عن حرائق سوريا -مقالات مختارة-

الحرائق تلتهم الساحل.. من يشعل النار ومن يطفئها/ جنى العيسى | شعبان شامية | سدرة الحريري | لمى دياب
تحول منزل غزوان يونس (26 عامًا)، من سكان منطقة المزرعة بقسطل معاف بريف اللاذقية، إلى رماد بالكامل جراء الحرائق المندلعة والآخذة بالانتشار منذ أكثر من أسبوع بريف اللاذقية غربي سوريا.
بدأت النيران تشب بمنزل غزوان، بحسب ما قاله لعنب بلدي، حين كانت العائلة داخله، إلا أن فترة أقل من ربع ساعة كانت كفيلة بأن يحترق بالكامل من الداخل والخارج، ما دفع العائلة للخروج بثيابها مسرعة خوفًا من التعرض لأي أذى.
نجا غزوان يونس من النيران بأعجوبة، إذ أوصل أهله إلى مكان آمن عقب نشوب الحرائق بدقائق، ثم عاد محاولًا إخمادها وإنقاذ منزل العائلة الوحيد، إلا أن وطأة النار كانت أشد وحاصرته من جميع الاتجاهات، ما اضطره للنجاة بنفسه هربًا بعد أكثر من ربع ساعة من محاصرة النيران له.
ليست عائلة غزوان الوحيدة التي نالت الحرائق من ممتلكاتها، بل وصلت إلى عشرات المنازل في قسطل معاف خصوصًا ومناطق أخرى.
ووفق الإحصائيات الأولية، امتدت الحرائق إلى أكثر من 18 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية والحرجية، ونزح بسببها أكثر من 1120 شخصًا من منازلهم في مناطق عدة، كما تأثر أكثر من 5000 شخص من السكان المقيمين في منطقة أضعفتها أساسًا سنوات من الصراع والانهيار الاقتصادي.
تبحث عنب بلدي في هذا الملف، توقيت بدء الحرائق هذا العام، وسط شكوك بأن تكون مفتعلة، وتسلط الضوء على الآثار المتعددة التي خلقتها حرائق لم تنطفئ منذ أكثر من أسبوع والتهمت مساحات واسعة في اللاذقية.
تحولات بيئية متطرفة
لم تستطع كوادر الإطفاء المحلية والإقليمية التغلب على الحرائق التي امتدت منذ 3 من تموز الحالي، وسط صعوبات كبيرة تواجه الفرق تتعلق بشدة الرياح التي أدت إلى تجدد اشتعال النيران وانتقال شررها لمسافات بعيدة تتجاوز خطوط القطع الناري، ووجود ألغام، وتضاريس المنطقة شديدة الوعورة.
وغذت انتشار الحرائق حالة الجفاف الشديد والرياح التي تجاوزت سرعتها 60 كيلومترًا في الساعة.
توقفت محطة “كهرباء البسيط” عن العمل بسبب أضرار الحريق في خطوط الجهد المتوسط، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي وانقطاع ضخ المياه.
كما تعرضت خطوط الكهرباء ومحطات الكهرباء الفرعية لأضرار، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي، ولا تزال الطرق الرئيسة، بما في ذلك الطريق السريع الدولي إلى تركيا، مغلقة أو متأثرة.
وأدى انفجار الذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية من مخلفات الحرب في مناطق الحرائق، إلى تعريض فرق الإغاثة للخطر وإلى تأخير الوصول.
وانتشر دخان كثيف فوق اللاذقية وحماة وجنوب إدلب، مع إصدار تحذيرات صحية للفئات الأكثر عرضة للخطر، بينما أدت الحرائق إلى نفوق الماشية وتدمير ملاجئ الحيوانات.
ظواهر متطرفة
في 1 من تموز الحالي، أكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، أن سوريا تشهد ارتفاعًا خطيرًا في معدل اندلاع حرائق الغابات والأحراش.
وقال الصالح، إن عدد الحرائق بلغ منذ بداية نيسان وحتى نهاية حزيران الماضي 3579 حريقًا، توزعت على 12 محافظة، ما يهدد مستقبل التوازن البيئي للأجيال المقبلة.
وأضاف الوزير أن سوريا واجهت في تلك الفترة واحدة من أكثر موجات الحرائق الحرجية والزراعية اتساعًا وخطورة.
توقيت الحرائق هذا العام بدا مبكرًا عن كل عام، إذ عادة ما تتأخر في حال كانت مدفوعة بظروف بيئية حتى أشهر الصيف الشديدة، إلا أن بدء انتشارها بكثافة منذ نيسان يفتح باب التساؤلات حول التحولات في المشهد البيئي هذا العام.
الصحفي السوري المتخصص بالقضايا البيئية زاهر هاشم، قال لعنب بلدي، إن السبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى التغيرات المناخية الواضحة في السنوات الأخيرة التي ينتج عنها ما يسمى ظواهر مناخية متطرفة، تتمثل بتغير أنماط الطقس وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وموجات جفاف طويلة الأمد في أماكن ومواعيد غير متوقعة.
يهيئ الجفاف المطول، والحرارة الشديدة، وجفاف النباتات المتزايد، ظروفًا مثالية لاندلاع حرائق غابات متكررة وشديدة، وفق هاشم.
وأضاف هاشم أن ارتفاع درجات الحرارة وفترات الجفاف الطويلة تؤدي إلى تجريد النباتات والمواد النباتية الميتة من رطوبتها، ما يعني أنه عندما تبدأ الحرائق، تنتشر بسرعة كبيرة بسبب توفر النباتات الجافة التي تشكل وقودًا للحرائق.
صحفي متخصص بالقضايا البيئية
لذا، فإن اتجاهات الاحترار العالمي تجعل مواسم ذروة حرائق الغابات أكثر حرارة حتى في فصل الربيع، وتجعل مناطق الغابات أكثر جفافًا وأكثر عرضة لاندلاع حرائق الغابات، ويحدث هذا قبل أن تنمو أوراق جميع الأشجار العريضة الأوراق المتساقطة بالكامل، وتكون الرطوبة في إبر الأشجار الصنوبرية أقل من المعتاد، ما يسهل اشتعالها، بحسب ما أوضحه الصحفي المتخصص بقضايا البيئة زاهر هاشم.
مفتعلة أم لا؟
بالتوازي مع تصاعد ألسنة اللهب، تصاعدت التساؤلات عما إذا كانت هذه الحرائق طبيعية أم متعمدة، إذ أرجع ناشطون اندلاع الحرائق في مواقع عدة متزامنة بريف اللاذقية (مثل دمسرخو والعمرونية) إلى “أيادٍ خفية”، مستشهدين بحريق كبير اندلع قرب إحدى الثكنات العسكرية.
وأفاد شهود عيان عن “سرعة انتشار النيران وصعوبة السيطرة عليها”، وسط اتهامات بأنها “مقصودة” لـ”استهداف المناطق الحرجية والممتلكات أو لصرف الانتباه عن قضايا أُخرى، وربما بهدف إحداث إرباك واستنزاف للموارد”.
كما طرح مدونون عبر “إكس” فرضية وقوف تجار الفحم خلف بعض الحرائق لاستغلال أخشاب الغابات، وهو ما ينفيه كثيرون باستمرار بعد كل موجة حرائق “لتعذر الاستفادة من الأحراج المحترقة في صناعة الفحم”.
وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، قال خلال زيارة أجراها لموقع الحرائق، في 8 من تموز الحالي، إن الوزارة بدأت بعملية التحقيق حول بعض العمليات، والشبهات التي وصلت إليها تتعلق باحتمالية افتعال الحرائق، موضحًا أن هناك شبهة وشكوكًا بأن بعض الشخصيات متورطة في افتعال الحرائق، دون أن يذكر أي تفاصيل إضافية تتعلق بذلك.
وأردف الوزير أن مساحة الحرائق واسعة جدًا، وبالتالي فإن الشكوك وحدها غير كافية، إنما يحتاج الأمر إلى أدلة وتوثيقات تفيد التحقيقات الجارية، دون أن يجري إعلان النتائج حتى تحرير هذا الملف.
مناخية وبشرية
نائبة عميد المعهد العالي لبحوث البيئة في جامعة “اللاذقية”، والمتخصصة بالبيئة والتصنيف النباتي وتأثير حرائق الغابات بالتنوع الحيوي النباتي، الدكتورة وفاء رجب، أوضحت لعنب بلدي أن الحرائق تحدث لأسباب عديدة، منها المناخية (نتيجة صاعقة مثلًا أو جفاف شديد مترافق مع رطوبة منخفضة ورياح شديدة بوجود الوقود الذي هو عبارة عن بقايا النباتات المتراكمة بأرض الغابة).
وهناك أسباب بشرية كالحريق المتعمد، أو بغير قصد كالإهمال (ترك بقايا النباتات أو الأوراق أو الأغصان المتراكمة بأرض الغابة أو ترك النفايات التي من الممكن أن تحتوي على قطع زجاجية تكثف الأشعة الشمسية وتشعل شرارة الحريق الأولى) أو حرق أراضٍ زراعية مجاورة، أو “التفحيم”، أو نتيجة حوادث مرورية أو تماس كهربائي بسبب قرب أغصان الأشجار من الأسلاك الكهربائية، بحسب رجب.
وأشارت الاختصاصية إلى أن انخفاض القيمة الاقتصادية لمنتجات الغابات المتوسطية، بسبب نموها البطيء والطلب القليل على منتجاتها، مقارنة بالغابات الأطلسية أو الاستوائية، يُقلل من فرص الربح من خلال الاستثمارات في المجال الحرجي المتوسطي، ما يعرضها للإهمال وعدم الصيانة، وبالتالي لخطر الحريق.
وبيّنت رجب أن الظروف السائدة في فصل الجفاف، وانحباس الأمطار مع ارتفاع الحرارة، إضافة إلى انخفاض الرطوبة الجوية، يؤمّن فرصًا أكبر لحدوث الحرائق الضخمة بوجود كمية الوقود القابل للاشتعال في الغابة، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تُلاحظ بعد مرور فصل ماطر يؤدي إلى نمو الكتلة الحية بشكل وافر، تشكل فيما بعد في الفصل الجاف الوقود المطلوب لاشتعال الحرائق.
الرياح الحارة الجافة تعد من أهم العوامل المساعدة على انتشار الحريق وزيادة المساحة المحروقة، بحسب الاختصاصية، أما داخل الغابات الأوجية المعمرة حيث توجد المناخات الدقيقة الرطبة، والوقود الرطب، والريح المنخفضة السرعة، فإن الحرائق الكبيرة نادرة الحدوث، وتسمى هذه المواقع “مقبرة الحرائق”، إذ يمكن أن تغيب الحرائق لمئات السنوات (لا تحدث الحرائق فيها إلا بشكل متعمد).
وحول دور المناخ، لفتت الدكتورة رجب إلى أن الغابات المتوسطية حساسة للحرائق بسبب الظروف المناخية السائدة فيها عادة، مؤكدة أن الظروف المناخية السائدة في الفترة الحالية تتمثل بالحرارة المرتفعة والرياح الشديدة، في حين أن الرطوبة الآن عالية، وبالتالي فالحرائق ليست بفعل المناخ، وإنما كان المناخ عاملًا مساعدًا في انتشارها، بالإضافة إلى وعورة التضاريس التي صعبت من عملية الإخماد.
وهناك أثر كبير لقلة الأمطار في الشتاء السابق، وهو ما أسهم في جفاف الهواء والتربة وقلة المياه الجوفية ومياه البحيرات، بحسب الاختصاصية، وكل ذلك يعد عاملًا مساعدًا لانتشار الحرائق وصعوبة إخمادها.
كما أن الاضطرار لاستخدام مياه البحر في إخماد الحريق ستظهر آثاره لاحقًا بالضرر على نباتات وتربة المنطقة، وقد تؤثر سلبًا على عودة التنوع الحيوي أيضًا.
خبير أممي: 99% من حرائق سوريا ناتجة عن تدخل بشري
الوزير الأسبق للزراعة والإصلاح الزراعي في سوريا، والخبير في منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (فاو)، نور الدين منى، قال لعنب بلدي، إن الحرائق التي شهدتها سوريا سواء في فترة النظام السابق أو في المرحلة الحالية هي من حيث الشكل واحدة، لكن ما يختلف هو الهدف منها.
وذكر الخبير الأممي أن نحو 90% من الحرائق تصنف كمفتعلة من الناحية العلمية، إذ تشعل عمدًا لأسباب بشرية، مثل توسعة الأراضي الزراعية، فيقدم المزارع على الحرق ثم يفقد السيطرة على النيران.
وكشف منى أنه في السياق السوري تصل نسبة الحرائق الناتجة عن تدخل بشري إلى 99%، أما العوامل الطبيعية كالبرق أو حرارة الشمس المرتفعة أو الصخور القابلة للاشتعال، فلا تتجاوز نسبتها ما بين 5 إلى 7%.
وأشار منى إلى أن الحرائق قبل سقوط النظام السابق كانت تفتعل غالبًا من قبل مافيات الأراضي وقاطعي الأشجار أو الباحثين عن الفحم، وتم القبض على بعض الأفراد الذين كانوا على صلة بتجار مرتبطين بالسياسة.
الأسباب البشرية التي تعود إليها حرائق الغابات تنقسم إلى أعمال مقصودة أو غير مقصودة، مثل الاستيلاء على الأراضي أو الحصول على الفحم أو نتيجة الإهمال.
فرق الدفاع المدني تواصل جهود إخماد الحرائق الحراجية بريف اللاذقية في يومها العاشر – 11 تموز 2025 (الدفاع المدني السوري/ تلغرام)
فرق الدفاع المدني تواصل جهود إخماد الحرائق الحراجية بريف اللاذقية في يومها العاشر – 11 تموز 2025 (الدفاع المدني السوري/ تلغرام)
استجابة قصوى.. لا تكفي
وسط ازدياد شدة الحرائق المندلعة في الساحل السوري وعدم التمكن من إخمادها لأيام عدة متواصلة، تطلّب الوضع الحالي آليات عاجلة وتدخلًا دوليًا للحد من الخسائر في الأراضي الزراعية والحرجية.
أظهرت الحكومة السورية استجابة سريعة وفق الإمكانيات المتاحة منذ اللحظات الأولى لانتشار الحرائق في جبال اللاذقية، وذلك عبر فرق الدفاع المدني، وإنشاء غرف عمليات بين الوزارات المعنية.
في إطار المتابعة الحكومية، أوضح مدير مديرية الساحل في الدفاع المدني السوري، عبد الكافي كيالي، لعنب بلدي، أنه يوجد أكثر من 150 فريقًا يعمل على الأرض ضمن غرفة عمليات متكاملة، من الدفاع المدني السوري، وأفواج الإطفاء الحرجية، بالإضافة إلى الأفواج التابعة لمجالس مختلف المحافظات، منها فرق تطوعية ومؤسسات.
وتشارك في إطفاء الحرائق أكثر من 300 آلية وعشرات آليات الدعم اللوجستي، و18 “بلدوزرًا” ومعدات ثقيلة لفتح خطوط القطع الناري و”تسليك” الطرقات أمام سيارات الإطفاء، وفق كيالي.
كما تدخلت كل من تركيا ولبنان الأردن والعراق وقطر ودول من الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إخماد الحرائق، وذلك من خلال توفير الدعم اللوجستي والفني، إضافة إلى المساعدات الإنسانية، إلى جانب عدد من الطائرات المروحية والآليات التي أرسلت من عدة دول.
ضعف إمكانيات
تواجه الحكومة السورية تحديات كبيرة، ما يعوق قدرة الدفاع المدني والإطفاء على السيطرة على الحرائق بسرعة وفعالية.
المسؤول الإعلامي في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، إسماعيل العبد الله، قال لعنب بلدي، إن السبب الرئيس لضعف الاستجابة لإطفاء الحرائق المندلعة في الساحل السوري حاليًا، وعدة حرائق سابقة في سهل الغاب ودمشق، هو ضعف الإمكانيات.
فعلى مستوى الآليات، فإن أفواج الإطفاء في مناطق سيطرة النظام السابق لا يمتلكون معدات لإطفاء الحرائق والاستجابات الطارئة، فأغلبها من السبعينيات والثمانينيات، وعدد السيارات الحديثة قليل جدًا، علمًا أن الدفاع المدني السوري كان يملك بعض المعدات خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن النقص يكمن في عدم وجود آليات قادرة على التعامل مع الأحراش وعلى صعود الجبال وعلى ضخ المياه، فهي غير متوفرة لدى الدفاع المدني السوري، الذي يعد جزءًا من وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
وأضاف العبد الله أن هناك صعوبات عديدة غير الآليات وهي الحاجة لتأمين البترول والديزل للآليات، وصعوبة التضاريس (سهول، وديان، جبال)، ووجود نقص في عدد الصهاريج والمناهل المائية التي تزود أفواج الإطفاء بالمياه خلال الحرائق.
ونوه إلى أن انتشار الذخائر غير المنفجرة والألغام يزيد من الحرائق، وهو أحد العوامل الأساسية بصعوبة إيقافها.
وأشار العبد الله إلى أن النظام السابق لم يتعامل بطريقة احترافية مع الغابات، فلا توجد خطوط نار، ولا أماكن لاقتحام النيران، التي من المفترض أن تكون موجودة والعمل عليها جارٍ منذ سنوات.
أزمات بيئية واقتصادية متفاقمة
لم تعد آثار الحرائق المتكررة سنويًا في سوريا محصورة في الجانب البيئي فحسب، بل امتدت لتطول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بشكل مباشر.
هذه الكوارث لم تعد مجرد حوادث طبيعية، وصارت تكشف عن أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها خسائر الطبيعة مع تهديدات معيشية وإنسانية، ما يستدعي اعتبارها أزمة شاملة تتطلب استجابة متكاملة وعاجلة.
خسائر فادحة في الغطاء الحرجي
وفقًا لإحصائيات نشرتها مؤسسة “مدد للتنمية وبناء السلام” منتصف عام 2024، شكّل الغطاء الحرجي السوري في عام 2011 نحو 2.5% من مساحة البلاد، أي ما يقارب 500 ألف هكتار، منها حوالي 233 ألف هكتار غابات طبيعية.
منذ ذلك الحين وحتى منتصف عام 2024، خسرت سوريا ما بين 90 إلى 120 ألف هكتار من هذه المساحات نتيجة الحرائق والقطع الجائر.
محافظات الساحل تكبّدت الحصة الكبرى من الخسائر، إذ أشار تقرير صادر عن منظمة “PAX” إلى فقدان نحو 25 ألفًا و320 هكتارًا من الغابات بين عامي 2011 و2021.
بحساب أن كل هكتار يحتوي على نحو 1000 شجرة، فإن خسارة سوريا تقارب 105 ملايين شجرة حرجية خلال 13 عامًا، وهي أرقام تزداد بعد الحرائق الأخيرة التي اندلعت في تموز الحالي.
المهندس الزراعي باسل ديوب قال، في حديث إلى عنب بلدي، إن تكرار الحرائق يلحق أضرارًا بيئية بالغة لا تسمح للنظم البيئية بالتعافي، فبينما تستطيع بعض النباتات التجدد بعد حريق واحد، فإن الحرائق المتكررة تستنزف المادة العضوية من التربة وتمنع نمو النبات مجددًا.
وأضاف الخبير أن الغابات الحرجية السورية، مثل الصنوبر البري والكستناء والسنديان، تحتاج ما بين 10 إلى 15 سنة لتتعافى طبيعيًا، بينما تكرار الحرائق يقضي على هذه الدورة.
تتمثل تأثيرات الحرائق من الناحية البيئية بعدة مستويات، منها تدهور خصائص التربة الفيزيائية والكيماوية، وزيادة التعرية وفقدان الغطاء النباتي، وتلوث الموارد المائية بسبب تسرب الرماد، وتراجع جودة الهواء وازدياد انبعاثات الغازات الدفيئة، وغير ذلك وفق المهندس الزراعي.
وحذر باسل ديوب من أن التربة قد تصبح غير صالحة للزراعة، ما يؤدي لتحول أراضٍ خصبة إلى أراضٍ متصحرة.
كما تؤدي الحرائق إلى تغيرات مناخية عميقة، بحسب ما تحدث ديوب، تشمل ارتفاع درجات الحرارة، وإطلاق كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وفقدان التنوع البيولوجي بسبب موت الكائنات وتشريد الحياة البرية، بالإضافة إلى اختلال التوازن البيئي المحلي.
رئيسة قسم بحوث نظم المعلومات في الهيئة العامة للبحوث الزراعية، الدكتورة رقية الحسن، قالت لعنب بلدي أيضًا، إن الحرائق تسرع من عمليات التعرية الأرضية وتضعف قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، ما يزيد من خطر الفيضانات والانجرافات.
وأضافت أن تراجع الغطاء النباتي خلال العقود الأخيرة جعل البيئة السورية أكثر هشاشة في مواجهة الحرائق.
تهدد الأرياف
الدكتورة رقية الحسن أكدت أن تكرار الحرائق يهدد حياة سكان المخيمات والمناطق الريفية، سواء من خلال الإصابات أو الموت أو فقدان الممتلكات، كما أنها تدمر المحاصيل الزراعية، ما يعمق أزمة الأمن الغذائي.
واعتبرت الخبيرة أن هذه الحرائق ليست ظاهرة موسمية فحسب، بل أصبحت أكثر شدة في السنوات الأخيرة بسبب التغيرات المناخية وزيادة فترات الجفاف.
وفي تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، في حزيران الماضي، حذرت من أن سوريا تمر بظروف مناخية استثنائية تهدد أكثر من 16 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي.
بدورها، شددت الباحثة الاجتماعية تغريد مسلّم على أن الحرائق تشكل كارثة إنسانية، لما تسببه من فقدان مصادر الدخل الأساسية، كالمواشي والأراضي والمحاصيل. وقالت إن الأزمة تجاوزت الفقر لتصل إلى انعدام سبل العيش لدى آلاف الأسر.
وطالبت بمزيد من التدخل من المجتمع المدني والدولة لتعويض المتضررين، وتأمين حياة كريمة، إضافة إلى تأهيل المناطق المعرضة للحرائق ووقايتها من الكوارث المقبلة.
كما دعت إلى تدخل المنظمات الدولية لتقديم دعم نفسي واجتماعي عاجل للسكان المتأثرين.
خسائر اقتصادية متراكمة
من الناحية الاقتصادية، يوضح وزير الزراعة السوري الأسبق والممثل الأممي لدى منظمة “FAO”، نور الدين منى، أن الغابات ليست فقط مصدرًا بيئيًا، بل تمثل مصدر دخل مباشرًا للعديد من السكان من خلال الأخشاب والأعشاب الطبية والصيد.
وأكد الخبير أن الحرائق تضعف القيمة الاقتصادية للغابات بسبب موت الأشجار وصعوبة إعادة ترميمها، حيث يتطلب ذلك سنوات وجهودًا مالية ضخمة، إضافة إلى تدني قيمة الأخشاب المتبقية حسب النوعية.
وعلى نطاق أوسع، لم تتمكن سوريا هذا العام من زراعة سوى 40% من الأراضي المخطط لها نتيجة شح المياه وتضرر البنية التحتية، ما أدى إلى عجز في إنتاج القمح يُقدّر بـ2.73 مليون طن، وهو ما يكفي لإطعام 16 مليون شخص لمدة عام.
كما أسهمت الحرائق الأخيرة في تدمير مناطق زراعية خصبة، وخصوصًا حقول الزيتون والمحاصيل الرئيسة، ما يعزز مخاوف من موجات نزوح جديدة إلى المدن أو خارج الحدود.
50 عامًا للترميم
حول الخطط المستقبلية لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أوضح إسماعيل العبد الله، أن الوزارة ستعمل على دراسة وتنظيم الغابات في سوريا وفتح خطوط النار، بالإضافة إلى وضع خطط استراتيجية لمكافحة الحرائق، ووضع نقاط متقدمة، وتجهيز سلسلة توريد للماء، وتجهيز سلسلة توريد للآليات، وغير ذلك.
وذكر العبد الله أن الحرائق منتشرة في كل أنحاء العالم، وليست مصادفة أن تكون هناك حرائق في سوريا، لكن ضعف البنى التحتية الموجودة في الغابات أدى إلى انتشار الحرائق، وضعف الإمكانيات أدى إلى عدم احتوائها.
وحول الإجراءات اللازمة لترميم الغابات المحترقة، قالت نائبة عميد المعهد العالي لبحوث البيئة في جامعة “اللاذقية”، الدكتورة وفاء رجب، إن ذلك يكون بالاستعانة باختصاصيين في إدارة الغابات وإدارة الحرائق، كما أن هناك ضرورة لحماية الغابات خلال الفترة التالية للحريق ومنع استغلالها لتحويلها لأراضٍ زراعية أو سياحية أو غيرها.
تدابير وقائية
تعتبر التدابير الوقائية وسيلة فعالة لتقليل حدوث الحرائق وتأثيرها، حيث تساعد من خلال الإجراءات المتخذة على الحد من المخاطر التي تتسبب بها النيران وتخفض من أضرارها في الممتلكات والأرواح.
وزير الزراعة الأسبق، نور الدين منى، قال لعنب بلدي، إنه لا يلقي اللوم على أحد، لكن من المهم القول إنه حتى الآن لا توجد استراتيجية وطنية حقيقية لإدارة الحرائق.
في عهد النظام السابق، وُضعت خطط مكتوبة لإدارة الكوارث، لكنها لم تُطبق نتيجة الفساد، أما الحكومة الحالية، ورغم تسلّمها السلطة في فصل الشتاء (وهو فصل لا يشهد حرائق)، كان من المفترض أن تضع خطة استباقية، نظرًا إلى تكرار الحرائق سنويًا بسبب الأعشاب اليابسة والقمح وغيره، وفق منى.
وتابع أنه في معظم دول العالم، توجد أنظمة إنذار مبكر، ويجري تحديد مناطق سفوح الجبال وإنشاء طرق للوصول السريع إليها، لكن في سوريا لا يزال غياب الطيران المخصص للإطفاء يُعدّ أحد أبرز العوائق، رغم قرب المناطق المحترقة من البحر، ما يتيح للطائرات سحب المياه وإطفاء الحرائق خلال دقائق.
ومن المهم أيضًا التفكير باستئجار طائرات وإقامة تنسيق دولي مع تركيا ولبنان، كما هو معمول به في حالات الطوارئ، بحسب منى.
وأوضح منى أن هناك حاجة ملحّة لتحديث التشريعات، ويأمل من البرلمان المقبل أن يطرح قوانين جديدة لتنظيم استثمار الغابات، وتفعيل قانون الحراج، وفرض عقوبات مشددة بحق المتسببين بالحرائق، معتبرًا أن العبث بالغابات يُعد خيانة وطنية، ويجب أن يُعامَل على هذا الأساس، بما يشمل فرض أقسى العقوبات على المرتكبين.
ولفت إلى أنه توجد تقنيات حديثة لرصد ومراقبة الغابات، ومنها أجهزة إنذار مبكر يجب الاعتماد عليها، إلى جانب إنشاء ممرات نارية كما تفعل دول عدة، وعلى الصعيد القانوني، لا بد من فرض أقسى العقوبات، وتنظيم عملية الاحتطاب بإشراف حكومي في مساحات محددة، لتفادي الآثار التخريبية العشوائية.
وختم حديثه بتأكيده ضرورة تدريب فرق الإطفاء وتأهيلها بالتقنيات الحديثة، وتوفير حوافز مادية للكوادر، نظرًا إلى خطورة المهام التي يضطلعون بها، وضرورة التعاون الدولي حتى من دول قد تكون خصمًا، لأن الحرائق، كالأوبئة، تنتشر بلا حدود، وهو ما يفرض تدخلًا جماعيًا منعًا لامتداد الخطر، وفق منى.
جهود الدفاع المدني السوري مستمرة في محاولات إخماد حرائق الساحل السوري – 8 تموز 2025 (الدفاع المدني/ إكس)
جهود الدفاع المدني السوري مستمرة في محاولات إخماد حرائق الساحل السوري – 8 تموز 2025 (الدفاع المدني/ إكس)
كيف تجدد الغابات نفسها؟
قالت الأستاذة في قسم الموارد الطبيعية المتجددة والبيئة بكلية الهندسة الزراعية في جامعة “حلب”، الدكتورة غصون السمان، لعنب بلدي، إن الأحراج والغابات المحترقة تجدد نفسها بذريًا أو خضريًا، مشيرة إلى أن الحرائق التي تحدث بمعظم الغابات في سوريا هي غابات صنوبر.
وأوضحت الدكتورة السمان، أن النوع الرئيس في غابات الصنوبر المحترقة هو صنوبر “بروتي”، مع أنواع أخرى مرافقة له، والتي تكوّن مساحات واسعة من غابات الساحل السوري، وتغطي مناطق جبلية وعرة ذات انحدارات شديدة.
وبالتالي فهي أكثر الغابات عرضة للحرائق لاحتوائها على مواد سريعة الاشتعال (مثل الراتنج والتربنتين)، بحسب الاختصاصية، وهذا النوع لا يتجدد إلا بذريًا، وبما أن معظم الحرائق التي تحدث سطحية تاجية فهي تقضي على كامل الأشجار والشجيرات والغطاء النباتي للغابة وتفحمها بالكامل.
وأردفت الاختصاصية أنه بالتالي يتجمّع الرماد على سطح تربة الغابة، وهذا ما يجعل المخاريط المحمّلة بالبذور تموت بالكامل، أي أن عملية تجدد “الصنوبر البروتي” بعد الحريق بطيئة، إلا إذا كانت الغابات التي احترقت مجاورة للغابات التي لم تصلها ألسنة النار.
وأضافت السمان أنه عندها يمكن لبذور الصنوبر الواردة من المخاريط الناضجة جنسيًا والمتفتحة أن تتطاير عن طريق الرياح إلى الموقع المحروق، فيحدث الإنبات وتعود دورة الحياة من جديد، مع وجود صعوبات عدة ترافق عملية التجدد هذه، ما يجعلها تستغرق عدة سنوات، وقد تصل في بعض الأحيان لعشرات السنوات حسب ظروف موقع كل غابة.
دور الإنسان
وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها في مواقع الغابات المحترقة، أجابت السمان أن أولى الخطوات هي فرض الحماية الكاملة للموقع، والامتناع عن دخول سكان وأهالي القرى المجاورة للغابة إليها، إضافة إلى منع دخول الحيوانات، وخاصة في فصل الربيع، بهدف الرعي.
وأشارت الاختصاصية إلى أن الإنسان العادي يستطيع أن يساعد في عملية تسريع تجدد الغابة المحترقة عن طريق عدم قطع الأشجار وعدم إجراء “التفحيم” ضمن الغابة، بالإضافة إلى المشاركة في عمليات التشجير بأنواع اقتصادية (ذات عائد اقتصادي) يستفيد منه، وأيضًا منع إدخال الحيوانات الرعوية خلال السنوات الأولى من تجدد الغابة.
وختمت الدكتورة السمان بأن من المهم أيضًا عدم دخول الغابة المحترقة للاصطياف أو التنزّه، فهذا يساعد على التجدد بشكل أسرع وخلال فترة زمنية أقصر، خاصة خلال السنوات الأولى من تجدد المساحات الخضراء بعد وقوع الحرائق المدمّرة.
عنب بلدي
————————————
من يُشعل حرائق سوريا؟/ د. فيصل القاسم
في لحظة يُفترض أن تبدأ فيها سوريا مرحلة تعافٍ وبناء بعد أربعة عشر عاماً من الدمار والدماء والخراب والتهجير والتعفيش، تعود إلى الواجهة مشاهد مأساوية لا تخطئها العين: غابات محترقة في الساحل السوري وغيره، انفجارات تهزّ كنائس ومناطق مدنية، وحملات إعلامية موجّهة تهدف لتأجيج الفتن وزرع الشكوك. مشهد يبدو في ظاهره متفرّقاً، لكنه في جوهره مترابط، ويدل على وجود من يعمل بوعي وتصميم على إجهاض أي محاولة للنهوض السوري الحقيقي. فهل حرائق الساحل مجرد صدفة مناخية مثلاً؟
شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس، ولا تزالان، سلسلة حرائق واسعة التهمت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية. في كل مرة تُعزى هذه الكوارث إلى «ارتفاع درجات الحرارة»، لكن تواتر الحرائق وتزامنها، مع سرعة انتشارها في مناطق محددة، يطرح تساؤلات منطقية: هل هي مفتعلة ولماذا امتدت من الساحل إلى مدن أخرى كدير الزور وغيرها؟ ومن يقف خلفها؟
الساحل السوري ليس مجرد مساحة جغرافية؛ إنه رئة البلاد الخضراء، وموطن استقرار اجتماعي. إحراقه يبدو ممنهجاً وهو تدمير للموارد، وتهجيرٌ بطيء لسكانه، وضربٌ مباشر لما تبقى من البيئة والبنية الاقتصادية المحلية. ولا ننسى أن كبار رموز النظام الساقط كانوا في السابق متورطين في حرق الساحل وبيع جزء كبير من الأراضي المحترقة لوكالات دولية ربما نتعرف عليها في قادم السنين. ومن السخف القول إن النظام وفلوله لا يمكن أن يحرقوا مناطقهم، فالعصابات الطائفية التي حرقت سوريا كلها ورفعت شعار «الأسد أو نحرق البلد» لن تتوانى مطلقاً عن حرق أي شيء خدمة لمصالحها أو مصالح مشغليها، فمتى كان العملاء والخونة وطنيين أو يخافون على أهلهم ووطنهم؟ لا ننسى أن آل الأسد ضحوا بمئات الألوف من العلويين على مذبح نظامهم الساقط ثم هربوا وتركوهم يواجهون النار لوحدهم، وبالتالي لا يضيرهم أبداً أن يحرقوا البشر والشجر في الساحل.
أما تفجيرات دور العبادة فهي رسائل دم لإعادة فتح جروح الطائفية، فتفجير كنيسة أو الاعتداء على مزار ديني ليس مجرد «حدث أمني»، بل هو بيان سياسي ملوث بالدم، يُراد به إعادة إشعال نار الطائفية والتشكيك في إمكانية العيش المشترك. هذه الأفعال تأتي متزامنة مع أي خطوة إيجابية نحو البناء والنهضة والحوار والمصالحة الوطنية.
سوريا لطالما كانت نموذجاً معقّداً للتعدد، لكن التعدد لم يكن يوماً تهديداً لها، بل سرّ قوتها. واليوم، هناك من يعمل لنسف هذا التعايش، بإشعال الفتنة مجدداً، وتحويل الرموز الدينية إلى ساحات صراع لا منارات إيمان. ثم يأتي إعلام الفتنة وهو بمثابة منابر مأجورة وسُمٌّ زعاف مغلف بالشعارات. ولا يقلّ خطر الإعلام الموجّه عن خطر النيران والانفجارات. فما إن تقع حادثة، حتى تُفتح أبواب جهنم على شاشات وصفحات ومنصات، تُعزز الانقسام وتبث التحريض. بعض المنصات تنشط بتمويل خارجي وتوجيه سياسي واضح، تستخدم الخطاب الطائفي والتضليل والتخوين أدواتٍ لإرباك الرأي العام، وضرب الثقة بين الناس والدولة، وبين المكونات الاجتماعية بعضها ببعض. هذا النوع من الإعلام لا يسأل «ما الذي حدث؟»، بل يسأل «كيف نوظفه؟» لخدمة الفوضى والتشويش على أي مشروع إصلاحي أو وطني.
من المستفيد من وضع العصي في عجلات سوريا الجديدة يا ترى؟ حين نربط الحرائق المتكررة، والتفجيرات المشبوهة، والخطاب الطائفي المتصاعد، نجد أننا أمام مشروع تخريبي ممنهج، يهدف لإيقاف عجلة سوريا قبل أن تدور مجدداً. وحتى بعض أصوات المعارضة الداخلية التي ترفع شعارات وطنية زائفة مرتبطة بجهات عدوة معروفة لا تريد الخير لسوريا والسوريين، فكيف يدعي البعض الوطنية بينما ينسقون مع أعداء سوريا ويتغطون بدعمهم لهم ولعصاباتهم ويعملون على تشكيل إقطاعيات وتقسيم البلد إلى كانتونات؟ من يقف خلف هذا التخريب والتفكيك والتشويش يا ترى؟ لا شك أن هناك تنظيمات إرهابية ترفض الاعتراف بأي استقرار. قوى إقليمية ترى في سوريا القوية تهديداً لنفوذها.
دول تريد سوريا ضعيفة ومُقسّمة. أطراف داخلية تخشى فقدان امتيازاتها وإقطاعياتها وتعمل لإطالة أمد الانقسام. إعلام مأجور يعيش على إشعال الأزمات لا تغطيتها. هؤلاء جميعاً يوحّدهم هدف واحد: منع سوريا من النهوض بسيادتها، وكرامتها، ووحدتها، حتى وإن رفعوا مطالب وشعارات زائفة وكاذبة مغلفة بالوطنية. وهل يمكن أن ننسى فلول النظام والمتضررين من تحرير سوريا وهم مازالوا مختبئين في كل حدب وصوب ويحاولون علناً تفجير الأوضاع في الساحل وغيره لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
في سوريا اليوم إذاً: هل هي معركة الوعي أم معركة السلاح؟ ما يجري ليس حرباً تقليدية، بل حرب على العقول والنفوس. من يسقط في فخ الطائفية والتشكيك والخوف، يخسر قبل أن يُمسك سلاحاً. ومن يصمد بالوعي والعقل والرفض الصريح للفتنة، يساهم في إعادة بناء الوطن. المعركة اليوم هي معركة رواية: من يكتب تاريخ سوريا بعد الحرب؟ هل هم من يشعلون النار؟ أم من يُطفئونها ويزرعون بدلامنها زيتونة؟
في الختام… من يملك الأرض يزرعها، ومن يملك الوعي يحميه، وأمام كل هذه التحديات، يبقى الرهان على وعي السوريين أنفسهم. فالنار مهما اشتعلت، لن تُبقي شيئاً إذا لم يُطفئها أبناء الوطن. والفتنة مهما صرخت، لن تجد من يسمعها إذا ساد العقل والحكمة.
سوريا لا تحتاج مزيداً من الضحايا، بل مزيداً من البنّائين، من رجال الإطفاء، ومن يحمون الكنائس والمساجد، ومن يصونون الوعي في وجه الإعلام الأسود، فمن أراد النهوض، لا يلتفت إلى الهاوية، بل يصعد.
كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
——————————–
حرائق اللاذقية تلتهم “رئة سوريا”/هيام علي
الجمعة 11 يوليو 2025
الحرائق التي اجتاحت ريف محافظة اللاذقية على الساحل السوري أسفرت عن تدمير 100 كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلاثة في المئة من إجمال الغطاء الحراجي في سوريا، وألحقت الضرر بـ5 آلاف شخص من سكان القرى والمزارع في المناطق التي اجتاحتها النيران.
أتت الحرائق المستمرة في سوريا التي بدأت في الثالث من الشهر الجاري على أكثر من 15 ألف هكتار مما يعكس حجم الكارثة التي تواجهها سوريا، وأشارت معلومات إلى أن محافظة اللاذقية خسرت 4.35 في المئة من مساحتها بسبب الحرائق في خمسة أيام فحسب، ويبدو أن خسارة مزيد من مساحات الغابات إلى ازدياد مع استمرار الحرائق.
وخسرت سوريا منذ بدء الثورة عام 2011 ما بين 90 و120 ألف هكتار من الغابات الطبيعية، وتركزت في المحافظات الساحلية وإدلب وحماة وحمص، وباحتساب أن كل هكتار يحوي في المتوسط على 1000 شجرة، فإن سوريا تكون فقدت منذ بداية الحرب ما يقدر بـ105 ملايين شجرة حراجية.
ويشار هنا إلى أن تقرير لوزارة الزراعة السورية تحدثت عن نشوب 2480 حريقاً في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة وتسببت في إحراق 2.1 مليون شجرة مثمرة، وبحسب دراسة محلية فإن سوريا تحتاج إلى نحو 1.85 مليون هكتار من الغابات لتحقيق الغطاء الحراجي المستدام بيئياً.
وتبدو سوريا أمام كارثة بيئية حقيقية لن تتوقف آثارها بفقدان الأشجار وإنما التسبب بمزيد من الجفاف والعوز المائي والخلل البيئي، عدا عن الآثار الاقتصادية، بينما لا تزال الحرائق مستمرة في غابات اللاذقية وسط صعوبات في السيطرة عليها بسبب قوة الرياح.
ويعمل الدفاع المدني السوري مسنوداً بفرق من الأردن وقبرص وتركيا ولبنان ليل نهار من دون التمكن من إنهاء الحرائق التي تستمر في التهام أشجار الغابات الأجمل في سوريا.
ونظراً إلى خطورة الوضع فإن الاتحاد الأوروبي أعلن عن تفعيل برنامج الفضاء لدعم جهود الاستجابة المحلية للحرائق المشتعلة في ريف اللاذقية من خلال صور الأقمار الاصطناعية.
ويشير تقرير صادر عن “منظمة الزراعة والتنمية الريفية ” إلى أن الحرائق التي اجتاحت ريف محافظة اللاذقية على الساحل السوري أسفرت في الأيام الـخمسة الأولى لها عن تدمير 100 كم مربع أي ما يعادل ثلاثة في المئة من إجمال الغطاء الحراجي في سوريا، وألحقت الحرائق الضرر بـ5 آلاف شخص من سكان القرى والمزارع في المناطق التي اجتاحتها الحرائق وتضررت البنى التحتية من طرق ومحطات كهرباء واحترقت أرزاق الناس.
ففي خمسة أيام فقط، خسرت محافظة اللاذقية 4.35 في المئة من مساحتها نتيجة حرائق الغابات، التي أتت حتى الآن على أكثر من 10 آلاف هكتار (100 كيلومتر مربع) ويبدو أن الرقم مرشح للزيادة مع استمرار النيران. في المقابل، خسرت سوريا منذ بدء الثورة عام 2011 ما بين 90 إلى 120 ألف هكتار (900 إلى 1200 كيلومتر مربع) من الغابات الطبيعية، تركزت في المحافظات الساحلية وإدلب وحماة وحمص. وباحتساب أن كل هكتار يحتوي في المتوسط على 1000 شجرة، فإن سوريا تكون فقدت منذ بداية الحرب مما يقدر بـ105 ملايين شجرة حراجية.
ويشار هنا إلى أن تقريراً لوزارة الزراعة السورية تحدث عن نشوب 2480 حريقاً في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، تسببت في إحراق 2.1 مليون شجرة مثمرة، ووفق دراسة محلية، فإن سوريا تحتاج إلى نحو 1.85 مليون هكتار من الغابات لتحقيق غطاء حراجي مستدام بيئياً.
وبينما لا تزال الحرائق مستمرة في غابات اللاذقية وسط صعوبات في السيطرة عليها بسبب قوة الرياح، مما دفع سوريا إلى طلب المساعدة من دول الاتحاد الأوروبي، فإن البلاد أمام كارثة بيئية حقيقية لن تتوقف آثارها عند فقدان الأشجار، بل ستتسبب في مزيد من الجفاف والعوز المائي والخلل البيئي، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية.
ويشير تقرير صادر عن “منظمة الزراعة والتنمية الريفية” إلى أن الحرائق التي اجتاحت ريف اللاذقية أسفرت عن تدمير 100 كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلاثة في المئة من الغطاء الحراجي في سوريا، وألحقت الضرر بـ5 آلاف شخص من سكان القرى، وتضررت البنى التحتية من طرق ومحطات كهرباء، واحترقت أرزاق الناس.
مزيد من الجفاف وتراجع الأمطار
المتخصص الزراعي عبدالرحمن قرنفلة، قال في حديث مع “اندبندنت عربية” إن “صناعة سنتيمتر واحد من تربة الغابة يحتاج ما بين 150 إلى 300 عام”.
لذلك فإن الكارثة لا تكمن في احتراق الأشجار فقط، التي يمكن أن تجدد ويعاد زراعتها، بل في فقدان مجتمع الغابة بأكمله، إذ يوجد نظام بيئي كامل دمر بفعل الحرائق.
وأشار إلى خطورة تدمير التربة نتيجة الحرارة التراكمية التي تصل إلى عمق 30 سم وبدرجة حرارة تبلغ نحو 1500 مئوية، مما يؤدي إلى تأكسد المعادن والأملاح التي يمكن أن يستفيد منها النبات، واصفاً ما يحدث في غابات اللاذقية بأنه “تدمير لا يمكن للعقل أن يتصوره”.
وأضاف أن الآثار الكارثية للحرائق ستنتقل إلى الإنسان، فانخفاض نسبة الأوكسجين الذي تنتجه الغابة يؤدي إلى احتباس الكربون وارتفاع درجات الحرارة، ويؤدي إلى مزيد من الجفاف في بلد يواجه أصلاً كارثة في تراجع معدلات الهطول المطري.
وأوضح في حديثه أن الغابة تشبه “وسادة أو إسفنجة تمتص مياه الأمطار والرطوبة وتحتفظ بها في الجبال”، وبعد احتراق مساحات واسعة من الغابات، ستذهب مياه الأمطار إلى البحر عبر مجاري السيول التي لن تجد عوائق توقفها، مما يعني مزيداً من الجفاف.
وأشار إلى أن للغابة تأثيراً مهماً في التوازن الهيدروجيولوجي، وأن حمايتها تعني حماية طبقات المياه السطحية والجوفية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة النباتية وتشكل مورداً مهماً للبشرية.
لا استراتيجيات للتعامل مع الغابات
بين قرنفلة أن التحليل الإحصائي يكشف عن زيادة في عدد الحرائق خلال الآونة الأخيرة، وزيادة في متوسط المساحات المدمرة، وهو ما يشير إلى غياب التقدم في الوقاية من الحرائق، وعدم تحسن تقنيات مكافحة حرائق الغابات.
وأضاف أن غابات سوريا تعاني كونها غير منتجة وغير مخططة ولا تدار بهدف العمل المكثف، مما يدفع النظم الإيكولوجية إلى أشكال نباتية أكثر تدهوراً وقابلة للاحتراق، وفي نهاية المطاف تختفي جميع النباتات، وتنجرف التربة تدريجاً بفعل الأمطار لتظهر الصخور العارية.
وأوضح أن البلاد افتقدت دائماً إلى استراتيجية شاملة للتعامل مع الغابات، ولا تزال حتى الآن بلا رؤية واضحة، ولا يوجد أي مفهوم لربط السكان المحليين بالغابة بصفتهم أصحاب مصلحة، وهؤلاء، بحسب قوله، هم من يجب أن يحموها، لا الخفير الحراجي ولا البندقية.
وأكد أن حماية الغابات ليست شأناً حكومياً فقط، بل مسؤولية مجتمعية بالدرجة الأولى، لأنها تعني حياة كل مواطن، واستمرار الحياة على كوكب الأرض بمعناها الأشمل.
وقال إنه بعد هذه الحرائق، لم يعد ترفاً أن يتمتع المجتمع السوري، خصوصاً الشباب، بالوعي لأهمية الغابات، وضرورة الحفاظ عليها، والتطوع في زراعة الأشجار.
الغابات توفر 50 مهنة
وبينما يبدو من الصعب وضع رقم تقديري لخسائر سوريا نتيجة احتراق الغابات، فإن المؤكد أن الرقم كبير للغاية، وتأثيراته ستظهر تدريجاً مع الوقت، بخاصة في ظل الحاجة إلى إنفاق كبير لمواجهة الآثار التراكمية والعميقة.
والمؤلم هو فقدان الأهمية الاقتصادية للغابات، فهي تتيح الحفاظ على الكائنات الحية، وتعد موطناً لتربية الماشية، ومنجماً لإمكانات وراثية جديدة، ومصدراً لتوليد الطاقة، وتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كيماوية.
وتوفر الغابات نحو 50 مهنة مختلفة، ويعد الخشب أساساً لنحو 50 ألف مشروع من مختلف الأحجام، وتشكل إطاراً مثالياً للترفيه، وتستخدم على نطاق واسع للرعي.
والأهم أنها تنقي الهواء، فالهكتار الواحد من الغابة يمكنه امتصاص من ستة إلى 10 أطنان من الكربون سنوياً، وإطلاق من 12 إلى 20 طناً من الزيوت العطرية الحاملة للأوكسجين.
وتفتح زراعة النباتات الطبية في المساحات المكشوفة بالغابات آفاقاً عديدة للتنمية الريفية والصناعية والسياحية، ويمكن في بعض الحالات أن تكون بديلاً للزراعة التقليدية، بخاصة في التربة الرديئة النوعية.
وأكد قرنفلة أن الوقت حان لإنشاء لجان دائمة للغابات، وإطلاق نظام وطني للمعلومات والاتصال في شأن الغابات، وصياغة أدوات لحمايتها وتطويرها واستغلالها.
وأضاف “من المهم تبني نظام صارم لاستخدام الأراضي بحيث لا يسمح بتحويلها إلى استخدامات أخرى، مثل البناء بعد الحرائق”.
وشدد على ضرورة استعادة المناطق المحروقة من خلال التجديد الاصطناعي أو الطبيعي، مع مراعاة خصوصية النظم البيئية، واختيار أنواع مقاومة للحريق يمكن مزجها بأنواع أخرى لتقليل أخطار النيران.
ودعا إلى تعزيز تدابير مكافحة الحرائق، من خلال الاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد، وتركيب أنظمة لحماية النباتات، إلى جانب تدريب الحراجيين ورفع كفاءاتهم.
المأساة السورية: حطب الغابة في مقابل الدفء
كثيراً ما تجاهلت الإدارات المتعاقبة في عهد النظام المخلوع تبني حلول علمية لحماية الغابات، ومنذ الخمسينيات صدر قرار بمنع رعي الماعز في الأحراج، لا يزال سارياً على رغم أن الرعي المنظم يساعد في الحد من الحرائق.
كذلك لم تنفذ توصيات الخبراء بزراعة الصبار والغار كمصدات نيران، ولم تعتمد خطة حقيقية لحماية الغابات.
وعلى رغم وجود قانون يمنع قطع الأشجار، فإن القطع الجائر استمر، وتسببت بعض الحرائق في الماضي في فتح الطريق أمام المتنفذين لاستثمار الحطب في تجارة الفحم.
يقول مصدر خاص لـ”اندبندنت عربية” إن بعض المساحات المحروقة كانت تحول لاحقاً إلى أراض زراعية، أو يشاد عليها أبنية وفيلات.
ومنذ حرائق 2020 وما بعدها، شهدت البلاد عمليات استيلاء على أراض محروقة قرب التجمعات السكانية، بينما اقتصرت استجابة الجهات المعنية على شق طرق ترابية لإطفاء النيران، وهي الطرق ذاتها التي استخدمت لاحقاً لنقل الحطب الذي لجأ إليه السكان للتدفئة، بعدما كان النظام يوزع 50 لتراً من المازوت سنوياً لا تكفي لأسبوع، وغالباً لا تصل أصلاً، مما أجبر الناس على التحطيب.
وتقدر خسائر سوريا نتيجة هذا التحطيب بعشرات الملايين من الدولارات، ضحت بها الحكومات المتعاقبة في مقابل التهرب من مسؤولياتها في توفير وسائل التدفئة.
لعل حرائق غابات اللاذقية الحالية تمثل فصلاً آخر من المأساة السورية التي أبكت الناس طوال سنوات الحرب، وفيما يشاهد السوريون كيف تحترق “رئة البلاد”، بالكاد يستطيعون استيعاب كارثة الجفاف وقلة الأمطار التي أضعفت أمنهم الغذائي ودفعتهم نحو الفقر والعطش والجوع.
يقول عبدالرحمن قرنفلة “كان هناك تعطيل لكل شيء في السنوات الماضية، ترك كل شيء على حاله من دون أية معالجة حقيقية، نتمنى أن يحمل المستقبل حلولاً تجد من يتبناها”.
اندبندنت عربية
—————————————
حرائق غابات اللاذقية تتوسع: إغلاق معبر كسب مع تركيا ونزوح سكان قرى/ حسام رستم
12 يوليو 2025
أدّت الحرائق المندلعة منذ تسعة أيام في غابات ريف اللاذقية غربي سورية، إلى إغلاق معبر كسب الحدودي مع تركيا، ونزوح المزيد من أهالي قرى المنطقة، وذلك مع استمرار توسع ألسنة النيران وعدم السيطرة عليها. وأعلن مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، إغلاق معبر كسب الحدودي بريف اللاذقية من الجانب التركي مؤقتاً. وقال علوش في منشور عبر منصة “إكس”: تنويه لأهلنا المسافرين عبر معبر كسب الحدودي، نُحيطكم علماً بأنه جرى إغلاق معبر كسب من الجانب التركي مؤقتاً، وذلك بسبب الحرائق المندلعة في جبال الساحل واقترابها من المنطقة الحدودية.
وتتركز الحرائق حالياً في ثلاثة محاور أساسية، هي برج زاهية، وغابات الفرنلق، ومنطقة نبع المر قرب مدينة كسب، وهي المحاور الأصعب في العمل وفق فرق الدفاع المدني بسبب كثافة الغابات ووعورة التضاريس والانتشار الكبير للألغام ومخلفات الحرب. وأوضح الدفاع المدني في قناته على “تلغرام” أن قوة الرياح أدت بعد ظهر يوم أمس إلى تجدد انتشار الحرائق وتوسعها رغم تمكن الفرق من وقف امتداد النيران صباحاً، خاصّة على محور نبع المر قرب كسب، وهو من أصعب المحاور التي تواجه فيها الفرق انتشار النيران.
وأظهرت مقاطع مصورة وصول النيران إلى مدينة كسب الحدودية مع تركيا واحتراق منازل في قرية نبع المر وسط فرار مئات العوائل من المنطقة وأزمة إنسانية تتفاقم.
وأرسلت السلطات القطرية، اليوم السبت، خمس طائرات تحمل على متنها حوامات خاصة بإطفاء الحرائق، وسيارات إطفاء، و138 من الكوادر البشرية، لينضموا إلى فرق من تركيا والأردن ولبنان والعراق تكافح مع الفرق السورية لإطفاء الحرائق.
وقال أحمد عجوز وهو من سكان بلدة كسب لـ”العربي الجديد”، إنّ الحرائق وصلت يوم أمس إلى محيط البلدة وأدت إلى احتراق عدد من المنازل، وسط مخاوف من امتداد النيران إلى داخل المدينة وإحداث مزيد من الأضرار وتهجير أكثر من خمسة آلاف من سكانها. وتعتبر بلدة كسب من أهم الوجهات السياحية في محافظة اللاذقية وتقع بين الغابات على الجبل الأقرع بارتفاع أكثر من 800 متر فوق سطح البحر، والطريق المؤدي إليها من اللاذقية من أجمل الطرق في سورية، الذي يمر عبر الغابات في الجبال التي تضرّرت مؤخراً من الحرائق.
العربي الجديد
————————————–
كارثة الحرائق في سوريا: الطبيعة تدفع ثمن الإهمال المتراكم
11 يوليو 2025
مع كل صيف، تعود الحرائق إلى الغابات السورية لتلتهم ما تبقى من غطائها الأخضر، لكن ما تشهده البلاد هذا العام يبدو مختلفًا من حيث الامتداد الزمني، واتساع المساحات المتضررة، وصعوبة السيطرة.
ففي ظل ارتفاع درجات الحرارة، وضعف البنية التحتية، وغياب خطط الوقاية، تحولت الحرائق إلى كارثة متكررة تهدد البيئة، والأمن الغذائي، وحياة السكان، وتطرح أسئلة ملحّة حول جاهزية الاستجابة، ومصير الغابات الحراجية التي كانت تعدّ من أبرز ثروات البلاد الطبيعية.
هنا رصد للحالة الراهنة للحرائق في سوريا، واستعرض لأبرز المحطات السابقة التي شهدت اندلاع حرائق مشابهة خلال السنوات الماضية.
حرائق 2025
تشهد سوريا هذه الأيام موجة حرائق هي الأكبر منذ سنوات، تتركز في ريف اللاذقية، وتحديدًا في جبل النسر، حيث اندلعت نيران ضخمة منذ أكثر من ثمانية أيام متواصلة، وسط تضاريس صعبة ودرجات حرارة مرتفعة ورياح نشطة.
تعمل فرق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) باستخدام آليات ثقيلة لفتح الطرقات الجبلية، وتمكين سيارات الإطفاء من الوصول إلى البؤر المرتفعة.
في مناطق أخرى مثل سهل الغاب بريف حماة، تصدّت فرق الإطفاء لحرائق هددت منازل المدنيين في قرية نبع الطيب.
الغابات الحراجية تعرضت لحرائق واسعة النطاق، بينما تحجب سحب الدخان الشمس عن أجزاء كبيرة من المنطقة الساحلية، وسط تضامن شعبي واسع ورسائل دعم من مختلف المحافظات السورية.
حرائق 2020
في تشرين الأول/أكتوبر 2020، اندلع أكثر من 150 حريقًا في وقت متزامن في اللاذقية وطرطوس وحمص، والتهمت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، بما فيها محاصيل الزيتون والتفاح.
أدت الحرائق إلى مقتل ما لا يقل عن 3 أشخاص، وإجلاء مئات العائلات، وأظهرت فشلًا ذريعًا في الاستجابة الحكومية، ما أثار سخطًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت هذه الكارثة علامة على ضعف الجاهزية في ظل الأزمة الاقتصادية والسياسية الحادة التي كانت تمر بها البلاد آنذاك.
حرائق 2019 في سهل الغاب
في صيف 2019، اندلعت حرائق متعددة في ريف حماة الغربي، خاصة في جبل شحشبو ومحيط سهل الغاب. امتدت النيران بسرعة بفعل الجفاف، والتهمت مساحات خضراء كانت تعتبر من آخر ما تبقى من غابات المنطقة.
أدى ضعف الإمكانات ونقص الاستجابة إلى اعتماد كبير على جهود السكان المحليين الذين حاولوا إطفاء الحرائق بأدوات بدائية.
حرائق ما قبل الثورة
حتى قبل اندلاع الحرب السورية، عانت البلاد من حرائق موسمية متكررة، خاصة في جبال الساحل السوري. في عامي 2008 و2009، شُهدت حرائق في مناطق متفرقة من اللاذقية، لكنها بقيت محدودة نسبيًا مقارنة بالسنوات التالية.
كانت تلك الحرائق بمثابة إنذار مبكر لهشاشة النظام البيئي السوري، وغياب أي خطط استباقية لحماية الغابات في ظل بيروقراطية الدولة المركزية.
الترا صوت
—————————————
النيران تلامس منازل المدنيين في مدخل مدينة كسب وتفجّر مخلفات حربٍ قديمة
2025.07.11
تسببت النيران التي وصلت إلى مدخل مدينة كسب في ريف اللاذقية الشمالي، اليوم الجمعة، بانفجارات متتالية لمخلفات حرب تعود إلى عهد النظام المخلوع، وذلك في منطقة نبع المر القريبة من المدينة.
وامتدت النيران إلى محيط عدد من منازل المدنيين في منطقة نبع المر، ما أسفر عن أضرار لم يُحدد حجمها حتى الآن.
ووصلت الحرائق إلى مشارف مدينة كسب، وسط محاولات مستمرة من الدفاع المدني السوري لاحتوائها ومنع تمددها.
حرائق تلتهم غابات اللاذقية
وتدخل حرائق غابات ريف اللاذقية، أسبوعها الثاني ضمن حدثٍ وصف بـ”الكارثة البيئة” وسط جهودٍ كبيرة تبذلها فرق الدفاع والإطفاء وفرق عربية أخرى تشارك في عملية الاستجابة.
وامتدت الحرائق، اليوم، على مساحات واسعة بريف اللاذقية الشمالي، في حين تبذل فرق الدفاع مساعيَ كبيرة للسيطرة عليها ومنع تمددها.
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، أمس الخميس، أن المساحات المتضررة من الحرائق في غابات ريف اللاذقية تجاوزت 15 ألف هكتار، مشيراً إلى أن الرياح القوية تسهم في تسريع انتشار النيران، على الرغم من الجهود المكثفة التي تبذلها فرق الإطفاء وإنشائها لخطوط قطع ناري بهدف احتواء النيران.
وأوضح الصالح أن فرق الإطفاء تواجه تحديات كبيرة على الأرض، لا سيما وجود الألغام ومخلفات الحرب، التي تعيق حركة الفرق، وقد تسببت ببعض الانفجارات التي أشعلت حرائق جديدة وزادت من المساحات المتضررة.
————————————-
مساعدة أممية وخدمة أوروبية لدعم إطفاء الحرائق باللاذقية
12/7/2025
أعلنت الأمم المتحدة مساعدات طارئة بينما فعّل الاتحاد الأوروبي خدمة “كوبرنيكوس” لتوفير خرائط أقمار اصطناعية محدثة، وذلك للمساعدة في إطفاء حرائق الغابات التي تتواصل منذ 10 أيام في اللاذقية غربي سوريا.
وأعلن المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا آدم عبد المولى، عن تخصيص مبلغ 625 ألف دولار من صندوق سوريا الإنساني لدعم جهود الاستجابة الطارئة للأشخاص المتضررين من حرائق الغابات في محافظة اللاذقية.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن هذه الأموال ستمكن الشركاء في العمل الإنساني -وفي المقام الأول الهلال الأحمر العربي السوري- من تقديم المساعدة العاجلة لآلاف الأشخاص المتضررين من الحرائق.
وأفاد المكتب بأنه بينما تستمر عمليات التقييم في 60 مجتمعا، تشير التقارير الأولية إلى أن الحرائق أدت إلى نزوح مئات الأفراد، وتدمير الأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية، وتعطيل سبل عيش المجتمعات في المنطقة الساحلية بشدة.
وأوضح أن الأمم المتحدة تقوم بالتنسيق الوثيق مع السلطات المحلية والشركاء في العمل الإنساني على الأرض، وهي على استعداد لحشد المزيد من الدعم حسب الحاجة.
أوروبا تساهم
من جهة أخرى، أعلن الاتحاد الأوروبي تفعيل خدمة “كوبرنيكوس” لتوفير خرائط أقمار اصطناعية محدثة، لتستخدمها فرق الاستجابة لتوجيه العمليات بدقة، ويمكن تكبيرها حتى مستوى القرى لتقييم حجم الأضرار.
وقد أوضحت الوكالة السورية العربية للأنباء (سانا) أن فرق الإطفاء والدفاع المدني تعمل على 3 محاور أساسية لمواجهة انتشار النار في غابات ريف اللاذقية الشمالي، برج زاهية، وغابات الفرنلق، ومنطقة نبع المر قرب مدينة كسب، وهي المحاور الأصعب في العمل بسبب كثافة الغابات ووعورة التضاريس والانتشار الكبير للألغام ومخلفات الحرب.
وأوضح الدفاع المدني أمس في قناته على تليغرام أن قوة الرياح أدت لتجدد انتشار الحرائق بعد الظهر وتوسعها رغم تمكن الفرق من وقف امتداد النيران صباحا.
وحذر وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح من أن حرائق الغابات لا تزال تتوسع في ريف اللاذقية، رغم الجهود المكثفة المبذولة من فرق الإطفاء، حيث تجاوزت المساحة المتضررة حتى الآن 15 ألف هكتار.
ويشارك في عمليات الإخماد أكثر من 150 فريقا من الدفاع المدني وأفواج الإطفاء، إضافة لفرق من المؤسسات والوزارات وفرق تطوعية مدعومين بـ300 آلية إطفاء وعشرات آليات الدعم اللوجيستي.
كما تشارك في العمليات فرق إطفاء برية من تركيا والأردن، وفي الجانب الجوي تسهم 16 طائرة من سوريا وتركيا والأردن ولبنان في تنفيذ عمليات الإخماد الجوي، في إطار تنسيق مشترك لمواجهة الكارثة.
وتسهم الرياح القوية في تسريع انتشار النيران، في حين تعيق الألغام ومخلفات الحرب حركة الفرق، وقد تسببت انفجارات بعضها في نشوب حرائق جديدة.
كما أعلنت السلطات السورية، أمس الجمعة، عن أضرار واسعة بمنازل وأراض زراعية خلفها حريقان اندلعا في ريف حماة (وسط).
المصدر: وكالات
———————————-
3 % من أحراج سوريا أصبحت رماداً… ماذا تخبرنا أيضاً صور الأقمار الصناعية ؟
وائل قرصيفي (سراج) – أحمد حاج بكري (سراج)
14.07.2025
عاينت “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” صور الأقمار الصناعية لمنطقة جبل التركمان، أظهرت الصورة تآكل مساحات هائلة من الأحراج والغابات في المنطقة إثر الحرائق في الساحل السوري، الصور التقطت خلال الفترة ما بين 30 حزيران/ يونيو و10 تمّوز/ يوليو، وترصد العديد من القرى، التي نزح أهاليها من منازلهم جرّاء الدمار والخوف من الحرائق.
تواصل فرق الدفاع المدني السوري بمساندة فرق إطفاء تركية وأردنية ولبنانية وعراقية وقطرية، لليوم الثاني عشر على التوالي( 14 تمّوز/ يوليو 2025) جهودها لإخماد النيران التي أتت على مساحات حرجية واسعة في الساحل السوري.
وكان وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، أعلن مساء السبت، 12 تمّوز/ يوليو، عبر موقع “إكس”، تمكّن فرق الإطفاء “من وقف امتداد النار على كافّة المحاور”، واتّجاه “الأوضاع نحو السيطرة ومن ثم الانتقال لعمليّات التبريد الشامل”.
وبحسب تقديرات لمبادرة الزراعة المستدامة والتنمية الريفية (SARD) نُشرت اليوم، 14 تمّوز/ يوليو، فقد طالت تأثيرات الحرائق في محافظة اللاذقية ما بين 3,500 و5,000 شخص، اضطرّ عدد منهم للنزوح. كذلك، أتت النيران على ما يقارب 100 كيلومتر مربّع من الغابات والأراضي الزراعية، وهو ما يزيد، بحسب “سارد”، على 3% من غطاء الغابات في البلاد.
ازداد القلق في صباح يوم السبت، 12 تمّوز/ يوليو، حين امتدّت ألسنة اللهب إلى مداخل مدينة كسب في الساحل السوري، لتهدّد واحدة من أجمل مدن الاصطياف السورية، والقريبة من غابات الفرنلق السورية. ورغم كلّ الجهود المبذولة من فرق الإطفاء على مدار الأيّام العشرة الماضية، لم يمنع ذلك النيران من التقدّم، قاطعة مسافة تزيد على 35 كيلومتراً من ناحية قسطل معاف، وصولاً إلى حدود مدينة كسب.
كيف تبدو الكارثة من الجوّ؟
لمعرفة حجم الكارثة، عاينت “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” صور الأقمار الصناعية لمنطقة جبل التركمان، التي أظهرت تآكل مساحات هائلة من الأحراج والغابات في المنطقة، خلال الفترة ما بين 30 حزيران/ يونيو و10 تمّوز/ يوليو، إضافة إلى نزوح مئات الأهالي من القرى الموجودة هناك، جرّاء الدمار والخوف من الحرائق.
وبالاقتراب أكثر، تؤكّد صور الأقمار الصناعية من منطقة قسطل معاف حجم الدمار الذي سبّبته الحرائق للغطاء النباتي والغابات في المنطقة. إذ خلال الفترة ما بين 30 حزيران/ يونيو و10 تمّوز/ يوليو، التهمت النيران معظم مساحة الغابات والأحراج المحيطة ببلدة قسطل معاف، ليتلاشى الغطاء الأخضر المحيط بالبلدة بسرعة هائلة عند مراقبته من الجوّ، ويتحوّل إلى رماد.
كما تُظهر صور الأقمار الصناعية المأخوذة حديثاً، اقتراب الحرائق من بلدة كسب في ريف اللاذقية الشمالي، على بعد 17 كيلومتراً تقريباً شمال بلدة قسطل معاف.
أما في قرية وادي باصور، التابعة لمنطقة الحفّة، في ريف محافظة اللاذقية، فقد أدّت الحرائق إلى دمار هائل في الغابات، إضافة إلى انفجار بعض مخلّفات الحرب والذخائر غير المنفجرة خلال عمليّات إطفاء الحرائق بواسطة “الدفاع المدني السوري”، ما عرّض حياة فرق الإنقاذ للخطر، خصوصاً أن المنطقة كانت لسنوات طويلة خطّ جبهة ومواجهات عسكرية، ويوجد فيها العديد من مخلّفات الحرب مثل الألغام.
وتوثّق صور حديثة من الأقمار الصناعية، التُقطت ما بين 30 حزيران/ يونيو و10 تمّوز/ يوليو، حجم الخسارة الكبيرة في الغابات في قرية وادي باصور، حيث التهمت النيران كامل محيط القرية من الأحراج والأشجار الخضراء ودفعت بالعديد من الأهالي إلى النزوح.
صور بتاريخ 30 حزيران/ يونيو – 10 تمّوز/ يوليو للحرائق في منطقة وادي باصور – قمر سينتينيل – وكالة الفضاء الأوروبية
تظهر فيديوهات وصور حصرية لـ “سراج” التقطها المراسلون من الجوّ، الحرائق في منطقة جبل التركمان، والتراجع في المساحات الخضراء التي دمّرتها ألسنة اللهب على مدار اثني عشر يوماً حتى الآن.
فيديو للحرائق في منطقة جبل التركمان في ريف اللاذقية – 10 تمّوز/ يوليو – تصوير: أحمد حاج بكري (سراج)
بمعاينة النشاط الجوّي في منطقة الحرائق في ريف اللاذقية، نلاحظ تحليقاً مكثّفاً للطائرات التي أرسلتها الحكومة التركية لدعم جهود إطفاء الحرائق في الساحل. وتُظهر صور النشاط الجوّي إجراء طائرة تابعة للمديرية العامّة للغابات في تركيا، وتحمل رقم تسجيل OR2027، طلعات متكرّرة فوق مناطق الحرائق.
كما تُجري طائرة هليكوبتر تابعة للمديرية العامّة للغابات في تركيا، طلعات دائرية مستمرّة حول مناطق الحرائق في جبل التركمان. وتحمل الطائرة رقم تسجيل OR3126 وهي من نوع Bell 429 GlobalRanger. ويشتهر هذا النوع من الطائرات بسرعة الحركة، ويُستخدم بشكل واسع في عمليّات الإنقاذ والكوارث مثل حرائق الغابات.
إضافة إلى الطائرتين السابقتين، تنشط عدّة طائرات أخرى تابعة للمديرية العامّة للغابات في تركيا، وتحمل أرقام تسجيل OR2024 وOR2028 وOR2029، وجميعها من طراز الطائرات التي تُستعمل في عمليّات الإنقاذ والتعامل مع الحرائق.
ة للطائرة OR2024 التابعة لمديرية الغابات التركية – Jet Photos/Deniz Zeytinoglu
بدورها وبعد إعلان الحكومة القطرية على لسان وزير الداخلية الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، عن إرسال خمس طائرات تحمل حوّامات خاصّة، و138 عاملاً متخصّصاً في مجال الكوارث، ترصد بيانات الملاحة الجوّية وصول ناقلة عسكرية تحمل رقم LHOB293 تابعة للقوّات الجوّية الأميرية القطرية إلى مطار حلب الدولي، ومن ثم توجّهها مرّة أخرى إلى الدوحة والعودة إلى حلب، فيما يبدو أنها رحلات لنقل المعدّات والكوادر البشرية المشاركة في عمليّات الإطفاء.
وفي ضوء الدمار الكبير الذي تسبّبت به حرائق الساحل السوري على مدى الأيّام الماضية، اعتبر الوزير الصالح أن هذه الحرائق “تحمل دلالات خطيرة على تهديد أزمة الجفاف لسوريا”، ما دفع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إلى عقد اجتماع تنسيقي موسّع، يوم الأحد 13 تمّوز/ يوليو بـ”التعاون مع عدد من الوزارات بينها الزراعة، والإدارة المحلّية والبيئة، والطاقة، والاتّصالات، يضمّ ممثّلي منظّمات محلّية ودولية، بهدف بلورة إطار وطني متكامل للاستجابة” لهذه الأزمة “الأشدّ منذ أكثر من ستّة عقود”.
وقد شملت الخطوات المقترحة، كما جاء في منشور للصالح على منصّة “إكس”: “تأسيس لجنة وطنية متعدّدة القطاعات، وإنشاء صندوق وطني للكوارث الطبيعية، وإطلاق منظومة إنذار مبكر متعدّدة المصادر، بالإضافة إلى تطوير سيناريوهات و خرائط تدخّل ميدانية، ومنصّة معرفية تشاركية تسهم في توحيد الجهود وتعزيز الجاهزية المؤسّسية”.
درج
———————————–
غابات كأداة للصراع أم فرصة للتكامل؟.. نحو حوكمة تشاركية عادلة ومستدامة/ د. أحمد حج أسعد
2025.07.13
يتناول هذا المقال العلاقة المتشابكة بين الغابات والمجتمعات المحلية في سوريا، من منظور اجتماعي–مؤسساتي، وذلك ضمن سياق النزاع وإعادة الإعمار، وبهدف استكشاف سُبل تحقيق حوكمة مستدامة للموارد الحرجية. ويُظهر كيف أسهم تآكل الحوكمة المركزية، وضعف آليات المشاركة المجتمعية، في تفكك أنظمة إدارة الغابات، ما أفسح المجال أمام صراعات مصالح واستغلال غير مستدام للموارد، لا سيّما في ظل تصاعد الطلب على الأراضي ومواد البناء وخشب التدفئة.
يركز التحليل على التناقض بين السياسات البيئية الرسمية، كتجربة “الحزام الأخضر”، وواقع التنمية الريفية، حيث أدت بعض مشاريع التحريج إلى حرمان المجتمعات من مواردها من دون بدائل. كما يسلط الضوء على غياب الغابات عن أولويات “التعافي المبكر”، رغم دورها المحوري في استدامة المياه وتعزيز الأمن الغذائي.
ويدعو المقال إلى مقاربة تشاركية وعادلة لإدارة الغابات في إحياء الغطاء النباتي في سوريا في مرحلة إعادة الاعمار، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية، وتعيد ربط الإنسان بالمكان، بما يضمن العدالة البيئية والاجتماعية على حد سواء.
أود التنويه بأنه، يُستخدم في هذا النص مصطلح “الغابة” بشكل مجازي للإشارة إلى “الحراج”، ويُقصد به تحديدًا المناطق التي تم غرسها بأشجار حراجية لأغراض بيئية أو تنظيمية ضمن استراتيجية إحياء الغطاء النباتي في مواجهة التصحر، وليس الغابة الطبيعية بالمعنى البيئي الواسع للكلمة.
تُدرج سوريا في الأدبيات المتخصصة في التاريخ البيئي ضمن أبرز الأمثلة التي دُرست بشأن عمليات إزالة الغابات المبكرة. فقد ربط العديد من الباحثين صعود وسقوط الحضارات الكبرى في بلاد ما بين النهرين بعوامل بيئية. ويمثل “الهلال الخصيب”، الممتد من فلسطين مرورًا بسوريا وصولًا إلى العراق، أحد المهاد الأساسية لولادة تلك الحضارات. لكنّ الاستغلال الزراعي المكثف والمستمر أسهم في انهيار المنظومة الحضارية في بدايات العصر الميلادي (Diamond, 1999؛ Roux, 1995). تشير البيانات إلى أن إزالة الغابات من قبل البشر في سوريا بدأت في وقت مبكر من عام 9000 قبل الميلاد، واستمرت وتيرتها في التصاعد عبر العصور (Yasuda et al., 2000). ورغم عدم التوصل بعد إلى صيغة علمية تربط بوضوح بين الجفاف وإزالة الغابات، إلا أن احتمال وجود مثل هذا الترابط يبقى مرجحًا. فقد وثّق علماء الآثار حدوث تغير مناخي محلي قرابة العام 1200 قبل الميلاد، أسفر عن موجات جفاف مفاجئة تسببت في زوال مدينة أوغاريت، إحدى أبرز العواصم القديمة (Kaniewski et al., 2017).
ورغم وفرة المعلومات حول التاريخ البيئي لبلاد الرافدين، فإن المعطيات المتوفرة عن ديناميات إزالة الغابات في سوريا الحديثة ما تزال محدودة. حيث تطغى فيها الدراسات المرتبطة بالعلاقة ما بين الظروف المناخية والإنتاج الزراعي، في استجابة لصورة نمطية ترسّخت عن سوريا باعتبارها بلدًا جافًا أو شبه جاف، يواجه تحديات مزمنة تتعلّق بأمنه المائي والغذائي. في حين تركز الدراسات البيئية غالبًا على المناطق الغنية بالغابات، كالأمازون وأفريقيا الوسطى وإندونيسيا، من دون أن تأخذ في الاعتبار أن ندرة الغطاء الحرجي في بلد ما تزيد من القيمة البيئية والاقتصادية لكل شجرة متبقية. وفي حالة سوريا، حيث تتفاقم التهديدات المرتبطة بالمياه (شُح الموارد، الجفاف، التلوث، أو حتى الفيضانات الموسمية)، فإن الحفاظ على الغابات بوصفها إسفنجًا بيئيًا يسهم في تنظيم دورة المياه، يكتسب أهمية حاسمة.
اعتمد إعداد هذه الورقة على منهج نوعي يجمع بين المراجعة الأدبية المنهجية، والمقابلات الشخصية شبه المفتوحة، وتقنيات الاستشعار عن بُعد. شملت المقابلات عددًا من المهندسين العاملين في مصالح الغابات، إلى جانب عدد من سكان القرى المجاورة للمناطق الحراجية التي تعرّضت للحرق أو القطع. وهدفت هذه المقابلات إلى استقصاء تصوّرات المجتمعات المحلية حول المكان وتحريجه، إضافةً إلى تحديد مكامن الإشكال المرتبطة بالحراج خلال العقود السابقة، وتحليل الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية لعمليات التحريج وتدمير الغطاء الحراجي. كما تم توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد لرصد وتحديد مواقع تدهور الغطاء الحراجي، وتقدير مدى انتشاره على المستوى المحلي.
سياسات التحريج: بين مكافحة التصحر وتحديات التنمية الريفية المستدامة
في ثمانينيات القرن الماضي، أُطلقت في سوريا مبادرة “الحزام الأخضر” ضمن إطار استراتيجي يهدف إلى مكافحة التصحر والحد من تمدد الصحراء وذلك من خلال إحياء الغطاء النباتي فقد تم تشجيع المزارعين على زراعة الأشجار المثمرة وتبنت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بزراعة الأشجار الحراجية (Al Dbiyat et al. 2015)، في سياق عالمي كان يشهد تصاعدًا في الاهتمام بالبيئة والنظم الإيكولوجية الهشة. وقد تمحور الهدف الرئيسي للمبادرة حول إنشاء حزام من الغطاء النباتي في المناطق الهامشية بهدف حماية الأراضي الزراعية والمناطق السكنية من التدهور البيئي (Al Dbiyat et al. 2015).
تُظهر التجارب التاريخية أن المجتمعات القاطنة قرب الغابات غالبًا ما تكون الأحرص على حمايتها، لما تمثّله من امتداد بيئي واقتصادي لحياتها اليومية. غير أن الوضع في سوريا يشكّل حالة مغايرة، تعود في جزء كبير منها إلى الطريقة التي طُبّقت بها مبادرة ‘الحزام الأخضر’. فقد استُخدم نهج فوقي ومركزي (Top-Down) في تخطيط وتنفيذ مشاريع التحريج، حيث تم اختيار الأراضي المستهدفة من دون أي تشاور مع المجتمعات المحلية أو مراعاة لاحتياجاتها.
أدى هذا النهج إلى تكوين بؤر توتر اجتماعي كامنة تجاه المناطق التي تم تحريجها، إذ رأت المجتمعات المحلية في هذه المشاريع شكلًا من أشكال مصادرة أراضيها وموارد عيشها التقليدية، التي كانت تُستخدم سابقًا كمراعٍ أو كمصادر لاستخراج مواد البناء. وقد نتج عن ذلك تقييدٌ فعليٌ لوصول السكان المحليين إلى مواردهم، من دون أن تقترن هذه الإجراءات بأي بدائل اقتصادية أو مشاريع تنموية تعويضية.
تجسدت هذه الإشكاليات بوضوح في حالات مثل حراج خان السبل في ريف إدلب، الذي كان يشكّل مصدر رزق لمئات العائلات من خلال استخراج الحجر والرمل، إضافة إلى كونه مرعى للماشية. كما تنطبق الحالة نفسها على الحراج المُنشأ على ضفاف بحيرة تشرين على نهر الفرات، حيث زُرعت الأشجار الحراجية في أراضٍ تقليدية مملوكة أو مستخدمة من قِبل المجتمعات المحلية، من دون أخذ مصالحهم بعين الاعتبار.
بالإضافة لذلك، أُديرت هذه المساحات الحرجية من قبل مؤسسات حكومية مركزية، أبرزها وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي (مديرية الحراج)، بالتعاون مع الجهات الأمنية، من دون إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الغابات أو في اتخاذ القرار. فلم تُطوّر آليات للحوكمة التشاركية، ولم تُؤسس بنية مؤسسية تسمح بدمج المعرفة المحلية في استراتيجيات الحفاظ على البيئة، وتنمي المسؤولية المجتمعية، ما أدى إلى خلق فجوة بين السلطة الإدارية والمجتمعات المحلّية والغابات.
ورغم انطلاق هذه المشاريع من نوايا بيئية نبيلة، إلا أنها لم تُدرج ضمن إطار متكامل للتنمية الريفية المستدامة. فبدل أن تشكل الغابات المزروعة رافعة لتحسين سبل العيش وتعزيز الصمود الريفي، تحولت في بعض المناطق إلى رمز لتدخّل خارجي فوقي غير مندمج مع الواقع المحلي. ومع غياب الحوافز الاجتماعية والاقتصادية التي تربط السكان بالغابة، لم تتطور العلاقة ما بين الغابة (الحراج) والمجتمع المحلي.
إن هذا التناقض بين الأهداف البيئية والنتائج الاجتماعية يُبرز أحد أوجه القصور البنيوي في سياسات إدارة التحريج في السياق السوري، حيث غالبًا ما تُفصل الحماية البيئية عن العدالة الاجتماعية، وبقيت تُنفّذ السياسات، خلال العقود السابقة، بمنطق أمني أو بيروقراطي من دون استحضار البعد التنموي المحلي.
الغابات في أثناء الصراع: بين الفراغ المؤسسي والاستغلال العشوائي
أفسح غياب المؤسسات الحكومية المسؤولة عن إدارة الغابات، نتيجة لاندلاع النزاع منذ أواخر عام 2011، المجال لتحول التوترات من الحالة الكامنة الى حالة الفعل. فقد تعرّضت العديد من الغابات (الحراج) لحالات اندثار تدريجي كما هو الحال في أحراج خان السبل، غابة البوز (شكل 1) حيث يظهر تحليل الصور الفضائية تراجعا كبيرا في المساحة الخضراء.
يعود التراجع في المساحات الخضراء الى اندلاع حرائق متكررة، بعضها كان متعمّدًا، في حين كان بعضها الآخر ناتجًا عن الإهمال أو عن الاستخدام غير المنضبط للنار. كما استغل بعض الأفراد هذا الفراغ في السلطة لاقتلاع الأشجار وتحويل الأراضي الحراجية إلى مشاريع خاصة، ضمن استراتيجية غير رسمية لإعادة توظيف الموارد الطبيعية بما يخدم مصالح فردية أو تجارية. وفي حين اقتصر هدف بعض الفاعلين على تجارة الأخشاب، فقد تحولت هذه الظاهرة إلى ممارسة شائعة في بعض المناطق، في ظل ضعف الرقابة المجتمعية وغياب الردع المؤسسي.
وفي المقابل، يُلاحظ تقصير واضح من قبل العديد من الجهات المحلية والدولية في التعامل مع هذه الإشكاليات في أثناء النزاع، إذ غالبًا ما يتم استبعاد القضايا البيئية – وعلى رأسها الحراج – من أولويات التدخل الإنساني المبكر، لصالح تلبية ما يُعتبر “احتياجات ملحّة” مثل الغذاء والمأوى والمياه. غير أن هذا التوجه يُغفل، في كثير من الأحيان، إدراك المجتمعات المحلية لأهمية الغابات، ووعيها العميق بالتداعيات البيئية والاجتماعية لزوالها (Lobach, 2012).
إن تجاهل هذا البُعد قد يُسهم في فقدان فرص ثمينة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والبيئة كجزء لا يتجزأ من مسار التعافي والاستقرار في مرحلة إعادة الاعمار.
الغابات
الغابات في مرحلة إعادة الإعمار: بين الترميم البيئي وتوازن المصالح
مع انتقال سوريا تدريجيًا من مرحلة النزاع إلى مرحلة إعادة الإعمار، يبرز الاهتمام بالموارد الحرجية بوصفه مدخلًا أساسيًا نحو تعافٍ بيئي حقيقي. فإعادة الاعتبار للغابات لا تندرج فقط ضمن جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي، بل تشكل خطوة محورية لضمان استدامة الموارد المائية، وتعزيز الأمن الغذائي، والحد من أخطار الكوارث الطبيعية على المدى البعيد.
في هذا السياق، تصبح الحاجة ملحّة لإجراء تحليل تاريخي شامل لأنظمة إدارة الغابات في سوريا، بغرض استخلاص الدروس من التجارب السابقة، وتقييم مواطن الخلل والنجاح في آليات الحوكمة. ويتطلب هذا التحليل أيضًا استعادة النماذج المجتمعية المحلية في الحماية البيئية، التي أثبتت جدارتها في مراحل سابقة، مع ضرورة تطويرها بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
إضافة إلى ذلك، ينبغي تحديد خريطة القوى الفاعلة وأصحاب المصلحة في ملف الغابات – من مستثمرين ومؤسسات حكومية وسكان محليين – وتحليل المنافع والأضرار التي قد تترتب على كل فئة في حال تنفيذ مشروع تحريج أو إعادة غطاء نباتي. فبناء استراتيجية وطنية لإعادة التحريج لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا التوازن، الذي يراعي التباينات في المصالح ويعمل على الحد من التوترات بين المجتمعات المحلية والدولة أو بين السكان أنفسهم.
ومن الطبيعي أن تشهد سوريا خلال مرحلة الإعمار تزايدًا كبيرًا في الطلب على مواد البناء، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها ودفع بعض الفاعلين نحو استغلال الغابات كبديل اقتصادي مربح – سواء بتحويل أراضيها إلى مقالع أو من خلال المضاربة العقارية. هذه الديناميكيات تهدد بتقويض أي جهد بيئي، وتفتح الباب أمام ممارسات مدمّرة مثل الحرائق المفتعلة، التي تُستخدم كأداة لتهيئة الأرض لأغراض استثمارية.
لذا، يصبح من الضروري طرح تساؤلات حاسمة عند التخطيط لأي مشروع حراجي جديد:
ما مدى أهمية الموقع المقترح للمجتمعات المجاورة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية؟
وهل تعبّر هذه المجتمعات فعلًا عن رغبة في وجود غابة بالقرب منها؟
وهل هناك مصالح خفية تسعى إلى إفراغ بعض الأراضي من غطائها النباتي تمهيدًا لتحويلها إلى فضاءات استثمارية؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تكتسب قيمتها فقط من منظور بيئي، بل تتصل بشكل مباشر بمفاهيم العدالة البيئية والاجتماعية في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا ، حيث يُفترض أن تشكّل إعادة الإعمار فرصة لتصحيح الاختلالات السابقة، وليس لتكرارها أو تعميقها.
خاتمة وتوصيات سياساتية
رغم وفرة الأدبيات الدولية حول إدارة الغابات وسياسات التحريج، إلا أن تطبيق التوصيات العامة أو استنساخ التجارب الخارجية من دون مراعاة الخصوصيات السورية قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالسياق السوري، بطبيعته البيئية المتنوعة، وبنيته الاجتماعية المعقّدة، لا يسمح بتطبيق نماذج موحّدة. إذ لكل منطقة، ولكل غابة أو حراج، خصائصه الفريدة من حيث الاستخدام، ونمط الحيازة، والعلاقة التاريخية بين الإنسان والمكان. وعليه، فإن أي استراتيجية لإعادة التحريج لا بد أن تنطلق من مقاربات محلية دقيقة، تعتمد على دراسات حالة، وتُبنى على تشخيص تشاركي يراعي الفروقات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
إن إعادة الغطاء النباتي في سوريا يجب ألا تُفهم كمجرد مشروع بيئي تقني، بل كركيزة أساسية ضمن مشروع إعادة إعمار عادل ومستدام، يربط بين الإنسان والمكان، ويُعيد الاعتبار للمجتمعات المهمشة والمناطق التي طالها النسيان أو التهميش المتعمد. فالعدالة البيئية هنا ليست مطلبًا منفصلًا عن العدالة الاجتماعية، بل هي امتداد طبيعي لها، لا سيما في بلد يعيش إرثًا طويلًا من المركزية والإقصاء المكاني.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في سياسات التحريج من منظور شمولي يدمج بين البعد البيئي والاقتصادي والاجتماعي، ويُعيد الاعتبار لدور المجتمعات المحلية بوصفها فاعلًا أساسيًا في حوكمة الموارد واستدامتها.
وفي هذا الإطار، فإن صياغة السياسات المستقبلية في مجال الحراج والغابات يجب أن تقوم على المبادئ التالية:
محلية التشخيص وتفصيل السياسات بحسب المناطق
إشراك المجتمعات المحلية بصفتها شريكًا أساسيًا لا مستفيدًا سلبيًا
ربط التحريج بالتنمية الريفية وتعزيز سبل العيش
الحد من التوظيف التجاري غير المنظم للغابات ومحاسبة مسبّبي الحرائق المفتعلة
دمج الاعتبارات البيئية ضمن مراحل التعافي المبكر وليس تأجيلها إلى ما بعد الاستقرار
في النهاية، تمثّل الغابات في سوريا أكثر من مجرد مورد بيئي؛ إنها مؤشر على نوع العلاقة بين المجتمع والدولة، بين التنمية والعدالة، بين المركز والأطراف. ومن هنا، فإن التعامل مع هذا الملف بحكمة وشمولية سيكون بمنزلة اختبار حقيقي لنوعية الإعمار الذي تنتظره البلاد
تلفزيون سوريا
———————————–
برداً وسلاماً… سورية/ معن البياري
15 يوليو 2025
عند إعلان الحكومة السورية الحالية، نهاية شهر رمضان الماضي، وجد بعضُنا شيئاً من الغرابة أن تضمّ وزارة للطوارئ وإدارة الكوارث، سيّما وأن حكوماتٍ عربية وغير عربية عديدة ليس فيها وزارةٌ تُناط بها مهمّات كهذه. وقد عنى الأمر لبعضِنا، نحن محبّي السوريين، أن أهل القرار في دمشق لا يستبعدون أن تطرَأ في بلدهم كوارث، فأرادوا أن يكونوا في أقصى درجات الإستعداد والجاهزية، حمى الله البلد من أي مكروه، وأبقاه في سلام، وهو الذي يحتاج سنواتٍ ليبرأ ويتعافى من كوارث ونوائب ألحقها به نظام السارين الساقط. وهذه الحرائق الواسعة في غابات اللاذقية وجوارها تفاجئ البلد عموماً، الشعب والحكومة والقيادة، ليستنفر الجميع للسيطرة عليها وإطفائها. وقد ظهر أداء الوزارة المختصّة مع رجال الدفاع المدني والمتطوّعين وأهل الخبرة والدراية في التعامل مع أحداثٍ مفزعةٍ كهذا طيّباً وحسناً، واستحقّ تثمين السوريين كلهم، كما أحرز وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح (1983)، إعجاباً وتقديراً مستحقّين، لإشرافه المباشر، ومن عين المكان، على بعض عمليات الإطفاء والسيطرة، والتي تساهم فيها الأردن ولبنان وتركيا وقطر، بعناصر مدرّبة ومعدّاتٍ وآلياتٍ لازمة. ويُحسب للصالح تنوير وزارته الرأي العام بواقع الحال، والظاهر أن هذا الحال صعبٌ، فحتى كتابة هذه السطور لم تنته الحرائق بشكل كامل، والمخاوف باديةٌ من امتداداتها. وخبرٌ طيّبٌ أن صندوق مساعدات سوريا (AFS) أعلن عن تقديمه نصف مليون دولار مساعدةً طارئةً للدفاع المدني السوري في جهود إخماد الحرائق، وهو صندوقٌ يجمع بين شركاء سوريين ودوليين، ويعمل على تعزيز القدرة على الصمود والتعافي في سورية.
وعندما تكاتف السوريون في مواجهة هذه الواقعة، البيئيّة الخطيرة، فإنهم زاولوا الطبيعيّ والبديهي، فهم أبناء وطنٍ واحدٍ موحّد، وهم أهلٌ، وليسوا جيراناً يُسعفون بعضهم. ولذلك لا يجدُر الإنصراف إلى مديح هذا الأمر، وكأن هذا التكاتف، المطبوعَ بالإحساس السوري العام بالمسؤولية الواحدة والمشتركة، مستجدٌّ يؤدّيه السوريون أول مرّة. والأدعى، بدلاً من الإنشغال بهذا، البناء عليه في توحيد مبادراتٍ أهليةٍ حمعويةٍ تنشط في تثقيف المجتمع المحلي في شؤون البيئة وحمايتها وكيفيات النأي عن كل مسبّبات تهديدها. وإذ تتناثر أقاويل هنا وهناك عن فعل فاعلٍ أحدثَ الحرائق التي يُؤمل إطفاؤها في أقرب وقت، فإن تحقيقاً مهنياًّ، لكنه على الأرجح صعب، في وُسعه التثبّت من صحّة هذا الكلام أو عدم صحّته، مع التذكير بأن حرائق مماثلة شهدتها الولايات المتحدة ودولٌ أوروبيةٌ والجزائر وتركيا وغيرها، فالأصل في الموضوع هو العمل العلمي والاحترافي من أجل عدم تكرار هذه المصائب والوقائع، وكذلك العمل، من الجنس نفسه (العلمي والاحترافي) على تطويق أي حرائق قد تنشب، والسيطرة عليها وإنهائها.
كان الشبّيحة إياهم، ومعهم إعلامٌ شبه رسمي، إبّان حكم بشّار الأسد وجرائم أجهزته، لا يستحون من إشهار بلطجتهم تحت يافطة “الأسد أو نحرق البلد”.
ومؤسفٌ من أصوات سوريين ناشزة، معزولة، راحت تتشفّى من أهل الساحل (هكذا بالمطلق)، من باب الاشتباه بأن ناساً منهم افتعَلت الحرائق الراهنة. ولا ردّ على هؤلاء إلا بالدُّعاء أن يحمي الله سورية من أصحاب هذا الكلام التافه، وأمثالهم، ذلك أن حرائق التخريب الاجتماعي والفتنة العمياء التي يتسبّب بها هؤلاء في البلد أسوأ أثراً من أي حرائق، غير أن تطويقاً قد جرى لكلامهم المسموم. ومن بالغ الأسف أن يُسمع وزيرٌ في الحكومة وهو يأتي على تصنيف سوريين، جيّدين وغير جيّدين، وفي ظنّه السيء أنه يقول درساً ينفع بلده، فيما يقترف صنيعاً شنيعاً. ولم يحدُث أن أشهر وزيرٌ في أي بلدٍ عربيٍّ كلاماً مثل هذا، ليس فقط لأنه يخرُج عن اللياقة، بل أيضاً لأنه يخرُج عن طبيعة التمثيل الذي يُفترض أن كل وزير يؤدّيه، فبلدانٌ عربيةٌ بلا عددٍ تتنوّع فيها المنابت والأصول والأعراق والديانات والمذاهب والطوائف، لكن أحداً لم يسمع مسؤولاً رسمياً فيها جاء على تمايزاتٍ مثل هذه، وإذا فعل فإنه يتحدّث فيها من مدخل الغنى الثقافي والاجتماعي في نسيجٍ وطنيٍّ واحد، وليس بمضامين تفرقةٍ بين سوريين وسوريين آخرين.
برداً وسلاماً سورية… حمى الله أهلها، ومتّع كل أبنائها بالدعة والأمن والسلام، وأطفأ فيها أيّ حرائق، من أيِّ لونٍ ونوع.
العربي الجديد



