القرن المتكرر/ يعرب العيسى

15 يوليو 2025
قبل قرن، وفي مثل هذه الأيام من القرن الماضي، كان السوريون يسفرون عن وجه جديد لم يعرفه العالم عنهم، ولم يعرفوه هم أنفسهم.
رجال ريفيون يتحوّلون إلى قادة ثورات، وجهاء مدينيون يتحوّلون إلى سياسيين يناورون القوى الكبرى، ويروْن بوضوح حدود المصلحة الوطنية، ويميّزون جيداً بين التكتيكي والاستراتيجي، مثقفون يصرخون بشعبهم بأعلى صوت، يقرّعونه حين يخطئ، يشجّعونه حين يصيب، نساء متعلّمات ينفضن عنهن إرث القرون الغابرة ويخرجن إلى الشارع ليقدن المظاهرات، وليدرسن في الجامعات. رجال دين يحوّلون منابرهم إلى منصّات لإطلاق الروح الوطنية، وتحفيزها. يؤجّلون خطبة أحكام الوضوء ويعجلون خطبة وجوب قتال المحتل.
أطباء يتركون عياداتهم ليشبكوا محمد الأشمر بإبراهيم هنانو، وليسندوا سلطان الأطرش برمضان شلاش، وصالح العلي بحسن الخراط. محامون يتحوّلون صحافيين، وصحافيون يتحوّلون خطباء ومفاوضين، وفلاحون يتحوّلون مقاتلين، وتجّار يصبحون سياسيين.
تلك الأيام، كان السوريون خارجين للتوّ من ظلمة قرون طويلة انقطعوا فيها عن العالم، وغُيبوا عما يجري فيه، لكنهم وبحسّهم الغريزي الوطني اليقظ، انتبهوا إلى أن بين أيديهم فرصة، وأن لديهم بلداً وليداً، صحيحٌ أنه أصغر من طموحهم بكثير، لكنه يصلح ليكون وطناً واحداً لأولادهم، فالتقطوا الفرصة وأرادوا بناءه.
كان ذلك العام 1925 بداية الصحوة الوطنية السورية، والعام الذي قرّر فيه السوريون أنهم لا يريدون أن يكونوا ولاية تابعة لقوة أجنبية مرّة أخرى، وأن اللحظة الآن مناسبة لتغيير أقدارهم، وكسر النمط الذي عاشوا فيه مئات السنين قبلها.
أثمر نضالهم ذاك مرّتين خلال القرن، مرّة في عام 1946 حين حرّروا بلدهم من المستعمر الفرنسي (آخر إمبراطورية حكمتهم) ومرّة في 2024 حين حرّروا بلدهم من الديكتاتورية التي سرقت الاستقلال الأول.
في المرّة الأولى، عانوا كثيراً للحفاظ على ذاك الاستقلال، تعرّضوا لمؤامراتٍ محليةٍ ودولية، خسروا فلسطين خاصرتهم الجنوبية، صنعوا علماً (ضم شمل البلاد) وضعوا فيه (من كل عين سواد) ومن (دم كل شهيد مداد)، جمعوا شتات البلاد المتنوّعة الجاهلة بعضه مع بعض. لكنهم وخلال سنوات قليلة تعرّضوا لانقلابات عسكرية، لاختراع أعتى أجهزة الاستخبارات للتسلط عليهم، لاستخدام أدواتٍ دمويةٍ لإخضاعهم، رفضوا، ناوروا، قاوموا قليلاً، ثم استسلموا.
اليوم يعبرون مرحلة مشابهة لتلك التي تلت الاستقلال، تتربّص بهم المخاطر من كل صوب. يظهر من بينهم، وإنْ بشكل خجول حتى الآن، رجال ريفيون ومدنيّون يتحوّلون بالتدريج قادة وطنيين، نخبة مثقفة، تقاوم بصوت خفيض حتى الآن، محاولات تمزيق البلاد إلى أشلاء طوائف وقوميات، محامون ورجال تجارة يكادون يتحوّلون سياسيين.
صحيحٌ أن الكتلة الوطنية لم تتشكّل بعد، وصحيحٌ أن الانقسام بين الطوائف وبين الطبقات وبين القوميات وبين المدينة والريف، يبدو حقيقياً وعميقاً، لكنه سريعاً ما سيكشف عن هشاشته، ويتلاشى شيئاً فشيئاً أمام الصحوة الجماعية، التي ستكون تكراراً شبه حرفي لصحوة الاستقلال، وسريعاً ما سيظهر آباء الاستقلال الجدد ليعبروا بنا هذه الأيام الصعبة. وسيصحو السوريون من هذه الغيبة، ويدركوا حجم الفرصة التي بين أيديهم، كما أدرك أجدادهم صبيحة الاستقلال.
وهذه المرّة لن يسمحوا للانقلابات أن تتكرّر، ولا للاستقلال أن يضيع.
العربي الجديد



