا يزال العالم الديني شديد التأثير فيها، ويختزن صورًا عن مواقف تاريخية غاضبة قادرة على لعب دور محرّك للصراع والعنف الطائفي في أيّ وقت، فقد ولّدت الطائفية عبر التاريخ محتوى ثقافيًا، يحاول أن يفسّر ظواهر الحياة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، ولم يستثنِ مجالًا من مجالات الحياة.

تتضمن أغلب التفسيرات والسرديات للأحداث التاريخية في هذه المنطقة تمايزًا متعمدًا، واختلافًا يثير نقاط اشتباك اجتماعي حاد يعزز الصراع والعداوة، حتى الرمزيات مثل الألوان المفضّلة للتعبير عن الطائفة، فعندما تكون راية طائفة باللون الأبيض، تكون راية الطائفة الأخرى باللون الأسود، وعندما تضع طائفة غطاء الرأس بطريقة تضع الطائفة الأخرى الغطاء بشكل يخالفه.

هذه الصور النمطية تظهر في الأزمات السياسية والاجتماعية لتشكل بنى للشعور، وبالتالي تتحول إلى نزعة اجتماعية متبقية قابلة للتفعيل، لذا تقترح ليزا ويدين أن الطائفية تعيش بوصفها ظاهرة تشكلت في الماضي بصورة ضمنية، وتستمر بكونها عنصرًا فعالًا في الحاضر، حتى قبل أن تُتبنى صراحة. يُتبنّى هذا النمط من التصوّر في الدراسة بصفته جزءًا من مقاربتي التفسيرية لفهم ديناميكيات صنع الحدود وعملية تطييف الانتفاضة السورية التي يجري من خلالها إنتاج فئات مثل الطوائف أو الاثنيات وإعادة تخيّلها[11].

أشكال من التحيزات المعرفية:

لا يمكن للصور النمطية المولّدة للطائفية أن تكون وليدة التفكير المتوازن العقلاني، لذا يلجأ الطائفيون والمتطرفون إلى ما يعرف باسم “التحيزات المعرفية”(Cognitive Biases) ، ومن أهم أشكال التحيزات المعرفية:

    التفكير الاستقطابي (Polarized Thinking)

هو المنجز الفعلي لعملية الصور النمطية عن الطائفية والطوائف الأخرى. وهذا النمط من التفكير يقوم برؤية العالم بنظام ثنائي (خير/ شر، نحن/ هم) من دون تدرجات، حيث ترى الطائفة نفسها تمثل الخير المطلق، والطائفة الأخرى تمثّل الشر المحض.

ويتعزّز هذا النمط ويقوى في أوقات الغموض والظروف القلقة، لأن الأفكار البسيطة المحددة الأحادية تمنح الشعور باليقين الثابت، والشعور بالهدوء والركون إلى أن القادم سيكون وفق ما تصوره الطائفة من الانتصارات والمستقبل الآمن، إذا تم الالتزام بهذا التفكير الموحد البسيط.

يشير علم النفس المعرفي إلى أن الأفراد عادة يسعون إلى خفض التوتر الناجم عمّا يعرف بـ “التنافر المعرفي” (Cognitive Dissonance)، أي أن وجود أفكار متعددة أو معتقدات متناقضة يولّد التوتر لدى الأفراد، بمعنى أن وجود أكثر من فكرة متناقضة يولّد قلقًا وتوترًا، وتعدّد الخيارات هو بحد ذاته يشكّل سببًا في حدوث ضغط نفسي لكثير من الأفراد، فيحاولون التخلص منه، لذلك يرغب هؤلاء في أفكار مبسطة ومحددة تقدّم لهم تفسيرًا بسيطًا وواضحًا يشرح ما يحصل، وهو ما سوف يحصل أيضًا.

تصبح الحاجة إلى هذا النمط من التفكير شديدة جدًا في حالات الاضطراب السياسي، حيث تتسم البيئات السياسية والاجتماعية بالغموض المحيط بالمستقبل، فتُقدم الطائفة عبر إجاباتها المحددة ما يمنح الشعور باليقين، عبر مراجعها الدينيين، لكونهم يقدّمون أفكارًا متوافقة مع الصور النمطية الطائفية، فلا يحدث التنافر المعرفي، بل الاسترخاء العقلي والتسليم العقائدي.

    التحيز التوكيدي (Confirmation Bias):

هو طريقة تفكير يقوم بها الطائفيون بالتركيز على المعلومات والأفكار التي تؤكد الصور النمطية والمعتقدات الطائفية للطائفة نفسها، وتتجاهل ما يناقضها، فيهدم غيره، وليس في ذهنه إلا تأكيد ذاته، ولا يؤكد ذاته إلا مستهدفًا الحط من الآخرين[12]. فيقوم أفراد هذه الطائفة بالبحث عن الأخبار التي تؤكد أن الطائفة الأخرى طائفة فاشلة ومنحرفة، وأنهم سوف ينهزمون لأنّهم فاشلون، بالمقابل إن المبادئ التي تؤمن بها الطائفة هي الأصوب والأصحّ، وأن النصر لها.

هذا التحيّز قد يأخذ شكل ادعاءات علمية لا صحة لها، وادعاءات عن أبحاث تؤكد أن الأفكار أو المعتقدات الدينية للطائفة الأخرى هي معتقدات خاطئة، وأن هذه الأبحاث تشير إلى صحة معتقدات طائفتنا، طبعًا هذا من أجل استقطاب المثقفين وأخذ شرعيتهم، هذا الأسلوب تراجع في الآونة الأخيرة، حيث إن الطائفيون لم يعودوا مقتنعين بأنهم يحتاجون إلى المثقفين، ولو أظهروا بعض الميل إلى الطائفية، لأنهم عادة لا يشاركون بحماس في الطائفية، ولا يلهبون المشاعر.

    تحيز الإسناد (Attribution Bias):

هذا التحيّز يشير إلى أن الطائفيين يقومون بإسناد جميع السلوكيات السلبية، لدى بعض الأفراد من الطوائف الأخرى، إلى معتقدات الطائفة وأخلاقها السيئة، في حين تُعزى تلك السلوكيات نفسها، لأفراد من الطائفة نفسها، إلى ظروف خارجية. على سبيل المثال، قد تُربط الجريمة التي يرتكبها فرد من طائفة معينة بمعتقدات طائفته، في حين تُعتبر الجريمة المماثلة من فرد من طائفة أخرى مجرد تصرّف فردي أو ردة فعل لموقف عابر.

تفكيك الطائفية بأدوات نفسية

علاج الطائفية علاج متعدد الأبعاد، ويقوم على مشاركة الجميع من رجال الدين والسياسة وعلماء النفس والتاريخ والاجتماع والناشطين المدنيين ومن الطائفيين أنفسهم، ضمن سياق طويل الأمد وخطة مشتركة، لتقديم نموذج متميز في تفكيك فكر الطائفية ومشاعرها والسلوكيات الناجمة عنها، وتبدو بعض المقترحات الأولية في هذا المجال مهمّة، مثل:

    تبادل زاوية النظر (Perspective Taking):

تدريب الأفراد على وضع أنفسهم مكان أفراد الطوائف الأخرى، ومحاولة فهم تجاربهم ومعاناتهم ودوافعهم، ذلك ضمن تدريبات وورش عمل مشتركة وتقنيات السيكودراما، ومن ثم تدريب الأفراد الطائفيين من مختلف الطوائف على الاتصال المباشر والمصمم بطريقة مؤكدة لتؤدي إلى تقبّل بعضهم البعض، وتقبّل نموذج بديل عن الأفكار الطائفية وسردياتها.

    معالجة الصدمات التاريخية:

العمل على تحليل الصدمات التاريخية بشكل يساعد على تفهمها وتقبّلها، وتقديم حلول عقلانية لتجاوز هذه الصدمات ضمن خطط ومشاريع طويلة الأمد، في بعدها النفسي والثقافي والإعلامي، وقد يستوجب ذلك وجود برامج علاج للصدمات النفسية الجمعية والفردية.

لذا، لا بد من الاستعانة بعلماء نفس الدين، وهم مفيدون من خلال خبرتهم الأكاديمية في هذه الجوانب التاريخية، والتركيز على علم نفس الدين يتناول الموقف الديني في أشكاله الخيّرة[13].

    تعزيز الهوية الوطنية:

رسم الهوية الوطنية بمعايير نفسية تنتج شخصية المواطن المتوازن والسوي، عبر تحليل التأثير النفسي للخطاب الوطني المؤسس للهوية الوطنية، وعبر خلق مشاعر وطنية وانتماء وطني يحقق طمأنة الجميع، ويستوفي احتياجات الجميع نفسيًا، وبناء مدونات سلوك المشاركة المدنية الفاعلة التي تعلي قيم التنوع وقبول الجميع للجميع، وفق أسس علمية نفسية منسجمة مع الواقع.

    نمذجة سلوك التعايش:

أي تُقدّم القيادات نفسها كنماذج للتعايش، من خلال تفاعلاتهم الشخصية، ومشاركتهم في فعاليات مشتركة، واستهداف الأشخاص الذين يغلب عليهم طابع الانفعال، ويحتاجون إلى طمأنة حقيقية عابرة للطوائف، ولا يستثنى منها أحد.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أننا استخدمنا مفهوم الطائفية -في هذه الورقة- بمعنى التفكير الطائفي والبيئة الطائفية، وليس المقصود هنا الطائفة ككيان اجتماعي تاريخي، يؤدي وظيفة اجتماعية ودورًا وطنيًا، وهذا يستوجب أن يكون في مقابل الطائفية طوائف مؤسسة للمواطنة ومؤسسة لدولة القانون، عبر ثقافتها وفكرها المتوازن.

ولا بدّ أيضًا من الإشارة إلى أن تجارب معالجة الطائفية، على مستوى العالم، كانت مختلفة النتائج، بسبب تأثير العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية، لكنّ العامل المهمّ في نجاح بعض التجارب في مواجهة الطائفية كان وجود أشخاص مؤمنين بقضيتهم أولًا، وأشخاص يقدّمون فوق الخطة طرق تنفيذ مبدعة وابتكارية، في مواجهة المشكلات الواقعية في البيئات التي تحرّض على الطائفية.

المراجع

المراجع العربية

أحمد بيضون: للطائفية تاريخ… في تَشكُّل الطوائف وَحَدات سياسيّة (مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 11، صيف 2015).

باسيليوس زينو: صناعة الطوائف رسم الحدود وتطييف الانتفاضة السورية 2011 – 2013، ترجمة أحمد عيشة (إسطنبول، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، آذار/ مارس 2022).

برهان غليون: المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ط3 (قطر، الدوحة – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2012)

جمال عطية فايد وآخرون: فاعلية برنامج تعليمي قائم على نظرية التعلم الاجتماعي لتنمية التفكير الإيجابي لدى عينة من ذوي صعوبات التعلّم (مجلة الإرشاد النفسي، مجلد4، العدد 76، كانون الأول/ ديسمبر 2023).

سامر جميل رضوان: الوعي المأزوم: رؤية نفسية في تمزق الهوية، مجلة بصائر نفسانية، العدد 23-24 (شتاء وربيع 2019).

عثمان محمد: مفهوم الطائفية، نشأتها وأسبابها، مجلة المجد العلمية المتطورة، (فلسطين، العدد8، شباط/ فبراير 2024).

عزمي بشارة: الطائفة الطائفية الطوائف المتخيلة، (قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018) ص25.

يحيى أحمد المرهبي: التعصب الطائفي مقاربة في التشخيص والعلاج، (حكمة يمانية، 2022).

المراجع الأجنبية

Gronfeldt, B and Others: How sectarian and national narcissism relate differently to collective violence beliefs in Lebanon (New Jersey, Wiley, Aggressive Behavior, vo:49, issue:6, 2023).

Merrilees, C. and Others: The Protective Role of Group Identity: Sectarian Antisocial Behavior and Adolescent Emotion Problems (Child Development, vo85, issue2, 2014).

Nimrah Shahzad, Adnan Adil, Saba Ghayas: Development and Validation of Religious Sectarian Intolerance Scale for Muslim Adults in Pakistan (Journal of Muslim Mental Health, vo:17, Issue 1, 2023).

Raffaella Di Marzio: Fanaticism: psychosociological roots and social consequences (Rome, PIB – Pontifical Biblical Institute, January 15, 2025).

[1] أحمد بيضون: للطائفية تاريخ… في تَشكُّل الطوائف وَحَدات سياسيّة (مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 11، صيف 2015)، ص 21.

[2] Nimrah Shahzad, Adnan Adil, Saba Ghayas: Development and Validation of Religious Sectarian Intolerance Scale for Muslim Adults in Pakistan (Journal of Muslim Mental Health, vo 17, Issue 1, 2023) P 3404.

[3] سامر جميل رضوان، الوعي المأزوم: رؤية نفسية في تمزق الهوية، مجلة بصائر نفسانية، العدد 23-24 (شتاء وربيع 2019)، ص 22.

[4] عثمان محمد، مفهوم الطائفية، نشأتها وأسبابها، مجلة المجد العلمية المتطورة (فلسطين، العدد 8، شباط 2024) ص 7.

[5] Merrilees, C. and Others: The Protective Role of Group Identity: Sectarian Antisocial Behavior and Adolescent Emotion Problems (Child Development, vo85, issue2, 2014) P.412.

[6] برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ط 3 (قطر، الدوحة – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2012)، ص 154.

[7] المرجع السابق، ص 69.

[8] عزمي بشارة: الطائفة الطائفية الطوائف المتخيلة، (قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 25.

[9] جمال عطية فايد وآخرون، فاعلية برنامج تعليمي قائم على نظرية التعلم الاجتماعي لتنمية التفكير الإيجابي لدى عينة من ذوي صعوبات التعلم (مجلة الإرشاد النفسي، مجلد4، العدد 76، ديسمبر 2023)، ص 6.

[10] Gronfeldt, B and Others: How sectarian and national narcissism relate differently to collective violence beliefs in Lebanon ( New Jersey, Wiley, Aggressive Behavior, vo:49, issue:6, 2023), P 671

[11] باسيليوس زينو، صناعة الطوائف رسم الحدود وتطييف الانتفاضة السورية 2011 – 2013، ترجمة أحمد عيشة (إسطنبول، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، آذار/ مارس 2022)، ص 11.

[12] يحيى أحمد المرهبي: التعصب الطائفي مقاربة في التشخيص والعلاج، (حكمة يمانية، 2022) ص 37.

[13] Raffaella Di Marzio: Fanaticism: psychosociological roots and social consequences (Rome, PIB – Pontifical Biblical Institute, January 15, 2025) P12.

مركز حرمون

——————————————–

طائفية الغد التي نصنعها اليوم/ عمر قدور

نشر في 7 تموز/يوليو ,2025

يمكن الجزم بأنّ الحديث عن الطائفية في سورية تفاقَم منذ اندلاع الثورة، مسنودًا بالعديد من العوامل، في رأسها التعاطي الإعلامي لسلطة الأسد التي واظبت على وصم الثائرين عليها بأوصاف تشي بالطائفية، وإن لم تصرّح بها دائمًا. وفي وقت مبكّر أتت ميليشيات “حزب الله”، وأتى مشرفون من الحرس الثوري وطلائع ميليشيات شيعية أخرى، فرفعوا جميعًا شعارات طائفية صريحة ضد العرب السّنّة. وحدث ذلك مع ارتفاع منسوب الخطابات الطائفية في المنطقة عمومًا، وتزايد الحديث الإعلامي عن الصراع الشيعي-السُّني.

على صعيد متصل، شديد الأهمية والحساسية، تزامن انطلاق الثورة مع دخول السوريين زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أي أنهم امتلكوا حرية القول مرتين في وقت واحد؛ الحرية التي أتاحتها الثورة على الأسد، والتخلّص من محرّمات الخوض في الحساسيات الطائفية، وحرية كلّ مستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي في قول ما يشاء، بدون تمحيص من أحد، وحيث المعيار في رواج المعلومة بعيد عن التمحيص في دقّتها، وحيث أصحاب الحسابات متحلِّلون من أدنى شعور بالرقابة.

من المؤكد أن وحشية جرائم الأسد لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج ردود أفعال طائفية، لكن السرديات الطائفية راحت تروج بما يطابق الغضب من تلك الوحشية، لا بما يطابق الواقع السياسي المتغير. هكذا، بدءًا من أواخر عام 2011، راحت تروج على السوشيال ميديا إعادة قراءة الواقع السوري، وكأنه كان طائفيًا طوال الوقت، وبالمنسوب ذاته، ما يستتبع ضمنًا أن حل المسألة الطائفية لن يكون في السياسة والمواطنة، بل بالهيمنة والإكراه. واليوم، عندما نتحدث في المسألة الطائفية، فالحديث يدور عن وقائع بالتأكيد، وعن مجموعة من الخطابات المحايثة لها، والتي لها دور قد يكون أكبر من الوقائع نفسها في صنع المسألة الطائفية الراهنة.

وفق ما سبق، طائفية الغد هي التي تُصنع اليوم، وليست فقط الطائفية الموروثة حتى من أحداث الصراع السوري الذي تفاقم بعد اندلاع الثورة. برأينا، تتحدد المسؤولية الراهنة عن المسألة الطائفية بدءًا من هذا الفهم، وهو ينطوي على الاعتراف بالانقسامات الطائفية، لكن ليست بوصفها جوهرًا خالدًا للسوريين يتم التطبيع معه، فالتطبيع إنما يكون إذا سلك الطرفُ المنتصر سبيلَ تثبيت الروايات الطائفية التي لعبت دورًا تعبويًا في أثناء الصراع.

لا يخفى أن كثيرًا من الكلام في الموضوع الطائفي لا يزال اليوم يصبّ في المنحى التعبوي، ويتلطّى وراء غياب مشروع جاد للعدالة الانتقالية، ووراء مشروع مماثل للمصالحة. التعفّف عن الانجراف في هذا الاتجاه يصم أصحابه بأنهم بعيدون عن الواقع، أي أن الطائفيين يروّجون لأنفسهم بوصفهم وكلاء حصريين للواقع، ومعظمهم من الناشطين على السوشيال ميديا، ونسبة كبيرة منهم مقيمة خارج سورية، أي بعيدًا عن الاحتكاك الطائفي المباشر. هؤلاء، والعديد منهم مقرَّب من السلطة الحالية، لا يريدون تفكيك الاحتقان الطائفي، وربما لا يملكون الوعي لفعل ذلك.

واحد من المداخل المقترحة هو أن يوضع سؤال (لماذا؟) في بداية الكلام عن الشأن الطائفي؛ لماذا نتحدث في الطائفية اليوم؟ هذا السؤال لا يبدو ماثلًا في معظم الكلام عن الطائفية، وقد نجد كما أسلفنا الكثير مما يعيد تدوير ما هو موجود، ويصنع ما هو أشدّ طائفية. ثمة في الإعلان الدستوري للسلطة فقرة تجرّم التحريض الطائفي، ولم يُعمَل بها حتى الآن، وتطبيق ذلك ملحّ جدًا، مع التنويه بمقدرة السلطة التي تتجاوز الأراضي السورية للتأثير على أنصارها الموجودين على السوشيال ميديا، بوصف الأخيرة حتى الآن فضاءً للإفلات من العقاب.

إذا كان الوصول إلى وطن سوري هو الهدف، فمن الضروري، بدءًا من الآن، التفكير في سردية سورية مشتركة للصراع. ونعلم أن الوصول إلى هذه التسوية يكون عادة في ختام عملية تتضمن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إلا أن النقاش في ضرورتها، وفي بعض تفاصيلها، قد يقدّم فائدة للمسار الحقوقي ومسار السلم الأهلي. على سبيل المثال، الاتفاق على تجريم الأسدية قد يكون مدخلًا جيدًا لبناء تلك السردية، من خلال اتفاق أوسع على معنى الأسدية، وعلى مَن هم ضحاياها، بعيدًا عن احتكار موقع الضحية بتدرجاتها المختلفة.

من الضروري، أيضًا، تعزيز فهْم مختلف لموضوع العدالة الانتقالية في سورية، ولن نخوص هنا في المسالك الحقوقية والإجرائية. ما نراه مهمًّا جدًا هو النظر إلى العدالة على أنها إنصافٌ للأبرياء، ولا يقل هذا الأمر أهميّة عن محاكمة المجرمين، والاقتصاص منهم، أو العفو عن بعضهم في النهاية. ما حدث حتى الآن، بعد مضيّ أكثر من ستة أشهر، هو أن مسار العدالة لم يبدأ، في حين يُجرَّم العلويون جميعًا بوصفهم طائفة السلطة البائدة. بهذا المعنى، العدالة الانتقالية هي ضرورة لأولياء الضحايا، من السُنّة على نحو خاص، وضرورة للأبرياء العلويين بالقدر نفسه، لأنهم دفعوا ويدفعون ثمن عمليات انتقام طائفية لا تميز بين الأبرياء ومجرمي الأسد.

لقد كان أهم إنجاز احتُسب للسلطة الجديدة في عملية سقوط الأسد تصرّفها على نحو إيجابي في موضوع السلم الأهلي، لكن الحوادث الطائفية المتفرقة تزايدت، وكذلك حال السلوك غير المنضبط لفصائل منضوية تحت قيادة وزارة الدفاع، وصار مألوفًا في المناطق المختلطة أن يسأل عناصر الحواجز العابرين عن انتماءاتهم المذهبية. وصولًا إلى المجازر الطائفية التي ارتُكبت إثر النفير العام الذي أُعلن بسبب مهاجمة “الفلول” لعناصر من الأمن العام، ومن المؤكد أن المجازر أعادت منسوب المخاوف من انفجار عنف طائفي إلى منسوب مرتفع، لعله يقارب المخاوف التي كانت السلطة السابقة تعززها لدى السوريين، ليروا في بقائها صمّام أمان لهم.

نزعم بأن المجتمعات السورية قدّمت أفضل ما هو متوقّع منها حتى حدوث تلك المجازر، فأعمال الانتقام الفردية، رغم حدوثها هنا وهناك، لم تكن بالكثرة التي تشكّل سياقًا من العنف الطائفي الأهلي. وأثناء مجازر الساحل كان ثمة حوادث معروفة لسُنّة أنقذوا جيرانهم العلويين من القتل، والجيرة هنا لا تقتصر على المعنى المباشر لجهة التجاور في السكن. صحيح أن البعض من المدنيين، من المناطق ذاتها، التحق بالعنف الذي مارسه أولئك الذين استباحوا أرواح وممتلكات العلويين، إلا أن مشاركتهم كانت بتشجيع من جوّ التحريض والحماية التي يوفّرها وجودهم تحت مظلة السلطة، لا بمبادرة خاصة منهم.

لعل هذا يشير إلى مسؤولية كبرى للسلطة، ومن المؤسف أن يكون الأمر كذلك، لأنه ينطوي على الإقرار بواقع مركزية السلطة واستئثارها بالقرار، وتأثيرها تاليًا على الكتلة العددية الأكبر، والتي لا تقتصر على السُنّة. من موقعها هذا، تستطيع السلطة استعادة المناخ الإيجابي الأهلي الذي رافق الفترة الأولى من وصولها إلى دمشق، وعليها الاعتراف بأن السلم الأهلي لا يُصنع بقرار من فوق، وإنما بمشاركة من المجتمعات المحلية التي أظهرت في العموم إيجابية يُبنى عليها. بهذا المعنى، يتعيّن على السلطة “التواضع”، والتخلّي عن عقلية الاستئثار التي نراها في العديد من الأصعدة، وتأثيرها هنا له آثار مدمّرة مديدة.

لا شكّ في أن السلطة في أحسن حالاتها خارجيًا، من خلال الانفتاح السياسي عليها، ومن خلال رفع معظم العقوبات الغربية، أو السير في اتجاه رفعها كليًا مع وعود بتدفق المليارات من أجل مشاريع الإنعاش المبكر. ومن المأمول أن يكون لتحسّن الوضع المعيشي أثر إيجابي على عموم السوريين، وأن يساعد ذلك في تخفيف الاحتقان الطائفي مع التفاتهم إلى مصالحهم العابرة لخطوط الانقسام. الورقة الاقتصادية شديدة الأهمية، إذا أحسنت السلطة استخدامها، أي إذا ساعدت على إطلاق عملية تنمية متوازنة تمحو ما كان من توزيع غير عادل للفرص وللثروة. ونشير هنا إلى أن المظلومية “الاقتصادية” تتجاوز خطوط الاحتقان الطائفي لتأخذ طابعًا مناطقيًا أيضًا، وإثنيًا في بعض المناطق الأخرى.

تعقيد الموضوع الطائفي لا يعود فقط لتعدد الضالعين فيه، وفي صناعته، من قَبْل واليوم. التعقيد يفرض من نفسه من خلال الملفّات المتصلة به، ومنها ما هو أمنيّ، وما يتصل بالعدالة الانتقالية، وبالاقتصاد الذي إذا أُحسِن استخدامه، فسيكون له أثر مستدام على دفع الموضوع الطائفي من عتبة الاحتقان إلى كونه مجرد اختلاف ثقافي، كما هو الحال في مجتمعات تتحقق فيها قيم المواطنة وتكافؤ الفرص.

في ما يخص تحقيق السلم الأهلي في سورية، لم يفت الأوان، لأن الأوان لا يفوت في السياسة متى توفرت النيات. واليوم، ثمة فرصة للشروع في تفكيك الألغام الطائفية التي تراكمت طوال عقود، كما أن هناك فرصة لزراعة ألغام جديدة وصناعة طائفية الغد. وبصرف النظر عن الموقف الإجمالي من السلطة الحالية، فهي مثال جيّد على الاحتمالين، فمن جهة هناك أيديولوجيتها المذهبية بطبيعة الحال، وجمهورها الذي لا يغيب عنه العصَب الطائفي. ومن جهة ثانية، وبسبب العامل السابق، هي في موقع الأقدر على منح تطمينات لمختلف الجماعات السورية التي ستنظر إليها على أنها تصدر عن الأكثر تشددًا. الاتجاه الذي ستسلكه السلطة لن يكون دليلًا إلى المسار الطائفي فحسب، بل سيشير إلى نيّاتها وطبيعتها، وسيشير إلى سورية في المستقبل القريب.

تحميل الموضوع

تنويه:

كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “الأزمة الطائفية في سورية”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.

رئيس التحرير

مركز حرمون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى