الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"العلاقات السورية-الأميركيةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا  تحديث 11 تموز 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

———————————

نهاية «التعايش القسري» بين العشائر العربية و«قسد» في الجزيرة السورية/ سلطان الكنج

مطالب بالعودة إلى كنف الدولة… وتلويح بمواجهة عسكرية

10 يوليو 2025 م

تتفاوت مواقف العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية من «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» بين القبول والرفض والتحفظ؛ فبعض العشائر تتعاون معها في إدارة مناطقها، بينما ترفضها عشائر أخرى وتعارض وجودها كلياً، فيما تتخذ عشائر ثالثة مواقف وسطية أو متغيرة بناء على التطورات الميدانية والسياسية.

وفي حين يرى بعض العشائر في «قسد» حليفاً ضرورياً للحفاظ على الأمن والاستقرار في مناطقها، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة من قبل تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات المسلحة، تتهم عشائر أخرى «قسد» بممارسة التمييز ضد العرب، وبتهميشهم في الإدارة المحلية؛ ما يدفعها إلى رفض التعاون معها ومعارضتها. وفي تصعيد جديد للمواقف الشعبية في شمال وشرق سوريا، أصدر شيوخ ووجهاء عشائر عربية من محافظات دير الزور والحسكة والرقة بياناً موجّهاً إلى قيادة التحالف الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة، طالبوا فيه بوقف الدعم العسكري والسياسي المقدّم لـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» وجميع التشكيلات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة السورية.

وأكد البيان أن ممارسات «قسد» التي وصفها بـ«القمعية»، أدَّت إلى فقدان الأمن والاستقرار وانتشار الفوضى في المنطقة، محمّلين التحالف الدولي المسؤولية المعنوية والقانونية عن استمرار هذا الوضع.

فقد وثَّقت وسائل إعلام محلية، مقتل الطفل فريد الهريش في بلدة أبو حردوب برصاص عنصر من «قسد»، بتاريخ 26 يونيو (حزيران) الماضي. وفي 2 يوليو (تموز)، لقي الطفل علي العوني حتفه، أثناء جمعه للقمح قرب حاجز عسكري. ولا تقتصر الانتهاكات على القتل المباشر، بل تتسع لتشمل اختطاف الأطفال وتجنيدهم قسرياً، عبر منظمة «الشبيبة الثورية»، أو فرض دفع بدل يقارب 300 دولار للإعفاء من الخدمة العسكرية. ويفرض أخيراً على الزائرين من الخارج ممن تجاوزوا الخامسة والعشرين إجراءات بيروقراطية، ودفع مبالغ مالية لاستصدار إعفاءات.

وشدّد الموقعون على البيان على تمسكهم بـ«وحدة سوريا ورفضهم لأي مشاريع انفصالية»، داعين إلى إعادة سلطة الدولة السورية على كامل المناطق الشرقية والشمالية، ودمج العناصر الراغبين من «قسد» في صفوف الجيش السوري بقيادة الحكومة الشرعية. وفي الأول من يوليو (تموز)، وجَّه 14 شخصاً من شيوخ ووجهاء عشائر وقبائل العقيدات وشمّر والبوشعبان والبقارة، إضافة إلى عشائر البوليل والمشاهدة والبوسرايا من محافظات دير الزور والحسكة والرقة، بيانهم إلى قيادة التحالف الدولي، كما وجّهوا نداء إلى من سموهم «أبناءهم» المنخرطين في صفوف «قسد»، داعين إياهم إلى الانشقاق عنها والعودة للمشاركة في إعادة بناء الدولة.

غليان في الجزيرة

في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، قال ناصر حمود الفرج أحد الشيوخ الممثلين عن عشيرة البوشعبان ومن الموقِّعين على البيان، إن بيانات أخرى سبقته وحملت «الموقف ذاته، وعبّرت عن صوت أبناء العشائر، لكن الظروف الحالية، وتراكم الانتهاكات، والطلب الشعبي المتزايد، فرضت علينا أن نرفعه مجدداً، وبنبرة أكثر وضوحاً».

وكانت العلاقة بين «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» والعشائر، في شمال شرقي سوريا، تشكلت على أساس المصالح المتبادلة، من حيث تقديم الدعم لهذه القوات مقابل تأمين مناطقهم، ومنع وصول تنظيم «داعش» إلى مناطقهم بعدما فَرَض سيطرته على أجزاء واسعة من غرب العراق وشرق سوريا، في يونيو (حزيران) 2014. إلا أن العلاقة شهدت تقلبات حادة؛ فانتقلت من مرحلة التنسيق المشترك بين «قسد» وعشائر البقارة وشمر وغيرهما وخوض الحرب ضد «داعش» بين عامي 2015 و2017، إلى احتجاجات صاخبة خلال عامي 2018 و2019 ضد التجنيد الإجباري للشبان والفتيات، وتهميش دور العشائر في الإدارة الذاتية والاستئثار بالموارد الطبيعية، كالنفط والمياه، والأهم رفض العشائر للتقارب مع نظام بشار الأسد الذي بدأت الإدارة الذاتية التفاوض معه بعد العملية العسكرية التركية «نبع السلام».

وشدد الفرج على أن توقيت البيان «لم يُفرض من الخارج، بل جاء بناء على رغبة أبناء العشائر في الداخل، الذين يطالبوننا علناً بالتحرك، وإنهاء حالة التهميش والخنق التي تُمارَس ضدهم منذ سنوات»، بحسب قوله، مشيراً إلى ما سماه «حالة غليان واضحة في الجزيرة السورية» لرفض «الوصاية الأجنبية والانفصال عن سوريا أو المحاصصة وضرورة التحاق جميع مكونات الشعب السوري بالدولة السورية الجديدة».

وحول الأسباب التي دعت العشائر لاصدار البيان، قال الفرج إن «ما يجري في شرق الفرات لا يمكن الاستمرار في تجاهله. صوت العشائر اليوم أصبح أعلى، وأكثر تنظيماً، وأكثر وعياً. نحن نمثل هذا الصوت، وسنستمر في نقل مطالب أهلنا إلى كل الأطراف الدولية والإقليمية، حتى تعود الجزيرة لأهلها، وينتهي زمن الوصاية». وذكر الشيخ بأن أبناء الجزيرة السورية يعانون منذ سنوات طويلة من «ممارسات قمعية متعددة» لقوات «قسد» تتعلق بالتهميش المتعمَّد لأبناء الجزيرة السورية تتراوح من فرض مناهج تعليمية «مؤدلجة» لا تعكس «ثقافة وهوية المنطقة»، وصولاً إلى فرض واقع أمني والاستيلاء على الثروات الزراعية والنفطية وتوظيف بعض إيراداتها «لشراء الولاءات»، في حين يعيش سكان المنطقة حالة من الفقر والعوز. هذا بالإضافة إلى قمع الحريات ومنع الاحتجاجات والاعتقالات التعسفية لكل مَن يعبّر عن رأي مخالف.

خيار التحرك العسكري

وأوضح الفرج أن هذه العشائر «تمثل خطاً مستقلاً»، يحمل مطالب واضحة من سكان في الجزيرة السورية التي وصفها بـ«المحتلة»، مشدداً على أنها «لا تعمل ضد أحد، بل تعمل من أجل إخراج قوات (قسد) الانفصالية من المنطقة، سواء عبر الحل السلمي أو بالتحرك العسكري بمساندة القبائل، إذا اقتضى الأمر». والتحرك العسكري، وفقاً للشيخ الفرج «ليس من أجل القتال بل من أجل استعادة الحق وضمان وجود عربي فاعل داخل الدولة السورية الواحدة بعيداً عن الوصاية أو الإقصاء».

وبعكس الشائع، لا تقتصر قوات «قسد» على العنصر الكردي فحسب، وإن كانت تتشكل بشكل أساسي من «وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)»، ولكنها تضم أيضاً مكونات عربية وازنة مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمّر ذات العمق التاريخي والجغرافي، ومكونات سريانية، كالمجلس العسكري السرياني، وبعض الفصائل العربية الاخرى. وتحاول «قسد» دائماً تظهير تواصلها مع شيوخ ووجهاء القبائل في مناطق سيطرتها، ولكن هذا لا يعني ولاء مطلقاً من كل أفراد القبيلة.

وتُبرِز العلاقة بين «قسد» والعشائر شكلاً معقداً ومتداخلاً في التحالفات والولاءات بين القوى الفاعلة سواء النظام السوري السابق الذي أيَّدته بعض فروع عشائر البقارة والعقيدات وطي، أو الولايات المتحدة وقوات «قسد» التي حظيت بتأييد عشائر أخرى، مثل شمر وبعض فروع عشيرة البقارة. وعلى الرغم من أن الموقف العام لعشيرة العقيدات، خصوصاً قياداتها التقليدية، هو العداء لـ«قسد»، فإن هناك انقساماً داخل القبيلة نفسها. بعض فروع العقيدات أو أفراد منها يوالون «قسد»، وينخرطون في تشكيلاتها، مثل بعض قيادات «مجلس دير الزور العسكري»، حتى أزمة اعتقال «قسد» لرئيس المجلس، أحمد حامد الخبيل الملقب «أبو خولة» عام 2023، التي كتبت نهاية أي شكل من العلاقات بينهما.

وكشف الفرج عن جهوزية «شريحة كبيرة جداً من أبناء القبائل والعشائر للتحرُّك، وهم بانتظار اللحظة المناسبة سياسياً وأمنياً». وقال: «الموقف لم يعد قابلاً للتأويل (…) نحن كعشائر عربية نطالب (التحالف الدولي) بدور فعّال، ونرفض أن نكون مجرد تابعين لمشروع لا يمثلنا».

وحتى هذه اللحظة، لا يوجد تواصل مباشر بين العشائر وقيادة التحالف الدولي وفقاً للفرج، الذي قال إنهم «بانتظار موقف واضح (من الأميركيين)، بعدما وصلت إليهم رسائلنا عبر قنوات مدنية واجتماعية». وطالب الفرج التحالف بـ«إعادة تقييم دعمه لقوات «قسد» التي تمثل طرفاً انفصاليا لا يحظى بشرعية مجتمعية حقيقية، من شأنه أن يفاقم حالة الانقسام في المجتمع السوري، ويؤثر سلباً على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة».

طابور من الأسرى ينتظر تسليمه بحلب في الجزء الأول من الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» أبريل الماضي (خاص بالشرق الأوسط)

طابور من الأسرى ينتظر تسليمه بحلب في الجزء الأول من الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» أبريل الماضي (خاص بالشرق الأوسط)

وفي أعقاب الاشتباكات التي اندلعت خريف عام 2023 بين قوات «قسد» وبعض العشائر العربية في دير الزور، وبعد تدخلات من جهات محلية ودولية (مثل التحالف الدولي)، قامت «قسد» بالإفراج عن دفعات من المعتقلين، في محاولة لتبريد الأجواء مع العشائر. وبعض هؤلاء اعتُقِلوا على خلفية الاشتباكات المسلحة، وبعضهم الآخر اعتقل بتهم الانتماء لـ«داعش» أو غيرها؛ إذ شنت «قسد» في ذلك الوقت حملة توقيفات ضد أبناء العشائر بتهمة جاهزة. وتمت هذه الإفراجات «بضمانات من شيوخ العشائر»، كجزء من جهود تهدئة الأوضاع. واستمرت عمليات الإفراج عن دفعات من المعتقلين لأشهر عديدة، آخرها كان في سبتمبر 2024. كما أن هناك اتفاقات بعد اتفاق العاشر من مارس (آذار) 2025، بين «قسد» والحكومة السورية الحالية تضمنت بند «تبييض السجون» وإطلاق سراح المعتقلين من الطرفين.

وفي أبريل (نيسان) 2025، تم تنفيذ المرحلة الأولى من عملية تبادل المعتقلين بين دمشق و«قسد» في حلب. وشملت هذه العملية إطلاق سراح نحو 250 معتقَلاً من الطرفين، حيث أفرجت السلطات السورية عن 140 معتقلاً من «قسد»، مقابل إفراج «قسد» عن نحو 100 معتقل، وهو اتفاق تعثَّر في مراحل لاحقة.

على الجانب الاخر، كشف الفرج أن هناك تواصلاً مع الدولة السورية، لا سيما أن أغلب قيادات الدولة الجديدة هم من أبناء هذه العشائر نفسها، ومن مناطق تخضع حالياً لسيطرة «قسد»، مبيناً أن «تواصلنا مع دمشق ليس على حساب أحد، بل لصالح استعادة السيادة وبناء شراكة وطنية تحفظ كرامة الجميع وتحافظ على وحدة سوريا»، وهذا سيكون أولاً من خلال عودة الجيش العربي السوري إلى كامل الأراضي السورية، من الشمال الشرقي حتى الجنوب والحدود، ضمن إطار وطني جامع، يشمل شراكة حقيقية مع العشائر والفاعليات الاجتماعية، لا مجرد حضور أمني أو إداري شكلي»، وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

من جهته، قال شيخ «البو سرايا»، زياد الشلاش، أحد الموقّعين على البيان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن عشيرته «على تواصل مستمر مع الحكومة السورية في سبيل توحيد الأراضي السورية ورفض أي شكل من أشكال التقسيمات المفروضة كأمر واقع». وتابع: «تواصل شخصياً مع السيد مظلوم عبدي، وهو رجل حريص على وحدة سوريا واستقرارها، ولذلك نرى أنه من الواجب دعم موقفه وتقويته». وأضاف الشلاش: «نحن لا نريد لأبناء العشائر العربية أن يكونوا وقوداً لمشاريع انفصالية، ولهذا دعوناهم للانشقاق. وفي الوقت نفسه، لا نريد لإخوتنا الكرد أن يُزج بهم في معارك لا تخدمهم، أو أن يكونوا حَطَباً لإرضاء مطامع بعض القوميين القادمين من خارج سوريا».

تغيير في الخطاب

كانت نخب اجتماعية من أبناء الجزيرة السورية والفرات أعلنت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي، تأسيس «مجلس التعاون والتنسيق في الجزيرة السورية والفرات»، بهدف الدفاع عن مصالح أبناء الجزيرة. جاء الإعلان مع إصدار العشائر العربية بيانات ترفض وصاية «قسد» على منطقة الجزيرة السورية، بصفتها «قوة احتلال»، وبحسب بيان التأسيس الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، فإن المجلس يسعى لتوحيد الصوت السياسي والإعلامي والمدني في مواجهة «سلطات الأمر الواقع، المتمثلة بـ(قسد)»، ورفض مشاريع التقسيم التي تهدد وحدة سوريا. وكذلك رفض ادعاء تمثيل «قسد» لعرب الجزيرة والفرات في أي مفاوضات مع الحكومة السورية، أو في أي محفل سياسي داخلي وخارجي.

وتُشكّل محافظات دير الزور والرقة والحسكة، الواقعة في شرق وشمال شرقي سوريا، نسيجاً متنوعاً يعكس تاريخ المنطقة وثقافاتها المتعددة. يشكل العرب المكون السكاني الأكبر والأكثر هيمنة في هذه المحافظات، خصوصاً في دير الزور والرقة حيث تُعد العشائر العربية الكبيرة والممتدة، مثل العقيدات والبقّارة والشعيطات (التي قتلت منها داعش 800 شخص في مجزرة واحدة) والجبور، العمود الفقري للتركيبة السكانية. أما في الحسكة، فبينما يشكل العرب غالبية سكان الريف الجنوبي والغربي، تُعد القومية الكردية المكون الأكبر في مناطق الشمال والشمال الشرقي، حيث تتركز مدن، مثل القامشلي ورأس العين، وتمتلك وجوداً نسبياً في باقي المحافظة. إلى جانب المكونين العربي والكردي، توجد أقليات عرقية ودينية أخرى مهمة تساهم في ثراء التنوع السكاني. فـالسريان، وهم مسيحيون، يتركزون بشكل خاص في الحسكة، ولهم وجود تاريخي وثقافي عريق في المنطقة، ويمثلون الغالبية في بعض القرى والبلدات الخاصة بهم، مثل تل تمر. كما يوجد في هذه المحافظات عدد أقل من التركمان والشركس والأرمن، لا سيما في مدن، مثل الحسكة والقامشلي. لذلك فإن أي خيار سياسي- عسكري لا يراعي هذا التنوع ومصالحه مرشح للانفجار في اي لحظة.

وفي تغيُّر ملحوظ بالخطاب الإعلامي والرسمي، باتت مواقع إخبارية رسمية أو مقربة من الحكومة السورية تلقي الضوء على «انتهاكات» لقوات «قسد» ضد مدنيين في مناطق الجزيرة السورية على غير عادتها، كما أن مسؤولين سوريين باتوا أكثر وضوحاً في الحديث عن الموقف من قوات «قسد»، بعيداً عن الخطاب الإعلامي الرسمي الذي يركز على اتفاقية العاشر من مارس الموقَّعة بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات «قسد» مظلوم عبدي، ونشاطات اللجان المكلفة وضع تفاصيل الاتفاق قيد التنفيذ.

ففي 30 يونيو الماضي، أوضح محافظ دير الزور، غسان السيد أحمد، أن الخيار العسكري ضد «قسد» لا يزال مطروحاً على الطاولة كخيار أخير في حال فشلت جميع المساعي والجهود التفاوضية معها.

وأكد أن هناك استعداداً عسكرياً كاملاً، حيث تم تجهيز ثلاث فرق عسكرية متكاملة وجاهزة للتدخل حال تعثر المفاوضات، دون الكشف عن تفاصيل أخرى، مؤكداً على أن الوضع الأمني بوجود «قسد» يؤثر بشكل مباشر على عمل بعض المرافق الحيوية، مثل استمرار تعليق العمل بمطار دير الزور، نظراً لحاجة الطيران إلى «التحليق الجوي فوق المناطق التي تسيطر عليها»، وهو ما يتطلب ترتيبات أمنية وفنية خاصة، حسب قوله.

إلى جانب تسبب «قسد» في تعثر كبير بمشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، وعلى رأسها الجسور الرئيسية التي تربط بين مناطق المحافظة المختلفة.

حلّ سلمي وتيارات متنازعة

ويرى رئيس وحدة الدراسات في مركز «أبعاد» للدراسات الاستراتيجية، ومقره لندن، الباحث السوري فراس فحام، أن الحشود العسكرية للجيش السوري هي بسبب «الانتهاكات اليومية لقوات (قسد) في منطقة شرق الفرات (منطقة الجزيرة)، وكذلك قيامهم بحالات القنص والمداهمات والاعتقالات العشوائية والاغتيالات بحق أبناء العشائر والقبائل العربية».

وكانت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» وثقت مقتل عشرة مدنيين على يد «قسد» في عام 2024، من بينهم طفلان تحت التعذيب. وفي فبراير (شباط) 2025، وثّقت الشبكة مقتل 65 مدنياً، بينهم طفل وسيدتان قُنِصوا على يد قوات «قسد» في مدينة حلب.

وتوقع «فحام» أن يتم تنفيذ الاتفاق بين الحكومة و«قوات (قسد) بعيداً من المواجهات العسكرية التي ستكون لها تداعيات سلبية على جميع الأطراف»، لكن هناك أكثر من تيار أو جناح داخل «قوات (قسد) يرفض بشكل قاطع الحل السياسي، لرغبتهم في الاحتفاظ بمنطقة الجزيرة السورية الغنية بالنفط والغاز والثروات الزراعية والمياه، وهي مناطق حيوية ضمن مشروعهم المحمي دولياً من التحالف الدولي، بذريعة محاربة إرهاب تنظيم (داعش) الذي أعطاهم شرعية البقاء وتلقي الدعم الدولي».

وحذر فحام من أن المنطقة عبارة عن «بركان خامل حالياً، ولكن لن يدوم خموله طويلاً، لذلك إذا لم يحصل اتفاق فستكون هناك مواجهات دامية قد تستدعي تدخُّل أطراف أجنبية، مثل الجيش التركي؛ سواء براً أو جواً، نظراً إلى أن أنقرة ترفض أي اتفاق يعطي لقوات (قسد) نوعاً من الإدارة الذاتية أو الفيدرالية».

نهاية التعايش القسري

على صعيد ذي صلة، يرى مضر حماد الأسعد، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، أن الخيارات المتاحة أمام «قسد» باتت ضيقة جداً، بعد ما صدر عن المبعوث الأميركي لسوريا توماس باراك الذي حدَّد فيها أن «الحكومة السورية هي الطرف الوحيد الذي يمكن التفاوض معه»، وقد تشهد المنطقة مستقبلاً عملية عسكرية للجيش السوري بضوء أخضر أميركي، وإن كان غير معلن، بالتنسيق مع تركيا. والرهان دائماً على أن أي معارك عسكرية ستؤدي إلى تحرك عشائري في مناطق سيطرة (قسد) والتسبب بانهيارها»، حسب قوله.

وكشف الأسعد عن تيار أو جناح داخل قوات «قسد» يرتبط مباشرة بحزب العمال الكردستاني، يتبنى خيار المواجهة العسكرية مع الحكومة السورية لتكريس الأمر الواقع، مؤكداً على أن المطلوب من قوات «قسد» مرحلياً تسليم كامل محافظتي الرقة ودير الزور، والانكفاء إلى محافظة الحسكة، وبخلاف ذلك «قد» تشهد المنطقة مواجهات عسكرية «محدودة» كما يصفها في ختام حديثه لـ «الشرق الأوسط». ويُبرز البيان العشائري الأخير تصاعدا حادّا في رفض القبائل العربية لسيطرة «قسد» على مناطق شمال وشرق سوريا، كما يعكس تحولا نوعيّا في موقف العشائر من التعايش «القسري» طيلة سنوات الثورة إلى المطالبة العلنية بإنهاء الوجود العسكري والإداري لتلك القوات وفرض سلطة الدولة بالكامل.

ورغم تباين المواقف التاريخية بين العشائر، يبدو أن السخط المتصاعد على خلفية التهميش والاعتقالات وغيرها قد وحّد خطاباً عشائريّاً يطالب بعودة الجيش السوري. وتظل الخيارات معلقة بين التفاوض والمواجهة العسكرية، خصوصاً مع تصريحات رسمية سورية عن جاهزية القوات الحكومية. هذا التصعيد يضع التحالف الدولي في عملية موازنة حرجة بين دعم حليفه «قسد» المُتنازع على شرعيته محليّاً، وضغوط العشائر التي تُحذِّر من انفجار الوضع، وهو ما لا تريده واشنطن، وتعمل على تجنّبه.

الشرق الأوسط

——————————

عودة التفاوض بين دمشق و”قسد”/ محمد أمين و عبد الله البشير

10 يوليو 2025

عُقدت في دمشق، أمس الأربعاء، جولة تفاوض بين الحكومة السورية ووفد من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وذلك بعد جولات سابقة عدة جرت بين الجانبين لتنفيذ اتفاق مبادئ وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس/ آذار الماضي، مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، وسط محاولات لتجسير هوّة الخلافات التي تقف حائلاً دون تطبيق جميع بنود الاتفاق وتحديداً مصير هذه القوات والمناطق الشاسعة والغنية بالثروات التي تسيطر عليها شمال شرقي سورية.

 وعقب الاجتماع أكدت الحكومة السورية، أمس الأربعاء، ترحيبها بأي مسار مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من شأنه تعزيز وحدة وسلامة أراضي البلاد، مجددةً التمسك الثابت بمبدأ “سورية واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، ومعبرةً عن رفضها رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة. وقالت الحكومة السورية، في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية “سانا”، إن الجيش السوري يُعد المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن، وترحب الدولة بانضمام المقاتلين السوريين من قسد إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة. وقالت في بيانها: “وإذ تبدي الحكومة تفهمها للتحديات التي تواجه بعض الأطراف في قسد، فإنها تحذر من أن أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقعة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد، ويعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق السورية”.

وأكدت الحكومة السورية أن المكوّن الكردي كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من النسيج السوري المتنوع، مشددة على أن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها.

وقبيل اجتماع أمس، ذكرت مصادر إعلامية تابعة لـ”قسد” أن عبدي، والمبعوث الأميركي لسورية، توماس برّاك، وممثلين عن الحكومة الفرنسية، سيشاركون في الاجتماعات، فيما ذكرت وكالة فرانس برس أن الاجتماع عقد بحضور برّاك، الذي التقى أمس الشرع في دمشق، قادماً من لبنان، وذلك “في زيارة رسمية تهدف إلى بحث آفاق التعاون المشترك وتعزيز الحوار السياسي بين البلدين”، وفق ما نقلت الإخبارية السورية.

وفي هذا الخصوص، أكد مصدر إعلامي خاص لـ”العربي الجديد”، أن الشرع وفريق الحكومة السورية التقوا الوفد الأميركي الذي ضمّ ستة أشخاص على رأسهم برّاك. وسبق اللقاء بين الطرفين اجتماع في القصر الرئاسي بدمشق، دارت خلاله مباحثات حول اتفاق مارس بين الشرع و”قسد”، موضحاً أن التفاهم بين الحكومة السورية و”قسد” كان محور هذه الاجتماعات أمس، لا سيما مع وجود وفد “قسد” و”الإدارة الذاتية” بدمشق، مشيراً إلى سعي أميركي لوضع خريطة طريق فعلية بهدف تطبيق الاتفاق.

4 ملفات في جعبة “قسد”

من جهته، قال مصدر مقرب من “الإدارة الذاتية” الكردية، لـ”العربي الجديد”، أن الملفات الرئيسية التي كانت مطروحة للحوار هي اتفاقية مارس، وتحديداً معوقات تطبيقها والعراقيل والأسباب، بالإضافة إلى توقيف وفد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي زار دمشق في فترة سابقة. كما قال مصدر كردي لوكالة فرانس برس إن المباحثات تضمنت “مناقشة 4 ملفات رئيسية، أولها شكل الدولة السورية وشكل العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة في دمشق، بالإضافة إلى ملفي الاقتصاد والقوة العسكرية”.

يشار إلى أن الاتفاق الذي وقّعه الشرع وعبدي في 10 مارس، تمّ الاتفاق فيه على ما يلي: ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وجميع مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، والمجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقّه في المواطنة وكل حقوقه الدستورية، ووقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية ودمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز. كما تمّ الاتفاق على ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلادهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية، ودعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد وكل التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري، كما أن تعمل وتسعى اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

وذكرت مصادر مواكبة للمفاوضات، لـ”العربي الجديد”، أن وفد “قسد” حمل في جعبته إلى دمشق تعديلات على بنود الاتفاق، وخصوصاً لجهة رفع السقف الزمني لتنفيذه إلى أكثر من عام، فضلاً عن المطالبة بوضع خاص داخل الجيش السوري الجديد يتيح لهذه القوات البقاء الجهة المسيطرة على جانب من الشمال الشرقي من سورية، ولا سيما في محافظة الحسكة.

وكان عبدي قد وصل مساء أول من أمس الثلاثاء إلى دمشق، في زيارة مفاجئة على رأس وفد سياسي وعسكري من قواته والكيانات المرتبطة به من سياسية ومدنية وإدارية، للتباحث في الملفات “الساخنة”، للتوصل لحلول تجنّب البلاد دورة عنف جديدة ربما تفتح الباب أمام سيناريوهات تهدد السلم الأهلي.

وكانت “الإدارة الذاتية” وجهت انتقادات للسلطة على خلفية الإعلان الدستوري (مارس الماضي) ثم تشكيل حكومة قالت إنها لا تعكس التنوع. وقال عبدي في نهاية مايو/أيار الماضي، إنهم ” ملتزمون بما اتفقنا عليه مع دمشق ونعمل حالياً على تنفيذ هذه الاتفاقية من خلال لجان تطبيقية”، لكنه شدّد على التمسك بـ”سورية لامركزية وتعيش فيها جميع المكونات بكامل حقوقها وألا يتم إقصاء أحد”.

ونصّ الاتفاق بين الشرع وعبدي في مارس على دمج “قسد” في المنظومة العسكرية للبلاد، وتُرك للجان مشتركة التباحث في أفضل الطرق لتطبيق هذا المبدأ. وجرت عدة جولات تفاوض حول ملفات متعددة، منها ملف سد تشرين على نهر الفرات، ومصير حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حققت تقدما لكنها لم تؤسس لتقدم في ملفات أخرى عسكرية وأمنية. إلا أن الجانبين اتفقا أخيراً على ملف تقديم الامتحانات لطلّاب شهادات المرحلتين الإعدادية والثانوية، حيث افتتحت مراكز شمال شرقي سورية تحت إشراف مباشر من وزارة التربية في الحكومة السورية، في خطوة ربما تدلّل على رغبة مشتركة في التفاهم على القضايا البعيدة عن الموضوعين العسكري والأمني.

ويغلب على “قسد” الطابع الكردي، وخصوصاً لجهتي القيادة والتوجيه، فـ”وحدات حماية الشعب” الكردية هي الثقل الرئيسي فيها، لذا تحاول ربط مصيرها بمصير القضية الكردية في البلاد، وهو ما يصعّب من مهام المفاوضين من كلا الطرفين، فدمشق تتعامل مع ملف “قسد” بمعزل عن الملف الكردي الذي لم تقاربه هذه اللحظة. وتشير المعطيات إلى أن مطلب الأكراد بـ”اللامركزية السياسية” سيكون العقبة الكبرى، والتي يحاول الأميركيون والفرنسيون إزاحتها عن طريق التفاهم ما بين الأكراد ودمشق. فالأكراد يطالبون بـ”الاعتراف بالمناطق الكردية كوحدة سياسية وإدارية واحدة وموحدة داخل سورية اتحادية”، كما جاء في وثيقة ما تزال تثير الجدل في المشهد السوري منذ اعتمادها من القوى السياسية الكردية في مؤتمر عقد في القامشلي أواخر إبريل/ نيسان الماضي. كما يطالبون بتحصين هذا المبدأ مع مطالب أخرى في الدستور السوري المقبل، وهو ما ترفضه الإدارة السورية. وأعلنت الرئاسة السورية عقب صدور الوثيقة رفضها أي محاولات “لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل”، مؤكدة في بيان أن حقوق الأكراد محفوظة “في إطار الدولة السورية الواحدة على قاعدة المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون دون الحاجة لأي تدخل خارجي أو وصاية أجنبية”. وقالت إن “وحدة سورية أرضاً وشعباً خط أحمر، وأي تجاوز لذلك يُعد خروجاً عن الصفّ الوطني ومساساً بهوية سورية الجامعة”.

مع العلم أن هناك تباينات موجودة بين حزب “الاتحاد الديمقراطي” والذي يتزعم عدة أحزاب تشكل الإدارة الذاتية شمال شرقي سورية، وبين “المجلس الوطني الكردي” وأحزابه المتعددة، فكلا الجانبين لديه رؤية ومقاربة مختلفة حيال مصير الأكراد في سورية. وفي هذا الصدد، أوضح الباحث السياسي إبراهيم مسلم في حديث مع “العربي الجديد”، أن “رؤية المجلس الوطني الكردي حيال القضية الكردية في سورية قريبة من رؤية الحزب الديمقراطي الكردستاني في شمال العراق”، موضحاً أن “المجلس يريد اعترافاً دستورياً بالشعب الكردي، وفدرالية، بينما حزب الاتحاد الديمقراطي يؤيد رؤية زعيم حزب العمال الكردستاني (عبدالله أوجلان) القائمة على العيش المشترك بين مكونات المجتمع، والإدارة الذاتية.

ورأى الباحث السياسي عباس شريفة في حديث مع “العربي الجديد”، من جهته، أن الإدارة السورية “ليست ضد مبدأ اللامركزية الإدارية، ولكن على أساس التقسيم الإداري للمحافظات السورية، لدينا 14 محافظة كل واحدة منا وحدة إدارية، من دون جيش مستقل وأجهزة أمنية مستقلة، وخلاف ذلك يعني الاتجاه نحو الحكم الذاتي والفدرالية”. وأشار إلى أنه “سيُعترف باللغة الكردية لغة رسمية في المناطق التي يشكل الأكراد غالبية سكانها، وحق الأكراد في تدريسها”، مضيفاً أنه “ربما تكون هناك نشرة أخبار على بعض وسائل الإعلام الرسمية (بالكردية)”.

مطالب ممكنة… وأخرى مرفوضة

إلى ذلك، رأى الباحث السياسي بسام السليمان، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “ليس لدى الدولة السورية الكثير للتنازل عنه للجانب الكردي أو لقسد”، مضيفاً أن “هناك حقوق للدولة لا تتنازل عنها مثل إنهاء الحالة العسكرية خارج الدولة في شمال شرقي سورية، أو موارد الدولة الاقتصادية”. وتابع: “في المقابل، يمكن أن تمنح الدولة جزءاً من الموارد للنهوض باقتصاد مناطق تضم هذه الموارد، ومنحها لامركزية إدارية موسعة. هذه أشياء ممكنة ولا أكثر”. وأعرب عن اعتقاده بأن تنفيذ الاتفاق يمكن أن يكون متدرجاً بحيث تنحسب “قسد” من الرقة ودير الزور أولاً، مع تأجيل التفاهمات حول الحسكة.

في المقابل، رأى شلال كدو، وهو رئيس حزب “الوسط” الكردي (أحد أحزاب المجلس الوطني الكردي)، في حديث مع “العربي الجديد”، أن هناك إصراراً من الجانبين الأميركي والفرنسي على تطبيق بنود اتفاق مارس، مضيفاً أن “هناك سقفاً زمنياً للتطبيق وهو نهاية العام الحالي”. وقال: “ربما يشهد الاتفاق تعديلات”.

ويحاول الأكراد السوريون رفع ما يرونه “غبناً تاريخياً” طاولهم إبّان النظام السابق، والذي كما أشار كدو “نفّذ مشاريع استثنائية بحق الأكراد منها الحزام الأمني (نقل سوريين عرب إلى ريف القامشلي في ستينيات القرن الماضي تضرروا من إنشاء سد الفرات)، فضلاً عن عدم إشراك الأكراد في مؤسسات الدولة رغم بصماتهم في حاضرها وتاريخها وثقافتها”. ولخّص كدو مطالب الأكراد بالقول: “نريد نظاماً لا مركزياً في سورية ككل، لأن المركزية أثبتت فشلها وكانت أحد أسباب الثورة”. وأوضح: “نحن نتمسك بهذا المبدأ مع مبدأ الاعتراف الدستوري الصريح بوجود شعب كردي في البلاد، إضافة إلى حقوق سياسية وثقافية ولغوية”. وأشار إلى أن “هناك مطالب أخرى تخص اسم الدولة (يطالب الأكراد بحذف العربية من الاسم الرسمي للدولة)، مضيفاً أن لديهم أيضاً “ملاحظات على الإعلان الدستوري الذي أُقر أخيراً”. وحول مصير الوفد الكردي المشترك الذي شُكّل أخيراً من عدة قوى كردية، وتأخره في الذهاب إلى دمشق للتفاوض مع الحكومة السورية، بيّن أنه “يجب أن يكون لدى دمشق استعداد للحوار مع هذا الوفد، ويجب أن توجه دعوة واستقبال للوفد، ووضع برنامج للحوار”. ولفت إلى أنه “حتى هذه اللحظة ليست هناك استجابة واضحة وصريحة من قبل السلطة السورية الجديدة للتفاوض حول الوثيقة الكردية المشتركة التي أقرّها المؤتمر الكردي في إبريل الماضي”.

وشكلت القوى الكردية، في بداية يونيو/حزيران الماضي، وفدا موحدا للتفاوض مع الإدارة السورية الجديدة في دمشق، برئاسة مشتركة من حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي وعضوية سبعة آخرين، لم يخض حتى اللحظة أي جولة تفاوض مع دمشق.

العربي الجديد

—————————-

الحكومة السورية: نرحب بالمسار مع “قسد” ونرفض أي شكل من التقسيم/ عبد الله البشير و محمد كركص

09 يوليو 2025

أكدت الحكومة السورية، اليوم الأربعاء، ترحيبها بأي مسار مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من شأنه تعزيز وحدة أراضي البلاد وسلامتها، مجددةً التمسك الثابت بمبدأ “سورية واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، ومعبرةً عن رفضها رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة. وقالت الحكومة السورية، في بيان نشرته وكالة “سانا” الرسمية، إنه “في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بتنفيذ الاتفاق الموقع مع قوات (قسد)، تؤكد الحكومة السورية ترحيبها بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتشكر الجهود الأميركية المبذولة في رعاية تنفيذ هذا الاتفاق، انطلاقاً من الحرص على استقرار البلاد ووحدة شعبها”.

وأضافت: “تجدد الدولة السورية تمسكها الثابت بمبدأ ‘سورية واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة’، وترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها”. وأشارت إلى أن الجيش السوري يُعد المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن، وترحب الدولة بانضمام المقاتلين السوريين من قسد إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة. وقالت في بيانها: “وإذ تبدي الحكومة تفهمها للتحديات التي تواجه بعض الأطراف في قسد، فإنها تحذر من أن أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقعة لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعقّد المشهد، ويعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق السورية”.

وأضافت: “تؤكد الدولة السورية على ضرورة عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرق البلاد، بما في ذلك مؤسسات الخدمات والصحة والتعليم والإدارة المحلية؛ لضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإنهاء حالة الفراغ الإداري، وتعزيز الاستقرار المجتمعي”. ولفتت إلى أن التجربة أثبتت أن الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر، والمطلوب اليوم هو العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة والانخراط في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة.

وأكدت الحكومة السورية أن المكوّن الكردي كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من النسيج السوري المتنوع، مشددة على أن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها. وختمت الحكومة بيانها بتجديد دعوتها لجميع القوى الوطنية إلى توحيد الصفوف والعمل المشترك تحت راية الوطن، بعيداً عن المصالح الضيقة أو التدخلات الخارجية، وصولاً إلى سورية آمنة، موحدة، مستقلة، وذات سيادة كاملة على أراضيها.

وعقدت الحكومة السورية اجتماعاً مع وفد كردي يترأسه قائد (قسد) مظلوم عبدي، بحضور المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، وفق وكالة فرانس برس في العاصمة دمشق اليوم الأربعاء، في إطار تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع

وعبدي. وذكر مصدر مقرب من “الإدارة الذاتية” لـ”العربي الجديد” أن الوفد يضم إلى جانب مظلوم عبدي كلّاً من سيامند ولاط، ونوري محمود، وفوزة اليوسف، وبدران جيا كرد، وعابد حامد المهباش، وسنحريب برصوم، وهو عضو في الاتحاد السرياني. وأوضح المصدر أن كل الأعضاء في الوفد ينتمون إلى “قسد” و”الإدارة الذاتية” من دون وجود أي ممثلين عن الأطراف الكردية السورية الأخرى، بما فيها المجلس الوطني الكردي.

وفي الخصوص، قال رئيس حزب “الوسط الكردي” في سورية، شلال كدو، وهو أحد مكونات “المجلس الوطني الكردي”، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن زيارة قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي لدمشق على رأس وفد من “الإدارة الذاتية”، بمرافقة قائد قوات التحالف الدولي، تأتي في سياق “الوساطة الأميركية المستمرة بين الطرفين، سواء فوق الطاولة أو تحتها”، بهدف تطبيق اتفاق العاشر من مارس/ آذار الذي وُقِّع بين عبدي والرئيس أحمد الشرع.

وأشار كدو إلى وجود “إصرار أميركي ودولي على تنفيذ بنود الاتفاق”، لافتاً إلى أن هناك سقفاً زمنياً واضحاً لتطبيقه يمتد حتى نهاية العام الجاري، ولفت إلى أن الاتفاق “سيرى النور” إن توفرت إرادة جدية من قبل الولايات المتحدة والتحالف الدولي، رغم الحديث عن إمكانية إدخال تعديلات أو تأويلات على بعض بنوده، مضيفاً أن الاتجاه العام يوحي بوجود نية حقيقية للمضي في تنفيذ الاتفاق.

وأعلنت الرئاسة السورية، في العاشر من مارس/ آذار، توقيع اتفاق يقضي بإدماج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتأكيد وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم. وجاء الإعلان في أعقاب اجتماع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات “قسد” مظلوم عبدي في دمشق، ما يضع حداً لصراع محتمل بين الطرفين سادته الكثير من التكهنات حول نيّات القوة الكردية المسيطرة على شرق سورية وأجزاء من شمالها منذ السنوات الأولى للثورة السورية.

وينص الاتفاق على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة، وإدماج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن الدولة، ودعم الدولة السورية في مكافحة فلول نظام بشار الأسد المخلوع والتهديدات الأخرى، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة.

المبعوث الأميركي: طريق واحد فقط لا غير أمام قسد

بدوره، اعتبر المبعوث الأميركي إلى سورية توماس براك، ليل الأربعاء-الخميس، أن مسار الحوار بين قسد والحكومة السورية يمثل الخيار الوحيد المطروح على الطاولة. وقال: “هناك طريق واحد فقط لا غير أمام قسد، وهو الذي يؤدي إلى دمشق”. وأضاف براك أن “الحكومة السورية أبدت حماساً بشكل لا يُصدق لضم قسد إلى مؤسساتها، ضمن مبدأ دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، مشيراً في المقابل إلى أن “قسد بطيئة في الاستجابة والتفاوض والمضي قدماً في هذا المسار”. وشدد المبعوث الأميركي على أن “الفيدرالية غير ممكنة في سورية”، في إشارة إلى الموقف الأميركي الرافض مشاريعَ الحكم الذاتي بصيغتها الحالية، مشيداً في الوقت نفسه بالمكون الكردي قائلاً: “الكرد شعب رائع ومذهل وجميل داخل دولهم”.

ويُنظر إلى هذا التصريح بوصفه رسالة مباشرة إلى قيادة “قسد” للانخراط الجاد في مسار التفاهم مع دمشق، لا سيما في ظل الزخم الجديد الذي أفرزه الاجتماع الأخير في العاصمة السورية، برعاية أميركية غير معلنة.

“قسد” تواصل عمليات التضييق والاعتقال في الرقة

على صعيد آخر، تواصل “قسد” تضييقها الأمني على المدنيين في مدينة الرقة شمالي سورية، عبر حملات الاعتقال، بالإضافة إلى القيود التي تفرضها على التنقل ما بين مناطق سيطرتها ومناطق سيطرة الحكومة السورية، التي أعاقت عبور العشرات من السكان، وفق ما كشفت شبكة “إعلاميون بلا حدود في الرقة” اليوم الأربعاء. وقال الناشط الإعلامي موسى الخلف لـ”العربي الجديد” إن الحملة الأمنية التي تنفذها “قسد” في محافظة الرقة لا تزال مستمرة منذ سقوط نظام الأسد في المدينة في ديسمبر/ كانون الأول 2024 وحتى اليوم، مشيراً إلى أن يوليو/ تموز الحالي شهد اعتقال أكثر من 15 شخصاً، بينهم إعلامية وطالبة في المرحلة الثانوية، إضافة إلى تسجيل اختفاء خمسة أشخاص، بينهم طفلان، منذ يوم الخميس الماضي.

وأوضح الخلف أن عناصر “قسد” ينفذون حملات دهم واعتقال لأسباب متعددة، منها وجود رموز للنظام السوري داخل المنازل، أو على خلفية تعليقات في “فيسبوك”، أو بتهمة “موالاة جهات خارجية”، كما حدث مساء السبت الماضي، حين اعتقلت أربعة أشقاء في حيّ المشلب شرقي الرقة، ثم عادت عبر وسائل إعلامها لتبرير الحادثة بتوجيه تهمة الانتماء إلى تنظيم “داعش”. وذكر الخلف أن الحواجز التابعة لـ”قسد” منعت، صباح الأربعاء، حركة الدخول والخروج من منطقة الغانم العلي شرقي الرقة لأسباب لم توضحها، في وقت سجلت فيه سرقة معدات تابعة لشبكة “سيريتل” المتوقفة عن الخدمة منذ إبريل/ نيسان الماضي، ما أسهم في تفاقم أزمة التواصل والتنقل، وزاد من مخاوف السكان المحليين من مغادرة مناطقهم.

واعتقلت “قسد”، يوم الثلاثاء، كلاً من هبة أحمد كوسا، مراسلة قناة اليوم الموالية لـ”قسد”، وإيلاف أحمد الحميدي، وتعمل في صفوف قوات الأمن الداخلي “الأسايش”، وشقيقتها آية أحمد الحميدي، وتعمل في المركز الثقافي التابع للمجلس المدني في الرقة، ولها نشاطات ثقافية، كذلك شاركت أخيراً في مسلسل بدوي يدعى “ثأر الدم”، وفق ما أوضحت شبكة “نهر ميديا” المحلية. ووفق تقرير صدر أمس الثلاثاء عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اعتقلت “قسد” الأشقاء أحمد ولؤي وحسين وبسام علي الأحمد، تعسفاً، وهم من أبناء مدينة الرقة، وذلك بعد مداهمة منازلهم في حيّ المشلب شرقي المدينة، الخاضعة لسيطرتها، موضحة أن عناصرها دهموا منزل بسام واعتقلوه مع أشقائه، وذلك على خلفية انتقاده سياسة “قوات سورية الديمقراطية” على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وبعد اعتقالهم اقتادتهم إلى جهة مجهولة.

العربي الجديد

—————————

 الحكومة السورية غداة المحادثات مع “قسد”: الرهان على الانفصال خاسر

الخميس 2025/07/10

أكدت الحكومة السورية تمسكها الثابت بوحدة سوريا، ورفضها بشكل قاطع لأي شكل من أشكال التقسيم أو الفيدرالية، معربةً عن ترحيبها بانضمام المقاتلين السوريين من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى الجيش السوري الجديد.

جاء ذلك في بيان للحكومة السورية نقلته وكالة “سانا” السورية الرسمية، عقب محادثات، الأربعاء، في دمشق، مع وفد من قسد” والإدارة الذاتية”، تتعلق بتطبيق اتفاق آذار/مارس.

تحديات لدى “قسد”

وقال البيان إن الحكومة السورية تؤكد ترحيبها بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتشكر الجهود الأمريكية المبذولة في رعاية تنفيذ هذا الاتفاق، “انطلاقاً من الحرص على استقرار البلاد ووحدة شعبها”.

وأضاف أن الدولة السورية تجدد تمسكها الثابت بمبدأ “سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، كما ترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسـيم أو “الفـدرلة” التي تتعارض مع سيادة ووحدة سوريا.

ووصفت الحكومة في بيانها، الجيش السوري بأنه “المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن”، كما أعربت عن ترحيبها بانضمام المقاتلين السوريين من “قسد” إلى صفوفه، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.

وفيما أبدت الحكومة تفهمها لما وصفته “التحديات” التي تواجه بعض الأطراف في قسد، حذّرت من أن أي تأخير في تنفيذ الاتفاقات الموقعة “لا يخدم المصلحة الوطنية، ويعقّد المشهد، ويُعيق جهود إعادة الأمن والاستقرار إلى جميع المناطق السورية”.

مؤسسات الدولة

وأكدت الحكومة ضرورة عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرق البلاد، بما في ذلك مؤسسات الخدمات والصحة والتعليم والإدارة المحلية، بهدف ضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإنهاء حالة الفراغ الإداري، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

وقالت إن “التجارب أثبتت أن الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر”، داعيةً إلى العودة للهوية الوطنية الجامعة والانخراط في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة، حسب وصفها.

كما أكدت أن المكون الكردي كان ولايزال جزءاً أصيلاً من النسيج السوري المتنوع، وأن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها.

وختمت الحكومة السورية بيانها، بدعوة جميع القوى الوطنية إلى توحيد الصفوف والعمل المشترك “تحت راية الوطن بعيداً عن المصالح الضيقة أو التدخلات الخارجية، وصولاً إلى سوريا آمنة، موحدة، مستقلة وذات سيادة كاملة على أراضيها”.

وشهدت العاصمة دمشق، الأربعاء، محادثات بين الحكومة السورية ووفد يمثّل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، تتعلق بتنفيذ اتفاق آذار/مارس، بمشاركة من وفد أميركي يرؤسه المبعوث الخاص الى سوريا توم باراك.

————————–

مصير “قسد” في الحسابات الجديدة لواشنطن بسوريا/ مريم شوطا

10/7/2025

واشنطن- بعد أيام من إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)عزمها إحالة ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى الحكومة السورية الجديدة، خصصت الوزارة نحو 130 مليون دولار ضمن مشروع ميزانية عام 2026 لدعم مجموعات مسلحة في سوريا، أبرزها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفصائل من الجيش السوري الحر في الجنوب الشرقي.

ويشمل هذا الدعم المخصص عبر “صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم الدولة” تمويل برامج التدريب، وتوفير الأسلحة الخفيفة والإمدادات الطبية، ودفع رواتب شهرية للمقاتلين، بالإضافة إلى مشاريع لإصلاح البنى التحتية المدمرة، في إطار إستراتيجية تهدف إلى “احتواء خطر التنظيم المستمر على استقرار المنطقة وعلى مصالح الولايات المتحدة وحلفائها”.

لكن، ورغم استمرارية هذا الدعم، تشير المعطيات الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة بدأت فعليا تقليص التزاماتها العسكرية في سوريا، ضمن مقاربة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية.

وظهر هذا التوجه في إعلان البنتاغون نيته نقل مسؤولية تنظيم الدولة إلى عهدة الحكومة السورية، مما يعكس رغبة واشنطن التخفف من عبء هذا الملف الذي تولته “قسد” بدعم أميركي مباشر خلال السنوات الماضية.

تحول براغماتي

منذ صعود الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق بعد سقوط نظام الأسد، أظهرت الإدارة الأميركية تحولا لافتا في خطابها تجاه الحكومة السورية الجديدة.

وعلى عكس المواقف السابقة التي كانت تربط أي انفتاح بإصلاحات ديمقراطية أو تغيير في بنية النظام، بات الخطاب الأميركي أكثر براغماتية وواقعية اليوم.

فقد وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا مرسوما يلغي العقوبات المفروضة على سوريا، وهو ما اعتُبر على نطاق واسع اعترافا غير معلن بشرعية السلطة الجديدة.

ويرى مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديز أن الولايات المتحدة تتبنى الرئيس الشرع وتعتبره مفتاحًا لاستقرار سوريا، مؤكدا أن هذا الموقف يندرج ضمن تحول أوسع نحو التهدئة بدلا من المواجهة والتغيير القسري.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول لانديز إن دعم واشنطن للشرع -رغم خلفيته في “هيئة تحرير الشام”- يمثل تحولا سياسيا عميقا في تعامل الإدارة الأميركية مع فصائل كانت مصنفة سابقا على قوائم الإرهاب. ويضيف أن خطوات واشنطن تجاه الهيئة ليست معزولة بل هي جزء من مقاربة شاملة لإعادة هندسة التوازنات في سوريا.

ويؤيد هذا التقدير دوغ باندو مساعد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، والباحث في معهد كاتو بواشنطن، قائلا -في حديث للجزيرة نت- إن “الولايات المتحدة تبدو مستعدة للتعامل مع الحكومة الحالية في سوريا كحكومة شرعية. وبالتالي، فإن الحفاظ على العقوبات ضد رئيسها أو الحركة التي يمثلها بات أمرا يصعب تبريره سياسيا”.

“أولوية أميركية”

ويقارن باندو هذا التحول بحالة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حين رفعت واشنطن العقوبات عنه بعد انتخابه، رغم ماضيه المثير.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن “جميع المبررات التي كانت تدفع الإدارة الأميركية للبقاء في سوريا تتلاشى” وإيران لم تعد حاضرة عسكريا، وحزب الله تراجع، وتركيا تبني علاقة جيدة مع دمشق “وكل هذه العوامل تجعل انسحاب القوات الأميركية مسألة وقت فقط”.

كما تدرك القيادة الكردية شمال شرق سوريا هذه التحولات، لا سيما مع التقارير التي تحدثت عن خلافات عالقة في المفاوضات الجارية بين قائد “قسد” مظلوم عبدي والحكومة السورية.

وسبق أن أكّد عبدي في تصريح لمجلة “المجلة” في مارس/آذار الماضي أنهم لا يسعون إلى تكوين جيشين في سوريا “بل يطالبون بوجود جيش واحد فقط ضمن الدولة الواحدة”.

وبينما تطالب “قسد” بضمانات دستورية لحقوق القومية الكردية، يبدو أن واشنطن لم تعد تضغط بهذا الاتجاه، بل تُحضّر لتقليص دعمها السياسي تدريجيا.

ورغم استمرار الدعم الأميركي المالي والعسكري لـ”قسد” إلا أن مؤشرات عديدة توحي بأن واشنطن لم تعد ترى فيها شريكا إستراتيجيا طويل الأمد، بل تعتبرها طرفا مؤقتا لتأمين انسحاب منظم وتخفيف التزاماتها الميدانية.

ويوضح لانديز للجزيرة نت أن الولايات المتحدة بصدد إنهاء وجودها في سوريا، وملف معتقلي تنظيم الدولة هو العقبة الأخيرة التي تعرقل هذا الانسحاب الكامل.

ويضيف أن تسليم هذا الملف للحكومة السورية يُفهم كخطوة عملية لحل مشكلة أميركا مع التنظيم، وليس إشارة إلى تعزيز شراكة مستدامة مع قوات قسد، مشيرا في هذا السياق إلى أن الأكراد باتوا يعرفون أن القوات الأميركية قد ترحل قبل أن يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق نهائي مع دمشق.

إعادة تعريف “قسد”

يرى محللون أن المقاربة الأميركية باتت أكثر تعقيدا بخصوص إعادة صياغة العلاقة مع “قسد” فبحسب لانديز، تتجه واشنطن نحو الفصل الوظيفي بين “قسد” كمكون محلي مسلح لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وبين حزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي.

ويقول لانديز إن “واشنطن لا ترى أن هناك مستقبلا لقسد بصيغتها الحالية، إذا استمرت بالارتباط التنظيمي أو الأيديولوجي مع حزب العمال” مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية ترغب في إنهاء دور الحزب داخل الأراضي السورية، وعزل “قسد” عن امتداداته الإقليمية، بما يفتح الباب لإعادة دمجها لاحقا ضمن ترتيبات أمنية محلية لا تُغضب تركيا.

وفي تطور لافت، عقد اجتماع ثلاثي في دمشق أمس بين الرئيس السوري وعبدي والمبعوث الأميركي توماس باراك، بهدف “إزالة عوائق” تطبيق الاتفاق السابق لدمج قوات “قسد” ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن أجهزة الدولة السورية بنهاية العام، بما يشمل المعابر والمطارات وحقول النفط.

وكان عبدي قد عبّر في مايو/أيار الماضي عن انفتاحه على تحسين العلاقات مع أنقرة، قائلا إن قواته “ليست في حالة حرب مع تركيا” في إشارة إلى استعداده للتجاوب مع الضغوط الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يؤكد دوغ باندو المستشار السابق بالبيت الأبيض أن “الظروف تتهيأ شيئا فشيئا لتفاهم ثلاثي بين دمشق وأنقرة وواشنطن، يعاد فيه تعريف دور قسد ضمن هيكل أمني جديد، بما يسمح بخروج أميركي مشرّف من سوريا”. ويضيف أن هناك ضغطا متزايدا من الأطراف الثلاثة على قسد “للقبول بدمج مقاتليها ضمن تسوية مع دمشق”.

مع وقف التنفيذ

ومنذ مارس/آذار الماضي، أحرزت العلاقة بين الحكومة وقوات “قسد” تقدما غير مسبوق، تُوّج بتوقيع اتفاق أولي يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقسد ضمن الدولة السورية. وقد أسفر ذلك -مطلع يونيو/حزيران- عن عقد اجتماعات رسمية في دمشق لتثبيت البنود المتفق عليها ميدانيا.

غير أن الخلافات الجوهرية ما تزال تعرقل تنفيذ الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالشق العسكري. فبينما يطالب قائد “قسد” بدمج قواته ضمن الجيش بصيغة “كتلة عسكرية موحدة” ترفض وزارة الدفاع السورية هذا الطرح، متمسكة بمبدأ التفكيك الكامل قبل إعادة الإدماج ضمن البنية الهرمية التقليدية للجيش النظامي.

وتشمل نقاط الخلاف الأخرى إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط، وكذلك آلية دمج موظفي الإدارة الذاتية ضمن هيكل الدولة الرسمي.

ورغم ما تحقق من اعتراف سياسي وتقدم ميداني، لا تزال “قسد” تحتفظ ببرامج تجنيد وتسليح مستقلة، تبرّرها بـ”ضرورات الأمن المحلي” مما يعكس هشاشة الاتفاق واحتمال انهياره في حال انسحاب واشنطن دون ضمانات تنفيذية واضحة.

وفي المقابل، تشير مصادر سورية إلى أن تركيا لعبت دورا حاسما في تسهيل التطورات الأخيرة، عبر فتح قنوات اتصال بين واشنطن ودمشق، في مساع لتفادي فراغ أمني أو تصادم مع قسد، وربما تمهيدا لصفقة إقليمية أوسع تشمل إعادة الإعمار، وضبط النفوذ الإيراني والروسي بالمنطقة، وضمان أمن الحدود التركية.

المصدر: الجزيرة

——————————–

 دمشق ترفض مقترحات قسد وتحذر من المماطلة في تنفيذ اتفاق آذار

2025.07.10

كشف مصدر مطلع لموقع “تلفزيون سوريا” أن الحكومة السورية رفضت مقترحات قدمها وفد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) خلال الاجتماع الذي عقد أمس الأربعاء في العاصمة دمشق، داعية إلى الإسراع في تنفيذ اتفاق آذار الموقع بين الطرفين قبل أربعة أشهر.

وأمس الأربعاء، اجتماع وفد من “قسد” مع مسؤولين في الحكومة السورية في قصر تشرين بدمشق، ضمن إطار متابعة تنفيذ بنود اتفاق آذار، الذي يُعدّ المرجعية الأساسية في الحوار بين الطرفين.

وفي وقت لاحق من اليوم ذاته، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع السفير الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، في قصر الشعب، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وممثل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون منطقة شرقي الفرات. وبينما لم يصدر أي إعلان رسمي عن مشاركته، أفادت تقارير إعلامية بحضور قائد “قسد” مظلوم عبدي الاجتماع.

مطالب “قسد” تلقى رفضاً حكومياً

وأوضح المصدر أن وفد “قسد” أصرّ على الحفاظ على هيكليته العسكرية الخاصة، والانضمام إلى الجيش السوري كقوة مستقلة تحت اسم “قوات سوريا الديمقراطية”، مع انتشار عسكري ضمن تشكيلات منفصلة في الرقة ودير الزور والحسكة، وهو ما قوبل بالرفض القاطع من الجانب الحكومي.

كما طالبت “الإدارة الذاتية” بتكريس نظام حكم لا مركزي يمنحها سلطات إدارية وأمنية واسعة في شمال شرقي سوريا، مع احتفاظها بالسيطرة المحلية على تلك المناطق. غير أن الحكومة السورية شددت على أن المنطقة يجب أن تخضع إدارياً وأمنياً للسلطة المركزية في دمشق، بحسب المصدر.

تحذيرات من إضاعة الوقت وانتهاء اللقاء دون تقدم يذكر

وخلال الاجتماع، طالبت الحكومة السورية وفد “قسد” بالتوقف عن المماطلة والالتزام الجاد بتنفيذ بنود اتفاق آذار، محذّرة من “تداعيات خطيرة” لاستمرار تضييع الوقت ومحاولات الالتفاف على الاتفاق، وفقاً للمصدر.

وأشار المصدر إلى أن وفد “قسد” طلب تمديد الفترة الزمنية المحددة مسبقاً لتنفيذ الاتفاق، والتي تنتهي مع نهاية العام الجاري، بحجة الحاجة إلى مزيد من الوقت، وهو ما اعتبرته الحكومة محاولة جديدة للتهرب من تنفيذ الاتفاق.

وبحسب المصدر، انتهى الاجتماع دون تحقيق “نتائج إيجابية”، مع الاتفاق على أن تواصل اللجان المشتركة من الجانبين عقد اجتماعات قريبة بهدف تنفيذ اتفاق آذار.

الحكومة السورية تؤكد على سوريا موحدة وترفض “الفدرلة”

ورحّبت الحكومة السورية بأي مسار للتعاون مع “قسد” من شأنه تعزيز وحدة الأراضي السورية، مؤكدة تمسكها الثابت بمبدأ “سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.

وفي بيان رسمي صدر مساء الأربعاء، شددت الحكومة على أن “الجيش السوري يُعد المؤسسة الوطنية الجامعة لكل أبناء الوطن”، مرحّبة بانضمام المقاتلين السوريين من “قسد” إلى صفوفه ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.

وأكد البيان أن الدولة السورية ترفض “رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها”، معتبرة أن “الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر”.

المبعوث الأميركي يؤيد جهود الحكومة وينتقد “قسد”

وفي تطور لافت، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، مساء الأربعاء، إن هناك طريقاً واحداً أمام “قسد” وهو الطريق إلى دمشق، موضحاً أن “الفيدرالية لا تعمل في سوريا”.

وأضاف باراك، لوكالة روداو، أن الحكومة السورية أبدت حماساً بشكل لا يُصدق لضم “قسد” إلى مؤسساتها ضمن مبدأ دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة.

كما لفت إلى أن “قسد” بطيئة في الاستجابة والتفاوض والمضي قدماً في هذا المسار.

الاتفاق بين الرئيس الشرع وعبدي

يشار إلى أن الاتفاق الموقع بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، في 10 من آذار الماضي، تضمن عدة بنود، أبرزها: دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما يشمل المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز.

كما نصّ الاتفاق على اعتبار المكون الكردي “جزءاً أصيلاً من الدولة السورية”، و”ضمان حقوقه الدستورية الكاملة”، مع التأكيد على “رفض دعوات التقسيم، وخطاب الكراهية، ومحاولات بث الفتنة بين مكونات المجتمع السوري”.

تلفزيون سوريا

———————————-

مظلوم عبدي في دمشق.. هل تنجح “قسد” والحكومة السورية في تنفيذ اتفاق آذار؟/ عمار دروبي

9/7/2025

دمشق- قالت مصادر مطلعة للجزيرة نت، إن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي وصل إلى العاصمة السورية دمشق على رأس وفد سياسي، في زيارة تهدف إلى مناقشة خطوات تنفيذ اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار الماضي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في ظل رعاية أميركية.

وأضافت المصادر، أن هذه الزيارة قد تكون الفرصة الأخيرة لحل العديد من الملفات الشائكة التي تأجَّل تنفيذها بين الجانبين، مشيرة إلى أن “قسد” تتعرض لضغوطات إقليمية ودولية لا سيما من الجانب الأميركي للتخلي عن شروطها بشأن اللامركزية والمحافظة على استقلال كيانها العسكري.

وفي 10مارس/آذار الماضي، وقّع الرئيس الشرع وعبدي اتفاقاً في دمشق وصف حينها بأنه تاريخي، حيث نص على وقف شامل لإطلاق النار ودمج مؤسسات “قسد” المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، بما فيها المعابر والمطارات وحقول النفط.

وأكد الاتفاق ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية دون تمييز، والاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل في البلاد.

كما تعهد الطرفان بتأمين عودة المهجّرين، ومحاربة فلول نظام بشار الأسد، ورفض أي محاولات للتقسيم أو بث الفتنة، على أن يُنفذ الاتفاق بالكامل قبل نهاية العام الحالي.

حل سياسي

ورأى الأكاديمي والمحلل السياسي الكردي فريد سعدون، أن إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا، عبد الله أوجلان، أخيراً عن نهاية الكفاح المسلح والتحول إلى السياسة والديمقراطية، سيكون له أثر كبير وتداعيات على موقف “قسد” في سوريا.

وقال سعدون للجزيرة نت، إن النداء الذي أطلقه أوجلان، سينطبق حكماً على “قسد” التي تشكل عمادها الوحدات الكردية شمال شرقي سوريا.

ورجَّح انفراج الأمور والمشاكل العالقة بين “قسد” والحكومة السورية في دمشق، تزامناً مع زيارة مظلوم عبدي والوفد المرافق، بالتوصل إلى حل سلمي بعيداً عن الصدام العسكري.

وكان أوجلان، قد أعلن اليوم الأربعاء، في تسجيل مصور من داخل سجنه، أن “الكفاح المسلح ضد الدولة التركية انتهى”، مؤكدا ضرورة الانتقال الكامل للعمل السياسي، ومن المرجح أن يكون هناك انعكاسات للقرار على القوى والأحزاب الكردية في سوريا.

لكن الباحث في مركز “جسور للدراسات” رشيد حوراني، رأى أن زيارة مظلوم عبدي إلى دمشق، تأتي في سياق الرعاية الأميركية المستمرة لمسار التفاوض بين “قسد” والحكومة السورية، والتي تشارك فيها تركيا أحياناً.

وأوضح حوراني للجزيرة نت، أن تكرار مثل هذه اللقاءات يؤكد عدم قبول دمشق بمطالب “قسد” المتعلقة باللامركزية والانفصال، وتمسكها برؤية “سوريا الواحدة الموحّدة” التي أكد عليها الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة.

وأضاف “هذه الزيارة تعكس أيضاً إصرار جميع الأطراف على التوصل إلى حلول سياسية دون اللجوء للمواجهة العسكرية، وهو ما يُفسر غياب التصعيد أو التلويح بالعمل العسكري من جانب كل من تركيا والحكومة السورية، مقابل ضغوط دولية وإقليمية متزايدة على (قسد) للتنازل عن شروطها”.

تقلص الخيارات

وأشار حوراني إلى وجود مؤشرات عديدة على تقلص خيارات “قسد”، منها تخفيض الوجود العسكري الأميركي في سوريا، وتوجه واشنطن نحو تسليم الحكومة السورية ملف تأمين مخيمات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إضافة إلى تقليص الدعم العسكري المقدم لـ”قسد”.

وعن شكل الحل الممكن، توقع الباحث، أن تتجه الأمور نحو اعتماد “اللامركزية الموسعة” في إدارة المدن التي كانت تخضع لسيطرة “قسد”، مشيراً إلى أن الحكومة السورية بدأت فعلا في تنفيذ نموذج مشابه داخل المحافظات، بمنح مديريات الوزارات صلاحيات إدارية أوسع.

وبخصوص الملف العسكري، رجّح حوراني، أن تُدمج قوات “قسد” في الجيش السوري على أسس وطنية، وبما يشبه تجربة الفصائل الأخرى التي قبلت الانخراط في المؤسسة العسكرية، إلى جانب نشر وحدات من الجيش السوري في مناطق شرق الفرات ضمن عملية الدمج المرتقبة.

واللافت في المفاوضات اليوم هو الدور الأميركي البارز، حيث تشير مصادر إلى مشاركة المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في المباحثات بين الجانبين، وسط ترجيحات بدفع “قسد” للوصول إلى حل نهائي مع الدولة السورية الجديدة التي تحظى بدعم أميركي، وفق مراقبين.

دور واشنطن

وعن الدور الأميركي يعتقد المحلل السياسي فراس علاوي، أن واشنطن تعمل على ما تسميه سياسة تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، بإنهاء تسلح القوى ما دون الدولة، من أجل تجفيف بؤر الصراع في المنطقة.

وعن مآلات المفاوضات الجارية بدمشق، قال علاوي للجزيرة نت، إن المشكلة الأساسية هي وجود تيارين ضمن “قسد”؛ الأول بقيادة مظلوم عبدي يرغب في تطبيق الاتفاق، والثاني المدعوم من حزب العمال الكردستاني، والذي يرغب في تحصيل مكاسب إضافية.

وبحسب علاوي، فإن الأطراف ذاهبة نحو لامركزية إدارية بالسماح بإدارة بعض المناطق ذات الخصوصية ضمن الديموغرافية الكردية، مرجحاً أن يتم دمج “قسد” عسكرياً ضمن الجيش السوري الجديد.

المصدر: الجزيرة

——————————-

براك: “قسد” تماطل بالاندماج ودمشق “متحمسة

قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس براك، إن الحكومة السورية متحمسة لضمّ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى صفوفها، بينما الأخيرة بطيئة في القبول والتفاوض والمضي قدمًا نحو ذلك.

وأضاف براك، لوكالة “روداوو” (مقرها كردستان العراق) اليوم، الأربعاء 9 من تموز، إن دمشق تسعى لما وصفه بـ”دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”، معتقدًا أن الحكومة في دمشق كانت “سخية” في سعيها لإيجاد طريقة لتوحيد هذه المصالح، وفق تعبيره.

ووجه براك، نصيحة لـ”قسد” بالإسراع، معتبرًا أن الطريق الوحيدة أمامهم هي دمشق، في إشارة إلى الانضمام في الحكومة.

من جانب آخر، قال براك إن “قسد” هي شريك رئيسي وفعال للولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنهم عملوا على ضمان وجودهم، بحسب وكالة “كردستان 24“.

تصريحات المبعوث الأمريكي، جاءت بعد لقائه مع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، في العاصمة دمشق.

ولم يرشح عن اللقاء أي تفاصيل معلنة حتى لحظة تحرير الخبر.

ووردت أنباء عن لقاء ثلاثي محتمل، يضم الشرع وبراك وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، إلا أن قناة “الحدث” نفت لقاء الأخير بالرئيس السوري، نقلًا عن مصادر لم تسمّها.

من جانبه، لم يرصد مراسل عنب بلدي أي وجود لوفود من جانب “الإدارة الذاتية” الذراع الحوكمي لـ”قسد”، في أثناء لقاء الشرع ببراك.

جولة “إيجابية”

وبحسب وكالة “هاور” المقربة من “الإدارة الذاتية” عُقدت جولة جديدة من المفاوضات في دمشق اليوم، بين الحكومة السورية وممثلين عن “قسد”.

حضر من جانب الحكومة وزير الخارجية، الشيباني، وزير الداخلية أنس خطاب، وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة.

بينما حضر من جانب “الإدارة الذاتية” و”قسد” قائد الأخيرة، عبدي، وعضوي الرئاسة المشتركة للوفد المفاوض، فوزة يوسف وعبد حامد المهباش، إلى جانب رئيسة دائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة” إلهام أحمد.

وبحسب مصدر لوكالة “هاور”، لم تسمه، ناقش المجتمعون آليات تطبيق بنود الاتفاق الذي تم توقيعه بين الشرع وعبدي، والعمل على إزالة العقبات والتحديات التي تواجه تطبيق الاتفاق.

المجتمعون ناقشوا ملف المعابر الحدودية، وكيفية دمج المؤسسات في شمال شرقي سوريا مع المؤسسات الحكومية، متطرقين إلى التنسيق الأمني والعسكري بين الطرفين.

ووصف المشاركون الاجتماع بـ”الإيجابي”، وفق “هاوار”.

وكان اتفاق جرى، في 10 من آذار الماضي، في عملية وصفت بـ”التاريخية” بين الشرع وعبدي، وقضى بدمج مؤسسات “قسد” العسكرية والمدنية بمؤسسات الدولة، والعمل على تنفيذ الاتفاق بمدة لا تتجاوز السنة.

ومنذ ذلك الحين، تجري جولات للمفاوضات بمسار متعرج، وسط إصرار من الحكومة على دمج “قسد” كأفراد، بينما تريد الأخيرة الاندماج كتلة واحدة.

————————–

المبعوث الأميركي: لا خيار أمام “قسد” سوى طريق دمشق والفيدرالية غير ممكنة في سوريا

أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ليس أمامها سوى مسار واحد، يتمثل في التوجه نحو دمشق، مشدداً على أن الفيدرالية “غير ممكنة” في سوريا.

وقال باراك، خلال مؤتمر صحفي، إن الحكومة السورية أبدت “حماسة غير مسبوقة” لدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، في إطار رؤية تقوم على “دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة”.

وأضاف، أن استجابة “قسد” في تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع الحكومة السورية بطيئة، مشيراً إلى أن وتيرة التفاوض والمضي قدماً في هذا المسار لا تزال “متباطئة”.

وأشار المبعوث الأميركي، إلى أن الكرد شعب رائع ومذهل وجميل داخل دولهم.

ومن جهتها وصفت عضو وفد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا فوزة يوسف، الاجتماع الذي عُقد مع الحكومة السورية، بأنه كان “إيجابياً”.

ولفتت، إلى أن الاجتماع أسفر عن تقارب في وجهات النظر بشأن القضايا الخلافية، مشيرة إلى استمرار الاجتماعات بهدف التوصل إلى توافقات إضافية.

وأكدت، أن الرئيس السوري أحمد الشرع لم يحضر الاجتماع الذي عقده وفد شمال وشرق سوريا مع الحكومة السورية، وفقاً لما نقلته صحيفة “الشرق“.

وذكرت، أن وفد الإدارة الذاتية طرح خلال الاجتماع مطالب تتعلق بتعديلات على الإعلان الدستوري، مشيرة إلى أن النقاشات تتركز حالياً على اتفاق 10 آذار/ مارس الماضي.

وأضافت، أن المباحثات الجارية مع الحكومة السورية جاءت ضمن إطار دولة مركزية، لافتة إلى أن اجتماعات أخرى مرتقبة ستُعقد قريباً على المستوى العسكري، بهدف استكمال مناقشة الملفات العالقة.

وعقد وفد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديموقراطية، في وقت سابق اليوم الأربعاء، اجتماعاً مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق.

وتألف الوفد من الجنرال مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية، وإلهام أحمد الرئيسة المشتركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية وعضوي وفد الإدارة فوزة يوسف وعبد حامد المهباش.

وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، بأن النقاشات ركزت على أربعة ملفات رئيسية هي، شكل الدولة السورية المستقبلية، والعلاقة بين الحكومة المركزية والإدارة الذاتية، والملف الاقتصادي، بالإضافة إلى ملف القوة العسكرية.

+963

————————

وفد «الإدارة الذاتية» اجتمع مع وزراء الحكومة ورئيس المخابرات العامة في دمشق

انطلاق اجتماع الشرع وقائد «قسد» والسفير الأميركي لدفع مسار اتفاق «10 مارس»

دمشق: كمال شيخو

9 يوليو 2025 م

أفاد مصدر كردي بارز بأن اجتماعاً ثلاثياً ضم الرئيس السوري أحمد الشرع، والمبعوث الأميركي توماس برَّاك، والقائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، بدأ قبل قليل في قصر تشرين بالعاصمة دمشق، بعد انتهاء اجتماع رفيع المستوى بين الحكومة السورية ووفد «الإدارة الذاتية» القادم من مدينة القامشلي.

وقال مصدر كردي مشارك في الاجتماعات، لـ«الشرق الأوسط»، إن وفد الإدارة الذي ترأسته القيادية الكردية فوزة يوسف، ومشاركة إلهام أحمد رئيسة شؤون العلاقات الخارجية، وعبد حامد المهباش رئيس «حزب سوريا المستقبل»، عقد اجتماعاً مع الحكومة السورية بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، والداخلية أنس الخطاب، والدفاع مرهف أبو قصرة، وحضور رئيس جهاز المخابرات العامة حسين سلامة، وقال: «انتهى الاجتماع، ونقل عن المشاركين بأن الأجواء كانت إيجابية، حيث ستتبعه اجتماعات ثانية لضم رؤساء اللجان الفرعية».

كما شارك وفد رفيع المستوى من قوات التحالف الدولي والمبعوث الأميركي لمناطق شمال شرقي سوريا سكوت بولز، والقائم بأعمال السفارة الفرنسية في دمشق جان باتيست فيفر، ووفد يرافقه.

وبحسب المصدر، سيبحث عبدي وبرَّاك في اجتماعهما مع الشرع، بشكل أساسي، ملف محاربة تنظيم «داعش»، وكيفية تطبيق بنود اتفاقية 10 مارس (آذار)، مع تحديث المدة الزمنية وطرح شكل جديد من التوافقات، وإجراء تعديلات متعلقة بمطالب الكرد السوريين؛ في خطوة تحظى بدعم جميع الأطراف. وذكر المصدر أن الجانبين بحثا في إزالة العقبات والتحديات التي واجهت تطبيقه وتأخير تنفيذه.

وتابع المصدر، قائلاً: «ركز وفد الإدارة على ضرورة الإسراع في تطبيق تعهدات الحكومة الانتقالية فيما يخص المهجرين قسراً من مدن عفرين بريف حلب، ومهجري رأس العين بالحسكة، وتل أبيض بالرقة».

ونص اتفاق «10 مارس» على «دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز»، وضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية، وأن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة، وجميع حقوقه الدستورية، وتطبيقه حتى نهاية العام الحالي.

وأضاف المصدر ذاته أن المجتمعين ناقشوا ملف المعابر الحدودية وكيفية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية والعاملين فيها، وضم هياكل الحكم المحلية إلى المؤسسات الحكومية، على أن تعقبه اجتماعات ثانية تضم رؤساء اللجان الفرعية خلال الأيام المقبلة، وأشار المصدر إلى أن الاجتماع «شدد على ضرورة التنسيق الأمني والعسكري بين الطرفين، وتجنب أي تصعيد».

وتعد هذه المفاوضات حاسمة بين «قسد» والحكومة السورية حول مستقبل مناطق سيطرة «القوات»، واحتمالية تسليم ملفات حساسة تتعلق بقضايا محاربة الإرهاب والحدود والسجون التي تضم آلاف عناصر ومسلحي تنظيم «داعش» الإرهابي.

وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برَّاك، الأربعاء، إن «(قوات سوريا الديمقراطية) هي شريك مهم للحكومة الأميركية، وقاتلت ضد تنظيم (داعش)، ونحترمها كثيراً، وهي قادرة على الاندماج بسوريا والانضمام لجيشها».

وجاء تصريح برَّاك لوكالة «نورث برس»، الكردية، بعد اجتماع جمع وفداً من الحكومة السورية ووفداً من «قوات سوريا الديمقراطية» في دمشق.

تابع برَّاك تصريحه: «(قسد) يجب أن تتقبل حقيقة سوريا، بأنها (وطن واحد وجيش واحد وشعب سوري واحد)، بشكل أسرع، وهناك محادثات بخصوص تحقيق ذلك، ويجب أن تتم بسرعة أكبر، وبرغبة أكثر، ويجب التمتع بمرونة أمامها، وهذا هو خلاصتي عن الموضوع».

—————————-

 عبدي في دمشق.. بدفع من التحالف الدولي

الأربعاء 2025/07/09

نقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر أن زعيم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وصل إلى العاصمة دمشق، للتباحث مع الإدارة السورية الجديدة، حول الاتفاق الموقّع في آذار/مارس الماضي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

دفع من التحالف الدولي

وأوضحت المصادر أن عبدي وصل إلى دمشق، مساء أمس الثلاثاء، على رأس وفد يضم شخصيات من “قسد” وجناحها السياسي، مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، للتباحث حول تنفيذ اتفاق المبادئ الموقّع مع الشرع .

ولفتت إلى أن الزيارة جاءت بدفع من التحالف الدولي ضد “داعش”، الداعم الرئيسي لهذه القوات، مشيرة إلى أن العراقيل التي تقف حائلًا دون تنفيذ الاتفاق، الذي وُصف بـ”التاريخي” في حينه، تتصدر أجندة النقاش بين الجانبين.

وتأتي زيارة عبدي في وقت تدور فيها الشكوك حول إمكانية تطبيع البنود الموقّعة بين عبدي والشرع، بموجب اتفاق آذار/مارس الماضي، حتى نهاية العام الجاري 2025. وينص الاتفاق بأبرز بنوده، على دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرق سوريا، بالدولة السورية، وتسليم الحكومة السورية حقول النفط والمعابر.

عبدي واللامركزية

وعلى الرغم من عقد اجتماعات للجان المشتركة المشكّلة من الجانبين، والمعنية بتنفيذ بنود الاتفاق، إلا أن بنوده الرئيسية، ما زالت تراوح في المكان، لاسيما بشأن دمج قوات “قسد” بالجيش السوري، وتسليم حقول النفط للدولة السورية.

اتفاق عبدي- الشرع، جرى بدفع من الولايات المتحدة الداعم الرئيسي لـ”قسد” في إطار مهمة مكافحة ظهور تنظيم “داعش” ، كما يبدو أن واشنطن تدفع نحو تنفيذ هذا الاتفاق للحؤول دون الصدام بين الجانبين.

وظهرت أولى بوادر الخلاف بين الجانبين حول الاتفاق، عندما تم عقد اجتماع الأحزاب الكردية في نيسان/إبريل الماضي، والذي خرج باتفاق على مطالبة الحكومة السورية باللامركزية كشكل لحكم مناطق شمال شرق سوريا، وهو ما اعتبرته  دمشق، دعوة للانقسام، مؤكدةً رفضها أي محاولات “لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية من دون توافق وطني شامل”.

وعلى الرغم من الحساسية بين الجانبين حول نتائج المؤتمر، إلا أن عبدي عاد ليؤكد أن اتفاق آذار/مارس،  ما زال قائماً ويحظى بالتزام الطرفين”، مجدداً في الوقت ذاته، تمسكه باللامركزية.

وقال إن “قسد” تحاول الحفاظ على المكتسبات التي “تم تحقيقها بالدم”، مؤكداً أن اللامركزية لا تعني التقسيم، إنما “شعب هذه المنطقة يريد أن يدير الهيئات التابعة له”، كما أشار إلى أن تجنبه استخدام مصطلح “الفيدرالية” لأن الاتفاق مع الشرع لا يتضمن هذا المفهوم.

——————————-

دمشق تتمسك بوحدة سوريا وتدعو “قسد” للاندماج

10/7/2025

جددت الحكومة السورية تمسكها بوحدة البلاد وفق مبدأ “دولة واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة”، مؤكدة رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التقسيم.

ورحبت الحكومة، في بيان، أمس الأربعاء، بانضمام المقاتلين السوريين في قوات سورية الديمقراطية (قسد) إلى صفوف الجيش السوري وفق الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة.

وزادت أن المكوّن الكردي كان ولا يزال جزءا أصيلا من النسيج السوري المتنوع، وأن حقوق جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم، تُصان وتُحترم ضمن مؤسسات الدولة، وليس خارجها.

وشددت الحكومة على ضرورة عودة مؤسسات الدولة الرسمية إلى شمال شرقي البلاد، من ضمنها تلك المتعلقة بالخدمات والصحة والتعليم والإدارة المحلية؛ لضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

ولفتت إلى أن التجربة أثبتت أن الرهان على المشاريع الانفصالية أو الأجندات الخارجية هو رهان خاسر، والمطلوب اليوم هو العودة إلى الهوية الوطنية الجامعة والانخراط في مشروع الدولة الوطنية السورية الجامعة.

بطء في الاستجابة

وصدر البيان الحكومي عقب زيارة المبعوث الأميركي توم باراك، الأربعاء، دمشق ولقائه الرئيس أحمد الشرع بحضور قائد قوات سورية الديمقراطية (قسد).

وقال باراك عقب اللقاء إن قوات سوريا الديمقراطية بطيئة بالاستجابة (في الانضمام للحكومة)، وشدد على أن هناك طريقا واحدا فقط أمامها يمر من دمشق، مشيرا إلى أن الحكومة السورية قامت “بعمل رائع” في عرض خيارات على “قسد”.

وتسيطر “قسد” على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضم أبرز حقول النفط والغاز التي تحتاج دمشق إلى مواردها، وتدير مخيمات ومراكز اعتقال تضم مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية، بينهم آلاف الأجانب.

وفي العاشر من مارس/آذار الماضي، وقّع الرئيس الشرع وعبدي اتفاقا في دمشق وصف حينها بأنه تاريخي، نص على وقف شامل لإطلاق النار ودمج مؤسسات “قسد” المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، بما فيها المعابر والمطارات وحقول النفط.

وأكد الاتفاق ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية من دون تمييز، والاعتراف بالأكراد مكوّنا أصيلا في البلاد.

كما تعهد الطرفان بتأمين عودة المهجّرين، ومحاربة فلول نظام بشار الأسد، ورفض أي محاولات للتقسيم أو بث الفتنة، على أن يُنفذ الاتفاق بالكامل قبل نهاية العام الحالي.

—————————-

 المركزية واللامركزية ليست شعارات سياسية/ جمال الشوفي

2025.07.08

لم يتوقف الحوار السوري يومًا حول طبيعة نظام الحكم المرتقب بعد سقوط النظام، ولن يتوقف اليوم. واستقرار سوريا مشروط بقدرتنا على استعادة بنيان الدولة ومؤسساتها، التي أصابها الشلل والعطب والهدر العام طوال عقود من حكم الاستبداد المركزي المهيمن، متمثّلًا بنظام الأوليغارشية العسكراتارية الأمنية، المسبّب الرئيسي لتحديات وصعوبات ما بعد 8/12/2024، والدخول في سياق “سوريا ما بعد الثورة”. وهذا حوار لا بدّ من استمراره.

أيًّا يكن السياق العام للحوار السوري حول المركزية أو اللامركزية، فقد بدأت مقدماته بالتوجّه نحو استرداد الدولة بكامل مؤسساتها من نظام الحكم السلطوي السابق. وهذا فعل سياسي وثوري عام، في حين كانت الرؤى تتباين حول الطبيعة الإدارية لنظام الحكم السوري، وهو أمر طبيعي.

وإذ تؤكد معظم الأوراق السياسية السورية في تلك الفترة على أن اللامركزية الإدارية هي أفضل أشكال الحكم ديمقراطيًّا في النظم العصرية، فقد خرجت بعض الآراء التي تبحث في أشكال أكثر اتساعًا من النظام الإداري اللامركزي، إلى اللامركزية السياسية والموسعة وغيرها من المصطلحات التي لم تُدقّق سياسيًّا إلى اليوم، وبقي معظمها مؤجلًا إلى المستقبل.

في المبدأ، لا تختلف أدبيات السياسة وشؤون الحكم على أن تعريف الدولة سياسيًّا هو السيادة الشعبية على كامل الجغرافيا والحدود، والتوافق الوطني على عقد اجتماعي ينظّم دستورها وقوانينها الوضعية وطريقة وشؤون الحكم، وتفعيل المؤسسات الحكومية عامة، ومنها السلطة السياسية.

وهذا لا يعني بالمبدأ أن مفهوم السيادة يقتضي نظام حكم مركزيًا! فالتداخل المتداول سياسيًّا بين مؤسسات الدولة ودور السلطة السياسية فيها، يُمثّل اختلاطًا معرفيًّا ومصلحيًّا في آن، كرّسته سياسات السلطة الحاكمة لعقود في دمشق، إذ إنها عملت على الهيمنة المطلقة على جميع شؤون الدولة ومؤسساتها عسكريًّا وأمنيًّا وإداريًّا. وما عاشته سوريا وتحصد نتائجه اليوم كان نتيجة مباشرة لتلك السياسات.

ولا يخفى على أحد أن تلك السلطة، وللتخلّص من أزماتها التي طرحتها عليها ثورة الكرامة والحرية، عملت على تغيير الدستور عام 2012، متخلية نظريًّا عن مركزية هيمنة القيادة الفردية لحزب البعث على الدولة والمجتمع، وضمّنته بعض المفاهيم المتعلقة بالإدارة اللامركزية، بناءً على ما طرحته عام 2011 فيما سُمّي بالقانون 107 للإدارة المحلية.

والجدير بالاهتمام أن هذا القانون تضمن في مادته الثانية التوجّه نحو اللامركزية الإدارية، والتي تعني أن كل وحدة إدارية تعمل على تقييم احتياجاتها، وتنظيم خططها ومشاريعها العامة، وتنتخب مجلسها ورئيسها كأفضل شكل لانتشار واتساع الديمقراطية ــ نظريًّا.

لكن في المقابل، حافظت السلطة المخلوعة على مركزيتها السلطوية من خلال تعيين المحافظين والقادة الأمنيين ورؤساء الشرطة، مع إعفائهم من الملاحقة القانونية.

والجدير بالذكر أيضًا أن رؤساء مجالس المحافظات المنتخبين يتبعون مباشرة لرئيس مجلس الوزراء عبر وزير الشؤون الاجتماعية والعمل.

إذًا، يمكن للسلطة المركزية التي تبتلع الدولة أن تُفعّل اللامركزية إداريًّا وتبقي على سلطويتها المطلقة أمنيًّا وعسكريًّا!

ومن جهة أخرى، فإن مقاربات متعددة لطبيعة نظم الحكم العصرية تلتقي على أولوية سيادة الدولة، لكنها تختلف ــ من دون تعارض ــ حول طبيعة نظام الحكم السياسي (جمهوري، رئاسي، مختلط، ملكي…)، بل وأيضًا حول إدارة الوحدات الإدارية سياسيًّا.

وهنا تتعدّد الأشكال بين النظم الجمهورية والملكية والفدرالية وحتى الكونفدرالية، وكلّها يجب أن ينصّ عليها الدستور وفق التعاقد الاجتماعي الوطني.

أما اللامركزية الإدارية، فهي شكل إداري معمول به في غالبية الدول العصرية، مع احتفاظها ببنيتها العامة السياسية، كما في الجمهورية الفرنسية. في حين تتوسع قليلًا في النظام الملكي البرلماني البريطاني إلى نوع من اللامركزية السياسية (من دون أن تبلغ حد الفيدرالية)، لتشمل دول المملكة جميعها. في حين أن الولايات المتحدة الأميركية تخضع لنظام فيدرالي واضح بين ولاياتها الخمسين.

من الطبيعي، في هذه الحالة، أن يُثار الجدل حول طبيعة نظام الحكم في سوريا. ولكن ليس من الطبيعي أن تختلط المفاهيم وتصبح متداخلة يصعب فكّ اشتباكها! وليس ذلك فقط، بل تتحوّل بعض المفاهيم إلى شعارات سياسية فارغة من محتواها، ومتخارجة عن سياقاتها.

خروجًا من هذا الاختلاط، وبالعودة إلى تجارب التاريخ وبناء الدول، يمكن تحديد بعض المبادئ العامة:

    لا يحدّد شكل نظام الحكم إلا دستور عام يمثّل عقدًا اجتماعيًّا وطنيًّا توافقيًّا، يجب الوصول إليه في نهاية المرحلة الانتقالية.

    لا وجود لما يُسمّى “المركزية السياسية المطلقة” إلا في النظم الشمولية الاستبدادية، التي أصبحت خارج العصر السياسي، كالاتحاد السوفيتي أو القوميات العربية التسلطية أو الإيرانية الإسلامية.

    اللامركزية الإدارية ليست نقيضًا للمركزية. فسيادة الدولة لا تعني بناء نظام مركزي مستبدّ، والمشاركة الفعلية في إعادة بناء ما تهدّم في سوريا لا تعني الاهتمام بالمحليات من دون الوطن عمومًا. وبناء الدولة مسؤولية سورية عامة لا تقتصر على دور الحكومة الانتقالية حصرًا.

    اللامركزية الإدارية المطروحة سوريًّا ــ رغم ما يحيط بها من شكوك ــ تخشى من عودة هيمنة المركزية السابقة، لكنها، في الوقت ذاته، لا تدرك الفرق بينها وبين اللامركزية السياسية أو الفدرالية، فتصبح شعارًا بلا مضمون ديمقراطي.

    وهي، إذ تنتقد آليات التعيين لدى الحكومة الانتقالية، تميل إلى ممارسة ذات النهج في محلياتها، مما يُكرّس التباعد الجغرافي السوري، إذ تُطرح هذه اللامركزية غالبًا في مناطق ذات لون طائفي أو ديني واحد.

    اللامركزية الإدارية لا تعني فوضى السلاح وغياب سيادة القانون، بل تعني أعلى درجات الانضباط، وسيادة الأمن والأمان، وتلبية الحاجات المادية للوحدة الإدارية. فهي تمثّل قاعدة هرم ماسلو للاحتياجات، في حين تحقيق الذات ــ فرديًّا أو جماعيًّا، سياسيًّا أو دينيًّا ــ يأتي في القمة.

    ومن هنا، فإن طرح اللامركزية بوصفها مطلبًا سياسيًّا يأتي من القمة إلى القاعدة، متناسية متطلباتها المادية وسيادة القانون كشرط لتحقيق الأمان، الذي بدوره يُتيح إجراء انتخابات ديمقراطية تحدد هدف وجوهر اللامركزية المطروحة.

    اللامركزية السياسية، وصولًا إلى الفيدرالية، تتحدّد حيزاتها السياسية بناءً على أرضية دستورية عامة، وتتشكل وفق أهداف محلية تنموية، سياسية واقتصادية.

    فإن افترضنا أن الحالة الدستورية السياسية ناجزة، فهل يمكن استفتاء الشعب ــ وطنيًّا أو محليًّا ــ على طبيعة إدارة الحكم (إدارية أو سياسية أو فيدرالية)، قبل أن تتشكّل الأرضية العامة للدولة، وسيادتها القانونية والأمنية على كامل أراضيها وحدودها؟

    وهل يمكن الوصول إلى جيش وطني واحد، يتجاوز العقلية الفصائلية ومحلياتها، ويتكفّل بحماية الحدود؟

    وهل يمكن إنشاء جهاز شرطة وضابطة عدلية وأمن داخلي، يضبط القانون ويحاسب الخارجين عليه، ويحمي المُنتخبين المفترضين ديمقراطيًّا، قبل ذلك؟

    بين الواقع ومتطلباته وصعوباته، وبين الهدف المنشود، ليست هناك هوة فقط، بل معضلات وتحديات، يجب المشاركة في حلها والعمل على تجاوزها، مهما كانت الصعاب.

بين حسن النية والخطأ السياسي العام، يظهر الخلط بين الحلم والواقع، ويبرز التداخل بين زمنين:

زمن مستقبل سوريا والدستور وطبيعة نظام الحكم إداريًّا باللامركزية أو غيرها، مع وضع أسسها الوضعية والقانونية، وزمن الحاضر واستحقاقاته. وهذا ما يجب استبعاده من وهم سياسي، مزين بشعارات ذات قيمة سياسية رنانة، لكنها مفرغة من مضمونها، ولا ترتقي لمستوى شؤون الدولة والحكم.

فإن كنتُ شخصيًّا أطمح مستقبلًا لبناء نظام حكم ديمقراطي لا مركزي إداريًّا، مسنودًا بدولة سورية عصرية تليق بتضحياتنا، فإنني أرى اليوم، وبكل مسؤولية، ضرورة المشاركة في بناء مؤسسات الدولة التي تُهيّئ الأرضية لهذا الهدف، خاصة المؤسسات التنموية والإدارية والقانونية، وتوفير بيئة الأمان والاستقرار المادي لعموم السوريين، للمشاركة في الاستفتاء على نظام الحكم العام من دون خوف أو غلبة.

فبين الواقع ومتطلباته وصعوباته، وبين الهدف المنشود، ليست هناك هوة فقط، بل معضلات وتحديات، يجب المشاركة في حلها والعمل على تجاوزها، مهما كانت الصعاب. وإلا، فلن تحمينا الكلمات البراقة ولا ألحان عزفها الرنّان، إن لم تكن محمّلة بالمضمون والمحتوى.

تلفزيون سوريا

—————————-

 بين الدمج والدعم.. ما تفسير الموقف الأميركي من قوات قسد؟/ باسل المحمد

2025.07.08

في الوقت الذي تكرّر فيه الإدارة الأميركية تأكيدها على ضرورة توحيد الأراضي السورية ودمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن جيش وطني موحد، خصصت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مبلغ 130 مليون دولار في موازنة عام 2026 لدعم قسد و”جيش سوريا الحرة”، بهدف مواصلة الحرب ضد تنظيم “الدولة”.

المفارقة أن هذا الدعم يأتي بعد تصريحات أميركية – بينها ما أعلنه المبعوث الخاص توماس بارك – شددت على ضرورة دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري الجديد، مع التأكيد على أهمية وحدة سوريا وبناء مؤسسات أمنية وطنية جامعة، مما يضع الإدارة الأميركية أمام تناقض واضح بين خطابها السياسي وتحركاتها الفعلية على الأرض.

هذا التناقض في الموقف الأميركي يطرح تساؤلات حول مدى وضوح الرؤية الأميركية في الملف السوري، وما إذا كانت واشنطن ترى في قسد حليفاً عسكرياً مؤقتاً في معركة الإرهاب، أم شريكاً دائماً في ترتيبات ما بعد النزاع، رغم ما يرافق ذلك من حساسيات محلية وإقليمية.

عودة داعش تعيد الدعم لقسد

حذر مسؤولون إقليميون وحلفاء غربيون من عودة نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق، مستفيدًا من الفراغ الأمني الذي خلفه سقوط نظام بشار الأسد. وأفادت وكالة “رويترز”، نقلًا عن أكثر من 20 مصدرًا من كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين في المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة، بأن التنظيم بدأ في إعادة تفعيل خلاياه، وتحديد أهداف جديدة، بالإضافة إلى تعزيز عمليات التجنيد، وتوزيع الأسلحة، وتكثيف الدعاية في كلا البلدين.

ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تجد نفسها بحاجة إلى استمرار دعم “قسد” وبعض الفصائل السورية التي درّبتها، لمواجهة خطر داعش في شرق سوريا، في ظل الشكوك حول قدرة دمشق على تولي المهمة، لا سيما أنها لا تسيطر على معظم المناطق التي ينشط فيها التنظيم بكثافة.

وفي هذا السياق، أوضح تشارلز ليستر، رئيس “برنامج سوريا” في “معهد الشرق الأوسط” – وهي مؤسسة بحثية أميركية – أن “الحكومة السورية الحالية منهكة أمنيًا، ولا تملك القوة البشرية الكافية لتعزيز السيطرة على كامل البلاد”.

إلى جانب ذلك، ترى الإدارة الأميركية أن من السابق لأوانه التخلي عن “قسد” أو غيرها من الفصائل التي تدعمها في سوريا، كما أنها ليست في وارد الانسحاب الكلي من هذا البلد، إذ إن ذلك سيشكّل انتكاسة في الحرب ضد تنظيم داعش، بحسب تقييمات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).

من جهته، يوضح عامر العبدالله، الباحث المهتم بشؤون الجزيرة السورية في مركز الحوار السوري، أن الدعم الأميركي يشمل أيضًا “جيش سوريا الحرة” في منطقة التنف، وهو أحد الفصائل التي حضرت مؤتمر “النصر”، الذي فوض أحمد الشرع برئاسة الجمهورية. ويتابع العبدالله في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن تضمين واشنطن لهذا الفصيل ضمن الدعم المخصص إلى جانب “قسد”، يُعد مؤشراً على أن هذا الدعم لا يحمل طابعًا سياسيًا كبيرًا، بل يأتي في سياق الخشية من حصول فراغ أمني في مواجهة داعش.

رسائل إلى دمشق

لا يُقرأ الدعم الأميركي الأخير لـ”قسد” في موازنة البنتاغون من زاوية ميدانية أو عسكرية فقط، بل يحمل – وفق محللين – أبعاداً سياسية تتجاوز حدود الشراكة في مكافحة الإرهاب، لتصل إلى رسائل مبطّنة موجّهة إلى دمشق، مفادها أن “قسد” يجب أن تُؤخذ بجدية في أي عملية مستقبلية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية.

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، قد أكد في لقاء سابق مع قناة “NTV” التركية أن “قسد حليف بالنسبة لنا، والدعم المقدّم لهم هو دعم لحليف، وهذا أمر مهم جداً بالنسبة للكونغرس الأميركي”.

وأضاف: “يجب توجيه هذا الدعم نحو دمجهم في جيش سوريا الجديد المستقبلي. يجب أن تكون توقعات الجميع واقعية”، مشيراً إلى أهمية العمل على إدماج وحدات حماية الشعب (YPG) ضمن البنية العسكرية الجديدة في سوريا.

في هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن وجماعات ما دون الدولة، عمار فرهود، أن إظهار هذا الدعم المالي لـ”قسد” هو أيضاً رسالة إلى الحكومة السورية الجديدة، بأن هذا المكوّن الكردي – رغم كل التعقيدات – يجب أن يكون جزءاً فاعلاً من الجيش السوري الجديد.

ويضيف فرهود لموقع تلفزيون سوريا: “الدعم هو إحدى أدوات التفاوض غير المباشر، لإقناع دمشق بأهمية إدماج قسد، وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال التصريحات الأميركية التي دعت دمشق إلى تحمّل مسؤولياتها في إدارة معسكرات داعش، لكن الهدف ليس نقل السيطرة من طرف إلى آخر، بل إيجاد أرضية أمنية مشتركة يمكن البناء عليها سياسياً لاحقاً”.

من جانبه، يشير الباحث عامر العبدالله إلى أن هذه الرسائل الأميركية تحمل طابع الضغط غير المباشر على دمشق، للتأكيد أن “قسد” ما زالت قوة يُعتمد عليها على الأرض، وخاصة في ظل استمرار المفاوضات المتعثرة بين الطرفين حول اتفاق آذار.

وينصّ اتفاق آذار، الموقع بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز. لكن حتى الآن لم يُنفذ هذا البند، حيث تطالب “قسد” بمنحها الوقت الكافي لتنفيذه، إلى جانب بنود أخرى.

وحدة العقيدة القتالية

لا تقتصر الشراكة بين الولايات المتحدة و”قسد” على البُعد السياسي أو الأمني فقط، بل تمتد إلى عمق العقيدة القتالية والتناغم الميداني، وهو ما يفسّر – بحسب محللين – استمرارية الدعم الأميركي لـ”قسد” رغم كل التعقيدات السياسية.

وقد عبّر عن هذا الانسجام العسكري قائد القيادة الوسطى الأميركية (CENTCOM)، الجنرال مايكل “إريك” كوريلا، خلال لقائه مع قادة “قسد” في آذار 2025، حيث قال:

“شركاؤنا السوريون يتقنون فن التنسيق والنار خلال التدريبات الحية، ويُظهرون كفاءة عالية في مكافحة الإرهاب.”

هذا التصريح يعكس حجم التقارب العملياتي والعقائدي بين الطرفين، ويُفسّر جزئياً تمسّك البنتاغون بـ”قسد” بوصفها شريكاً ميدانياً موثوقاً.

وفي هذا السياق، يرى الباحث عمار فرهود أن تمسّك البنتاغون بقوات “قسد” يعود إلى تطابق العقيدة القتالية بين الطرفين، نتيجة سنوات من التدريب والتسليح الأميركي المباشر. ويشير إلى أن وزارة الدفاع الأميركية تعتبر “قسد” و”جيش سوريا الحرة” شريكين موثوقين ومؤهلين ميدانياً، على عكس الرؤية الأقل حماسة من جانب الخارجية الأميركية والبيت الأبيض.

ويضيف فرهود أن التعاون الأميركي مع الحكومة السورية الجديدة يقتصر حالياً على المجالين الأمني والاستخباراتي، في حين يفتقر الجيش السوري الجديد إلى عقيدة قتالية متوافقة مع المنظومة العسكرية الأميركية، ما يجعل “قسد” الخيار الأجدر بالثقة من منظور العمليات الميدانية.

وفي سياق التعاون الأمني بين دمشق وواشنطن، كشفت صحيفة واشنطن بوست أن الولايات المتحدة شاركت معلومات استخباراتية حساسة مع الحكومة السورية الجديدة، التي تقودها هيئة تحرير الشام، رغم تصنيفها سابقاً كمنظمة إرهابية.

وبحسب التقرير، ساعدت الاستخبارات الأميركية في إحباط هجوم وشيك لتنظيم الدولة الإسلامية على مزار السيدة زينب قرب دمشق، عبر تبادل معلومات تمّ من خلال قناة خلفية، بدافع مشترك لمنع عودة التنظيم.

البُعد الإسرائيلي في دعم “قسد”

رغم أن الدعم الأميركي لقوات “قسد” غالباً ما يُقدَّم في سياق الحرب على الإرهاب أو التوازنات في شرق سوريا، إلا أن قراءة أعمق للمشهد تكشف عن أيدٍ خفية تؤثّر في صناعة القرار الأميركي، وعلى رأسها إسرائيل، التي لطالما اعتبرت “قسد” أحد المكونات التي يمكن الاستثمار فيها لمواجهة أعدائها الإقليميين وتنفيذ أجنداتها الجيوسياسية.

وفي ظل النفوذ الإسرائيلي المعروف داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، تُطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تل أبيب قد لعبت دوراً في تثبيت الدعم الأميركي لـ”قسد”، أو على الأقل دفعت باتجاه عدم التخلي عن هذه القوة التي أثبتت فعاليتها ضد “داعش”، وفي الوقت نفسه لا تُشكّل تهديداً مباشراً لإسرائيل.

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي علي تمي أن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في دفع الولايات المتحدة نحو مواصلة دعم “قسد”، ليس فقط لحمايتها من التفكك، بل ضمن مشروع جيوسياسي أوسع يمتد من العراق إلى السويداء وصولاً إلى ميناء حيفا.

ويشير تمي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن وكالة الاستخبارات الأميركية تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، بينما يحاول البيت الأبيض، وخاصة الرئيس دونالد ترامب، تجنّب التصادم مع تركيا والحكومة السورية الجديدة.

ويتوقع تمي أن ترامب سينفّذ اتفاق 10 آذار بالانسحاب من سوريا (باستثناء قاعدة التنف)، ما يعني تخلّي واشنطن عن “قسد” رغم معارضة داخلية من قادة “الليكود” و”الموساد”.

هذا التحليل يجد ما يدعمه على لسان قائد “قسد”، مظلوم عبدي، الذي صرّح في 6 آذار الماضي بأن قواته “ترحب بالدعم الإسرائيلي لحماية الإنجازات الكردية”، واصفاً إسرائيل بأنها “قوة ذات نفوذ في الولايات المتحدة والغرب والشرق الأوسط”.

وأضاف عبدي في تصريح لمراسل شبكة BBC: “إذا استطاعت إسرائيل منع الهجمات ضدنا ووقف قتل شعبنا، فنحن نرحب بذلك ونقدّره”.

تلفزيون سوريا

——————————-

حزب العمّال الكردستاني”: السياسة ما بعد “الكفاح المسلّح”/ صلاح حسن بابان

10.07.2025

تتركّز المطالب الكردية الأساسية، لبدء عمليّة “سلام حقيقية ناجحة”، كما يقول نواب حزب “المساواة الكردي” وقادة حزب “العمّال”، في إطلاق آلاف السجناء السياسيين الكرد، وتخفيف القيود على زعيم الحزب عبد الله أوجلان المعتقل، بما يمكّنه من إجراء لقاءات واتّخاذ مواقف، بعيداً عن أي ضغوط من السلطة التركية، إلى جانب اتّخاذ خطوات قانونية كتغيير قانون الإرهاب وتعديل الدستور.

بعد 40 سنة من القتال ضدّ الدولة التركية، أعلن حزب “العمّال الكردستاني” أو (pkk) في 12 أيّار/ مايو 2025، عن “حلّ تنظيمات الحزب وإنهاء الكفاح المسلّح”، وبدء مرحلة جديدة عمادها العمل السياسي والقانوني والدستوري داخل تركيا، التزاماً بدعوة “السلام والمجتمع الديمقراطي”، التي أطلقها زعيمه المعتقل عبد الله اوجلان، وهي عمليّة السلام الرابعة خلال الخمسين عاماً الأخيرة من الصراع الكردي التركي.

أوجلان (76 عاماً) الذي يقضي حكماً مؤبّداً في سجن انفرادي في جزيرة معزولة في تركيا منذ العام 1999، دعا الحزب في 27 شباط/ فبراير 2025، في رسالة مكتوبة حملها نواب من “حزب المساواة وديمقراطية الشعوب” الكردي (ثالث أكبر حزب ممثّل في البرلمان التركي) بعد أشهر من التفاوض غير المعلن مع قادة أتراك، إلى حلّ نفسه والاندماج مع الدولة والمجتمع”، كما دعا “جميع مجموعاته إلى التخلّي عن السلاح”.

قرار حزب “العمّال/ pkk” الذي رحّبت به القيادات التركية والعراقية، كما العديد من دول العالم، جاء خلال عقد مؤتمره الطارئ الثاني عشر، بين 5 -7 أيّار/ مايو 2025، الذي نُظّم بمشاركة 232 مندوباً في منطقتين منفصلتين (قنديل/ السليمانية ودهوك) بشكل متزامن، وبنحو سرّي لم يعلم به حتى مقرّبون من قيادة حزب “العمّال” خوفاً من هجمات تركية محتملة.

أحدث ذلك القرار، حراكاً سياسياً واسعاً في تركيا، بدأ يتبلور بتشكيل لجنة داخل البرلمان التركي، ستتولّى “إدارة عمليّة السلام وتحديد خطواتها”، في وقت تستعدّ مجموعة تضمّ بضع عشرات من المقاتلين الكرد لإلقاء أسلحتها وتدميرها، بكسرها أو حرقها، داخل إقليم كردستان، كبادرة حسن نيّة وفي خطوة رمزية لإنهاء العنف، وفق ما كشفه مسؤولون في حزب “العمّال الكردستاني”.

التقى أيضاً وفد من حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي”، مؤلّف من النائبين بروين بولدان ومدحت سانجار، في ٦ تمّوز/ يوليو، زعيم حزب “العمّال الكردستاني” في سجنه في إيمرالي، لبحث خطوات عمليّة السلام، وفي اليوم التالي التقى الوفد بالرئيس التركي في حضور ابراهيم كالن رئيس الاستخبارات.

وأعلنت “منظومة المجتمع الكردستاني” أو (KCK) أنه كـ”بادرة حسن نيّة”، ستقوم مجموعة من المقاتلين (يتوقّع أن تكون بين 20 و 30 مقاتلاً) بتسليم أسلحتها يوم الجمعة 11 تمّوز/ يوليو، في منطقة رابرين التابعة للسليمانية.

تزامن ذلك مع رسالة جديدة مصوّرة لزعيم حزب “العمّال الكردستاني” عبد الله أوجلان، أعلن فيها أن “الكفاح المسلّح ضدّ الدولة التركية انتهى”، واعتماد “السياسة الديموقراطية” كـ”تكتيك أساسي، يجب أن يُصان بقانون شامل”، مؤكّداً أن “هذه التطوّرات هي نتائج لقاءات في إيمرالي”.

أجواء مؤتمر الحلّ

وفق المعلومات والصور التي نشرها حزب “العمّال الكردستاني”، حضر كلّ القادة الكبار، مؤتمر الحزب، بمن فيهم أعضاء اللجنتين التنفيذية والمركزية، وظهرت صور القيادات السياسية بمن فيهم القيادي المؤسّس جميل بايك والكوادر المشاركة في المؤتمر بملابس حزب “العمّال” التقليدية، فيما أظهرت صور أخرى قيادات عسكرية بارزة وعلى رأسهم مراد قريلان بملابس الحزب، لكن بألوان وخطوط عسكرية مرقّطة.

الصور التي نشرها الحزب، وكلمات ومداخلات كبار القادة السياسيين والعسكريين، عكست تشاركاً في اتّخاذ القرارات، وتوحّداً أو توافقاً في الرؤى والمواقف بقبول الانخراط في عمليّة سلام جديدة، بمتطلّبات والتزامات تصل إلى حدّ “حل تنظيمات الحزب وإلقاء السلاح”، دون الإشارة إلى تسليمه، كما جاء في البيان الختامي للحزب.

فيما لم تعكس الصور المنشورة مؤشّرات فرح أو شعور بالرضا، إذ بدا جميل بايك الرئيس المشترك لـ”منظومة المجتمع الكردستاني/ KCK”، وهو أحد مؤسّسي الحزب، بملامح واجمة بعثت إشارات قلق وعدم ارتياح، تجلّت أيضاً في كلمته القصيرة التي أيّدت التحوّل الذي سيجريه الحزب “لأن أوجلان طلب ذلك”، قائلاً: “قررنا في هذا المؤتمر حلّ حزب العمّال الكردستاني، وإنهاء الكفاح المسلّح، باعتباري أحد مؤسّسي الحركة، أنا متحمّس لهذا الأمر، لأنني أفهم القائد أوجلان جيّداً، كلّ خطوة قام بها من أجلنا، من أجل شعبنا وحركتنا، توجّت بالنصر، ولذلك هناك إيمان كبير داخل الحركة وبين الشعب، بما يراه أوجلان”.

عدم قناعة العديد من قادة “العمّال الكردستاني” بخطوة حلّ الحزب، التي طالب بها أوجلان – وإن قاموا بإعلانها- ليست مسألة خفيّة، وهي مرتبطة بعدم اتّخاذ تركيا حتى لحظة انطلاق المؤتمر، أية خطوات سياسية أو قانونية أو أمنية- عسكرية لتلبية متطلّبات أو مطالب الكرد لتحقيق السلام.

وكان التحفّظ قد جاء على لسان مراد قريلان، بعد رسالة أوجلان الأولى بأيّام، إذ كرّر عدّة مرّات أن مقاتلي “العمّال الكردستاني” ليسوا مقاتلين نظاميين مجنّدين يلتزمون بقرارات إداراتهم العليا، هم فدائيون أصحاب مبدأ، ويتطلّب اتّخاذ أي موقف إقناعهم به، وذلك يمرّ عبر ما سيقدّمه النظام التركي من خطوات وضمانات، وأولّها منح الحرّية لأوجلان للعمل والتواصل.

وتتركّز المطالب الكردية الأساسية، لبدء عمليّة “سلام حقيقية ناجحة”، كما يقول نواب حزب “المساواة الكردي” وقادة حزب “العمّال”، في إطلاق آلاف السجناء السياسيين الكرد، وتخفيف القيود على زعيم الحزب عبد الله أوجلان المعتقل، بما يمكّنه من إجراء لقاءات واتّخاذ مواقف، بعيداً عن أي ضغوط من السلطة التركية، إلى جانب اتّخاذ خطوات قانونية كتغيير قانون الإرهاب وتعديل الدستور.

خطابات المؤتمر… نهاية أم بداية جديدة؟

بعد التطوّرات الأخيرة، بدأت المنصّات الاعلامية التابعة لحزب “العمّال الكردستاني”، تردّد أن نضال الحزب طوال خمسة عقود “أنهى سياسات إنكار الوجود وأوصل القضيّة الكردية إلى مرحلة قابلة للحلّ عبر السياسة الديمقراطية، وأن الحزب بشكله السابق أكمل مهمّته التاريخية”، وتنتظره مهمّة أخرى تتطلّب فكراً ورؤى وأدوات مختلفة.

وتنقل تلك المنصّات تصريحات لقيادات في “العمّال”، تفيد بأن القرار الكبير بـ”حلّ البنية التنظيمية لـ PKK وإنهاء الكفاح المسلّح” جاء “بإرادتها وتصميمها”، مراعياً التطوّرات والوقائع الجديدة، بما فيها رغبة حزبي السلطة الحالية في تركيا وحاجتهما إلى إطلاق عمليّة سلام جديدة تشكّل انعطافة تاريخية، تحصّن تركيا داخلياً.

ذلك الخطاب يأتي متناغماً مع تقرير اللجنة التنفيذية لحزب “العمّال الكردستاني” المقدّم للمؤتمر، الذي جاء فيه إن حلّ الهيكل التنظيمي للحزب “لا يعني نهايةً مطلقة لحركة التحرير الثورية، بل على العكس، إنها بداية جديدة، تفتح لنفسها عهداً جديداً من أجل تطوير المجتمع الديمقراطي والحياة الحرّة”.

يقول دوران كالكان، وهو أحد مؤسّسي الحزب وعضو في لجنته التنفيذية، إن الحزب “شهد خلال مسيرته تحوّلات كبيرة عديدة، وفي الأعوام الأخيرة تمّ اعتماد “أطروحة المجتمع الديمقراطي”، حيث تخلّى الحزب عن أيديولوجية “الدولة القومية”، وعن “نموذج الحكومة والدولة”، وتحوّل إلى حزب جديد قائم على “نموذج المجتمع الإيكولوجي والديمقراطي وحرّية المرأة والمجتمع الديمقراطي والسياسة الديمقراطية”.

كالكان الذي استُهلّ مؤتمر “العمّال الكردستاني” الأخير بكلمة له، قال إن حلّ حزب “العمّال الكردستاني ليس النهاية، بل هو بداية جديدة. بلا شكّ، مؤتمرنا هذا مختلف عن المؤتمرات الأخرى، يمكن تشبيهه بالمؤتمر الافتتاحي”.

وأضاف متحدّثاً عّما ستمهّد له خطوتهم: “عند تأسيس الحزب كانت هناك إرادة عظيمة من أجل بداية جديدة، وهنا أيضاً إرادة كبيرة من أجل بداية جديدة على أساس الإنهاء التاريخي للبداية الأولى، ولكن هذا الإنهاء ليس النهاية”.

وتابع: “إن حزب العمّال منذ التأسيس وحتى الآن، عمل بشكل حازم من أجل فتح الطريق أمام مبادرات وتشكيلات جديدة، ونأمل أن يمهّد قرارنا الآن لمراحل أخرى، وأن تُتاح الفرص والإمكانات لاتّخاذ خطوات جديدة”.

اتّسمت كلمات باقي قيادات “العمّال الكردستاني”، وبشكل عامّ، بالتذكير بقدرة الحزب على قراءة المتغيّرات الإقليمية وخلق الفرص وإحداث التغييرات والخوض فيها، دون خوف حتى لو كانت تمثّل انعطافات كبرى.

وبغض النظر عن رؤى قيادات “العمّال الكردستاني” بشأن فرص الحلّ، ومدى قناعتهم بجدّية الحكومة التركية في توفير متطلّبات إنجاح عمليّة السلام الجديدة، فإن إعلان حلّ الحزب اتُّخذ ليظلّ التنفيذ معلّقاً على نوايا الجانبين، في ظلّ تغييرات إقليمية تجعل القرار أكبر من أن يكون محصوراً بقادة “العمّال”، بعيداً عن تأثير تحدّيات الداخل التركي والخارج الإقليمي، في ظلّ التنبيهات التي يطلقها كبار المسؤولين الأتراك بأن تهديدات مصيرية تواجه بلادهم، وأن عليهم توحيد الصفوف.

يأتي ذلك في وقت لا يكفّ قادة إسرائيل الدينيون اليمينيون، عن إعلان رغبتهم في تغيير خارطة الشرق الأوسط، مؤكّدين أن التغييرات التي يسعون إليها لن تقف عند إسقاط نظام الأسد في سوريا، وتدمير “حزب الله” اللبناني، وإنهاء الدور الإيراني في المنطقة وتدمير قدراته، بل تسعى إلى إحداث تغيّرات جذرية قد تطال في النهاية تركيا العضو في الناتو، بسبب سياسة أنقرة بلعب أدوار خارج حدودها وسعيها لقيادة العالم الإسلامي.

أسئلة جوهرية تنتظر إجابات!

رحّبت حكومة حزب “العدالة والتنمية” بزعامة رجب طيب أردوغان، مع شريكتها في الحكم “الحركة القومية” بزعامة دولت بهتشلي بإعلان “العمّال الكردستاني”، وعدّته نهاية لـ”حقبة الإرهاب”، ووصف أردوغان “القرار بالمهمّ” الذي سيعزّز “أمن البلاد وسلام المنطقة والأخوّة الأبدية لأبناء الجمهورية التركية”، وقال: “مع خروج الإرهاب والعنف من المعادلة، ستُفتح أبواب مرحلة جديدة في كلّ المجالات، في مقدمتها تعزيز القدرات الديمقراطية للعمل السياسي”، بينما عدّ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الخطوة بأنها تمثّل “مرحلة تاريخية ومشجّعة”.

وذكر قادة ونواب أتراك أنهم سيبدأون بخطوات عملية لتحقيق السلام، أوّلها تشكيل لجنة برلمانية تضمّ القوى الرئيسية، وظيفتها تهيئة المتطلّبات القانونية والدستورية لتحقيق السلام. والتقى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش بممثّلي الأحزاب السياسية، ودعاهم لتقديم مقترحات مكتوبة بشأن اللجنة التي ستتولّى “بناء الأرضية القانونية لخطوات عمليّة السلام”.

لكنّ الترحيب التركي لم يبدّد مخاوف الجانبين الكردي والتركي بشأن فرص السلام الحقيقية، نتيجة التشكيك في توفر متطلّباته الأساسية، وفرص تطبيق قرار حلّ pkk وتأثيراته الداخلية والإقليمية، فهل يشمل الحلّ كلّ أجنحة الحزب خارج الحدود التركية في العراق وسوريا وإيران، خاصّة في ظلّ سنوات طويلة من زرع أيديولوجيته القومية لدى شرائح كردية غير صغيرة؟

فكيف ستستجيب القوى المحسوبة على “العمّال”، التي تحمل عناوين وأسماء مختلفة، مثل حزب “الحياة الحرّة” في إيران، و”وحدات حماية الشعب” في سوريا التي تُعدّ جزءاً من “قوّات سوريا الديمقراطية” التي تقود مناطق شمال شرق سوريا، والتي تدعو إلى اللا مركزية أو الفيدرالية، و”وحدات مقاومة سنجار”، والجماعات المسلّحة الأخرى الموجودة داخل الأراضي العراقية؟

ورغم إعلان الحزب حلّ نفسه رسمياً، ما زال مصير أعضائه وهم بالآلاف غير واضح، فالمجتمع التركي الذي غُذيَ طوال عقود بالفكر اليميني القومي المتطرّف، بما فيه أن عناصر حزب “العمّال” هم “إرهابيون انفصاليون لا يستحقّون غير الموت”، لا يمكن أن يتقبّل بسهولة إصدار عفو عامّ عنهم، فيما ليس من السهل اعتماد خيار الرحيل إلى بلدان أخرى، في وقت تشير تقديرات صحافية إلى أن الحزب يضمّ نحو 60 ألف شخص ما بين مقاتل ومتعاون ومؤيّد.

كما أنه من غير الواضح هل معنى إنهاء العمل المسلّح، هو تسليم الحزب أسلحته؟ وكيف سيتمّ ذلك وأين؟ وهل سيعمل الحزب على إخلاء معقله الرئيسي في جبال قنديل، الذي بقي سدّاً منيعاً طيلة سنوات النزاع المسلّح؟ ومن سيقوم بسدّ الفراغ هناك، قوّات عراقية، أم تركية أم إيرانية؟

يقول باحثون كرد، إن المتغيّرات الإستراتيجية الإقليمية تتطلّب تحرّكاً بمسار مختلف من قبل “الدولة العميقة” في تركيا، التي يمثّلها فعلياً حزب “الحركة القومية” التركي بقيادة دولت بهتشلي، في مقابل تنازلات يقدّمها “العمّال الكردستاني”، تُفضي إلى حلّ النزاع المتولّد نتيجة التمييز القومي، وعدم المساواة بين مكوّنات تركيا المختلفة، وإن التحدّيات تفرض إعطاء “العمّال الكردستاني” الصبغة السياسية للعمل في تركيا (تحت مسمّى جديد) استباقاً للتحوّلات الإقليمية.

ترحيب عراقي ودولي

رحّبت الولايات المتّحدة الأمريكية، التي تصنّف حزب “العمّال” كمنظمة إرهابية منذ العام 1997، بإطلاق مبادرة السلام الجديدة، ووصفت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الأميركية فكتوريا نولاند، الخطوة بالإيجابية، وقالت إن إعلان وقف إطلاق النار يمكن أن يساعد في إنهاء “العنف المأساوي المستمرّ منذ أكثر من ثلاثة عقود في تركيا”، وإن “تحقيق الحلّ السلمي سيعزّز الديمقراطية، ويحسّن حياة جميع المواطنين الأتراك”.

ورحّب المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس بخطوة السلام الجديدة ، وقال إنها تمثّل “فرصة للتغلّب على الصراع العنيف، وتحقيق تطوّر سلمي دائم للقضيّة الكردية”، وإن هناك حاجة لاتّخاذ مزيد من الخطوات لإيجاد حلّ قابل للتطبيق، و”يتضمّن هذا احترام الحقوق الثقافية والديمقراطية وضمانها للكرد في تركيا”.

كما رحّب العراق بقرار “العمّال الكردستاني”، الذي يصنَّف كحزب محظور منذ العام 2024، وقالت الخارجية العراقية في بيان، إن قرار “الكردستاني” بحلّ نفسه ووقف الصراع المسلّح والتخلّي عن السلاح “خطوة إيجابية مهمّة تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العراق والمنطقة”، وإن هذا الإعلان “يمثّل فرصة حقيقية لدفع جهود السلام قُدماً وإنهاء النزاعات الممتدّة، التي ألقت بظلالها على شعوب المنطقة لعقود”.

وأكّدت الخارجية العراقية أن هذا التطوّر “يشكّل مدخلاً طبيعياً لإعادة النظر في الذرائع والمبرّرات، التي طالما استُخدمت لتبرير وجود قوّات أجنبية على الأراضي العراقية”.

ويأتي الترحيب العراقي، على أساس إنهاء المبرّرات التركية في احتلال أراضيه، بحجّة مواجهة إرهاب حزب “العمّال الكردستاني”، التي وصلت الى عمق 30 كلم على طول الحدود التركية العراقية.

وينتقد نشطاء عراقيون ضعف موقف حكومة بلادهم من التوغّلات التركية، وتغاضيها عن قيام أنقرة بإنشاء نحو 70 قاعدة عسكرية ومركز ونقطة مراقبة أمنية داخل أراضيه، مبيّنة أن على العراق مواجهة التوغّل التركي بحزم أكبر، من خلال الضغط بأوراقه الدبلوماسية إلى جانب الاقتصادية، وعلى رأسها التبادل التجاري الذي يقارب الـ 20 مليار دولار سنوياً.

فشل ثلاث مبادرات سابقة للسلام

قبل إعلان بدء مبادرة السلام الأخيرة بين أنقرة و”العمّال الكردستاني”، جرت ثلاث محاولات سابقة لحلّ القضية الكردية في تركيا سلمياً، كانت الأولى في العام 1993، والثانية قبل اعتقال أوجلان في العام 1999، بينما المبادرة الثالثة جرت في العام 2013، إلا أن جميعها باءت بالفشل، فهل تكتب للمحاولة الرابعة النجاح؟

يقول الناشط والكاتب السياسي المقرّب من “العمّال الكردستاني” محمد أرسلان، إن أوجلان يريد أن يبدأ مرحلة جديدة من “النضال الكردي” لاستحصال حقوقه، أساسها التحوّل من العمل المسلّح إلى العمل السياسي في ظلّ مجتمع ديمقراطي، مبيّناً أن ذلك يأتي كنتيجة موضوعية للتطوّرات المتلاحقة في تركيا، مستبعداً أن يكون التقارب بين الطرفين هو نتيجة مباشرة للمستجدّات في المنطقة، رغم عدم نفيه تأثير المتغيّرات الإقليمية والدولية على إطلاق هذه المبادرة ونتائجها.

وعن احتمالية فشل المحاولة الرابعة للسلام كما فشلت المحاولات  السابقة، يشير أرسلان إلى أن المبادرة الرابعة تختلف عن سابقاتها، من جهة إشراك معظم الأحزاب السياسية داخل البرلمان التركي، بالإضافة إلى أطراف كردية في إقليم كردستان، مثل رئيس الحزب “الديمقراطي الكردستاني” مسعود بارزاني، ورئيس “الاتّحاد الوطني الكردستاني” بافل طالباني، وأكّدت هذه الجهات ضرورة حلّ القضيّة الكردية سلمياً في تركيا، واصفاً مشاركة تلك الأطراف بنوع من “الضمان” قد يُجبر الجميع على عدم التنصّل من مضمونها كما حدث سابقاً.

وكان “العمّال الكردستاني” خلال العقود الأربعة الأخيرة قد شارك في أربعة “مبادرة ومفاوضات سلام”. جرت الأولى في العام 1993 في زمن حكومة توركت أوزال، ولعب حينها الرئيس العراقي الأسبق جلال الطالباني دور الوسيط بين الطرفين، لكنّ المبادرة لم تكتمل بعد وفاة أوزال في ظروف غامضة، واتّهمت أوساط كردية “الدولة العميقة” بقتله لإنهاء عمليّة السلام، التي لم تكن في صالح جنرالات العسكر، والمحاولة الثانية في العام 1998 في زمن حكومة نجم الدين أربكان، وقام حينها “العمّال الكردستاني” بوقف القتال من جانب واحد، والثالثة في زمن حكومة رجب طيب أردوغان في العام 2013، وتقدّمت حينها المفاوضات بشكل جيّد، وجرى سحب مقاتلي “العمّال” من تركيا إلى شمال العراق قبل أن تنهار في العام 2015.

يؤكّد أرسلان، أن “العمّال الكردستاني” استجاب لنداء زعيمه الأخير، وأبدى من خلال إعلان حلّ الحزب حسن نيّته، وجاء الدور على الجانب التركي، بأن يُظهر مصداقيته من خلال تهيئة الأرضية القانونية التي تبدأ بسنّ البرلمان التركي القوانين اللازمة، لتحقيق متطلّبات السلام، وإنهاء الصراع المسلّح، والانتقال إلى العمل السياسي، إلى جانب الإفراج عن آلاف المعتقلين من أعضاء الحزب وفي مقدّمتهم أوجلان.

وينبّه: “من دون المضيّ في تنفيذ هذه الخطوات لن يتحقّق السلام، وسيبقى الجميع عالقين في الحرب، مع عدم قدرة تركيا القضاء على العمّال الكردستاني”.

ويعلّق أرسلان على تردّد “الكردستاني” في نزع سلاحه فعلياً، والاكتفاء بإعلان إنهاء عمله المسلّح إلى جانب القيام بخطوات رمزية لتدمير السلاح، بأن نزع السلاح بشكل كامل غير وارد في الفترة الحالية، مع غياب الثقة بين الكرد والدولة التركية، لا سيّما وأن الأخيرة لم تُطبّق أي خطوة على الأرض، متوقّعاً أن تستغرق مسألة تسليم السلاح فترة طويلة، وتتطلّب إجراءات معقّدة.

ويشير إلى أن الخطاب الإعلامي التركي في عمومه، ما زال كما هو ولم يتغيّر، وهو ما يعقّد الحلول، فهو يروّج لفكرة “انتصار النظام التركي على pkk، الذي استسلم بعدما بات ضعيفاً”، في إطار الاستثمار السياسي والانتخابي الذي يحتاجه الرئيس التركي.

ويرى مقرّبون من حزب “العمّال” أن موقف الحزب واضح من عدم تسليم سلاحه حالياً، خاصّة مع استمرار الهجمات التركية على مواقعه، وأن غالبية عناصر “العمّال” سيبقون مع أسلحتهم في أماكنهم في الجبال، ومنها قنديل، وعلى الحدود مع تركيا.

يقول أرسلان إن “نزع السلاح وتسليمه مرتبط بعدّة خطوات يجب أن تقوم بها تركيا، أبرزها السماح للكرد بمن فيهم مؤيّدو العمّال الكردستاني بالقيام بالأنشطة السياسية داخل تركيا، وعدم اعتقالهم على أساس خلفيّتهم السياسية وميولهم القومية”.

الوحدات المقاتلة الكردية السورية

يرى الكاتب الكردي السوري عبدالحليم سليمان، أن مبادرة السلام الجديدة بين النظام التركي وحزب “العمّال”، تأتي استكمالاً للمتغيّرات الاستراتيجية التي تمرّ بها المنطقة، والتي أعقبت هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، التي شملت الحرب الإسرائيلية في لبنان، ومقتل زعيم “حزب الله” حسن نصر الله، وتدمير بنية الحزب التنظيمية والعسكرية، ثم إسقاط نظام الأسد في سوريا، وتدمير أذرع إيران في المنطقة.

ويؤكّد أن تلك المتغيّرات تنعكس على الخارطة الجيوسياسية السورية “إن لم يتمثّل ذلك بتغيير الحدود، فسيكون بتغيير خارطة النفوذ والقوى المهيمنة”.

ويقول: “أُخرجت المنطقة من سطوة الهيمنة الإيرانية، وأصبحت تحت النفوذ الغربي – الأميركي، والإسرائيلي تحديداً، وهنا تكون من مصلحة طرفيّ الصراع (العمّال وتركيا) أن يتصالحا بدلاً من أن يكونا ضحايا التغييرات الأخيرة”، مشيراً إلى أن تركيا تعلم حجم الكرد وثقلهم على أراضيها (يمثّلون نحو 20% من سكّان تركيا البالغ عددهم 85 مليون) وتعرف تأثير “العمّال الكردستاني” على مواقف الكرد هناك.

والتفاهم المحتمل بين الطرفين سينعكس إيجاباً على المناطق الكردية في سوريا، بحسب سليمان، حيث كان مصدر التهديد الأوّل للكرد في سوريا وإقليم الإدارة الذاتية هناك، يأتي من تركيا التي شنّت عمليّتين عسكريتين كبيرتين في السنوات الماضية ضدّ الكرد، وسيطرت على مناطق كردية (عفرين، ورأس العين وتل أبيض) ودفعت إلى تهجير مئات الآلاف من سكّانها، واستخدمت الفصائل السورية المسلّحة للتنكيل بمن بقي منهم.

كان الهدف التركي حينها ضرب الإدارة الكردية وإنهاء وجودها، بحجّة أنها تشكّل تهديداً لأمن تركيا، لأنها خاضعة لقرارات حزب “العمّال الكردستاني”، ولا تمثّل إرادة كرد سوريا.

يقول سليمان: “مع إعلان عمليّة السلام تراجع التهديد التركي إلى أدنى مستوياته، وهذا يعكس تأثير أي اتّفاق سلام تركي على واقع المناطق الكردية في سوريا”.

رغم ذلك يقول الكاتب الكردي، إن خطوات حزب “العمّال الكردستاني” المعلنة، بما فيها إلقاء السلاح، مسألة مرتبطة بمقاتلي قنديل وتفاهماتهم مع أنقرة، ولا علاقة لها بالقوّات الكردية في سوريا، موضحاً: “الكرد في سوريا لن يسلّموا أو يلقوا سلاحهم، وهم غير معنيّين بقرار العمّال… قوّات سوريا الديمقراطية تنظيم سوري، ولد من رحم الصراع السوري، وتشكّل لحماية المناطق الكردية داخل الحدود السورية، وعمل على مكافحة داعش، وأصبح جزءاً من التحالف الدولي”.

وكان عدد من كبار القادة الأتراك، قد طالبوا بأن لا ينحصر قرار إنهاء العمل المسلّح وإلقاء السلاح، بحزب “العمّال الكردستاني” فقط، بل يشمل “كلّ أجنحته المسلّحة، من ضمنها قسد وقوّات حماية الشعب الكردية في سوريا”.

يعلّق سليمان على ذلك: “وفق الاتّفاق الموقّع بين مظلوم عبدي قائد قسد والرئيس السوري أحمد الشرع، تلك القوّات ستصبح جزءاً من المنظومة الدفاعية للبلاد، لذا فإن مسألة تسليم السلاح كما تريده أنقرة مستحيلة حالياً، وفي حال حصولها مستقبلاً، فستكون من خلال شروط وضمانات رسمية تسمح للكرد بأن يكونوا جزءاً من الحراك السياسي، وجزءاً من الدولة السورية. قسد تريد وضعاً لها يشبه وضع البيشمركة داخل منظومة الدفاع العراقية”.

ويُبدي الكاتب السوري تفاؤله بحصول انعكاسات إيجابية على كرد سوريا عموماً، ووضعهم القانوني والأمني في حال إحلال السلام بين قنديل وأنقرة، خاصّة لِما للأخيرة من تأثير على الجولاني والفصائل السورية المسلّحة.

الرؤية التركية… انفتاح على أساس المواطنة

يرى محمد رقيب أوغلو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ماردين أرتوقلو، أن الدولة التركية أظهرت في السنوات الماضية استعداداً متزايداً لاتّخاذ خطوات تجاه الاعتراف بالهوّية الكردية، من خلال اعتماد جملة من السياسات العامّة تمثّل إقراراً ببعض المطالب الكردية “فأنشأت مثلاً قناة تلفزيونية وإذاعية باللغة الكردية تحت مظلّة هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) وأزالت التمييز المجتمعي ضدّ استخدام اللغة الكردية في المجال العامّ، ووسّعت الاستثمارات بالبنية التحتية في المناطق ذات الغالبية الكردية، بما فيها إنشاء مطارات وجامعات ومراكز خدمية، وهذا يمثّل تغيّر نوعي مقارنة بالعقود الماضية”.

يلفت الباحث التركي، إلى أنه ومنذ تأسيس الجمهورية، تُعدّ حكومة الرئيس أردوغان من أكثر الحكومات التي حاولت مقاربة المسألة الكردية من منظور الحقوق والمواطنة، وفي المرحلة المقبلة ومن خلال عمليّة السلام “قد يُفتح المجال أمام خطوات أوسع، مثل الاعتراف بحقّ التعليم باللغة الأم (الكردية) وربما الذهاب نحو الاعتذار الرسمي عن بعض السياسات الخاطئة التي ارتُكبت في الماضي بحقّ الكرد”.

وبشأن جدّية حلّ حزب “العمّال” وإلقاء السلاح، يقول أوغلو: “إن عمليّة تسليم السلاح الحالية تبدو أكثر جدّية مقارنة بالمرّات السابقة، وذلك بالنظر إلى السياق الإقليمي والداخلي المتغيّر، أما توقيت ذلك وآليته فما زالتا غير واضحتين، وربما من الأفضل ألّا تُعلن التفاصيل حفاظاً على سلامة المسار”.

ويُرجّح أن تستغرق العمليّة وقتاً أطول في ظلّ تعقيدات المشهد السياسي والأمني، مشدّدا على ضرورة أن تتّجه الدولة “نحو إنهاء هذا الملفّ بصورة شاملة، وتحويله من عبء أمني إلى فرصة للاندماج الوطني والاستقرار المستدام، خاصّة في إطار قرن تركيا”.

ويبدو أن القادة الأتراك أكثر جدّية لإنجاح عمليّة السلام الجديدة، خاصّة مع التحدّيات الإقليمية والحديث المتكرّر عن خرائط جديدة تُرسَم في الشرق الأوسط، وهو ما يتطلّب تعاوناً اقليمياً في ظلّ تشابك علاقات حزب “العمّال الكردستاني”.

الحاجة إلى التعاون دفعت إبراهيم كالين رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي (MİT) إلى زيارة أربيل في الأوّل من تمّوز/ يوليو، وبحث مجريات عمليّة السلام مع قيادات الحزب “الديمقراطي الكردستاني”، وعلى رأسهم رئيس الحزب مسعود بارزاني، ونائب رئيس حكومة الإقليم القيادي في “الاتّحاد الوطني” قوباد طالباني، حيث يُتوقّع أن تلعب تلك الشخصيّات دوراً في بعض خطوات عمليّة السلام.

خلال لقاءاته أكّد كالين تكثيف التواصل والتنسيق مع بغداد وأربيل خلال الفترة المقبلة، لإنهاء “العنف والحرب في المنطقة”.

أردوغان يوظّف الكرد لانتخابات 2028

يرى باحثون أتراك أن سعي التحالف الحاكم في تركيا والمتمثّل بحزب “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية”، إلى طي صفحة الصراع مع حزب “العمّال الكردستاني”، يأتي كضرورة لا غنى عنها في ظلّ تحدّيات داخلية، تتمثّل بصعود حزب “الشعب الجمهوري” في نتائج استطلاعات الرأي، وتفوّقه في بعضها على حزب “العدالة” لأوّل مرّة منذ أكثر من 20 عاماً، ما يفرض حاجتهم إلى التحالف مع الكرد من أجل ضمان عدم خسارتهم السلطة، ويتّفق مع هذا الرأي مدير المركز الكردي للدراسات في ألمانيا نوّاف خليل.

ويقول مسؤولون في حزب “الشعب الجمهوري” إن قيام الرئيس التركي بملاحقة رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو قضائياً بعدّة تهم، جاءت في إطار إضعاف قوّة الحزب ومنع أبرز قادته من الترشّح، وهو تصعيد سياسي ومواجهة غير محسومة العواقب، خاصّة في ظلّ احتمال إجراء انتخابات مبكرة، بدلاً من الانتظار موعدها المقرّر في 2028.

كما أن تغيير الدستور التركي، وهو أمر يقرّ بضرورته كلّ الأحزاب التركية لأسباب مختلفة، ويريده حزب “العدالة” لأنه سيسمح له بإعادة ترشيح زعيمه رجب طيب أردوغان مرّة أخرى (الدستور الحالي يسمح للرئيس بولايتين فقط) يتطلّب أيضاً تأييداً من النوّاب الكرد في البرلمان التركي من أجل تمرير بنوده الخلافية.

نوّاف خليل يرى أن لا رابح في الصراع الدائر بين أنقرة و”العمّال الكردستاني” منذ عقود “هو مثل الحرب الإيرانية العراقية، والحرب الأهلية في لبنان، لن يكون فيه طرف رابح على حساب الآخر الخاسر، سيظلّ الأمر في حالة من التوازن، فإما الاثنين رابحين وإما خاسرين”.

ويقول: “أنفقت تركيا نحو 2 تريليون دولار في حربها مع العمّال الكردستاني، كانت يمكن أن تغيّر وجه تركيا بالكامل، وبعد 40 عاماً لا يمكنك القول من المنتصر ومن الخاسر”، مذكّراً بالمسار التاريخي لتطوّر العمل السياسي الكردي: “حينما دخلوا أوّل مرّة في الانتخابات البرلمانية كان هناك ثمانية أعضاء كرد، وفي الانتخابات الأخيرة حصل الحزب الذي يمثّلهم على ثمانين مقعداً، وأكثر من 13 في المائة من أصوات الناخبين”.

ويشير نوّاف إلى أن عمليّة السلام هذه المرّة فرصها للنجاح أكبر، كونها مدعومة من رئيس الحزب الحاكم وكذلك من الدولة العميقة، التي يمثّلها دولت باغجلي ولا اعتراض عليها من حزب “الشعب الجمهوري”.

ويختم مدير “المركز الكردي” بإستحالة أن تصبح تركيا دولة ديمقراطية، من دون أن يكون الكرد فيها شركاء أساسيين ومواطنين أصليين كاملي الحقوق. لا يمكن أن يكون مقبولاً الاعتراف بوجود قومية واحدة، استناداً إلى المادّة 66 من الدستور التي تقرّ بأن “كلّ من يعيش في تركيا فهو تركي”.

“بشرط أن تُدار العملية من قبل أوجلان“

إنهاء الصراع التركي الكردي وإحياء السلام، بات أمراً جوهرياً، هذا ما يتردّد في الأروقة السياسية التركية، لاعتبارات تتعلّق بمصالح القوى الحاكمة في تركيا، ولأسباب أعمق ترتبط بتداعيات التمدّد الاسرائيلي في المنطقة، وتأثير الصراع الإقليمي على الداخل التركي المهدّد في وحدته، وهو ما لم يخفه زعيم “الحركة القومية” التركية بقوله “تركيا هي الهدف الأخير”.

وفق تلك الرؤية المتطلّعة لفتح صفحة جديدة في تاريخ تركيا، ناقش مؤتمر “العمّال الكردستاني”، بحسب منظّميه “مشروع القرار” الخاصّ بـ”الوجود التنظيمي لحزب العمّال الكردستاني وطريقة الكفاح المسلّح”، بناء على رسالة أوجلان المطالبة بالانخراط في عمليّة سلام جديدة، واتّخذ الحزب قراره بـ”حلّ الهيكل التنظيمي لحزب العمّال الكردستاني، وإنهاء أسلوب العمل المسلّح، ووقف جميع الأنشطة التي تتمّ باسم الحزب”، كون ذلك يمهّد الطريق “للسلام الدائم والحلّ الديمقراطي”.

لكنّ الحزب ذكر في بيانه الختامي، أن ذلك “يتطلّب إدارة أوجلان للعمليّة وتوجيهها، والاعتراف بالحقّ في السياسة الديمقراطية، ومنح الضمانة القانونية المتينة والكاملة”، مؤكّداً أهمّية أن يلعب البرلمان التركي “دوره بمسؤوليّة تاريخية”.

في مطلع تمّوز/ يوليو قال مصطفى قرسو عضو المجلس التنفيذي لـ”منظومة المجتمع الديمقراطي” إنه رغم الخطوات المعلنة من قِبلنا تتواصل هجمات الجيش التركي على مواقعنا “هذا يعني أن هناك شريحة في تركيا تريد تعطيل عمليّة السلام، وهنا من حقّ المقاتلين الدفاع عن أنفسهم”. 

وأضاف: “نحن قمنا بما توجّب علينا، عقدنا المؤتمر واتّخذنا قرار الحلّ وإنهاء الكفاح المسلّح، والآن على الحكومة أن تقوم بخطواتها، فإذا أرادت إنجاح عمليّة السلام، فعليها أن تغيّر أفكارها وسياساتها، وأن تكون هناك مواقف ومفاهيم جديدة”.

وفق ذلك، بات نجاح عمليّة السلام الأخيرة، وفق رؤية الكردستاني، مرهوناً بجدّية تركيا في تغيير منهجها الفكري والسياسي، وفي مدى استعدادها لتلبية المطالب الكردية، بدءاً بتشكيل لجنة فاعلة داخل البرلمان لتحديد آليات العمل، ومروراً باتّخاذ الإجراءات القانونية التي تُضفي إلى الإفراج عن آلاف المعتقلين السياسيين الكرد، وانتهاء بتعديل الدستور بما يضمن الاعتراف بالوجود الكردي، ويحقّق المساواة في الحقوق.

دون ذلك سيظلّ حزب “العمّال الكردستاني” ككيان، قائماً، وتظلّ تنظيماته المسلّحة حاضرة، وأجنحته السياسية والعسكرية تعمل بكلّ ما تحمله من أثر، ليس في الداخل التركي فحسب، بل السوري والعراقي والإيراني كذلك. تؤكّد ذلك حرب الأيّام الاثني عشر بين إيران واسرائيل، إذ كانت الكثير من الأعين معلّقة على ما سيقوله ويفعله حزب “الحياة الحرّة” الكردي الإيراني الذي يصنَّف كجناح لحزب “العمّال”.

أُنجز التقرير تحت إشراف “الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية/ نيريج”.

– صحافي كردي عراقي

درج

————————————

اتفاق الشرع- عبدي يواجه خطر الانهيار/ بيسان خلف

أربعة أشهر مرت على الاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، في آذار الماضي، ولم تتضح ملامح آلية تنفيذ الاتفاق، وسط مخاوف من تعثر بنود الاتفاقية.

وتتصاعد المخاوف من فشل الاتفاق، مع تصعيد الخطاب على وسائل الإعلام الرسمية التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، وللحكومة السورية، وحملات الاعتقال، التي كان آخرها اعتقال الصحفي والكاتب حسن ظاظا، عضو المجلس العام لاتحاد الإعلام الحر في شمال شرقي سوريا، والانتهاكات التي يرتكبها عناصر من “قسد” في دير الزور، وفقًا لرصد أجراه مراسل عنب بلدي هناك.

وخلال مؤتمر صحفي حضرته عنب بلدي، قال محافظ دير الزور، غسان السيد أحمد، إنه يوجد في دير الزور ثلاث فرق عسكرية جاهزة ومستنفرة لأي عدوان من قبل “قسد”، وفي حال فشل التفاوض مع “قسد”، فإن الفرق العسكرية جاهزة لعمل عسكري.

في حين أعرب حزب “الاتحاد الديمقراطي” في “الإدارة الذاتية”، في بيان نشره مطلع تموز الحالي، عن قلقه إزاء ما وصفه بـ”التصعيد الأمني الخطير” في العاصمة دمشق، من حملات اعتقالات طالت ناشطين كردًا في حي ركن الدين، ووادي المشاريع، منها اعتقال عبد الرحمن فرحان الناشط في حزب “الاتحاد الديمقراطي”.

حاولت عنب بلدي التواصل مع رئيس جهاز الاستخبارات السورية للسؤال عن مصير الاتفاق، وما إذا كان هناك تعثر في تنفيذ بنوده، ولم تتلقَّ إجابة حتى كتابة هذا التقرير.

وجهات نظر متباعدة

حول مصير الاتفاق في ظل تأخر تنفيذ بنوده، قال المحلل السياسي حسن النيفي، لعنب بلدي، إن اتفاق 10 من آذار بين الحكومة السورية و”قسد”، أُبرم ليس نتيجة لتوافق كامل في وجهات النظر بين الطرفين، بل نتيجة لدفع دولي، وتحديدًا أمريكي– فرنسي، ما يجسد رغبة المجتمع الدولي في إيجاد مخرج مناسب لكيان “قسد”.

وأضاف أن الأطراف الدولية ارتأت أن اندماج “قسد” في الدولة السورية من شأنه أن يُجنب سوريا الانقسام والتشظي من جهة، وكذلك يحفظ اعتبارًا معنويًا لـ”قسد” من جهة أخرى، ولذلك جاء الاتفاق حول بنود عريضة تجسّد أهدافًا عامة، ولكن الدخول في التفاصيل سينطوي على عقبات كثيرة، وهذا ما حدث بالفعل.

وجهات النظر بين “قسد” والحكومة لا تزال متباعدة لسببين رئيسين، بحسب النيفي، أولهما تمسك “قسد” بهيكلها العسكري حيال اندماجها بوزارة الدفاع السورية، فضلًا عن مطلبها الحفاظ على تموضعها في المناطق التي تسيطر عليها للحفاظ على جميع المكاسب التي بيدها.

كما أن توجه “قسد” المطالب بلامركزية سياسية ترى فيها الحكومة السورية تمهيدًا لإنشاء كيان كردي خارج إطار الدولة السورية، وهذا ما لا توافق عليه الحكومة المركزية في دمشق.

وأوضح النيفي أن الخلافات تنامت بعد صدور الوثيقة عن مؤتمر القوى الكردية الذي انعقد في القامشلي في نيسان الماضي، إذ إن الوثيقة تحمل سقفًا عاليًا من المطالب من وجهة نظر حكومة دمشق، وعلى إثر ذلك برزت ردود فعل من الطرفين تؤكد عمق الخلافات.

المؤشرات الراهنة تؤكد رغبة الحكومة السورية بتحاشي صدام مسلح مع “قسد”، وهناك رغبة في المضي نحو الحوار بغية الوصول إلى حلول ترضي الطرفين، ولكن من غير المعروف كم ستصمد هذه الاستراتيجية، واللجوء للحل العسكري سيكون الخيار الأخير للحكومة السورية، لكنه مشروط بموافقة إقليمية ودولية، وخاصة من الجانب الأمريكي الذي لا يزال يجسد مظلة عسكرية لـ”قسد”، وفقًا للنيفي.

الاتفاق يتجه نحو الانهيار

الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، يرى أن عامل الوقت هو مؤشر سلبي على مصير الاتفاق الذي تتناقص فرص تنفيذه، ونظريًا لا يزال الاتفاق قائمًا بين الطرفين، لكنه يتوجه بشكل متسارع نحو الانهيار الذي سيدفع باتجاه دخول الطرفين في نزاع عسكري سيستلزم غالبًا تدخل أطراف دولية لإنهائه.

وقال شواخ خلال حديثه لعنب بلدي، إن التغير في طريقة التعاطي الإعلامي والأمني والسياسي من جانب الحكومة السورية مع ملف “قسد”، جاء كرد فعل على طريقة تفاعل “قسد” السلبية وتعطيلها لتنفيذ بنود الاتفاق، الأمر الذي يؤكد احتمالية توجه الطرفين لاقتتال عسكري.

وأضاف أن جميع المشاريع والتصريحات الصادرة عن “الإدارة الذاتية” أو “مجلس سوريا الديمقراطية أو حزب “الاتحاد الديمقراطي” بعد توقيع الاتفاق لا تحظى بأي دعم أو غطاء شرعي محلي أو دولي، لأن معظمها تتعارض مع بنود الاتفاق الذي تم توقيعه بدعم وتوافق دولي.

مطالب “قسد” ورؤيتها لمستقبل سوريا ورغبة جميع الأطراف بتمرير الاتفاق وتنفيذه بوقته المحدد قد تخلق هامشًا محدودًا للتفاوض بين “الإدارة الذاتية” والحكومة السورية، لإجراء تعديلات محدودة في سوريا الجديدة دون المساس بشكل الدولة أو نظام الحكم الجديد، وفقًا لشواخ.

ومن المرجح أن تشهد مناطق الجزيرة السورية تصعيدًا أمنيًا أو عسكريًا، كدرجة ثانية من التصعيد الإعلامي، لكن سيبقى العمل العسكري محدودًا ضمن مناطق خطوط الاشتباك الواقعة على طول نهر الفرات، بهدف الضغط على “قسد” أو الأطراف المعطلة للاتفاق ضمن مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، بحسب شواخ.

تصعيد من أجل الضغط

يرى الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، أن مصير الاتفاق مرتبط بما تم الاتفاق عليه من قبل الطرفين، ولن تتم الاستجابة للاتفاق بشكل كامل، لكن ستصل الأطراف إلى حل وسط، إذ إن هناك خطوطًا عامة يجب تحقيقها، كسيطرة الحكومة على كامل الجغرافيا السورية، أما باقي الخلافات فهي “تكتيكية وبسيطة” كإدارة المنطقة التي توجد فيها “قسد” وإشراكها في مؤسسات الدولة.

ويعتقد علاوي، خلال حديثه لعنب بلدي، أن الخطوة المقبلة هي التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي للضغط من أجل تحقيق ما تم الاتفاق عليه، ورفع الحمولة السياسية والعسكرية بهدف الضغط على “قسد”.

وقال إن هناك تعثرًا بالاتفاق، ولكنها أساليب ضغط من كلا الطرفين، كما أن الاقتتال مرتبط بالموقف الأمريكي، ففي حال انسحبت القوات الأمريكية بشكل عشوائي قبل ترتيب المنطقة، ربما نشهد اقتتالًا، ولكن بالعموم كلا الطرفين لا يريدان الاتجاه نحو الاقتتال، وفي الوقت ذاته يريدان تحقيق مكاسب قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي.

على ماذا ينص الاتفاق

خلال اللقاء الذي جرى في 10 من آذار الماضي، بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، تم الاتفاق على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.

بحسب بنود الاتفاق، فالمجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وحقوقه الدستورية.

وجرى الاتفاق على وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.

واتفق الرئيس السوري مع مظلوم عبدي على ضمان عودة جميع المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية، بالإضافة إلى دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وجميع التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.

ووفق نص الاتفاق الذي جاء في ثمانية بنود، نشرتها “رئاسة الجمهورية العربية السورية” عبر معرفاتها، تم الاتفاق على رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كل مكونات المجتمع السوري.

وتعمل وتنسق اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

عنب بلدي

————————————–

مستقبل “قسد” بين الدمج والذوبان/ مهند الكاطع

07 يوليو 2025

تشهد المحافظات الشرقية الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مرحلةً بالغة الحساسية من التحوّلات، مع اقتراب مسارات القوى الفاعلة من لحظة حاسمة في ما يتعلّق بمصير هذه القوات، التي تشكّل الذراع العسكرية الأكثر أهميةً لما تسمى “الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا”. ففي ظلّ انحسار الدعم الدولي المباشر، وتبدّل أولويات العواصم الفاعلة، وتزايد الديناميكية المحلّية والميدانية، تلوح عدة سيناريوهات في الأفق، قد تؤدّي إلى إعادة رسم خريطة القوى في الأرض في هذه المنطقة الحسّاسة من الجغرافيا السورية، قبل نهاية العام الحالي، أو مطلع عام 2026 على أبعد تقدير.

لم تكن “قسد”، منذ تأسيسها بدعم أميركي في خضمّ الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مجرّد قوة محلّية عسكرية، بل تأسّست اعتماداً على ما كان يعرف بـ”قوات حماية الشعب”، التابعة لحزب العمّال الكردستاني، التي ارتبط اسمها بانتهاكات وجرائم حرب بحسب تقارير منظمتَي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وبالتالي مثّلت “قسد”، أيديولوجياً وتنظيمياً، مشروعاً سياسياً محمولاً على تنظيرات حزب العمال الكردستاني، من دون أيّ علاقة له بالعنوان (سورية، ديمقراطية)، وبات هذا المشروع يتجه نحو الرهان على تبدّلات جيوسياسية تتيح له فرض نوع من الحكم الذاتي أو الفيدرالية في الشمال الشرقي من البلاد، وهو ما أُعلن منذ عام 2013 ثلاث مرّات على الأقلّ، في مناطق تُشكّل نحو ثلث البلاد السورية من الناحية الجغرافية، فضلاً عن أن العنصر الكردي في هذه المناطق أقليّة ديمغرافية تتركّز في النواحي الحدودية من محافظة الحسكة ومركز منطقة عين العرب. غير أن معادلة الدعم الغربي بدأت بالتآكل تدريجياً: الانسحاب الأميركي الجزئي، وتقليص التمويل، وغياب غطاء سياسي واضح للمشروع الكردي في سورية. في المقابل، نشهد عودةً تدريجيةً للدولة السورية إلى المشهد، ليس عسكرياً فقط، بل عبر آليات إدارية وسياسية، مستفيدةً من تحوّلات الرأي العام المحلّي في مناطق “قسد”، ومن حالة الإرباك السياسي التي تعيشها الأخيرة.

أخيراً، وعلى هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ناقش الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إمكانية دمج عناصر “قسد” في الجيش السوري ضمن تسوية تضمن تفكيك “التهديد الكردي” من وجهة النظر التركية، في مقابل تراجع أنقرة عن تدخّلات مباشرة في العمق السوري. هذه المبادرة طُرحتْ بعد إعلان تركيا سحب المستشارين الأتراك من المناطق الإدارية في ريف حلب الشمالي وتسليمها للإدارة السورية، وهي تعكس تبدّلاً في أولويات اللاعبين الإقليميين والدوليين، إذ لم تعد “قسد” شريكاً استراتيجياً، بل عبئاً مؤقتاً يحتاج إلى “تدوير” سياسي.

أفادت تقارير إعلامية عبرية بوجود قنوات اتصال مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، تتناول ملفّات تتجاوز الجنوب السوري إلى التفاهمات الإقليمية الأوسع. وكان الجانب السوري قد أشار إلى هذه الاتصالات بخلاف أنه أكّد أنها تجري من طريق وسطاء آخرين. ورغم حساسية هذا الملفّ، يشير مجرّد فتح باب الاتصال (ولو غير المُعلَن) إلى تحوّل استراتيجي يمكن أن يُثمر ترتيبات في مناطق الشمال الشرقي أيضاً، خصوصاً إذا ما قُدّمت ضمانات ضمنية لدمشق بشأن ملفّ “قسد” والحدود، وهي الناحية التي يبدو أن “قسد” تعلّق آمالاً عليها، تمثل نقطةً خلافيةً بين إسرائيل من جهة، ودمشق وتركيا من جهة أخرى، وإذا أردنا أن نكون دقيقين في الوصف، فليست “قسد” النقطة الخلافية، بل هي ورقة فقط، يُساوم عليها في نقاط خلافية أخرى، يبدو أنها تتجه نحو تفاهمات وطمأنات غير مُعلَنة، لكن المؤشّرات كثيرة على أنها باتجاه التهدئة، إن لم نقل الحلّ.

تعاني “قسد” من تراجع ملحوظ في التأييد الشعبي، بالرغم من أنها نجحت، بعد سقوط النظام السوري وتقدّم قوى الثورة، من حشد تأييد كردي يشمل حتى أولئك الذين كانوا على خلاف سياسي عميق مع “قسد”، نحو المجلس الوطني الكردي، فجاء ذلك من زاوية اللعب على المخاوف وتصوير الأمر قضية “وجود” للأكراد. كذلك أسهمت قيادة أربيل، عبر ضغوطها على المجلس الوطني الكردي، في الوصول إلى صيغة من توحيد الصف الكردي خلف “قسد”، لكن هذا التأييد بدأ يفقد بريقه مع تراجع الواقع الخدمي والإداري والمعيشي في المنطقة، مع الأخذ بالاعتبار كذلك البعد الديمغرافي المتمثّل بأغلبية عربية تتجاوز 90% في مناطق شرقي الفرات، ترفض إدارة “قسد”، ما خلا من بعض المستفيدين الذين تسوّقهم “قسد” جزءاً من صورة مؤيّدة لمشروعها، من دون أن تعكس الواقع. تكرّر عمليات الاعتقالات التعسفية، والاغتيالات، والتصعيد الأمني، والاحتقان المحلّي بسبب سياسات “قسد” وضعف الخدمات… كلّها مؤشّرات على هشاشة بنيتها السياسية، وتزايد قابلية انفجار شعبي ضدّها في المستقبل.

يتمثّل السيناريو الأول باندماج سياسي – عسكري لـ”قسد” في مؤسّسات الدولة السورية. ويتضمّن هذا السيناريو دمج “قسد” تدريجياً ضمن وحدات من الجيش السوري، أو قوات محلّية بإشراف الدولة، مقابل ضمانات بعدم الملاحقة، وعودة مؤسّسات الدولة إلى الرقة ودير الزور وجنوب الحسكة، ثمّ الحسكة والقامشلي. المحفزّات لذلك تشمل رغبةً أميركية في الخروج الآمن، وقبولاً تركياً بتفكيك التهديد، وضغط عربي وأوربي لإنهاء التعدد في السلطة داخل سورية. أمّا السيناريو الثاني، فيتمثّل بمواجهة عسكرية محدودة. إذا فشلت محاولات الدمج، أو لجأت قسد إلى فرض أمر واقع كما تفعل الآن، قد تبدأ الدولة السورية بتحرّك عسكري بدعم إقليمي غير مباشر. وقد تتركّز المواجهة حول الحقول النفطية ومناطق حضرية مثل الحسكة والقامشلي، مع دعم عشائري ومحلّي، وتنسيق مع التحالف الدولي وتركيا. يتمثّل السيناريو الثالث (وهو الأضعف) بتدويل الملفّ وتأجيل الحسم. يتطلّب هذا السيناريو توافقاً دولياً واسعاً وتدخلاً أممياً لفرض تسوية انتقالية في مناطق سيطرة “قسد”، وهو ما يبدو بعيد المنال حالياً، في ظلّ التقارب الأميركي السوري الخليجي.

هناك مؤشّرات على أن “قسد” ستفقد تدريجياً مشروعها السياسي، إدارةً حاولت الاستقلال عن المركز باستغلال تضارب المصالح الدولية في سورية، واللعب على المتناقضات، وربّما تندمج ضمن هيكل الدولة السورية في صيغة توافقية. الرفض الشعبي المتصاعد، والتحوّلات الإقليمية، وغياب الدعم الدولي الصريح، كلّها عوامل تقود إلى نهاية محتومة للمشروع القائم حالياً. السيناريو الأرجح هو الدمج، ولكن المواجهة المحدودة تبقى احتمالاً حقيقياً في حال فشل التفاهمات خلال الأشهر المقبلة.

ما بين سيناريو الدمج، أو المواجهة، أو التسوية الدولية، تبقى الحقيقة الراسخة أن مشروع “قسد” بصيغته الحالية يعيش أيامه الأخيرة. وفي مقابل ذلك، تستعيد الدولة السورية نفوذها تدريجياً، مدفوعةً بزخم إقليمي وشعبي ودولي لإنهاء ملفٍّ شائك طال أمده.

العربي الجديد

—————————-

 بين صورتين.. الكردي في الوعي السوري قبل وبعد الثورة/ مهند الكاطع

2025.07.02

في الذاكرة السورية، وخاصة في المناطق المختلطة كالحسكة والقامشلي وعامودا، وحتى في حلب ودمشق، لطالما ارتبطت صورة الكردي بالصدق والطيبة. لم تُبنَ هذه الصورة على دعاية أو خطاب سياسي، بل على تجارب معيشية حقيقية: في المدارس، والبيوت، والقرى، والأسواق.

الكردي كان يُرى جارًا وفيًّا وأمينًا، وعاملًا شريفًا يُتقن عمله، وشريكًا في هذا الوطن. لا شيء في وعي السوريين كان ينفّر من الكردي، بل على العكس، كان يُستحضر كشخصية إيجابية في الموروث الشعبي والوجدان العام، وكل شخص كردي يستطيع استحضار ذاكرته حين يقابل أشخاصًا من مختلف المحافظات السورية، كيف كان الاحتفاء به.

لكن بعد عام 2011، ومع صعود الخطاب القومي الكردي بشكل مختلف عن أحلام السوريين، ومع بروز التشكيلات المسلحة الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني (قسد لاحقًا)، التي قام النظام بتسليحها وتسليمها مناطق في المحافظات الشرقية وشمال سوريا، بدأت هذه الصورة تتعرض لتشويش خطير.

واليوم، تتشكل لدى شرائح واسعة من السوريين صورة جديدة – مؤلمة – تربط الكردي بالانفصال، وأنه أداة استخدمها النظام، ثم تحالفت مع خصومه، وبالتعاون مع الخارج، بما في ذلك أعداء الشعب السوري، وبإقصاء الآخر، واللجوء إلى الشتم والقذف كثقافة عامة في مواجهة المخالفين له بالرأي.

هذه الصورة – وإن كانت مجحفة ومؤلمة – ليست وليدة فراغ أو بلا جذور، بل ترتبط بسلوك سياسي وميداني واقتصادي مارسته “قسد”، ورسّخته تصريحات باقي الأحزاب الكردية، خاصة بعد إسقاط نظام الأسد، وساهم في إعادة تشكيل الوعي المشترك.

حين تُفرض رسوم جمركية على الشاحنات القادمة من دمشق ودرعا وطرطوس باتجاه الجزيرة السورية، فإن الرسالة السياسية تكون أوضح من أي بيان: أنت تدخل إلى “كيان” لا يعترف بك، رغم أنك تحمل الهوية ذاتها. هذه الرسوم ترفع الأسعار وتزيد المعاناة في مناطق تعاني أصلًا من الفقر والجفاف، لكنها أيضًا تكرّس صورة الكردي – ظلمًا – كجشِع، أو انفصالي، أو انتهازي.

وفي ممارسات أكثر حدّة، يُمنع السوري من دخول بلده من المعابر مع العراق، إلا إذا حصل على كفالة من كردي، وكأننا أمام أراضٍ أجنبية، لكن الحقيقة هي أن قوارب قسد هي التي تنتهي إلى إدارة ومنظومة أجنبية.

قبل أيام فقط، امتنعت قسد عن السماح لسوريين عائدين من أربيل بالدخول إلى المناطق التي تسيطر عليها، قائلة إن هذه “ليست أراضي سورية”.

شهادات النازحين الذين أُعيدوا إلى العراق توثّق صدمة كبيرة، بعضها موثق بالصوت والصورة. ولكم أن تتخيلوا كيف ساهمت شهادات هؤلاء في الصورة المؤلمة التي تحدثنا عنها.

لم تكن هذه الممارسات الوحيدة. نذكر جميعًا كيف تعاملت قسد مع مرحلة سقوط النظام، كيف نُشرت قناصة قسد على أسطح منازل الأحياء المتاخمة لمناطق سيطرتها في حلب، وسقط ضحايا مدنيون فقط لأنهم مرّوا في المكان الخطأ.

وفي وقائع أخرى، خُطف مدنيون لمقايضتهم مع الحكومة السورية في صفقات تبادل أسرى، وكأننا في حالة حرب بين دول، لا في داخل وطن واحد. ولن أذكّركم بمئات المعتقلين الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم في محافظات الجزيرة السورية (الحسكة، دير الزور، الرقة) لمجرد رفعهم العلم السوري وإعلانهم تأييدهم للحكومة السورية.

خطاب قومي مشوّه يُلقّن للصغار: كيف يُصنع العداء؟

لكن المسؤولية لا تقع على “قسد” فقط، بل تشمل المنظومة الأوسع للأحزاب الكردية، سواء تلك المنسّقة مع قسد، أو تلك التي تنتمي إلى أربيل أو السليمانية. هذه الأحزاب التي قررت، بعد سقوط النظام، الانتقال إلى ضفّة قسد بتوجيه من مرجعياتها خارج سوريا. وهذه الأحزاب، بدلًا من أن تقدم مراجعة نقدية لخطابها القومي بما يتناسب مع الواقع والتاريخ السوري، قررت الاستمرار في تغذية جمهورها بشعارات قومية وتاريخية لا تراعي تعقيد الواقع الجيوسياسي ولا هشاشة البنية الوطنية.

ينتهي كثير من قادتها إلى موانئ البرزاني أو الطالباني، ولا يتورعون عن تحويل الملف الكردي في سوريا إلى ورقة ضغط في صراعات داخلية أو إقليمية، من دون الاكتراث بمستقبل من تبقى من الأكراد في سوريا من جرّاء سياساتهم.

المشكلة الأعمق أن هذا الخطاب يُلقَّن منذ الطفولة، حيث يتعلم الأطفال الكرد (عبر سطوة الأحزاب) – دون سن العاشرة – حتى المغتربين منهم، بأنّ العرب محتلون، ويستحضرون سرديات مغلوطة أو مبالغًا فيها، مثل موضوع الحزام العربي وخلطه بموضوع المُغمورين، وأن أراضي الجزيرة ما هي إلا كردستان سوريا أو روجافا، وهي جزء من كردستان الكبرى، في تجاهل تام لتاريخ المنطقة وتنوعها، وحتى تاريخها السياسي الفعلي.

هذا الشحن المبكر يزرع في نفوس الأطفال تصورات عدائية وخيالية، تؤسس لوعي قومي مغلوط، قائم على وجود أعداء متخيّلين، لا جيران متشاركين في الأرض والمصير.

والحقيقة أن المجتمعات الحديثة لا تُبنى على الانقسام والتعصب، بل على التفاهم والتكامل. دول العالم اليوم تبحث عن صيغ تعاون وشراكات تتجاوز الحدود، لا عن مشاريع تفتيت وانفصال ضمن الخارطة السياسية الواحدة.

شخصيًا، أتفهم مشاعر الكرد، بمن فيهم الذين يرون فينا أعداء مفترضين لأننا لا نوافقهم السردية القومية. كذلك، أتفهم رغبتهم في الاعتزاز بهويتهم، ولغتهم، وثقافتهم، وهو أمر مشروع وطبيعي. لكن الخطأ هو في خلط هذه المشاعر مع مفاهيم مثل “حق تقرير المصير” في غير موضعها.

حق تقرير المصير نشأ كأداة قانونية للشعوب التي خضعت للاستعمار، وليس لجماعات ضمن دول ذات سيادة واستقلال. والمفارقة أن الأكراد لم يكونوا وحدهم ممن لم ينالوا دولة بعد انهيار الدولة العثمانية، بل معهم السريان، والآشوريون، والتركمان، وكثير من الشعوب والإثنيات في العالم.

نحو شراكة وطنية ومواطنة عادلة: لا انفصال ولا إقصاء

وجودهم اليوم في دول متعددة لا يُبرّر المطالبة بدولة قومية كيفما اتفق، فهذه الدعوة تتجاهل مئات السنوات من التفاعل الاجتماعي والسياسي مع شعوب ومكونات أخرى، كلها لها حق الوجود والعيش الكريم.

الحل الوحيد يكمن في بناء دولة المواطنة، التي تضمن الحقوق للجميع دون تمييز، ولا فرض لون سياسي أو لغوي على حساب الآخر.

يظل الكردي في الوجدان السوري هو ذاك الشريك في التراب، لا المتحدث باسم مشروع خارجي. وهو ذاته من يعاني اليوم من القهر، ومن التضييق، ومن تجنيد أطفاله، ومن إقصائه أحيانًا من قبل تلك الأحزاب ذاتها التي تزعم تمثيله.

الخطر الأكبر ليس في وجود مظلومية، بل في احتكار تمثيلها؛ في تحويل مسألة عادلة إلى شعار سياسي مغلق، يعزل الكردي عن محيطه، ويصنع منه غريبًا في وطنه.

ما نحتاجه اليوم ليس فقط تفنيد الروايات المتطرفة، بل إعادة بناء الذاكرة السورية المشتركة؛ أن نستعيد صورة الكردي السوري التي نعرفها: الجار، الصديق، المواطن، الذي نختلف معه أحيانًا، لكننا لا نتركه، ولا يتركنا.

ما نحتاجه خطاب جديد يقول: لسنا ضدّ الكرد، ولسنا ضدّ حقوقهم في مواطنة كاملة تضعهم على كفّة المساواة مع باقي السوريين. لكننا ضدّ مشاريع الانفصال، وضدّ تحويل سوريا إلى مقاطعات عشائرية أو إثنية أو طائفية. نحن نطالب باحترام الشراكة، ونقدّم بالمقابل احترامًا كاملًا للتنوع، والكرامة، واللغة، والهوية.

الخطر ليس فقط في أفعال “قسد” وأشباهها وخطاب الأحزاب الكردية، بل في أننا بدأنا نخلط بينها وبين الكردي السوري الحقيقي الصامت. علينا أن نقاوم هذا الخلط، ونُعيد التوازن، لا من أجل الكرد فقط، بل من أجل سوريا نفسها.

تلفزيون سوريا

————————–

 ضحايا بلا ضجيج.. من يحمي أطفال الجزيرة السورية من انتهاكات “قسد”؟/ محمود الفتيح

2025.07.05

يسقط الأطفال في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضحايا لانتهاكات متعدّدة، تتوزع بين الرصاص المباشر، والتجنيد القسري، والفلتان الأمني، من دون أن يجد ذووهم صوتاً قوياً يدافع عنهم أو جهة تُحاسب المسؤولين عن هذه الجرائم، فمنذ بداية عام 2025، شهدت مناطق الجزيرة السورية سلسلة من الجرائم المروعة، راح ضحيتها 12 طفلاً برصاص عناصر “قسد”، إلى جانب عشرات حالات الاختطاف والتجنيد الإجباري، في ظل غياب تام للمساءلة وصمت دولي لا يرقى إلى حجم الانتهاكات.

وسط واقع قاتم، يشعر الأهالي في الحسكة والرقة ومناطق الضفة الشمالية لنهر الفرات في ريف دير الزور بحالة من “الخذلان”، إذ لا يجدون من يناصر قضاياهم بالحجم الذي يرقى إلى مستوى الانتهاكات التي يتعرضون لها، سواء من قبل الحكومة السورية، أو عبر المنظمات الدولية، أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم توقيع اتفاق رسمي في 10 من آذار الماضي بين الحكومة السورية و”قسد” لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، لم يُترجم ذلك إلى أي حماية فعلية للمدنيين، ما زاد من شعورهم بالعزلة والتخلي.

تصاعد ظاهرة استهداف الأطفال برصاص “قسد”

وبلغ عدد الضحايا من الأطفال 274 طفلاً، قضوا على يد “قسد” خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 وحتى 20 من تشرين الثاني 2024، وفقاً لتوثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وشهدت محافظتا دير الزور والرقة تصاعداً في الانتهاكات بحق المدنيين، تمثلت بوقوع ضحايا من الأطفال برصاص عناصر “قسد” خلال الأيام الماضية، ما أثار موجة استياء وغضب بين السكان المحليين.

وفي 26 من حزيران الماضي، قُتل الطفل فريد الهريش في دير الزور برصاص أحد عناصر “قسد” في بلدة أبو حردوب، بعدما رفض تنفيذ أوامر تتعلق بسرقة أحد الحقول الزراعية، في حين برّرت وسائل إعلام مقربة من “قسد” الحادثة بأن العنصر كان تحت تأثير الكحول. وبعد أيام، قضى الطفل علي عباس العوني (13 عاماً)، في 2 من تموز الجاري، برصاص حاجز يتبع لـ”قسد” شمالي مدينة الرقة، في أثناء جمعه لحبوب القمح قرب الحاجز، ما أدى إلى مقتله على الفور وسط استياء شعبي واسع.

الناشط الصحفي حسن الإبراهيم، وهو من أبناء الرقة، أكّد أن “قسد” أجبرت ذوي الطفل العوني على دفنه ليلاً تحت حراسة أمنية مشددة، في محاولة لتقليل حجم ردود الفعل المحلية ومنع أي تحركات احتجاجية.

ما أسباب ازدياد عمليات استهداف المدنيين على الحواجز؟

وأوضح الإبراهيم أن “القتل على الحواجز بات ظاهرة متكررة”، مشيراً إلى حوادث مماثلة وقعت خلال حزيران، من بينها مقتل شاب قرب نقطة عسكرية في بلدة الجرنية غربي الرقة، وإصابة آخر في قرية القحطانية بعد مشادة كلامية مع عناصر أحد الحواجز.

وأرجع تصاعد هذه الحوادث إلى انتشار ظاهرة “التشليح” وفرض الإتاوات، ما يؤدي إلى احتكاكات متكررة بين السكان والعناصر الأمنية، سرعان ما تتحول إلى عنف مسلح في غياب أي نظام للمحاسبة.

شعور متزايد بالتخلي بين الأهالي

وحول موقف الأهالي، أشار الإبراهيم إلى أن “الخوف يمنع السكان من الاحتجاج”، لا سيما بعد تعرض مظاهرات سابقة لإطلاق نار مباشر. كما عبّر عن استياء واسع من صمت الإعلام المحلي والدولي، وغياب التغطية الكافية لحجم الانتهاكات، سواء من وسائل الإعلام الحكومية أو المستقلة.

وأشار إلى أن الحكومة السورية لم تصدر حتى الآن أي بيان رسمي يدين الانتهاكات، على الرغم من مسؤوليتها في حماية السكان وتوثيق الجرائم بحقهم، بما في ذلك في المناطق الخارجة عن سيطرتها، ما عزّز شعور الأهالي بأنهم تُركوا لمصيرهم دون دعم.

توثيق الانتهاكات يصطدم بقمع “قسد”

فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أوضح أن “قيادة قسد تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الانتهاكات الجارية”، لكن ذلك لا يُعفي الحكومة السورية من واجبها في حماية المدنيين.

وبيّن أن الشبكة تواظب على إرسال تقاريرها إلى الأمم المتحدة ولجان التحقيق التابعة لها، والتي تستند إلى هذه التقارير في تشكيل لجان خاصة وإصدار إدانات رسمية توثق الانتهاكات المرتكبة في سوريا.

وأكد أن لجان التحقيق الدولية تبذل جهوداً فاعلة في توثيق الانتهاكات على امتداد الجغرافيا السورية، غير أن ضعف توثيق الانتهاكات في مناطق سيطرة “قسد” لا يعود إلى تراجعها أو تقصير المنظمات، بل إلى غياب المعلومات الدقيقة نتيجة القمع الشديد الذي تمارسه “قسد” على الناشطين والحقوقيين.

اتفاقيات بلا التزام.. استمرار الاختطاف والتجـنيد قسري

لا تقتصر انتهاكات “قسد” بحق الأطفال في شمال شرقي سوريا على جرائم القتل فقط، بل يُعد اختطاف القاصرين بهدف التجنيد القسري من أبرز المخاوف التي تؤرق الأهالي، وسط اتهامات متكررة توجَّه إلى “الشبيبة الثورية” (جوانن شورشكر)، الذراع الشبابي لـ”حزب العمال الكردستاني”PKK – ، بتنفيذ هذه العمليات من دون أن تتخذ “قسد” أي إجراءات فعلية لوقفها.

ورغم توقيع “قسد” اتفاقاً مع الأمم المتحدة ينص على إنهاء جميع أشكال تجنيد الأطفال، إلا أن الواقع الميداني يعكس استمرار هذه الانتهاكات، في ظل عجز فعلي عن احتوائها. ووفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، فإن الانخراط العلني لمجموعات مثل “الشبيبة الثورية”، والارتفاع المستمر في عدد الحالات، يكشفان عن “تقاعس خطير” من جانب “قسد”.

روت إحدى الأمهات، وهي من ذوي الفتيات المختطفات، لموقع “تلفزيون سوريا”، أنها واجهت أحد كوادر “الشبيبة الثورية” مطالبةً بعودة ابنتها، مذكّرةً بالاتفاق الموقع بين مظلوم عبدي والأمم المتحدة. لكن القيادي ردّ عليها بسخرية قائلاً: “مظلوم عبدي كان قاصراً عندما انضم إلينا”.

من جهته، طالب والد أحد الأطفال المختطفين الولايات المتحدة، بصفتها الحليف والداعم الأبرز لـ”قسد”، بالتدخل للضغط على الأخيرة لتنفيذ تعهداتها، مشدداً على ضرورة فرض عقوبات على “الشبيبة الثورية” بسبب دورها في تجنيد القاصرين.

ووثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” ما لا يقل عن 701 من حالات تجنيد الأطفال على يد “قسد” منذ عام 2011 وحتى 20 من تشرين الثاني 2024. إلا أن ناشطاً حقوقياً من محافظة الحسكة ـ طلب عدم الكشف عن اسمه ـ أشار إلى أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير، موضحاً أن العديد من العائلات تتجنب التبليغ خوفاً من الانتقام، أو لأن بعض أفرادها يعملون ضمن “قسد” أو مؤسسات “الإدارة الذاتية”.

تنظيم مستقل خارج رقابة “قسد”

وأشار الناشط الحقوقي لموقع “تلفزيون سوريا” إلى أن “قسد” لا تتولى عمليات التجنيد بشكل مباشر، بل تنفذها “الشبيبة الثورية”، وهي جهة تُدار فعلياً من كوادر في “حزب العمال الكردستاني”، وتتحرك خارج سلطة “قسد” ومؤسسات “الإدارة الذاتية”.

وأضاف أن “مكتب حماية الطفل”، الذي أُنشئ سابقاً من قبل “قسد” أغلق بفعل ضغوط مارسها كوادر “حزب العمال الكردستاني”، ورأى أن هذه الانتهاكات تسببت بإحراج كبير لقيادات “قسد”، وعلى رأسهم القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي، الذي يُعد أحد المتضررين من استمرار تجنيد القاصرين، خصوصاً أنه يواجه ضغوطاً من التيار المتشدد داخل “العمال الكردستاني”.

واجهات متعددة لاستقطاب الأطفال

وينشط تنظيم “الشبيبة الثورية” تحت واجهات مدنية مختلفة، أبرزها “هيئة الشباب والرياضة”، حيث ينظم دورات حاسوب وفعاليات موسيقية ورياضية ومسابقات ثقافية، في محاولة لاستقطاب المراهقين ودمجهم تدريجياً ضمن منظومته، تمهيداً لدفعهم إلى المعسكرات، وضمان ولائهم لاحقاً عبر ضمهم إلى “وحدات حماية الشعب” أو “وحدات حماية المرأة”.

وتشير الشهادات الحقوقية إلى أن التنظيم يستغل المساحات العامة، والمدارس، والحدائق، مركّزاً على استقطاب المراهقين الذين يمرّون بخلافات مع عائلاتهم. وقد تصاعدت هذه الظاهرة بشكل واضح منذ سقوط نظام بشار الأسد في محافظة الحسكة، وأحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ومدينة عين العرب (كوباني)، وتراوحت وتيرة هذه الحالات بين حالتين إلى أربع أسبوعياً، وبلغت في بعض الفترات ثلاث حالات يومياً.

وغالباً ما يظل مصير الأطفال المجنّدين مجهولاً، إذ لا يعود معظمهم إلى عائلاتهم، بينما تُسجل حالات فرار قليلة فقط. أما الباقون، فيبقون عالقين داخل المنظومة الأمنية والعسكرية للتنظيم.

بعد توقيع اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، بدت الآمال معلّقة على تحقيق تقدم في الملفات العالقة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى تعثر مستمر، وسط صمت رسمي حول مصير الاتفاق. في المقابل، تؤكد “قسد” تمسكها ببقاء قواتها ككيان مستقل، وتُصرّ على خيار “سوريا اللامركزية”، من دون اتخاذ أي خطوات عملية لدمج مؤسساتها ضمن أجهزة الدولة.

وعلى الرغم من عقد عدة جولات تفاوضية، كان آخرها نهاية حزيران الماضي، لم يخرج الطرفان بأي تفاهم سياسي أو إداري ملموس، واقتصر ما تحقق على تمديد اتفاق استجرار النفط والغاز من حقول شمال شرقي سوريا لثلاثة أشهر إضافية، مع زيادة الكميات الموردة.

وفي تطور لافت، أعلن محافظ دير الزور، غسان السيد أحمد، خلال لقائه ناشطين وصحفيين مطلع تموز الجاري، أن ثلاث فرق عسكرية جاهزة لدخول مناطق سيطرة “قسد” إذا فشلت المفاوضات، في مؤشر واضح على بلوغ العملية التفاوضية مرحلة بالغة الحساسية واحتمال الانزلاق نحو التصعيد.

وسط هذا المشهد، يعيش سكان الجزيرة السورية حالة من الترقب والضبابية، نتيجة غياب المعلومات الموثوقة واعتمادهم على الشائعات والتلميحات الرسمية المتناثرة، ما يزيد من مشاعر الخذلان، رغم وعيهم بصعوبة الملف وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة به.

تلفزيون سوريا

—————————————–

تحولات أميركية تعيد رسم المشهد السوري: دعم الحكومة والضغط على “قسد” للاندماج

1 يوليو 2025

تشهد القضية السورية تطورات متسارعة تعكس تغيّرات جذرية في المواقف الدولية والداخلية، حيث برزت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، كإشارة واضحة إلى إعادة تموضع استراتيجي لواشنطن.

وكان باراك قد أكد، في مقابلة مع وكالة “الأناضول”، أن الحكومة السورية هي الجهة الشرعية الوحيدة التي ينبغي التعامل معها في أي مسار سياسي، داعيًا إلى حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمجها ضمن إطار الدولة السورية. ويعكس هذا التحوّل رغبة أميركية في إنهاء الانقسامات وتعزيز استقرار سوريا، في إطار رؤية إقليمية تهدف إلى التهدئة وإعادة البناء.

وفي هذا السياق، تعمل الحكومة السورية على ترجمة هذه التطورات إلى خطوات عملية من خلال الحوار الوطني، فقد عقدت اللجنة المختصة اجتماعات تنسيقية مع وفود من “قسد”، تميّزت بروح من المسؤولية المشتركة، بهدف التوصل إلى تسوية شاملة.

وتجلّت هذه الجهود في انتشار قوات الأمن العام في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وإزالة الحواجز الترابية، ما يعكس التزام دمشق بإعادة الأمن والسيطرة. لكن الانقسامات داخل قيادة “قسد” بين تيار يدعم الحل السلمي، وآخر يفضّل التصعيد، تشكل تحديًا كبيرًا أمام تنفيذ الاتفاق. ومن جهة أخرى، يبرز الدور الأميركي كعامل مؤثر في هذه المرحلة.

“قسد” بين ضغط دمشق وتخلّي واشنطن

وكشف مصدر خاص في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لموقع “الترا سوريا” أن قيادة “قسد” أبلغت جميع المسؤولين العسكريين بوجود مهلة من الحكومة السورية تمتد حتى الشهر التاسع، أيلول/سبتمبر، لتنفيذ اتفاق شامل بين الطرفين، محذّرين من أن عدم الالتزام به سيؤدي إلى فرضه بالقوة العسكرية.

وبحسب المصدر، تشهد قيادة “قسد” انقسامًا داخليًا في الموقف تجاه الاتفاق؛ حيث يؤيد طرفٌ الحلَّ السلمي وتجنّب المواجهة، بينما يدفع طرفٌ آخر نحو الخيار العسكري.

وأضاف المصدر أن مسؤولين أميركيين أبلغوا قيادة “قسد” بشكل صريح أن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو تنفيذ الاتفاق، مشيرين إلى دعم واشنطن الكامل للحكومة السورية، التي يعتبرونها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري”، مؤكدين أن الولايات المتحدة لن تتدخل لحماية مناطق “قسد” في حال تعرضها لهجوم عسكري.

وتابع المصدر قائلًا إن: “المقاتلين العرب في صفوف (قسد) سينضمون مباشرة إلى وزارة الدفاع السورية، في حين سيتم دمج العناصر الكردية، ويُقدَّر عددهم بـ10 آلاف مقاتل، ضمن تشكيل عسكري خاص يعمل كفرقة مستقلة في شرق سوريا”.

كما أشار إلى وجود خطة لتسليم مدينتي الرقة والطبقة إلى قوات الحكومة السورية في الفترة القريبة المقبلة، إلى جانب تسليم جميع حقول النفط الواقعة تحت سيطرة “قسد” خلال الأسابيع القادمة.

خطة أميركية لتمكين الإدارة السورية الجديدة

وفي حديث لـ”الترا سوريا”، قال الإعلامي السوري الأميركي أيمن عبد النور إن الولايات المتحدة تتبنى خطة تقوم على دعم النظام الحالي، وتحديدًا الإدارة السورية الجديدة، بهدف إنجاح تجربة تراها واشنطن “نموذجًا مهمًا” لإنتاج نظام إسلامي محافظ.

وأضاف عبد النور أن هذا النظام يُفترض أن يعمل ضمن حدود الجغرافيا السياسية، دون الانخراط في مشاريع أممية أو السعي لبناء أمة إسلامية عابرة للحدود. وأوضح أن واشنطن تسعى، في هذا الإطار، إلى تفكيك العقوبات المفروضة على النظام السوري، بغية إزالة أي ذرائع قد تُستخدم لتبرير فشل مستقبلي، مشيرًا إلى أن رفع القيود سيُمنح كأداة لتمكين الإدارة الجديدة من التحرك والعمل بحرية وتحقيق نجاحات ملموسة على الأرض.

هذه التطورات تفتح الباب أمام نقاش معمّق حول مستقبل سوريا وإمكانية تحقيق استقرار دائم. وفي هذا السياق، يقدّم الخبير السياسي السوري يوسف العمر رؤيته حول هذه المرحلة الحرجة، مؤكدًا أهمية الحوار الوطني والالتزام المشترك بين الأطراف لتجاوز سنوات الصراع وبناء سوريا موحّدة. ويُسلّط تحليله الضوء على التحديات والفرص التي تواجه البلاد في ظل التحولات الدولية والمحلية.

يقول يوسف العمر، وهو خبير سياسي سوري، لـ”الترا سوريا”: “إن تصريحات المبعوث الأمريكي توماس باراك تعكس تحولًا جوهريًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، حيث تتجه واشنطن نحو دعم مركزية الدولة السورية كخطوة لإنهاء الفوضى التي سادت البلاد لسنوات. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو إقرار بأن أي حل سياسي مستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التعامل مع الحكومة السورية كممثل شرعي للشعب السوري”.

وأشار إلى أن هذا الموقف يعزز فرص إعادة توحيد البلاد تحت مظلة وطنية واحدة، لافتًا إلى أن دعوة باراك لحل “قسد” ودمجها في إطار الدولة السورية تؤكد أهمية إنهاء الانقسامات العسكرية والسياسية في سوريا. لكنه أضاف أن هذا المسار لن يكون سهلًا، خاصةً مع وجود انقسامات داخل قيادة “قسد” بين تيار يفضل الحل السلمي وآخر يميل إلى المواجهة.

انقسامات “قسد” تعرقل الاتفاق.. والحكومة تمضي في فرض الواقع

وأوضح أن هذه الانقسامات قد تشكل عقبة أمام تنفيذ الاتفاق، لكن الضغوط الأمريكية والموقف الحازم من الحكومة السورية يجعلان من الصعب على “قسد” تجاهل هذا المسار، مشيرًا إلى أن الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومة السورية، مثل نشر قوات الأمن في حلب وفتح الطرق، تُظهر جدية دمشق في تحقيق المصالحة الوطنية. وهذه الخطوات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي رسائل سياسية تهدف إلى طمأنة جميع الأطراف بأن الهدف هو بناء سوريا موحدة.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب التزامًا متبادلًا من “قسد”، لا سيما فيما يتعلق بتسليم المناطق الحيوية مثل الرقة والطبقة وحقول النفط.

وأوضح أن “من المهم أن ننظر إلى الدور الأمريكي في هذا السياق بعين ناقدة. فبينما تدعم واشنطن الحكومة السورية الآن، فإن هذا الدعم مشروط بمصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك إقامة نظام محافظ يتماشى مع رؤيتها للمنطقة. وهذا يضع الحكومة السورية أمام تحدي الحفاظ على سيادتها الوطنية مع الاستفادة من رفع العقوبات لإعادة بناء البلاد. إن التوازن بين هذه العوامل سيكون حاسمًا في تحديد نجاح المرحلة القادمة”.

ويختم حديثه قائلًا: “سوريا تقف على مفترق طرق تاريخي. إن نجاح الحوار الوطني وتطبيق الاتفاق مع “قسد” يمكن أن يمهّد الطريق لاستقرار طويل الأمد، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية من جميع الأطراف. على الحكومة السورية أن تواصل نهجها الحواري مع ضمان الأمن، وعلى ‘قسد’ أن تدرك أن المستقبل يكمن في الاندماج ضمن الدولة السورية. إن هذا هو السبيل الوحيد لتجاوز سنوات الصراع وبناء سوريا جديدة، قوية وموحدة”.

الترا سوريا

——————————–

الدور الأميركي في إعادة هندسة المشهد السوري/ أغيد حجازي

5 يوليو 2025

لم تكن الولايات المتحدة، في تاريخها، قوة ناعمة خالصة. وحين يكون الرئيس دونالد ترامب هو من يوجّه دفة السياسة الخارجية، فإن هذا الواقع يزداد وضوحًا وحدّة. فالرجل الذي طالما قدّم نفسه كتاجر صفقة قبل أن يكون رجل دولة، لا ينظر إلى العلاقات الدولية إلا من زاوية الربح والخسارة. في ظل هذه المقاربة، فإن التحولات الأميركية الأخيرة في الملف السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد تفتح الباب على سلسلة من الأسئلة، أقلّها أهمية هو “لماذا الآن؟” وأكثرها تعقيدًا: “إلى أين تمضي واشنطن بدمشق؟”

تحولات لافتة في الموقف الأميركي

ما إن انهار النظام السوري السابق، حتى سارعت واشنطن إلى فتح قنوات جديدة مع السلطة الانتقالية. رفعت إدارة ترامب العقوبات، وأخرجت أسماء مسؤولين سوريين من لوائح الإرهاب، كما لو أنها كانت تحتفظ بالمفاتيح في انتظار اللحظة المناسبة للعب دور المخرج. ثم جاء اللقاء الذي لا يمكن وصفه إلا بالمفصلي، حين اجتمع ترامب مع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في الرياض، واصفًا إياه بأنه “رجل طيّب وقوي”. لم يكن التصريح مجرد مجاملة دبلوماسية، بل بدا وكأنه إشارة إلى بدء شراكة مشروطة، لا تُمنح فيها الثقة بالمجان، بل تُشترى بثمن سياسي محدد.

ذلك الثمن ظهر سريعًا في تصريحات البيت الأبيض، حيث أُعلن أن رفع العقوبات يرتبط جزئيًا بانضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة تقود بوضوح نحو تطبيع معلن مع إسرائيل، ولو على مراحل. لم يكن هذا الربط مفاجئًا لمن يقرأ السياسات الأميركية في المنطقة، لكنه حمل دلالة أن واشنطن ترى في سوريا الجديدة فرصة لاختراق آخر جدران الرفض في المشرق العربي.

انفتاح سياسي مشروط

التحركات الأميركية لم تقتصر على التصريحات. واشنطن كثّفت ضغطها على قوات سوريا الديمقراطية لدفعها نحو الانخراط في كيان الدولة الجديدة، مع تهديدات واضحة بالتخلي عنها في حال الرفض. كذلك طلبت من لبنان تطبيع علاقاته مع دمشق. وفي سياق دبلوماسي محسوب، أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتصالًا مع نظيره السوري أسعد الشيباني، بحث فيه الطرفان ملفات مشتركة، من مكافحة الإرهاب إلى تدمير بقايا الأسلحة الكيميائية، وصولًا إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل. لم يكن هذا الاتصال مجرّد إشارة حسن نية، بل أحد تجليات الرغبة الأميركية في وضع اليد على هندسة سوريا الجديدة من بوابة “الاستقرار المشروط”.

ما هو الثمن الحقيقي؟

لكن خلف هذا الانفتاح السريع، تقبع معادلة معقّدة. فواشنطن، كما هو واضح من كل خطوة، تسعى لإدماج دمشق في الإطار الإقليمي الجديد الذي تديره وتتحكم بإيقاعه. في قلب هذا المشروع تقف إسرائيل، ليس فقط كطرف يريد تطبيعًا، بل كشرط ضمني لأي تقارب غربي-سوري. هنا بالضبط تدخل معضلة الجولان على الخط، الجرح الذي لم يندمل في الذاكرة السورية، والذي أصرّ ترامب على تكريسه عندما اعترف بسيادة إسرائيل عليه خلال ولايته السابقة، دون أن تتراجع إدارته عن القرار حتى اليوم.

القيادة السورية الجديدة، ورغم ما تبديه من انفتاح، لا تبدو مستعدة للمساس بهذا الملف، وإن كانت تحاول كسب الوقت والتعامل مع الأولويات الأكثر إلحاحًا كإعادة الإعمار وضبط الأمن. في المحصلة، يبدو ملف الجولان هو الخط الأحمر الوحيد المتبقي في مشهد سوري باتت خطوطه الأخرى قابلة للتعديل وفق المصالح والضغوط.

القواعد الأميركية تتمدد من البادية إلى ريف دمشق

بينما تنشغل وسائل الإعلام بالتحليلات السياسية، تتحرك الجرافات الأميركية على الأرض. فواشنطن تعيد تموضعها العسكري داخل سوريا، من خلال إنشاء قواعد جديدة وتعزيز مواقع قديمة، في البادية، وريف دمشق، وشمال شرق البلاد. مصادر ميدانية تشير إلى أن هذه القواعد ليست فقط مراكز لوجستية، بل مفاتيح لمراقبة الجغرافيا السورية، ومنافذ لضبط الحدود، وتحكّم في خطوط الإمداد وممرات التهريب. هو تموضع استراتيجي يشي بأن واشنطن لا تخطط للانسحاب، بل للبقاء المؤثر والموجه.

الغريب في المشهد السوري اليوم أن كلًا من واشنطن ودمشق تجد نفسها تقاتل خصومًا مشتركين. تنظيم داعش لم يختفِ، بل يعاود الظهور بخلايا صغيرة وتكتيكات جديدة. تنظيمات أخرى بدأت تطفو على السطح، مثل “سرايا أنصار السنة”، في مؤشر على أن الفوضى الأمنية لا تزال تهدد المناطق الهشة. في المقابل، تتابع الولايات المتحدة محاولات إيران لصنع أي نفوذ لها في الجنوب السوري، خصوصًا عبر مجموعات مسلحة موجهة نحو الجبهة الإسرائيلية. وهنا، تشير تقارير إسرائيلية إلى وجود تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، لضبط التوتر ومنع تحول الجنوب إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

دمشق في قلب مشروع إعادة هيكلة المنطقة

ليست واشنطن وحدها من يملك طموحات في سوريا، لكنّها الأكثر فعالية. هي لا تنظر إلى دمشق كدولة خارجة من حرب فقط، بل كموقع استراتيجي يعاد تصميمه ليتلاءم مع ملامح شرق أوسط جديد. سوريا ما بعد الأسد ليست فقط كيانًا سياسيًا يعيد بناء مؤسساته، بل باتت، أو هكذا يُراد لها، أن تصبح دولة وظيفية تُسهم في خلق توازن إقليمي يخدم أولويات واشنطن: تحجيم إيران، تقليص نفوذ روسيا، حماية إسرائيل، ومنع الإرهاب.

في هذا المشهد، تحاول القيادة السورية الجديدة أن تبدو براغماتية، أن تلعب على الهوامش، أن تكسب نقاطًا دون أن تخسر. لكنها في النهاية تدرك أن ما يُمنح اليوم من فرص، قد يكون مؤطرًا بشروط يصعب التراجع عنها لاحقًا.

إلى أي مدى يمكن أن تذهب دمشق؟

السؤال الأخير لا يتعلق فقط بواشنطن، بل بدمشق نفسها. هل تملك القيادة الجديدة القدرة على المناورة دون أن تفقد شرعيتها أمام شعبها؟ هل تملك الموارد السياسية والعسكرية للصمود أمام ضغوط الصفقة الكبرى؟ وهل يمكن فعلًا أن تُفتَح صفحة جديدة مع إسرائيل من دون أن تُطوى صفحة الجولان؟

في مناخ كهذا، لا يبدو أن أحدًا يملك كل الأجوبة. لكن ما هو واضح أن سوريا باتت من جديد ميدانًا لتقاطع المصالح، لا لسرديات التحرر فقط. في عالم ترامب، لا يوجد شيء مجاني، ولا تسوية بلا مقابل. وما يحدث في دمشق اليوم، قد يرسم ليس فقط مستقبل سوريا، بل طبيعة النظام الإقليمي القادم.

الترا سوريا

————————————

اللامركزية السياسية: فرصة سوريا الأخيرة لعقد اجتماعي ينقذ وحدة الدولة/ سركيس قصارجيان

سوريا عند مفترق طرق: هل تكون اللامركزية مفتاح الوحدة أم بوابة التقسيم؟

2025-06-24

منذ أكثر من عقد، تعيش سوريا تفككا سياسياً-اجتماعياً مركّباً تتجاوز تأثيراته الناحية الأمنية لتهدد مستقبل التماسك الاجتماعي في البلاد في ظل انعدام العقد الجامع بعد النزاع الدموي متعدد الأطراف والمصالح الذي دمّرت البلاد اقتصادياً وبنوياً.

ومع دخول البلاد مرحلة جديدة من النقاشات السياسية حول الدستور، ومستقبل الحكم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، تبرز اللامركزية السياسية بوصفها أهم الحلول الجوهرية لتجاوز هذه الأزمة، وإنقاذ سوريا من إعادة إنتاج المركزية الاستبدادية التي كانت من أبرز أسباب الانفجار عام 2011.

وفي ظل تعثر جهود التسوية بفعل التجاذبات الإقليمية والدولية الحسابات المحلّية الضيقة، تتشكل قناعة متنامية لدى فئة كبيرة من السوريين، مفادها أن العودة إلى النظام المركزي باتت غير ممكنة وخطيرة على وحدة البلاد واستقرارها. فهل يمكن أن تمثل اللامركزية نموذجاً واقعياً للخروج من المأزق؟ وهل تنجح في استيعاب التعدد الهوياتي والجغرافي والاجتماعي في سوريا، دون أن تُستخدم بوصفها مدخلًا للتقسيم كما يخشى البعض؟

من المركزية إلى الفوضى: تاريخ مأزوم

منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، اعتمدت السلطات المتعاقبة في دمشق نموذجاً مركزياً صارماً في الحكم، تم تعزيزه وتوسيعه مع صعود حزب البعث عام 1963، ثم تحوّل إلى نمط قمعي في عهد حافظ الأسد توسّع لاحقاً في عهد وريثه بشار الأسد.

تركزت معظم القرارات السياسية، والتعيينات الإدارية، وتوزيع الموارد في العاصمة مقابل تهميش الأطراف، خصوصاً المناطق الكردية والريفية، وكرّس شعوراً دائماً بالظلم والإقصاء لدى مكونات عديدة.

هذا التهميش البنيوي لم يقتصر على التقسيمات الجغرافيا، بل شمل قطاعات واسعة من الشباب، خصوصاً في المحافظات المحرومة تنموياً، ممن وجدوا أنفسهم غرباء عن مراكز اتخاذ القرار، محرومين من فرص المشاركة في الشأن العام، ومجبرين على التعايش مع شبكات فساد ومحسوبيات تهندس لهم رغباتهم المهنية وخططهم المستقبلية، ضمنهم العلويون، الذين تم اقناع فئات واسعة منهم بأنهم ممسكون بالدولة ومتحكّمون بزمامها، ما جعل هذه الفئات في طليعة الرافضين لأي شكل من أشكال اللامركزية حتى تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر.

الحرب… وانكشاف هشاشة المركز

كشفت الحرب السورية عن مدى هشاشة الدولة المركزية، التي سرعان ما فقدت سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، وتهاوت شعارات الوحدة الوطنية والهوية القوميّة التي شكلت عماد أيديولوجيا حزب البعث وركيزته في الاستمرار في السلطة، أمام خطاب عرقي طائفي حول الصراع المسلّح إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في تاريه المنطقة.

في هذا السياق، برزت سلطات محلية “أمر واقع”، في الشمال، والشرق، والجنوب، تدير المناطق وفق هياكل مختلفة، بعضها مدني، وبعضها عسكري، وبعضها خليط من الطرفين.

صحيح أن هذه السلطات لم تكن مثالية، لكنها أثبتت أن المجتمعات المحلية قادرة على تنظيم شؤونها عندما تغيب الدولة المركزية، ما يفتح الباب أمام إعادة تصور شكل الدولة السورية المستقبلية.

كثيراً ما يتم تصوير اللامركزية كمطلب كردي أو مطلب خاص بالأقليات، وهو اختزال خاطئ وغير دقيق. فاليوم، ومع تعمّق الانقسامات، وتعاظم شعور المكونات المجتمعية بالخطر من عودة نظام مركزي متسلّط، باتت اللامركزية ضرورة وطنية للحفاظ على وحدة البلاد.

العلويون، الذين لطالما ارتبط بعضهم بالنظام، يجدون أنفسهم اليوم أمام تهديد وجودي، أثبتته مجازر الساحل في بداية شهر آذار/مارس الماضي، وسط استمرار الخطاب التحريضي الطائفي.

والدروز في الجنوب يعانون من تهميش سياسي طويل، ويبحثون عن صيغة تعترف بخصوصيتهم.

حتى السنّة، الذين يشكلون الأغلبية السكانية، أصبحوا موزعين بين سلطات أمر واقع لا تمثلهم بالكامل.

في مثل هذا المشهد، تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها، ضمن إطار وطني شامل، يبدو السبيل الواقعي الوحيد لتفادي عودة القمع أو انفجار التناقضات من جديد.

نماذج للمقارنة

في دول أخرى من العالم العربي، تم تطبيق نماذج مختلفة من اللامركزية، بعضها حقق نتائج مشجعة. في العراق، رغم المشاكل الطائفية، منحت المحافظات صلاحيات إدارية أوسع، مما خفف من التوترات، فيما شكّل نموذج إقليم كردستان العراق الفدرالي حلّاً للصراع طويل الأمد مع المركز والجارة الشمالية: تركيا، ليتحول لاحقاً إلى ملجأ لمكونات المجتمع العراقي وشعوب المنطقة من الأزمات الاقتصادية والحروب الدامية.

وفي المغرب، تم اعتماد نظام الجهات، مع مجالس منتخبة وصلاحيات موسعة، خاصة في المناطق الأمازيغية، وسط رؤية منهجية للمملكة بإمكانية حل الصراع الطويل في منطقة الصحراء الغربية عن طريق اللامركزية السياسية.

أما في تونس، فقد مثّل الدستور الجديد 2014 تحوّلاً جذرياً في الاعتراف بالسلطات المحلية كشريك في الحكم.

أما النظام الفدرالي الإماراتي فيمكن اعتباره نموذجاً فريداً لإمكانية تحقيق النمو الاقتصادي والتطوّر العلمي والثقافي في بنية اجتماعية كاملة التماسك، في منطقة الشرق الأوسط، والتي تحاكي ووتتفوق على العديد من تجارب الفدرالية الغربية.

رغم الفروق بين سوريا وهذه الدول، إلا أن التجربة تؤكد أن اللامركزية ليست وصفة غربية مفروضة، بل خيار واقعي لإدارة التنوع، وتعزيز التمثيل، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.

النموذج السوري الخاص: توصيات عملية

من المؤكد أن اللامركزية السورية يجب أن تؤسس على صيغة وطنية تراعي الخصوصية السورية وليس تقليداً للتجارب الخارجية، بحيث تتقاسم كل من الحكومة المركزية والأطراف الصلاحيات والمهام والواجبات مع حصر الملفات الرئيسية كالدفاع والسياسة الخارجية والسياسات المالية العاملة (العملة والفائدة السياسية وغيرها) بيد العاصمة، مقابل توسيع هامش صلاحيات الإدارات المحلية المعنية بتقديم الخدمات والتعليم وإدارة الشؤون الإقليمية، في ظل الاعتراف بالوضع الخاص للمناطق ذات الخصوصية الإثنية (كروج آفا مثلاً) ضمن نموذج لامركزية غير متماثلة.

ويحتّم هذا النظام إعادة التوزيع العادل للثروات، خصوصاً تلك المرتبطة بتوزيع عائدات النفط والغاز، بناء على معايير سكانية وتنموية واضحة، وليس اعتماداً على حصرية القرتر أو السلطة.

التعديل الرمزي لاسم الدولة بإزالة كلمة “العربية” لتكون “الجمهورية السورية”، يمكن أن يشكّل دليلاً دامغاً على مساعي صون التعدد الهوياتي في البلاد، إلى جانب ضمان تعليم اللغات الأم للأكراد والسريان والتركمان والأرمن وغيرهم، لتعزيز الهوية دون المساس بالوحدة.

التخوف من التقسيم: وهم أم تحذير مشروع؟

لا شك أن البعض يرى في اللامركزية بوابة للتقسيم. وهذا الخوف لا يخلو من بعض الوجاهة، خاصة في ظل التدخلات الإقليمية والدولية. لكن التجربة أثبتت أن المركزية الصارمة هي التي قادت إلى الانفجارات، وأن استمرارها لن ينتج سوى دورة جديدة من العنف.

في المقابل، فإن اللامركزية السياسي ضمن الوحدة المتكاملة للدولة، والمبنية على دستور ديمقراطي، يضمن الحقوق، ويحدد الآليات، ويخضع للرقابة الشعبية، تمثّل حلاً لا تهديداً، في ظل انعدام الثقة بالسلطة المركزية الحالية، التي تذكّر في خطواتها، بالنهج السابق والمبني على منطق “أنا أحكم.. أنا أفعل ما أريد”.

سوريا اليوم أمام لحظة سياسية انتقالية واختبار وجودي، بين التحول دولة عادلة لكل أبنائها، وبين البقاء رهينة منطق القوة والغلبة. والخيار بين المركزية الاستبدادية واللامركزية السياسية التشاركية ليس تفصيلاً إدارياً، بل مسألة مصيرية تحدد شكل العقد الاجتماعي الجديد.

فبناء سوريا المقبلة على أسس من المشاركة، واحترام التنوع، وتقاسم السلطة، يلغي مخاطر الهشاشة الناجمة عن التسويات والحلول المؤقتة والمستندة على الشرعية الخارجية.

+963

————————————

دويلة الهول” شرق سوريا… “قنبلة موقوتة” تنتظر التفكيك/ رستم محمود

يخشى كثيرون من سكان المخيم من أنهم سيظلون عالقين فيه إلى الأبد

آخر تحديث 28 يونيو 2023

بينما كانت السيارة تقلنا من مدينة الحسكة، أقصى شمال شرق سوريا، نحو “مخيم الهول”، الذي يضم عشرات الآلاف من أفراد عائلات مقاتلي تنظيم داعش، عبر الطريق البري التاريخي، الرابط بين مدينة الموصل العراقية وحلب السورية، تنقل وكالات الأنباء عن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تحذيره من خطورة “الإبقاء على مخيم الهول، لأنه يهدد بعودة التنظيم والإرهاب على مستوى العالم”.

نصل المخيم مع ساعات الصباح الأولى، منحدرين من هضبة “الخاتونية” جنوباً، لنواجه بـ”بحر من الخيام”، وسط صعيد صحراوي جاف، حيث لا صوت ولا حركة ولا ضوء يصدر من المخيم، لكنه ينشر كل أشكال القلق والخوف في مختلف أنحاء العالم.

بعد عملية تدقيق وتفتيش تفصيلية، مررنا خلالها بثلاثة حواجز متتالية، ندخل المخيم من البوابة الشرقية، نسير ببطء بين خيم القطاع الأول القريب من مركز الأمن العام ومقر الأمم المتحدة، نلتفت ورائنا بين كل خطوة وأخرى، يُمعن الأطفال النظر إلينا، بعضهم القليل يبادلنا الابتسامات، بينما تقول النسوة العابرات بالقرب منا “لا تصورونا”.

تتلاشى المخاوف رويداً رويداً، بالضبط حينما نصل واحداً من أسواق المخيم، الذي يشبه باقي الأسواق التي صادفناها في مدن “الجزيرة السورية”، باعة يصدحون بأعلى أصواتهم، محال للبقالة وبيع الأطعمة والألبسة والأحذية والقرطاسيات والحلويات والدجاج واللحوم، وكل شيء آخر قد يخطر في البال.

في المحصلة “مخيم الهول عالم كامل وقائم بذاته”، كما أخبرنا السائق العمومي الذي يعمل على الخط الواصل من مدينة الحسكة إلى المخيم، فيه أسواق ومدارس وملاعب ومساجد وقصابون وحلاقون وعيادات طبية ومكاتب لتحويل الأموال وأخرى للإنترنت والهواتف النقالة وحدائق وساحات عامة ومقار لمنظمات دولية، وصلة يومية ودائمة مع كل ما يحيط به، على الرغم من وجود سياج شائك يحيط به من كل حدب.

للزائر أن يلاحظ مباشرة وجود نسبة قليلة من الرجال من بين المتسوقين. كلهم ملتحون ويرتدون أزياء تقليدية، يردون سلام وتحيات “الزوار/الغرباء” بتحفظ شديد، وتقريباً لا يجاوبون على أي سؤال يُطرح عليهم، ويرفضون إجراء أية مقابلة، ويطلبون خلسة من النساء المرافقات لهم بالابتعاد، ويغادرون دون استئذان.

نسأل صاحب محل يبيع “خضروات طازجة” عن آليات حصوله على بضائعه بشكل يومي، فيخبرنا “عن طريق تجار عموميين من مدينة الهول القريبة، متعاقدين مع إدارة المخيم، ينقلون إلينا كل صباح 100 شاحنة من الخضار والفاكهة واللحوم وباقي المواد، ونحن نبيعها لسكان المخيم”، الأمر نفسه يحدث بالنسبة لمختلف البضائع الأخرى، حيث أسست إدارة المخيم نقطة تبادل تجارية حيوية، بين تجار الجملة خارجه، وأصحاب المحال والباعة المحليين من سكان المخيم. يحدث ذلك بالنسبة للسوقين الرئيسيين وسط القطاعين الرئيسيين، السوري والعراقي، والسوق المؤقتة في “قطاع الأجانب”، الذي يُنصب لساعات قليلة أثناء النهار، ما يلبس أن يُفكك ويغادر الباعة والتجار ذلك القطاع مباشرة.

نعود لسؤال التاجر المحلي عن مصدر الأموال التي يحملها سكان المخيم أثناء التبضع، فيدلنا على عدة مكاتب لتحويل الأموال من مختلف أنحاء العالم إلى سكان المخيم، يحصل المقيمون عبرها على أموال مرسلة من ذويهم، من أية دولة كانت. أما الذين لا تُرسل أموال أو مساعدات عائلية دورية، فأما يحصلون على مبالغ نثرية شهرية من إدارة المخيم والعديد من المنظمات الإنسانية العاملة في المخيم، على شكل سلال ومخصصات لهم ولأفراد عائلاتهم، أو تُخصص لهم إدارة المخيم بعض الأعمال الخاصة ضمن المخيم، بالذات المحال التجارية وعربات النقل وبعض الخدمات الأخرى.

عملياً، لا يحتاج المقيمون في المخيم إلى الكثير من الأموال، فالخدمات العامة كلها مجانية، الكهرباء والتدفئة والماء والخبز والإقامة والطبابة والنقل، ويحصل جميع المقيمين على مساعدات وسلال غذائية أسبوعية، وبعضهم على مساعدات مالية شهرية. فالأموال تلزم فقط لشراء بعض “الكماليات”، من ملابس واتصالات.

أقسام مخيم الهول

 حسب معلومات خاصة وتفصيلية حصلت عليها “المجلة”، فأنه ثمة 49 ألف  شخص راهناً في مخيم الهول، مُقسمين إلى ثلاثة أقسام رئيسية: يشكل العراقيون نصف سكان المخيم بالضبط 24400 مقيم، أغلبهم يعيشون كعائلات كاملة، وأكثر من نصفهم مقيمون في المخيم قبل العام 2019، يليهم السوريون، 17200 مقيم، نسبة قليلة جداً منهم من الرجال، وإلى جانبهم 7400 مقيم أجنبي، كلهم نساء وأطفال، يقيمون في قطاع خاص بهم جنوب المخيم، مغلق تماماً عليهم، ولا يُسمح لهم بالاختلاط بباقي وحدات المخيم الأخرى، كما يُسمح للسوريين والعراقيين أثناء فترات النهار، والمتداخلين في أكثر من وحدة غرب المخيم.

وفق تقسيمات أخرى، فأن الأطفال يشكلون 67 بالمائة من سكان المخيم (33 ألف طفل)، بينما يقل الرجال البالغين عن 15 بالمائة، أغلبيتهم المطلقة من العراقيين، المقيمين في المخيم قبل العام 2019، حينما كان هذا المخيم مركزاً تستقبل فيه السلطات السورية اللاجئين العراقيين من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، بينما ثمة 14 ألف امرأة ضمن المخيم.

نسأل المديرة المدنية لمخيم الهول، جيهان حنان، عن آليات التعامل مع هذا العدد الكبير من الأطفال، خصوصاً ضمن هذه البيئة الاجتماعية والحياتية الخاصة، فتجيبنا “توفر إدارة المخيم، بالتعاون مع عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية، ثلاثة أنواع من الخدمات لتحسين بيئة وشرط العيش للأطفال، إذ ثمة 29 مدرسة ومركز تعليمي ضمن المخيم، تُدرس مناهج “منظمة اليونسيف” للطلبة، وباللغة العربية، وإلى جانبها ثمة العشرات من مراكز المساندة والتأهيل النفسي للأطفال، أغلبها تعتمد على النشاطات اللاصفية، ومع الشكلين ثمة دورات تدريبية وتنموية ومركز رياضية”.

تشكو إدارة المخيم من سلوك وخطاب “عدواني” مضاد، منتشر بين الأغلبية المطلقة من عائلات المخيم. بناء عليه، يرفضون إرسال أبناءهم إلى المدارس والمراكز التعليمية، يحرضونهم على رفض التعليم وينعتون الإدارة ومناهج منظمة اليونسيف بكل الأوصاف الشائنة.

إعادة تأهيل الأطفال والمراهقين

من مصادر أخرى مقربة من الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، علمت “المجلة” إن إدارة المخيم تعمل على نوع خاص من “إعادة التأهيل” لكل أطفال المخيم حينما يدخلون مرحلة البلوغ العُمري.

فبعد اكتشاف العديد من حالات “اغتصاب الذكور البالغين حديثاً”، قررت إدارة المخيم نقل كل ذكر بالغ من المخيم إلى ثلاثة مراكز تخصصية لإعادة التأهيل، هي مراكز أوركيش وهوري وهلات، تقع تباعا ضمن مُدن القامشلي والقحطانية/تربسبية والحسكة.

ضمن هذه المراكز، يخضع هؤلاء “المراهقون” لدورات تعليمية منهجية مكثفة، إلى جانب نشاطات ذهنية ورياضية وترفيهية وموسيقية وثقافية، يُسمح لهم بزيارة ذويهم مرة كل نهاية أسبوع، وعبر اتصال هاتفي مرة ضمن الأسبوع.

لا تعتبر المديرة الإدارية للمخيم، جيهان حنان، أن برامج “إعادة التأهيل” قد حققت أهدافها بشكل واضح، معزية ذلك إلى قصر الفترة الزمنية، فعائلات مقاتلي تنظيم داعش تم إيواؤهم في المخيم فقط منذ العام 2019، عقب معركة الباغوز، ولأن الحرب تراجيدية بكل أوجهها، فأن عمليات الإرسال كانت تتم بطلب و”رجاء” من مقاتلي داعش أنفسهم، الذين كانوا في نفس ذلك الوقت يخوضون أشرس معركة ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في منطقة الباغوز، في ربيع العام 2019، التي كانت أخر بقعة مُسيطر عليها من قِبل داعش، استسلم عقبها كل مقاتلي المنظمة الإرهابية، ونُقلت عائلاتهم إلى هذا المخيم.

نظام خاص في مخيم الهول

وصل تعداد المقيمين في المخيم إلى أكثر من 65 ألف مقيم، إلا أن العديد منهم قد تم إخراجهم من المخيم، خصوصاً من السوريين، بعد تدخلات وتعهدات من الزعماء المحليين، هؤلاء الخارجون الذين عاد الكثير منهم إلى تنظيمات وخلايا داعش، وشنوا هجمات على مؤسسات وأفراد قوات سوريا الديمقراطية، فالبقاء ضمن المخيم لم يكن يشكل قطيعة مع الماضي.    

 بالإضافة إلى عامل الزمن الذي تحدثت عنه المديرة الإدارية، فإن البنية التنظيمية ما تزال حاضرة بقوة ضمن عائلات مقاتلي التنظيم، وهو أمر أكده المسؤولون الأمنيون عن المخيم، وبسببه تفشل محاولات إعادة التأهيل.

فطوال السنوات الماضية كشف المفتشون الجنائيون وجود نظام قضائي داخلي متكامل يتم تطبيقه على المقيمين “الحسبة”، تشرف عليه شبكات من سكان المخيم، ويطال كل الأشخاص “المتجاوزين” للمعايير والقوانين التي يؤمن بها تنظيم داعش ويطبقها، والتي تتضمن منع الاختلاط أو سماع الموسيقا مثلاً، وتنهى عن كل تعاون مع إدارة المخيم أو التعاطي مع المنظمات الدولية، وحتى إرسال الأبناء إلى المدارس والمراكز التعليمية والتدريبية.

وصلت العقوبات التي طبقتها “شبكة الحسبة” ضمن المخيم إلى حد “الذبح” أو “السجن ضمن الخيم عبر التقييد بالسلاسل”، وإلى جانبها كل العقوبات الجسدية المتوقعة، بما في ذلك الرجم وقطع الأطراف. كان بعض “قائدات الحسبة” يتسربن عادة من قطاع المقيمين الأجانب لتطبيق حُكم قضائي بالمدانين في القطاعات الأخرى، لكنه أمر أنتهى تماماً، بعد عزل إدارة المخيم لقطاع الأجانب عن باقي القطاعات.

مثل الحسبة، ثمة تنظيم “سياسي” سري كامل ضمن المخيم، يملك برنامجاً وخطاباً وتوجيهات يومية. يعتقد القائمون على المخيم أن “قادة” هذا التنظيم الداخلي على تواصل مع خلايا وشبكات داعش في الخارج. معللين ذلك باستحالة العزلة التامة عن العالم الخارجي، في ظلال توفر أجهزة الاتصال الحديثة، سواء التي يتم شراؤها بشكل نظامي أو تهريبها إلى داخل المخيم.

لكن الجانب الأكثر خطورة في المشهد التنظيمي هو الاستعدادات الميدانية. فالمشرفون لاحظوا الكثير من أنواع التدريبات البدنية التي يزاولها بعض المقيمين بشكل منتظم، ومثلها التدرب على عمليات التمويه والإخفاء، التي طالت في بعض الأحيان لسنوات، تمكنوا خلالها من إخفاء بعض السجناء والأطفال، وحتى الأسلحة المهربة. فخلال حملات التفتيش الأخيرة، عُثر على أسلحة مهربة ومحكومين ويافعين بالغين، حتى أن الحملة التي نُفذت في شهر مارس/آذار الفائت تمكنت من تحرير الفتاتين العراقيتين اليزيديتين (وفاء 17 عاماً وسوسن 26 عاماً) بقيتا مخبئتين كـ”سبايا” ضمن المخيم طوال هذه السنوات، بسبب القدرات اللوجستية للمقيمين.

ثغرات أمنية

فعلياً لا يوجد حضور أمني تفصيلي ودائم للأجهزة الأمنية داخل المخيم، التي تحرس وتغلقه من الخارج فحسب. يختصر وجودها من خلال دوريات تسير عبر مدرعات مصفحة، أو أثناء حملات التفتيش العامة، التي تطال كل المخيم. فمختلف “الغرباء” داخل المخيم معرضون لهجمات ليلية من المقيمين، وصلت في الفترة الأخيرة حد حرق مكتب لمنظمة دولية واعتداء بآلة حادة على حارس أمني داخل المخيم. حتى الدوريات الراجلة تتعرض لهجمات بالحجارة وإساءات كلامية وتهديدات بالثأر، توجه إليهم على الدوام.

ثمة ثغرة أمنية كبرى تتعلق في غياب الأوراق الثبوتية لنسبة واسعة من المقيمين في المخيم، خصوصاً في جناح المقيمين الأجانب. فالعراقيون والسوريون يملكون بطاقات تعريفية، تم تطوريها خلال العام الماضي لتكون معرفة على بصمة العين، لكن الأغلبية المطلقة من العائلات الأجنبية ترفض الكشف عن هويتها الحقيقية، لتجنب الإرجاع ومواجهة محاكمات وعقوبات قد تصل حد الإعدام. (هذه العقوبة غير الواردة في قوانين وتشريعات الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا)

يشكل المقيمون العراقيون جوهر المعضلة الأمنية بالنسبة للمخيم ولكل الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا. فغير كونهم يشكلون نصف تعداد المقيمين في المخيم، واستعادتهم من قِبل الحكومة العراقية تعني تجاوز مشاكل الكثافة والتداخل والتكاليف إلى ما دون النصف، فأنهم الكتلة الأكثر رفضاً للعودة، لعدم ثقتهم المطلقة بالوعود التي تطرح عليهم من قِبل السلطات العراقية. فالمقيمين قبل العام 2019، متأكدون من وجود أحكام قضائية غيابية على أغلبيتهم. أما عائلات تنظيم داعش من العراقيين، فمتخوفون من مواجهة أشكال من الثأر الطائفي والمناطقي في حال عودتهم.

لكن هواجس المشرفين على المخيم بالنسبة للمقيمين العراقيين تتعلق أولاً ببقاء تنظيم داعش حيوياً ضمن العراق، الذي لا تبعد حدوده أكثر من 25 كيلومتراً عن المخيم، وتالياً وجود تطلع وإمكانية دائمة لتعرض المخيم لـ”غزو” من قِبل تنظيم داعش.

سوء تنسيق عالمي

ولا تتعاون الحكومة العراقية مع الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا إلا بالحد الأدنى. فاستعادة المقيمين تتم ببطء شديد، وبعد عملية تدقيق تفصيلية مطولة، قد تنتهي برفض الاستعادة لأي سبب ثانوي أو عارض. كذلك لا تعترف الحكومة العراقية بالإدارة الذاتية، ولا تقدم لها أية مساعدات مالية، بما في ذلك فتح المعابر الحدودية والتجارية معها، بغية مساعدتها على التخفيف من الحصار المفروض عليها من قِبل تركيا والنظام السوري، وغالباً فأن التعاون الأمني هو بالحد الأدنى.

الأمر نفسه ينطبق على باقي دول العالم، بما فيهم النظام والحكومة السورية، التي لا تتعاون في سياق استعادة أكثر من 17 ألف سوري إلى مناطقهم الخاضعة لسيطرة النظام. ولا تقدم الأجهزة الأمنية السورية أية سجلات أو أرشيفات أو تعاوناً بيروقراطياً في سبيل تسهيل عودة واندماج هؤلاء السوريين بالحياة العامة في مناطق سُكناهم الأولى. خصوصاً وأن الكثير من المقيمين السوريين ليس من عوائل تنظيم داعش فحسب، بل عدد من التنظيمات المتطرفة المقربة من المعارضة السورية.

ولا تتعاون الدول الأوربية في عمليات استعادة مواطنيها، خشية منها على عدم قدرة نظامها القضائي على التعامل مع هؤلاء، خصوصاً في ظلال غياب القرائن المدينة لهم. أما العديد من الدول العربية التي تملك أعداداً كبير من أبنائها ضمن هذا المخيم، مثل تونس، فإن موقفها وموقعها من الاستقطاب السياسي السوري العام هو ما يمنعها من التعاون. الأمر نفسه ينطبق روسيا والفيدراليات التابعة لها، التي تملك أكبر عدد من المقيمين الأجانب.

تحسين الظروف المعيشية

لا يبدو أن أزمة المخيم ستنتهي في المستقبل القريب، ولأجل ذلك لابد من توفير مناخ “إنساني” ما للعيش ضمنه، كما تشرح المديرة المدنية للمخيم، جيهان حنان، في حديثها مع “المجلة”، مُعددة المساعي التي تبذلها الإدارة في سبيل كسب “رضا” المقيمين، بغية إحداث تغيير ما في رؤيتهم للإدارة والمجتمع المحيط بهم وكل العالم “فعلنا كل شيء لتكون الحقوق الأساسي للمقيمين مصونة. فجميعهم يُعاملون على حدٍ سواء، بغض النظر عن جنسياتهم، أو أفعالهم السابقة أو تطلعاتهم السياسية أو هوياتهم الجندرية. يمكن التأكد من ذلك من خلال ما يحصلون عليه من عناية طبية شاملة ومجانية على الدوام، عبر أربعة مستشفيات وعشرات العيادات المتنقلة.”

وتضيف: “ولأجل تغطية كل تفصيل طبي تخصصي، فإن إدارة المخيم تعاقدت مع مشفيي “الحكمة” و”الشعب” في مدينة الحسكة، لتقديم العلاجات التخصصية والعمليات الجراحية للمقيمين مجاناً. يومياً يُنقل المئات من المقيمين إلى المشفيين لتلقي العلاج والحصول على العناية، بما في ذلك الإقامة والطبابة والحصول على أدوية مجاناً، ولفترات طويلة”.

مثل العناية الطبية، فإن المخيم يحوي على خمسة مساجد، يمارس المقيمون ضمنها كل شعائرهم وعباداتهم الدينية، يتم تعيين الأئمة ومقدمو الخدمة عبر تنسيق بين هيئة العلماء في مدينة الهول والمقيمين ضمن المخيم، الأمر نفسه يتعلق بالدروس الدينية والتربوية التي تُقدم ضمن المساجد.

نفس التفاصيل تُطبق على كل الأحداث والمجريات الأخرى في المخيم، مثل الولادة والحفلات الخاصة والوفيات، التي تتم فيها مراعاة الخيارات الثقافية والقيمية والعرفية للمقيمين بشكل تام. حتى أن الإدارة المدنية والأمنية في المخيم قبلت بوضع “النقاب الكامل” لكل النساء، في سبيل عدم الصِدام لأجل موضوع ديني.

مقابل ذلك، فإن بعض المقيمين الذين تمكنت “المجلة” من تبادل أطراف الحديث معهم، لم يوجهوا انتقادات نسبية للإدارة الذاتية أو للمشرفين على المخيم، خدمية أو أمنية سياسية، بل رؤية وخطاباً صفرياً، غير معترف بأي من الوقائع الموضوعية الراهنة. حتى الذين يملكون بعض الحساسيات الثقافية والمناطقية تجاه بعض المقيمين الآخرين، فإنهم يُجمعون على إنكار كل الوقائع الحالية.

مصدر مقرب من قوات سوريا الديمقراطية يشرح في حديث مع “المجلة” ثنائية علاقة ومسؤولية قواته تجاه هذا المخيم “في الوقت الذي تعرف مختلف الجهات التزامنا بالمعايير العالمية لمثل هذه الأوضاع، بمن فيهم مقاتلو تنظيم داعش أنفسهم، الذين بقوا لشهور يتصلون بقوات سوريا الديمقراطية لإيواء عائلاتهم. ومع ذلك فإن بقاء المخيم على ما هو عليه هو بمثابة قنبلة ذرية وسط السكان المدنيين، الذين يوجهون انتقادات واسعة لآليات تعاملنا مع المسألة. في هذا الوقت، لا تتحمل أي من الدول مسؤولياتها السياسية والأمنية والاقتصادية جراء ذلك. فكيان هش مثل الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا تتحمل هذا العبء النفسي والسياسية والأمنية نيابة عن العالم كله”.

المجلة

————————–

البنتاغون يخصّص 130 مليون دولار لدعم «قسد» و«جيش سوريا الحرة»

وزارة الدفاع الأميركية ترفع موازنة 2026 إلى الكونغرس، وتخصص عبرها 130 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية «قسد» و«جيش سوريا الحرة».

الأحد 6 تموز 2025

رفعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) موازنة 2026 إلى الكونغرس، وتضمنت تخصيص 130 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وجيش سوريا الحرة ضمن برنامج مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

‏وتشمل الميزانية المخصصة للدعم تدريب وتجهيز «قسد» وجيش سوريا الحرة، وتعزيز حماية مراكز احتجاز عناصر التنظيم وتحسين ظروف احتجازهم.

كما تتضمن توسيع العمليات ضد التنظيم في شمال شرق وجنوب شرق سوريا، بالإضافة إلى تقديم دعم أمني في محيط مخيم الهول ومناطق البادية السورية وتأمين الحماية لقاعدة التنف وقوات التحالف الدولي.

وأكد البيان أنّ دعم صندوق تدريب وتجهيز مكافحة تنظيم «داعش» بالغ الأهمية لتمكين القوات الشريكة من تنفيذ عمليات مكافحة التنظيم، ومنع عودته.

وسيوفر صندوق «CTEF» للمجموعات السورية الموثوقة المعدات والإمدادات اللازمة لأمن عمليات «داعش» الجارية، وسيساعد في دعم جهود تحسين الظروف الأمنية، ومكافحة شبكات التنظيم، لا سيما في مخيم الهول للنازحين، بحسب بيان رسمي.

ويبلغ طلب التمويل لسوريا في السنة المالية 2026 حوالي 130 مليون دولار، أي بانخفاض طفيف مقارنة بمبلغ السنة السابقة، ويعكس هذا الانخفاض تقليل التمويل في بند إصلاح وتجديد البنية التحتية (IRR)، نظراً لإنجازات «ملموسة» في تحديث مرافق الاحتجاز خلال عامي 2024 و2025.

وذكر البيان أن إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم تظل الحل الأكثر استدامة على المدى الطويل، ولكن هذه المساعدات تهدف إلى زيادة عدد الحراس، وتطوير بنية مرافق الاحتجاز تخفف جزئياً من خطر حصول هروب من منشآت الاحتجاز التي تديرها «قسد»، والتي قد تسهم في إعادة تنظيم «داعش».

——————————–

قسد” وحكومة الشرع: “دمج” بطيء وتفاوض حول التعليم واللامركزية/ شفان ابراهيم

سوريا

27.06.2025

يبدو أن عقدا أمنية وادارية تسببت في تعثر تنفيذ الاتفاق بين “قسد” والحكومة الانتقالية في دمشق. فماهي أبرز هذه العقد؟

مضى نحو ثلاثة أشهر على توقيع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي اتفاقاً وُصف بـ”التاريخي” بين السلطة المركزية والفصيل الكردي.

الاتفاق نصّ في أحد بنوده على “دمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، المطار، وحقول النفط والغاز”. كما جاء في الاتفاق: “تعمل وتسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي”.

قراءة لبنود الاتفاق تكشف أن مخيمي الهول وروج، المخصصين لمقاتلي داعش وعائلاتهم، إلى جانب الترتيبات الأمنية والإدارية والاقتصادية الضرورية لعملية الدمج، تمثّل أبرز المهام الملقاة على عاتق اللجان المُشكّلة… لكن، هل بدأت فعلياً عمليات الدمج؟ وهل تم الشروع في تنفيذ الاتفاق؟

إشكالية المؤسسات التعليمية

لا تزال معظم مؤسسات الدولة في المنطقة شبه معطّلة: الخدمات غائبة، الشكاوى والطلبات الاجتماعية لا تُستقبل، صرف الرواتب يتأخر، ويتم إلزام المعتمدين لدى مديرية التربية في الحسكة باستلام الرواتب من المصرف التجاري السوري في دير الزور، ليُعاد توزيعها في المنازل أو الأماكن العامة على المدرّسين، مع اقتطاع نحو 10-12 دولاراً من كل مدرّس كبدل أتعاب إيصال الكتلة المالية من دير الزور إلى الحسكة، قبل أن تُصرف لاحقاً في المجمع التربوي بالقامشلي.

ونظراً الى اقتراب موعد امتحانات شهادتي البكالوريا والكفاءة، اتفق الجانبان على تأجيل الخلافات المتعلقة بالمناهج، والاعتراف بشهادات الإدارة الذاتية، ومصير خريجي مدارسها وجامعاتها إلى مراحل لاحقة، مع الاتفاق على إشراف إداري مشترك على سير الامتحانات. في الوقت نفسه، تحتفظ وزارة التربية السورية بحق كتابة الأسئلة وتصحيح الأوراق الامتحانية، بينما ترفض الاعتراف بشهادات الثانوية العامة الصادرة عن الإدارة الذاتية.

زار معدّ التقرير مديرية التربية في الحسكة، وتبيّن حجم التسيب والترهل الإداري: غياب موظفي الحكومة السورية، وعدم الالتزام بساعات الدوام الرسمي، حيث لا يتجاوز الحضور غالباً الثلاث إلى أربع ساعات يومياً.

في حديثه لـ”درج”، قال مصدر من داخل المديرية، فضل عدم الكشف عن اسمه: “فرضت الإدارة الذاتية علينا مشرفاً على المديرية، ومنعت المديرة السابقة إلهام صاروخان من الاستمرار في منصبها. علمنا أن لدى الإدارة الذاتية قائمة بأسماء بعض مسؤولي التربية الذين كانوا أدوات للنظام السابق في الفساد والمحسوبيات وتأجيج الخلافات، وسيتم إبعادهم عن المناصب الحساسة”.

أضاف المصدر: “الرواتب لا تزال تصدر من دمشق، ولا توجد رقابة حقيقية علينا من أي جهة، لا من دمشق ولا من الإدارة الذاتية. لذا فإن الالتزام بالدوام بات كيفياً، حسب طبيعة العمل والمنصب”. واختتم بالقول: “المسؤولون غير الملتزمين بالدوام يعلمون أن مصيرهم سيكون الإبعاد، ولهذا يسعون إلى إفشال مشروع الإدارة الذاتية للسيطرة على التربية”.

في المقابل، أكدت مصادر أخرى لـ”درج” أن “الإدارة الذاتية تتجه لدمج مديرية التربية السورية بهيئة التعليم التابعة لها، ومن لا يلتزم سيُستبعد من العمل والوظيفة”.

ماجد مجدي، اسم مستعار لموظف في إحدى دوائر التخطيط والإدارة، قال لـ”درج”: “هذا المسار سينعكس سلباً على الإدارة نفسها، فبدون اتفاق مع دمشق لن تتمكن من تنفيذ أي دمج فعلي. كل طرف يسعى إلى الدمج من منطلق مصالحه، لكن من دون توافق حقيقي ستكون الكلفة باهظة”، مبرّراً موقفه بالقول: “لا يوجد انسجام شعبي كافٍ. من كان مصطفّاً مع النظام لن ‘يُكوع’ باتجاه الإدارة الذاتية بل نحو دمشق. وبدون توافق، يمكن لدمشق إلغاء السجل المدني والجوازات والتعليم في المنطقة، وهو مطب ضخم لن تقدر الإدارة الذاتية على تجاوزه”.

مخيم الهول: القنبلة الموقوتة!

يبقى “مخيم الهول”، الواقع على بعد 45 كلم شرق الحسكة، إحدى أكثر النقاط حساسية في التفاهمات الجارية. هذا المخيم، الذي كان يضم نحو 50 ألف شخص من عائلات داعش، يمثّل صداعاً دولياً وإنسانياً وأمنياً في آنٍ واحد.

حتى ما قبل سقوط النظام، كان الهول يشكّل ملفاً شائكاً بين “قسد” والنظام السوري، الذي سعى – بحسب مصادر مطلعة – إلى موطئ قدم أمني داخله بحجة “إعادة من تبقى من السوريين إلى مناطقهم الأصلية”، وهو ما كانت الإدارة الذاتية تعتبره محاولة لاختراق أمني.

في نهاية الشهر الماضي، زار وفد من الحكومة السورية، برفقة وفد من الإدارة الذاتية، المخيم، وشملت الزيارة مراكز الاحتجاز والسجون التي تؤوي عناصر من داعش، تطبيقاً للاتفاق السابق بين الطرفين. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حثّ نظيره السوري أحمد الشرع، خلال لقائهما في الرياض الشهر الماضي، على تولي مسؤولية مراكز الاحتجاز التابعة لـ”قسد”.

شيخ موس أحمد، الرئيس المشترك لمكتب شؤون النازحين واللاجئين في الإدارة الذاتية، صرّح لوكالة “فرانس برس” أن اجتماعاً ثلاثياً عُقد في مخيم الهول، شارك فيه وفد من الحكومة السورية وآخر من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، إلى جانب ممثلين عن الإدارة الذاتية. وناقش الاجتماع سبل إنهاء معاناة العائلات السورية في المخيم والعمل على إخراجهم منه.

كما أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، خلال مؤتمر صحافي، أن “المخيم جزء من الاتفاق الموقع مع قوات سوريا الديمقراطية”، مشيراً إلى أن معالجة ملف العائلات تتطلب “مقاربة مجتمعية شاملة”، كونها ضحية ارتباط عائلي أو قسري بمقاتلي التنظيم.

من جهة أخرى، أشارت مصادر سياسية في الإدارة الذاتية إلى أن “مصير عائلات المقاتلين الأجانب مرتبط بموقف الدول المعنية وتحركات التحالف الدولي، الذي قدم دعماً عسكرياً لـ”قسد” في احتجاز هؤلاء وعائلاتهم”.

التقى “درج” الأكاديمي الكردي فريد سعدون، الذي اعتبر أن “مخيم الهول عبء أمني ومادي كبير على الإدارة الذاتية، في ظل الحراسات والمشاكل الأمنية المتكررة، ووجود عناصر خطيرة داخله”. لكنه أضاف أن “قسد” تُحسن استخدامه كورقة ضغط دولية، خصوصاً في ظل اعتماد التحالف الدولي عليها في إدارة المخيمات والسجون. وأشار إلى أن الإدارة الذاتية تكرّر مطالبتها الدول باستلام رعاياها، لكن من دون استجابة.

تم ترحيل حوالي 6 آلاف عراقي من المخيم، إضافة إلى أعداد قليلة من الأجانب الذين استلمتهم دولهم، وعدد من العائلات السورية التي عادت إلى مناطقها. ويرى سعدون أن “قسد نفسها ستتضرر إذا فقدت السيطرة على المخيمات وسجون داعش”، لأنها بذلك ستفقد ورقة “داعش” التي تبرر وجودها وتحظى من خلالها بالدعم الدولي.

تنازلات تحت الضغط: من يملك القرار؟

يبدو أن الملفين الأمني والإداري يشكّلان العقدة الأساسية في تعثّر تنفيذ الاتفاق. تسعى دمشق، بحسب مصادر قريبة من التفاوض، إلى وجود أمني داخل مناطق الإدارة الذاتية تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وهو ما ترفضه قوى “الأسايش” و”قسد”، وترى فيه محاولة لعودة النظام تدريجياً من دون اتفاق سياسي واضح.

وفي تصريح لموقع “درج”، قال الصحافي سلام حسن: “الإدارة الذاتية عقدت اتفاقاً مع دمشق من دون إعلان بنوده. وأوضح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أكثر من مرة أن البنود لم تُعلَن تجنباً لإفشال الاتفاق من جهات داخلية وإقليمية”.

وأضاف حسن: “الإدارة الذاتية باتت أمراً واقعاً مدعوماً من التحالف الدولي، وهذا أول اتفاق من نوعه مع الحكومة السورية”. ووفقاً لمصادر خاصة نقلها حسن، فإن “الدمج سيُجرى تدريجياً: الاقتصاد بقرار مركزي، والدمج الأمني والعسكري سيحفظ الرتب والرواتب والخصوصيات، ولن يكون مركزياً صرفاً، وهو نموذج سيُعمم على سوريا كلها، لا فقط على مناطق “قسد”.

أما السياسي والكاتب الكردي أكرم حسين، فقال لـ”درج”: “لا أعتقد أن قسد تتجه نحو التخلي الكامل عن إدارتها الذاتية، بل تسعى الى إعادة تموضع ضمن صيغة وطنية جديدة، مع تقديم بعض التنازلات المدروسة”.

وأضاف: “قسد مستعدة لدمج قواتها ضمن الجيش الوطني الجديد، شرط الحفاظ عليها كقوة دفاع محلية وعدم حلّها، وهي ترفض عودة أجهزة القمع السابقة”.

اقتصادياً، تُبدي “قسد” مرونة في توحيد بعض الملفات السيادية، لكنها ترفض التخلّي عن إدارة الموارد المحلية ما لم يتم التوافق على آلية عادلة لتوزيع الثروات. كما تُصر على حل قضية التعليم والاعتراف به رسمياً، كما حصل في إدلب، معتبرة أن التعليم باللغة الأم حق مشروع لمكونات المنطقة.

وختم حسين: “ما لا يمكن أن تتنازل عنه قسد هو: اللامركزية، الشراكة في القرار، واستمرار علاقتها مع الحلفاء الدوليين. فالإدارة الذاتية لم تعد وضعاً مؤقتاً، بل أحد أعمدة الحل في سوريا الجديدة. ومن حق المكونات أن تدير نفسها وتستفيد من مواردها بعد عقود من التهميش والمركزية الصارمة”.

– صحافي سوري كردي

درج

——————————

تركيا تتمسك بخطوطها الحمر في سوريا/ سعيد عبد الرازق

أعادت تركيا رسم خطوطها الحمر في سوريا، خصوصاً ما يتعلق بعدم منح أي تنظيمات إرهابية أو كيانات مرتبطة بها أي شرعية، مؤكدة بالمقابل دعمها لكل ما من شأنه تأمين مستقبل مزدهر لسوريا، بما في ذلك طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، انضمامها إلى «اتفاقيات إبراهيم» مع إسرائيل.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن بلاده لن تسمح بأي خطط تهدف إلى منح شرعية للتنظيمات الإرهابية أو امتداداتها.

وشدّد إردوغان، خلال تصريحات لصحافيين أتراك، رافقوه في طريق عودته من أذربيجان، السبت، بعد مشاركته في القمة الـ17 لمنظمة التعاون الاقتصادي، على أهمية وحدة الأراضي السورية بالنسبة لتركيا.

وردّاً على سؤال بشأن تنفيذ اتفاقية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري، قال إردوغان: «وحدة أراضي سوريا بالغة الأهمية بالنسبة لنا، وقد اتخذنا موقفاً فاعلاً ميدانياً بعمليات عسكرية مثل (درع الفرات) و(غصن الزيتون) و(نبع السلام) لضمان أمن حدودنا وإنهاء حالة عدم الاستقرار في سوريا».

جيش سوري واحد

وأضاف: «نقدم كل الدعم الممكن للقضاء التام على الإرهاب في الأراضي السورية، والقضاء على جميع العناصر المسلحة، وأن يكون الجيش السوري وحده المسيطر على جميع الأراضي السورية. السلام والاستقرار الدائمان في سوريا من مصلحتنا أيضاً، ومن يسعى لعرقلة ذلك فسيجد تركيا حاضرة أمامه».

وسبق أن اتهم إردوغان «قسد» بالمماطلة في تنفيذ اتفاق الاندماج في الجيش السوري، الذي وقّعه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي في دمشق في مارس (آذار) الماضي.

ولا تزال الولايات المتحدة، رغم تأييدها تنفيذ الاتفاق بين دمشق و«قسد»، تؤكد أنها ستواصل دعمها «وحدات حماية الشعب الكردية»، التي تقود قوات «قسد»، التي تعدّها تركيا «تنظيماً إرهابياً» يشكل امتداداً لحزب العمال الكردستاني في سوريا، بينما تعدّها واشنطن حليفاً وثيقاً في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي.

ومن أجل إقناع أميركا بوقف دعمها لـ«قسد – الوحدات الكردية» اقترحت أنقرة على واشنطن، التي يشكل دعمها للوحدات الكردية ملفاً خلافياً معها، أن تدعم تركيا الإدارة السورية في مواجهة «داعش»، وفي نقل السيطرة على سجون ومخيمات عناصره وعائلاتهم إلى سيطرة دمشق.

وفي هذا الصدد، طرحت تركيا صيغة تعاون إقليمي لمكافحة «داعش» في سوريا، تقوم على تحالف مع العراق والأردن ولبنان وسوريا، بحيث يتم إقامة مركز تنسيق مشترك للعمليات ضد «داعش» في دمشق.

ولم تحرز هذه الصيغة تقدماً، بعد الاجتماع الذي عقده وزراء خارجية ودفاع ورؤساء مخابرات الدول الخمس في عمان في 9 مارس الماضي، بحسب ما أوضح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في تصريحات الأسبوع الماضي، حيث لفت إلى أن تركيا اتخذت خطوات لإقامة مركز التنسيق، لكن جميع الأطراف لا تتحرك بالسرعة ذاتها.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، في مايو (أيار) الماضي، أنه تم تأسيس مركز تنسيق ثلاثي بين تركيا والأردن ودمشق، بدأ عمله في 19 من ذلك الشهر، عقب اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في أنقرة قبل ذلك بأسبوع.

رفع العقوبات والمفاوضات مع إسرائيل

وعند سؤاله عن تقييمه للتطورات في سوريا في ضوء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، رفع العقوبات عنها، وطلبه انضمامها إلى «اتفاقيات إبراهيم» للسلام، وإجراء محادثات أمنية تمهيدية بين سوريا وإسرائيل، وما يعنيه ذلك لتركيا، أجاب إردوغان بأن «تركيا تدعم جميع التطورات التي تدعم مستقبل سوريا المزدهر وتعزز السلام والهدوء».

وقال: «كما وقفنا إلى جانب الشعب السوري منذ اليوم الأول للحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا وانتهت الآن، سنقف إلى جانبه أيضاً في عملية إعادة بناء بلده ووحدته».

وعبّر الرئيس التركي عن ثقته بأن الإدارة السورية ستتخذ خطوات أسرع نحو التنمية بعد قرار الولايات المتحدة وأوروبا رفع العقوبات، لافتاً إلى أن «عملية إعادة بناء العلاقات الثنائية بين تركيا وسوريا تتقدم بوتيرة متسارعة في جميع المجالات، ونؤمن بأن سوريا مستقرة وسلمية وقوية ستعود بالنفع على جيرانها».

وعن التعاون التجاري مع سوريا، قال إردوغان: «يمكننا تطبيق نماذج مثل مناطق التجارة الحرة والقواعد اللوجستية والأسواق الحدودية في شمال سوريا، سندعم التنمية الاقتصادية ونقيّم الفرص. وفي هذه العملية، سنعزز مكاسبنا على الأرض من خلال مراعاة مصالحنا العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية».

ولفت إلى أن السوري الانتقالي أحمد الشرع ليس لديه رأي سلبي تجاه القضايا التي تتمحور حول رفع العقوبات والتواصل مع الولايات المتحدة.

وذكر إردوغان أنه بحث خلال وجوده في أذربيجان التطورات في سوريا مع الرئيس إلهام علييف، وأنه أكّد استعداده لتقديم جميع أنواع الدعم لسوريا، عادّاً أنه من المهم للغاية أن يتبنى علييف هذا النهج.

وفي إشارة إلى أن أهم مشكلة تواجه سوريا حالياً هي الغاز الطبيعي، قال إردوغان إن علييف أبلغه أنه وافق على إمداد سوريا بالغاز، وسيتم نقل هذا الأمر إلى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، وكذلك إبلاغ الشرع به، ونريد دمج الخطوات التي اتخذناها مع الدعم الذي ستقدمه أذربيجان.

الشرق الأوسط

—————————–

الإدارة الذاتية لـ”النهار”: اللامركزية مفتاح التسوية مع دمشق والمخيمات والنفط خارج البحث

 سركيس قصارجيان

تصاعدت حدّة البيانات المتبادلة بين دمشق والإدارة الذاتية، إثر قرار الأخيرة استحداث “الإدارة العامة لمطار القامشلي الدولي”، ما دفع الحكومة السورية إلى التأكيد على أن إدارة المطار تعود للهيئة العامة للطيران المدني التابعة لها.

واعتُبر القرار الصادر عن المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا خطوة رمزية للضغط على دمشق في سياق المفاوضات الجارية، من دون أن يحمل تأثيراً عملياً على صعيد تشغيل المطار للرحلات الدولية، على غرار مطاري دمشق وحلب.

سوريا ديموقراطية لامركزية

وتؤكد فوزة يوسف، رئيسة الوفد المفاوض عن الإدارة الذاتية، أن الجولة الأولى من المفاوضات التي عُقدت مطلع حزيران/ يونيو الجاري كانت “إيجابية بشكل عام”، مشيرة إلى اتفاق الجانبين على أن “القضايا في سوريا يجب أن تُحلّ بالطرق السلمية والحوار، وأن الطرفين يمتلكان القوة لبناء سوريا ديموقراطية”.

وفي حديثها إلى “النهار”، تشدد يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب “الاتحاد الديموقراطي”، أكبر أحزاب الإدارة الذاتية، على أن “مطالبنا الأساسية تتمثل في إقامة نظام ديموقراطي يضمن لكل المكونات السورية حق العيش بهويتها ضمن منظومة لامركزية”.

وتضيف: “في سوريا تنوع إثني وديني وثقافي واجتماعي، ويجب أن ينعكس هذا التنوع في الدستور الجديد، من خلال مشاركة ممثلين عن جميع المكونات دون إقصاء أو تهميش. الهدف هو قيام جمهورية سورية يعيش فيها جميع السوريين بحرية وكرامة ومساواة في الحقوق والواجبات”.

ورغم الإعلان عن توافق مبدئي، إلا أن تصاعد لهجة البيانات يشير إلى أن التفاهم لا يزال في مراحله الأولى، وسط تباينات جوهرية تبدأ من تعريف الدولة ونظام الحكم، وتصل إلى تفاصيل تشكيل الجيش وإدارة المؤسسات العامة والحيوية.

وتقول يوسف: “لأن الاجتماع كان الأول، من المبكر تحديد نقاط الخلاف بدقة. المهم هو الاستمرار في الحوار لاكتشاف نقاط التقاطع والاختلاف. بالتأكيد لن يكون هناك تطابق في وجهات النظر، لكن الحوار كفيل بتقريبها”. مضيفة أنه “تم الاتفاق على تشكيل لجان ستناقش مختلف الملفات، بما فيها الملفان الأمني والعسكري”.

لا تسليم للمخيمات أو حقول الطاقة

في آذار/مارس الماضي، وقّع قائد “قسد” مظلوم عبدي، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، اتفاقاً يقضي بدمج الهياكل المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية ضمن الإدارة السورية الجديدة، في مناطق تشمل الحسكة ودير الزور والرقة وحلب.

وشهدت الأشهر اللاحقة اتفاقات موضعية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وفي منطقة سد تشرين، ما اعتُبر مؤشرات محدودة لكنها لافتة على تقدم في مسار التفاهم.

وتوضح يوسف أنه “لم يُحدَّد موعد للجولة الثانية من المفاوضات أو خريطة طريق لها، لكن جرى تنسيق إيجابي بين هيئة التربية في شمال وشرق سوريا ووزارة التربية في دمشق بشأن امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية”. كما جرى تبادل للأسرى في حلب، بحسب يوسف، فيما باشرت لجنة عودة سكان عفرين أعمالها، بالتوازي مع دعوات لتفعيل اتفاق حي الشيخ مقصود-الأشرفية.

وفي 24 أيار/مايو، زار وفد حكومي من دمشق مخيم الهول في ريف الحسكة، في أول زيارة من نوعها، وسط تقارير غير رسمية تحدثت عن اتفاق لتسلّم المخيمات والسجون، يليه تسلّم حقول النفط والغاز.

لكن يوسف تنفي ذلك، مؤكدة أن “هذه التسريبات غير واقعية. زيارة ممثلي الحكومة الانتقالية إلى مخيم الهول كانت بغرض تأمين عودة السوريين إلى مناطقهم الأصلية، ولم يُطرح خلال الاجتماعات تسليم المخيمات أو الحقول النفطية”.

نرفض احتكار التمثيل

وفي تصريح حديث، أكد عبدي أن “الكرد سيخوضون مفاوضات مع دمشق من أجل اللامركزية السياسية”، وهو مطلب ترفضه دمشق بالكامل، وتحظى بدعم من أنقرة في هذا الرفض.

وتقول يوسف إن “هناك دوراً تركياً واضحاً في بعض الملفات التي نوقشت مع دمشق، ولم يكن هذا الدور إيجابياً، بل أدى أحياناً إلى عرقلة التفاوض”. وترى أن “تركيا تمتلك اليوم نفوذاً على دمشق، ويمكنها – إن أرادت – لعب دور إيجابي، نظراً لعلاقتها المتقدمة مع الحكومة السورية، التي انبثقت أساساً من حكومة الإنقاذ في إدلب”.

في المقابل، تشير يوسف إلى أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على الطرفين لتشجيع الحوار، وتضيف: “الخيارات العسكرية لم تفضِ إلى حل، بل زادت الوضع تعقيداً. من هنا، نرى في دعم المسؤولين الأميركيين لعملية التفاوض خطوة إيجابية، بالنظر إلى تأثيرهم الكبير في سوريا”.

أما بشأن مخاوف من انسحاب أميركي وتفويض الملف السوري لأنقرة، وهو ما تراهن عليه تركيا، تقول يوسف: “لا يمكن التكهن بالمستقبل، لكن حتى الآن، التصريحات الصادرة عن المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، تؤكد استمرار التعاون مع قسد في محاربة داعش”.

وبشأن العلاقة مع المكونات السورية الأخرى، توضح يوسف: “لدينا علاقات مع جميع المكونات، بما فيها العلويون والدروز، لكن لا يوجد تنسيق رسمي بشأن المطالب من دمشق”. وتضيف: “نحن نرفض التحدث باسم أحد. كل مكون له الحق في التفاوض بحرية، ونعلم أن الدروز والعلويين يملكون هذه الإرادة”.

النهار العربي

———————————

 قسد تستخدم مطار القامشلي بوجه الحكومة.. ورقة “غير قانونية”/ مصطفى محمد

الأربعاء 2025/06/25

في خطوة أدرجها مراقبون في إطار الضغط على الحكومة السورية، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أميركياً، استحداث إدارة عامة لمطار القامشلي بريف الحسكة، تتبع للإدارة الذاتية.

ويبدو من توقيت الخطوة الذي جاء متزامناً مع أنباء عن رفض دمشق مواصلة استقبال وفود “قسد” التفاوضية، أن الأخيرة أرادت التلويح بالأوراق التي تمتلكها، خصوصاً في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة.

من جهتها، اعتبرت دمشق أن أي محاولة لاستخدام مطار القامشلي الدولي دون تنسيق وموافقة رسمية، “خرق واضح للقوانين والأنظمة الدولية الناظمة للملاحة الجوية”.

وقالت الهيئة العامة للطيران المدني السوري، إن “مطار القامشلي الدولي مغلق حالياً لأسباب تشغيلية، ويُعدّ هذا الإغلاق نافذاً وملزماً لجميع شركات الطيران والجهات المعنية محلياً ودولياً”، مشددة على أنها “الجهة الوحيدة المخولة قانونياً بإدارة وتشغيل المطارات السورية، وتنظيم الحركة الجوية ضمن الأجواء السورية، بما في ذلك إصدار أو تعديل أي إعلانات ملاحية”.

كسر الجمود

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الكردي علي تمي، أن خطوة قسد تأتي لتحريك حالة “الجمود” في مسار التفاوض مع الحكومة السورية، مشيراً في حديث لـ”المدن”، إلى رفض الحكومة السورية بحث الملفات التي حملها الوفد الكردي الذي أرسلته “قسد” إلى دمشق قبل أيام.

وكانت مصادر قد أكدت أن الحكومة السورية رفضت مناقشة مطلب “النظام اللامركزي”، وأشارت إلى أن الاتفاق الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، في آذار/مارس الماضي، بحث المطالب الأخرى (الخصوصية الكردية).

وقال تمي لـ”المدن”، إن قسد تريد التغطية على فشلها وضعف موقفها بمواجهة الحكومة السورية من خلال تحريك ملف مطار القامشلي، مضيفاً “باعتقادي كان رد الحكومة واضحاً، وبالتالي فإن تشكيل الإدارة للمطار يأتي في إطار تضليل الرأي العام التابع لقسد”.

قسد تلوح بآخر أوراقها

في السياق ذاته، ربط مصدر مطلع على خفايا قسد، استحداث إدارة لمطار القامشلي بالتصعيد الذي تشهده المنطقة جراء الحرب بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، موضحاً أن “قسد ترى أنه من المحتمل أن يُعيد التصعيد رسم المشهد السياسي في المنطقة”.

وقال المصدر لـ”المدن”: “تعتقد قسد أن من المحتمل أن تُقوي روسيا من حضورها في المنطقة، وفي شمال شرق سوريا حيث تتواجد قوات روسية في مطار القامشلي”.

ولفت المصدر إلى استقدام القوات الروسية تعزيزات قبل مدة إلى مطار القامشلي من قاعدة حميميم في الساحل السوري، وقال: “قد يكون المطار آخر أوراق قسد، بعد أن تبين أن قرار الانسحاب الأميركي من سوريا بات محسوماً”.

وكانت تقارير إخبارية قد تحدثت عن تعزيزات عسكرية روسية وصلت إلى مطار القامشلي، بعد شهور من سقوط  النظام البائد، مشيرة إلى تعزيز روسيا للحراسة وأدوات المراقبة في محيط المطار.

مخالفة للقوانين السورية

من جهته، أكد الحقوقي والسياسي الكردي رديف مصطفى، مخالفة استحداث “قسد”، إدارة لمطار دمشق، للدستور السوري الذي ينص على سيادة الدولة على المطارات والمعابر البرية والموانئ البحرية. وقال لـ”المدن”: “أرادت قسد توجيه رسالة للأكراد بأنها ماضية باتجاه بناء نظام لامركزي في سوريا، وبالتالي هي تريد حشد الشارع الكردي السوري خلفها”.

وبحسب مصطفى، فإن الهدف الثاني هو المماطلة والتسويف وخلق ملفات وتفاصيل نحو عرقلة اتفاق الشرع- عبدي عبر الابتزاز لتحقيق المزيد من المكتسبات، وعقّب بالقول: “في الحقيقة هناك فجوة كبيرة جداً بين ما تطالب به الأحزاب الكردية، خصوصاً وأن قسماً من هذه المطالب غير واقعي، وبين رؤية الحكومة السورية، ولا زلنا أمام اتفاق متعثر”.

———————————-

 تمديد اتفاق النفط بين الحكومة السورية و”قسد”.. هل من جديد في بنوده؟

2025.06.26

كشف مصدر مطّلع لموقع “تلفزيون سوريا” عن توصل الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى اتفاق يقضي بتمديد العمل باتفاق استجرار النفط والغاز من حقول شمال شرقي سوريا لمدة ثلاثة أشهر إضافية.

وقال المصدر إن الاتفاق يشمل كذلك زيادة كميات النفط والغاز المرسلة من حقول دير الزور والحسكة إلى مصافي حمص وبانياس، عبر صهاريج مخصصة للنقل، من دون أن يشمل تسليم إدارة أي من الحقول النفطية إلى الحكومة السورية.

وأضاف أن تسليم الحقول النفطية ما يزال مرتبطاً بعمل اللجان المشتركة المكلّفة بتطبيق التفاهمات بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي.

تعليق مؤقت ثم استئناف الضخ

وأوضح مصدر فني من حقل رميلان النفطي لموقع “تلفزيون سوريا” أن عمليات إرسال النفط الخام إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية توقفت لنحو أسبوع مطلع الشهر الجاري، قبل أن تُستأنف مجدداً عبر الصهاريج. مشيراً إلى أنه مؤخراً سمح لعدد أكبر من الصهاريج بالدخول يومياً إلى حقل تل العدس لتعبئة النفط، مما أدى إلى زيادة الكميات المرسلة من حقول الحسكة.

وأشار المصدر إلى أن عملية نقل النفط تجري حالياً بسلاسة وانتظام منذ بدء تنفيذ اتفاق الاستجرار مع الحكومة السورية.

اتفاق مبدئي لاستجرار الغاز من الحسكة

وكانت وزارة النفط في حكومة دمشق المؤقتة قد أعلنت، في شباط الماضي، عن التوصل إلى “اتفاق مبدئي” مع “قسد” لاستجرار النفط والغاز من مناطق شمال شرقي سوريا لمدة ثلاثة أشهر.

وأوضح أحمد السليمان، مسؤول العلاقات العامة في الوزارة، في حينها، أن الاتفاق جاء بعد مراجعة قانونية شاملة لعقد سابق، بهدف ضمان التوافق مع القوانين الوطنية وتلبية احتياجات السوق المحلية.

وبحسب السليمان، تُقدّر الكميات المستجرة بأكثر من 15 ألف برميل من النفط الخام يومياً، إلى جانب ما بين 500 ألف ومليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، تُنقل إلى مصافي حمص وبانياس، في حين يُضخ الغاز من حقل الجبسة عبر أنبوب يمر بالحسكة ودير الزور وتدمر وصولاً إلى حمص.

إنتاج متقلب وحقول رئيسية في قبضة “قسد”

وتنتج حقول رميلان في محافظة الحسكة أكثر من 20 ألف برميل يومياً، في حين يتجاوز الإنتاج الكلي في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” 50 ألف برميل يومياً، وفق مهندسين عاملين في الحقول. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الإنتاج تجاوز 100 ألف برميل يومياً قبل تعرض الحقول لهجمات جوية تركية خلال العامين الماضيين.

وتقوم “الإدارة الذاتية” بتكرير النفط محلياً وبيع مشتقاته في محطات وقود تابعة لها، إلى جانب تعبئة ما بين 12 و14 ألف أسطوانة غاز منزلي يومياً في معمل السويدية جنوبي رميلان، الذي ينتج نحو نصف مليون متر مكعب يومياً من الغاز.

كما ينتج معمل غاز الجبسة في الشدادي نحو 1.2 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، ويُربط بخط أنابيب يمتد حتى محطة الريان في ريف حمص.

———————————–

 “قسد” تنقل أخطر معتقليها ليلاً إلى سجن جديد عالي التحصين شمالي الرقة

2025.06.18

نقلت “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” عدداً من المعتقلين الذين تصنّفهم ضمن “الأخطر” من سجن الرقة المركزي إلى معتقل جديد عالي التحصين يُعرف باسم سجن “الأقطان”، شمالي مدينة الرقة، وذلك بإشراف مباشر من التحالف الدولي، ووسط تحليق مكثّف للطيران المروحي الأميركي.

وأفادت “شبكة نهر ميديا” الإخبارية المحلية، اليوم الأربعاء، بأن عملية النقل جرت قبل يومين وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث تم اقتياد المعتقلين تحت حراسة مشددة إلى السجن الجديد، الذي يبعد نحو 7 كيلومترات عن مركز المدينة باتجاه الشمال.

ووفقاً لمصادر محلية عملت سابقاً في مشاريع البناء التابعة للإدارة الذاتية، فإن سجن “الأقطان” جرى الانتهاء من تجهيزه منتصف الشهر الماضي، ويقع ضمن منطقة أمنية تضم مقارّ لمجلس الرقة العسكري، والقوات الخاصة “HAT”، إضافة إلى مساكن للقيادات العسكرية، ويتميّز بتصميم هندسي ثلاثي يشبه سجن صيدنايا العسكري في ريف دمشق.

ويضم السجن الجديد 60 مهجعاً جماعياً و120 زنزانة انفرادية، مزوّدة جميعها بمنظومة مراقبة متقدّمة تعمل بكاميرات حديثة، تم تركيبها من قبل ورشات فنية متخصّصة وصلت من مدينة الحسكة، بحسب معلومات حصلت عليها “نهر ميديا”.

في المقابل، لم تُعلن طبيعة الملفات الجنائية أو القضائية للمحتجزين فيه، وسط ترجيحات بأن السجن سيُستخدم للاحتفاظ بعناصر متهمين بالانتماء لتنظيم “الدولة” (داعش).

سجن الرقة المركزي

وسبق أن زار وفد من التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، سجن الرقة المركزي، الذي يضم عدداً كبيراً من عناصر تنظيم “الدولة” (داعش)، عدة مرات.

وجاء ذلك بعد فرار سجناء من تنظيم “داعش” وإلقاء القبض على عدد منهم، فيما تمكّن البقية من الفرار، وحينها نقل التحالف 90 سجيناً من تنظيم “الدولة”، المحتجزين في الرقة، إلى سجون أخرى في الحسكة، شمال شرقي سوريا.

ويُعد سجن الرقة أحد أبرز المراكز الأمنية التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، وقد أُنشئ عقب السيطرة على المدينة من تنظيم “داعش” عام 2017، ليصبح لاحقاً مركزاً رئيسياً لاحتجاز من تصنّفهم “قسد” ضمن فئة المتطرفين أو الخطرين أمنياً، لا سيما من عناصر التنظيم أو المتهمين بالانتماء إليه.

ورغم الحراسة المشددة التي يفرضها الجهاز الأمني التابع للإدارة الذاتية، شهد السجن خلال السنوات الماضية عدّة حوادث أمنية ومحاولات فرار، فضلاً عن تقارير حقوقية تحدّثت عن سوء أوضاع الاحتجاز داخله، من حيث الاكتظاظ ونقص الخدمات الطبية.

ويخضع السجن لرقابة غير مباشرة من قوات التحالف الدولي، التي تتابع ملف معتقلي “داعش” في شمال وشرق سوريا، وقد تدخلت في عدة مناسبات لتعزيز الإجراءات الأمنية حوله أو نقل معتقلين إلى مراكز أكثر تحصيناً، وسط مخاوف من استهدافه في ظلّ نشاط خلايا التنظيم في المنطقة.

———————————

 واشنطن تؤكد التزامها بتسليم إدارة مخيمات شمال شرقي سوريا إلى الحكومة الجديدة

2025.06.18

أكدت الولايات المتحدة الأميركية التزامها بتسليم إدارة مخيمات شمال شرقي سوريا، التي تديرها “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، إلى الحكومة السورية الجديدة.

وقالت السفارة الأميركية في دمشق، في منشور على صفحتها على موقع “فيس بوك”، إن الولايات المتحدة “تلتزم بعملية انتقال مسؤولة لإدارة المخيمات في شمال شرقي سوريا إلى الحكومة السورية الجديدة، وبالعودة الطوعية للسوريين إلى ديارهم”.

وأشارت إلى أنه في 15 حزيران الجاري، غادرت 42 عائلة سورية، مؤلفة من 178 شخصاً، مخيم الهول بريف الحسكة، عائدة إلى مجتمعاتها الأصلية في مختلف أرجاء سوريا.

وأوضحت السفارة أن هذه العودة المنظّمة تمت بدعم من الولايات المتحدة، وبالتنسيق مع إدارة المخيم، والسلطات المحلية، وشريك المجتمع المدني المتمثل بـ”وحدة دعم الاستقرار” (S.S.U.).

وفد حكومي يزور مخيم الهول شمال شرقي سوريا

زار وفد من الحكومة السورية، برفقة مسؤولين من قوات التحالف الدولي، مخيم الهول بريف الحسكة أواخر شهر أيار الماضي، وأجرى مباحثات مع إدارة المخيم، بحسب ما أفاد مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا.

وأضاف المصدر أن الوفد اجتمع مع مسؤولي الإدارة في المخيم، بحضور ممثلين عن التحالف الدولي، حيث بحث الطرفان آليات التنسيق لإخراج العائلات السورية من المخيم، وتبادل المعلومات، وتعزيز التعاون المتعلق باللاجئين في مخيمات شمال شرقي سوريا.

وقدّم مسؤولو إدارة المخيم شرحاً للوفد الحكومي حول أوضاع المخيم وعدد قاطنيه من السوريين والعراقيين وجنسيات أخرى، إضافة إلى أبرز العوائق التي تواجه عمليات الإخراج، والأوضاع الإنسانية المتدهورة بسبب تراجع دعم المنظمات خلال الأشهر الماضية.

وذكر المصدر أن الوفد الحكومي ضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والداخلية، إضافة إلى مسؤولي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، في حين رافقهم مسؤولون مدنيون من وزارة الخارجية الأميركية وقوات التحالف الدولي.

وفي تصريح آخر، قال مصدر مقرّب من “قسد” لموقع تلفزيون سوريا، إن الزيارة جاءت ضمن الاتفاق المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي في آذار الماضي.

وأوضح المصدر أن الوفد الحكومي سيزور أيضاً عدداً من السجون التي تحتجز عناصر من تنظيم الدولة (داعش) في محافظة الحسكة، وذلك للاطلاع على أوضاعها العامة.

وبحسب المصدر ذاته، فإن الزيارة لا تتضمن أي خطوات تمهيدية لتسليم إدارة السجون والمخيمات إلى الحكومة السورية، مشدداً على أن “قسد” تواصل مسؤولياتها في حماية تلك المواقع بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي.

واتفق الطرفان على تشكيل لجان لمتابعة التنسيق والتواصل، مع الإعداد لعقد اجتماعات لاحقة تتعلق بإيجاد آلية لإخراج السوريين من مخيم الهول باتجاه مناطق الحكومة السورية في دير الزور وتدمر وحلب وغيرها من المحافظات، وفقاً للمصدر.

————————–

3 تحديات أمنية تواجه الحكومة السورية رغم الاستقرار التدريجي/ فراس فحام

18/6/2025

بسقوط نظام الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سقطت المنظومتان الأمنية والعسكرية بالكامل، ورغم حلول مؤسسات حكومة الإنقاذ السابقة القادمة من إدلب محل المؤسسات المنحلة فإنها لم تكن كافية لملء الفراغ الكبير.

وفي وقت تستكمل فيه الحكومة السورية المشكّلة حديثا تشكيل وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية في البلاد وتوحيد الفصائل الثورية وجمع السلاح تعاني البلاد من تهديدات أمنية مستمرة، على رأسها استمرار نشاط فلول نظام الأسد بالتوازي مع تقارير عن التحاقهم بمناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق البلاد.

وبالإضافة إلى تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية يتزايد التوتر على خلفية الغضب الشعبي وعدم الرضا عن سير ملف العدالة الانتقالية، خاصة مع إعلان الإدارة السورية بشكل واضح عن وجود تعاون بين قيادات سابقة في نظام الأسد من أجل الاستقرار.

فلول نظام الأسد

في مطلع يونيو/حزيران الجاري أصدر نشطاء سوريون مهتمون برصد الأوضاع في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة “قسد” تقارير تؤكد استمرار التحاق فلول نظام الأسد بهذه القوات.

ووفقا للتقارير، فإن “قسد” -التي احتوت بالأصل عناصر سابقة من نظام الأسد بعد سقوطه- فتحت الباب للمتطوعين القادمين من الساحل السوري ومحافظتي حمص وحماة، حيث نظمتهم ضمن تشكيلات جديدة، ويناهز عددهم 6 آلاف عنصر.

وبحسب المصادر، فإن “قسد” وزعت هذه التشكيلات على منطقتي الطبقة والمنصورة في محافظة الرقة، بالإضافة إلى حقلي العمر وكونيكو في دير الزور.

وأفاد نشطاء ينحدرون من منطقة شمال شرق سوريا لموقع الجزيرة نت بأن “قسد” تعمل على تعزيز هيكلها بالعناصر العربية لتعويض النزيف الذي أصابها بعدما بدأت العناصر العشائرية العربية المحلية بالانفضاض عن التنظيم إثر سقوط نظام الأسد، مع تفضيل الالتحاق بالمؤسسة الأمنية التي تؤسسها الحكومة الجديدة، خاصة في محافظة دير الزور.

وفي الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري اندلعت اشتباكات بين الفرقة 66 التابعة للجيش السوري الجديد وتشكيلات تتبع لقسد شرق محافظة الرقة، مما أدى إلى سقوط قتلى بعد استخدام القذائف الصاروخية للمرة الأولى عقب الإعلان عن الهدنة بين الطرفين في مارس/آذار الماضي.

وتشهد مناطق شمال شرق سوريا -خاصة محافظة دير الزور- ارتباكا أمنيا وعمليات اغتيال شبه يومية، في ظل انتقادات كثيرة يوجهها الأهالي للجهاز الأمني الرسمي في المحافظة، مع الحديث عن احتوائه على عناصر كانوا سابقا ضمن الأجهزة الأمنية لنظام الأسد.

فقد نشر نشطاء من دير الزور معلومات تؤكد التحاق عناصر كانوا يعملون سابقا لدى النظام ضمن الفوج الـ47 الذي كان محسوبا على الحرس الثوري، وهذا ما دفع وزارة الداخلية السورية إلى الكشف عن تعليق عمل المئات من العناصر من أجل دراسة ملفاتهم مجددا.

وعلى الرغم من انخفاض نشاط فلول نظام الأسد في منطقة الساحل السوري ومحافظة حمص بعد الموجة الكبيرة لنشاطهم والتي بلغت ذروتها في مارس/آذار الفائت فإن الهجمات لم تتوقف بالكامل.

ونفذ عناصر مسلحون في اللاذقية منتصف يونيو/حزيران الجاري هجوما على عائلة تستقل سيارة لوحاتها صادرة عن محافظة إدلب، ظنا منهم أنها تتبع للأمن السوري.

كما شهدت منطقة تل كلخ في محافظة حمص هجمات لفلول الأسد، مما دفع الحكومة السورية إلى إرسال تعزيزات للمنطقة وتنفيذ حملة أمنية لتحييد العناصر المهاجمة.

نشاط خلايا تنظيم الدولة

في 30 مايو/أيار الماضي تبنى تنظيم الدولة هجوما على فرقة تتبع للجيش السوري الجديد نتج عنه مقتل عنصر وإصابة 3 آخرين من الفرقة 70، حيث تم تنفيذ الهجوم بعبوة ناسفة استهدفت آلية تتبع للفرقة في منطقة البادية السورية قرب محافظة السويداء.

التنظيم استبق هذا الهجوم بشن حرب إعلامية على الرئيس السوري أحمد الشرع بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض منتصف مايو/أيار الماضي، حيث اتهم التنظيم في زاوية خصصها ضمن صحيفة نبأ التابعة له الشرع بالتفريط بالشريعة مقابل الدعم الأميركي، ودعا المقاتلين الأجانب إلى الانضمام له.

وفي 12 يونيو/حزيران الجاري نقلت وكالة رويترز عن 20 مصدرا -بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون في سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا- تأكيدات بأن تنظيم الدولة بدأ إعادة تنشيط مقاتليه في العراق وسوريا، حيث يقوم بالدعاية لتجنيد المقاتلين مع توزيع الأسلحة.

كما أشارت المصادر إلى وجود قلق من انتقال مقاتلين أجانب مجددا إلى البلدين من أجل الالتحاق بالتنظيم.

وفي مطلع يونيو/حزيران الجاري سربت مصادر أمنية معلومات تفيد بتعيين تنظيم الدولة واليا في حلب يدعى أبو دجانة الجبوري وينحدر من العراق، مشيرة إلى أن سبب تعيينه هو عمله سابقا في تنظيم “جبهة النصرة”، وهو الاسم السابق لهيئة تحرير الشام قبل إعلان انفكاكها عن تنظيم القاعدة، وبالتالي فإن أبو دجانة يمتلك معرفة عن هياكل التشكيلات العسكرية التي كانت تابعة لـ”تحرير الشام” وتنشط حاليا ضمن الجيش السوري.

وفي منتصف مايو/أيار الماضي كشفت وزارة الداخلية السورية عن مداهمة مقرات يتوارى فيها عناصر من تنظيم الدولة ضمن أحياء حلب الشرقية شبه المهجورة، والتأكيد على إلقاء القبض على عناصر لخلايا تابعة للتنظيم.

وأكد مصدر أمني سوري للجزيرة نت أن خلايا تابعة لتنظيم الدولة أعادت بالفعل انتشارها في سوريا منذ بداية يونيو/حزيران الحالي، وتتمركز حاليا في بعض المناطق بريف دمشق وريف حلب، بالإضافة إلى مدينة دير الزور وما حولها، لكن دون رصد أي نشاط عسكري لها حتى اللحظة.

فجوات أمنية ومرحلة حساسة

وسلط معهد واشنطن للدراسات في تحليل صادر عنه أواخر مايو/أيار الماضي الضوء على عودة نشاط تنظيم الدولة، مشيرا إلى تنفيذه أكثر من 30 عملية منذ مطلع عام 2025.

وحذر المعهد في دراسته من قدرة التنظيم على إحداث اضطراب كبير في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة، وأوصى باستكمال تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، والذي ينص على سيطرة الحكومة على محافظة دير الزور، وبالتالي توحيد الإدارة في المحافظة، مما سيمنع التنظيم من استغلال الفجوات بين مناطق السيطرة المتباينة.

من جانبها، تدرك الحكومة السورية فيما يبدو أخطار عودة نشاط التنظيم في المنطقة وسوريا، وبناء عليه دخلت ضمن غرفة عمليات إقليمية تم الكشف عن تأسيسها أواخر مايو/أيار الفائت خلال اجتماع عقد في الأردن، وتضم الغرفة تركيا والأردن وسوريا والعراق ولبنان.

كما تحرص دمشق على تطوير التنسيق الأمني مع بغداد لمواجهة هذا التهديد، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال يونيو/حزيران الجاري المبعوث العراقي للملف السوري عزت الشابندر، وذلك بعد شهرين من زيارة رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري إلى دمشق.

التوترات الأمنية بسبب العدالة الانتقالية

يزداد التوتر الأمني في سوريا بشكل ملحوظ منذ المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان عضو لجنة السلم الأهلي المنبثقة عن الحكومة السورية في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري، بعد اعتراضات شعبية على إطلاق سراح العشرات من عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

وبدلا أن يساهم المؤتمر الصحفي في تهدئة الشارع السوري المطالب بمحاكمة الضباط والعناصر السابقين في نظام الأسد انطلقت إثره موجة اغتيالات في مختلف المناطق السورية -خاصة محافظة حمص- طالت عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

ولم تلق تصريحات صوفان القبول، خاصة تأكيده على أن قيادات سابقة في نظام الأسد مثل القيادي في مليشيا الدفاع الوطني فادي صقر تساهم في الملف الأمني وجهود تعزيز السلم الأهلي حاليا.

وردّت لجان ونقابات عدة على تصريحات صوفان، أبرزها لجنة العدالة الانتقالية في حمص المنبثقة عن فرع نقابة المحامين، وأكدت أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جادة وواضحة وشفافة وغير قائمة على المقايضات.

واعتبرت تصريحات صوفان عن إعطاء الأمان لقيادات سابقة في نظام الأسد استفزازا للضحايا، كما انتشرت دعوات لمظاهرات شعبية في إدلب وحلب وحمص وريف دمشق.

ومنذ المؤتمر الصحفي تم تسجيل حالات اغتيال لقيادات وعناصر سابقة في نظام الأسد نفذتها عناصر مسلحة مجهولة في محافظات عديدة، وطالت في محافظة حلب خالد الكحيل أحد قادة لواء القدس الذي كان بمثابة ذراع عسكرية رديفة لنظام الأسد في حلب.

وفي محافظة حمص تمت تصفية عقيدين سابقين في جيش الأسد هما هيثم محمود ويوسف محمود، كما أضرم مجهولون النار بمنزل الضابط السابق مفيد خضور ضمن مدينة مصياف في محافظة حماة.

ونتيجة تنامي حالات الاغتيالات ألقى العديد من خطباء المساجد في سوريا في 13 يونيو/حزيران الجاري خطبة موحدة عن ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي والابتعاد عن أعمال الانتقام.

ومن شأن تصاعد التهديدات الأمنية أن تؤثر سلبا على جهود الحكومة السورية الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي والمعاشي، خاصة إذا وصلت إلى مستوى يدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن العودة إلى سوريا وتأسيس مشاريع فيها.

المصدر: الجزيرة

——————————

الولايات المتحدة تخلي قاعدتين شمال شرق سوريا.. وقسد تحذر من عودة “داعش

18 يونيو 2025

أفادت وكالة “رويترز” بأن الولايات المتحدة سحبت قواتها من قاعدتين إضافيتين في شمال شرق سوريا، وسط تزايد مخاوف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بالتزامن مع تسارع وتيرة الانسحاب الأميركي من المنطقة.

وذكرت الوكالة، نقلًا عن مراسليها، أن القوات الأميركية أخلت مؤخرًا قاعدتي “الوزير” و”تل البيدر” بمحافظة الحسكة، واللتين كانت تشغلهما قوات التحالف الدولي ضد “داعش” بقيادة واشنطن، مشيرةً إلى أنه بذلك يرتفع عدد القواعد التي انسحبت منها القوات الأميركية في سوريا إلى أربع منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه.

ونقلت “رويترز” عن سياسي كردي قوله إنه لم يعد هناك وجود للقوات الأميركية في هاتين القاعدتين، فيما أفاد عناصر حراسة تابعين لـ”قسد” بأن القوات الأميركية غادرت القاعدة الثانية من دون تحديد موعد المغادرة.

وأشارت إلى أن وزارة الدفاع الأميركية رفضت التعليق على هذه المعلومات، فيما لم ترد “قسد” على أسئلتها بشأن عدد القواعد الأميركية المفتوحة، والجنود الأميركيين المتبقين في شمال شرق سوريا.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أعلنت إدارة ترامب عزمها تقليص عدد قواعدها العسكرية في سوريا إلى قاعدة واحدة فقط من أصل ثماني قواعد موجودة في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”. كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، في نيسان/أبريل الفائت، نيتها تخفيض الوجود العسكري الأميركي في سوريا إلى أقل من ألف جندي خلال الأشهر المقبلة.

ويثير الانسحاب الأميركي المُرتقب مخاوف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من عودة نشاط “داعش”، وقد عبّر عن هذه المخاوف القائد العام لـ”قسد”، مظلوم عبدي، في تصريحات لوكالة “رويترز” أكد فيها أن وجود بضع مئات من الجنود الأميركيين في قاعدة واحدة “غير كافٍ” لمواجهة تهديد “داعش”.

وأضاف: “تهديد داعش ازداد بشكل كبير مؤخرًا، لكن هذا هو المخطط الأميركي. نحن نعلم به منذ وقت طويل، ونعمل معهم لضمان عدم وجود ثغرات وأن نُبقي الضغط على داعش”.

وأشار عبدي إلى أن خلايا التنظيم نشطت مجددًا في العديد من المدن السورية، بما في ذلك العاصمة دمشق، بعد سقوط نظام الأسد. كما لفت إلى استيلاء التنظيم على أسلحة وذخائر من مستودعات النظام السابق خلال الفوضى التي أعقبت سقوطه.

وأفادت “رويترز”، نقلًا عن عدة مسؤولين أكراد، بأن عناصر “داعش” بدأت تتحرك بحرية أكبر قرب القواعد الأميركية التي أُغلقت مؤخرًا، بما في ذلك قرب مدينتي دير الزور والرقة، وهما من أبرز معاقل التنظيم سابقًا.

——————————

تفاقم أزمة المياه في الحسكة السورية… 3 ملايين يواجهون العطش/ سلام حسن

26 يونيو 2025

يعاني نحو ثلاثة ملايين سوري يعيشون في محافظة الحسكة (شمال شرق) من أزمة تأمين المياه، رغم أن أنهاراً تمر عبر أراضيها، مثل دجلة والخابور والجراح والبليخ. وتتوزع الكثافة السكانية في مدن شمال المحافظة وشرقها، مثل المالكية ومعبدة ورميلان والجوادية والقحطانية التي تُعد الأقل تضرراً من شح المياه الذي يتفاقم يومياً في مدينة القامشلي، كبرى مدن المحافظة، أما مدن تل حميس واليعربية والشدادة ومركدة وأريافها، جنوبي المحافظة، فتعاني من شح حاد في المياه وسوء جودتها منذ عقود.

وفي مدينة الحسكة، مركز المحافظة، بدأت معاناة السكان تتفاقم منذ أن سيطرت فصائل عسكرية موالية للجيش التركي على مدينة رأس العين في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بعدما خرجت من يد “الإدارة الذاتية الديمقراطية”، وقطعت مياه محطة علوك.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية، أول من أمس الثلاثاء: “نفذت فرق اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) زيارة تقييمية لمحطة علوك، ما أكد التزامها بإعادة تأهيل المحطة وضمان الوصول المستدام للمياه إلى مئات آلاف الأشخاص في الحسكة. ورغم أن إعادة تشغيل المحطة وضمان عملها الدائم سيستغرق وقتاً، نلتزم بإعادة هذا الشريان الحيوي للحياة وضمان الاستقرار للمجتمعات المتأثرة بالنزاع”.

وقيّمت الزيارة القدرات الفنية لمحطة علوك في توصيل الكهرباء، وخطط توفير حلول عاجلة وطويلة الأمد بالتنسيق مع السلطات المحلية والشركاء. ودخل وفد من مكتب الأمم المتحدة في القامشلي والهلال الأحمر العربي السوري محطة علوك بالتنسيق مع الحكومة السورية وبحماية القوات الأميركية، بهدف تفقد المحطة تمهيداً لصيانتها وإعادة تشغيلها قريباً.

ومنذ عام 2020، تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري الاستجابة لأزمة المياه الناتجة عن تكرر توقف محطة علوك، ووزعت 267 خزان مياه في مواقع مختلفة من الحسكة جرت تعبئتها دورياً لضمان وصول المياه النظيفة إلى أكبر عدد من السكان. لكن هذه الجهود لم تمنع تزايد المعاناة اليومية للسكان، فالقامشلي تعتمد على ثلاثة مصادر للمياه، هي محطة الهلالية ومحطة العويجة ومحطة جقجق، إضافة إلى محطة سد سفان التي تغذي محطة العويجة.

وتضم محطة الهلالية 52 بئراً تعمل منها 47 حالياً بغزارة 4000 متر مكعب في الساعة، وتضخ نحو 50 ألف متر مكعب يومياً، ما يغطي 80% من احتياجات المدينة وفق إحصاءات مديرية المياه. وتبقى هذه المحطة قيد الخدمة حتى في حالات انقطاع الكهرباء بفضل ستة مولدات تعمل باستمرار.

أما محطة العويجة، فتؤمّن 355 متراً مكعباً في الساعة من خلال 11 بئراً، وتضخ محطة جقجق المياه عبر ستة آبار. وتتكامل هذه المصادر مع 13 بئراً موزعة لتغطي نحو 20% من احتياجات القامشلي. ويغذي سد سفان هذه الشبكة بمعدل ضخ يتراوح بين 800 و900 متر مكعب في الساعة، أي نحو 19 ألفاً و200 متر مكعب يومياً.

ورغم هذه الكميات، تشهد بعض أحياء القامشلي نقصاً حاداً في مياه الشرب. وفي حي تل حجر بالحسكة، قال عبد الجبار محمد لـ”العربي الجديد”: “تستمر معاناتنا مع المياه في كل الفصول، والصيف أصعب. تتأخر الصهاريج في الوصول بسبب الضغط، وقد ننتظر يوماً كاملاً أحياناً. وتحتاج أسرتي التي تضم أربعة أشخاص إلى تعبئة خزانين أسبوعياً بتكلفة تصل إلى 500 ألف ليرة شهرياً، رغم أن المياه غير صالحة للشرب”.

ويعمل في المدينة نحو ألف صهريج لنقل المياه، لكنها لا تغطي الاحتياجات اليومية للسكان، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة التي تجاوزت 35 درجة مئوية في الأيام الأخيرة. وقالت ردينة العيسى لـ”العربي الجديد”: “أصبحت حياتي سباقاً يومياً لتأمين المياه. أضبط منبهي عند الفجر كي أكون أول من يصل إلى خزان الحي. وانتظر أحياناً ساعتين لملء غالونين لا يكفيان ليوم واحد”. أضافت: “لا أستطيع تحمّل تكلفة صهاريج المياه الخاصة التي تتراوح بين 40 ألفاً إلى 50 ألف ليرة لخمسة براميل، والخزانات العامة لم تعد تكفي مع ازدياد الكثافة السكانية. يتشاجر الناس على المياه بسبب الزحام، وأشعر بإهانة وأنا أنتظر دوري مع أطفالي، بينما كنا نحصل سابقاً على المياه من الحنفيات في بيوتنا”. وتطالب ردينة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بتحييد محطة علوك عن الخلافات السياسية، “فالمياه حق إنساني طبيعي وليست أداة لعقاب جماعي.

وأثرتت أزمة المياه مباشرة على صحة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن. ويقول محمد صديق من الحسكة لـ”العربي الجديد”: “أصيب ابني الصغير بإسهال شديد الشهر الماضي بسبب مياه غير صالحة من صهريج خاص. لا نعرف إذا كانت مياه الصهاريج نظيفة لكن لا خيار لنا”.

العربي الجديد

——————————————

إردوغان يبحث مع ترمب ملف اندماج «قسد» في الجيش السوري

سعيد عبد الرازق،

كشفت مصادر تركية عن أن الرئيس رجب طيب إردوغان ناقش مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب التطورات في سوريا بمختلف أبعادها خلال لقائهما على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي.

وقالت المصادر إن إردوغان تطرق خلال اللقاء مع ترمب، الذي عقد ليل الثلاثاء – الأربعاء، إلى ملف اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الجيش السوري الجديد. وأكد أن الإدارة السورية عازمة على محاربة جميع التنظيمات الإرهابية، بما فيها «داعش»، وأن تركيا تواصل تقديم الدعم لها في هذا الصدد.

وبحسب المصادر، التي تحدثت لوسائل إعلام قريبة من الحكومة التركية، تطرق إردوغان إلى مسألة الدعم الأميركي لـ«قسد»، التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب الكردية»، لافتا إلى أنه «بعد اندماج (قسد) في الجيش السوري بحسب الاتفاق الموقع مع دمشق، في مارس (آذار) الماضي، لن تكون هناك حاجة لاستمرار هذا الدعم وستتولى الإدارة السورية، بدعم من تركيا السيطرة على السجون التي يوجد بها عناصر (داعش) وعائلاتهم».

اتهامات لـ«قسد»

وسبق أن اتهم إردوغان «قسد» بالمماطلة في الاتفاق الموقع بين قائدها مظلوم عبدي والرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، مشددا على أنها «ستتحمل تبعات عدم تنفيذ الاتفاق، وأن تركيا تراقب هذا الأمر من كثب».

وتطالب تركيا بحل «وحدات حماية الشعب الكردية»، التي تسيطر على«قسد» والتي تعتبرها أميركا «حليفا وثيقا في الحرب على داعش»، ورحيل عناصرها الأجنبية إلى خارج سوريا، واندماج باقي العناصر في الجيش السوري الجديد. وتؤكد واشنطن، في المقابل، أنها ستواصل الوقوف إلى جانب «(قسد) كحليف مهم».

وقالت المصادر إن إردوغان بحث مع ترمب أيضا في «الخطوات التي تتخذ لتنفيذ قرار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، ووضع القوات الأميركية هناك، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وضرورة توقفها، والعمل على دعم وحدة سوريا وسيادتها».

في السياق ذاته، أكد إردوغان خلال لقائه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على هامش مشاركتهما في قمة «ناتو» الأربعاء أن تركيا «ستواصل دعم استقرار سوريا بالحفاظ على سلامة أراضيها ووحدتها السياسية».

تسهيلات للسوريين

من ناحية أخرى، كشف ناشطون في مجال المجتمع المدني السوري في تركيا عن لقاءات مع وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا ومسؤولين بإدارة الهجرة خلال الأيام الأخيرة، وأنهم تلقوا تأكيدات بشأن وضع السوريين.

وأكد هؤلاء أنهم تلقوا تأكيدات بأنه «لن يتم إجبار أي سوري يرغب بالبقاء في تركيا، على العودة إلى بلاده، وأن العودة ستكون طوعية فقط، ولن يكون هناك منع لاحق من دخول تركيا».

كما أكد المسؤولون الأتراك أنه «سيتم تسهيل إجراءات الدخول والحصول على التأشيرات، كما سيتم اعتبارا من الأول من يوليو (تموز) فتح المعابر الحدودية أمام حاملي الجنسية المزدوجة وأقاربهم من الدرجة الأولى، وسيسمح لطلاب الجامعات السوريين بدخول بلادهم من المعابر البرية 4 مرات سنوياً، وسيشمل ذلك طلاب الجامعة من حملة بطاقة الحماية المؤقتة (الكمليك)».

وأشار الناشطون السوريون إلى أنه يجري العمل حاليا أيضا على إزالة العوائق أمام تملّك السوريين والأتراك للعقارات في تركيا وسوريا.

وبدأت حركة عودة السوريين من تركيا إلى بلادهم تشهد ارتفاعاً ملحوظاً، في نطاق العودة الطوعية والدائمة، بعد انتهاء العام الدراسي يوم الجمعة الماضي.

وأعلن نائب الرئيس التركي، جودت يلماظ، خلال افتتاح مركز لدعم العودة الطوعية ضمن مشروع تتعاون فيه بلدية غازي عنتاب (جنوب تركيا) وإدارة الهجرة في الولاية و«الهلال الأحمر» التركي وعدد من منظمات المجتمع المدني الجمعة الماضي، عودة أكثر من 273 ألف سوري إلى بلادهم بشكل طوعي منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

————————————

مخيم الهول… مشكلة أمنية وإنسانية خارجة عن سلطة دمشق/ محمد أمين و سلام حسن

27 يونيو 2025

أعاد تأكيد وزارة الداخلية السورية قدوم منفذ تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، من مخيم الهول في أقصى الشمال الشرقي من سورية، الضوء على هذا المخيم الذي لطالما وُصف بـ”القنبلة الموقوتة”، والتهديد الأخطر للأمنَين الإقليمي والدولي. وأعلنت الوزارة، مساء الثلاثاء الماضي، أن انتحاريين اثنين غير سوريين قدما من مخيم الهول عبر البادية السورية بعد إسقاط نظام بشار الأسد، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، “نفذ الأول تفجير الكنيسة الغادر”، الأحد الماضي، والثاني أُلقي القبض عليه من قبل جهاز الأمن العام في الوزارة، وهو في طريقه لتنفيذ تفجير انتحاري في مقام السيدة زينب في ريف دمشق الجنوبي. وقالت الداخلية إن تنظيم داعش يقف وراء الهجوم، في حين تبنت جماعة تسمي نفسها “سرايا أنصار السنة” العملية التي نُفذت في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة في دمشق، والتي راح ضحيتها 25 قتيلاً و63 مصاباً.

لكن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تفرض سيطرتها شمال شرقي سورية، رفضت أول من أمس الأربعاء، ما أعلنته الحكومة السورية. ووصف المركز الإعلامي لـ”قسد”، في بيان، الاتهامات الصادرة عن وزارة الداخلية السورية بأنها “غير صحيحة” و”لا تستند إلى حقائق أو وقائع حقيقية”. وأوضحت أنها بدأت، عقب صدور هذه المزاعم، بإجراء “مراجعة دقيقة وتحقيق شامل” أثبت عدم وجود أي أدلة على مغادرة أي أجانب للمخيم خلال الأشهر الأخيرة. وأضافت أن “التحقيق أكد أن الأشخاص الوحيدين الذين غادروا المخيم خلال هذه الفترة هم سوريون، وتم خروجهم بناء على طلب من الحكومة في دمشق”، مشيرة إلى أن العراقيين الذين غادروا تمت إعادتهم إلى بلادهم في إطار عمليات الإعادة التي تشرف عليها بغداد. وأضافت أن مخيم الهول “لا يضم مقاتلين إرهابيين أجانب”.

مخيم الهول

يقع مخيم الهول الذي وصفته الأمم المتحدة بـ”قنبلة موقوتة” في شمال شرق الحسكة، في أقصى الشمال الشرقي من سورية، غير بعيد عن الحدود السورية العراقية. ويضم آلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة، خصوصاً من سورية والعراق، جلهم من عائلات مسلحي “داعش” الذي هُزم في شمال شرق سورية مطلع عام 2019، بعد معركة بلدة الباغوز في ريف دير الزور. وكانت “قسد”، الجهة المسيطرة على المخيم، نقلت الكثير من عائلات التنظيم إلى هذا المخيم الذي كان مكتظاً خلال السنوات الماضية، إلا أن أرقام قاطنيه تدنّت مع مغادرة عدة دفعات ضمت مئات العائلات العراقية، بتنسيق مع بغداد، إلى مخيم جدعة بمحافظة نينوى العراقية شمالي البلاد، خلال العامين الماضي والحالي.

وبحسب بيانات صدرت في فبراير/شباط الماضي، يؤوي مخيم الهول الذي يبعد نحو 13 كيلومتراً عن الحدود العراقية، نحو 37 ألف شخص يعيشون في ظروف متردّية، أغلبهم من النساء والأطفال، من بينهم نحو 16 ألف مواطن سوري ونحو 15 ألف مواطن عراقي، ونحو ستة آلاف من جنسيات أجنبية مختلفة. وبيّنت مصادر مطلعة على الأوضاع الداخلية للمخيم، في حديث مع “العربي الجديد”، أن مخيم الهول “ليس حديث النشأة، فهو أُقيم في عام 1991 من قبل النظام (السوري) البائد، لاستقبال لاجئين عراقيين جراء الحرب الذي دارت في ذلك العام بسبب غزو العراق للكويت”. وأوضحت أن “المخيم تحوّل لملاذ آمن لعائلات سورية هربت من الأعمال العسكرية في البلاد بعد انطلاق الثورة ضد نظام الأسد في عام 2011، وتالياً ضم عائلات هربت من “داعش”، إبّان سيطرته على مساحات هائلة من سورية والعراق، مشيرة إلى أن قوات “قسد” وضعت عائلات مسلحي التنظيم، مع عائلات أخرى لا تمت إلى التنظيم بصلة”. وبحسب المصادر فإنه “بسبب التنظيم القوي لدى عائلات مسلحي التنظيم، سيطرت على المخيم وحيّدت العائلات الأخرى بشكل كامل”.

وأوضحت المصادر التي سبق لها زيارة مخيم الهول أكثر من مرة، أن التنظيم “نشط” داخل المخيم عن طريق النساء التابعات له كونهن والأطفال غالبية قاطني المخيم، مشيرة إلى أن “بعض نساء التنظيم يمارسن عدة أدوار منها معاقبة مخالفي قوانين التنظيم الدينية المتشددة والتي وصلت إلى حد القتل”. ولفتت إلى أن جهات مجهولة تموّل عائلات التنظيم في المخيم، فضلاً عن المساعدات المقدمة من منظمات دولية للقاطنين، مبيّنة أن “سكان المخيم من أكثر من 50 جنسية”. وهناك الكثير من الأطفال في المخيم، وفق المصادر، “كبروا وأصبحوا فتياناً وهم مجهولو النسب بسبب إتلاف الوثائق والمستندات، لأسباب أمنية أو ضياعها”، مضيفة أن “هؤلاء يُغذون بالأفكار المتطرفة منذ صغرهم، كونهم لم يخرجوا من المخيم الذي أصبح بيئة للتطرف والتشدد”.

وأوضحت المصادر أن جهاز الأمن الداخلي التابع لـ”الإدارة الذاتية” في شمال شرق سورية، يتولى حماية المخيم بدعم من “قسد” والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن هذا الجهاز يقوم بين وقت وآخر بالتعاون مع “وحدات حماية المرأة” (التابعة لـ”قسد”) بحملات أمنية داخل المخيم، في محاولة متكررة للحد من نشاط تنظيم داعش المتنامي. ولكن هذه المصادر تحدثت عن أن “البعض من عناصر الجهاز يهرّبون أشخاصاً وعائلات من المخيم مقابل أموال”، مشيرة إلى أنه يجري أحياناً “استخدام السيارات والصهاريج الذي تنقل المساعدات الغذائية والمياه للمخيم لتهريب أشخاص وعائلات إلى خارج المخيم مقابل أموال طائلة”.

من جهته، بيّن عبد الحليم سليمان، وهو كاتب صحافي مقيم في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” ومطلع على الأوضاع في مخيم الهول، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه يوجد في المخيم نحو 32 ألف شخص يتوزعون ما بين سوريين وعراقيين وأجانب. وأشار إلى ان التنظيم “يعمل على تجنيد الخلايا والعناصر في المخيم، مستغلاً ظروفهم المعيشية، وانتماءهم لعائلات تضم مسلحين معتقلين من التنظيم”، لافتاً إلى أن قوات “قسد” لطالما قامت بحملات أمنية في المخيم، وهي مستمرة بالتنسيق مع التحالف الدولي على هذا الصعيد. وذكر سليمان أن التنظيم شن منذ بداية العام الحالي أكثر من 100 عملية ضد نقاط ومراكز وأفراد “قسد”، مضيفاً: التنظيم يستغل الفراغ الأمني، وهشاشة الوضع العام، خصوصاً أنه يوجد في المخيم الواقع في منطقة قاحلة وصعبة المناخ “توليفة اجتماعية غير متجانسة”، معتبراً أن للمخيم طابعاً أمنياً وإنسانياً، وبعض سكانه قد يشكلون خطراً على المجتمع المحلي.

وأشار إلى أن تفكيك مخيم الهول من أبرز التحديات ذات الأبعاد الاجتماعية والأمنية في المنطقة، على الرغم من الجهود المشتركة بين الحكومة في دمشق والإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، والتي أثمرت عن إخراج عدة دفعات من النازحين بشكل طوعي، لكن لا تزال العملية تواجه عوائق متعددة. ولفت إلى أن “الإدارة الذاتية” لم تفرض على أحد مغادرة المخيم، بل جرت عمليات الإخراج بطلب من الحكومة السورية، وفي أغلب الأحيان عبر مبادرات وكفالات اجتماعية تضمن عدم تورط المغادرين في أعمال عنف أو تطرف. وأشار إلى أن استمرار بقاء قسم كبير من السكان داخل المخيم يعود إلى جملة من الأسباب منها أمنية، حيث يشكل وجود بعض الأفراد داخل المخيم خطراً على المجتمعات، سواء المحلية أو البعيدة عن المنطقة، بسبب احتمال انتمائهم لتنظيمات متشددة. وبيّن أن هناك أسباباً اجتماعية ومعيشية، حيث الكثير من العائلات لا تستطيع العودة إلى مناطقها الأصلية بسبب دمارها أو عدم توفر البنية التحتية. وأضاف أن تيارات متطرفة مرتبطة بتنظيم داعش تنشط في المخيم لإعادة تشكيل خلاياً، مضيفاً: هناك تقارير عن عمليات سرية لنقل مساعدات مالية وحتى تهريب أسلحة إلى داخل المخيم، إما عبر التسلل أو عبر بعض المقيمين.

أخطر المخيمات

ترفض الكثير من الدول إعادة رعاياها سواء من مخيم الهول أو من السجون العديدة التي تضم مسلحين متطرفين يحملون جنسيات هذه الدول، والتي كما يبدو تخشى من تبعات أمنية تهدد استقرارها في حال عودة هؤلاء. ونفذ سجناء “داعش” على مدى السنوات أكثر من عملية استعصاء في السجون التي تديرها “قسد”، كما أن التنظيم شن هجوماً واسع النطاق مطلع عام 2022 على سجن الحسكة لإطلاق سراح المحتجزين فيه من مسلحي التنظيم. ويضم السجن نحو خمسة آلاف من المحتجزين منذ سنوات، وعدداً غير معروف من الأطفال لم يتلقوا أي تعليم داخل السجن.

ووصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، مخيم الهول بأنه “من أخطر المخيمات في العالم”، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “يضم أعداداً كبيرة جداً من السكان، تراجع الدعم والاهتمام الدولي بهم في الفترة الأخيرة”. ورأى عبد الغني أن هناك “فشلاً أمنياً ذريعاً من قبل قوات قسد في التعامل مع الأوضاع داخل المخيم”، مشدداً على ضرورة “فتح تحقيق بهذا الأمر لتبيان إن كان الأمر فشلاً أم استهتاراً أدى إلى تسلل عناصر من المخيم”. ولفت إلى أن إدارة مثل هذه المخيمات “معقدة”، مشيراً إلى أن تفكيكه أيضاً “عملية معقدة”، مطالباً بتسليم الإدارة إلى الحكومة السورية. وبرأيه فإن تأكيد وزارة الداخلية أن منفذ تفجير الدويلعة تسلل من المخيم “مؤشر غير مريح”، مضيفاً أن هناك “خشية من تسلل آخرين ما يتطلب إجراءات أمنية مشددة كي لا تحدث خروقات أمنية ويتكرر تفجير الدويلعة”. وطالب عبد الغني الدول “باستلام رعاياها الموجودين في المخيم لتفكيكه”، مشيراً إلى أنه “يجب إجراء محاكمات عادلة للسوريين الموجودين في المخيم لحسم أوضاعهم”. وقال: “يجب إطلاق سراح أي سوري غير متهم موجود حالياً في المخيم. السوريون في المخيم بمثابة المحتجزين قسراً”. كما دعا إلى إشراك الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولي والدول الصديقة والداعمة لتفكيك المخيم، والبدء في برامج إدماج وتأهيل اجتماعي ونفسي للخارجين من المخيم وحتى للموجودين داخله.

العربي الجديد

——————————–

مخيم الهول.. ملجأ يضم عائلات مقاتلي تنظيم الدولة

29/6/2025

يقع عند الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة، أنشئ عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية من أجل إيواء النازحين العراقيين الفارين من أتون الحرب، قبل أن ينتهي به المطاف ملجأ يلم شمل الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بعد سقوط آخر معاقله عام 2019.

تسيطر عليه “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتشرف على تدبير شؤونه عبر “الإدارة الذاتية لشرق وشمال سوريا” بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية.

يعيش سكانه ظروفا قاسية، إذ يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم في ظل ضعف الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وشح الإمكانيات المرصودة التي تظل قاصرة أمام حجم الاحتياجات الكبيرة للسكان.

برز المخيم على واجهة الأحداث من جديد أواخر يونيو/حزيران 2025، عقب إعلان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية أن الضالعين في حادث تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق في 22 من الشهر نفسه ينحدرون من مخيم الهول.

الموقع والمساحة

يقع مخيم الهول في ضواحي محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، على بعد حوالي 40 كيلومترا من مركز المدينة، ويتألف من 7 أقسام ويبعد عن الحدود العراقية 13 كيلومترا فقط.

وتبلغ المساحة الإجمالية للمخيم حوالي 3.1 كيلومترات مربعة، ويحيط به سياج أمني بطول يقارب 12.1 كيلومترا.

التأسيس

تأسس مخيم الهول عام 1991 لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، ثم أُعيد فتحه مرة أخرى بعد غزو العراق عام 2003 لاستيعاب موجة جديدة من النازحين.

وفي أبريل/نيسان 2016، أعادت قوات “قسد” افتتاح المخيم ليكون ملاذا لآلاف النازحين الفارين من مناطق سيطرة تنظيم الدولة.

التركيبة السكانية

شهد المخيم تحولات ديمغرافية كبيرة بعد إعادة فتحه في أواخر العقد الثاني من القرن الـ21، إذ ارتفع عدد سكانه من 10 آلاف نازح في بداية عام 2019 إلى 74 ألفا بحلول أبريل/نيسان من العام نفسه، وغالبية من فيه من النساء والأطفال، ويعزى هذا التزايد الكبير إلى تدفق عائلات مقاتلي تنظيم الدولة عقب الهزائم المتتالية التي تلقاها على يد قوات التحالف الدولي، كانت آخرها في معركة الباغوز فوقاني في التاسع من فبراير/شباط 2019.

وفي مطلع عام 2025، انخفض عدد النازحين في المخيم بشكل ملحوظ نتيجة مغادرة عشرات الأسر العراقية نحو بلدانهم على دفعات متتالية ضمن خطة الإعادة التي نسقتها سلطات بغداد بالتعاون مع “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.

ويضم المخيم إلى حدود يونيو/حزيران 2025 ما يقارب 37 ألفا معظمهم من سوريا والعراق، وبينهم نحو 6500 نازح يتوزعون على 42 جنسية من مختلف دول العالم، بينهم أوروبيون وآسيويون.

إدارة المخيم

يتبع مخيم الهول من الناحية الإدارية إلى “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، وهي هيئة مدنية تأسست عام 2014 وتتولى إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.

وتشترك الإدارة الذاتية مع “قسد” في تنظيم شؤون المخيم، إذ تضطلع بالمهام المدنية والإغاثية، بينما تتولى “قسد” الجوانب الأمنية وحماية محيط المخيم.

وتنسق الإدارة الذاتية عملها داخل المخيم مع منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر ومنظمات أخرى غير حكومية من أجل توفير الخدمات الأساسية ومراقبة الأوضاع الصحية والإنسانية وتنظيم عمليات إعادة اللاجئين التي تستهدف خصوصا العائلات السورية والعراقية.

وضع إنساني متأزم

يعاني سكان المخيم من أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الاكتظاظ الشديد وضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، وفق تقارير أممية.

ويعيش النازحون في بيئة تفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية والمياه الصالحة للشرب والتعليم والحماية الأمنية، وتنتشر أمراض سوء التغذية والإسهال الحاد بين الأطفال، في ظل محدودية المرافق الطبية وقلة المساعدات.

وقد توفي 5 أطفال دون الخامسة من العمر في غضون 4 أيام فقط في أغسطس/آب 2020، نتيجة مضاعفات متعلقة بسوء التغذية والإسهال الحاد والنزيف الداخلي ونقص السكر في الدم، وفق ما جاء في تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، التي وصفت الواقعة بـ”مأساة لأسباب يمكن منعها”.

كما يشهد المخيم توترات أمنية متكررة، مما يعمق شعور السكان بالعزلة والخوف. وتعاني النساء من قيود اجتماعية صارمة، خاصة في القطاع الخاص بـ”المهاجرات”، وهو قسم داخل المخيم يضم أرامل وزوجات مقاتلي تنظيم الدولة مع أبنائهن دون سن 12 سنة، ويُقدر عددهم بحوالي 6300.

ويبقى الأطفال عرضة للتجنيد الأيديولوجي والحرمان من التعليم النظامي، في ظل معاناتهم من “أزمة الهوية” بسبب عدم حصولهم على وثائق رسمية تثبت نسبهم، خاصة من وُلد منهم في فترة سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة.

اتفاق لإعادة النازحين السوريين

في أواخر مايو/أيار 2025، أعلنت “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” عن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق، يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من مخيم الهول.

وجاء الاتفاق بعد اجتماع ثلاثي ضم ممثلين عن الإدارة الذاتية والحكومة السورية والتحالف الدولي، صودق فيه على “آلية مشتركة” لإعادة العائلات السورية.

وأجرت الحكومة السورية هذا الاتفاق في إطار مساعيها الرامية إلى استعادة السيطرة على المناطق الحيوية بعد سلسلة من الاتفاقات الأخرى التي شملت تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط. كما يأتي في سياق الضغوط الأميركية لرفع العقوبات عن سوريا، إذ تعتبر واشنطن معالجة ملف المخيمات والسجون أحد الشروط الأساسية.

وبينما مثّل الاتفاق انفراجة في أفق حل الأزمة الإنسانية داخل المخيم، ظل مصير آلاف العائلات الأجنبية غامضا في ظل استمرار رفض معظم الدول استعادة مواطنيها.

مخيم الهول للاجئين العراقيين في شمال شرق محافظة الحسكة السورية

تهديدات أمنية

يرى مختصون أن “مخيم الهول يمثل أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم الدولة الإسلامية، ويعتبرون أن “أحداث القتل المتكرر ووقائع الاختفاء القسري دليل قاطع على التهديد الأمني الذي يشكله المخيم”.

ويعتقد آخرون أن المخيم “بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، إذ تحاول بعض الأمهات نشر وتعزيز أيديولوجيا التنظيم بين أبنائهن”، مما يثير مخاوف من تحوله إلى “حاضنة للتطرف”.

وفي مطلع مايو/أيار 2025، شنت قوات “قسد” حملة أمنية داخل المخيم بهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة، وشملت الحملة تفتيش الخيام والمرافق واعتقال المشتبه بهم.

وأسفرت الحملة وفق تقارير محلية عن اعتقال 20 شخصا وضبط 15 خلية نائمة، إضافة إلى مصادرة 10 قطع سلاح ومواد متفجرة كانت مخبأة في مناطق متفرقة داخل المخيم.

وفي 25 يونيو/حزيران 2025، كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن خلية تابعة لتنظيم الدولة، انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل 25 وإصابة العشرات.

ووفق التحقيقات الرسمية، فإن الانتحاري الذي نفذ التفجير، والعنصر الآخر الذي ألقي عليه القبض قبل تنفيذ عملية ثانية، قدِما معا من مخيم الهول عبر البادية السورية، بدعم من قيادي في التنظيم يدعى محمد عبد الإله الجميلي المعروف بـ”أبو عماد”.

المصدر: مواقع إلكترونية

———————————

أوجلان: الكفاح المسلح انتهى ويجب التحول نحو السياسات الديمقراطية

09 يوليو 2025

قال مؤسس حزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة إمرلي، عبد الله أوجلان، إن الكفاح المسلح للجماعة ضد الدولة انتهى، داعياً في رسالة مصورة نشرت على الإنترنت اليوم الأربعاء إلى تحول كامل نحو السياسات الديمقراطية. وحث أوجلان في الرسالة، التي يعود تاريخ تسجيلها إلى يونيو/حزيران ونشرتها وكالة فرات للأنباء المقربة من حزب العمال الكردستاني، البرلمان التركي على تشكيل لجنة للإشراف على نزع السلاح وإدارة عملية سلام أوسع نطاقا. وقال إن حزب العمال الكردستاني أنهى أجندته الانفصالية، واصفا هذا التحول بأنه “فوز تاريخي”.

وكان حزب ديم الكردي في تركيا، قد أجرى الأحد الماضي، زيارة سادسة إلى أوجلان في محبسه. وقال الحزب، في بيان حينها “أجرينا كوفد اجتماعاً مثمراً للغاية مع أوجلان، استمر لمدة ساعتين ونصف الساعة، في سجن إمرلي، إذ يتمتع بصحة جيدة ومعنويات عالية”، وأضاف الحزب “في اجتماعنا معه أكّد أن العملية تدخل مرحلة جديدة، وأوضح أنه مع الخطوات الجديدة التي سيجري اتخاذها فإنّ الجميع تقع عليهم مسؤوليات في الوفاء بمتطلبات المرحلة، وأن أعضاء الوفد يولون أهمية كبيرة للقاء مع الرئيس (رجب طيب) أردوغان وأن هذا اللقاء له طابع تاريخي، كما أن اللجنة التي سيجري إنشاؤها في البرلمان ستلعب دوراً كبيراً في السّلام والحل”.

وتزامنا مع الزيارة، كشفت ثلاثة مصادر كردية عراقية في إقليم كردستان العراق، لـ”العربي الجديد” عن وجود خلافات بين كوادر قيادية في حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة، مشيرة إلى تصاعد حدة هذه الخلافات على خلفية المؤتمر العام للحزب، الذي عُقد في 12 مايو/أيار الماضي، وأسفر عنه إقرار خطة حلّ الحزب وإلقاء السلاح بناءً على دعوة زعيمه المعتقل في تركيا عبد الله أوجلان. وقالت المصادر العليمة بأوضاع “العمال الكردستاني”، المصنف على لائحة الإرهاب، إن بعض الكوادر الحزبية الميدانية والسياسية متحفظة أو ترفض الطريقة التي تم فيها إعلان حل الحزب وإلقاء السلاح. وقال أحد المصادر: “القرار لم يُتخذ بالإجماع، وهناك جناح رافض للخطوة ويعتبرها استسلاماً، وآخرون يرون أن الخطوة متسرعة، ولم تتم مقابل أي ضمانات”.

وأعلن حزب العمال الكردستاني عن حل الحزب، وإنهاء الصراع المسلح، استجابة لدعوة مؤسسه عبد الله أوجلان. وجاءت الخطوة التي من المتوقع أن تسدل الستار على صراع استغرق 47 عاماً بعد مسار عسير ومعقد منذ ظهور الحزب في سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم. ويقبع أوجلان في السجن منذ عام 1999، لكنه لا يزال شخصية مؤثرة بشدة بالنسبة للمقاتلين الأكراد وأنصاره.

(رويترز، العربي الجديد)

———————–

 الرئيس الشرع يلتقي توم باراك في دمشق لبحث 4 ملفات

2025.07.09

بدأ في العاصمة دمشق، اليوم الأربعاء، اجتماع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، ومبعوث واشنطن الخاص إلى سوريا، توم باراك، وممثل وزارة الخارجية الأميركية في منطقة شرقي الفرات.

وقال مراسل “تلفزيون سوريا” إن هذا اللقاء يُعقد في قصر الشعب بدمشق، ويُواكبه اجتماع آخر بين وفد من “الإدارة الذاتية” ومسؤولين في الحكومة السورية داخل قصر تشرين، في إطار البحث في تنفيذ اتفاق آذار الموقع بين الطرفين قبل أربعة أشهر.

وذكرت قناة “الإخبارية السورية” الرسمية أن الرئيس الشرع استقبل المبعوث الأميركي والوفد المرافق له في قصر الشعب، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وذلك في إطار زيارة رسمية تهدف إلى بحث آفاق التعاون المشترك وتعزيز الحوار السياسي بين البلدين، من دون أن تشير إلى مشاركة مظلوم عبدي قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الاجتماع.

وفي سياق متصل، أفادت وسائل إعلام كردية بوصول وفد تركي إلى العاصمة دمشق اليوم، تزامناً مع ظهور مفاجئ لزعيم “حزب العمال الكردستاني – PKK” عبد الله أوجلان، في كلمة مصوّرة هي الأولى له منذ 26 عاماً، أعلن خلالها إنهاء “الكفاح المسلح” ضد الدولة التركية، داعياً أنصاره وجميع القوى الكردية إلى تبنّي “السياسة الديمقراطية” كخيار استراتيجي بديل.

ما أجندة اللقاء؟

وتُعد هذه اللقاءات جزءاً من جهود دبلوماسية تقودها واشنطن ودول أوروبية لإزالة العقبات أمام تطبيق اتفاق آذار مع “قسد”، في ظل استمرار التباين بين الجانبين بشأن آلية التنفيذ وتوقيتها.

مصدر كردي مواكب لجدول أعمال الاجتماع، قال لوكالة “فرانس برس”، إن المباحثات تتضمن “مناقشة أربعة ملفات رئيسية أولها شكل الدولة السورية وشكل العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة في دمشق، بالإضافة إلى ملفي الاقتصاد والقوة العسكرية”.

وأمس الثلاثاء، قال مصدر مطلع لموقع “تلفزيون سوريا” إن لقاءً ثلاثياً سيعقد بين الرئيس الشرع وعبدي وباراك سيركّز على استكمال تطبيق اتفاق 10 آذار، مع إدخال تعديلات على بعض البنود بطلب من “قسد” وبالتنسيق مع واشنطن، لا سيما فيما يتعلّق بفترة التطبيق المحددة حتى نهاية العام الحالي، إلى جانب قضايا مرتبطة بمطالب الأحزاب الكردية السورية.

وأوضح المصدر أن فرنسا سوف تنضم إلى جانب الولايات المتحدة في رعاية تطبيق بنود الاتفاق، ومنع حدوث أي تصعيد ميداني.

وإلى جانب اتفاق آذار، من المزمع أن يناقش المبعوث الأميركي ملفات التعاون بين “التحالف الدولي” و”قسد” مع الحكومة السورية في إطار مكافحة “تنظيم الدولة” (داعش) في سوريا.

الاتفاق بين الرئيس الشرع وعبدي

يُشار إلى أن الاتفاق الموقَّع بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، في 10 آذار الماضي، تضمّن عدة بنود، أبرزها: دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما يشمل المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز.

كما نصّ الاتفاق على اعتبار المكوّن الكردي “جزءاً أصيلاً من الدولة السورية”، و”ضمان حقوقه الدستورية الكاملة”، مع التأكيد على “رفض دعوات التقسيم، وخطاب الكراهية، ومحاولات بثّ الفتنة بين مكوّنات المجتمع السوري”.

لكن “الإدارة الذاتية” وجهت لاحقاً انتقادات إلى الإدارة السورية على خلفية الاعلان الدستوري ثم تشكيل حكومة معتبرة أنها “لا تعكس التنوع”. ومن ثم طالبت قوى كردية سورية الشهر الماضي بدولة “ديموقراطية لامركزية”، ردت عليها دمشق بتأكيد رفضها “محاولات فرض واقع تقسيمي” في البلاد.

تعثّر اندماج “قسد” في الجيش السوري رغم الاتفاق

ورغم إعلان الرئيس الشرع حل جميع الفصائل العسكرية المسلحة بعيد إسقاط النظام، تتمسك “قسد” المدعومة أميركياً بالحفاظ على قوتهم العسكرية كتكتل مستقل، حيث تسيطر على مساحات واسعة في شمالي وشرقي سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز في سوريا. كما تدير مخيمات ومراكز اعتقال تضم عناصر من “تنظيم الدولة” (داعش)، بينهم آلاف الأجانب.

وفي مقابلة تلفزيونية نهاية أيار الماضي، قال عبدي: “نحن ملتزمون بما اتفقنا عليه مع دمشق ونعمل حالياً على تنفيذ هذه الاتفاقية من خلال لجان تطبيقية”. لكنه شدد على التمسك بـ”سوريا لامركزية وتعيش فيها جميع المكونات بكامل حقوقها وألا يتم إقصاء أحد”.

من جهته، حذّر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في وقت سابق، من أن “المماطلة” في تنفيذ بنود الاتفاق مع “قسد” من شأنها أن تُطيل أمد الفوضى في البلاد.

——————–

تمويل “البنتاغون” لـ”قسد”.. أبعاده وانعكاساته على مسار التسوية مع دمشق/ شيلان شيخ موسى.

على الرغم من الانفتاح الأميركي الأخير تجاه السلطات السورية الجديدة، ورفع العقوبات عن سوريا، قامت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، بخطوة لافتة، إذ خصصت نحو 130 مليون دولار ضمن موازنتها لعام 2026 لدعم كل من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) و”جيش سوريا الحرة” في إطار استمرار الحرب على تنظيم “داعش”.

وبينما تبدو الخطوة امتدادا لسياسة الدعم الأميركي للقوى المحلية في شمال شرق سوريا، إلا أنها تطرح في السياق الراهن تساؤلات حول تجدد “البنتاغون” لهذا الدعم المالي، فضلا عن انعكاسات ذلك على مسار التسوية الموقعة في 10 آذار/مارس بين “قسد” والحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، في ظل لقاء مرتقب بين قائد “قسد”، مظلوم عبدي والمبعوث الأميركي توماس براك.

ويندرج هذا التمويل الأميركي المتجدد لـ”قسد” وقوات “جيش سوريا الحرة” في إطار الدعم المستمر لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا. لكن توقيت الإعلان عن هذا التمويل قبل توصل دمشق و”قسد” لتسوية سياسية بشأن مستقبل سوريا وعدم إشراك الأولى ضمن هذا الدعم، يعكس ربما رغبة أميركية في تثبيت أقدام حلفائها المحليين في خريطة النفوذ السورية، وفق مراقبين تحدثوا لـ”الحل نت“.

أبعاد الدعم الأميركي لـ”قسد”

يتزامن الدعم الأميركي مع تقارير عن تفاهمات أولية بين “قسد” ودمشق، تقودها شخصيات من “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا وفريق من السلطات السورية الجديدة. إلى جانب التقارب الأميركي تجاه السلطات الجديدة في دمشق.

وحول ذلك، يقول الباحث السياسي الكُردي السوري في دراسات السلام وحل النزاعات الدولية في “جامعة كوفنتري” ببريطانيا، زارا صالح، إن التمويل الذي أدرجته وزارة الدفاع الأميركية لعام 2026 يأتي في إطار دعم الشركاء المحليين، وتحديدا قوات سوريا الديمقراطية، في الحرب ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، حيث تُخصص “البنتاغون” هذا التمويل سنويا لشركائها المحليين في كل من سوريا والعراق أيضا.

وأردف صالح في حديثه لـ”الحل نت”، أن هذا الدعم الموجه لـ”قسد” يدخل ضمن برامج التدريب والتجهيزات اللوجستية، ويشمل مساعدات عسكرية ولوجستية مستمرة. فعلى سبيل المثال، خلال الشهر الجاري تموز/يوليو، دخلت عشرات الشاحنات المحمّلة بالمعدات العسكرية واللوجستية إلى مناطق سيطرة قوات “قسد” في شمال وشرق سوريا.

وأشار صالح إلى أن هذا الدعم لم يتوقف، ولا يوجد حتى الآن أي قرار من “البنتاغون” بإنهائه، كونه يندرج ضمن إطار استراتيجية محاربة “داعش”، وضمان استقرار المراكز التي تحتجز عناصر التنظيم، مثل مخيم “الهول” الذي يأوي عوائل عناصر “داعش”، إضافة إلى دعم العمليات الميدانية ضد خلاياه.

الولايات المتحدة ترى أن هذا الدعم ضروري لمنع عودة “داعش”، ويأتي ضمن شراكة مستمرة بين قوات “التحالف الدولي” بقيادة واشنطن، و”قسد”، التي أثبتت قدرتها على تنفيذ هذه المهام ميدانيا، وفق تعبير صالح.

الانعكاسات على مسار التفاوض مع دمشق

في ضوء التقارير التي تتحدث عن مخططات محتملة لتنظيم “داعش” لشن هجمات جديدة داخل سوريا، قد يعني تجديد “البنتاغون” الأميركي الدعم لقوات “قسد” و”جيش سوريا الحرة” كمؤشر على استمرار اعتماد واشنطن على هذه القوات المحلية في محاربة التنظيم، رغم التقارب الأخير بينها وبين سلطة الشرع في دمشق.

وحول انعكاسات قرار “البنتاغون” على مسار التسوية المطروحة بين “قسد” ودمشق، يرى الباحث السياسي، زارا صالح، أن الدعم الحالي يعكس استمرار الشراكة بين “قسد” و”التحالف” الدولي بقيادة واشنطن، ولا توجد مؤشرات لإنهاء هذا الدعم.

وفي تقدير صالح، فإن التمويل الأميركي المتجدد حاليا يقوي موقف “قسد” السياسي في أي مفاوضات مقبلة مع السلطات بدمشق، لا سيما أنه يأتي وسط حملة دعائية تتحدث عن قرب توقف الدعم الأميركي للأكراد بشمال وشرق سوريا.

قائد “جيش سوريا الحرة” خلال جولة ميدانية بمنطقة التنف في سوريا- “الشرق الأوسط”

أما تمويل فصيل “جيش سوريا الحرة” بالتوازي مع “قسد”، كذلك يمكن تفسيره على أنه إعادة توزيع للأوراق المحلية، ومحاولة أميركية لإيجاد توازن بين هذه القوى على الأرض.

تباينات عميقة بين “قسد” ودمشق

تتوارد الأنباء حول لقاء مرتقب سيجمع المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بالقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، في إطار التنسيق المستمر بين “قسد” و”التحالف الدولي” الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق.

وبحسب بعض التقارير الصحفية، فإن باراك سيناقش مع عبدي سبل تنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس، الموقع بين الأخير وأحمد الشرع، فضلا عن احتمال أن يسعى المبعوث الأميركي إلى “تحديث” الاتفاق أو الدفع باتجاه صيغة جديدة وبدعم فرنسي أيضا.

وفي هذا السياق، يرى صالح أن أميركا كانت راعية لاتفاق 10 آذار/مارس بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، لكن التنفيذ على الأرض “بطيء جدا”. كما أن إعلان الشرع “الدستوري” تاليا، يتناقض مع مضمون الاتفاق، خاصة في ما يتعلق بحقوق الكُرد والتعددية ودمج “قسد” ضمن “وزارة الدفاع السورية”.

وبالتالي، ثمة تباينات عميقة بين الجانبين، أبرزها تمسك الشرع بالمركزية، مقابل رؤية كُردية تدعو إلى اللامركزية وشراكة حقيقية في قيادة البلاد، يضيف صالح خلال حديثه مع “الحل نت”.

ولذلك، فإن اللقاء المرتقب بين عبدي وبراك سيناقش تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/مارس بحيث يتم تنفيذه بشكل فعّلي على أرض الواقع. كما أن هناك رؤية كُردية شاملة نابعة من “مؤتمر القوى الكُردية”، الذي انعقد في نيسان/أبريل الفائت، والتي تطالب بتثبيت حقوق الكُرد دستورياً، وهو ما لا يلقى تجاوبا حاليا من دمشق، وفق يراه صالح.

في العموم، نتائج اللقاء بين عبدي وبراك ربما ستكون حاسمة في فهم إن كانت واشنطن تدفع باتجاه تثبيت الوضع الراهن على ما هو عليه، أم ستمهد لمسار سياسي مرن يتضمن تسويات مع دمشق شرط استمرار التواجد الأميركي في سوريا.

قائد قوات “قسد” والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع- “الرئاسة السورية”

وبالتالي، على السلطة الجديدة في دمشق، وضع مقاربة متكاملة، بل خطة وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب، تشمل ملاحقة الخلايا النائمة، خصوصا في البادية السورية، التي لطالما شكلت ملاذا آمنا للتنظيم، حتى تصبح شريكة موثوقة مع “التحالف الدولي” في مكافحة “داعش”.

ولكن، حتما ومن الضروري الانفتاح والتنسيق مع القوى السورية الأخرى، وخاصة تلك التي بمقدورها الاصطفاف لمواجهة مخاطر هذا التنظيم وخلاياه وحواضنه، مثل قوات سوريا الديمقراطية، بغية مواجهة الخطر المشترك، ودمجها ضمن إطار الدولة الجديد. وبطبيعة الحال، تحقيق توافق سياسي داخلي، يحصن البلاد من الفوضى ويمنع أي فراغ قد يُستغل لإعادة تدوير “داعش” لنفسه، فضلا عن أن أي توافق بين “قسد” ودمشق من شأنه أن يجنب البلاد من شبح الحرب الأهلية، ويمهد الطريق نحو الاستقرار والأمن، لا سيما على المستويات الأمنية والاقتصادية والمجتمعية.

الحل نت

————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى