تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

إدارة الأوقاف في سوريا والتجربة الهولندية/ أحمد جاسم الحسين

2025.07.14

من سوء حظ السلطة الجديدة في سوريا أنها استلمت بلداً متروكاً مهملاً منذ سنوات كثيرة، لذلك تواجهها اليوم مشكلات كثيرة هي بغنى عنها.

ولعله من الطبيعي في البلدان الأخرى أن تكون تلك المشكلات قد حلت منذ زمان، خاصة أن مشكلة مثل مشكلة الأوقاف تفتح عليها أبواباً من الإهمال والنار والانزعاج المجتمعي ليست بحاجة إليهما في مرحلة ما بعد النزاع، لكن إدارة أمور البلد بشكل سليم تتطلب فتح كل مهمل ومنسي ومتروك وإعادة ترتيب أموره ثانية ليمشي على الطريق الصحيح.

الوقف الإسلامي السني هو تبرعات عينية (غالباً عقارات) تبرع بها أشخاص أو عوائل بهدف الثواب كي تبقى صدقة جارية بوجودهم أو بعد رحيلهم، بهدف معين يحددونه مسبقاً: دار عبادة، أو مدرسة أو للحيوانات السائبة (كحالة أرض معرض دمشق الدولي بين ساحة الأمويين)، وتذكر تصريحات رسمية أن هناك أكثر من 43 نوعاً للوقف في سوريا!

قبل سنوات قرأت إعلاناً عن منح مكافآت عالية جداً في المملكة العربية السعودية لمن يدل السلطات على عقار وقفي، واليوم السلطات في سوريا تتلقّى إخبارات عن أملاك وقفية غير مدونة، بل إنّ الحكومة السورية طلبت رسمياً من تركيا صورة عن الوقف العثماني الخاص بسوريا لتتأكّد من عقارات موقفة لكنها استعملت استعمالات غير صحيحة أو سيطر عليها ملاك آخرون سراً وهي ليست من حقهم.

الوقف نوع من العدالة الاجتماعية بمفاهيم الدولة الحديثة، إلا أنه لا يخضع لقانون بل يخضع لخوف من الله أو رغبة بالتقرب منه، خاصة أن كثيراً من أنواعه هي مما يخدم المجتمع وطلاب العلم والفقراء والمحتاجين والنساء والأطفال وفي مواضع عدة الحيوانات.

أحد جوانب مشكلة الوقف يتمثل في كون كثير من المستعملين لتلك الممتلكات نتيجة لطول المدة وعدم وجود محاسبة وكون التعويض المقدم لوزارة الأوقاف رمزياً صارت بالنسبة إليهم كأنها ممتلكات شخصية، وهم تصرفوا بها بصفتها ممتلكات! ولا سيما أن قانون الإيجار الساري في سوريا لا يراعي المفاهيم العالمية في الإيجار وأنه اتفاق بأجل ضمن شروط بين طرفين.

تاريخ تسجيل الوقف وانتقاله من الطور الشفوي إلى الطور الكتابي أحد مفاتيح مقاربة الوقف حيث اقتضى ذلك تسجيله باسم الوجهاء والأعيان كوقف منذ نحو 300 عام، أما الفرنسيون فعدوه أملاكاً للدولة وبالتالي يستطيعون الإفادة منهم لبناء مشاريعهم، أما سوريا بعد الاستقلال فقد حسب “الرفاق” أنه فرصة لعدالة “حزب البعث” الاجتماعية فشمل جوانب منه التأميم ليفيد منه المنتفعون، إلا أن كثيراً من الأملاك الوقفية  في عهد النظام البائد غدت موضع فساد كبير وانتفاع غير نظيف ولعل مجمع يلبغا في دمشق أحدها.

يرتبط الوقف في مواضع عدة بمصطلح آخر هو الفروغ، وهو مصطلح تجاري عالمي يعني ببساطة أنك لا تشتري العقار، أو تستأجره فحسب، بل تشتري الاسم الذي صنعه مستخدم العقار قبلك تبعاً للأنشطة التجارية التي فعلها وموقع المحل وفرص نجاحه، ويتضمن الفروغ بالمفهوم السوري اتفاقاً غير معلن يرتبط برمزية الإيجار فيما يخص الممتلكات الموقوفة.

هناك همهمات كثيرة تسمعها في المشهد السوري اليوم من مثل أن الهيئة العليا للاستثمار هي التي ستدير تلك الممتلكات بعد استعادتها من مستعمليها الحاليين، وأن سوريا تنتقل من تحت الدلف إلى تحت المزراب.

وهناك من يقر بأن قيمة تلك الإيجارات التي كان يدفعها أولئك المستعملون إيجارات غير عادلة، بل بخسة جداً، وأن أولئك التجار أنفسهم لو كانت تلك العقارات لهم لما أجروها بتلك المبالغ البخسة.

تجار كثيرون يرون في تلك الحملة من قبل السلطة الحالية لاستعادة الأوقاف، فيه ظلم كبير عليهم فقد اعتادوا نمط معيشة مع عوائلهم نتيجة لوجود دخل كبير، وأن من واجب الحكومة أن تعطيهم مهلة خمس سنوات مثلاً ريثما يؤمنون وضعهم أو يبحثون حلول ملائمة.

مدنيون سوريون يرون أن في استعادة الوقف السني إلى الجهة المعنية والعودة إلى الهدف من الوقف سيحوّل دمشق وحلب ومدناً أخرى إلى مكان للمدارس الشرعية والمعاهد، لأنّ كثيراً من تلك الأوقاف قد أوقفت لهذا الغرض، وأن ذلك سيؤدي إلى تحويل هوية المدن إلى الهوية الدينية مما سيؤثر على الفضاء العام السوري ويكسبه المزيد من اللون الديني.

اليوم تتلقى الحكومة السورية كثيراً من الطلبات لتحويل ممتلكات شخصية إلى أوقاف نتيجة لثقتهم بالسلطة الحالية لأنها سلطة سنية، وكل حديثنا أعلاه عن الوقف السني، فما هو واجبها؟

أرى بداية أن تكون هناك حملة إعلامية لتوضيح مفهوم الوقف عامة وتاريخه في سوريا، فهناك كثير من سوء الفهم يعتور مفهوم الوقف وحدوده ودوره والمراد منه، سوريا الجديدة بحاجة اليوم إلى الإفادة من التجارب العالمية بمفهوم الوقف، وأنا هنا لا أتحدث عما مضى فحسب، بل عما سيكون.

في هولندا مثلاً يوجد مفهوم آخر للوقف، حيث إنّ نظام المواريث مختلف كلياً عن سوريا، لأن معظم الأملاك تذهب ملكيتها إلى الدولة في حال كان الشخص لم يسجل وصيته لدى السجل العام للوصايا، وتجد أن كثيراً من الناس يوصون بممتلكاتهم بعد رحيلهم أو بجزء منها أو كلها إبان حياتهم إلى جهات تهتم بالشباب أو النساء أو كبار العمر أو البحث العلمي أو للكتابة أو الرسم أو الموسيقا.

إن ما تحتاجه سوريا اليوم أن تحدد الدولة عدداً من القطاعات التي تحتاجها البلد بخاصة في مجال البحث العلمي والجامعات والتعليم والمدارس والعلاج النفسي والكهرباء والطرقات وفقاً لظروف خاصة لبلد مثل سوريا خارج من الحرب لتكون موضع استهداف للوقف أو عائدات الأوقاف القديمة.

بالتأكيد لا يمكن للدولة أن تجبر المواطنين على أن يوقفوا أملاكهم لقطاع محدد، لكن يمكنها أن توعيهم وتنصحهم وتشرح لهم، وها هنا من المهم الحوار بين رجال الدين وممثلي السلطة للوصول إلى خارطة طريق مشتركة لأن هناك كثيراً من القطاعات في سوريا قطاعات مشبعة بالوقف من مثل بناء الجوامع في حين أن هناك قطاعات تحتاج لكثير من مثل التعليم وإطعام المشردين أو فتح مآوى لهم ليناموا ليلاً، إضافة إلى قطاعات أخرى، لدى الدولة السورية القدرة والمعرفة على تحديد الأولويات، ولعل التعليم أحدها وكذلك المشافي والمراكز الصحية ويمكن تقسيم القطاعات المستهدفة بالوقف إلى نوعين: نوع يلبي الحاجات اليومية، ونوع يلبي الحاجات الاستراتيجية.

الحديث عن الوقف السني اليوم فيه جزء من جانب اجتماعي لمشكلة قديمة يمكن حلها بالحوار والتفكير المنطقي وكذلك فيه جزء من جانب استثماري وتوعوي وفكري ورؤيوي يمكنه توجيه الوقف نحو استراتيجيات الدولة وأهدافها وأولوياتها، خاصة أن الوقف في أحد معانيه مشاركة فردية لحل معضلة اجتماعية أو المساهمة ببناء المجتمع من خلال الممتلكات، وهذا لا ينقص من الهدف الفردي منه وهو ابتغاء المثوبة عبر الصدقة الجارية، فالبلاد الخارجة من الحرب تحتاج التفكير خارج الصندوق وتوجيه الراغبين بتقديم أوقاف نحو ما فيه مصلحة البلاد العامة والقطاعات كثيرة ومتعددة.

ولمن لم يتابع ملف الوقف في سوريا فإنني أشير إلى أنّ أكثر من نصف محال سوق الحميدية والبزورية ومدحت باشا هي وقف، أي أنها من حق السوريين جميعاً بمعنى من المعاني.

الحديث عن الوقف اليوم يذكرنا برغبة كثير من السوريين بخدمة السوريين الآخرين ومساعدتهم كنوع من العدالة الاجتماعية والرغبة بإغاثة الملهوف أو الجائع أو الحيوانات السائبة أو القطط، بالتأكيد للدافع الديني نصيب كبير وهذا طبيعي في مجتمع متدين، لكن يمكن للدولة أن توجهه نحو ما يخدم مصلحة البلد العليا، والأوقاف أحد أجمل مواضع يكون فيها التدين دافعاً لخدمة المجتمع.

سوريون كثيرون يعتقدون أن الملف يحتاج إلى شفافية أكثر ومزايدات تعلن على منصة واحدة تمكن كل راغب من التقديم عليها تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص، كي لا ننتقل من طريقة تفكير “جماعتك” إلى “جماعتي”، لأنّ أحد أهداف السوريين حين ثاروا هو بناء دولة تليق بهم وبحاضرهم ومستقبلهم وتاريخهم.

وهذا يقتضي على سبيل المثال موقعاً على الإنترنت يحصي ويحدد ويكشف وينشر.. لأنّ غياب المعلومة والاعتماد على التسريبات هو ما يؤلم كثيراً من السوريين، الذين يفتحون أبواب الأمل كل صباح فيجدون السلطة تقف خلفها، يسلمون عليها ويدعونها لفتح مزيد من الحوارات معهم.

ما نحتاجه اليوم في الوقف وغيره ليس تغيير القوانين فحسب بل الذهنية: ذهنية علاقة السلطة بالمواطن فهل ستفعلها السلطة؟ وإن فعلتها هل سيتفهم المواطن ذلك؟

أخيراً.. ما هدف الدولة من إثارة موضوع الوقف ومحاولة حصره وإعادة تصحيح مساره في هذا التوقيت؟ هل هو استعادة الحقوق؟ فرض هيبة الدولة؟ الاستثمار والبحث عن مستثمرين جدد يدفعون أكثر؟ استعادة موارد الدولة؟ تصحيح مسار فيه كثير من الفساد؟

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى