العلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الشرع و المقاتلين الأجانب و داعش تحديث 15 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

الشرع و المقاتلين الأجانب و داعش

————————————

في الظل مجددًا.. كيف عاد داعش ليهدد شرق سوريا؟/ هيلين علي

10 يوليو 2025

بعد أكثر من خمس سنوات على إعلان هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في آخر جيوبه بالباغوز، تعود أصوات الرصاص إلى شرق سوريا؛ لكنها هذه المرة من دون رايات أو بيانات أو “خلافة” معلنة. في دير الزور والحسكة، وفي عمق البادية السورية، يعيد التنظيم تشكيل نفسه كأشباح لا تُرى، لكنها تُخيف.

السؤال لم يعد: هل عاد داعش؟ بل: كيف عاد؟ ومتى؟ ولماذا استطاع أن يعود؟

استغلال الفوضى

يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، عبدالله سليمان علي، في حديث لـ”الترا سوريا”: “الفترة التي تلت سقوط النظام شهدت سيولة أمنية خطيرة؛ كنا نواجه خلايا لداعش في البادية، لكننا اليوم لا نعرف على وجه الدقة أين هم؛ إذ انتشروا في المحافظات الأخرى متخفّين كأفراد عاديين، لكنهم يحتفظون بعقيدتهم وسلاحهم”.

ورصدت جهات أمنية وشبكات رصد ميدانية محلية ما لا يقل عن 120 عملية أمنية نُسبت إلى خلايا داعش، بين تفجيرات واغتيالات وهجمات مسلحة.

لم يكن هذا التصاعد مجرد سلسلة من الحوادث المتفرقة، بل نمطًا يُشير إلى تحوّل نوعي في قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات منظمة، بعد سنوات من العمل تحت الأرض.

في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقعت أكثر من 40 عملية اغتيال، استهدفت ناشطين، وقيادات عشائرية، وعناصر من القوى الأمنية، وتُرجع مصادر داخل قسد هذه العمليات إلى خلايا نائمة تستغل التراخي الأمني والثغرات الجغرافية، وتتحرك بدقة في المساحات المهملة من السيطرة.

وفي السياق ذاته، تكشف مصادر محلية عن أن ما بين 25 إلى 30% من مقاتلي داعش السابقين، الذين انسحبوا من معركة الباغوز، التحقوا لاحقًا بفصائل مسلحة محلية.

هذا التوزّع لا يعني أن مقاتلي التنظيم السابقين قد تخلّوا عن فكرهم، أو أن التنظيم قد تفكك، بل يُشير إلى تحوّلٍ تكتيكي يتيح لهم إعادة التموقع ضمن فصائل جديدة، بأسماء مختلفة، لكن بأهداف قريبة.

ما بعد الباغوز: إعادة تشكيل في الظل

يرى عبد الله سليمان علي أن التنظيم لم يُهزم فعليًا في 2019، بل انسحب إلى الظل وأوقف نشاطه العلني مؤقتًا، مترقّبًا لحظة الفوضى التي تسمح له بالعودة.

“استغل التنظيم الفوضى بعد سقوط النظام ليعيد توزيع خلاياه في ريف دمشق، حلب، ودير الزور. كما تبنّى خطابًا عدائيًا ضد هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع، وبدأ حثّ مقاتليه الأجانب على الانتشار في الأرياف، في مؤشر على استراتيجية جديدة للتمدد اللامركزي”.

تتباين التقديرات حول عدد عناصر التنظيم النشطين اليوم، وبينما تُقدّر القيادة المركزية الأميركية عددهم بـ1650 عنصرًا، ترفع الأمم المتحدة الرقم إلى 6000 عنصر في سوريا والعراق.

فراغ يُغذّي عودة داعش

بحسب الصحفي والمحلل السياسي جوان سوز، فقد استغل داعش الفوضى، و”تمكن من الوصول إلى عدة مدن، منها حلب التي شهدت اشتباكات في أيار/ مايو الماضي”.

