عن تحطيم تمثال الشهداء في حلب -مقالات مختارة-

الحقّ في التصرُّف بالفضاء العام: من امتلاك الساحة إلى امتلاك القرار/ مصطفى حايد
07-07-2025
في الربيع الماضي، كتبتُ مقالاً بعنوان سوريا واسترداد الحقّ في المكان العام، كنتُ وقتها أَستعيدُ لحظات الانتفاض الأولى في الساحات، حين كان صوت الهتاف أقوى من صوت الرصاص، وحين كانت الأرصفة تُنظَّف بالأيادي بدلاً من أن تُمسَح بقرارات لا أحد يعرف من كتبها. كنت أتأمل دور الساحات في تشكيل المعنى، في إعادة تعريف العلاقة بين الناس والسلطة، في استعادة ما كان يُفترض أن يكون مشتركاً، عاماً، لا يُهيمن عليه أحد.
واليوم، بعد أن انتقلنا من مجرّد المطالبة باسترداد الساحة، إلى لحظة نرى فيها التصرّف بها يجري بمنطق الاستبعاد والسرعة والمزاجية، أجدني أعود للكتابة، لا عن المكان فقط، بل عن القرار.
ما حدث في ساحة سعد الله الجابري في حلب مساء 2 تموز (يوليو) 2025 لم يكن خطأً فنياً، ولا حادثة معزولة. ما جرى هناك كان مشهداً مكثّفاً لما يجري في معظم المدن السورية التي وقعت في قبضة القرارات المجهولة. تمثال «الشهداء»، الذي نحته الفنان الحلبي عبد الرحمن مؤقّت عام 1986، لم يكن محض نصب باطوني. كان قطعة من ذاكرة المدينة، وربما من صراعاتها البصرية، وموروثها المعماري، وإرثها المتناقض بين البعثي والعثماني والمملوكي. كان رمزاً ناقشه الناس طويلاً، أحبّه البعض، وكرهه آخرون، لكنه كان موجوداً وسط المدينة كعلامة، كأثر، وكجزء من تركيبة الهوية البصرية لحلب.
تمت إزالة التمثال بطريقة مُهينة، غير واضحة، قيل إنها تمت بقصد نقله. وتزامنت عملية الإزالة مع تبريرات رسمية مثيرة للسخرية، منها أنّ التمثال كان «يعيق رؤية شاشة عرض LED» مملوكة لمستثمر خاص. نعم، بكل بساطة، تم شطب قطعة فنية من الفضاء العام، لأن أحدهم أراد تركيب شاشة إعلانية.
هنا، لم يعد النقاش عن جماليات النحت أو عن رمزية النصب، بل عن جوهر ما نعنيه بالفضاء العام: من يقرّر شكله؟ من يمتلك حقّ إعادة تخطيطه؟ هل نحن مجرد متفرجين على ما يحدث فيه؟ هل باتت قرارات المدن الكبرى تُتخذ في غرف مغلقة بين موظف ومقاول، وتُنفَّذ ليلاً تحت حماية صمت الإعلام الرسمي؟
عدد من الأصدقاء السوريين كتبوا على فيسبوك انفعالاتهم بعد الحادثة، وكلها تشير إلى الفكرة ذاتها: ليس التمثال هو المهم، بل الطريقة التي جرى بها القرار. أحدهم كتب: «لو كنتُ في موقع القرار، لعملتُ على خطة مدروسة لإعادة مركز المدينة إلى نمطه العمراني القديم، ولبنيتُ القبول الشعبي لذلك خطوة خطوة… لكن أن يُزال تمثال وسط المدينة بهذه الطريقة الفجّة، فهو إهانة لحلب قبل أن يكون إساءة لفنانها». صديق آخر علّق: «12 سنة خارج حلب، ولم أتذكّر يوماً أننا كنّا نعبد تمثال الشهداء. أي هراء هذا الذي يُقال عن الأصنام؟ هذه مدينة لا تُكفّر رموزها بهذه الخفّة».
ما جرى ليس حالة استثنائية. بل هو جزء من مسار متكامل يشهده الفضاء العام السوري منذ سنوات. في السابق، كان النظام يحتكر المكان: يُفرغه من السياسة، ويملأه بصور «القائد»، أو بتحفٍ باهتة لا تحمل من الفن سوى ما يكفي لستر القمع خلف الإسمنت. اليوم، تغيّرَ الفاعلون، لكن المنطق لم يتغير كثيراً. من دويلات الأمر الواقع، إلى المجالس المحلية، إلى البلديات المتداخلة مع شبكات المال والسلطة، ما زال القرار بشأن الفضاء العام يُصنَع من فوق، وبمنأى عن الناس.
هذا لا ينطبق على «تمثال الشهداء» فقط. من إعادة تسمية الشوارع دون نقاش، إلى إزالة جداريات الثورة، إلى نصب شاشات دعائية على أبواب الأسواق القديمة، تتكرّر الظاهرة ذاتها: تسليع الفضاء، وتحييده عن معناه. لم يعد الفضاء العام ساحة لتشكيل المواطنة، بل منصة تجارية. ولم تَعُد المدينة تُرى ككائن حيّ له ذاكرة، بل كلوحة فوتوشوب يمكن تعديلها بحسب رغبات السوق.
في مقاله الكلاسيكي عن «الفضاء العام»، يصف يورغن هابرماس هذه المساحة بأنها فضاء للحوار، للتفاوض، للاختلاف، لكنها تفقد معناها حين تصبح خاضعة لهيمنة المال أو الاستعراض. ما نراه اليوم هو تجلٍّ دقيق لهذا الانحدار. ساحة سعد الله الجابري لم تتحول إلى ساحة رأي أو تجمع، بل إلى خلفية إعلانية.
قبل سنوات، كنت قد كتبت عن لحظة احتلال الساحات في بداية الانتفاضة، وقلت يومها إن الناس لم يذهبوا إلى الساحات طلباً للفن أو للعمران، بل طلباً للحقّ. كانوا يقتحمون المكان لأنه كان مُحرَّماً، مسكوناً بالرموز السلطوية. وكانوا، بذلك، يستعيدون شيئاً من كرامتهم. لكننا اليوم أمام حالة مختلفة تماماً: فالاحتلال لم يعد قمعياً فقط، بل بات تقنياً. تقنيات السوق والفرجة والعجلة. تُزال تماثيل بحجج فنّية، وتُغيَّر أسماء الأحياء لأسباب بيروقراطية، وتُفرَّغ الساحات من معانيها تحت شعار التطوير.
إحدى التبريرات التي صدرت عقب إزالة التمثال تقول: «التمثال لا يمت بصلة لهوية المدينة، ولا يمثل شهداء الاستقلال كما يُقال، بل هو جزء من حقبة حافظ الأسد». فلنقبل هذا جدلاً. لكن هل نُزيل كل شيء لا نحبه؟ وهل يُقرَّر ذلك من دون أي نقاش عام، أو دراسة تاريخية، أو عملية مشاركة مجتمعية؟ هل باتت إدارة الذاكرة تُختصَر في منشور رسمي وتغريدة ساخرة؟
المشكلة ليست في اختلاف التقدير الفني أو السياسي، بل في غياب الآليات التي تُتيح للناس النقاش والاعتراض والاقتراح. لا لجان تحكيم عمراني أو فني، ولا معايير واضحة للمشاريع المقترحة في قلب المدن. كل ما نراه هو تغييرات سريعة، شبه عشوائية، يتم تبريرها لاحقاً بشعارات مُستهلكة. والمفارقة، أن الجهات نفسها التي كانت تتهم الناس بـ«الخيانة» حين يعترضون على صور الأسد، تتهمهم اليوم بـ«الرجعية» حين يعترضون على إزالة نصب تذكاري.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الرمزي لهذه العملية. فالفنان عبد الرحمن مؤقت، الذي نحَتَ التمثال في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن نحاتاً رسمياً للنظام كما يُروَّج. الرجل نفسه خرج من سوريا بعد الانتفاضة، كتب ضد النظام وضد روسيا، ورسم لوحات عن قصف حلب، وكتب يرثي مدينته بالدموع لا بالرخام.
نحن لا ندافع عن التمثال بحدّ ذاته. بل ندافع عن فكرة أن يكون للناس صوتٌ في القرارات المتعلقة بذاكرتهم. عن حقهم في مساءلة من يخطط لمدينتهم، وعن رفضهم أن تكون الساحات ملكاً لمزاج المتعهد أو ذوق المسؤول. من يخطّط للمكان، يخطّط للذاكرة، ومن يحتكر تصميم الساحة، يحتكر الرواية.
الساحة ليست فراغاً عمرانياً فحسب. إنها مرآة عامة. يلتقي فيها الناس، وتتصادم فيها الأفكار، وتُعبِّرُ من خلالها الهويات. حين يُكسَر التمثال علناً دون مبرّر واضح، فهذا إعلان عن سلطة لا تحترم الناس. وعندما تُقدَّم التبريرات بعد الحدث لا قبله، فهذا تأكيد على استبعاد المواطن عن القرار. وعندما يُقال للناس: «ما دخلكم، هيك قرروا فوق»، فهذا استمرار لمنطق البعث، ولو تغيّرَ الجالسُ على الكرسي.
ما نحتاجه اليوم ليس نصباً بديلاً، ولا مشروعاً جمالياً جديداً. ما نحتاجه هو فتح نقاش جدّي حول معنى الفضاء العام في سوريا بعد الأسد. نحتاج إلى مُساءلة المؤسسات عن دورها، وإلى تحصين الأماكن الرمزية من عبث السوق والشعبوية. نحتاج إلى الاعتراف بأننا لم نناضل كل هذه السنوات كي نعود إلى مشهد يُصنَع فيه القرار العمراني كما كان يُصنعَ في المخابرات: خلف الجدران.
في عام 2011، حاول الناس استرداد الساحات. اليوم، هي ملك المقاول. وفي كلتا الحالتين، تُقاس الحرية بما إذا كان بإمكان الناس أن يجتمعوا فيها، لا أن يُساقوا لمشاهدتها من بعيد.
من هنا، فإن الحقّ في التصرّف بالفضاء العام لا يُختصَر في قرار بلدي، ولا في صيانة هندسية. إنه حقٌ سياسي، وذاكرة جماعية، وأداة مقاومة رمزية. هو الحق في أن نقول: هذه مدينتنا، هذه ساحتنا، وهذه ذاكرتنا، ولسنا مجرّد عابري سبيل في لوحة يجهّزها مصمّم غرافيكي على عجل.
سوريا لن تُبنى على شاشة، ولا على شاشة تغطّي تمثالاً. بل على حوارٍ حقيقيّ في الساحات، لا عنها.
موقع الجمهورية
————————————-
أكثر من حجارة.. أقل من آلهة/ غزوان قرنفل
ليست شيئًا مستجدًا تلك العلاقة العدائية بين أبناء السلفية الجهادية والتماثيل، أو المنحوتات عمومًا، التي يرون فيها “أصنامًا تُعبد من دون الله”، وأن واجبهم الديني يقتضي تطهير الأرض من تلك الأوثان كجزء من مهمتهم الإلهية في إعادة تأهيل وتربية المجتمعات، التي “يفيء الله عليهم بها” وتقع تحت سلطانهم، وتقويم اعوجاجها المفاهيمي والسلوكي بما ينسجم مع أوامر الله ونواهيه، كما يفهمونها هم أو كما تم حشوها في عقولهم، التي لا يزال يعبث فيها “ابن تيمية” ومن يشبهونه من الأئمة منذ قرون غابرة!
على الأقل يمكننا هنا استعراض ثلاث حالات انتصرت فيها جحافلهم على تلك الأوثان، التي رافقت التهليلات والتكبيرات عمليات هدمها، تأسيًا ربما بإبراهيم الخليل الذي هدم آلهة “النمرود” إلا كبيرهم، الذي علق فأسه عليه ليكون مدخلًا يحفّز فيه عقل عبّاد تلك الحجارة للسؤال عن سبب فشل هذا الإله العاجز عن حماية بقية الآلهة ممن تطاول عليها وقام بتحطيمها، ما يجعل القوم يثوبون إلى رشدهم ويعبدون الله وحده، إله إبراهيم ومن آمن معه.
في شباط 2013، وبعد سيطرة “جبهة النصرة”، المعين الرئيس لجبهة “تحرير الشام” التي يفترض أنها منحلّة الآن، على مدينة معرة النعمان، وهي إحدى أكبر مناطق محافظة إدلب، كان أول إنجازات “تحريرها” بتر رأس تمثال الشاعر الفيلسوف “أبو العلاء المعرّي”، حتى لا يبقى ذلك الانتصار ناقصًا، فغاية التحرير هو ألا يعبد إلا الله في الأرض!
في نهاية آذار 2015، وعقب “تحرير” مدينة إدلب، لم ينتظر عناصر “جبهة النصرة” طويلًا، عندما أحضروا جرّافة ليهدموا تمثال إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال ضد الاحتلال الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، وداسوا رأس التمثال بأقدامهم وهم يتباهون ويعبرون عن غبطتهم أمام عدسات الكاميرا التي وثقت هذا النصر العظيم! وأيضًا لأن غاية التحرير هي إعلاء كلمة الله ووحدانيته، وحتى لا يعبد في تلك الأرض إلا الله، لكن الأمر لم ينتهِ هنا بالنسبة لمجموعة من المقاتلين “الأوزبك” المرتبطين بـ”هيئة تحرير الشام”، إذ اقتحمت مجموعة منهم في إحدى ليالي حزيران من عام 2021 متحف إدلب، وحطمت سبعة تماثيل داخل لوحة جدارية في المتحف، الذي قالت حينها “هيئة تحرير الشام” إنها نقلت معظم القطع الأثرية الثمينة لمكان آمن في محاولة لامتصاص غضب الرأي العام.
صباح الجمعة، 3 من تموز الحالي، استفاق الحلبيون والسوريون عمومًا على فيديو يصور ما قيل إنها عملية نقل لنصب الشهداء من ساحة سعد الله الجابري إلى مكان آخر، باعتباره يحجب الرؤية عن شاشة عملاقة قام بتركيبها أحد المتمولين مؤخرًا خلال ما سمي بعملية إعادة تأهيل تلك الساحة، ولا أدري سبب عدم تركيب تلك الشاشة في الطرف المقابل تمامًا للنصب وليس خلفه مثلًا. لكن كل من شاهد تلك العملية يدرك بلا عناء أنها عملية تحطيم وهدم متعمدة لكنها مستترة تحت اسم النقل، فأبسط إنسان يدرك أنه لا يمكن نقل منحوتة تزن أطنانًا بعملية جر بكبل معدني متصل بشاحنة، دون استخدام رافعة لمحاولة رفع المنحوتة واتخاذ ما يلزم من إجراءات الحيطة لحمايتها خلال عملية النقل المزعومة.
والأهم من كل ذلك هو ما رافق أحد الفيديوهات من تعليق صوتي للمصور يقول فيه، إن “الإخوة سيزيلون تلك الأصنام التي نحتها المشركون منذ عقود حتى لا تفتن الناس وحتى لا يعبد إلا الله في الأرض”!
نفس العبارات دائمًا، رغم أننا لم نرَ قط سوريًا يسجد لصنم، لا في ساحة سعد الله الجابري، ولا في ساحة إبراهيم هنانو، ولا في أي ساحة أو ميدان على أرض سوريا كلها، لكنه وهم الاعتقاد لدى هذه الفئة المتطرفة أنها بصفتها وكيلة عن الله وممثلة له ولإرادته على الأرض تملك الحق في تقويم “اعوجاجنا” وانحرافنا في اعتقاداتنا الدينية التي لا ننهلها من نفس المعين.
ربما كُتب وقيل الكثير عن هذه الواقعة، وتم تتفيهها من قبل كثيرين في سياق تبريراتهم ودفاعهم الممجوج عن سلوك السلطة الجديدة وقراراتها، لكن المسألة لا تتمثل على نحو مجرد بمسألة تحطم أو هدم تمثال أو منحوته، بل بدلالة ومرامي الفعل ذاته الذي يسعى لتكريس مفاهيم دينية طارئة ومستجدة على المجتمع السوري، المحافظ أصلًا والمتعايش مع فكرة تعددية الأديان والمذاهب، ولا يرى حرجًا من قرع أجراس الكنائس أو وجود الصلبان على مبانيها، ولا يتبرم من طقوس تعبدية يمارسها أصحاب أديان أو مذاهب غير ذات صلة بدين الأغلبية أو مذهبهم.
المسألة تتصل فيما يراد تكريسه عنوة في ذهن المجتمع ووجدانه الجمعي، وفي المؤسسات الحكومية التي يفترض أنها كيانات خدمية لعموم الناس لا لفئة منهم، وتدار وفق قوانين لا وفق رؤى وأفكار فقهية أو دينية لا صلة لها لا بجوهر الدين نفسه ولا بحقائق العصر الذي نعيش، وأن الإصرار على ذلك سيقودنا جميعًا إلى ما لا يحمد عقباه، وهو لن يفضي فقط إلى فشل ذريع في إدارة الدولة وشؤون الناس، بل إلى تفكك بنى المجتمع السوري نفسه وانهيار بنى الدولة ذاتها.
السوريون لم يقل واحد منهم قط “اعلُ هبل”، كما جاء في التعليق الصوتي لأحدهم في فيديو هدم نصب الشهداء، لكن بعضهم، وغالبًا ذاك المعلق نفسه أحدهم، كان يعبد الأسد من دون الله ويسبح بحمده ويهلل ويدبك له، وربما في نفس الساحة التي شهدت واقعة انتصارهم على “نصب الشهداء” الذي كان أكثر من مجرد حجارة، لكنه بالقطع لم يكن ليكون آلهة تُعبد من دون الله.
عنب بلدي
—————————————-
تمثال الشهداء.. عن الذين قضوا فداءً للأسد!/ منهل عروب
2025.07.10
“يكفي أن يُبنى الصرح الفني في عهد الأسد كي أمقته وأطالب بإزالته”، كان جواب أحد الناشطين الحلبيين في معرض السؤال عن التمثال المُزال. بينما نجد على وسائل التواصل الاجتماعي العديد من المثقفين يؤيدون إزالة التمثال: “تمثال ساحة سعد الله الجابري يمثل سوء الصنع، وطغيان الاستبداد، وما يُمثّله هو انتصار الاستبداد الأسدي البعثي على أبناء حلب الأبية في فترة الثمانينات”، تعليق أحدهم. بينما لا يرى كثيرون من بناة المدينة في التمثال سوى أحد منجزات الحركة التصحيحية.
أبرزتُ الآراء المؤيدة لأنه سال حبر كثير في معارضة إزالة التمثال، ولا إضافة لإيرادها مجددًا. المعارضة صدرت من التيارات العلمانية عامة، ويتوزع المعترضون على ثلاث فئات: أولها معارض أيديولوجي للحكومة الإسلامية “الجهادية”، وكانت مناسبة للنيل منها ونزع شرعيتها واعتبارها متطرفة. والقسم الثاني يستنكر إزالة معلم ثقافي، يراه جزءًا من تاريخ مدينة حلب وتراثها، وآخرهم لديه خوف وتشّكيك في نوايا حكّام دمشق الجدد الخارجين حديثًا من قمقم الجهادية، ولديه خوف محقّ أو مرضي من “أفغنة سوريا”. ويرى أن مثل تلك التصرفات تشي بما يحيك في صدورهم، وتُعلن عن نواياهم، وبالتالي من الواجب الوقوف بوجههم، حتى لا يتغوّلوا تاليًا على التراث السوري وفنّه ككل.
هناك جملة من الحقائق لا يمكن إنكارها أو تأويلها: فالتمثال بُني في عهد الأسد الأب عام 1984، أي بعد إخضاع حلب وأهلها، ومصادرة رأيهم وفنهم وذائقتهم. وأُنجز ضمن تكليف رسمي من نظام الأسد، ومهما كان الهدف المُعلن آنذاك أن التمثال يمثل شهداء سوريا الوطنيين أثناء الاستقلال، فللمعارضين أن يُشككوا في نوايا نظام الأسد في زرع تمثال كهذا في حلب لأهداف وطنية بحتة، خصوصًا إذا كان العمل قد جاء بعد سحق الانتفاضة الأولى في الثمانينيات، ولم يكن ضمن حركة ثقافية وفنية ميّزت تلك الفترة، بل بتكليف من نظام الأسد نفسه، الذي أراد بناء تمثال يُجسّد فيه الشهداء. فمن هم الشهداء الذين يُمجّدهم الأسد ويدفع المال من أجل تخليدهم؟ الاعتماد على نوايا وتصريحات الفنان وحدها في تحديد معاني ومقاصد العمل وإيحاءاته غير كافٍ في هذا السياق؛ فالعبرة لمَن موّله، وللغايات التي رناها، وما ترسّخ منها في وعي أهل حلب خاصة، والسوريين عامة.
اللافت أن كثيرًا من الإسلاميين اعترضوا أيضًا على إزالة التمثال، رغم أنهم لا يرَون فيه قيمة فنية، ولا يُمثّلهم كهوية أو ذاكرة وطنية (وليس بالضرورة من باب الحلال والحرام؛ فقسم من الإسلاميين لا يرون حرمة نصب التماثيل). ولكن الاعتراض كان على الشكل الذي تمّ فيه، والتبرير الذي ساقته الحكومة. فقرار الإزالة تمّ بطريقة وصائية فجّة، لم يُتّبع فيها منهج قانوني واضح، ولم يُستشر فيها لا أهل الاختصاص ولا أصحاب الشأن: أهل مدينة حلب أنفسهم.
المتابع لسياقات الحدث وتفاصيله يعرف أن محافظة حلب كانت قد قرّرت مسبقًا إزالة التمثال، بدليل أن البرومو الدعائي لساحة سعد الله لم يتضمّن تمثال الشهداء. وحين اعترض بعض الناشطين، برّرت المحافظة أن الصور المتداولة هي مجرد تصميم مقترح من بعض الشركات الخاصة. وفيما بدا أنه تراجع من المحافظة، تبيّن أنه تنصّل من المسؤولية وتمييع للنقاش الجاد حول شكل الساحة المفترض؛ لأن الفيديوهات أظهرت تحطيمًا لا إزالة، وتحت جنح الظلام، مما يؤكد نية المحافظة تمرير الحدث ـ في مسرحية أقل ما يمكن أن توصف بأنها رديئة ـ دون احتجاجات شعبية وبأقل قدر من الاعتراضات. في البداية بررت مديرية الآثار والمتاحف أن السبب وراء نقل «التمثال» يعود إلى تداخل التمثال بصريًا مع شاشة إعلانات نُصبت خلفه! ليخرج في النهاية محافظ حلب ويَعِد أهلها بتصميم جديد يُعبّر عن ذاكرة المدينة. ما أعاد إلى الأذهان حكومة النظام البائد وطرائقه في التعامل مع السوريين.
جوهر السؤال هنا: من يُعبّر عن ذاكرة المدينة؟ الحكومة أم الشعب؟ وهل ذاكرة المدينة قرار سياسي يتم في مطابخ السياسة وبين أجنحة الصفقات، أم هو انعكاس لتاريخ المدينة وحركتها الثقافية والفنية؟ أي إنها فضاء شعبي وحركة مدنية، وعصارة تجارب أهلها، ولا يمكن اختزالها بقرار من أي مسؤول حكومي مهما علا شأنه؛ فالمسؤول يأتي ويذهب وتبقى المدينة لأهلها. ثم ماذا لو رفض أهل حلب التصميم الجديد الذي سيقترحه المحافظ، ووجدوه غير لائق ولا يُعبّر حقًا عن ذاكرتهم ووجه مدينتهم، هل سيُفرض عليهم؟ وكيف سيُعيد إليهم ذاكرتهم بعد تحطيمها، فيما لو طالبوا بتمثال الشهداء؟
في تلك المسائل، كان يجب على المحافظة ـ لو أرادت الحكومة أن تكون مسؤولة ورشيدة ـ أن تُعلن خططها بكل وضوح وشفافية، أنها تريد أن تُزيل التمثال، مع تبيان الحجج وأسباب الإزالة والبدائل المقترحة. تخوض النقاشات وتسمع رأي المختصين، وتُنجز الدراسات ذات الشأن وتنشرها ليطّلع الناس عليها وتساعدهم في اتخاذ القرار الصائب. بعد ذلك تُخضع المسألة للتصويت؛ أي قرار أهل حلب على شكل مدينتهم وساحتها الرئيسية. وبذلك تُفتح حوارًا صحيًّا ومسؤولًا يتيح بناء الثقة مع كافة أطياف الشعب، لا أن تُصدر قرارًا من جهة واحدة، وتفتح الباب على مصراعيه لشجارات تؤدي إلى تسميم الفضاء العام، وتخوين الآخر من خلال تحويل القضية إلى مؤيد ومعارض.
من المفهوم أن تحاول الحكومة الجديدة التخلّص من إرث النظام السابق وتبني إرثها الجديد. ولكن ما يتم تجاهله أن القيم التي يجب أن تُبنى عليها شرعيتها هي قيم الثورة. وقيم الثورة نصّت على استرجاع السوريين لوطنهم وأرضهم وذاكرتهم، ومسؤوليتهم هم وحدهم عنها. وتعني أيضًا مشاركة السوريين في قرارات بناء بلدهم، بما فيها الفن والثقافة والذائقة.. وساحة مدينتهم.
تلفزيون سوريا
————————————-
لماذا يبدو التفريط بالمنجز السوري السابق سهلاً؟/ رشا عمران
2025.07.09
يصعب التعامل مع تحطيم تمثال الشهداء، الذي نفذه النحات السوري عبد الرحمن مؤقت قبل أربعين عاما، في ساحة سعد الله الجابري في حلب بوصف تحطيمه عملا عفويا جاء نتيجة خطأ في سحبه خلال محاولة نقله إلي مكان آخر.
يصعب التعامل مع هذه الذريعة لأسباب عديدة: أولها أن هناك جدلا سابقا كان قد حدث بما يخص التمثال نفسه، والجدل كان قد حدث على وسائل التواصل أيّد فيه المتطرفون فكرة تكسيره بوصفه صنما لا يجوز وجوده في دولة إسلامية مثل سوريا، وامتد الحديث عن باقي التماثيل المنتشرة في سوريا وضرورة تحطيمها كلها؛ كما أن جدلا آخر حدث سابقا حول التمثال بعد أن حصل أحد المستثمرين على امتياز (تطوير) ساحة سعد الله الجابري وقرر إزاحة التمثال من وسط الساحة ما أغضب أهل حلب يومها، فوعد المستثمر بنقله فقط إلى مكان آخر من الساحة. يضاف إلى ذلك ما انتشر من كلام كان يردده البعض في الشريط المصور لحظة وقوع التمثال والتكبير والتهليل لسقوط صنم يعبده المشركون. كل ذلك يجعل من الصعب التعامل مع سقوط التمثال وتحطيمه بوصفه خطأ نتج عن عملية نقل لم تكن صحيحة. إذ يعرف الجميع أن النصب هو عبارة عن مجموعة من التماثيل التي تحتاج إلى نقلها واحدا واحدا، كما أن نقل عمل فني كبير كهذا يحتاج إلى مختصين، فهل غفلت محافظة حلب والمستثمر له عن هذا أم تجاهلوا الأمر كي يحدث هذا الخطأ؟ هذا سؤال سوف يجيب عنه مصير التماثيل المشابهة المنتشرة في سوريا.
تغاضى كثر من مؤيدي الحكومة الجديدة عن سقوط التمثال بذريعة أنه عمل فني لا قيمة له متجاهلين أنه بات يشكل جزءا مهما من هوية مدينة مثل حلب، وأن أمر إزالته يجب أن يكون بقرار من وجهاء المدينة ومثقفيها وفنانيها لا بقرار محافظٍ ذي توجه أيديولوجي مضاد لكل أنواع الفنون، ولا بقرار مستثمر لا يرى في الفراغ العام غير فرصة للربح بدل أن يكون الفراغ العام هذا متاحا لعامة الناس ومخصصا لتعزيز الغطاء الأخضر والحدائق والنصب الجمالية كما في كل البلدان المتحضرة والمتقدمة. لكن يبدو أن شهوة الاستثمار والاستهلاك المغطاة بقيم دينية متزمتة هي الغالبة حاليا طالما هي من يملك السلطة؛ وهذا، بالمناسبة، يحتاج إلى تفكيك عميق من قبل مختصين وباحثين، أقصد العلاقة بين السلفية بوصفها استعادة لقيم غارقة في قدمها وتخلفها، وبين الاستهلاك بوصفه نموذجا مكثفا عما أنتجته الليبرالية الرأسمالية.
على أن أسوأ التبريرات والذرائع التي قُدمت في حادثة تحطيم تمثال الشهداء، هي أن هذا النصب يجب تدميره بالكامل لكونه منجزا أسديا، مع ترويج أن حافظ الأسد أمر الفنان عبد الرحمن مؤقت بتنفيذ هذا العمل ليكون نصبا يُذكّر بالشهداء الذين سقطوا على يد الإخوان المسلمين في بداية ثمانينيات القرن الماضي، لكنَ ابن الفنان وأصدقاءه نفوا هذا الأمر تماما وأكدوا أن التمثال هو نصب لشهداء الاستقلال عن الانتداب الفرنسي ولا علاقة له بغير ذلك. كما أكدوا أن الفنان الراحل كانت له مواقف مشرفة أثناء الثورة، قبل رحيله عام 2023 في تركيا، ونفذ العديد من الأعمال الفنية التي تصور الدمار والخراب الذي نتج عن إجرام النظام. ما يعني أن ذريعة أسدية الفنان هي مجرد تهمة يتم الاستعانة بها للانتقام من أي أحد أو لتدمير ما لا تريد له السلطة الجديدة البقاء لسبب أيديولوجي أو لسبب مرتبط بمصلحة اقتصادية أو استثمارية أو لفشل في التخطيط والإدارة أو لقصور في رؤية كيف تُحكم دولة ذات تاريخ عريق مثل سوريا. وفي الكل الحالات نحن أمام نمط من الحكم، إن استمر على ما هو عليه، فسوف يقضي على ما عجز نظام الأسد عن تدميره: عراقة التاريخ السوري المبنية على تراكم حضاري طويل يعزز قيمة الفنون والإبداع الفردي والجمعي وقيمة الجمال البصري والسمعي، وهو ما عجزت الاحتلالات والغزوات والاستبداد عن تدميره؛ لكنه اليوم يبدو قابلا للتدمير والفناء مع أيديولوجيا متطرفة تتكئ على دعم شعبوي من فئات واسعة، فتك الاستبداد الأسدي بها وبوعيها وبحسها الجمالي والحضاري وتُركت عرضة للتجهيل والتطرف الديني الذي يرى في الفن زندقة وكفرا مبينا.
دون شك فإن ذريعة (المنجز الأسدي) هي ذريعة سوف تطابق هوى كثير من السوريين حاليا، وسوف تلقى دعما كبيرا منهم، لكن هذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا علي الهوية السورية التي سعى نظام الأسد طويلا لربطها به دون أن يتمكن من ذلك، فما المغزى إذاً من اعتبار أن كل ما حدث في زمن الأسدين يجب تدميره لأنه منجز أسدي؟ الا يكفي ما تم تدميره حتى الآن من سوريا وذاكرتها وبنيتها المجتمعية وبنية أفرادها النفسية؟ للأسف فإن التاريخ السوري الحديث قام وآل الأسد هم من يحكمون سوريا، ولكن ألم يتواطأ السوريون مع هذا الحكم؟ هل حكم آل الأسد أكثر من خمسين عاما من دون رضىً من غالبية السوريين؟ لا بأس فلنقل إن الخوف الذي عشش في المجتمع السوري منع السوريين من القيام بأي رد فعل معترض على الفساد والقمع والإقصاء والتهميش وكل مخلفات الاستبداد. لكن هل هذا منع السوريين من الإبداع والإنجاز على كافة الأصعدة؟ هل من المعقول أن نجير كل ما قدمه السوريون منذ منتصف القرن الماضي لآل الأسد وننسفه تماما؟ وهل إن فعلنا ذلك سوف نتمكن من بناء سوريا جديدة من الصفر؟ هل لدينا الإمكانات المادية واللوجستية لفعل ذلك؟ هل نمط الحكم الحالي، بما قدمه حتى الآن، قادر على البناء من الصفر ونحن نرى الفشل في كل شيء تقريبا لولا المبادرات الفردية، ولولا التراكم الذي قامت به بعض منظمات المجتمع الدولي خلال فترة الثورة والتي انضمت إلى مؤسسات الدولة مؤخرا. هل نهدم مبنى الإذاعة والتلفزيون؟ (تم إنجاز البناء بعد ثورة آذار)، هل نهدم دار الأوبرا والمكتبة الوطنية؟ هل نحرق مئات آلاف الكتب العظيمة التي أصدرتها وزارة الثقافة؟ هل نحرق اللوحات ودور العرض التي أنجزت في زمن الأسدين؟ هل نحرق المباني الحكومية؟ هل نحرق المستشفيات والمستوصفات والمدارس والجامعات؟ هل ندمر المنشآت السياحية والخدمية، الأسواق والمولات مثلا؟ هل ندمر ما تم ترميمه في سوق الحميدية ودمشق القديمة وسوق حلب القديم؟ هل نتلف آلاف بل عشرات آلاف الأغاني والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية والأفلام السينمائية؟ هل نمسح بممحاة التاريخ الإبداعي السوري في الفن والموسيقا والغناء والشعر والرواية والنقد الأدبي والتشكيل والنحت والتصوير الضوئي والترجمة والفلسفة والعلوم والطب؟ هل نهدم الجوامع التي بنيت في زمن حكم آل الأسد؟ سواء شئنا أم أبينا تشكل وعينا تحت حكم آل الأسد. ولم يكن وعي السوريين شيئا يمكن تجاهله؟ يعرف كل العرب أن الشعب السوري كان شعبا مثقفا وواعيا ومهتما بالسياسة والثقافة واللغة والتاريخ، ومعتزا بانتماءاته كلها دون انتقاص من أي انتماء سواء وطني أو قومي أو عرقي أو ديني! ماذا نفعل بكل ذلك؟ هل سنعتبره منجزا أسديا كله ونهد البلاد وقيمها ومؤسساتها وشوارعها وأبنيتها وإبداع أبنائها بذريعة آن هذا منجز أسدي؟ أم أن هذه الذريعة نقدمها حين تتناسب طردا مع ما فيه مصلحة شخصية لفرد أو لفئة أو لجماعة أو لسلطة أو لأي ما هو عابر للهوية الوطنية السورية؟
تؤسس الحضارات على ما سبق، ويبني أبناء البلد البلاد على ما أُسس سابقا. ينبذ منه ما هو نافر وما هو معطل للتقدم والإنجاز؛ أما الهدم الكامل فهذا سلاح يستخدمه المستوطنون والمحتلون، لم يكن بشار الأسد يشعر أن سوريا بلده بل كان يتعامل معها بوصفها مستعمرة له. لم يبال بحرقها وهدمها وهدم آثارها وأوابدها وتشريد ناسها وأهلها. هذه الذهنية كان ينبغي أن تنتهي مع لحظة تحرير سوريا من حكم الأسد، ولكن للأسف فإن كل ما يحدث الآن يشي بأننا لم نتمكن من التحرر من تلك الذهنية، نحن ما زلنا عالقين هناك، في تلك البؤرة الضيقة التي لا ترى أبعد من مصلحتها الشخصية، هل ما زال الأسد يحكمنا رغم رحيله؟ هذا سؤال علينا أن نسأله لأنفسنا كلما بررنا سلوكا خاطئا في الحكم أو بررنا الفساد وتسامحنا مع الفشل، كلما تمسكنا بما هو موجود بذريعة انعدام البدائل. الشعب السوري عظيم وفيه من الكوادر المؤهلة من يمكنهم بناء دول عظيمة، محزن أن نفرط بما لدينا تحت ذرائع واهية. هذا التفريط بكل شيء سوف يكتشف السوريون نتائجه الكارثية قريبا جدا. ثمة تجارب قريبة في التفريط بالمنجز الوطني وبالكوادر المؤهلة في دول قريبة وشقيقة ما زالت موجودة وشاهدة على نتائج هذا الخراب.
تلفزيون سوريا



