عن إغلاق سينما الكندي العريقة في دمشق -تداعيات وردرد فعل ومقالات مختارة-

سينما الكندي الدمشقية تسدل الستارة: لماذا غاب التنسيق بين وزارتَي الأوقاف والثقافة؟/ زيد قطريب
السبت 2025/07/12
أنهت سينما “الكندي” بدمشق، عملها، كصالة عرض تابعة للمؤسسة العامة لسينما في وزارة الثقافة، وأسدلت ستارة العرض، على مشهد وُصف بالمأسوي، إثر صدور القرار رقم 2923\13، تاريخ 10 تموز 2025، عن مديرية أوقاف دمشق، والقاضي بفسخ عقد السينما الواقعة على العقار الموصوف بالمحضر رقم 2285، منطقة صالحية جادة، والعائدة ملكيته لمديرية أوقاف دمشق.
ورغم الانتقادات التي تعرض لها قرار مديرية أوقاف دمشق، من المثقفين وعشاق الفن السابع، إلا أن المديرية، تدعم قرارها قانونياً، إذ تُصنف سينما الكندي والعقار 2285، ضمن أملاك الوقف التابعة لها.
وقالت مديرية الأوقاف في قرارها، إن البدل السنوي لهذا العقار الاستراتيجي وسط المدينة، يبلغ 30 دولاراً، رغم أن مساحته تتجاوز 700 متر مربع. واستنادًا لذلك، طلبت من ورثة “محمد عارف الخيمي وشركاه”، مستأجري العقار، إخلاءه خلال أسبوع من تبلغهم القرار، مشيرةً للجوء إلى الضابطة العدلية في حال عدم التنفيذ. كما قالت المديرية في قرارها، إنها ستعيد تأهيل العقار المذكور، ليصبح “مركزاً ثقافياً يشع منه نور المعرفة والعلم على شباب سوريا”.
ومن المعروف أن المؤسسة العامة للسينما، التابعة لوزارة الثقافة السورية، متعاقدة منذ زمن طويل مع مستأجري هذا العقار، وقدحولته إلى صالة عرض سينمائي، تقدم عروض المؤسسة وغيرها من الأفلام، إضافة لاحتضانها مهرجانات سينمائية محلية وعربية.
ويؤكد مصدر خاص، من المؤسسة العامة للسينما، لـ”المدن”، أن المؤسسة فوجئت بالقرار منشوراً مساء الخميس في السوشال ميديا، وأنه لم يكن لديها علم به، كما لم يحصل أي تنسيق معها، لأنها المعنية بإخلاء المكان الذي يحتوي معدات عرض سينمائي كاملة، مع ما يرافقها من تجهيزات، خلال أسبوع واحد فقط!
ويعتبر المحضر رقم 2285، منطقة صالحية جادة، الذي تشغله سينما الكندي، من أملاك الأوقاف التي ينظمها القانون رقم 31 لعام 2018، ويعرف هذا القانون “الأوقاف” بالقول إنها “الأموال المنقولة وغير المنقولة المُعدَّة على حكم ملكِ الله تعالى والمخصَّصة للنفع العام وفق أحكام الشريعة الإسلاميَّة”. كما يحدد القانون 31 عمل وزارة الأوقاف، ومهام الوزير والوزارة، ومن ضمنها: “إدارة الأوقاف ووضع الضوابط اللازمة للمحافظة عليها وصيانتها واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنميتها واستثمارها على النحو الأمثل، واتخاذ الإجراءات الإدارية أو القضائية الكفيلة بإزالة التعدِّيات والتجاوزات عليها”.
ويندرج عقد الإيجار المبرم بين مديرية الأوقاف ومستأجري المحضر رقم 2285، منطقة صالحية جادة، ضمن عقود “التمديد الحكمي”، التي لا يمكن إلغاؤها إلا من خلال تشريع قانوني.
وفي وقت سابق، نظم المتضررون من إلغاء عقود التمديد الحكمي، سلسلة من الاحتجاجات في دمشق وعدد من المحافظات السورية، ما اضطر وزارة العدل لتشكيل لجنة خاصة بدراسة التشريعات العقارية المتعلقة بعقود الإيجار، برئاسة القاضي أنس منصور السليمان، رئيس محكمة النقض، وعضوية عدد من القضاة وممثلي الجهات المعنية، بهدف مراجعة القوانين الخاضعة “للتمديد الحكمي”، ووضع مقترحات تشريعية تحقق توازنًا عادلًا بين حقوق المؤجرين والمستأجرين.
ويقول المحامي عارف الشعال، في منشور في فايسبوك، إن هذه القضية، هي إحدى مظالم “الفروغ”، ويضيف: “تقع سينما الكندي في الكتلة التي تضم مقهى الهافانا في قلب الشام، وهي من أملاك الوقف. تبلغ مساحتها 700 متر مربع، أُجرتها السنويّة 30 دولاراً فقط! وفي حالتنا هذه، من المستبعد أن تكون مديرية الأوقاف قد استوفت بدل الفروغ من المستأجر. فهل ثمة جورٌ وإجحافٌ أوضح من هذا الوضع؟ وقِس على ذلك أجرَ الغالبية العظمى من العقارات التجارية الخاضعة للتمديد الحكمي!”.
لكن الشعال، يشير إلى أن مديرية الأوقاف، كان من المفترض أن تنتظر تعديل قانون “التمديد الحكمي”، الذي تعمل عليه لجنة مختصة من وزارة العدل، قبل إصدار قرارها بفسخ العقد مع مستأجري عقار سينما الكندي. ويضيف: “من اللافت أن مديرية الأوقاف لم تنتظر تعديل قانون التمديد الحكمي؛ إذ ألغته من تلقاءِ ذاتها، وتسعى لاسترداد المأجور دون أن تعير منظومة الفروغ أي اعتبار! فإذا نجحت الأوقاف في مسعاها هذا، وكرَّست هذه السابقة، فيمكننا أن نقول للمستأجرين في عقارات الوقف: لقد أُكل الثور الأبيض”.
وتقع كامل العقارات الموجودة، من مقهى الكامل الصيفي ومطعم الكمال الجديد وهمبرغر وسناك الكندي وندوة الكندي، وسينما الكندي ومحل فلاحة لألبسة الأطفال، ومحل بيع النظارت الطبية والمكتبة ومقهى الهافانا وألبسة الواحة، وسينما الأهرام، والمكتبة بجانبها أيضًا، وصولًا إلى مدخل شارع شيكاغو، كلها ضمن أملاك مديرية أوقاف دمشق.
لكن الوضع القانوني الذي تستند إليه مديرية أوقاف دمشق، لم يعفها من الانتقادات العارمة، لأنها ألغت قانوناً مصنفاً ضمن “التمديد الحكمي”، ولم تنتظر تعديل التشريعات العقارية، الذي تعمل عليه لجنة من وزارة العدل، كما أسلفنا.
من جانب آخر، فإن وجود طرف آخر، يستثمر هذا العقار كصالة سينمائية، ويتبع لمؤسسات الدولة، أي المؤسسة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة، يجعل التنسيق ضرورياً بين وزارتي الأوقاف والثقافة، وهو ما لم يحدث، كما أكد لنا مصدر خاص من مؤسسة السينما. حيث بالإمكان الإبقاء على صالة السينما، مع رفع الإيجار أو قيمة الاستثمار السنوي، وتعديل الإيجار الشخصي لآل الخيمي وشركائهم، بحيث تصبح القيمة المالية عادلة لجميع الأطراف.
صفحة “دمشق الآن”، علقت على الخبر بالقول: ” وداعًا سينما الكندي… وأهلاً بعصر الفتوى.. منذ العام 1979، افتُتحت سينما الكندي بدمشق كمركز ثقافي وفني، لتكون نافذة السوريين على السينما والعالم. واليوم، بعد أكثر من 40 سنة، تُسدل الستارة. لا بنهاية فيلم، بل بقرار رسمي!”.
الإعلامي محمد يونس كتب معلقًا على القرار: “نعم يا جماعة سينما الكندي يلي صار عمرها أكبر من عمر أغلب قراراتنا المصيرية السابقة والحالية، تم تبليغها بالإخلاء، لأنو النور اللي عم يشعّ منها “مش من النوع الموافق عليه شرعًا”، يعني وزارة الأوقاف قررت تحط حد لهاد الانحراف الثقافي المسمى: سينما”.
المخرج السينمائي وليد الدرويش، انتقد القرار، وكتب: “قرار تحويل سينما الكندي التاريخية بدمشق إلى “صرح ثقافي” ليس إلا مثالًا آخر على وعود الحكومة الفارغة، التي تزعم تحويل سوريا إلى سنغافورة، بينما الحقيقة أن هذه القرارات تعكس تراجعًا ثقافيًا حقيقيًا. السينما كانت مساحة حية للفن والتلاقي الثقافي، وتحويلها إلى مبنى غامض وغير محدد الوظيفة يمحو تاريخها ويخنق الحياة الفنية في دمشق”.
فيما أيد القرار متابعون آخرون، وكتب أحدهم: ” تحية لمدير أوقاف دمشق سامر بيرقدار وكافة الجنود المجهولين الذين يعملون بهمة عالية لاسترداد الأوقاف الإسلامية، وإعادتها إلى ما وُقِفَت له أو لما تجيزه الشريعة لما فيه نفع الأمة وخير البلاد والعباد”.
وسينما الكندي لها تاريخ غني ومميز في المشهد الثقافي السوري، وهي واحدة من أبرز دور العرض التابعة للمؤسسة العامة للسينما في سوريا.
ويعود تاريخ تأسيس سينما الكندي إلى أوائل القرن العشرين، حيث كانت تُعرف سابقًا باسم “سينما أدونيس” ثم “سينما بلقيس”، قبل أن تُصبح “سينما الكندي” العام 1952 في شارع المتنبي مقابل شركة الترام بدمشق.
استلمتها المؤسسة العامة للسينما العام 1976 وجعلتها جزءًا من شبكة صالاتها الرسمية، لتُستخدم في عرض الأفلام السورية والعالمية، وكذلك في الفعاليات الثقافية والمهرجانات والمسابقات السينمائية الشبابية.
شهدت صالة الكندي عمليات تحديث في السنوات الأخيرة، وتم افتتاحها مجددًا بعرض أفلام وثائقية مثل “سايكو” للمخرج مايكل مور، في محاولة لإحياء الطقس السينمائي في دمشق. كما استقبلت مهرجانات الأفلام القصيرة الخاصة بالسينمائيين الشباب في دورات عديدة.
ورغم تراجع صالات العرض بدمشق، لأسباب إنتاجية ومالية كثيرة، إلا أن سينما الكندي بقيت مركزًا لتدريب طلاب دبلوم الإخراج السينمائي، كما تُستخدم كمنصة تعليمية أكثر منها تجارية.
المدن
——————————
“الأوقاف” تصادر سينما كندي الدمشقية العريقة والمثقفون يحتجون/ سامر محمد إسماعيل
تعد من أقدم صالات العرض السورية وتضم مكتبة سينمائية تحوي مئات الأفلام المحلية والعالمية
السبت 12 يوليو 2025
أصدرت مديرية أوقاف دمشق قراراً طالبت فيه ورثة مستأجري سينما الكندي بإخلاء العقار خلال أسبوع، وذكرت المديرية في كتابها أنها “ستحول سينما الكندي إلى مركز ثقافي يشع منه نور المعرفة والعلم”.
أثار كتاب المديرية ردود فعل وموجة غضب واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل مخاوف من التضييق على الحياة الثقافية في سوريا. ناشطون وسينمائيون نظموا وقفة احتجاجية أمس الجمعة أمام مبنى السينما التاريخية التي تضم سينماتك (مكتبة أفلام) تحوي مئات الأشرطة من نوادر السينما السورية والعالمية، ولم تعلق إدارة المؤسسة العامة للسينما حتى الآن على قرار مديرية الأوقاف، مع أنها الجهة التي تستثمر العقار منذ عام 1970.
وحمل المحتجون أمام أبواب السينما المغلقة لافتات كتبوا عليها عبارات تندد بقرار مديرية الأوقاف، فكتب أحدهم: “السينما نور في حياة مظلمة”، فيما رفع آخر لافتة تطالب وزارة الثقافة بالتدخل العاجل، وكتبت فتاة من طلاب قسم السيناريو في المعهد العالي للسينما عبارة تقول: “وها أنا أراني اليوم منزلقاً على بساط التاريخ، فقد أغلق أمامي باب السينما، والمفتاح ليس معي”، في حين حملت فتاة أخرى لافتة كتبت عليها: “المركز الثقافي لا يعوض عن السينما ولا يخدع المثقفين”.
من الوقفة الاحتجاجية التي نظمها سينمائيون سوريون أمام مبنى سينما الكندي في دمشق.jpg
وقفة احتجاجية أمام صالة الكندي ليل أمس (انبدندنت عربية)
يعود تأسيس صالة الكندي إلى ما يطلق عليه بعض السوريين الزمن الجميل للسينما السورية، بعدما تحول اسمها من سينما أدونيس، ثم إلى سينما بلقيس في ستينيات القرن الماضي، لتأخذ اسمها الحالي من اسم العالم الموسوعي والفيلسوف العربي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (801-873 م)، الذي يعد أول من نادى بالنسبية كجوهر قانون للوجود، معتبراً أن الزمان والفراغ والحركة والأجسام جميعها نسبية، وهو أول من وضع علم البصريات الحديث مشككاً في نظريات الرؤية عند فلاسفة الإغريق.
الصالة العريقة
ومنذ عام 1970 اتخذ النادي السينمائي من صالة الكندي مقراً له بإدارة كل من محمد ملص وهيثم حقي ونبيل المالح وأسامة محمد، الذين قدموا فيها أفلاماً من أهم نتاجات الموجة الفرنسية الجديدة وتيار الواقعية الإيطالية، إضافة إلى أفلام رواد السينما الروسية والأميركية، وكان النادي يخصص الثلاثاء من كل أسبوع لعرض فيلم من روائع السينما العالمية، يتلوه نقاش مفتوح مع أعضاء النادي، ويشهد تاريخ السينما السورية على الأسبوع السينمائي الذي خصصته صالة الكندي لعرض أفلام المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني (1922-1975)، والذي حضر شخصياً في عرض خاص لشريطه الروائي الطويل “ميديا” الذي صور مشاهد منه في مدينة حلب السورية عام 1969.
وتعتبر صالة كندي دمشق واحدة من سلسلة صالات الكندي المنتشرة في كل من مدن طرطوس واللاذقية ودير الزور وحلب وحمص، لكن وزارة الثقافة فقدت اثنتين منها هي صالة كندي حلب التي تم السيطرة عليها بحكم قضائي من صاحبها الأصلي عام 1998، فيما قامت وزيرة الثقافة لبانة مشوح بتسليم طوعي لدار سينما الكندي في حمص لمجلس المحافظة، بعدما رفضت الوزيرة في النظام البائد إعادة ترميمها، لتتحول الصالة الحمصية اليوم إلى صالة أفراح ومناسبات، وتعاني صالتا كندي دير الزور واللاذقية إهمالاً وتهميشاً كبيرين من قبل إدارة المؤسسة العامة للسينما، وتحتاج كلتا الصالتين إلى إعادة ترميم عاجلة بعدما تحولت أجزاء منهما إلى خطوط اشتباك في عهد النظام البائد.
وواظبت صالة سينما كندي دمشق منذ تأسيسها على توفير عروض بمبالغ زهيدة للطلاب والأطفال، فقد كان عرض الأفلام المقتبسة عن روايات عالمية طقساً من طقوسها الأسبوعية، وكان جمهور هذه العروض في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي من دارسي اللغتين الإنجليزية والفرنسية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في دمشق، فيما كانت الصالة تخصص أيام العطل لعروض أفلام الرسوم المتحركة لجمهور الأطفال والعائلات، ومع الثورة الرقمية تحولت الصالة إلى مقر لدبلوم العلوم السينمائية الذي أطلقته المؤسسة عام 2012، فيما عملت نوادٍ نظمها مخرجون وكتاب سيناريو لإحياء طقوس المشاهدة السينمائية، ومن أبرز تلك النوادي نادي أحفاد عشتار وبيت السينما الذي يشرف عليه كل من المخرجين رامي نضال وفراس محمد.
وشغلت صالة الكندي أول مقر لكل من مجلة “الحياة السينمائية” و”سلسلة الفن السابع” اللتين أطلقهما كل من الناقد سعيد مراد والشاعر بندر عبدالحميد، وأصدرا من مقر المجلة عشرات الكتب التي تعنى بتاريخ الفن السينمائي ومخرجيه ومدارسه وتياراته، كما تحفل صالة الكندي بما يشبه متحفاً لآلات العرض السينمائية من نوع 35 و16 ملم، وقد شهدت الصالة عشرات العروض لمخرجين عرب وأجانب قدموا أفلامهم على شاشتها، من بينهم الإيراني عباس كيروستامي والمصري محمد شاهين والروسي كارين شخنزاروف، كذلك فإن الصالة شهدت افتتاح أهم الأفلام السورية، ولعل أهمها “ليالي ابن آوى” لعبداللطيف عبدالحميد و”أحلام المدينة” لمحمد ملص و”الفهد” لنبيل المالح و”شيء ما يحترق” لغسان شميط و”الطحالب” لريمون بطرس و”اللجاة” لرياض شيا.
“أيام السينما”
كانت صالة الكندي مقراً لإقامة تظاهرة “أيام سينما الواقع” التي كان يشرف عليها ويديرها المخرج السوري عروة نيربية، وكانت هذه التظاهرة التي استمرت حتى عام 2010 تقيم في الصالة ما يشبه مخيماً تدريبياً موجهاً للتسجيليين الشباب العرب، حيث تجاوز عدد المتقدمين إلى هذه الورشات عام 2009 أكثر من 50 شابة وشاباً من سورية والعالم العربي، قبل منهم 14 متقدماً، وكان هؤلاء يتلقون تدريباً في صالة الكندي لصناعة أفلام وثائقية على أيدي عدد من أهم المدربين العالميين، وذلك في مجالات الإنتاج والإخراج والتصوير والمونتاج.
وكانت تظاهرة “أيام سينما الواقع” تقيم نشاطاتها التخصصية في صالة الكندي تحت عنوان “الفرص البديلة” للإنتاج والتوزيع التسجيلي في العالم العربي، وذلك عبر برنامج تبادل كان يدعو المتخصصين من منتجين وموزعين وممثلي محطات تلفزيونية وصناديق دعم ومهرجانات، للمشاركة في مجموعة من النشاطات التشبيكية، كما كان يفسح هذا البرنامج المجال أمام التسجيليين الشباب للتعريف بمشاريعهم والتشبيك مع منتجين محتملين لها.
أما من جهة العروض التي كانت تظاهرة أيام سينما الواقع DOX BOX تقيمها في صالة كندي دمشق، فكان هناك عروض لـ45 فيلماً من أهم الإبداعات التسجيلية من حول العالم. وكانت تنقسم إلى تظاهرات، أولاها المختارات الرسمية التي تتنافس على جائزة الجمهور، وكان يرافقها تظاهرات جانبية تحت عناوين متنوعة هي “الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة” و”رجال ونساء” إضافة إلى تظاهرة “روائع المهرجانات” التي كانت تقدم عدداً من الأفلام الحائزة جوائز أهم المهرجانات العالمية، وتظاهرة “أصوات من سورية” التي كانت أيام سينما الواقع تتضمن أفلاماً لتسجيليين سوريين تختارها لجنة انتقاء مستقلة، ومن ثم تمنح لجنة تحكيم دولية أحدها جائزة أفضل فيلم تسجيلي سوري المسماة DOX BOX – Soura المقدمة بالتعاون مع شركة “صورة” للإنتاج الفني التي كان يديرها المخرج الراحل حاتم علي.
وكانت صالة الكندي موئل التسجيليين السوريين وجسر لقاء مع المخرجين العرب والأوروبيين عبر تظاهرة أيام سينما الواقع DOX BOX، فقد وفرت الصالة فرصة استثنائية للقاء بعض أشهر السينمائيين التسجيليين، إذ حل المخرجان الأميركيان د. ا. بينيبيكر وكريس هيغدس ضيفين على أيام سينما الواقع في دورة عام 2010، وقدمت الصالة بعض أعظم أفلامهما التي تعد من روائع السينما التسجيلية التاريخية.
وقد حققت تظاهرة أيام سينما الواقع مساحة للسينما البديلة كان فضاؤها الحميمي هو صالة كندي دمشق التي استقبلت عبر دورات هذه التظاهرة أكثر من 12 ألف متفرج عام 2009، وقدمت أكثر من 80 فيلماً تسجيلياً، واستقبلت أكثر من 70 ضيفاً من العالم والبلاد العربية قبل أن تتوقف دوراتها مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.
“اندبندنت عربية” تواصلت مع نضال قوشحة مدير المكتب الصحافي في “المؤسسة العامة للسينما”، وعند سؤاله عن الإجراءات التي ستقوم بها المؤسسة إزاء قرار مديرية الأوقاف الأخير قال “هناك كثير من إشارات الاستفهام على القرار، سواء من جهة طبيعة نشره وتوقيته عند نهاية عطلة الأسبوع، فالعقار هو من ضمن ملكية شركة خط الحديد الحجازي، الذي يعود لأوقاف دمشق بما فيها صالات سينما وفنادق ومقاهٍ ومسارح، سينما الكندي واحدة من تلك العقارات التي ورثتها الأوقاف إبان انهيار الدولة العثمانية عشرينيات القرن الماضي، وقد استأجر الصالة كل من عائلتي عارف الخيمي وفلاحة، ونحن بدورنا كمؤسسة استثمرنا الصالة بعقد رسمي من العائلتين. الأوقاف وجهت كتابها للخيمي، وهناك مستأجر آخر من عائلة فلاحة لم يأت الكتاب على ذكره، وحديث مديرية الأوقاف عن رغبتها بتحويل الصالة إلى مركز ثقافي ليس منطقياً، فعلى بعد أقل من كيلومتر واحد هناك مركز ثقافي في حي أبي رمانة، هذه إشارة استفهام أخرى”.
وأضاف نضال قوشحة: “الكتاب كان يجب أن يوجه للمؤسسة العامة للسينما وليس للمستأجر، فالمؤسسة هي من تدير المكان منذ أكثر من 60 عاماً. لذلك أشعر أن الموضوع لا يتعدى “التريند”، وزمن نشر القرار مساء الخميس في ظل ظروف حرائق اللاذقية وقبل عطلة نهاية الأسبوع وضعنا في إرباك. الأحد سنجري اتصالاتنا مع مديرية الأوقاف ونتأكد من صحة هذا القرار. شخصياً حاولت الاتصال بمديرية الأوقاف ولم أستطع أن أتواصل على أرقامهم المنشورة على موقع المديرية، أشك أن هذا القرار ’مضروب‘، الأمر ليس جديداً، وقد حاولت الأوقاف كثيراً في هذا الصدد عندما قاموا بإغلاق أكثر من محل لبيع المشروبات الروحية في محلة باب شرقي، وعندما راجع أصحاب المحال محافظة دمشق أعيد تجديد تراخيصهم”.
——————————————-
محتجّون بدمشق على تحويل سينما الكندي مركزاً دينياً: “ليست وكراً للدعارة“!
السبت 2025/07/12
شهدت منطقة الصالحية في دمشق، مساء الجمعة، وقفة احتجاجية أمام “سينما الكندي” بعد قرار مديرية أوقاف دمشق فسخ عقد تأجيرها مقابل بدل سنوي رمزي قدره 30 دولاراً.
وتخطط المديرية لإعادة تأهيل العقار وتحويله إلى “مركز ثقافي” ما اعتبره معقلون وصحافيون وناشطون سوريون تمهيداً لتحويلها إلى مركز إسلامي. وأكد المحتجون أهمية السينما كرمز ثقافي واجتماعي، معبّرين عن قلقهم من فقدان المرفق لصالح تغيير الاستخدام، بحسب صور ومقاطع فيديو انتشرت في مواقع التواصل.
واعتصم فنانون وكتاب، مساء الجمعة، رافعين لافتات تطالب بالتراجع عن القرار، معتبرين أن تحويل السينما إلى مركز ثقافي يمحو جزءاً من ملامح دمشق الثقافية ويهدد المساحات العامة للفن، ورد عليهم موالون للحكومة بمنشورات وتعليقات مهينة كرروا فيها أن دار السينما تعتبر “وكراً للدعارة” وأنها لا تتوافق مع أخلاقيات المجتمع.
ويعود تاريخ “سينما الكندي” إلى بداية العشرينيات من القرن الماضي، وكان اسمها صالة “سينما أدونيس” ثم “سينما بلقيس”، وبعدها تسلمتها المؤسسة العامة للسينما العام 1976 فأصبح اسمها “سينما الكندي”، حسبما نقلت وسائل إعلام محلية.
وقبل أيام، فسخت مديرية أوقاف محافظة دمشق عقد سينما “الكندي” الكائن في حي الصالحية، بهدف تحويل العقار إلى “مركز ثقافي”. وأوضحت المديرية أنها ستعيد تأهيل العقار الذكور “ليكون مركزاً ثقافياً يشع منه نور المعرفة والعلم على شباب سوريا”. وطلبت من شاغلي العقار “ورثة محمد عارف الخيمي وشركاه” إخلاءه وتسليمه خلال سبعة أيام من تاريخ تبليغهم قرار الفسخ.
وأثار الكتاب الذي نشر في مواقع التواصل، موجة استنكار عارمة، بالنظر الى أن القرار يقفل معلماً ثقافياً من معالم دمشق، ويحوله الى مركز ثقافي “يشع منه نور المعرفة والعلم”، حسب وصف مديرية أوقاف دمشق، ما يعني أنه سيتحول الى مركز ثقافي ديني.
والاستنكار، يعود الى هواجس من تحويل معالم ثقافية، الى معالم دينية، تقضي على المساحة الثقافية والتنوع الفني في سوريا، وتقودها الى الوجهة الدينية، وهو ما يرفضه الكثير من السوريين.
————————————
نهاية سينما «الكندي»… دمشق تغيّر هويتها؟/ مروة جردي
الجمعة 11 تموز 2025
ليست كل الحروب مواجهات عسكرية بين جيوش متنازعة. بعضها يُشنّ على الهوية والثقافة، بأدوات أكثر هدوءاً لكن أكثر عمقاً في أثرها. في دمشق، خلال السنوات الأخيرة، يعيش السوريون انحساراً تدريجاً لمعالم ثقافتهم المدينية. فسوق الشرقيات يتراجع، كما المكتبات، لصالح محال بيع الأحذية أو الأدوات البلاستيكية. وفي سوق مدحت باشا، قرب باب الجابية، بات من المعتاد أن تصادف محلًا يحمل لافتة «شرقيات ونحاسيات »، بينما يعرض في الواجهة أحذية مطاطية.
اليوم، يبدو أن هذا المدّ وصل إلى صالات السينما. فقد أعلنت أوقاف دمشق قرارها بفسخ عقد إيجار «سينما الكندي» العريقة، الواقعة في «حي الصالحية»، بهدف تحويلها إلى مركز ثقافي. القرار أثار غضباً شعبياً واسعاً، تم التعبير عنه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وسط مخاوف من أن يكون هذا المركز الثقافي واجهةً دينية جديدة تُضاف إلى سلسلة من التحولات في المدينة. ولعل تعليق الباحث السوري فراس السواح يختصر هذا الجدل بتشكيك لاذع: «معظم المتباكين على سينما الكندي لم يحضروا فيها فيلماً واحداً».
وبلغة الأرقام المشكلة قديمة جداً، حين كان عدد سكان سوريا أربعة ملايين نسمة، كان هناك أكثر من 130 صالة عرض سينمائي. اليوم، ومع تضاعف عدد السكان إلى أكثر من 23 مليوناً، تراجع عدد الصالات إلى أقل من 30، لا تتمتع جميعها بمواصفات فنية مناسبة، ويقدّر عدد الصالات المؤهلة فعلاً بين 7 و8 فقط.
قرار الأوقاف وإعادة رسم هوية المدينة
وزارة الأوقاف السورية أعلنت، عبر مديريتها في دمشق، فسخ عقد الإيجار مع «ورثة محمد عارف الخيمي وشركاه »، مقابل بدل سنوي يبلغ 30 دولاراً لمساحة تتجاوز 700 متر مربع. وجاء في بيانها أنها تعتزم تحويل العقار إلى مركز ثقافي «يشعّ منه نور المعرفة والعلم على شباب سوريا»، مطالبة المستأجرين بإخلاء المكان خلال أسبوع.
القرار أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً مع تزايد الهواجس من تحويل الفضاءات الثقافية إلى معالم دينية، بما يضيّق هامش التنوع الفني ويُقزّم الذاكرة المدنية لدمشق. فلطالما ارتبطت هذه الصالة بذاكرة المدينة الحديثة، حيث تقع في مركزها التجاري.
ويستند القلق إلى سوابق، كالسماح بإقامة صلاة جماعية في دار الأوبرا الوطنية، أو بناء جامع بين كليتي الإعلام وطب الأسنان في المزة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ما أثار أسئلة عن مشروعيته القانونية والعمرانية.
فسخ وزارة الأوقاف لعقود إيجار سابقة ليس جديداً. فقد سبق لها أن أنهت مع وزارة السياحة عقود مستأجرين في التكية السليمانية خلال عمليات ترميم نفذها نظام بشار الأسد، ما أثار حينها موجة اعتراض وتشكيك بنيات السلطة في إعادة تشكيل معالم المدينة.
ورغم الاعتراضات على قرار الأوقات الأخير، رأى بعضهم في القرار فرصةً لمراجعة استثمار أملاك الوقف، معتبرين أنّ أسعار الإيجارات الحالية زهيدة ولا تتماشى مع القيمة الفعلية للعقارات، ما يستدعي تعديل التشريعات القديمة.
«الكندي » صالة تعبّر عن أفول القطاع العام
من المفارقات المثيرة أن «سينما الكندي» تجاور مقهى «الهافانا» الشهير في الوسط التجاري لمدينة دمشق، الذي شهد تأسيس حزب «البعث » في أربعينيات القرن الماضي، وكما شهدت سقوط نظام البعث، قد تشهد سقوطها أيضاً، فمنذ تأسيسها عام 1952 باسم «سينما بلقيس»، ثم تحوّلها إلى الكندي، شكّلت هذه الصالة جزءاً من ذاكرة دمشق الثقافية. هي من بين خمس دور سينما باقية في العاصمة، تميزت بعروضها الرمزية، وبتقديم أفلام للأطفال والكبار، خصوصاً تلك المدعومة من المؤسسة العامة للسينما، أو أفلام ذات طابع ثقافي جاد، بعيداً عن الصالات التجارية في المولات.
كانت «الكندي» تمثل أيضاً بُعداً رمزياً لصناعة السينما في القطاع العام، والتي بدأت مع إنشاء «المؤسسة العامة للسينما» عام 1963 بعد إرسال بعثات شبابية إلى أوروبا الشرقية، وتعاون مع خبراء من يوغوسلافيا. من تلك المرحلة انطلقت أعمال بارزة مثل «الفهد» لنبيل المالح، و «المخدوعون» لتوفيق صالح، و «السكين» لخالد حمادة، وأفلام الثلاثية الشهيرة «رجال تحت الشمس».
مع الثمانينيات، بدأت ملامح التراجع، فتقلص الإنتاج السنوي، وظهرت سينما المؤلف، حيث يكتب المخرج نصه ويخرجه، كما في «أحلام المدينة» لمحمد ملص، و «ليالي ابن آوى» لعبداللطيف عبد الحميد. في مقابلة له، حمّل المخرج محمد ملص «المؤسسة العامة للسينما» مسؤولية التدهور، قائلاً إن اهتراء البنية القانونية والبنية التحتية لصالات العرض انعكس مباشرة على الذائقة العامة. فالصالات التي كانت يوماً أماكن لتجارب ثقافية وفنية، باتت مهجورة أو مستباحة لأغراض بعيدة كل البعد عن السينما.
من «أمية» إلى «الكندي »؟
وفي محاولات للبحث عن حل وسط، اقترح بعض السوريين تحويل اسم «سينما الكندي» إلى سينما «أمية الجديدة»، في محاولة لاسترضاء السلطات الجديدة، خصوصاً أن أول صالة عرض سينمائي في سوريا أنشئت في حي الصالحية نفسه عام 1916 باسم «سينما جناق قلعة» وبنيت في العهد العثماني، وتبعها ظهور سينما «زهرة دمشق » التي صارت لاحقاً سينما «أمية » التي افتتحها توفيق شماس عام 1924. مثل هذا الطرح يمكن أن يلاقي قبولاً لدى السلطة الجديدة، كما حدث مع «البعث» الذي جمع بين دعم بناء المساجد وإنشاء مؤسسة سينمائية رصينة.
في فيلم «سينما باراديسو » (جوزيبي تورناتوري) الشهير تحترق السينما بسبب انفجار بكرة فيلم نترات في وجهه خلال محاول حارس السينما إنقاذ أدوات عرصه وشرائط أفلامه. وعبر التاريخ شهدت سوريا اندثار العديد من صالاتها لأسباب تقنية شبيهة. لكن سينما «الكندي» تواجه اليوم تهديداً مختلفاً بالإغلاق بقرار إداري، قد يُدرج لاحقاً في سجل خسائر الثقافة السورية. السؤال اليوم: هل ستنطفئ أنوار «الكندي» لصالح مركز ثقافي يتبع لوزارة الأوقاف؟ أم تعود لتكون منارة، كما كانت؟
الأخبار
———————————————
قرار وزارة الأوقاف السورية بإخلاء مبنى سينما تاريخية في دمشق يثير انتقادات.. ودعوة لاعتصام احتجاجي
الجمعة , 11 يوليو , 2025
دمشق: أثار قرار صادر عن وزارة الأوقاف السورية يقضي بإخلاء مبنى سينما تاريخية في العاصمة دمشق، موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما دعا ناشطون إلى اعتصام احتجاجي مساء الجمعة، وسط مخاوف من فرض السلطات قيودًا إضافية على الأنشطة الفنية والثقافية.
وأصدرت مديرية أوقاف دمشق، مساء الخميس، كتابًا رسميًا طالبت فيه ورثة مستأجري سينما الكندي بإخلاء العقار خلال أسبوع.
وجاء في القرار: “يُفسخ عقد سينما الكندي… ببدل 30 دولارًا أمريكيًا سنويًا لمساحة تتجاوز 700 متر مربع”.
وذكرت المديرية أنها تعتزم “إعادة تأهيل العقار ليكون مركزًا ثقافيًا يشع منه نور المعرفة والعلم”، إلا أن البعض أعرب عن مخاوف من أن يكون القرار مقدمة لتضييق حكومي على الفضاءات الثقافية لصالح نشاطات دينية ودعوية.
وقد أثار القرار ردود فعل متباينة، حيث اعتبره البعض تصحيحًا لوضع قانوني ومالي مجحف بحق الأوقاف، فيما رأى فيه آخرون تهديدًا للذاكرة الثقافية للمدينة.
ودعا فنانون وكتّاب عبر منصات التواصل إلى المشاركة في اعتصام بعد ظهر الجمعة، معتبرين أن تحويل السينما إلى مركز ثقافي “يمحو جزءًا من ملامح دمشق الثقافية” و”يهدد المساحات العامة للفن”.
وعلّق الكاتب عمار المأمون ساخرًا على القرار قائلًا: “بعد دورات الرقية الشرعية، قررت وزارة الأوقاف تحويل سينما الكندي إلى مركز ثقافي”، متسائلًا: “أليست السينما أيضًا نورًا وألوانًا وأجسادًا متحركة؟”
في المقابل، دافع آخرون عن القرار، مشيرين إلى أن الإيجار الرمزي لا يعكس القيمة السوقية الحقيقية للعقار، مؤكدين أن عقود الأوقاف القديمة شابها الكثير من الفساد والرشاوى، وأن السينما كانت مغلقة ومهملة، ولا تواكب الحركة السينمائية الحديثة.
ويقع مبنى السينما في قلب دمشق التجاري والثقافي، قرب مقهى الهافانا الشهير، ومحطة الحجاز الأثرية، وسوق الحلبوني للكتب، إلى جانب عدة دور سينما تاريخية قريبة.
وتأسست سينما الكندي في ستينيات القرن الماضي، ضمن منطقة كانت تزدهر بدور النشر والمكتبات والأنشطة الفنية، لكنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مبنى شبه مهجور مع نشاطات فنية متقطعة.
ويأتي هذا القرار في ظل مرحلة انتقالية تشهدها سوريا عقب سقوط نظام الأسد، وسط تصاعد المخاوف من صعود توجهات دينية محافظة قد تضيق الهامش المتاح للحريات الفنية والثقافية في البلاد.
ومنذ الإطاحة بالنظام السابق، توقفت معظم الفعاليات الفنية الدورية التي كانت تُنظَّم في دار الأوبرا بدمشق، والتي كانت تشمل عروضًا مسرحية وموسيقية وفنونًا راقصة ومعاصرة، باستثناء عرضين موسيقيين فقط، بينما استُخدمت الدار لاحقًا لنشاطات دينية واحتفالات رسمية.
وتزايد القلق بين سكان العاصمة بعد سلسلة من الاعتداءات على الملاهي الليلية والفضاءات الترفيهية، بالإضافة إلى تجاوزات على الحريات الشخصية من قبل عناصر أمنية أو جهات غير رسمية، فيما تُصرّ السلطات على وصف هذه الحوادث بأنها مجرد “تصرفات فردية”.
(أ ف ب)
القدس العربي
——————————
فسخ عقد أم اغتيال ذاكرة؟.. سينما الكندي تعرض جدالات السوريين/ لونا الراشد
2025.07.13
يقول إنغمار بيرغمان المخرج السويدي إن “السينما حلم يمكنك الإمساك به”، اليوم السينمائيون السوريون ومحبو السينما متخوفون من أن الحلم أصبح بعيد المنال، وأن سحر شاشة السينما يمكن أن ينطفئ في قلب دمشق، المدينة التي لطالما احتضنت الفن وأهله.
أصدرت وزارة الأوقاف يوم الخميس الفائت 10 من تموز قرارا بفسخ عقد سينما الكندي وببدل 30 دولار سنويا لمساحة تتجاوز 700 متر مربع، بحجة إعادة تأهيل العقار ليكون “مركزاً ثقافياً يشع منه نور العلم والمعرفة على شباب سوريا” بحسب ما ورد في القرار، وأعطت أصحاب العقار من عائلة الخيمي مهلة 7 أيام لإخلاء العقار وتسليمه للوزراة.
أثار القرار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للقرار ومعارض له، من دون صدور أي تعليقات أو توضيحات من جهات رسمية سواء وزارة الثقافة أو الأوقاف.
سينما الكندي فضاء ثقافي من ستينيات القرن الماضي
تعد سينما الكندي من آخر صالات السينما المفعلة في العاصمة دمشق، حيث تراجع عدد صالات السينما في السنوات الأخيرة من 30 صالة إلى 7-8 صالات فقط مؤهلة وجاهزة للعرض، على الرغم من كون دمشق في ستينيات القرن الماضي تعج بصالات السينما حيث تجاوز عدد صالات السينما 130، وبدأ العدد بالتراجع مع وصول حكم البعث إلى السلطة وحصر استيراد الأفلام عن طريق المؤسسة العامة للسينما فقط ما دفع العديد من الصالات للإغلاق.
والجدير بالذكر أن سينما الكندي هي أقدم من عهد البعث بذاته، حيث تأسست بعد تحويل مالك الأرض التاجر اللبناني روبير الصباغ الملهى الليلي لمسرح وسينما باسم أدونيس، لتسمى بعد ذلك بسينما بلقيس والتي كانت تعرض أسبوعياً فيلمين أميركيا وفرنسيا بسعر تذكرة الفيلم الواحد، وصولاً لسبعينيات القرن الماضي إذ استأجرت المؤسسة العامة للسينما العقار وأطلقت عليه سينما الكندي التي نعرفها اليوم، واستمرت بتقديم عروض الأفلام وتخصيص جزءاً من العروض للأطفال وكذلك للافلام التاريخية والوثائقية، وفي الثمانينيات استملكت وزارة الأوقاف العقار وبقي عقد الإيجار مستمراً.
“سينماتك” سينما الكندي
الأمر لا يقتصر على كون سينما الكندي هي صالة لعرض الأفلام، فالبناء يحوي مشروع “سينماتك” وهو مشروع أرشفة وحفظ الأفلام الكلاسيكية والنادرة والتي تحوي قيمة فنية عالية، لتعرض فيما بعد ضمن فعاليات أو في عروض خاصة للجمهور المهتم بالسينما، والسينماتك مشروع عالمي تقوم به معطم المؤسسات والمنظمات التي تعنى في السينما حول العالم، والتي تشجع المهتمين بالسينما للدراسة والبحث العلمي في مجال السينما، فهل هناك سينماتك آخر في سوريا في حال أغلقت سينما الكندي؟
وفرت سينما الكندي على مدى عقود فرصة أمام الشباب السوري لمشاهدة الأفلام بأجور رمزية، حتى في سنوات الحرب حيث تحولت لفضاء جمع العديد من نوادي السينما وكذلك الحصص والدروس لدراسة السينما، واحتضنت ندوات واجتماعات ثقافية للشباب السوري وأعطته مساحة حرة وآمنة للتعبير عن تطلعاته فيما يخص السينما السورية وما يخص واقع بلاده الثقافي بشكل عام، وذكرت الصحفية وصانعة الأفلام ميرما الورع عبر صفحتها على فيس بوك “بأنها ورواد هذا المكان استطعنا تطويع هذا الفراغ الحكومي رغم كل التعقيدات والمحددات ليناسب ما نحن نريد”.
وقفة احتجاجية في دمشق رفضاً للقرار
أثار قرار فسخ العقد وإخلاء سينما الكندي جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي مما دفع العديد من الشبان والشابات من محبي السينما للمشاركة في وقفة احتجاجية دعت إليها الصحفيّة ميار مهنا وهي طالبة بالمعهد العالي للفنون السينمائية، وتحدثت ميار لموقع تلفزيون سوريا أن قرار الإغلاق يعتبر طياً لصفحة على قدر كبير من الأهمية من الذاكرة السينمائية والثقافية السورية، وأضافت “كوني طالبة في المعهد على وشك التخرج فأنا بحاجة لصالات عرض لأقوم أنا وزملائي بعرض أفلامنا فيها وليس العكس من خلال تحديد وإغلاق مزيداً من الصالات، أنا صانعة أفلام سورية وجمهوري الأول سوري وأرغب بعرض أفلامي أمام هذا الجمهور”، واعتبرت “مهنا” أن مثل هكذا قرار “يعدّ استمراراً لممارسات النظام البائد بتقويض الحركات الفنية والثقافية في البلاد وسيغلق الأبواب أمام الفنانين السوريين ودفعهم لعرض أفلامهم في بلدان مجاورة وبالمقابل لا يمكن عرض فلمه في بلده”، على حد قولها.
سينما الكندي
وأكدت “مهنا” على ضرورة تفعيل الصالات المغلقة وليس العكس، واعتبرت سينما الكندي الفضاء الثقافي الذي شكل بذرة الوعي السينمائي لدى أجيال من الشباب السوري.
في حين عبر آخرون على صفحاتهم الشخصية عن استياءهم من عبارة “مركزاً ثقافياً يشع منه نور العلم والمعرفة”، لينشر الصحفي عمار المأمون منشوراً يطرح فيه سؤالاً “أليست السينما أيضاً تشع نوراً وألوانا وأجسادا متحركة؟”، وفي منشور آخر حث الشباب السوري المحب للسينما على الحديث وعدم الصمت عن تلك القرارات، وإلا ستتحول الوقفات الاحتجاجية لوقفات عزاء للسينما، وفق المنشورات التي قمنا برصدها.
بالمقابل كان هناك العديد من التعليقات المؤيدة لقرار وزارة الأوقاف بوصفه حق الدولة ويجب استرداده وأن المقابل 30 دولارا أميركي سنوياً يعتبر استغلالا للموارد العامة، والجدير بالذكر أن المؤسسة العامة للسينما والتي تتبع لها سينما الكندي هي جهة حكومية أيضاً، ما يجعله عقدا بمبلغ رمزي بين جهتين حكوميتين، كما أن سينما الكندي في أساسها لم تدر على أساس ربحي بل كانت مشروعاً بعيداً عن منطق الاستثمار الربحي، فكانت على مدى سنوات تقدم العروض بقيمة شبه مجانية سعياً وراء زيادة جمهور السينما في سوريا، بحيث لا تكون حكراً على طبقة معينة تستطيع دفع تذاكر بقيمة مرتفعة.
واعتبر بعضهم أن دور السينما في سوريا حالياً أصبحت مركزاً للانحطاط الأخلاقي والأفعال المخالفة الآداب العامة، وطالت التعليقات السلبية المشاركين في الاحتجاج معتبرة أنهم منفصلون عن الواقع، وأن الشارع اليوم بحاجة لما هو أهم من السينما.
ما وجهة نظر القانون في قرار وزارة الإفتاء السورية؟
تحدث المحامي حسين الراشد لموقع تلفزيون سوريا بأن نص القرار بحد ذاته مخالفاً للقانون السوري، إذ لا يمكن للمؤجر إنهاء العلاقة الإيجارية من طرف واحد، وتقتصر صلاحية وزارة الأوقاف على مخاطبة وزارة الثقافة أو المؤسسة العامة للسينما وإبلاغها برغبتها لاسترداد العقار، وأن إنذار الإخلاء يتم بعد تحريك دعوة قضائية ويصدر الإنذار عن طريق المحكمة لا الوزارة، أي أن القرار يجب أن يفصل فيه القضاء فقط، وبهذا القرار تكون وزارة الأوقاف تعدّت على صلاحيات السلطة القضائية، وأضاف الراشد أن مثل هذه الدعاوى تأخذ وقتاً طويلاً قبل إصدار حكم سواء بالإخلاء أو غيره قد تصل المدة لسنوات، وبهذا فإن المدة المعطاة في القرار 7 أيام لا تتجاوز كونها حبر على ورق، “إلا في حال استخدمت الوزراة سلطة فوق سلطة القانون فكل شيء وارد”.
من الجدير الإشارة إلى أن وزارة الأوقاف كانت قد أنهت في وقت سابق عقود إيجار ضمن موقع التكية السليمانية، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة، خلال عمليات ترميم نفذتها الجهات الرسمية في عهد النظام المخلوع. هذا الإجراء يعيد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحكومة الحالية تسير على خطى السياسات السابقة التي اتُبعت في ظل النظام الذي أُطيح به.
بيان من المؤسسة العامة للسينما
بعد يومين من الصمت، من قبل المؤسسة العامة للسينما ووزارة الثقافة والجهات المعنية بإصدار القرار، أصدر مدير المؤسسة العامة للسينما الفنان جهاد عبده يوم السبت بياناً على حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي أوضح فيه؛ أنه تلقى قرار وزارة الأوقاف المنشور على السوشيال ميديا ببالغ الدهشة والاستغراب، مشيرا إلى أنه يسعى بشكل شخصي لفهم حيثيات القرار والتواصل مع وزارة الأوقاف للتحقق من صحة ما ورد فيه، وخاصة أن وزارة الثقافة لم تُذكر في نص القرار، ولم يتم إخطار المؤسسة العامة للسينما بذلك، وأشار عبده عبر البيان إلى أنه اجتمع مع وزير الثقافة محمد ياسين صالح مؤكدا أن الوزير أبدى دعما وتعاونا شديدا للإبقاء على سينما الكندي، وأكد عبده أن خطته والرؤية الجديدة المتعلقة بالسينما لم يطرأ عليها أي تعديل وجدد وعوده بأن الخطة تسعى لإنشاء مزيد من دور السينما ومزيد من الإنتاج السينمائي، كماً ونوعاً، لا العكس، وختم البيان بأنه سيوافي جمهور السينما والفنانين بنتائج الموضوع والتطورات فور ورودها، وأنه يأمل بإيجاد حل سريع يليق بتاريخ هذه الصالة ومكانتها في ذاكرة أجيال من السوريين.
تلفزيون سوريا



