تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الإيجارات القديمة تهدد بإخلاء 500 ألف محل في دمشق/ نور ملحم

15 يوليو 2025

في الأزقة التي تنبض بالحياة منذ قرون، حيث تختلط رائحة القهوة بالياسمين، وتتشابك الحكايات مع واجهات المحال العتيقة، يعيش تجار دمشق القديمة اليوم على وقع قرار إداري يهدد بإخلائهم من محالهم التي شغلوها لعقود. القرار، الذي صدر عن لجنة حكومية، أعاد إلى الواجهة أزمة “التمديد الحكمي” أو ما يُعرف في سورية بـ”الفروغ”.

منذ خمسينيات القرن الماضي، اعتمدت دمشق نظام “الفروغ”، الذي يتيح للمستأجر الاحتفاظ بالمحل مقابل دفع مبلغ كبير عند التعاقد، إضافة إلى إيجار سنوي، وضرائب مالية، و10% من قيمة أي عملية بيع للمحل تذهب لمالك العقار. هذا النظام لم يكن مجرد صفقة، بل كان شراكة ضمنية بين التاجر والمدينة، سمحت بنشوء طبقة تجارية متوسطة حافظت على نبض الأسواق. لكن اليوم، يبدو أن هذا العقد الاجتماعي يُمزّق من طرف واحد، وفق تجار.

في سوق الحميدية، يجلس فؤاد الشماع، تاجر الأقمشة الستيني، أمام محله الذي ورثه عن والده. يقول لـ”العربي الجديد”: “دفعت فروغاً يعادل ثمن بيت، وسددت ضرائب لعقود، واليوم يريدون إخراجي وكأنني مغتصب للعقار”.

في الجهة الأخرى من السوق، تقف فاطمة النحاس خلف طاولة صغيرة تبيع عليها زجاجات عطر شرقي. أرملة منذ سنوات، تعيل أولادها الثلاثة من دخل هذا المحل. تقول لـ”العربي الجديد” وهي ترتب البضاعة بعناية: “ما عندي غير هالمحل (ليس لدي غير هذا المكان). إذا طلعوني، بدي أرجع أبيع على الرصيف (إن أخرجوني من هنا فسأعود للبيع على الرصيف)؟”.

أما إبراهيم العكل، الحرفي في سوق النحاسين، فيخشى أن يُجبر على مغادرة محله الذي رمّمه بنفسه بعد الحرب. “النحاس ما بينباع (لا يباع) على الإنترنت. إذا طلعت (خرجت) من هون (هنا)، بتموت الحرفة”.

رامي، الشاب الثلاثيني، كان يخطط لتحويل محل التحف الذي ورثه عن والده إلى مشروع عصري، قائلاً: “كنت عم حضّر (أحضّر) لموقع إلكتروني، أصوّر القطع، أعمل شحن (تجهيز شحنات). بس هلأ (الآن)؟ ما بعرف إذا رح ضلّ هون الشهر الجاي (لا أعرف إن كنت سأبقى هنا الشهر المقبل)”، يقولها بحسرة.

المالك الذي ينتظر منذ 70 عاماً

لكن في شارع بغداد، يقف أسامة سليق، رجل في الثمانين من عمره، أمام عقار يملكه منذ عام 1950. يقول: “أنا ما عم طالب بطرد حدا (لا أطالب بطرد أحد)، بس صارلي سبعين سنة ما استفدت (منذ سبعين عاماً لم أستفد) من ملكي. المحل مؤجّر من أيام أبي، والإيجار ما بيكفي (لا يكفي) فواتير الكهرباء. حتى لما حاولت بيعه، ما قدرت، لأن المستأجر عنده حق أقوى مني”. أبو عدنان ليس وحده. كثير من المالكين القدامى يرون أن نظام الفروغ حرمهم من حقوقهم، وأن الوقت قد حان لإعادة التوازن.

لا يمكن فصل قضية “الفروغ” عن المشهد الاقتصادي العام. فالتجار الذين يواجهون خطر الإخلاء ليسوا مجرد أصحاب محال، بل هم ركائز الاقتصاد المحلي. هم من حافظوا على تدفق البضائع، واستقرار الأسعار، وتوفير فرص العمل، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من الحصار والانهيار، وفق محللين.

وتشير تقديرات غرفة تجارة دمشق إلى أن عدد المحال التجارية في المدينة يتجاوز 500 ألف محل، يعمل فيها مئات الآلاف من الحرفيين والتجار والعاملين في مهن مختلفة، من بيع الأقمشة والعطور، إلى صناعة النحاس، والخياطة، والنجارة، وحتى تجارة التحف. بعض هذه المحال يشكّل أسواقاً كاملة، مثل الحميدية والبزورية والحريقة.

تجار دمشق العمود الفقري للاقتصاد

يرى الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، محمد الباشا، أن تجار دمشق يشكلون العمود الفقري للاقتصاد السوري الحضري، وأن أي زعزعة لاستقرارهم ستنعكس مباشرة على الدورة الاقتصادية في البلاد.

يقول الباشا لـ”العربي الجديد”: “الأسواق الدمشقية، وعلى رأسها الحميدية، الحريقة، والبزورية، ليست مجرد مراكز بيع تقليدية، بل هي منظومات اقتصادية متكاملة تضم شبكات من الموردين والحرفيين والعمال والموزعين، وتُسهم في توليد العملة الصعبة من خلال التصدير والسياحة، فضلاً عن دورها في تأمين السلع الأساسية للمواطنين”.

ويضيف: “في ظل غياب الاستثمارات الكبرى، وركود القطاع الصناعي، بقيت التجارة الداخلية والخارجية التي يديرها تجار دمشق هي المحرك الأساسي للاقتصاد. هؤلاء التجار حافظوا على الأسواق خلال سنوات الحرب، واستمروا في العمل رغم التضخم، وانهيار الليرة، وغياب الدعم الحكومي”.

ويحذر الباشا من أن إضعاف هذه الطبقة التجارية، سواء عبر قرارات الإخلاء أو تغييبهم عن صناعة القرار، قد يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال، وتفاقم حالة الركود، وارتفاع معدلات البطالة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل دينار يُضخ في السوق. ويؤكد أن “الأسواق لا تُبنى بالحجر فقط، بل بالثقة. وإذا فقد التاجر ثقته في البيئة القانونية، فلن يبقى هناك اقتصاد يُبنى عليه شيء”.

يحذر خبراء اقتصاد من أن الإخلاء القسري لتجار دمشق دون خطة تعويض أو تمويل بديل، لا يهدد أرزاق آلاف العائلات فقط، بل يُنذر بتفريغ وسط المدينة من تجارها التقليديين، الذين يشكلون العمود الفقري للحلقة التجارية التاريخية في سورية.

في ظل الانهيار المستمر للقوة الشرائية، وتراجع الدخل، وغياب الحوافز الاستثمارية، تشهد دمشق هجرة متزايدة لرؤوس الأموال الصغيرة نحو الخارج، بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً. ويؤكد خبراء أن هذه الهجرة لا تقتصر على الأموال، بل تشمل أيضاً المهارات، والخبرات، والعلاقات التجارية التي بُنيت على مدى عقود.

ويحذر تقرير اقتصادي من أن ضرب الأسواق التقليدية في دمشق سيؤدي إلى تفكك شبكات التوزيع القديمة، التي كانت تضمن تدفق السلع من المصدر إلى المستهلك عبر منظومة متكاملة من التجار والموزعين والحرفيين. هذا التفكك سينعكس مباشرة على توفر السلع في الأسواق، وارتفاع الأسعار، وزيادة الاحتكار، في وقت يعاني فيه المواطن السوري من تضخم غير مسبوق.

في هذا السياق، يقول أحد التجار الذين نظموا قبل أيام اعتصاماً أمام وزارة العدل السورية: “نحن لا نطلب امتيازات، بل نطالب بخطة واضحة فقط تحفظ التوازن بين حقوق المالك واستقرار السوق. لا يمكن أن يُدار الاقتصاد بقرارات فوقية دون رؤية”.

“الفروغ” بين حماية الملكية واستقرار السوق

يرى المحامي حسان الدين العوا، المختص في قضايا الإيجارات والعقارات، أن الجدل الدائر حول “الفروغ” لا يمكن فصله عن السياق القانوني والتاريخي الذي نشأ فيه. يقول العوا لـ”العربي الجديد”: “نظام الفروغ ليس بدعة، بل هو نتاج تطور تشريعي بدأ منذ ما قبل عام 1952، حين كان التسجيل العقاري هو الركيزة الأساسية لحفظ الملكية. لكن مع صدور المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952، بدأ ما يُعرف بالتمديد الحكمي، الذي منح المستأجرين حماية قانونية طويلة الأمد، خاصة في العقارات التجارية”.

ويتابع: “بين عامي 2001 و2006، تم تنظيم الفروغ التجاري ضمن القانونين 6 و10، التي حاولت ضبط العلاقة بين المالك والمستأجر دون المساس بجوهر الاستقرار التجاري، ثم جاء قانون تقليل الرسوم عام 2022 لتسهيل عمليات التسجيل، وفي 2025 صدر القرار 363/1 الذي مدّد مهلة التسوية حتى نهاية سبتمبر/ أيلول 2025، وفتح الباب أمام تحويل العقود غير المسجلة إلى عقود رسمية”.

لكن العوا يحذر من أن هذه الإجراءات، رغم ظاهرها التنظيمي، قد تُستخدم أداةً لإعادة النظر في عقود الفروغ القديمة، دون ضمانات كافية للمستأجرين الذين دفعوا مبالغ طائلة لقاء الفروغ، وسددوا ضرائب وإيجارات لعقود طويلة.

ويضيف: “ما يحدث اليوم من تشكيل لجنة قضائية جديدة للنظر في قضايا العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي، دون إشراك ممثلين عن التجار، يثير القلق. العلاقة الإيجارية التجارية تختلف جوهرياً عن السكنية، ولا يجوز إخضاعها لنفس المعايير”.

لم تمرّ قرارات وزارة العدل السورية الأخيرة مرور الكرام في أوساط التجار. فقد عبّر مئات من أصحاب المحال في دمشق عن رفضهم لتشكيل لجنة قضائية جديدة للنظر في قضايا العقارات المؤجرة بعقود خاضعة للتمديد الحكمي، معتبرين أن القرار يفتقر إلى التوازن، ويتجاهل خصوصية العلاقة التجارية. أكثر من 300 تاجر وقّعوا عريضة احتجاجية قُدمت إلى غرفة تجارة دمشق، وصفوا فيها القرار بأنه “خطير”، محذرين من “فتنة” قد تنجم عن إعادة النظر في هذه العقود، التي تمثل شرياناً اقتصادياً لآلاف العائلات.

في المقابل، ذكرت وزارة العدل في بيان لها في وقت سابق من الشهر الجاري، أن إعادة النظر في الإيجارات القديمة جاءت بالنظر إلى الاعتراضات المقدمة من المواطنين المتضررين من قرارات وأوامر عرفية صدرت خلال فترة تطبيق قانون الطوارئ، والتي استمرت لنحو 50 سنة، في عهد النظام المخلوع. وأشار البيان إلى أن إعلان حالة الطوارئ في سورية في المرسوم رقم 51 لعام 1962، تبعته سلسلة من القرارات العرفية والأوامر، أدت إلى الاستيلاء على أملاك للمواطنين، لصالح متنفذين.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى