العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

من يحرّر يقرّر ومن يَحكُم يحاسَب/ عبد الله مكسور

2025.07.07

القطيعة مع نظام سياسي ليست حدثاً إعلانياً، ولا تُختزل في تغيير بصري مهما بدا مُحكماً أو جذاباً، إنها قبل كل شيء إرادة قانونية وتاريخية تُعيد تعريف الشرعية من جذورها، وتمنح المواطن سلطة الحضور في هوية بلاده، لا أن يكون مجرد متلقٍّ لصورة صُممت باسمه من دون علمه.

إطلاق الهوية البصرية الجديدة في سوريا بكل ما تحمله من إشارات الخلاص من الاستبداد والانتماء إلى “جمهورية جديدة” تم خارج الإطار الذي ينص عليه الإعلان الدستوري السوري، وتحديداً المادة الخامسة التي تشترط أن تُحدَّد رموز الدولة كالشعار والنشيد بقانون، وهذا التجاوز لا يُعدّ مسألة شكلية، بل يكشف خللاً جوهرياً في آلية إنتاج الرموز وإقرارها، ويعيد طرح السؤال: من يملك حق تعريف الهوية؟

فإذا كانت الرموز تتغيّر بقرار إداري لا يُناقش، وبلا مساءلة أو مشاركة، فإنها تصبح امتداداً للسلطة لا تجسيداً للمجتمع، بل تُختزل الهوية مرة أخرى في قرار فوقي، يعيد إنتاج مركزية الدولة القديمة ولو بألوان جديدة.

المشاركة والتفويض

الهوية الحقيقية تُبنى في المساحات التي ما تزال محرومة من الضوء: في القضاء المستقل، في برلمان منتخب حقاً، في مدارس وجامعات تصنع القيم، تُدرّس التاريخ بلا رقابة، وفي فضاء عام لا يخشى المواطن فيه من التعبير عن نفسه.

والقطيعة، حين تكون حقيقية، تُترجم إلى تشريعات جديدة لا إلى ملصقات، إلى خطاب قانوني يُعيد توزيع السلطة لا إلى شعارات تُعيد إنتاجها، وإن جوهرها “القطيعة” ليس في نفي الماضي فحسب، بل في تفكيك أدواته، وإعادة صياغة العلاقة بين الفرد والدولة عبر إطار قانوني، شفاف، قابل للنقاش والنقد والتعديل.

في لحظات إعادة التأسيس، يكون القانون هو أوّل ما يجب تثبيته، لا تجاوزه، لأنّه وحده ما يمنح المشروعية لأي تحوّل، ويمنع أن تتحول لحظة التغيير إلى لحظة إعادة إنتاج مقنّعة للسلطة نفسها، تغييب القانون أو بتعبير أكثر دقة “التعالي عليه” بذريعة “المرحلة الانتقالية” أو “الضرورات الرمزية” أو “الخلاص من الاستبداد” هو أخطر ما يمكن أن يرافق مشاريع إعادة التأسيس، لأنه يُعيد ترتيب المشهد بذات المنطق الذي حكم الماضي: من خارج الإجماع، ومن فوق الدولة.

والقانون هنا ليس أداة جامدة، بل هو الذاكرة الحيّة للعقد الاجتماعي، وكلّما تمت إعادة التأسيس خارج هذا الإطار، فُتح الباب لتأسيس نظام بلا ذاكرة، وبلا التزام، وبلا رقابة، وما يبدو تجديداً في الشكل، يُصبح في جوهره ترسيخاً لسلطة لا تحتاج إلى تفويض، ولا تعترف بمشاركة، بل تحتكر القدرة على تعريف الهوية وتوجيه معناها، وفي مكانٍ ما صناعتها وفق مقاساتها.

في البلدان التي اختبرت تحوّلات حقيقية، كان القانون هو البنية الأولى التي جرى ترميمها: ليس بوصفه أداة سلطوية، بل كضمانة للمساءلة، ولحماية المجتمع من الاندفاعات الرمزية التي قد تُخفي خلفها ممارسات موروثة من أنظمة سقطت ظاهرياً وبقيت عملياً.

وإن اكتفاء الإدارة السورية بالصمت على تجاوزها للإعلان الدستوري الذي أقرته، إنما هو تعالٍ في لحظة ولادة النظام الجديد، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التحرر من عبء الماضي، بل يعني تفويته مرة أخرى، بحيث تكون السلطة في جوهرها قد بدّلت وجهها، لا بنيتها، والحديث هنا ليس بأي حال من الأحوال عن البنية القمعية أو الأمنية التي حدثت القطيعة معها إلى الأبد بقرار من الشعب السوري.

الولاءات الضيقة

من يحتكر الماضي، لا يتحرر منه، هذه ليست مقولة عابرة، بل مفتاح لفهم المأزق الذي تواجهه الدولة السورية اليوم وهي تحاول أن تُعلن ولادة هوية جديدة، في حين ما تزال أدوات الماضي -بشكل أو بآخر- حاضرة.

إن الحديث عن “القطيعة” مع الاستبداد يبدو مجرّد إعلان رمزي ما لم يرافقه تغيير جوهري في بنية الحكم وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا يكفي أن يتغير الشعار، أو أن يُطلق تصميم جديد وهوية بصرية براقة، أو يظهر وزير في مقهى، وآخر يأكل الشاورما على الرصيف، إذا بقيت آلية إنتاج السلطة “بمعناها العام واختياراتها” خاضعة لنفس القواعد القديمة: المحسوبيات، العلاقات الشخصية، الولاءات الضيقة.

يمكن الإشارة هنا إلى الدفعة التي تخرّجت من المعهد الدبلوماسي في دمشق، وهي مقدمة أساسية لما سنشهده من تعيينات في وزارة الخارجية، يضاف إليها سيلاً واسعاً من التعيينات في مراكز الدولة وإداراتها المحلية، ومنطق “الشيخ” الحاضر دائماً، كل ذلك يقدّم دليلاً حياً على العمل بكفاءة وفق “كاتالوغ” النظام السابق: أسماء مكرّسة، دوائر نفوذ محمية، تعيينات لا تمر عبر معايير الكفاءة، بل عبر شبكات المعارف والانتماء إلى الحلقة المغلقة.

التعيينات في مفاصل الدولة تعتبر اختباراً حاسماً لمصداقية المشروع السياسي -إن وُجِد- في الحالة السورية، ولرؤية السلطة تجاه العدالة والمواطنة، وحين تُمنح المناصب بناءً على القرب أو البعد من مركزية القرار أو الانتماء المناطقي أو منطق المحاباة والمعارف، لا على أساس الكفاءة، فإن الدولة تعيد إنتاج أسباب الانقسام والفشل، حتى لو رفعت شعارات التجديد.

تعيين أشخاص من لون واحد في مواقع القرار يُحوِّل الدولة إلى مزرعة مغلقة، ويُضعف ثقة المجتمع بها كمؤسسة جامعة، أمّا الاعتماد على شبكات الولاء بدلاً من الكفاءات، فيُنتج طبقة بيروقراطية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، وتُكرّس الفساد والشللية باسم الانتماء.

بهذا، لا تُبنى دولة، بل يتم إحياء النظام القديم بصيغ جديدة، مع تغييبٍ كامل لمبدأ تكافؤ الفرص، الذي يُفترض أن يكون أساساً في أي مرحلة انتقالية، والسوريون يعرفون تماماً عما أتحدث هنا كلٌّ في موقعه وفي دوائره التي يحارب بها كي تستمر الحياة في معارك تسديد الفواتير اليومية.

هذا المنطق يمتد أيضاً إلى الاقتصاد، فعندما تُمنح العقود الكبرى والصفقات الحيوية من دون أي شفافية، أو من دون الإعلان عن تفاصيلها للمجتمع، فإنّ الثقة العامة بالسلطة ستنهار عاجلاً أم آجلاً، ويُفتح الباب أمام الشبهات والاحتكارات وفي مرحلة ما “النهب” المنظم.. الاقتصاد لا ينمو في الظل، ولا تتعافى الأسواق في بيئة غامضة لا يُعرف فيها لمن تُمنح العقود، وبأي شروط، وضمن أي معايير.

القنابل الموقوتة

غياب الشفافية ليس تفصيلاً فنياً، بل تهديد مباشر للاستقرار، والتمييز في الوصول إلى الفرص، والسكوت عن المحاسبة، هي قنابل موقوتة تفتك بأي مشروع وطني، مهما بدا واعداً، ولذا، فإنّ بناء الدولة لا يكون بإعادة توزيع الغنائم، بل بإقامة نظام إداري واقتصادي يقوم على الشفافية، وتكافؤ الفرص، والمساءلة، كما يشير الإعلان الدستوري الذي وضعته الإدارة السورية في المادة 10 و 11 بوضوح شديد.

في الفلسفة السياسية، لا يُعدّ غياب الشفافية خللاً إجرائياً، بل هو نفيٌ للعدالة بوصفها إنصافاً، فالعدالة لا تتحقق في ظل الغموض، وإنما حين يكون كل إجراء اقتصادي أو إداري قابلاً للتبرير أمام الجمهور والعقل الجمعي للمجتمع ككل، من هذا المنطلق، فإن انعدام الشفافية لا يُقوّض ثقة المواطن بالدولة فحسب، بل يُضعف الأسس التي تُبنى عليها الشرعية السياسية نفسها.

وبالحديث عن الأدبيات السياسية، فالترابط وثيق بين الديمقراطية والتنمية، والمجتمعات التي تُقصي الشفافية وتُخفي معلوماتها عن الناس تُغذّي مسارين متوازيين: الفساد والفقر، وبالتالي فإنّ السرية السياسية تؤدي دائماً إلى إساءة استخدام السلطة، فلا يمكن لمن يريد بناء الجمهورية أن يحكم كمن يملكها.

فالجمهورية، في معناها العميق، ليست نظاماً للحكم فقط، بل عقداً أخلاقياً بين الحاكم والمحكوم، تُحفظ فيه الحقوق وتُوزع فيه الفرص بعدل ووضوح، وإن إعادة البناء بعد الكارثة لا تعني إدارة الركام، بل تفكيك المنطق الذي راكمه، ومن دون شفافية تُراقَب فيها الصفقات، وتُعلن فيها الوظائف، وتُحاسب فيها السلطات، فإن أي حديث عن إعادة التأسيس يبقى طيفًا نظرياً، لا مشروعاً وطنياً قابلاً للنجاة.

إنّ القطيعة الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا بتفكيك مستويات “الآلة” التي أدارت البلاد سابقاً وفق منطق الولاء قبل الكفاءة، والسيطرة قبل المشاركة، لا معنى للحديث عن جمهورية جديدة إذا بقيت مفاصل الدولة حكراً على أصحاب الولاء، فإعادة تزيين الواجهة لا تعني بناء بيت جديد، وإذا لم تُهدم الجدران العميقة التي قامت عليها المنظومة السابقة، ستبقى كل محاولات التجديد محاصَرة برائحة الماضي، مهما تغيّر شكل الألوان والخطوط والرموز… وسيبقى هناك من يردد: القديم مات والجديد لم يولد بعد.

الوطن في فترة ما بعد الثورة وما يليها، يكون أمام اختبار بالغ الصعوبة عند طرح السؤال الشائك: كيف يمكن التوفيق بين الإرادات المتعارضة من دون أن يتم التفريط بالحق؟ كيف نعيد بناء الدولة من دون أن نُعيد إنتاج الظلم؟ وكيف نحترم القانون من دون أن نحمي من خلاله الذين دمّروا قيمه؟ هنا تماماً، يتكشّف الخيط الرفيع الذي يفصل بين العدل والانتقام، بين المحاسبة والتجاوز، بين دولة تُقام على أسس جديدة، وسلطة تُقام على أنقاض ما سقط.

الشرعية الثورية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. هي شرعية مؤقتة، لا شرعية دائمة، يُخطئ مَن يعتقد أن من يحرّر يقرّر إلى الأبد، فالوطن لا يُدار بمنطق “الغنيمة”، ولا بذاكرة السلاح، بل بعقلية التعاقد، والمؤسسات، وتوزيع السلطة على أسس دستورية، والذين قاتلوا من أجل الحرية، لن يكرّسوا قيماً تكمّم الأفواه باسم النصر.

ثنائيات متقابلة

أمام من يقول ويردد أن من يحرّر يقرّر، يمكن القول: بأنَّ من يدير يُحاسب، من يوقّع يشرح، من يقرّر يبرّر، من يحكم يظهر، من يخطط يُعلن، من يُعيِّن يوضح، من يتعاقد يكشف، من يتحكّم لا يختبئ، من يقود لا يموّه، من يُشرف لا يتستّر، من يشرّع يحتكم، من يُفاوض يُصارح، من يعد يُنجز، من يُنظّر يُجسّد، من يتحدث باسم الناس يُصغي إليهم، من يكتب التاريخ لا يحذفه، ومن يسوق سردية يتحمّل تبعاتها… هكذا تُبنى الأوطان: لا بشعارٍ يُقال، بل بميزانٍ يُحاكم.

    الواجب الوطني في مرحلة ما بعد الثورة، ليس فقط تفكيك النظام القديم، بل تفكيك عقلية الاستحواذ، وتحرير الثورة من عباءة التسلط الجديد، الثورة لا تكتمل حين تسقط سلطة، بل حين يولد مواطنٌ حر..

الحديث هنا موجَّهٌ إلى الصف الأول من السلطة: أن تبني دولة بعد ثورة، يعني أن تقف في مواجهة نفسك أولًا: أن تعترف بأنك إن استسهلت تجاوز القانون باسم المرحلة، فستدفع الثمن لاحقاً عندما يُستخدم هذا القانون ضدك أو يتفكك تماماً، أن تحاكم مَن أجرموا أمام قضاء مستقل، لا أمام قناعتك الشخصية، ومنطق العهد والأمان.

هنا نحن لا نخترع العجلة، لقد عاشت دول عدة هذا الصراع، حين اصطدمت الشرعية الثورية بإرث دولة عميقة ومجتمع متوجّس من الفوضى، جنوب أفريقيا مثلاً واجهت التحدي ذاته، حين رفض نيلسون مانديلا عقلية “من ينتصر يحكم”، وذهب إلى بناء مصالحة وطنية لا تعني النسيان، بل تعني الاعتراف والمساءلة.

الوطن لا يُبنى بالحقد، ولا بالذعر من الآخر، بل بوعي أنّ الجميع سيعيش تحت سقف واحد، وإن اختلفوا، لذا فإن الواجب الوطني في مرحلة ما بعد الثورة، ليس فقط تفكيك النظام القديم، بل تفكيك عقلية الاستحواذ، وتحرير الثورة من عباءة التسلط الجديد، الثورة لا تكتمل حين تسقط سلطة، بل حين يولد مواطنٌ حر، في دولة تحترم القانون قبل مواطنيها، لا ترفعه حين تشاء وتدهسه حين يغدو عبئاً.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى