بابوات روما السوريون/ فارس الذهبي

12 يوليه 2025
شهدت الكنيسة الكاثوليكية في روما منذ نشأتها انفتاحًا على شعوب ومناطق متعددة، خاصة في القرون الأولى للمسيحية، حين كانت حدود الانتماء الديني والثقافي تتقاطع مع الجغرافيا السياسية الواسعة للإمبراطورية الرومانية. ورغم هيمنة البابوات الأوروبيين، ولا سيما الإيطاليين، على الكرسي الرسولي على مدى قرون طويلة، فإن الشرق الأدنى، وتحديدًا منطقة سورية الرومانية التاريخية، ترك أثرًا بارزًا في مسار المؤسسة البابوية، سواء من خلال البابوات المنحدرين من هذه المنطقة، أو من خلال التأثيرات اللاهوتية والثقافية القادمة من المشرق.
في هذا السياق، طرح انتخاب روبرت فرنسيس بريفوست، المولود في شيكاغو، الذي اتخذ اسم ليون الرابع عشر، ليكون أول بابا من القارة الأميركية الشمالية، وثاني بابا من الأميركتين بعد البابا الأرجنتيني فرنسيس، تساؤلات عديدة حول انفتاح الكنيسة الكاثوليكية على أصول غير أوروبية، مسترجعةً من خلال هذا الانفتاح عهودها وأعرافها في قرونها الأولى.
على كل حال، يخبرنا تاريخ الكرسي الرسولي البطرسي في روما أن منصب البابوية لم يكن حكرًا على الإيطاليين فقط وهم الذين احتكروا الكرسي لقرابة 400 عام، مسجّلين خلال ذلك وصول 216 بابا من أصول إيطالية إلى الكرسي الرسولي بحسب السجلات الفاتيكانية. أوّل كسْرٍ لِهذا الاحتكار تحقّق في عام 1978، عندما وصل إلى الكرسي البابا البولندي يوحنا بولس الثاني، كأولِ بولنديٍّ في الكرسي. يتبوأ الفرنسيون المركز الثاني بوصول 16 أسقفًا فرنسيًا إلى الكرسي البابوي، يليهم الألمان الذين وصلوا الكرسي ست مرّات. أما المفاجأة الكبرى فهي أن الدولة التي تحتل المرتبة الرابعة هي دولة متوسطية الهوى منفتحة المشارب؛ إنها سورية التي وصل منها حتى القرن الثامن الميلادي إلى الكرسي الرسولي البابوي في روما ستة بابوات، حيث، في ذلك الزمان، كان المؤمنون يستطيعون التجوال والحصول على حقوق الترشح والممارسة الدينية قبل انغلاق الأمم على نفسها وتكوّر كل شعب حول معتقداته فيما سيُعرف بصراع الأديان والحضارات الذي لا أساس له إلا في عقول من أسسوا لهذا الفكر. وكي نستطيع تفسير نسب هؤلاء البابوات إلى سورية يجب علينا أن نعلم أن تصنيفهم على أنهم من مواليد سورية هو تصنيف بابوي من قبل الفاتيكان، حيث كانت المنطقة الممتدة من أنطاكيا والرّها حتى العقبة تسمى ولاية سورية التابعة للإمبراطورية الرومانية، وهي تضم الساحل اللبناني والبادية والشمال السوري التابع لتركيا حاليًا، بينما كانت فلسطين تحت تسمية أخرى وهي فلسطين التابعة للإمبراطورية الرومانية.
كانت البداية مع البابا أنيكتوس حمصيّ المولد يونانيّ الأصل، الذي طُوِّب قديسًا واستمرت بابويته من عام 155 ميلادي حتى عام 166، حيث كانت البلاد تضج بالثقافة اليونانية والسريانية. امتدت ولايته أحد عشر عامًا، انكبّ فيها على محاربة الغنوصية والمرقيونية التي كانت ترفض العهد القديم بكل رموزه وحتى إلهه، وتعتبره إلهًا للشر في مقابل إله الخير في العهد الجديد.
استمرّت البابوية بعد ذلك باستقبال البابوات من عدة جنسيات لتعود سورية إلى الكرسي البطرسي الرسولي مع البابا رقم 82: البابا يوحنا الخامس الذي استمرت بابويته من عام 685 حتى عام 686، وهو من أصول سورية من مدينة أنطاكيا في الشمال السوري التي كانت تعرف بعاصمة المسيحية في العالم حينها.
عرف يوحنا الخامس بأنه أول بابا في البابوية البيزنطية يُكرّس دون موافقةٍ إمبراطوريّةٍ مُسبقة، والأول في سلسلة من عشرة بابوات مُتتالين من أصلٍ شرقي. تميزت بابويته بالمصالحة بين مدينة روما والإمبراطورية. ومن سخرية القدر أن هذا البابا من أصول شرقية سورية قد دُمّر قبره في سراديب الموتى في كنيسة البابوات على أيدي الأغالبة أثناء غارة الأغالبة العرب على روما سنة 846 ميلادية.
أما البابا الـ87، وهو أيضًا من سورية، فهو البابا سيسينيوس (توفي في 4 شباط/ فبراير 708). كان أسقف روما من 15 كانون الثاني/ يناير 708 حتى وفاته، أي أنه استمر بمنصب البابا لزهاءِ 19 يومًا. باستثناء كونه سوريًا واسم والده يوحنا، لا يُعرف الكثير عن حياته المبكرة أو مسيرته. عند انتخابه للعرش البابوي، كان سيسينيوس يعاني من نقرسٍ حاد، مما أضعفه خلال فترة حبريّته القصيرة، رسّم سيسينيوس أسقفًا لكورسيكا وأمر بتعزيز الأسوار المحيطة بالعاصمة البابوية روما. عند وفاته، دُفن سيسينيوس في كاتدرائية القديس بطرس القديمة. خَلَفَه البابا قسطنطين من سورية أيضًا.
في أواخر القرن الخامس، انقسمت كنائس الشرق والغرب حول جدل الطبيعة الواحدة، حيث قبلت كنائس الشرق إلى حد كبير أن الطبيعة الإلهية ليسوع المسيح طغت على طبيعته البشرية، بينما آمنت كنائس الغرب (بتوجيه من مجمع خلقيدونية عام 451) بالاتحاد الأقنوميّ. سعى أباطرة بيزنطة الشرقيون إلى تسويةٍ لاهوتيةٍ للحفاظ على وحدتهم، لكن البابوات في روما (العاصمة البابوية) اشتبهوا في تعاطفهم مع الهرطقة، ولذلك حاولوا مقاومة المطالبات الإمبراطورية بالهيمنة على الكنيسة. بحلول عهد البابا مارتن الأول (حكم من 649 إلى 655)، كانت العلاقات بين الشرق والغرب قد توترت بشكل كبير. وبحلول أواخر القرن السابع، كما يصف المؤرخ إيمون دافي، “أُلغي شرط انتظار البابا/ البابوات لتأكيد تعيينهم من القسطنطينية قبل النظر في ترشيحهم، حيث مُنح إكسرخس رافينا [الممثل البيزنطي في شبه الجزيرة الإيطالية] صلاحية إصدار التفويض اللازم”.
كان دور البابا في عهد سيسينيوس، وفي الألفية الأولى ككل، يقتصر على دور الوسيط. وكما يوضح اللاهوتي ريتشارد ماكبراين، لم يكن البابوات قادرين على تعيين جميع الأساقفة، ولا على “إدارة الكنيسة الجامعة”. كما لم ينشروا رسائل عامة أو كتبًا تعليمية، ولم يكونوا قادرين على تقديس القديسين أو عقد المجامع المسكونية.
خلف سيسينيوس مباشرة بابا آخر من سورية هو قسطنطين (البابا الثامن والثمانون). من أصول يونانية، ولد في صور في عهد الخلافة الأموية، وهو البابا الوحيد الذي يحمل اسمًا شرقيًا وليس لاتينيًا. زار القسطنطينية مرّتين قبل الانشقاق الكنسيّ بين الغرب والشرق، ووطّد علاقاته مع أباطرة القسْطنطينية، حتى تولّى الكرسي خلفًا للبابا السوري السابق الذي كان على علاقة وطيدة معه. توفي ودفن في روما في كنيسة القديس بطرس.
أما البابا التسعون فهو البابا غريغوريوس الثالث (باللاتينية: Gregorius III؛ توفي في 28 شباط/ فبراير 741) كان أسقف روما من 11 شباط/ فبراير 731 حتى وفاته في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 741. تأثرت حبريّته، كبابويّة سلفِه، بتدمير الأيقونات البيزنطية وتقدم اللومبارديين، حيث استعان بتدخل شارل مارتيل، وإن كان دون جدوى في النهاية. كان آخر بابا يطلب موافقة أسقف رافينا البيزنطي على انتخابه، وآخر بابا من أصل سوري، وآخر بابا وُلِدَ خارج أوروبا حتى انتخاب البابا فرنسيس بعد 1272 عامًا في عام 2013.
كان غريغوري الثالث ابنًا لمسيحي سوري يدعى يوحنا. ولد كما تقول بعض المراجع في ريف دمشق في زمن الإمبراطورية الأموية زمن عبد الملك بن مروان، توفي ودفن في روما في كنيسة القديس بطرس. رفض غريغوري الثالث بشكل قاطع قانون محاربة الأيقونات الأيكونوكلاسم (حرب الأيقونات والدعوة إلى إزالتها)، وناشد ليو الثالث بذلك، ومن ثم عقد مجمعًا كنسيًا رفض فيه تحطيم الأيقونات، بل عمل على تجميل كثيرٍ من الكاتدرائيات والكنائس واهتم بالأيقونات واستقدم من أجل هذا الفنانين، وهو أول من دعا إلى بناء أيكونوستاس، أي الجدار الداخلي للأيقونات في الكنيسة الذي يفصل بين العالم المقدس والعالم الدنيوي.
إلى جانب هؤلاء البابوات يمكننا إضافة البابا الأول المؤسس للكنيسة الكاثوليكية في روما، الصخرة التي بنى عليها الرب الكنيسة كما أسماه السيد المسيح وهو القديس بطرس، مؤسس الكنيسة البطرسية في روما. من مواليد بيت صيدا الجليل، وهي قرية من أعمال الجولان إلا أن التقسيمات الإدارية تذكرها تابعة للجليل الأعلى قرب الضفة الشرقية لبحيرة طبريا، وبطرس هو أحد حواريي السيد المسيح ومؤسس الكنيسة في روما، وعليه فهو البابا الأول في السلسلة الطويلة.
إلى جانب هؤلاء البابوات السوريين، فإن عددًا آخر من البابوات من فلسطين وصلوا إلى السدة البابوية وهم كذلك من جنوب سورية الرومانية ويصح اعتبارهم سوريين إلا أن روما فصلت بين بابوات سورية وبابوات فلسطين في سجلاتها. وعليه نوردهم وعددهم اثنان؛ الأول ينحدر من مدينة بيت لحم وهو البابا الخامس بعد بطرس، ويدعى إيفاريستوس وتولى السدة من سنة 97 حتى 107 ميلادية، وهو من عائلة يونانية فلسطينية ومن أب يهودي يوناني يدعى يهوذا، تولى منصبه في السنة الثالثة من حكم تراجان، ودفن في ذات القبر الذي دفن فيه القديس بطرس في روما.
أما البابا التالي من فلسطين فهو البابا الثالث والسبعون من سلسلة البابوات في روما، وهو البابا ثيودور الأول، من مواليد القدس. يونانيٌّ مقدسيٌّ، ووالده كان أسقفًا في بيت المقدس؛ وهو البابا الوحيد المولود في القدس. كان من بين العديد من رجال الدين السوريين الذين فرّوا إلى روما عقب الفتح الإسلامي لبلاد الشام. رُقّيَ في عام 640، كاردينالًا شماسًا، ثم رُقّيَ كاردينالًا كاملًا على يد البابا يوحنا الرابع واستمرت حبريّته من 642 حتى 649 ميلادية.
استمرت روما في استقبال بابوات من الشرق حتى حصل الانشقاق الكنسي الرهيب بين روما والقسطنطينية سنة 1054، بسبب عقيدة انبثاق الروح القدس التي مزقت الكهنوت المسيحي وأيضًا بسبب اعتبار الكنيسة الغربية ممثلة بالبابا صاحب سلطة عليا على كل الكنائس وهو ما رفضته كنائس الشرق وعلى رأسها القسطنطينية. وبذلك اقتصرت الانتخابات البابوية منذ ذلك الحين على الفضاء الغربي الأوروبي وخصوصًا بين إيطاليا وفرنسا وألمانيا.
هكذا يتضح أن الشرق، وعلى رأسه سورية الرومانية، ترك بصمته العميقة في تشكيل الكنيسة الكاثوليكية، قبل أن تنغلق الانتخابات البابوية على الدائرة الغربية الأوروبية لقرون طويلة.
ضفة ثالثة



