عن الحرائق في الساحل السوري-مقالات محتارة-

حرائق سوريا: كارثة بيئية “تشعل” انقساماً سياسياً!/ مناهل السهوي
08.07.2025
يثير امتداد الانقسامات السياسية إلى الكوارث البيئية القلق، فبدل أن تكون الحرائق لحظة وعي جماعي بخطورة التغيّر المناخي، وجدنا أنفسنا أمام سيل من التهم والتفسيرات المؤامراتية الساذجة أحياناً، التي تفتقر إلى أي منطق علمي! كلّ ذلك في سبيل تحقيق انتصار سياسي ربما.
وجوه مغطّاة بالسواد، أجساد منهكة، وألسنة لهب مشتعلة… هذا ما وثّقته عشرات الفيديوهات التي انتشرت في الأيّام الماضية، كاشفة عن حجم الكارثة البيئية والإنسانية التي خلّفتها موجة الحرائق في سوريا خلال الأسبوع الأخير.
امتدّت النيران على طول خط يبلغ نحو 20 كيلومتراً، ما أدّى إلى قطع الطرق الرئيسية، وإجبار آلاف السكّان على الفرار من منازلهم. كما أدّت الحرائق إلى انقطاع الكهرباء عن بعض المناطق، وفاقمت من معاناة الأهالي.
تهم سياسية حول الحرائق
وكما هي الحال في كلّ أزمة تمرّ بها سوريا، عادت الانقسامات السياسية لتطفو على السطح، إذ رافقت الحرائق موجة من الشائعات والتهم المتبادلة. فقد وجّه البعض أصابع الاتّهام إلى ما وصفوه بـ”فلول النظام السابق”، بينما تداول آخرون خبراً غير مؤكّد عن تبنّي فصيل يُدعى “أنصار السنّة” مسؤوليّة إشعال بعض الحرائق، دون وجود تأكيد رسمي حتى الآن.
ما عزّز هذه الفرضيات هو تصريح وزير الطوارئ رائد الصالح في آخر لقاء مصوّر، حيث دعا المدنيين إلى التعاون مع فرق الإطفاء، والإبلاغ فوراً عن أي حريق يُكتشف، أو عن أي شخص يُشتبه بمحاولته إشعال النيران.
من جهة أخرى، تداول مدوّنون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي فرضيّات متعدّدة بشأن أسباب اندلاع الحرائق، من بينها احتمال تورّط تجّار فحم يسعون لاستغلال أخشاب الغابات المحترقة، فيما أشار آخرون إلى احتمالية زراعة فلول النظام السابق ألغاماً، بخاصّة مع تكرار اندلاع الحرائق في فترات زمنية متقاربة، وفي حين كان البعض ألصق التهمة بالإنس، اتّهم البعض الآخر الجنّ في إشعال الحرائق.
وبحسب الصحافي زاهر هاشم المختصّ في شؤون البيئة والمناخ، فإن العامل البشري يلعب دوراً رئيسياً في إشعال معظم حرائق الغابات، سواء عن قصد أو نتيجة للإهمال. وتشمل الأسباب البشرية رمي أعقاب السجائر، إشعال النيران من قِبل المصطافين، الشرر الناتج عن الأسلاك أو الآليات الزراعية، والأعمال الزراعية القريبة من الغابات. كما تُسهم النفايات، بخاصّة البلاستيكية والزجاجية، في زيادة خطر الاشتعال وانتشار الحرائق، إذ تعمل بعض المواد كمصدر مباشر للنار أو كمسرّع لها.
يقول هاشم: “تحدث الحرائق أحياناً بشكل متعمّد بهدف السيطرة على أراضي الغابات، وتحويلها إلى أراض صناعية وتجارية، أو تحويلها إلى مفاحم للحصول على الفحم الخشبي، أو بقصد التخريب”.
ويختم: “لا تتوفّر حتى الآن معلومات عن أسباب حرائق اللاذقية، وإذا كان هناك إهمال أو تعمّد أدّى إلى حرقها، لكنّ الظروف المناخية القاسية وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ونقص الرطوبة الجوّية، تؤدّي إلى جفاف الأوراق والأعشاب في الغابات وتشكّل وقوداً قابلاً للاشتعال عند حدوث أي شرر ناتج عن عامل بشري أو طبيعي”.
ورغم الحقائق البيئية واشتعال حرائق مشابهة في عدد من الدول مثل تركيا وإيطاليا واليونان، هناك توجّه عامّ لتصديق نظرية المؤامرة. حتى وصل البعض في السنوات الماضية إلى اتّهام أسماء الأسد في إحراق الغابات!
يثير امتداد الانقسامات السياسية إلى الكوارث البيئية القلق، فبدل أن تكون الحرائق لحظة وعي جماعي بخطورة التغيّر المناخي، وجدنا أنفسنا أمام سيل من التهم والتفسيرات المؤامراتية الساذجة أحياناً، التي تفتقر إلى أي منطق علمي! كلّ ذلك في سبيل تحقيق انتصار سياسي ربما.
أن تُتهم جهات سياسية بإشعال النيران هو انعكاس لخلل عميق في فهم ما يحدث، لا سيّما مع وجود تقارير بيئية تربط بين الحرائق والتغيّر المناخي، والجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، فلم نجد هذه التهم في بلدان تعيش أحياناً حرائق أكثر كارثية مما شهدته سوريا!
هذا التفسير السياسي لكلّ كارثة طبيعية لا يكشف فقط عن انقسام سياسي مزمن، بل عن عجز جماعي في إدراك طبيعة المرحلة التي نعيشها، وهي مرحلة تتطلّب أدوات علمية، تفكير بيئي، وخطط وقائية طويلة الأمد، وليس تهم جاهزة تستنزف النقاش العامّ وتعطّل الوعي الضروري لمواجهة أخطر تهديد يواجه سوريا والمنطقة: الانهيار المناخي.
كارثة بيئية بكلّ المقاييس
ورغم كلّ الجهود المبذولة، عادت الحرائق ليل أمس للامتداد، وتمَّ إخلاء سكّان من قرية الغسانية (فلك) في ريف اللاذقية الشمالي، وما زالت الحرائق مشتعلة في محميّة الفرنلق، التي تعتبر واحدة من أصعب التضاريس، التي قد تواجه فرق الإطفاء، نظراً لوعورتها واتّصال الغابات فيها.
وقال وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح إن الحرائق أتت على أكثر من 12 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات، أي ما يعادل أكثر من 100 كيلومتر مربع.
وتجاوزت المساحة المحترقة 180 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة تفوق حجم العاصمة دمشق، بحسب بيانات الأقمار الصناعية من خدمة “FIRMS” التابعة لوكالة ناسا.
وتضرّر أكثر من 5000 شخص، ونزوح أكثر من 1120 شخصاً، بالإضافة إلى نفوق الماشية والحيوانات بحسب منظّمة الزراعة والتنمية الريفية.
وبحسب أرقام حكومية صادرة في عام 2023، تبلغ مساحة الغطاء الحرجي في سوريا نحو 5270 كيلومتراً مربعاً، ما يعني أن هذه الحرائق دمّرت أكثر من 3% من الغابات في البلاد خلال ثلاثة أيّام فقط.
يُذكر أن إخماد الحرائق لا يعني نهاية الأزمة بل بدايتها، فبحسب الصحافي البيئي زاهر هاشم: “تؤدّي حرائق الغابات إلى تخريب التربة الزراعية وجعلها غير صالحة للاستخدام لسنوات طويلة، والقضاء على المغذيّات العضوية التي تزيد خصوبتها، وتلويث مصادر المياه والآبار”.
وبحسب زاهر، تسبّب حرائق الغابات بفقدان مساحات واسعة من الأشجار في زمن قصير جداً، أكبر بكثير من قدرة النظام الطبيعي على استعادته، ما يخلّ بالنظام البيئي ويزيد من تلوّث الهواء وتغيّر المناخ نتيجة تراجع امتصاص الكربون، كما تتسبب بفقدان مواطن آلاف الكائنات، وفي تسجيل خسائر اقتصادية كبيرة تشمل كلفة الإطفاء، وتدمير الأراضي الزراعية والسكنية والثروة الحيوانية، إضافة إلى خسائر بشرية.
وتأتي هذه الحرائق استكمالاً لسلسلة من الكوارث المناخية التي تشهدها سوريا في السنوات الأخيرة. ففي تقرير صدر في حزيران/ يونيو الماضي، حذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدة (الفاو) من أن البلاد تمرّ بأسوأ ظروف مناخية منذ ستّة عقود، مشيرة إلى أن الجفاف غير المسبوق يهدّد أكثر من 16 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي.
وعن الصعوبات التي تواجه فرق الإطفاء، أوضح الصالح أن وعورة التضاريس، وبُعد مصادر المياه، إضافة إلى وجود الألغام ومخلّفات الحرب، كلّها عوامل تُعقّد جهود السيطرة على النيران. وأشار إلى أن فرق الإطفاء تواجه تحدّيات ميدانية جسيمة، بخاصّة في منطقة قسطل معاف، التي تُعدّ من أكثر المناطق تضرّراً واشتعالاً.
مجهود استثنائي للدفاع المدني والفرق المشاركة
لم تنقل مشاهد الحرائق المروعة من مناطق ريف اللاذقية وطرطوس حجم الكارثة البيئية وحسب، بل كشفت أيضاً عن حجم المعاناة التي تواجه فرق الدفاع المدني السوري في التصدّي للنيران.
يظهر في المقاطع رجال منهكون، وجوههم مغبرّة، وأجسادهم ممدّدة قرب أكوام الرماد والفحم بعد ساعات طويلة من العمل تحت حرارة خانقة ونيران مستعرة. بعضهم أصيب بحالات اختناق وإنهاك حراري، فيما جلس آخرون لالتقاط أنفاسهم وسط رماد الغابات.
وسط هذه المشاهد، بدا لافتاً حضور وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح بينهم، من دون ربطة عنق، ومن دون حواجز بينه وبين العناصر. جلس إلى جانبهم، يشاركهم العطش والدخان والتعب. وقد لاقى ظهوره هذا إشادة واسعة بين السوريين على مواقع التواصل، إذ اعتبروه مشهداً نادراً لمسؤول رسمي يترك مكتبه ويلتحق بالصفوف الأمامية، في وقت اعتاد فيه المواطنون على غياب كبار المسؤولين عن الميدان في لحظات الأزمات الكبرى.
وفي ظلّ امتداد الحرائق وعجز فرق الدفاع المدني عن السيطرة عليها، دفعت وزارة الداخلية بتعزيزات للمساعدة في إخماد الحرائق، كما أرسلت فرق دعم من عدّة محافظات،
وانضمّت الأردن وتركيا وأرسلت مروحيّات وفرق مساعدة، وكان من المفترض أن يرسل لبنان كذلك مروحيّات، لكن حدث تأخير خوفاً من حدوث تصادم في الأجواء.
– كاتبة وصحفية سورية
درج
————————————————-
حرائق في الساحل وألعاب نارية في العباسيين/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/07/08
يوم السبت، بين أخبار حرائق الساحل التي تنشرها وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، كانت الوكالة تغطي أيضاً الأجواءَ الاحتفالية في ساحة العباسيين في دمشق، لمناسبة إطلاق “الهوية البصرية الجديدة للجمهورية العربية السورية”. وكما نعلم فإن الاحتفال الرسمي الكبير باللوغو الجديد حدث من قبل بحضور أعلى مستويات السلطة، وببذخ شديد، ويبدو أن النية منعقدة على استمرار الأفراح الرسمية بهذا اللوغو، فحفل العباسيين (وما سبقه في الأمويين) كان معدّاً بدلالة الألعاب النارية الكثيفة التي أُطلقت وطائرات الدرون التي شاركت فيه.
حرائق الساحل ليست حدثاً محلياً؛ هي كارثة وطنية لن تقتصر آثارها على أهالي المنطقة، بل ستتضرر سوريا بأكملها من احتراق مساحات واسعة جديدة من الغطاء الحرجي. الحرائق نفسها تحدث في تركيا واليونان، وحتى إذا كان هناك مسبِّب جُرْمي مباشر، إهمالاً أو عمداً هنا أو هناك، فهو لا يغيّر في كونها كارثة وطنية، ولا في طبيعة الظروف المناخية العامة التي تسهّل انتشار الحرائق.
التعاون الإقليمي، على الأقل، في إخماد الحرائق واجب على الجميع، لأن الآثار المدمِّرة للتصحر لا تتوقف عند الحدود السياسية للدول. بل إن التعاون الدولي مستحق أيضاً، لأن قضايا البيئة والتغيّر المناخي تمسّ الجميع، وهي مترابطة على المستوى الكلي. وعندما يطلب أي بلد المساعدة الإقليمية والدولية، فالطلب لا يوضع تحت مسمّى طلب المساعدات، لأن الاستجابة للكوارث شأن إنساني في المقام الأول.
ولأن الكارثة شأنٌ وطني وإنساني لا يجوز التغاضي عنه، لم يكن لائقاً على الإطلاق أن ترعى السلطة احتفالات بلوغو رسمي جديد بينما يحترق جزء من البلد، حرفياً لا مجازياً، ويهدد الحريق بالانتشار مدعوماً بالعوامل المناخية. ويجوز القول إن أداء السلطة كان على مستويين متباعدين جداً؛ المستوى المتعيِّن باحتفالات اللوغو العتيد، والمستوى الذي يتابعه الملايين باحترام شديد، أي ذلك الذي يمثّله رجال الدفاع الوطني-الخوذ البيضاء. من دون أن يفوتنا التنويه بالدعم الذي يتلقاه هؤلاء الشجعان من الأهالي، وفضلاً عن أهالي المناطق المنكوبة هناك مّن ذهب إلى مؤازرتهم مِن مناطق بعيدة، وبالتأكيد ثمة ثناء مستحق لفرق الإطفاء الداعمة من تركيا والأردن ولبنان.
رجال الخوذ البيضاء استأنفوا ما اعتاد السوريون عليه خلال الثورة. إذ أبدوا بسالةً ومناقبيةً عاليتين بقيادة رئيسهم آنذاك رائد صالح، والذي بقي رئيساً لهم بحكم منصبه كوزير للطوارئ والكوارث في الحكومة الحالية. الوزير صالح ذهب إلى مكان الحرائق، ليقف بين رجال الإطفاء، على النحو الذي عُرِف به من قبل. ومن دون تقليل من أهمية وجوده في مكان الكارثة؛ ما حدث يستحق أن تبادر السلطة على أعلى مستوى بالذهاب إلى هناك لتقديم الدعم المعنوي لرجال الإطفاء، وللأهالي الخائفين.
في كل البلدان، عند حدوث الكوارث، تبادر السلطة على أعلى مستوى لمواكبتها، وتحشد أقصى طاقاتها من كافة الوزارات للتعاون من أجل التقليل من آثارها. وحيث أن سوريا تعاني وضعاً استثنائياً، بسبب تدهور معظم القطاعات الحكومية، يجوز وصفها أصلاً بالبلد المنكوب، ومع كارثة من هذا القبيل لا بأس في أن تناشد السلطة سلطات البلدان التي تقبل بإرسال فرق ومعدات إطفاء. لقد ناشدت دول كبرى العالم لمساعدتها في حالات النكبة، لأن إمكانيات معظم الدول غير معدَّة مسبقاً لمواجهة الكوارث الاستثنائية.
وإعلان حالة الاستنفار لمواجهة كارثة لا تتوقف فائدته على توفير حجم أكبر من المساعدات، هو أيضاً يشير إلى حساسية للسلطة، على الضد من غيابها الذي توحي به الاحتفالات، أو يعلنه بمزيد من الضجيج إطلاق الألعاب النارية والدرون في أماكن أخرى. ثمة حساسية يمكن اعتبارها معياراً لأداء السلطة، هي حساسيتها إزاء حيوات السوريين، وإزاء أي ضرر كبير يلحق بالبلد عموماً.
لقد عنت الأسدية فيما عنته ذلك الاستهتار المطلق بالسوريين وبسوريا ككل، مقابل الإعلاء المطلق من شأن الحاكم وبطانته. ولا بد من الاعتراف بأن سنوات الصراع المسلّح في سوريا قد نالت بشدّة من احترام الأرواح، ونالت بشدّة مماثلة من احترام الملكيات العامة والخاصة، وبما يقترب في الحالتين من استباحة مطلقة للأرواح والممتلكات. ولا بدّ من الاعتراف بأن فصائل معارِضة قد مارست هذه الانتهاكات، فلم تنجُ من لوثة الأسدية.
إذا كان ما تقوله السلطة صحيحاً، على صعيد انتقالها من المنطق الفصائلي إلى منطق الدولة، فواحد من أهم الاختبارات هو دفن تلك الأسدية التي لا تملك حساسية إزاء خسارات الأرواح والممتلكات. ليس كلاماً عاطفياً القولُ إن سوريا تحتاج إلى أشخاص يحزنون حقاً، وقد يذرفون الدموع الصادقة علناً، عندما تكون هناك خسارة وطنية ما.
هذا ليس شأناً شكلانياً أبداً، إنه يعكس احترام السلطة للسوريين عموماً، فالحزن على أرواحهم هو معادل لاحترام حيواتهم وتوجهاتهم. وما قد يظهر عاطفياً للوهلة الأولى هو ليس كذلك فحسب، لأن الحزن على الأشخاص فيه تقدير للموارد البشرية وأهميتها لبناء الأوطان، ولأن الحزن (بسبب دمار أو خراب ما) فيه تقدير لقيمة ما دُمِّر من حيث الجانب المادي أو المعنوي، وما بُذل فيه من تعب. لا يقلل من هذا الاعتبار أن تكون الخسارة لثروة طبيعية، فواحدة من إيجابيات الحزن الصادق على خسارة الثروات العامة، أو الممتلكات الخاصة، هي بما يعكسه من تقدير وحرص على ما بقي موجوداً كي لا يُهدر أو يُساء استغلاله.
التخلص من الأسدية ليس مقتصراً على السلطة فقط، فالذين ينشرون كلاماً يشجّع على انعدام الحساسية تجاه معاناة سوريين آخرين، أو فئات سورية محددة، هم أيضاً مطالبون بالتخلص من آثار الأسدية كي يستقيم ادّعاؤهم الوطنية. إرث النكايات المتبادلة ينبغي دفنه مع الحقبة الأسدية، وكذلك إرث عدم الإحساس بأوجاع الآخرين الذي يرافق الصراعات العنيفة طويلة الأمد. فاحترام حيوات السوريين والموارد السورية هو من علامات الوطنية، أما انعدام الحساسية مع ادعاء الوطنية فأقرب إلى الفاشية، إن لم تكن هي الفاشية بعينها.
إبداء الحساسية إزاء الكوارث، أو إزاء مقتل سوريين أبرياء، مطلوب منذ شهور. وفي أكثر من مناسبة كان ذلك سيبدد الكثير من الأجواء المسمومة بين السوريين، وبين فئات منهم والسلطة. لأن عدم إبداء الحزن على الضحايا الأبرياء فُهِم على محمل الاستهتار بأولياء الضحايا، وعلى محمل الاستهتار بالأحياء أيضاً. وقد يُزيّن الانقسام السوري، الموروث من الحقبة السابقة، للبعض أنه مواطن من الدرجة الأولى، إلا أن الاستهتار إذا صار سلوكاً سلطوياً معتاداً لن يوفّر أنصار السلطة أنفسهم. ولعله من المفيد التذكير بأن حبّ الموالين للسلطة من طرف واحد وصفة أسدية أيضاً يُعاد تدويرها حالياً، من دون انتباه إلى نتائجه الماثلة للأعين.
المدن
———————————
من الذي يشعل النار في الغابات السورية؟/ سامر سيف الدين
7 يوليو 2025
في الوقت الذي تتعقد فيه الأوضاع الأمنية، تشتعل النيران آتية على مساحات كبيرة من الغابات الساحلية حتى الحدود التركية، لتزيد الأمور المعاشية والأمنية سوءًا، وتلقي بمهمة ثقيلة على وزارة الطوارئ والكوارث الوليدة وغيرها من المؤسسات الحكومية التي وجدت نفسها أمام كارثة بيئية وزراعية واقتصادية كبرى.
ولكن السؤال اليوم لماذا تتكرر هذه الحرائق منذ العام 2019 حتى اليوم في نفس الموعد تقريبًا، وإلى من تتوجه أصابع الاتهام، وهل كان من الممكن تفاديها؟
حرائق الغابات في العقد الأخير
تعرضت الغابات في سوريا خلال عهد النظام السابق لسلسلة مريبة من الحرائق التي أتت على مساحات كبيرة منها وحولتها إلى رماد. ففي عام 2019 اندلع أكثر من 100 حريق في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وخاصة في محافظات طرطوس، اللاذقية، حمص، وحماة، وأتت على مساحات واسعة من الغابات، وأدت لوقوع ضحايا بين فرق الإطفاء.
وشهد العام التالي 2020 وخاصة في شهري أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر، واحدة من أكثر الأحداث تدميرًا في السنوات الأخيرة، حيث عمت الحرائق الضخمة محافظتي اللاذقية وطرطوس، فتضررت غابات جبل الأربعين، القرداحة، والمناطق المحيطة بمدينة جبلة، بالإضافة إلى أراضٍ زراعية وغابات في حمص وحماة. وقد استمرت الحرائق لأسابيع، واجتاحت آلاف الهكتارات من الأراضي الخضراء بسبب الرياح القوية وجفاف الأحراش. وفي هذه الحرائق دُمرت أكثر من 3,000 هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، وأدت إلى نزوح حوالي 2,000 عائلة في اللاذقية وحدها. وأثرت على مصادر الرزق مثل زراعة الزيتون والعسل. ومع أن الحرائق لم تسفر عن وفيات مباشرة بين المدنيين، إلا أن فرق الإطفاء واجهت مخاطر كبيرة، وتعرض الكثير من الرجال لإصابات بعضها خطير.
وحينها عزت السلطات حدوث الحرائق إلى أسباب بشرية، مثل حرق المحاصيل أو تصنيع الفحم، مع اتهامات بإشعال متعمد مرتبط بصراعات محلية أو اقتصادية. وقد عزز الجفاف وارتفاع الحرارة الانتشار الكبير لهذه الحرائق. وقد أدت الحرائق إلى ضغط إضافي على البنية التحتية والاقتصاد المحلي.
تراجعت الحرائق في العامين 2021 و 2022، إلا أنها عادت للارتفاع عام 2023، حيث شبت حرائق محدودة في ريف حماة، وكشفت عن موقع أثري بيزنطي، بينما أثرت حرائق أخرى في اللاذقية وطرطوس على الغابات والأراضي الزراعية.
ومع أن عام 2024 لم يشهد حرائق كبيرة، إلا أن العام الحالي 2025 شهد بداية مبكرة لموسم الحرائق، حيث بدأت في أيار/ مايو 2025 حرائق مبكرة في جبل التركمان، مع تزايد الحرائق اليومية بسبب الحرارة والرياح. واليوم امتدت الحرائق لمساحات كبيرة للغاية وبدأت السلطات السورية وبالتعاون مع الجانب التركي سباقًا محمومًا للسيطرة عليها دون التمكن من ذلك حتى الآن.
ما هي الأسباب المحتملة للحرائق الأخيرة؟
يُؤكد ستيفن باين، الأستاذ الفخري في جامعة ولاية أريزونا ومؤرخ الحرائق الرائد، أن حرائق الغابات الكبيرة ليست ظاهرة جديدة. ويُشير إلى أن العديد من المناظر الطبيعية تطورت مع الحرائق كعملية طبيعية، حيث تُظهر السجلات التاريخية حرائق هائلة في جميع أنحاء أمريكا الشمالية قبل فترة طويلة من الاستيطان الحديث. ويُشير باين إلى أنه في حين يُفاقم تغير المناخ ظروف الحرائق – من خلال ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المُمتد – فإن عودة “الحرائق الهائلة” أمر طبيعي.
وخلصت دراسة جون أباتزوجلو، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، التي أجراها عام 2016 إلى أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يضاعف مساحة حرائق الغابات، عازيًا ذلك إلى ظروف أكثر حرارة وجفافًا تُهيئ مناخًا مثاليًا للحرائق. ويؤكد أباتزوجلو أن هذه الاتجاهات من المرجح أن تتفاقم دون اتخاذ إجراءات مناخية جادة.
ويجادل مارلون ومونييه، مؤرخا الحرائق الأميركيان المشهوران، بأنه في حين كانت الأسباب الطبيعية، مثل البرق، مهيمنة تاريخيًا، فإن حرائق اليوم تتفاقم بسبب مزيج من تغير المناخ، وتغيرات استخدام الأراضي، ومصادر الاشتعال البشرية، مما يشير إلى تفاعل معقد وليس سببًا واحدًا. يشير سيث ماكغينيس، الباحث المشارك في مؤسسة جامعة أبحاث الغلاف الجوي، إلى أن الحرائق الضخمة تغذيها فترات طقس الحرائق الطويلة، والتي تتفاقم بفعل عوامل مناخية كالجفاف والحرارة.
وفي سوريا تشير التقارير والتحقيقات المنشورة إلى أن غالبية الحرائق التي نشبت (أكثر من 90% في السنوات الأخيرة) ناتجة عن أنشطة بشرية مثل حرق المخلفات الزراعية، تصنيع الفحم، أو حتى إحراق متعمد لأغراض اقتصادية أو نزاعات. ومن المؤكد أن الجفاف وانعدام الأمطار في الصيف، بالإضافة إلى الرياح القوية، يسهمان في تفاقم وانتشار الحرائق بسرعة.
ويعزو العديد من المراقبين تزايد عدد هذه الحرائق في السنوات الأخيرة، إلى ضعف الرقابة الأمنية، سواء بسبب الحرب أو النزاعات الداخلية، مما يسهل حدوثها ويصعب السيطرة عليها. إضافة إلى مخلفات الحرب وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق وضعف البنية التحتية المترهلة نتيجة فترة الصراع الطويل.
وهناك آراء متضاربة حول احتمالية أن يكون الصراع الدائر في الساحل السوري سببًا للحرائق الضخمة التي تندلع الآن، فالبعض يتهم فصائل معينة والآخر يتهم بقايا النظام السابق بإشعال الحرائق كجزء من استراتيجيات الفوضى أو للإضرار بالممتلكات أو إجبار السكان على النزوح، ولكن هذه الادعاءات تبقى غير مدعومة بأدلة مادية حتى الآن وتعكس أحيانًا انقسامات سياسية أو مناطقية. وهناك بعض التقارير تشير إلى اتهامات بإشعال متعمد مرتبط بدوافع اقتصادية (مثل السيطرة على الأراضي أو بيع الخشب والفهم، وهو أحد أكثر الأسباب تواترًا في السنوات الماضية).
كيف يُمكننا معرفة ما إذا كان حريق الغابة ناتجًا عن حرق مُتعمّد أم عن أسباب طبيعية؟
يتطلب تحديد ما إذا كان حريق الغابة ناتجًا عن حرق مُتعمّد أم عن أسباب طبيعية مزيجًا من أساليب التحقيق وتحليل الأدلة. حيث يبحث المحققون عن علامات مثل نقاط الاشتعال المتعددة، أو مُسرّعات الاشتعال (مثل بقايا البنزين)، أو مواد من صنع الإنسان (مثل أعواد الثقاب والولاعات)، والتي تُشير إلى الحرق المُتعمّد. وقد تُخلّف الأسباب الطبيعية، مثل صواعق البرق، أنماط حرق مُشعّة من نقطة واحدة دون أي آثار صناعية.
وغالبًا ما ترتبط الحرائق الطبيعية بصواعق البرق خلال الطقس الجاف والعاصف. ويزداد احتمال الحرق المُتعمّد إذا بدأ الحريق في ظروف هادئة وجافة دون عواصف حديثة، خاصةً إذا تزامن مع نشاط بشري.
إن تحليل سلوك الحرائق أحد الأدلة المهمة في عملية البحث، فقد تُظهر الحرائق المتعمدة أنماط انتشار غير منتظمة بسبب التدخل البشري، بينما تتبع الحرائق الطبيعية عادةً أنماط الرياح والتضاريس. يستخدم رجال الإطفاء والمحققون شدة الحرق ومعدل الانتشار لاستنتاج أصوله. وتُحلل الرياح لمعرفة كيف ساهمت في انتشار النار، مما يساعد في رسم خريطة لمصدر الاشتعال. كما يمكن الاستفادة من تسجيلات كاميرات المراقبة وصور الأقمار الاصطناعية لتحديد بداية وموضع شكل انتشار الحرائق لتحديد المسبب طبيعيًا كان أمن بشريًا.
ويمكن للتحليل المخبري للحطام الكشف عن المواد المُسرِّعة أو المواد الكيميائية التي تُشير إلى الحرق العمد. كما يمكن للحمض النووي أو بصمات الأصابع على الأشياء في موقع الحادث أن تُشير إلى المشتبه به.
وقد تُشير الحرائق المتكررة في نفس المنطقة، وخاصةً بدون مُحفِّزات طبيعية، إلى الحرق العمد، خاصةً إذا كانت مرتبطة بدوافع اقتصادية (مثل إزالة الأراضي) أو الصراعات. ففي حرائق عام 2020، على سبيل المثال، أدى وجود نقاط بداية متعددة ونقص بيانات البرق إلى شكوك حول الحرق العمد، وهو ما أكدته التحقيقات لاحقًا. يُعد التعاون بين رجال الإطفاء والشرطة وخبراء البيئة أمرًا أساسيًا لتحديد دقيق.
هل يمكن تجنب حرائق الغابات وكيف؟
نعم، يمكن تجنب حرائق الغابات أو الحد من آثارها من خلال اتخاذ تدابير استباقية: منها إشعال حرائق مُتحكّم فيها بانتظام لإزالة النباتات الجافة وتقليل تراكم الوقود. وإزالة الأخشاب الميتة والأوراق والأغصان للحد من المواد القابلة للاشتعال. وإنشاء مناطق أو حواجز خالية لمنع انتشار الحرائق. ويمكن استخدام الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار للكشف المبكر عن بصمات الحرارة والدخان. بالإضافة لمراقبة الظروف الجافة والعاصفة لإصدار التحذيرات.
كذلك يجب توعية المجتمعات بالممارسات الآمنة، مثل تجنب إشعال نيران المخيمات في مواسم الجفاف. وفرض حظر على الحرق خلال فترات الخطر الشديد. ولابد من تطوير البنية التحتية وتوفير موارد مكافحة الحرائق وطرق للوصول السريع لطاقم الإطفاء.
إن الحرائق الحالية في الساحل تتزامن مع ظروف أمنية معقدة، لذا ينبغي على السلطات المختصة القيام بتحقيقات شفافة ودقيقة لكشف الأسباب الحقيقية وراء هذه الحرائق والعمل على تلافيها مستقبلًا، فضلًا عن معالجة الآثار المختلفة لهذه الحرائق على حياة ومعاش المواطنين وتقديم كل ما من شأنه إعادة اللحمة والثقة بين أبناء البلد الواحد.
الترا سوريا
—————————————–
وزير الطوارئ رائد الصالح: الألغام تعيق جهود الإطفاء وأكثر من 10 آلاف هكتار احترقت
8 يوليو 2025
تواصل فرق “الدفاع المدني السوري” (الخوذ البيضاء)، وأفواج الإطفاء، لليوم السادس على التوالي، عملياتها لإخماد الحرائق الحراجية الضخمة المندلعة في غابات محافظة اللاذقية، وسط تحديات ميدانية متزايدة تعرقل جهود السيطرة عليها.
وتزامنًا مع حرائق غابات اللاذقية، اندلعت خلال الأيام القليلة الماضية عدة حرائق أخرى في مناطق متفرقة من البلاد، وسط تحديات مناخية وأمنية معقدة، كان آخرها الحريق الكبير الذي اندلع في محيط قرية فورو بالجبال المطلة على سهل الغاب في ريف حماة.
في هذا الحوار الحصري مع “الترا سوريا”، يتحدث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، عن خلفية الحريق الذي اندلع في محيط قرية فورو، بالإضافة إلى الحرائق المتواصلة في غابات اللاذقية منذ ستة أيام.
كشف الصالح عن تفاصيل ميدانية دقيقة، أبرزها خطر الألغام على فرق الإطفاء، وتحدث عن الإمكانيات المحلية والدولية المسخّرة، والتحديات الحقيقية التي تواجه فرق الدفاع المدني. كما وجه رسائل صريحة إلى الناس، والمنظمات، والدول الداعمة، مستعرضًا مشاعر الامتنان، ومحددًا في الوقت نفسه مكامن الخلل والاحتياج.
ما أبرز ما واجهتموه خلال التعامل مع حريق فورو في ريف حماة؟
الحريق في محيط قرية فورو كان مختلفًا عن غيره، ليس فقط بسبب التضاريس الصعبة، بل أيضًا بسبب وجود مخلفات الحرب. واجهنا ألغامًا مزروعة في المنطقة، شكّلت خطرًا مباشرًا على حياة عناصر فرقنا. ورغم اتخاذنا أقصى درجات الحذر، فإن وجود الألغام أبطأ عمليات الإخماد وهدّد سلامة الفرق بشكل كبير.
هناك حرائق أيضًا مستمرة في ريف اللاذقية، هل الحريق في فورو مرتبط بها؟
لا، هذا الحريق منفصل تمامًا عن بقية الحرائق. والحمد لله، تمت السيطرة عليه يوم أمس، لكن طبيعة الأرض والأوضاع الأمنية في المنطقة جعلت منه تحديًا صعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
تحدثتم عن آلاف الحرائق خلال الفترة الأخيرة. كيف تتابعون وتستجيبون لها في ظل هذه الظروف؟
منذ بداية شهر حزيران وحتى اليوم استجبنا لأكثر من 1579 حريقًا، منها 1400 حريق حراجي. ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة، تعاملنا مع 3563 حريقًا. نعمل ضمن إمكانياتنا المتاحة، ورغم ذلك لدينا فرق تعمل ليلًا ونهارًا. بالأمس، كنا حتى الثالثة فجرًا نستأجر بلدوزرات ونفتح خطوط نار ونجهّز الطرقات للفرق.
ماذا عن الدعم الدولي؟ وما هو حجم المشاركة الخارجية؟
أنا ممتن جدًا للدعم العربي والدولي. تركيا أرسلت 16 فريقًا، والأردن أرسل أيضًا فرقًا أرضية. لبنان عرض إرسال مروحيات، لكن بسبب كثافة الطيران في الجو لم نتمكن من استقبالها، رغم شكرنا الكبير لهم. هذا كله يعكس تضامنًا حقيقيًا في مواجهة الكوارث.
رغم كل ذلك، هناك انتقادات تتعلق بتأخر الاستجابة. كيف تردون عليها؟
على الناس أن تدرك أننا لا نملك عصًا سحرية. نحن بشر ولدينا إمكانيات محدودة، لكن لدينا أبطال بالمعنى الحقيقي للكلمة. كل دول حوض المتوسط تواجه حرائق، من تركيا إلى اليونان وإيطاليا. نحن نعمل في ظروف معقدة، ومع ذلك لم نفقد أي مدني حتى الآن، وهذا إنجاز كبير.
أشرتم إلى انتقادات تتعلق بتوزيع الطعام الجاهز خلال العمليات. ما التفاصيل؟
نعم، للأسف واجهنا موقفًا لا يمكن التغاضي عنه. أكثر من 200 عنصر من فرقنا ومن الفرق التركية كانوا محاصرين داخل النيران، وفي الموقع ذاته كان هناك أكثر من 300 متطوع يوزعون الطعام والمياه والتمر.
في هكذا ظرف، الفوضى قد تُكلّف أرواحًا. الطعام الجاهز، خصوصًا إذا تم إعداده مسبقًا بعدة ساعات، قد يتسبب بتسمم. نحن لا نرفض الدعم، لكننا نريده منظمًا وآمنًا.
ما حجم الأضرار حتى الآن؟ وهل هناك خطط للتعويض؟
حتى الآن خسرنا أكثر من 10,000 هكتار من الغابات، وهذه كارثة بيئية. نحن نعمل بالتعاون مع الوزارات المعنية والمؤسسات الدولية على وضع خطط ترميم قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد. كذلك، ستبدأ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بتقييم الأضرار وتعويض المتضررين.
ما هي الرسالة الأهم التي توجهها الآن للناس في ظل هذه الظروف؟
أطلب من الناس أن يثقوا بنا. نحن نعمل بكل طاقتنا، ونحتاج أيضًا لمساعدتكم بالإبلاغ عن أي حريق متعمّد. أرجو من الجميع المساهمة في تنظيم الجهود، لنكون يدًا واحدة. وأوجه أسمى الشكر لأهلنا الذين كانوا دائمًا سندنا، ولكل المنظمات التي تعمل من قلبها على الأرض.
الترا سوريا
———————————–
متطلبات تقنية لحماية الغابات السورية: ما الذي نحتاجه عملياً لإنقاذ خُضرة الجبال من الحرائق؟/ هشام حاج محمد
09-07-2025
الغابات الخضراء هي رئة كوكبنا فعلاً، وهي مصدرٌ للحياة والتنوع البيولوجي وملاذٌ للجمال الطبيعي. في سوريا، تتركز هذه الثروة الطبيعية بشكل رئيسي في محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث تشكل الغابات مساحات خضراء حيوية ذات أهمية بيئية واقتصادية واجتماعية كبرى. ومع ذلك، تُواجه هذه الغابات تحديات جسيمة، أبرزها الحرائق المتكررة التي تلتهم مساحات شاسعة منها، مخلفة وراءها دماراً بيئياً واقتصادياً واجتماعياً. إن ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، والعوامل البشرية، كلها تُساهم في تفاقم هذه الظاهرة، ما يجعل الغطاء النباتي في سوريا ضعيفاً للغاية وبحاجة ماسة إلى حماية شاملة ومُستدامة.
التحديات الراهنة: لماذا تُعَدُّ الغابات السورية في خطر؟
تتعدد الأسباب التي تجعل الغابات السورية عُرضة للحرائق، فبالإضافة إلى الظروف المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة، تلعب العوامل البشرية دوراً محورياً في اندلاع هذه الكوارث. فالإسكانُ العشوائي على أطراف الغابات، ورمي النفايات، والإهمال في التعامل مع مصادر النيران، كلها عوامل تزيد من احتمالية وقوع الحرائق. إن ضعف الغطاء النباتي يجعل هذه الغابات أكثر عرضة للاشتعال والانتشار السريع للنيران، مما يستدعي تبني استراتيجيات حماية متعددة الأوجه.
استراتيجيات الحماية: نهج متكامل
تتطلّبُ حماية الغابات السورية نهجاً متكاملاً يجمع بين الإجراءات الوقائية، وتطوير آليات الاستجابة السريعة، وترميم المساحات المتضررة. يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجيات ما يلي:
1- حماية الغابات من الإسكان العشوائي: يُعَدُّ التوسع العمراني غير المُنظَّم على حساب الغابات أحد أبرز التحديات. يجب وضع قوانين صارمة تمنع التعدي على الأراضي الحراجية، وتطبيقها بفعالية، بالإضافة إلى توعية المجتمعات المحلية بأهمية الحفاظ على الغابات وفوائدها البيئية والاقتصادية.
2- حماية الغابات من الحرائق بالتعامل معها كمحميات طبيعية: يجب التعامل مع الغابات السورية، وخاصة تلك التي تتركز فيها الكثافة النباتية، كمَحميات طبيعية تتطلب حماية خاصة. هذا لا يعني عدم التدخل بها إلا عند الكوارث، بل على العكس، يتطلب ذلك إدارة استباقية ووقائية تضمن جاهزية عالية لمواجهة أي طارئ. ومن الإجراءات التي يمكن اتخاذها في هذا الصدد:
– فتح طُرق مخصصة لفرق الإطفاء: إنشاء شبكة من الطرق المخصصة داخل الغابات لتسهيل وصول فرق الإطفاء والمعدات الثقيلة إلى مناطق الحرائق بسرعة وفعالية.
– توزيع شبكة من نقاط الدفاع المدني والإطفاء: إقامة نقاط مراقبة ومراكز إطفاء صغيرة موزعة بشكل مدروس داخل الغابات وعلى أطرافها، مزودة بالمعدات اللازمة وبأفراد مُدرَّبين على التعامل الأولي مع الحرائق.
– إنشاء شبكة أنابيب من مياه البحر: في المناطق الساحلية مثل طرطوس واللاذقية، يمكن استغلال القرب من البحر لإنشاء شبكة أنابيب تتيح ضخ مياه البحر مباشرة إلى المناطق المستهدفة بسهولة، وذلك لاستخدامها في حالات الضرورة بما يوفر وقتاً ثميناً ريثما تصل فرق الإطفاء.
3- ترميم المساحات المتضررة بإعادة التشجير: بعد كل حريق، من الضروري البدء بعمليات ترميم سريعة للمساحات المتضررة. يجب أن تعتمد هذه العمليات على أحدث تكنولوجيا التشجير العالمية، مع اختيار أنواع الأشجار المحلية المقاومة للجفاف والحرائق، واستخدام تقنيات الري الحديثة لضمان نجاح عملية إعادة التشجير.
تعزيز القدرات: الطائرات والدرونز لمكافحة الحرائق
أصبح من الضروري تحديث وتطوير قدرات فرق الإطفاء، ليس فقط من حيث المعدات الأرضية، بل أيضاً من خلال إدخال التقنيات الجوية الحديثة. إن ترميم معدات الإطفاء الحالية وتحديثها أمر حيوي، ولكن الأهم هو إدخال الطائرات والدرونز (الطائرات بدون طيار) في عمليات الإطفاء، لما لها من قدرة على إحداث تغيير نوعي في مكافحة الحرائق.
تُعَدُّ الطائرات، سواء كانت طائرات ثابتة الجناح أو مروحيات، أداة فعالة للغاية في مكافحة حرائق الغابات، خاصة في المناطق الوعرة التي يصعب الوصول إليها برّاً. يمكن لهذه الطائرات إلقاء كميات كبيرة من المياه أو المواد الكيميائية المثبطة للنيران على بؤر الحريق، مما يساعد على إخمادها أو إبطاء انتشارها. على سبيل المثال، تُستخدم طائرات مثل «سوبر سكوبرز» (Super Scoopers) في العديد من الدول لمكافحة الحرائق الكبيرة. كما أن الطيران المروحي يلعب دوراً حيوياً في نقل فرق الإطفاء إلى المناطق المستهدفة وإعادتهم، وإخماد الحرائق الصغيرة الناشئة.
ويُمثِّلُ الدرونز ثورة في مجال مكافحة حرائق الغابات، حيث توفر إمكانيات غير مسبوقة في المراقبة، والاستطلاع، وحتى الإطفاء الأولي:
– المراقبة والاستطلاع: تتيح هذه الطائرات لفرق الإطفاء بيانات دقيقة في الوقت الفعلي، مما يساعدهم على تحديد المكان الذي سيتحرك فيه الحريق بعد ذلك، وتوفير إنذارات مبكرة قبل اندلاع وتوسُّع الحرائق، تستطيع الدرونز مراقبة مناطق الغابات لتقييم مخاطر الحرائق، مما يساعد المسؤولين في تطوير استراتيجيات أكثر علمية للوقاية. وخلال الحريق، توفر الدرونز رؤية شاملة للموقف، حتى من خلال الدخان الكثيف، باستخدام الكاميرات عالية الدقة وأجهزة التصوير الحراري. هذا يساعد في تحديد بؤر الحريق، واتجاه انتشاره، والمناطق الأكثر خطورة، مما يوجه فرق الإطفاء بفعالية أكبر.
– المشاركة في الإطفاء الأولي: بعض أنواع الدرونز مُصمَّمة لحمل عوامل إطفاء سائلة عالية الضغط أو قنابل إطفاء حريق، ويمكن استخدامها لإخماد الحرائق الصغيرة أو السيطرة عليها في الأماكن التي يصعب الوصول إليها . كما يمكن استخدامها لإشعال حرائق استباقية متحكم بها لإنشاء حواجز نيران.
– توصيل المعدات: يمكن للدرونز توصيل المعدات الصغيرة أو الإمدادات لفرق الإطفاء في المناطق النائية أو الخطرة.
تجارب عالمية في حماية الغابات
تُقدِّمُ العديدُ من الدول نماذجَ ناجحة في حماية الغابات ومكافحة الحرائق، يمكن لسوريا أن تستلهم منها. فمثلاً، تعتمد بعض الدول على حرق الغطاء النباتي بشكل مُتحكَّم فيه خلال الأشهر الباردة لتقليل مخاطر الحرائق الكبيرة، وهو ما يسمى بالحرق المُوجَّه. إذ يتمُّ إشعال حرائق تحت ضبط وانتشار محدود بهدف إزالة الحطب الجاف والأغصان المتراكمة قبل مواسم الحرائق الكبرى. كما أن هناك أنظمة كيميائية لمكافحة حرائق الغابات لتقليل احتمالية الاشتعال تُسمَّى «مثبطات الحريق طويلة الأمد» (Long-term fire retardants)، وهي مواد كيميائية تُرَشُّ على النباتات أو التربة أو المباني، وتظل فعالة لأسابيع أو أشهر، لتقليل احتمالية اندلاع حرائق أو انتشارها. بعكس المثبطات قصيرة الأمد التي تُستخدَم فقط أثناء الحريق وتُغسل بالمطر، فإن طويلة الأمد تقاوم العوامل الجوية وتبقى نشطة لوقت طويل.
التكلفة: استثمار في المستقبل
إن الإجراءات المقترحة، خاصة تلك المتعلقة بتحديث المعدات وإدخال التقنيات الحديثة كالطائرات والدرونز، مكلفة وقد لا تتناسب مع الأولويات الاقتصادية السورية الراهنة. ولكن، يجب النظر إلى هذه التكاليف على أنها استثمار حيوي وضروري، وليست رفاهية. فالتكلفة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للحرائق المدمرة تفوق بكثير تكلفة الوقاية والمكافحة. خسارة الغابات تعني خسارة التنوع البيولوجي، وتدهور جودة التربة والهواء، وتأثيرات سلبية على المناخ المحلي، بالإضافة إلى الخسائر المادية المباشرة في الممتلكات والبنية التحتية، وتشريد السكان. إن الاستثمار في حماية الغابات هو استثمار في الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل، ويُقلل من الحاجة إلى إنفاق مبالغ أكبر بكثير في عمليات الإغاثة والترميم بعد الكوارث.
ليست حماية الغابات السورية مجرد واجب بيئي، بل هي ضرورة وطنية لضمان مستقبل مُستدَام. يتطلب ذلك تضافر الجهود من جميع الأطراف، من خلال تبني استراتيجيات وقائية شاملة، وتحديث قدرات فرق الإطفاء بإدخال التقنيات الحديثة مثل الطائرات والدرونز، وتطبيق قوانين صارمة لحماية الغابات من التعديات. إن الاستثمار في حماية هذه الثروة الطبيعية هو استثمار في مستقبل سوريا، وفي صحة بيئتها، وفي رخاء أجيالها القادمة.
موقع الجمهورية
—————————————-
حرائق اللاذقية.. المناخ ومخلّفات الحرب يشعلان أعنف كارثة بيئية في سوريا
2025.07.09
تشهد محافظة اللاذقية في الساحل السوري، منذ مطلع تموز الجاري، سلسلة حرائق غابات كارثية أدّت إلى التهام مساحات تقدّر بآلاف الهكتارات من الغطاء الشجري، وتشريد مئات العائلات من عشرات القرى، في واحدة من أسوأ الكوارث البيئية التي تشهدها سوريا.
وأصدر الهلال الأحمر العربي السوري (SARC) تقريراً حديثاً، اليوم الأربعاء، يغطّي جهود الاستجابة لحالات الطوارئ الناجمة عن حرائق الغابات في ريف اللاذقية، خلال الفترة من 1 إلى 7 تموز الجاري، والتي امتدت إلى محافظة طرطوس ومناطق ريفية في محافظتي إدلب وحماة.
وبحسب التقرير، فإنّ فرق الإطفاء والإنقاذ والإغاثة تواجه تحديات كبيرة، بسبب نقص المعدات وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، وسط مخاوف من تدهور الوضع الإنساني، في ظلّ استمرار الحرائق وتوسّعها.
حجم حرائق غابات اللاذقية
تسبّب توسّع دائرة النيران في غابات الساحل السوري، بأضرار بيئية جسيمة تركّزت بمدن وبلدات وقرى “قسطل معاف، ربيعية، الحفة، صلنفة” شمالي اللاذقية.
حرائق اللاذقية
وأشار التقرير، إلى أنّ النيران التهمت بشكل شبه كامل، مساحات تقدّر بنحو 100 كيلومتر مربع من الغابات والأراضي الزراعية، وهي مساحة تتجاوز تقريباً 3% من الغطاء الغابي في سوريا.
وقد تأثّرت أكثر من 60 قرية في ريف اللاذقية بالحرائق، التي أجبرت سكّانها البالغ عددهم قرابة 5 آلاف على النزوح، وسط انعدام للبنية التحتية الكافية للإيواء.
عوامل فاقمت الكارثة:
ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الطويل والرياح القوية في انتشار النيران بسرعة كبيرة عبر الأراضي الزراعية والغابات، حيث تواجه فرق الإطفاء تحديات كبيرة في عمليات إخماد النيران، خاصّةً مع وجود ألغام وذخائر غير منفجرة من مخلّفات الحرب، والتي تشكّل خطراً على الفرق الإغاثية.
يُضاف إلى ذلك، صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضرّرة بسبب التضاريس الوعرة ونقص المياه، فضلاً عن ضعف الإمكانيات المحلية لمواجهة كوارث بهذا الحجم، نتيجة تآكل الموارد منذ العام 2011.
وقد أكّدت منظمات الأمم المتحدة، أنّ اشتداد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، اللذان يعزّزان بروز هذه الظواهر المناخية القاسية، يعتبران من تداعيات تغيّر المناخ العالمي، واصفين هذا الموسم بأنّه الأسوأ من نوعه منذ 60 عاماً.
إحصائيات الخسائر بحسب تقرير الهلال الأحمر السوري:
عدد السكّان المعرضين للخطر: 50 ألف شخص.
عدد السكّان المتضررين بشكل مباشر: 25 ألف شخص.
عدد النازحين: 2000 شخص تم إجلاؤهم إلى قرى أكثر أماناً مثل “بيت أيوب والمزرعة وصبورة”.
المنازل المتضررة: 25 منزلاً تعرّضت لأضرار كليّة أو جزئية.
وتشير الإحصائيات إلى تعرّض 8 من أفراد الدفاع المدني السوري للإصابة عبر استنشاق الدخان والإرهاق، إلى جانب إصابات بسيطة بين المدنيين بسبب الدخان والتوتر، مؤكّدةً عدم وجود وفيات حتى 9 تموز الجاري.
الآثار على البنية التحتية والخدمات والخسائر الاقتصادية:
أضرار في شبكة الكهرباء (أبراج، كابلات، محطات فرعية).
انقطاع المياه بسبب توقف محطات الضخ.
تعطّل الطرق بسبب التضاريس الجبلية.
انقطاع الكهرباء والمياه في عشرات القرى.
ضغط على الخدمات الطبية لعلاج حالات استنشاق الدخان والحروق.
خسائر كبيرة في القطاع الزراعي (أشجار زيتون، محاصيل، نحل، ماشية)، ما يهدّد سبل عيش آلاف السكّان في الساحل السوري.
اضطراب في سلاسل التوريد وارتفاع كلفة الإغاثة.
التداعيات البيئية والإنسانية:
يُتوقع فقدان التنوع البيولوجي في أكثر من 20 محمية طبيعية فرعية في منطقتي كسب بريف اللاذقية والغاب بريف حماة.
تضرّر موسم الزيتون والمواسم الصيفية الزراعية بالكامل في بعض المناطق.
انبعاث كثيف للدخان والرماد، أدّى إلى تفاقم حالات الاختناق والأمراض التنفسية بين السكّان، خصوصاً الأطفال وكبار السن.
جهود الاستجابة والدعم الدولي:
بحسب التقرير، فإنّ فرق الهلال الأحمر السوري -عبر 85 متطوعاً و25 موظفاً- كانت في طليعة المستجيبين لحرائق غابات اللاذقية وعمِلت على تقديم مساعدات عاجلة من إجلاء مصابين، وتوفير إسعافات أولية، وتوزيع وجبات طعام ومياه على المتضررين، مشيراً إلى التعاون مع جهات محلية ودولية لاحتواء الحرائق وتقليل الخسائر.
وأشار التقرير إلى مشاركة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) بمئات من أفراده في عمليات الإطفاء المباشر، كما تطرّق إلى الدعم الإقليمي والذي شمل إرسال مروحيات إطفاء من الأردن وتركيا، بالإضافة إلى فرق دعم فني من لبنان.
وقبل يومين، أطلق وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، نداء استغاثة إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، مع توقّعاته بوصول مساعدات تقنية وإنسانية من قبرص وإيطاليا، خلال أيام.
الاتحاد الأوروبي يبدي استعداده لدعم جهود مكافحة الحرائق في اللاذقية
من جانبها، دانت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، ما قالت إنّه “الاستجابة الدولية المتقاعسة لكارثة الحرائق البيئية” في مناطق الساحل السوري، منذ 30 حزيران الفائت، والتي تُمثل واحدة من أعنف الكوارث البيئية في البلاد، مردفاً: “هذه الكارثة تعكس مستوىً صادماً من الإهمال الذي يتعرّض له السوريون حتى في أشدّ أزماتهم الإنسانية”.
يشار إلى أنّ حرائق الغابات في اللاذقية شكّلت، منذ بداية تموز 2025، تحدّياً إنسانياً وبيئياً كبيراً في ظل قسوة الظروف المناخية، ومعوقات الأمن من مخلفات الحرب.
ومع استمرار الجهود المحلية والإقليمية والدولية، يبقى الأمل معلّقاً على نجاح فرق الإطفاء والإنقاذ والإغاثة في تحقيق السيطرة التامة على حرائق الساحل السوري، تمهيداً لتقييم الأضرار الفعلية والبدء بشق طريق التعافي البيئي والمجتمعي.
وقد دعت منظمات بيئية سورية ودولية إلى إطلاق خطة إنعاش بيئي طويلة الأمد تشمل إعادة التشجير، إزالة الألغام، وتنفيذ برامج تعليم مجتمعي حول الوقاية من حرائق الغابات.
تلفزيون سوريا
————————
أقمار صناعية ترصد حرائق اللاذقية.. النيران تلتهم مساحة تعادل نصف مدينة حلب
2025.07.09
رصدت أقمار صناعية حجم الكارثة البيئية التي خلّفتها حرائق الغابات في ريف اللاذقية، والمستمرة لليوم السابع على التوالي، في مشهد يعكس شدة الحريق وخطورته على البيئة والسكان.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية، التي اطّلع عليها موقع تلفزيون سوريا، اليوم الأربعاء، التهام النيران لمساحات واسعة من غابات اللاذقية تقدّر بنحو 100 كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريباً نصف مساحة مدينة حلب، البالغة 180 كيلومتراً مربعاً.
وبحسب البيانات الصادرة عن مركز تنسيق الاستجابة للطوارئ التابع للاتحاد الأوروبي، فإنّ حرائق اللاذقية أدّت إلى تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي والأراضي الزراعية، قُدّرت بنحو 9,313 هكتاراً، وسط تحذيرات من خطر اندلاع حرائق جديدة في ظل ارتفاع درجات الحرارة واستمرار الظروف الجوية المواتية لاشتعال النيران.
وأشارت البيانات إلى أنّ الحرائق تسبّبت في تشريد 1,120 شخصاً من منازلهم، فيما تأثر أكثر من 8,500 شخص بشكل مباشر أو غير مباشر، نتيجة اقتراب ألسنة اللهب من مناطق سكنية وزراعية.
صور الأقمار الصناعية
وقد أظهرت التقديرات الأولية تضرّر 382 هكتاراً من الأراضي الزراعية والغابات بشكل مباشر، إضافة إلى تضرر نحو 55 هكتاراً من المناطق الواقعة قرب الحدود السورية–التركية.
وفي السادس من شهر تموز، تقدّمت الحكومة السورية بطلب رسمي لتفعيل آلية الحماية المدنية الأوروبية (UCPM)، بهدف الحصول على دعم فني وعملياتي لمواجهة الكارثة.
وفي هذا الإطار، تم تفعيل خدمة الخرائط السريعة ضمن برنامج “كوبرنيكوس” الأوروبي، بهدف تقييم الأضرار وتحديد المناطق الأكثر تضرراً.
تقييم حرائق اللاذقية
وتشير توقعات نظام الإنذار الأوروبي للفترة ما بين 9 و15 تموز إلى أن محافظة اللاذقية ما تزال مصنّفة ضمن المناطق “شديدة الخطورة” من حيث احتمالية اندلاع حرائق جديدة، ما دفع السلطات إلى مواصلة استنفار فرق الإطفاء ومتابعة الأحوال الجوية والرياح بشكل مكثّف.
الدفاع المدني: مساحة الأراضي المحترقة وصلت إلى 14 ألف هكتار
في آخر تحديث للأضرار الجسيمة التي خلّفتها الحرائق، أكّد الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) عبر معرفاته الرسمية، أن مساحة المنطقة المحترقة وصلت إلى نحو 14 ألف هكتار، في حين لم تُسجل أية إصابات بين المدنيين.
وشدّد على أن فرق الإطفاء تواصل تكثيف جهودها لليوم السابع على التوالي، بمساندة الطائرات، للسيطرة على ثلاث بؤر حرائق رئيسية في المنطقة، لافتاً إلى أنّ الفرق تواجه صعوبات في الوصول بسبب وعورة التضاريس ونقص إمدادات المياه وبُعد مصادرها.
من جانبه، قال عبد الكافي الكيال، مدير مديرية اللاذقية في الدفاع المدني، إنّ الأمور تسير نحو الأفضل، وهناك تقسيم لمواقع الحريق إلى قطاعات، وفتح طرقات جديدة لمنع انتقال النيران وانتشارها، وهناك فرق تقوم بعمليات التبريد وأخرى بعمليات الإمداد.
وتشارك في أعمال الإطفاء فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، إلى جانب أفواج الإطفاء الحراجية التابعة لوزارة الزراعة، ومتطوعين من الأهالي والمنظمات الإنسانية، بالإضافة إلى دعم بري من فرق مختصة قادمة من الأردن وتركيا، وإسناد جوي عبر مروحيات تابعة لوزارة الدفاع السورية، وطائرات إطفاء مؤازرة من تركيا والأردن ولبنان.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعرب عن استعداده لدعم جهود مكافحة الحرائق في محافظة اللاذقية، وذلك خلال لقاء لرؤساء البعثات الأوروبية في دمشق مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
———————–