ويشير سوز إلى أن داعش يستفيد من الانشغال الإقليمي، لا سيما التوتر بين إيران وإسرائيل، ليعيد ترتيب صفوفه بعيدًا عن الأنظار. كما أن العوامل المحلية تُمهّد له الأرض: انهيار الاقتصاد، النزوح، انعدام التعليم، ومخيمات مثل الهول وروج التي ما تزال بيئة خصبة للتجنيد.

تنظيم بأقنعة جديدة

في الرقة ودير الزور، ظهر مؤخرًا تشكيل يُدعى “بركان الفرات”، يضم مقاتلين محليين، بعضهم منشقون عن الجيش الحر، وآخرون قاتلوا سابقًا في صفوف داعش.

هذا التشكيل لا يرفع شعارات دينية ولا يصدر بيانات، لكنه يُمارس سلوكًا قريبًا جدًا من التنظيم السابق. يقول أحد سكان ريف دير الزور لـ”الترا سوريا”: “نسمع عنهم كثيرًا، لكن لا أحد يراهم، نعرف فقط أن بعضهم من أولاد قريتنا، كانوا في داعش أو في فصائل أخرى، واليوم عادوا بأسماء مختلفة”.

وفي قرية قرب الرقة، تروي امرأة: “ابني تلقى عرضًا للانضمام إليهم؛ قالوا له: سنوفر لك حماية وراتبًا؛ الكل يعرف أنهم يشبهون داعش، لكنهم يخفون ذلك”.

يتنقّل “بركان الفرات” بين القرى، مستفيدًا من الانقسامات المحلية والروابط العشائرية التي تؤمّن له غطاءً اجتماعيًا يُصعّب على القوى الأمنية تعقّبه.

وتُظهر شهادات الأهالي أن نشاطه لا يقتصر على التهديد، بل يشمل فرض “إتاوات”، وتجنيد قُصّر، في إعادة واضحة لأساليب التنظيم القديمة، وإن كانت بصيغة أقل ضجيجًا.

الخوف الصامت

رغم المواقف العلنية لشيوخ العشائر ضد داعش، إلا أن الخوف ظلّ حاضرًا، حيث تُفرض، في بعض البلدات، “زكاة” بالقوة وتُزرع العبوات الناسفة عند أبواب الرافضين.

يقول أحد السكان: “نتلقى رسائل من شخص يقدّم نفسه كأمير للتنظيم، يطلب فيها مبالغ مالية مهددًا بإلحاق الأذى بمن يرفض الدفع”.

هذه الممارسات تُظهر كيف يستغل التنظيم هشاشة الثقة بين السكان والسلطات، ويستثمر في شعور قديم بالخذلان والتهميش، ليعيد نسج شبكته بهدوء.

يبقى تنظيم “الدولة الإسلامية” تهديدًا قائمًا في شرق سوريا، رغم غياب ظهوره العلني؛ تركز نشاطه على استغلال نقاط الضعف الأمنية والسياسية في المنطقة، متكيفًا مع واقع انعدام الاستقرار وتراجع الدعم الدولي.

إن غياب استراتيجية شاملة ومتواصلة لمواجهة التنظيم يفاقم من فرصه في التمدد وإعادة تشكيل شبكاته، ما يستدعي استجابة منسقة بين الفاعلين المحليين والدوليين للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

——————————-

الانسحاب الأميركي من سوريا.. بين سؤال الفراغ وإعادة التموضع/ مالك الحافظ

10 يوليو 2025

ما إن بدأت تتسرّب مؤشرات الانسحاب الأميركي التدريجي من مناطق شمال شرق سوريا، بات السؤال اليوم لا يدور حول ما إذا كانت واشنطن ستنسحب فعلًا من شمال شرق سوريا، بل حول طبيعة هذا الانسحاب، وتداعياته، ومن سيملأ الفجوة التي قد يخلفها، سواء أمنيًا أو سياسيًا. ما يُطرح الآن يتعلق بشكل النفوذ، وإعادة تعريف الخطر، وإعادة إنتاج “منطق البقاء” في مشهد قد تتقلّب فيه الولاءات وتتفتت فيه المراكز.

 الفراغ كاستراتيجية؟

 يبدو الانسحاب الأميركي فراغًا محتملًا في سلطة الضبط الأمني، لكنه في جوهره ليس غيابًا كاملًا، بقدر ما هو شكل من أشكال إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تتحوّل واشنطن من “فاعل مباشر” إلى “منسّق فوقي”، يتدخل بشكل رسمي أكثر عبر أدوات محلية وتحالفات متحركة.

هذا الشكل من التراجع لا يعني الانسحاب من الهدف، وإنما من التكلفة، وهو ما يشير إليه مايكل والتزر حين يصف بعض الانسحابات الإمبراطورية بأنها انتقال من “الحضور الفيزيائي” إلى “التحكم الرمزي”، حيث تحافظ القوة على خيوط اللعبة دون أن تكون على الرقعة.

رغم أن الانسحاب الأميركي يجري بصيغة تدريجية ومنظمة، إلا أنه قد يُربك معادلة السيطرة في شمال شرقي سوريا، حيث تتوزع الجغرافيا بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية.

تراجع الانتشار الأميركي من نحو ألفي جندي إلى بضع مئات في قاعدة واحدة فقط، من المحتمل أن يُوجِد فراغًا أمنيًا نسبيًا يعيد تحريك المخاوف من إعادة تشكّل تنظيم “داعش”، ويدفع نحو تساؤلات حول من سيتولى إدارة تلك المساحات؛ فهل سيكون استمرار التنسيق مع “قسد” كأمر واقع، أم مع دمشق بوصفها سلطة انتقالية؟

في المقابل، لم تعد التهديدات الإيرانية والروسية فاعلة كتبرير للوجود الأميركي، نظرًا لخروج الإيرانيين من المشهد السوري وتراجع النفوذ الروسي ميدانيًا. ولهذا، يبدو أن واشنطن ستسعى إلى ضبط الهشاشة الجديدة عبر ترتيبات سياسية بين الفاعلين المحليين، عوضًا عن الاستمرار في التورط العسكري المباشر.

وحتى في ظل هذا الانسحاب المتدرج، فإن واشنطن لا تزال تحتفظ بأصول استراتيجية في التنف، ما يجعلها قادرة على إدارة مشهد ما بعد الانسحاب من موقع خلفي.

 تحوّل خرائط السيطرة

في ضوء هذا الانسحاب، تطرح الولايات المتحدة معادلة جديدة تتمثل في كيفية تثبيت الاستقرار الأمني دون التورط في مستنقع إداري أو عسكري؟ وهل تكون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شريكًا كافيًا في هذا المشهد المتغيّر، أم أن السلطة الانتقالية في دمشق – رغم هشاشتها الحالية– تُطرح كخيار أقل كلفة وأكثر مركزية؟

المعادلة هنا ليست ثنائية، بقدر ما هي تفاعلية. “قسد” تُعدّ قوة برية مؤسساتية تملك تجربة ميدانية في مكافحة داعش، لكنها ليست كيانًا دولاتيًا معترفًا به. أما حكومة دمشق الانتقالية، فهي من الناحية النظرية طرف سيادي، لكنها تفتقر إلى جهاز أمني موحّد، أو متمرس عسكريًا وأمنيًا بمعنى أدق.

في هذا المشهد، تتحرك واشنطن ضمن استراتيجية الإزاحة المؤقتة للفراغ، عبر توزيع المهام الأمنية على قوى محلية بتنسيق معلوماتي وجوي متقطع. أي أنها تحوّل التدخل من “الاحتواء الأفقي” إلى “التدخل العمودي”، حيث تتدخّل عندما يظهر الخطر.

التحولات في بنية “داعش” لا تنفصل عن هذا الانسحاب، فالتنظيم لم يعد يُبنى وفق منطق الدولة أو الخلافة، فهو قد تحول إلى “شبكة وظيفية” تعمل على أساس خلايا نائمة، ضربات خاطفة، وقدرة عالية على التكيّف مع الفراغات.

هنا يشير أوليفيه روا في تحليله للجهادية المعاصرة، إلى أن التنظيمات المتطرفة لم تعد بحاجة إلى مركز، بل تكتفي بـ”النوى الحركية” التي تعيد إنتاج ذاتها أينما توفر السياق. وهو ما يعني أن أي فراغ أمني، ولو محدود، يمكن أن يتحوّل إلى بؤرة محتملة لإعادة التموضع.

التنظيم اليوم ليس في طور التوسع، لكنه في مرحلة ما يمكن تسميته “التخثّر الحركي”، حيث تتجمّد الخلايا وتنتظر لحظة تراجع القوى الحامية للعودة عبر استراتيجيات الإرباك، خصوصًا في مناطق البادية بشكل رئيسي.

 سيناريوهات ملء الفراغ

بين تراجع التواجد الأميركي وتقلّص دور قسد، يبرز سؤال البدائل. فهل نحن أمام نظام أمني هجين يتوزّع بين قسد في الشرق، والسلطة الانتقالية في المركز، وبعض القوى العشائرية أو الوحدات الخاصة (مثل جيش سوريا الحرة) المدعومة غربيًا؟

لكن ما يبدو فراغًا ميدانيًا لا يعني بالضرورة انعدام السيطرة، فهو قد يكون انتقالًا إلى أنماط غير مباشرة من الضبط الأمني، تعتمد على شركاء محليين محدودي القدرة والشرعية، ما يُنذر بحالة هشاشة طويلة المدى في الشمال الشرقي، ويُبقي الباب مواربًا أمام اختلالات مفاجئة.

 الواقع أن منطق الأمن التعددي هو الأقرب، وهو ما سبق أن تبلور في العراق بعد الانسحاب الأميركي، حين انتشرت القوى المحلية والهجينة لتعبئة الفراغ بدل سلطة مركزية. هذه التعددية الأمنية، كما وصفها كليفورد شيرر، تُضعف من قدرة أي طرف على السيطرة، لكنها تؤمن درجة دنيا من الضبط عبر توازن القلق المتبادل.

في الحسابات الأميركية، ليست سوريا مركز الثقل، لكن الانسحاب لا يعني التخلي وإنما محاولة لتقليل الانكشاف، دون التخلي عن خاصرة استراتيجية في شرق المتوسط.

لا يبدو أن واشنطن تتجه إلى انسحاب شامل بقدر ما تعيد رسم خريطة انخراطها الأمني بشكل منخفض المخاطر، مرتكزة على أدوات القوة الناعمة، والشراكات اللوجستية، والعمل عبر وكلاء. وهذا يتسق مع ما وصفه مايكل إغناتيف بـ “الهيمنة بغير التورط”، أي إدارة النفوذ دون الانزلاق إلى مسارات السيطرة الكلاسيكية.

قد لا يكون الانسحاب الأميركي حدثًا مفاجئًا، لكنه يفتح الباب لإعادة تعريف النفوذ في سوريا، وربما قد يمنح داعش فرصة للانتعاش في حال فشل شركاء ما بعد الانسحاب في ملء الفراغ الأمني. ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في “الانسحاب بحد ذاته”، وإنما في الغموض الذي يُرافقه.

لا يبدو أن ما يجري انسحابًا كاملًا، بقدر ما يكون محاولة لترتيب توازن جديد بأدوات جديدة، في مشهد يتقاطع فيه التهديد الجهادي مع هشاشة السلطة، وتوزّع الولاءات، وغياب تسوية سياسية شاملة حتى الآن.

الترا سوريا

———————————

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى